الفصل الثاني

في إسلامه وأحواله قبل الخلافة

روى ابنه عمرو عن أبيه عثمان يصف إسلامه، فقال: كنت رجلًا مستهترًا بالنساء، وإني ذات يوم بفناء الكعبة قاعدًا في رهطٍ من قريش، إذا أتينا، فقيل لنا: إن محمدًا قد أنكح عتبة بن أبي لهب ابنته رقية، وكانت رقية ذات جمالٍ رائع، قال عثمان: فدخلتني الحسرة لِمَ لا أكون أنا سبقتُ إلى ذلك، فلم ألبث أن انصرفت إلى منزلي، فأصبت خالة لي قاعدة، وهي: سعدى بنت كريز، وكانت قد تكهَّنَت عند قومها، فلما رأتني قالت:

أبشر وحُييت ثلاثًا تترى
أتاك خيرًا ووُقيت شرا
أنكحت والله حصانًا زهرا
وأنت بِكر ولقيت بكرا
وافيتها بنت عظيم قدرا
بنت امرئ قد أشاد ذكرا

فعجبتُ من قولها، فقلت: يا خالة، ما تقولين؟ فقالت: يا عثمان:

لك المال ولك اللسان
هذا نبي معه البرهان
أرسله بحقه الديَّان
فاتبعه لا تغتالك الأوثان

فقلت: يا خالة، إنكِ لتذكرين شيئًا ما وقع ذكره في بلدنا فأبينيه لي، قالت: محمد بن عبد الله، رسول من عند الله، جاء بتنزيل الله، يدعو إلى الله، ثم قالت: مصباحه مصباح، ودينه فلاح، وأمره نجاح، وقرنه نطاح، ذلَّت له البطاح، ما ينفع الصياح، لو وقع الدباح، وسلت الصفاح، ومُدَّت الرماح.

فانصرفتُ، ووقع كلامها في قلبي، فجعلت أفكر فيه، وكان لي مجلس عند أبي بكر فأتيته، فأصبته في مجلس ليس عنده أحد، فجلست إليه فرآني مفكرًا، فسألني عن أمري، وكان رجلًا مُتأنيًا، فأخبرته بما سمعت من خالتي، فقال: ويحك يا عثمان! إنك لرجل حازم، ما يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الأوثان التي يعبدها قومنا؟ أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تُبصِر؟! قلت: بلى والله إنها كذاك، فقال: والله لقد صدقت خالتك، هذا رسول الله محمد بن عبد الله، قد بعثه الله برسالته إلى خلقه، فهل لك أن تأتيه فتسمع منه؟ قلت: بلى، فوالله ما كان أسرع من أن مرَّ رسول الله ومعه علي يحمل ثوبًا، فلما رآه أبو بكر قام فسارَّه في أذنه بشيء، فجاء رسول الله فقعد، ثم أقبل عليَّ، فقال: يا عثمان، أجب الله إلى جنته، فإني رسول الله إليك وإلى خلقه، فوالله ما تمالكت حين سمعت قوله أن أسلمت، وأشهد بأن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله … ثم لم ألبث أن تزوجت رقية بنت رسول الله .

ولما اشتد أذى المشركين على رسول الله والمسلمين، وأذن الرسول لأصحابه بالهجرة إلى أرض الحبشة، كان عثمان من أول من فرَّ بدينه إليها وأخذ معه زوجه، فكانا أول مهاجرَين، ثم تبعه سائر المهاجرين. قال أنس بن مالك: لما خرج عثمان بابنة رسول الله إلى الحبشة وأبطأ خبرهما جعل يتوكَّف الأخبار، فقدمت امرأة من قريش من أرض الحبشة، فسألها ، فقالت: رأيتها وقد حملها على حمار من هذه الدواب وهو يسوقها، فقال النبي : إن كان عثمان لأول من هاجر إلى الله عز وجل بعد لوط،١ وقد ظل رضوان الله وسلامه عليه في الحبشة إلى ما بعد هجرة النبي إلى المدينة أو بعدها.
ولما قدم على رسول الله من الحبشة أنِسَ به جدًّا، فكان يدعوه إلى مجلسه ويُسامره في ليله، فيهش له وينشرح صدره بمقدمه، روت عائشة أنها كانت هي وحفصة عند رسول الله ذات يوم، فقال رسول الله: لو كان عندنا رجل يحدثنا، فقالت عائشة: أبعث إلى أبي بكر فيجيء فيحدثنا، قالت: فسكت ، فقالت حفصة: أبعث إلى عمر فيجيء فيحدثنا، فسكت ، ثم دعا وصيفًا بين يديه فسارَّه، فإذا عثمان يستأذن، فأذن له وأقبل عليه بوجهه، فناجاه رسول الله طويلًا.٢
وقد شهد المشاهد والغزوات مع النبي ، وكان ممن هرب يوم أحد، وتخلف عن بدر؛ لأن النبي أذن له بالتخلف عنها لتمريض السيدة رقية، فكتب له النبي بسهمه وأجره، وتخلف عن بيعة الرضوان؛ لأن النبي كان بعثه إلى مكة، فأُشيع أنهم قتلوه، فضرب النبي إحدى يديه على الأخرى وقال: هذه يد عثمان، وكان الرسول يستكتبه الوحي ويستكتمه أسراره، ويقول: هو أشبه الناس بي خَلقًا وخُلُقًا ودينًا وسمتًا، وهو أصدق أمتي حياءً.٣

وقد كان من أجلِّ أعماله التي قام بها في عهد الرسول تجهيزه لجيش العسرة يوم غزوة تبوك؛ فقد قال عبد الرحمن بن خباب: شهدت النبي وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان فقال: يا رسول الله، عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت رسول الله ينزل عن المنبر وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد هذه.

ومن أعماله الجليلة في عهد الرسول تسبيله بئر رومة؛ لما قدم المهاجرون إلى المدينة واستنكروا الماء، وكان لرجل من بني غفار بئر يقال لها «بئر رومة»، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال رسول الله للرجل: تبيعها بعين في الجنة؟ فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي عين غيرها، لا أستطيع ذلك، فبلغ عثمان فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي فقال: اجعل لي مثل الذي جعلت له عينًا في الجنة، فقال الرسول: نعم، قال عثمان: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين. ومن أعماله النبيلة أيضًا أن المسجد النبوي لما ضاق بالمسلمين ابتاع عثمان مربدًا كان إلى جانب المسجد لما سمع رسول الله يقول: من يبتاع مربد بني فلان، غفر الله له، فابتاعه عثمان بعشرين ألفًا أو خمسة وعشرين ألفًا، وقال للرسول: قد ابتعته، فقال: اجعله في مسجدنا وأجره لك، فقال: اللهم نعم.

ولما تُوفي رسول الله كان للخلفين الراشدين بعده صاحبًا أمينًا يبذل لهما الجهد في إصلاح الأمور وتسديد الأحوال على خير ما فيه نجاح المسلمين، وكان أبو بكر وعمر يثقان به، ويعتمدان على أقواله وإرشاداته وتوجيهاته، ويستكتبانه ويرجعان في كثير من أحوال الدولة إليه.

١  الرياض النضرة للطبري: ٢، ٨٥.
٢  الرياض النضرة للطبري: ٢، ٩٠.
٣  الرياض النضرة للطبري: ٢، ٨٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١