الفصل الثالث

في أعماله الجليلة في خلافته

بُويع الإمام بالخلافة يوم الجمعة لخمسٍ بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين للهجرة؛ وذلك أنه لما قُتل عثمان (رضي الله عنه) اجتمع أصحاب النبي من المهاجرين والأنصار، وفيهم طلحة والزبير، فأتوا الإمام وقالوا له: إنه لا بد للناس من إمام، وإنك أفضل من بقي لها، فقال لهم: لا حاجة لي في إمارتكم، فاختاروا أحدًا أبايعه، فقالوا: ما نختار غيرك، وترددوا إليه مرارًا، ثم قالوا له: ما نجد أحدًا أحق بالخلافة منك، فإنك أقدمنا سابقة للإسلام، وأقربنا قرابة من رسول الله، فقال: لا تفعلوا فلأن أكون وزيرًا خير من أن أكون أميرًا، فقالوا: لا والله ما نحن بتاركيك حتى نبايعك، ثم قبِل وذهب بهم إلى المسجد النبوي، فأقبل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايعه عامة الناس.

ولم يستقبل المسلمون خلافة الإمام علي بمثل ما استقبلوا به خلافة عثمان؛ فقد كان عثمان سمحًا سهلًا معهم، أما الإمام فكان شديدًا عنيفًا.

وليس غريبًا ألا يستقبل جمهور الناس خلافة الإمام عليه السلام إلا قلقين عابسين، وزاد في هذا القلق والعبوس أن الثوار الذين قتلوا الخليفة عثمان ما زالوا في المدينة، بل إنهم هم أصحاب السلطان الفعلي في عاصمة الخلافة، وكذلك كان الحال في بعض الأمصار وبخاصة الشام، فإنهم كانوا يؤمنون بأن الخليفة الجديد مُقدم على مشاكل، وأنه يجب عليه القضاء على الفتنة وتنفيذ حكم الشرع في قتلة الخليفة السابق، ولكنه لن يستطيع ذلك، الآن على الأقل.

بايع الناس عليًّا إلا أهل الشام ونفر من كبار الصحابة المهاجرين والأنصار، فإنهم تخلفوا عن بيعته، ويروي الطبري بسنده إلى عبد الله بن الحسن أنه قال: بايعَت الأنصار والمهاجرون عليًّا إلا نفر منهم: عبد الله بن عمر، وحسان بن ثابت، وسعد بن أبي وقاص، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وقدامة بن مظعون، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وأسامة بن زيد، وفضالة بن عبيد، وعبد الله بن سلام، والمغيرة بن شعبة، وصهيب بن سنان، وكعب بني عجرة؛ فقد كان هواهم مع عثمان، وأخذ النعمان بن بشير أصابع السيدة نائلة — امرأة عثمان — التي قُطعت يوم مقتله، كما أخذ قميص عثمان الذي قُتل فيه، وهرب إلى الشام وأعطاه لمعاوية، فعلَّقه على المنبر، كما علق الأصابع، فلما رأى أهل الشام ذلك المنظر ازدادوا غيظًا على قتلة عثمان، ثم رفع معاوية القميص والأصابع، وكان كلما أحسَّ منهم بفتور أخرجه مع الأصابع وعلَّقه على المنبر ليثير صدورهم، ويحرك كوامن حقدهم، ومما زاد الأمر اضطرابًا أن عمرو بن العاص كان يسير بين بلاد الشام محرِّضًا على قتلة عثمان، وهرب كثير من بني أمية الذين كانوا في المدينة إلى مكة.

ولما تمت بيعة من بايع وقف الإمام فخطب الناس وقال: أيها الناس، إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار لهم، وإن على الإمام الاستقامة، وعلى الرعية التسليم، وهذه بيعةٌ عامة، من رغب عنها رغب عن دين الإسلام، واتبع غير سبيل أهله، ولم تكن بيعتكم إيَّاي فلتة، وليس أمري وأمركم واحدًا، وإني أريدكم لله، وأنتم تريدونني لأنفسكم، وايم الله لأنصحن للخصم، ولأنصفن المظلوم، وقد بلغني عن سعد وابن مسلمة وأسامة وعبد الله وحسان أمور كرهتها، والحق بيني وبينهم، والسلام.

ولم يكن تخلُّف هؤلاء النفر عن بيعة الإمام لأنهم كانوا يعتقدون عدم أهليته للخلافة، بل لشبهة دخلت عليهم، يقول العلَّامة المرحوم السيد محسن الأمين: «إن امتناع من امتنع عن بيعته عليه السلام ليس لاعتقادهم عدم أهليته للخلافة ولا عنادًا، بل لشبهة دخلت عليهم، فابن عمر وسعد ظنا أنها فتنة والأرجح عدم الدخول فيها، ثم بان لهما خطؤهما وندما على ترك القتال، وعدَّا أنفسهما مذنبَين، وأسامة دخلت عليه شبهة عدم جواز قتل من أظهر الإسلام، ولم يتفطَّن للفرق بين المقامَين وأنها شبهة واهية.»١ والحق أن الموقف قد كان حرِجًا، ولولا أن عليًّا ساس الأمور بحكمته لوقع المسلمون يومئذٍ في فتنة سوداء، ولاندَكَّ صرح الإسلام.

استقبل علي عليه السلام عام ٣٦ للهجرة، وقد سمَّى عماله على الأمصار، فبعث عثمان بن حنيف إلى البصرة، وعمارة بن شهاب إلى الكوفة، وعبيد الله بن عباس إلى اليمن، وقيس بن سعد بن عبادة إلى مصر، وسهل بن حنيف إلى الشام، ومخنف بن سليم إلى أصفهان وهمذان؛ فأما سهل فإنه خرج حتى إذا كان في تبوك لقيته خيول أهل الشام، فقالوا له: مَن أنت؟ قال لهم: أنا أمير الشام بعثني علي أميرًا، فقالوا له: ارجع إلى المدينة سالمًا بنفسك وإلا قُتلت ومن معك، ورأى كثرة عددهم فرجع إلى المدينة.

وأما قيس بن سعد فإنه لما انتهى إلى أيلة لقيَته خيل، فقالوا له: مَن أنت؟ قال: بعثني علي أميرًا على مصر، فأدخلوه إليها، وافترق أهل مصر إلى ثلاث فرق: فرقة دخلت في الجماعة وبايعت عليًّا، وفرقة اعتزلت وقالت: إنْ قَتَلَ علي قتَلَة عثمان كنا معه وإلا فلا، وفرقة قالوا: نحن مع علي ما لم يقد إخواننا الذين اشتركوا في قتل عثمان.

وأما عثمان بن حنيف فإنه سار حتى دخل البصرة، فرأى الناس منقسمين إلى أقسام: قسم مع الجماعة، وقسم قال: نحن مع أهل المدينة نفعل ما يفعلون.

وأما عمارة بن شهاب فإنه لما بلغ مدينة زبالة لقيه طلحة بن خويلد الأسدي، وكان هذا قد خرج في طلب ثأر عثمان، فقال لعمارة: ارجع إلى من بعثك فإن القوم لا يريدون بأميرهم العثماني — وهو أبو موسى الأشعري — بديلًا، فإن أبيت ضربت عنقك، فرجع عمارة إلى علي بالمدينة.

وأما عبيد الله بن عباس فانطلق إلى اليمن ودخلها.

•••

أما علي عليه السلام فإنه كتب إلى معاوية يقول: «أمَّا بعدُ: فإن الناس قد قتلوا عثمان عن غير مشورة مني، وبايعوني بمشورة منهم واجتماع، فإذا أتاك كتابي فبايع لي، وأوفِد إليَّ أشراف أهل الشام قبلك.» فتلقَّى معاوية الكتاب وقرأه وطواه ولم يُجب الإمام بشيء، وكان الرسول الذي أحضر الرسالة كلما تنجَّز معاوية ينشده قول الشاعر:

أدم إدامة حصن أو خذن بيدي
حربًا ضروسًا تشب الجزل والضرما
في جاركم وابنكم إذ كان مقتله
شنعاء شيبت الأصداغ واللمما
أعيا الحسود بها والسيدون فلم
يوجد لها غيرنا مولًى ولا حكما

فلما مضى شهران ونصف دعا معاوية رجلًا من عبس يقال له: قبيصة، فدفع إليه رسالة إلى الإمام، وقال له: إذا دخلت المدينة فأعلِم الناس بمقدمك، فلما قدم المدينة قال لهم إنه قد جاء بجواب معاوية، فتبعوه، ودخل على علي ففضَّ الرسالة، ولم يجد فيها شيئًا سوى كلمة «بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال للعبسي: ما وراءك؟ قال: أآمنٌ أنا؟ قال: نعم، قال: تركت القوم لا يرضون إلا بالقود وقتْل قتلة عثمان، وتركت ستين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان وهو منصوب لهم قد ألبسوه قبر دمشق، وهم يطلبون رقبتك، فقال الإمام: أمِنِّي يطلبون دم عثمان؟ ألستُ موتورًا بعثمان كترتهم به؟ اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ثم قال للعبسي: اخرج.

وفي هذه الفترة كتب معاوية كتابًا إلى الزبير يقول له فيه: «من معاوية بن أبي سفيان إلى الزبير أمير المؤمنين، سلامٌ عليك، أمَّا بعدُ: فإني قد بايعت لك أهل الشام، فأجابوا، فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقك إليهما ابن أبي طالب، فإنه لا شيء بعد هذين المصرَين، وقد بايعت لطلحة من بعدك، فأظهِرا الطلب بدم عثمان، وادعوا الناس إلى ذلك، وليكُن منكما الجد والتشمير، أظفركما الله، وخذل مناوئكما.» فلما وصل الكتاب إلى الزبير فرِح به كثيرًا وأقرأه طلحة، فلم يشُكَّا في صدق معاوية، وأجمعا على خلاف علي.

أما الإمام فإنه عزم على الحرب وقتال من لم يبايعه، واستدعى إليه ابنه محمد بن الحنفية، فدفع إليه لواء جيشه، وجعل عبد الله بن عباس على الميمنة، وعمر بن أبي مسلمة على ميسرته، وأبا ليلى بن الجراح على المقدمة، واستخلف على المدينة قثم بن عباس، وكتب إلى قيس بن سعد وعثمان بن حنيف وأبي موسى الأشعري أن يندبوا الناس لقتال مخالفيه، فاشتعلت نيران الحرب، وكانت أعظم هذه الحروب معارك: «الجمل» و«صفين» و«النهروان».

(١) حرب الجمل

كانت السيدة عائشة بنت الصديق يوم مقتل عثمان بمكة، فضاقت ذرعًا بهذا القتل الظالم، وقامت تُطالب بالانتقام من القتلة، وتصيح بالناس: «إن الغوغاء من أهل الأمصار وعبيد أهل المدينة قد سفكوا الدم الحرام في الشهر الحرام واستحلوا البلد الحرام، وأخذوا المال الحرام في الشهر الحرام، والله لإصبع عثمان بن عفان خير من طباق الأرض أمثالهم … والله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبًا لخلُص منه كما يخلُصُ الذهب من خبثه، أو الثوب من درنه، إذ ماصوه كما يُماص الثوب بالماء — أي غسلوه.»

فلما سمع الناس ذلك تهيَّجوا وقال أحدهم، وهو عبد الله بن عامر الحضرمي، وكان عامل عثمان على مكة: ها أنا ذا أول طالب بدم عثمان، وتبعه بنو أمية، وقدم عليهم عبد الله بن عامر بن كريز من البصرة بمالٍ كثير، كما قدِمَ يعلى بن أمية من اليمن بستمائة بعير وستمائة ألف درهم، ولما رأى طلحة والزبير ذلك قالا لعلي: إننا نريد الخروج إلى مكة للعمرة، فقال لهما: والله إنكما لا تريدان العمرة، وإنما تريدان الغدرة ونكث البيعة، فحلفا له بالله أنهما لا يريدان الغدر، وجددا له بيعتهما بأشد ما يكون من المواثيق والأيمان، فأذِن لهما، ولما خرجا قال لصحبه: والله لا ترونهما إلا في فتنة يُقتلان فيها، فقال الصحب: مُر بردِّهما عليك، فقال: ليذهبا وليقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

ولما وصلا مكة قالا لعائشة: إننا قد تركنا في المدينة قومًا حيارى لا يعرفون حقًّا ولا يُنكرون باطلًا، ولا يمنعون أنفسهم، ثم استقر رأيهم على الخروج إلى البصرة، فأتت عائشة أم سلمة، إحدى زوجات النبي تطلب إليها أن تخرج معها وتقول: يا أم سلمة، كنتِ كبيرة أمهات المؤمنين، وكان رسول الله يقمؤ — يعيش — في بيتكِ، وكان يقسم لنا في بيتكِ، وكان ينزل عليه الوحي في بيتكِ، فقالت لها أم سلمة: يا ابنة أبي بكر، لقد زرتِنِي وما كنتِ زوَّارة، ولأمرٍ ما تقولين هذه المقالة. فقالت: إن طلحة والزبير وعبد الله بن الزبير أخبروني أن الرجل قُتل مظلومًا، وأن بالبصرة مائة ألف سيف يُطاوعون، فهل لكِ أن نخرج أنا وأنتِ لعلَّ الله يُصلح بنا فئتَين متناحرتَين؟ فقالت لها: يا عائشة، أبدم عثمان تطلبين وقد كنتِ أشد الناس عليه؟! وقد بايعه المهاجرون والأنصار، وإن عمود الإسلام لا ترأبه النساء إن انثلم — في كلامٍ طويل.

فقالت لها عائشة: شتمتِنِي يا أختي، فقالت لها أم سلمة: ولكن الفتنة إذا أقبلت غطَّت على البصيرة، وإذا أدبرت أبصرها العاقل والجاهل، ثم تركتها عائشة وأتت حفصة بنت عمر زوج رسول الله، فأجابتها إلى الخروج معها، ولكن أخاها عبد الله بن عمر منعها من ذلك، ثم نادى المنادي: إن عائشة وطلحة والزبير وجمهور المسلمين خارجون إلى البصرة، فمن أراد أن يعزَّ دين الإسلام ويطلب بدم عثمان وليس له مركب ولا جهاز فليأتِ، ثم ساروا في نحوٍ من ألف راكب، وقيل: بل كانوا ثلاثة آلاف، وكان في الطليعة: أبان بن عثمان، والوليد بن عثمان، ومروان بن الحكم، وسائر بني أمية.

قال ابن جرير الطبري: وأمَّرَتْ على الصلاة عبد الرحمن بن عتاب بن أُسيد، وبعثت أم الفضل بنت الحارث زوج العباس بن عبد المطلب كتابًا إلى أمير المؤمنين علي تُخبره بالخبر مع ظفر الجهني، فلما قرأ الرسالة وعلم نكث الزبير وطلحة بالبيعة واجتماعهما مع عائشة، وقف فخطب الناس في المسجد وقال: «أمَّا بعدُ: فإن الله بعث محمدًا للناس كافة وجعله رحمة للعالمين، فصدع بما أمر ربه، وبلَّغ رسالات ربه فلمَّ به الصدع، ورتق به الفتق، وآمن به السبل، وحقن الدماء، وألَّف به بين ذوي الإحن والعداوة، والوغر في الصدور والضغائن الراسخة في القلوب، ثم قبضه الله إليه حميدًا، وكان من بعده ما كان من التنازُع في الإمرة، فتولى أبو بكر، وبعده عمر، ثم تولى عثمان، فلما كان من أمره ما عرفتموه ثم أتيتموني فقلتم: بايعنا، فقلت: لا أفعل، فقلتم: بلى، فقلت: لا، وقبضت يدي فبسطتموها، ونازعتكم فجذبتموها، حتى تداككتم عليَّ تداك الإبل الهِيم على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتليَّ، وأن بعضكم قاتل بعضًا، فبسطتُ يدي فبايعتموني مختارين، وبايعني في أولكم طلحة والزبير طائعَين ثم مكرهَين، ثم لم يلبثا أن استأذناني في العمرة، والله يعلم أنهما أرادا الغدرة، فجدَّدتُ عليهما العهد في الطاعة، وألا يبغيا الأمة الغوائل، فعاهداني ثم لم يفيا لي، ونكثا بيعتي ونقضا عهدي، فعجبًا لهما من انقيادهما لأبي بكر وعمر وخلافهما عَليَّ! ولستُ بدون أحد الرجلين، ولو شئت أن أقول لقلت: اللهم احكم عليهما بما صنعا في حقي وصغرا في أمري وظفِّرني بهما.»

وقال في خطبةٍ ثانية حين بلغه مسيرة عائشة: «أمَّا بعدُ: فإن عائشة سارت إلى البصرة ومعها طلحة والزبير، وكلٌّ منهما يرى الأمر له دون صاحبه، أما طلحة فابن عمها، وأما الزبير فختنها، والله لو ظفروا بما أرادوا، ولن ينالوا ذلك أبدًا، ليضربنَّ أحدهما عنق الآخر بعد تنازُع منهما شديد، والله إن راكبة الجمل الأحمر ما تقطع عقبة ولا تحل عقدة إلا في معصية الله وسخطه حتى تورد نفسها ومن معها موارد الهلكة، أي والله ليُقتلن ثلثهم، وليهربن ثلثهم، وليتوبن ثلثهم، وإنها التي تنبحها كلاب الحوأب، وإنهما ليعلمان أنهما مخطئان، ورُبَّ عالم قتله جهله معه علمه لا ينفعه، حسبنا الله ونعم الوكيل؛ فقد قامت الفتنة فيها الفئة الباغية، أين المحتسبون؟ أين المؤمنون؟ ما لي ولقريش؟ والله لقد قتلتهم كافرين، ولأقتلنَّهم مفتونين، وما لنا إلى عائشة من ذنب إلا أنَّا أدخلناها في صيرنا، والله لأبقرنَّ الباطل حتى يظهر الحق من خاصرته، ثم إنه دعا وجوه أهل المدينة فقال لهم: إن آخر هذا الأمر لا يصلُح إلا بما صلُح به أوله، فانصروا الله ينصركم ويُصلح لكم أمركم …»

ثم إن الإمام استخلف على المدينة سهل بن حنيف، وقيل: بل تمَّام بن العباس، وعلى مكة قثم بن العباس، وخرج في تعبيته التي عبَّأها لأهل الشام في آخر ربيع الأول سنة ٣٦ﻫ حتى أتى «الربذة» فاجتمع إليه الناس وسار نحو «فَيْد».

أما عائشة وجماعتها فإنها بعد أن بلغت «الحوأب» تركته نحو «البصرة»، فلما قرُبت منها أرسلت عبد الله بن عامر بن كريز الذي كان أميرًا على البصرة من قِبَل عثمان، فاندسَّ إلى البصرة، وكتبت إلى الأحنف بن قيس وجماعة من وجوه المدينة تدعوهم لنصرتها، وأقامت «بالحفير» تنتظر الجواب، ولما بلغ ذلك مسامع عثمان بن حنيف أمير البصرة من قِبَل علي أرسل إليها عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي، فلما دخلا عليها سلَّما وسألاها عن سبب مسيرها، فقالت: إن الغوغاء ونُزَّاع القبائل غزوا حرم رسول الله وأحدثوا فيه، وآووا المحدثين، فاستوجبوا لعنة الله ولعنة رسوله مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا تِرة ولا عُذر، فسفكوا الدم الحرام، وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام في الشهر الحرام، فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء وما الناس فيه وراءنا، ثم تلت قوله تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلى آخر الآية … فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ومنكر ننهاكم عنه، والسلام.

ثم خرجا من عندها وأتيا طلحة فقالا له: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قالا: ألم تبايع عليًّا؟ قال: بلى، والسيف على عنقي، وما أستقيل بيعتي إن لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان، ثم أتيا الزبير فقال لهما مثل ذلك، ثم رجعا إلى عثمان بن حنيف أمير البصرة، فقالا له: إنها الحرب فتأهب لها، فنادى عثمان بالناس ودعاهم إلى المسجد وأمرهم بالتجهُّز، ثم أقبلت عائشة فيمن معها حتى انتهوا إلى «المربد»، وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يكون معها، ووقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه.

ثم تكلم طلحة فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عثمان بن عفان وفضله، ودعا إلى الطلب بدمه، ونزل، ثم وقف الزبير فقال مثل قوله، فقال أصحابهما: «صدقا وبرَّا»، وقال أصحاب ابن الحنيف: «فجرا وغدرا»، تحاثى الناس وتحاصبوا ووقعوا في أمرٍ مريج، فوقفت عائشة — وكانت جهورية الصوت — فقالت: كان الناس يتجنون على عثمان، ويزرون على عماله، ويأتوننا في المدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنه، فننظر في ذلك فنجده برًّا تقيًّا وفيًّا، ونجدهم فجرةً غدرةً كذبة، فلما قووا كاثروه واقتحموا عليه داره، واستحلوا الدم الحرام، والشهر الحرام، والبلد الحرام، بلا ترة ولا عذر، ثم قرأَتْ قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ، إلى آخر الآية، وسكتت، فافترق أصحاب ابن حنيف فرقتَين، قالت إحداهما: صدقت وبرَّت، وإن من جاءوا معها يطالبون بحق، وقالت الأخرى: إن من جاءوا معها كاذبون ضالون، ثم تحاصب الطرفان ووقع الهرج والمرج، فجاء جارية بن قدامة السعدي فقال لها: يا أميرة المؤمنين، لَقتل عثمان أهون من خروجكِ من بيتكِ على هذا الجمل الأنكد عُرضةً للسلاح، إنه قد كان لكِ من الله ستر وحُرمة، فهتكتِ ستركِ وأبحتِ حُرمتكِ، إنه من رأى قتالكِ يرى قتلكِ، إن كنتِ أتيتِنا طائعة فارجعي إلى منزلكِ، وإن كنتِ أتيتِنا مُكرهة فاستعيني بالناس، فلم تُعِر قوله هذا التفاتًا، ثم نشب القتال بين الجانبين حتى أدركهم الليل.

وفي الصباح نشب القتال من جديد، وكثُر القتل في أصحاب ابن حنيف، وكثُر الجرح في الفريقَين وعضَّتهم الحرب، وكتب طلحة والزبير إلى أهل الشام كتابًا يُخبرانهم فيه بذلك ويحثَّانهم على النهوض، ومما جاء فيه قولهما: «إنَّا خرجنا لوضع الحرب وإقامة كتاب الله، فبايعَنا خيار أهل البصرة وخالفَنا أشرارهم قائلين: نأخذ أم المؤمنين رهينة أن أمرَتْهُم بالحرب وحثَّتْهُم عليه، وإننا يا أهل الشام نناشدكم الله في أنفسكم إلا نهضتم بمثل ما نهضنا به.»

وكتبوا مثل ذلك إلى أهل الكوفة واليمامة والمدينة، وكتبت السيدة عائشة إلى أهل الكوفة تخبرهم بحقيقة الأمر، وتأمرهم أن يثبطوا الناس عن الإمام علي، وتحثهم على طلب قتلة عثمان، ومما جاء في كتابها قولها: «قدِمنا البصرة، فدعَوْنا إلى إقامة كتاب الله، فأجابنا الصالحون واستقبلنا من لا خير فيه بالسلاح، وعزم عليهم عثمان بن حنيف إلا قاتلوني حتى منعني الله بالصالحين، واحتجوا بأشياء فاصطلحنا عليها، فخانوا وغدروا، وكان ذلك الدأب ستة وعشرين يومًا ندعوهم إلى الحق ويدعوننا إلى الباطل، وغدروا وخانوا، فغادروني في الغَلس ليقتلوني، فلم يبرحوا حتى بلغوا سدة بيتي، فوجدوا نفرًا على الباب، فدارت عليهم الرحى.»

أما الإمام علي فإنه سار حتى بلغ «ذا قار» وأتاه عثمان بن حنيف في جمعٍ كبير من أهل البصرة، ثم أرسل ابنه الحسن وعمَّارًا والأشتر النخعي إلى الكوفة يدعون أهلها لنصرة الإمام، فأحضروا جمعًا كبيرًا منهم، ورحَّب به قائلًا: يا أهل الكوفة، أنتم قاتلتم ملوك العجم وفضضتم جموعهم حتى صارت إليكم مواريثهم، فمنعتم حوزتكم وأعنتم الناس على عدوهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك الذي نريد، وإن يلِجوا داويناهم بالرفق حتى يبدءونا بالظلم، ولم نَدَعْ أمرًا فيه صلاح إلا آثرناه على الفساد إن شاء الله.

وسار علي من ذي قار حتى نزل على عبد القيس، فانضموا إليه، ثم سار حتى نزل «الزاوية» يريد البصرة، وسار طلحة والزبير وعائشة، والتقى الجمعان عند مكان قصر عبيد الله بن زياد، فلما نزل الناس أقاموا ثلاثة أيام لم يكن فيها قتال، وكان الإمام يرسل إلى جماعة عائشة يكلمهم ويدعوهم، حتى كان يوم الخميس منتصف جمادى الآخرة سنة ٣٦، فوقعت الواقعة، وكان عسكر عائشة ثلاثين ألفًا، وعسكر علي عشرين ألفًا، ومما خطب به علي صحبه قوله: «عباد الله، انهدوا إلى هؤلاء القوم منشرحة صدوركم لقتالهم، فإنهم نكثوا بيعتي، وأخرجوا ابن حنيف عاملي بعد الضرب المبرح والعقوبة الشديدة، وقتلوا حكيم بن جبلة العبدي، وقتلوا رجالًا صالحين، ثم تتبعوا منهم من يحبني يأخذونهم في كل حائط وتحت كل رابية، ثم يأتون بهم فيضربون رقابهم صبرًا، ما لهم قاتلهم الله أنى يؤفكون، انهدوا إليهم وكونوا أشدَّاء عليهم، وقد وطنتم أنفسكم على الطعن والضرب ومبارزة الأقران، وأي امرئ منكم أحسَّ من نفسه رباطة جأش عند اللقاء، ورأى من أحد إخوانه فشلًا، فليذبَّ عن أخيه الذي فضل عليه كما يذبُّ عن نفسه، ولا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم، فإنكم بحمد الله على حجة، وكفَّكم عنهم حتى يبدءوكم حجةٌ أخرى، فإذا قاتلوكم فلا تُجهزوا على جريح، وإذا هزمتموهم فلا تتبعوا مُدبِرًا، ولا تُمثِّلوا بقتيل، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترًا، ولا تدخلوا دارًا، ولا تأخذوا من أموالهم شيئًا، ولا تهيجوا امرأة بأذًى وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم وصُلحاءكم، فإنهن ضعاف العقول والأنفس، لقد كنا نؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة بالهراوة والعصا والجريدة فيُعيَّر بها هو وعقبه من بعده.»

تراءى الجمعان، فرأى علي طلحة والزبير وقال لهما: «لقد أعددتما سلاحًا وخيلًا ورجالًا، إن كنتما أعددتما عند الله عذرًا فاتَّقِيا الله سبحانه، ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، ألم أكن أخاكما في دينكما تحرمان دمي وأُحرِّم دماءكما؟ فهل حدث ما أحل لكما دمي؟» فقال طلحة: ألَّبْتَ الناس على عثمان، فقال علي: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، يا طلحة، تطلبني بدم عثمان؟ فلعن الله قتلة عثمان، يا طلحة، جئت بعرس رسول الله تقاتل بها وخبَّأت عرسك، أما بايعتني؟ قال: بايعتك والسيف على عنقي.

ثم قال للزبير مثل ما قاله لطلحة، فأراد الزبير ترك الحرب، فقال له ابنه عبد الله: جمعت بين هذين العسكرين حتى إذا اشتبكت النصال أردت أن تتركهم وتذهب، ولكنك خشيت رايات ابن أبي طالب، وعلمت أنها تحملها فتيةٌ أنجاد، وأن تحتها الموت الأحمر، فجبُنْتَ، فأحفظه ذلك، وقال: إني حلفت ألا أقاتله، فقال له ابنه عبد الله: كفِّر عن يمينك وقاتله، فدخل في المعركة، ثم رأى أن يتركها ويتوجه إلى وادي السباع قاصدًا المدينة، فلما وقف يُصلي طعنه من خلفه عمرو بن جرموز فقتله، وأخذ فرسه وخاتمه وسلاحه، ثم قدم على علي فأخبره بقتل الزبير، فتناول الإمام سيف الزبير وهزَّه وقال: «سيف طالما كشف الله به الكرب عن رسول الله، وما كان ابن صفية جبانًا ولا لئيمًا، ولكن الحين ومصارع السوء.»

ثم اشتد وطيس القتال بين الجانبَين، فنزل علي إلى الساحة وهو يتلو قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ، اللهم أفرغ علينا الصبر، ثم رفع مصحفًا بيده وقال: من يأخذ هذا المصحف فيدعوهم إلى ما فيه ولهم الجنة؟ فقال غلام اسمه مسلم بن عبد الله فقال: أنا يا خليفة رسول الله، ثم تناول المصحف وزحف على القوم فقتلوه، فقال علي: الآن حلَّ قتالهم، واقتتل الناس، وركبت عائشة الجمل، وألبسوا هودجها البسط وجلود النمر، وفوق ذلك دروع الحديد، وخطبت الناس عائشة فقالت: «أمَّا بعدُ فإنا كنا نقمنا على عثمان ضرب السوط وإمرة الفتيان، ألا وإنكم استعتبتموه فأعتبكم، ثم عدوتم عليه فارتكبتم منه دمًا حرامًا، وايم الله إنه كان أحصنكم فرجًا وأتقاكم لله.»

ثم اقتتلوا حتى قُتل طلحة وهو يقول: اللهم خذ لعثمان حتى ترضى، وحرَّضت عائشة الناس، كما حرَّض علي جماعته، واحتدم القتال وتلاحم الناس، وأخذت عائشة لفًا من حصى ورمت به وجوه أصحاب الإمام وصاحت بقولها: شاهت الوجوه، كما صنع رسول الله يوم حنين، فقال لها قائل: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى، ثم تقدم أصحاب علي إلى جمل عائشة وأصحابها يحيطون بها ويتساقطون صرعى دون الوصول إليها حتى قُتل على الخطام أربعون رجلًا، وأحدق أهل النجدات والشجاعة بعائشة، وحمل أصحاب علي حتى أداروا الجمل كما تدور الرحى، وصاح الإمام: ارشقوا الجمل بالنبل، فرُشق حتى لم يبقَ فيه موضع إلا أصابه النبل، ثم تقدم محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر، فقطعا أنساع الهودج واحتملاه، فلما وضعاه أدخل محمد يده، فقالت: من هذا؟ فقال: أخوكِ محمد، فقالت: بل مذمم، قال: يا أُخيَّة، هل أصابكِ شيء؟ قالت: ما أنت وذاك، ثم أمر الإمام بعقر الجمل، وأمر بحمل الهودج من بين القتلى، وطلب من محمد بن أبي بكر أن يضرب على أخته قبة، ثم أدخلها البصرة فأنزلها دار عبد الله بن خلف الخزاعي، وكان الإمام يتمثل في ذلك اليوم قائلًا:

إليك أشكو عُجري وبُجري
ومعشرًا أعشوا على بصري
قتلت منهم مضري بمضري
شفيت نفسي وقتلت معشري

ثم إنه أمر بأن يُنادى: لا تتبعوا مدبرًا، ولا تُجهزوا على أسير أو جريح، ولا تدخلوا الدور، ولا ترزءوا سلاحًا، ولا ثيابًا ولا متاعًا، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ثم صلى علي على القتلى من أهل البصرة والكوفة وأمر بدفنهم، وكان عدد القتلى كبيرًا تجاوز الخمسة آلاف، ثم كتب إلى أهل الكوفة بالفتح كتابًا يقول فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة، أما بعدُ: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، إن الله حكمٌ عدل، لا يغيِّر ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم، وإذا أراد بقومٍ سوءًا فلا مرد له وما لهم من دون الله من والٍ، أخبركم عنا وعَمَّن سرنا إليه من جموع أهل البصرة، ومن تأشَّب إليهم من قريش وغيرهم مع طلحة والزبير ونكثهم صفقة أيمانهم، فنهضتُ من المدينة حتى انتهى إليَّ خبر من سار إليها وما فعلوا بعاملي عثمان بن حنيف حتى قدمت «ذا قار»، فبعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر، فاستنفرتكم بحق الله وحق رسوله وحقي، فأقبل إليَّ إخوانكم سراعًا، فسرت بهم حتى نزلت ظهر «البصرة» فأعذرت بالدعاء وقمت بالحجة وأقلت العثرة والذلة من أهل الردة من قريش وغيرهم، فاستتبتهم فأبَوا إلا قتالي وقتال من معي والتمادي في الغي، فناهضتهم بالجهاد، وقُتل طلحة والزبير، وخُذلوا وأدبروا وتقطَّعَت بهم الأسباب، فلما رأوا ما حل بهم سألوني العفو عنهم، فقبلت، واستعملت على البصرة عبد الله بن العباس وأنا سائر إليكم، وقد بعثت «زُحر بن قيس الجعفي» لتسألوه فيخبركم عنا وعنهم، والسلام.»

ثم إن الإمام ولَّى زيادًا على الخراج وبيت المال وتوجَّه إلى الكوفة، فلما وصلها صعد المنبر بعد أن صلى ركعتَين وقال: أمَّا بعدُ يا أهل الكوفة، فإن لكم في الإسلام فضلًا ما لم تُبدِّلوا وتُغيِّروا، دعوتكم إلى الحق فأجبتم، وبدأتم بالمنكر فغيَّرتم، ألا إن فضلكم فيما بينكم وبين الله، فأما في الأحكام فأنتم أسوة من أجابكم ودخل فيما دخلتم فيه، ألا إن أخوَف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فيُنسي الآخرة، ألا إن الدنيا قد ترحَّلت مدبرة، والآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة، اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل، الحمد لله الذي نصر وليه، وخذل عدوَّه، وأعزَّ أنصار الحق، وأذلَّ الناكث المبطل، عليكم بطاعة الله وطاعة من أطاع الله من أهل نبيكم الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله من المنتحلين المدَّعين.

بعد أن أقام علي بالكوفة استعمل العمال على العراق وفارس، ونظَّم أموره وأخذ يُهيئ نفسه لحرب أهل الشام إلى أن كانت معركة صفين.

(٢) حرب صفين

بعد أن استقرت الأمور في العراق للإمام علي رأى أن يسير لقتال معاوية وإخضاع الشاميين، فسار حتى أتى صفين في أواسط ذي القعدة سنة ٣٦، وكان عدد جيشه نحوًا من مائة ألف مقاتل كما ذكر الطبري في حوادث تلك السنة، وكتب علي إلى زعماء العرب في الأطراف يستقدمهم، فقدم عليه الأحنف بن قيس، وجارية بن قدامة، وحارثة بن بدر، وزيد بن جبلة، وأعين بن ضبيعة، وجرير بن عبد الله البجلي؛ ولما اجتمعوا عنده أراد علي أن يبعث إلى معاوية رسولًا فقال له جرير البجلي: ابعثني إليه فأدعوه إلى أن يُسلم لك الأمر على أن يكون أميرًا من أمرائك، وأدعو أهل الشام إلى طاعتك، وجلهم قومي وقد رجوتُ ألا يعصوني، فقال له الأشتر النخعي: لا تبعثه فوالله إني لأظن أن هواه هواه، فقال له علي: دعه يذهب حتى ننظر ما يرجع به إلينا. فبعثه وقال له: إن حولي من أصحاب رسول الله من أهل الدين والرأي من قد رأيت، وقد اخترتك عليهم، ائتِ معاوية، فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون وإلا فانبذ إليه وأعلِمه أني لا أرضى به أميرًا، وانطلق جرير إلى الشام فقال لمعاوية: يا معاوية، إنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين وأهل المِصرين وأهل الحجاز واليمن ومصر وأهل العروض وعمان والبحرين واليمامة، ولم يبقَ إلا هذه الحصون التي أنت فيها، ولو سال عليها سيل من أودية لغرَّقها، وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة هذا الرجل، ودفع إليه كتاب علي، وهذا نصه:

«بسم الله الرحمن الرحيم، أمَّا بعدُ فإن بيعتي لزمتك بالمدينة وأنت بالشام؛ لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوا عليه، فلم يكُ للشاهد أن يختار، وللغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إمامًا، كان ذلك لله رضًى، فإن أبى قاتلوه على اتِّباعه غير سبيل المؤمنين، وولَّاه الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرًا، وإن طلحة والزبير كانا قد بايعاني ثم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردِّهما فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب الأمور إليَّ فيك العافية إلا أن تتعرَّض للبلاء، فإذا تعرَّضت له قاتلتك واستعنت الله عليك، وقد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إليَّ أحملك وإياهم على كتاب الله، فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان، واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة …»

فلما قرأ معاوية الكتاب دعا ثقاته، فقال له عتبة بن أبي سفيان وكان نظيره: استعن على هذا الأمر بعمرو بن العاص، فإنه مَن قد عرفت، وقد اعتزل أمر عثمان في حياته، وهو لأمرك أشد اعتزالًا، فكتب معاوية إلى عمرو وهو بفلسطين: «أمَّا بعدُ فإنه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني، أقبل أذاكرك أمرًا.» وقدِمَ على معاوية فقال له معاوية: يا أبا عبد الله، إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه، وقتل الخليفة، وأظهر الفتنة، وفرَّق الجماعة، وقطع الرحم، فقال عمرو: والله يا معاوية ما أنت وعلي بعكمي بعير (أي عدلَي بعير)، ما لك هجرته، ولا سابقته، ولا صحبته، ولا جهاده، ولا فقهه، ولا علمه، والله إن له معك حدًّا وحدودًّا وحظًّا وحظوة، فماذا تجعل لي إن شايعتك على حربه؟ قال: حُكم مصر، وكتب له معاوية بمصر كتابًا على ألا ينقض طاعة.

وأبطأ جرير بن عبد الله عند معاوية، فكتب إليه علي يتعجله ويقول: إذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل، وخذه بالأمر الحزم، ثم خيِّره بين حرب مجلية أو سلم محظية، فإن اختار الحرب فانبذ له، وإن اختار السلم فخُذ بيعته.

ثم إن معاوية جمع إليه وجوه أهل الشام وأخذ بيعتهم، وقال لجرير: الحقْ بصاحبك، وبعث معه إلى علي كتابًا يقول له فيه: من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب، أمَّا بعدُ؛ فلو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت بريء من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان، ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين، وخذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل، وقوِيَ بك الضعيف، وقد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين، وليست لعمري حججك عليَّ كحجَّتك على طلحة والزبير؛ لأنهما بايعاك ولم أبايعك، وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة؛ لأن أهل البصرة أطاعوك ولم يُطِعك أهل الشام، فأما شرفك في الإسلام وقرابتك من النبي وموضعك من قريش فلست أدفعه. ثم هيَّأ نفسه للسفر إلى صفين.

ولما أراد معاوية السير إلى صفين قال لعمرو: «إني رأيت أن نُلقي إلى أهل مكة والمدينة كتابًا نذكر لهم فيه أمر عثمان، فإما أن ندرك حاجتنا وإما أن يكف القوم عنا.» فقال عمرو: «إنما تكتب إلى ثلاثة نفر: راضٍ بعلي فلا يزيده ذاك إلا بصيرة، ورجل يهوى عثمان فلن تزيده على ما هو عليه، ورجل معتزل فلست بأوثق في نفسه من علي.» ثم كثرت الكتب والرسائل بين الطرفين وكلٌّ منهما يهيئ نفسه، وكتب علي إلى عماله في الأمصار يأمرهم بالمسير إليه وحث الناس على الجهاد، وبلغ أهل العراق مسير معاوية إلى صفين فالتفُّوا نحو الإمام عليه السلام وتجمَّعَتْ جموعهم حتى بلغت مائة وخمسين الفًا،٢ ولكنهم كانوا غثاء كغثاء السيل، كثير الكمية، قليل الأهمية لاختلاف هواهم، وكأن الإمام قد أحسَّ منهم ذلك فخطبهم خطبته الشهيرة التي يقول فيها: يا عباد الله، ما بالكم إذا أُمرتم أن تنفروا في سبيل الله اثَّاقلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة بدلًا؟ وبالذل والهوان من العز والكرامة خلقًا؟ أفكلما دعوتكم إلى الجهاد دارت أعينكم في رءوسكم كأنكم من الموت في سكرة، وكأن قلوبكم قاسية، فأنتم أُسود الشرى عند الدَّعة، وحين تُنادون للبأس ثعالب رواغة تنتقص أطرافكم فلا تخاشون، ولا ينام عدوكم عنكم وأنتم في غفلة ساهون، إن لكم عليَّ حقًّا، فالنصيحة لكم ما نصحتم، وتوفير فيئكم عليكم، وأن أُعلِّمكم كيلا تجهلوا، أؤدبكم كي تعلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصح في المغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم.

ويظهر أن هذه الخطبة قد بلغت آذان القوم ولم تبلُغ قلوبهم، فلم يُهيِّئوا أنفسهم، وآثروا الدعة والسكون على الحركة والجهاد، ويظهر أن السبب في ذلك أنهم رأوا أن الإمام يدفع بهم إلى حربٍ مُبيدة تقطع الأرحام وتُوهِي الصلات، ولا يفيدون منها أي مغنمٍ مادي. أما أهل الشام فإن معاوية يوزِّع بينهم الأموال ويُغريهم بوضع أيديهم على كل من ينتصرون عليهم وعلى أموالهم، وكان يتألَّف القادة والرؤساء وشيوخ القبائل بالأموال، أما الإمام علي فليس عنده شيء من ذلك؛ لأن المال مال الله، ولا يصح أن يُعطى لإنسان إلا بحسب فريضة الله، وقد جاءه مرة أخوه عقيل يطلب منه بعض المال، فقال لابنه الحسن: إذا خرج عطائي من بيت المال فسِر مع عمك إلى السوق، فاشترِ له ثوبًا جديدًا ونعلَين جديدتين. فيتركه ويذهب إلى معاوية فيعطيه من بيت المال مائة ألف.

سار معاوية على رأس جيوشه من الشاميين، وقدم بين يديه الطلائع والعيون، حتى وصل قبل علي إلى صفين، فأنزل جيشه البالغ نحو خمسين ألفًا في مكانٍ رحب كثير العشب والخير، قريب من الفرات، ثم جاء جيش علي الضخم فنزل بمكان قريب من جيش معاوية، ولكن لم يجد على الفرات شريعة يستقي منها، فأرسل إلى معاوية يطلب إليه أن يُخلِّي الماء حرًّا للجيشين فلم يقبل معاوية، واضطرب أصحاب علي حتى اقتتل نفر من الطرفين على الماء، وأُتيح لجماعة علي أن يأخذوا مورد الماء، ولكن الإمام عليًّا رأى أن ذلك ظلم، وأن الماء ماء الله يجب أن يشرب الناس منه جميعًا، فغضب نفر من أصحابه لهذه السياسة، ولكنه لم يأبه لهم، واستمرت السفارات بين الجانبَين، ولكنها لم تنتهِ إلى شيء، بل عبَّأ كل جانب جنده وشرع في القتال الفردي الذي ظل نحوًا من عشرة أيام، وكانت السفراء لا تنقطع، حتى دخل المحرم من السنة الجديدة، فسئم الإمام من هذه المطاولات وزحف بجميع جيشه، فلقيه معاوية بجيشٍ مثله، والتحم الطرفان وانكشفت ميمنة جيش الإمام، وتضعضع قلب جيشه حتى اضطر إلى أن ينحاز الإمام نفسه إلى ميسرة الجيش في بني ربيعة، فاستقتلَت لحمايته، وكان خطيبها يقول: «يا معشر ربيعة، لا عذر لكم بعد اليوم عند العرب إن أُصيب أمير المؤمنين وهو فيكم.» فتحالفت ربيعة على الموت إلى أن انتظم حال الميمنة من جديد بفضل قيادة الأشتر الحكيمة، واشتد جيش الإمام على جيش معاوية في اليوم الثالث حتى كاد أن يبلغ فسطاط معاوية ويشتَّت شمله، وهمَّ معاوية بالفرار ولم يثبته إلا قول ابن الإطنابة:

أبَت لي همتي وأبى بلائي
وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإجشامي على المكروه نفسي
وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأتُ وجاشت
مكانكِ تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثرَ صالحاتٍ
وأحمي بعدُ عن عرضٍ صحيح

وكان أهل العراق لا يشكون في ظفرهم، لولا الحيلة التي احتالها معاوية وأصحابه حين رأوا أن المصاحف قد نُشرت مرفوعة على رءوس الرماح والسيوف، بينما خرج منادٍ من أهل الشام يقول: هذا كتاب الله بيننا وبينكم من فاتحته إلى خاتمته، اللهَ اللهَ يا قوم في العرب، اللهَ اللهَ في الإسلام، اللهَ اللهَ في الثغور، مَن لثغور الشام إذا هلك أهل الشام؟ ومن لثغور العراق إذا تفانى أهل العراق؟ فلما رأى العراقيون المصاحف وسمعوا الدعاء تداعَوا إلى قبول الهدنة، وذهب رؤساؤهم إلى الإمام بذلك، فقال لهم: لا والله، إن القوم ليسوا بأصحاب قرآن، ولم يرفعوه على أرماحهم تائبين إلى ما فيه، وإنما رفعوه كائدين يبغونكم الفتنة بالحيلة. ولكن أصحاب الإمام ألحُّوا عليه حتى أنذروه بمفارقته، ومنهم من أنذره بتسليمه إلى معاوية، ومنهم من قال له: امضِ في القتال، وتفرَّق بأس القوم بينهم، فاضطر الإمام إلى وقف القتال، ولم يكفَّ الأشتر النخعي عن المُضِي في الحرب إلا بعد لأي، وذهب رسل علي إلى معاوية، فقال لهم: نختار منا رجلًا ومنكم رجلًا، ونأمرهما أن يفصلا بيننا بما في كتاب الله، ورجع رسل علي إليه بكلام معاوية، فلما سمعه حوقل، وتصايح القوم في حضرته يقول أكثرهم بالقبول، وأقلهم بالرفض، واضطر الإمام أن يجيب الكثرة إلى ما رأت.

•••

كانت الحيلة التي لجأ إليها عمرو بن العاص برفع المصاحف حيلةً نافذة، ضعضعت صف جيش الإمام وشتَّتَتْ شمله، ولو كان الغرض منها شريفًا لهان الأمر، ولكن معاوية وعَمرًا قد بيَّتا مؤامرةً خبيثة تهدف إلى عزل الإمام بالاتفاق مع بعض قادته، وفي طليعتهم: الأشعث بن قيس الكندي.

ومهما يكن الأمر، فإن الطرفَين المتخاصمَين اتفقا على أن يُحَكِّموا رجلَين لحل هذه المعضلة، فاتفق جماعة معاوية على اختيار عمرو بن العاص، واتفق جماعة علي على أبي موسى الأشعري، واجتمع المفوضون من الطرفَين فكتبوا شروط الهدنة من وقف القتال، واختيار الحكمَين، وموعد اجتماعهما، وتأمينهما على أنفسهما وأموالهما مهما يكون حكمهما، كما اتفقوا على حرب مَن يخالف هذه الوثيقة التالي نصها:

«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل العراق ومن كان معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضى معاوية على أهل الشام ومن كان من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين: إننا ننزل عند حكم الله، وبيننا كتاب الله فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى خاتمته، نُحيي ما أحيا، ونُميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله فإنهما يتبعانه، وما لم يجداه مما اختلفا فيه في كتاب الله نصًّا أمضيا فيه السنة العادلة الحسنة الجامعة غير المفرقة، والحكمان: عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص، وأخذنا عليهما عهد الله وميثاقه ليحكما بما وجدا في كتاب الله نصًّا، فما لم يجداه في كتاب الله مسمى عملا فيه بالسنة الجامعة غير المفرقة.»

وأخذا من علي ومعاوية ومن الجندين كليهما وممن تأمَّرا عليه من الناس عهد الله ليقبلن ما قضيا به عليهما، وأخذا لأنفسهما الذي يرضيان به من العهد ومن الثقة بالناس أنهما آمنان على أنفسهما وأهليهما وأموالهما، وأن الأمة لهما أنصار على ما يقضيان به من العدل على علي ومعاوية، وعلى المؤمنين والمسلمين من كلا الطائفتَين، وأن على عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يصلحا بين الأمة، ولا يرداها إلى فرقة ولا حرب، وأن أجل القضية إلى شهر رمضان، فإن أحبَّا أن يعجلاها دون ذلك عجلا، وإن أحبا أن يؤخِّراها عن غير ميل منهما أخَّراها، وإن مات أحد الحكمَين قبل القضاء فإن أمير كل شيعة وشيعته يختارون مكانه رجلًا لا يألون عن أهل المعدلة والنصيحة والإقساط، وأن يكون مكان قضيتهما التي يقضيانها فيه مكان عدل بين الكوفة والشام والحجاز، لا يحضرهما فيه إلا من أرادا، فإن رضيا مكانًا غيره فحيث أحبَّا أن يقضيا، وأن يأخذ الحكمان من كل واحد من شاءا من الشهود، ثم يكتبا شهادتهم في هذه الصحيفة أنهم أنصار على من ترك ما فيها: اللهم نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة وأراد فيها إلحادًا أو ظلمًا، وشهد بما في هذا الكتاب من أصحاب الإمام: عبد الله بن العباس، والأشعث بن قيس، والأشتر مالك بن حارث، وسعيد بن قيس الهمداني، والحصين، والطفيل بن الحارث بن المطلب القرشي، وعوف بن الحارث بن المطلب القرشي، وربيعة بن مالك الأنصاري، وعقبة بن عامر الجهني، ورافع بن خُديج الأنصاري، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وورقاء بن سمي، والحسن والحسين ابنا علي، وعبد الله بن حجل الأرحبي، ويزيد بن حجية التميمي.

ومن أهل الشام: أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي، وبسر بن أرطاة القرشي، وحبيب بن مسلمة الفهري، والمخارق بن حارث الزبيدي، وزَمْل بن عمرو العذري، وحمزة بن مالك الهمداني، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي، وسبيع بن يزيد الحضرمي، وعلقمة بن يزيد الحضرمي، وعتبة بن أبي سفيان القرشي، ويزيد بن الحر العبسي.

واتفق الحكمان على أن يجتمعا في «أذرح»، وأن يجيء علي بأربعمائة من أصحابه، ويجيء معاوية بأربعمائة من أصحابه يشهدون الحكومة، ثم خرج الأشعث بن قيس يتلو كتاب التحكيم على الناس، فمر به على أهل الشام ورضوا به، ثم مر به على أهل العراق فلم تقبل به طائفة منهم وخرجت تُعلن أنها ترفض تحكيم الرجال في دين الله، وهكذا انتهى الجزء الأول من هذه الفتنة بوقوع الفرقة بين صفوف جند الإمام، ولم يمضِ يومان على كتابة الصحيفة ودفن القتلى من الجانبَين حتى أذن مؤذن علي في أصحابه بالرحيل عن صفين إلى الكوفة وهم متفرقون متشاتمون، ومنذ ذلك اليوم نشأ في الإسلام جماعةٌ جديدة، كان لها أثرٌ عميق في الأحداث التي تعرَّض لها الإسلام، وهي جماعة الخوارج الذين اتخذوا حروراء مكانًا لهم، وأخذوا يرسلون الرسل لمفاوضة الإمام ودعوته إلى استئناف القتال، ولكنه لم يقبل بعدما أعطى ميثاقه بالهدنة.

وقد أرسل إليهم عبد الله بن العباس في جماعة من أصحابه يناظرهم ويناقشهم وقد حفظت لنا كتب التاريخ والفرق نصوص مناظرةٍ مشهورة بين ابن عباس ورؤساء الخوارج، عدَّدوا له فيها ما نقموه على الإمام من أمر تحكيم الرجال في دين الله، فردَّ عليهم ابن عباس بقوله: إن الآمر قد أمر التحكيم في الصيد الذي يصيبه المحرم، كما أمر بتحكيم حكمَين بين الزوجَين إن وقع بينهما شقاق، فقال الخوارج لابن عباس: إنما نص عليه الله من الأحكام لا تجوز المخالفة فيه، وما أذن للناس فيه بالرأي جاز لهم أن يجتهدوا فيه برأيهم، ألا ترى إلى أمر الله في الزاني والسارق وقاتل النفس المؤمنة في غير حقها؟ فليس للإمام أن يخالف عن هذا الرأي على أن يغيِّر فيه، وإن أمر الله في معاوية وأصحابه واضح في آية الطائفة الباغية، فلم يكن لعلي أن يغيره، وإنما كان الحق عليه أن يمضي في قتال هؤلاء البغاة حتى يفيئوا إلى أمر الله.

ثم تقدم الخطيب صعصعة بن صوحان يعظهم ويُخوِّفهم، فرجع مع ابن عباس وصعصعة نفر قليل، وبقي جمهور خارجًا على إرادة الإمام.

اجتمع الحكمان في «دومة الجندل»، ثم في «أذرح»، ولم تكن مفاوضاتهما على ملأ من الناس، بل كان كل واحد يجتمع بصاحبه ويتناقشان، وروايات المؤرخين لهذا الموضوع مضطربةٌ متناقضةٌ مختلفة، فإذا أُضيف إلى ذلك أن الصحيفة نفسها كانت غامضة لم يُنَص فيها على موضوع الخلاف، تبيَّن لنا مقدار حراجة الموقف في الحكم على هذه القضية.

ويظهر أن الطرفَين اتفقا على أن الخليفة الثالث قد قُتل مظلومًا، وأن على معاوية أن يُطالب بالاقتصاص من قاتليه؛ لأنه هو وليه، ولكن الخلاف دبَّ حين بُحث في موضوع من ينبغي أن يطلب إليه معاوية في الاقتصاص؛ أهو علي؟ ومعاوية يتهم عليًّا في التأليب على الخليفة القتيل، فلا بد إذن من اختيار خليفةٍ حيادي يرتضيه الناس، ويُعين معاوية على الانتقام من قتلة عثمان، وقد اقترح أبو موسى تسمية عبد الله بن عمر للخلافة لحياده ودينه، ولكن عَمرًا رفض هذا الاقتراح، وطال الجدل بين الحكمَين ولم يتفقا على رجلٍ حيادي، ثم قرَّ رأيهما على أن يخلعا عليًّا ومعاوية جميعًا، وأن يتركا للأمة أن تختار من تشاء، ولكنهما لم يضعا نظامًا للاختيار.

ثم اجتمع الناس وتُليَ عليهم الاتفاق، وقدم عمرو أبا موسى ليبدأ بإعلان ما اتفقا عليه من خلع علي ومعاوية، فقام فقال: بعد حمد الله والثناء عليه، إنه يعلن أنهما اتفقا على خلع علي ومعاوية، ورد الأمر شورى بين المسلمين، وطلب إلى الناس أن يستقبلوا أمرهم، ويختاروا لخلافتهم من يرضون. ثم قام عمرو فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن هذا قد خلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه مثله، ولكني أثبت صاحبي. فقال أبو موسى: ما لك لا وفَّقك الله! غدرت وفجرت! وماج القوم واضطربوا وتضاربوا، وانطلق أبو موسى إلى مكة، وعاد أهل الشام إلى معاوية مهنِّئين مبايعين بإمرة المؤمنين.

وانتهت هذه الفتنة بفوز معاوية وتضعضُع أمر علي وتفرُّق جماعته، وذلك بخديعة عمرو، وسلامة قلب أبي موسى الذي كان يظن أن المسلمين ولا سيما أصحاب رسول الله لا يشغلون إلى الخديعة والغدر؛ ولذلك رأى أن يفر بدينه ونفسه إلى مكة كارهًا لكل ما يرى ويسمع.

أما الإمام علي فإنه حين بلغه ما جرى، خطب الناس فقال: «الحمد لله، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعدُ: فإن معصية الناصح الشفيق المجرِّب تُورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلَين وهذه الحكومة بأمري، ونخلت لكم رأيي لو يُطاع لقصير رأي، ولكنكم أبيتم إلا ما أردتم، فكنت وإياكم كما قال أخو هوازن:

أمرتهمُ أمري بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

ألا إن الرجلَين اللذين اخترتموهما حكمَين قد نبذا حكم الكتاب وراء ظهورهما، وارتأيا الرأي من قِبَل أنفسهما، فأماتا ما أحيا القرآن، وأحييا ما أمات القرآن، ثم اختانا في حكمهما، فكلاهما لا يرشد ولا يسدد، فبريءٌ الله منهما ورسوله، وصالح المؤمنين، فاستعدوا للجهاد وتأهَّبوا للسير.»

ثم كتب إلى أهل البصرة يدعوهم إلى نصرته، فجاءه منهم جمعٌ كبير، ولم يشخص إليه ابن عباس هذه المرة، بل اكتفى بأن أرسل الجند، وأراد الإمام عليه السلام أن يسير إلى الشام، ولكن جاء خبر أقضَّ مضجعه، وهو أن الخوارج تجمَّعوا بجموعٍ كبيرة في النهروان، فكتب إليهم ينبئهم بأن الحكمَين انتهيا إلى خلاف، وأنه يدعوهم لنصرته في حرب أهل الشام، فأبوا عليه وأغلظوا في القول لرسوله، فصبر عليهم وقال: لعلهم يثوبون إلى الرشاد والهدى والصواب، ولكن الأخبار وصلت إليه بأنهم أخذوا يعيثون في الأرض الفساد، ويقتلون الأبرياء والصالحين والنساء، فعزم على قتالهم، وسار نحو النهروان.

وهكذا انتهى حرب صفين على هذا النحو المُخزي الفاجع، الذي فرق كلمة المسلمين وشتَّت شمل العرب.

(٣) حرب النهروان

لما وصل الإمام عليه السلام إلى النهروان — وهي كورةٌ واسعةٌ واقعة بين محل واسط وبغداد — كتب إليهم يوصيهم بالدخول في طاعته، وأن يُسلموا إليه قتلة عبد الله بن خباب بن الأرت الذي قتلوه شهيدًا بريئًا، فأجابوه بأننا كلنا قَتَلَتُه، فأخذ عليه السلام يردد رسله إليهم يعظونهم تارة ويُخوِّفونهم تارةً أخرى، فترك قوم من الخوارج إخوانهم ورجعوا إلى الكوفة، كما التحق نفر منهم بجيش الإمام، ولكن الكثرة الكاثرة منهم ظلَّت على عنادها بقيادة عبد الله بن وهب الراسبي ذي الثفنات، وكان عددها نحوًا من ثلاثة آلاف مقاتل، فقرَّر عليه السلام ألا يقاتلهم حتى يبدءوه بالقتال، ورأى الخوارج أن الإمام مُصرٌّ على قتالهم، فاستبسلوا وصاح صائحهم «هل من رائح إلى الجنة؟» فتبعوه وصاحوا: «نحن الرُّوَّاح إلى الجنة.» وشدُّوا شدَّةً واحدة على جيش الإمام فاضطر إلى أن يقاتلهم، ولكنهم كانوا أعنف من جند الإمام في حملتهم، فاستطاعوا أن يفرِّقوا الجيش العلوي قسمَين، ولكن الجيش ما لبث أن حمل عليهم حملةً قوية حتى قضى على الخوارج كلهم وفيهم رئيسهم ذو الثفنات.

وهكذا قضى الإمام على جميع الخوارج إلا من اندسَّ منهم إلى الكوفة أو القرى المجاورة.

وقد ظن الإمام أن الحرب قد انتهت، وأن الأمور قد استقامت، وأن العراق قد خضع فلم يبقَ إلا الشام، فليجهز له من يقضي على معاوية وأصحابه، فأخذ يدعوهم إلى أن يُهيِّئوا أنفسهم للذهاب إلى الشام، ولكنه فوجئ بأمرٍ لم يحسِب له حسبانًا، وهو أن جموع قبائل الخوارج الذين قُتلوا يوم النهروان قد تجمعت للانتقام من قتلة أبنائهم وإخوانهم وأصدقائهم، وأن كثيرًا من جنوده يتسللون إلى عشائرهم وقبائلهم ومدنهم رافضين مساعدته والقتال معه حتى اضطر إلى أن يعود إلى الكوفة ويدعو الناس من جديد إلى قتال أهل الشام ويخطبهم، فلا تتجاوز خطبه آذانهم، فلا يتحركون إلا حركاتٍ اصطناعية وهم يؤثرون الهدوء والسكينة على الحروب والأسفار، حتى ضاق بهم يومًا فخطبهم بقوله: أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة قلوبهم وأهواؤهم، ما عزَّت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يُطمع فيكم عدوكم، إذا دعوتكم إلى الجهاد قلتم: كيت وكيت، وذيت وذيت، أعاليل بأباطيل، وسألتموني التأخير فعل ذي الدين المطول، لا يدفع الضيمَ الذليلُ، ولا يُدرَك الحق إلا بالجد والعزم واستشعار الصبر، أي دار بعد داركم تمنعون؟ ومع أي إمام بعدي تُقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيَب، أصبحتُ لا أطمع في نصركم، ولا أصدِّق قولكم، فرَّقَ الله بيني وبينكم، وأبدلني بكم من هو خير لي منكم، أما إنكم ستلقون بعدي ذلًّا شاملًا، وسيفًا قاطعًا، وأثرة يتخذها الظالم فيكم سنة، فيُفرِّق جماعتكم ويُبكي عيونكم، ويُدخل الفقر بيوتكم، وتتمنون عن قليل أنكم رأيتموني فنصرتموني، فستعلمون حق ما أقول، ولا يبعد الله إلا من ظلم.

ولكن أقواله وتهديداته لم تفدهم شيئًا، وقد قاسى منهم ويلات شِدادًا وضاق بهم ذرعًا، وزاد الأمر سوءًا ظهور من كان قد اختفى من الخوارج وإعلانهم دعوتهم ضده عليه السلام جهارًا، وتكاثرهم يومًا بعد يوم، وأخذوا يكيدون له شخصيًّا ويحاولون الفتك به عليه السلام، ويخذلون الناس عنه ويبثون لهم أن «عليًّا» ظالم لا يختلف عن «عثمان»، حتى جاءه أحدهم — وهو الخريت بن راشد السلمي — فقال له: والله لا أطعت أمرك، ولا صليت خلفك، فقال له الإمام عليه السلام: ثكلتك أمك، إذًا تعصي ربك، وتنكث عهدك، ولا تغر إلا بنفسك، ولِمَ تفعل ذلك؟ قال: لأنك حكَّمت الناس في كتاب الله، وضعُفت عن الحق حين جد الجد، وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم، فأنا عليك رازٍ، وعليهم ناقم، فلم يغضب الإمام عليه السلام من قوله ولم يبطش به، وإنما دعاه إلى المناظرة والمناقشة، فقال له: أمهلني إلى غد، وهرب الرجل إلى قومه — وكان فيهم سيدًا مطاعًا — فقال لهم ما سمعه من الإمام، وما أجابه به، ثم خرج بهم وأخذ يجمع الجموع لقتال الإمام، فبعث إليهم الإمام بجيش لجب فتك بهم، فتزايدت الإحن والترات، وعظم الكرب، وهرب نفر من قادة العراق إلى الشام مفضلين هدوءه وأموال معاوية وجاهه.

أما معاوية فإنه بعد أن وطَّد الأمر في الشام عزم على الاستيلاء على مصر، وكان فيها أمير لعلي هو قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، فزوَّر معاوية على لسان قيس كتابًا بعث به إلى الكوفة، وفيه يُعلن انحرافه عن علي وغضبه لعثمان وانضمامه إلى معاوية، فلما وصل الكتاب إلى الكوفة قال علي عليه السلام للناس: إنها كذبة، وإن الكتاب مدسوس على قيس. ولكن أصحاب الإمام ألحُّوا عليه في وجوب عزل قيس، فلم يجبهم إلى ذلك، بل كتب إليه يُخبره بالخبر ويطلب إليه أن يُقاتل كل من لم يبايع عليًّا في مصر، فردَّ عليه قيس بأنه لا يفضل سلوك طريق القوة، وأنه يرجو الإمام أن يخلي بينه وبين إقليمه، فلم يشك أهل الكوفة في أن قيسًا قد أضمر شيئًا، وألحُّوا على الإمام في وجوب عزله، فعزله، وولَّى محمد بن أبي بكر الصديق محله.

وكان الفرق بين الواليين شاسعًا، فابن أبي بكر شاب حدث لم يجرب الأمور، وقيس رجلٌ كبير عارك الدهر وعركه، ثم إن محمد بن أبي بكر كان ممن شاركوا في التسوُّر على عثمان، وفي مصر جماعة من العثمانية، ولما وصل محمد إلى مصر رحل قيس إلى المدينة، واضطرب أمر مصر، فجهَّز معاوية جيشًا بقيادة عمرو بن العاص واستولى عليها بعد أن قتل محمد بن أبي بكر، فلما علم الإمام عليه السلام بذلك غُمَّ غمًّا شديدًا.

ومما زاد في الوضع سوءًا أن عبد الله بن عباس أمير البصرة أخذ يستبد بالأمر دون الإمام عليه السلام، حتى كتب أبو الأسود الدؤلي كتابًا إلى الإمام يقول له فيه: «أمَّا بعدُ فإن الله جعلك واليا مؤتمنًا وراعيًا مسئولًا، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة ناصحًا للرعية، توفر لهم وتظلف نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم ولا ترتشي في أحكامهم، وإنَّ عاملك وابن عمك عبد الله بن عباس قد أكل ما تحت يده بغير علمك، ولا يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما قبلنا من أمرك، واكتب إليَّ برأيك إن شاء الله.»

فرد عليه السلام على كتاب أبي الأسود برسالة فيها: «أما بعدُ؛ فقد فهمت كتابك، ومثلك ينصح للإمام والأمة، ويوالي على الحق ويُفارق الجور، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إليَّ فيه من أمر، ولم أُعلِمه بكتابك إليَّ فيه، فلا تدع إعلامي ما يكون بحضرتك مما النظر فيه للأمة صلاح، فإنك بذلك محقوق وهو عليك واجب، والسلام.»

وكتب إلى ابن عباس يقول: «أما بعدُ؛ فقد بلغني عنك أمر إن كنتَ فعلتَه فقد أسخطتَ ربك، وأخربتَ أمانتك، وعصيتَ إمامك، وخنت المسلمين، بلغني أنك جرَّدتَ الأرض، وأكلتَ ما تحت يديك، فارفع إليَّ حسابك، واعلم أن حساب الله أشد من حساب الناس …» فأجابه ابن عباس: «أمَّا بعدُ فإن الذي بلغك باطل، وأنا لما تحت يدي أضبط وأحفظ، فلا تُصدق على الأظناء، رحمك الله، والسلام.»

فغضب الإمام من هذه الرسالة التي لا تشفي غلة، ولا تنفي تهمة، وكتب إليه يقول: «أمَّا بعدُ فإنه لا يسعني تركك حتى تُعلمني ما أخذت من الجزية ومن أين أخذته؟ وفيم وضعت ما أنفقت منه؟ فاتق الله فيما ائتمنتُك عليه واسترعيتُك حفظه، فإن المتاع بما أنت رازئ منه قليل، وتبعة ذلك شديدة، والسلام.»

فلما قرأ ابن عباس هذا الكتاب خرج عن هدوئه، فكتب إلى الإمام كتابًا فيه شيءٌ كثير من خطل الرأي وفساد الطويَّة، ويقول له فيه: إنه يؤثر أن يلقى الله وفي ذمته شيء من أموال المسلمين على أن يلقاه وفي ذمته تلك الدماء التي سفكها علي يوم الجمل، ويوم صفين، ويوم النهروان، وإن تلك الدماء إنما سُفكت في سبيل المُلك.

هذا ما كتب به ابن عباس إلى ابن عمه الإمام عليه السلام، وقد نسي أو تناسى — على الأصح — أنه يكتب إلى خليفة رسول الله، وأنه شاركه في هذه الحروب كلها، بل كان قائده يوم الجمل ويوم صفين، وأنه سيلقى الله وفي ذمته أموال المسلمين ودماؤهم معًا، وزاد ابن عباس الأمر تعقيدًا أنه عزم على ترك البصرة إلى الحجاز ومعه أموال بيت المال، ولكن أهل البصرة لما علموا بنيته لم يخلوا بينه وبين المال، فاستعان عليهم بأخواله بني هلال، وكادت الفتنة أن تقع بين البصريين والهلاليين لولا أن تداخل العقلاء، وذهب ابن عباس بالمال إلى البيت الحرام، فكتب إليه الإمام عليه السلام يلومه بكتابٍ رائع، ولكن ابن عباس لم يعد المال، وكتب للخليفة أنه لم يأخذ إلا ما يحق له من بيت المال.

وقد أراد معاوية أن يستولي على البصرة كما استولى على مصر، وخصوصًا بعد أن علم بغضبة ابن عباس؛ فقد كان ابن عباس قد ترك البصرة لزياد، ولكن أهل البصرة وأعرابها قد استهانوا بزياد، وأراد زياد أن يستجير ببني ربيعة، فلم تعره التفاتًا، فاستجار بالأزد ونقل إليهم المنبر وبيت المال، وانقسمت البصرة إلى طوائف وشيع: طائفة مع معاوية، وطائفة مع الأحنف بن قيس، وطائفة مستقلة، وهي: بنو ربيعة، وطائفة حمت زيادًا وهي الأزد، وهكذا عادت العصبية القبلية الجاهلية إلى البصرة بأجلى مظاهرها، وكتب زياد إلى الإمام يُنبئه بالخبر، فبعث الإمام رسوله أعين بن ضبيعة إلى البصرة، فقتله أهلها، وأراد زياد أن يثأر له فلم يستطع، فأرسل الإمام كتيبة وعلى رأسها جارية بن قدامة، فظفر بأهل البصرة، وأعيد بيت المال والمنبر إلى المسجد حيث كانا، وحاول الإمام أن يعيد الأمور إلى نصابها، فيخطب الناس ويحرضهم بخطبةٍ رائعة صورت لنا الحالة التي كان عليها شيعته ويأسه منهم، حيث يقول: «أمَّا بعدُ فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبةً عنه ألبسه الله الذل، وسيم الخسف وديث بالصغار، وقد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم ليلًا ونهارًا وسرًّا وإعلانًا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالذي نفسي بيده ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلُّوا، فتخاذلتم وتواكلتم وثقُل عليكم قولي، واتخذتموه ظهريًّا حتى شُنَّت عليكم الغارات، هذا أخو غامد، قد وردَتْ خيله الأنبار، وقتلوا حسان بن حسان، ورجالًا منهم، ونساءً كثيرًا، والذي نفسي بيده، لقد بلغني أنه كان يدخل على المرأة المسلمة والمعاهدة، فتنتزع أحجالهما ورعثهما، ثم انصرفوا موفورين، لم يكلم أحد منهم كلمًا، فلو أن امرأً مسلمًا مات من دون هذا أسفًا ما كان عندي فيه ملومًا، بل كان به عندي جديرًا، يا عجبًا كل العجب! عجب يميت القلب، ويشغل الفهم، ويكثر الأحزان من تضافُر هؤلاء على باطلهم، وفشلكم عن حقكم حتى أصبحتم غرضًا يُرمَى، تُرمون ولا تَرمون، ويُغار عليكم ولا تُغيرون، ويُعصى الله فيكم وترضون، إذا قلت لكم اغزوهم في الشتاء قلتم: هذا أوان قر وصر، وإن قلت لكم اغزوهم في الصيف قلتم: هذه حمارة الصيف، أنظِرنا ينصرم الحر عنا، فإذا كنتم من الحر والبرد تفرُّون فأنتم والله من السيف أفر، يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا طغام الأحلام، ويا عقول ربات الحجال، لقد أفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان، وقد ملأتم جوفي غيظًا حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا رأي له في الحرب، ولله درهم، ومن ذا يكون أعلم بها مني وأشد لها مراسًا؟ فوالله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ولقد نيَّفتُ اليوم على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يُطاع.»

ولقد أحسَّ معاوية بحقيقة الوضع العراقي، فأخذ يهيئ الكتائب لغزو العراق، وأخذ الخوارج يعملون في الديار فسادًا، وأخذت جموعهم تزيد يومًا بعد آخر حتى شبَّت نيران حربٍ داخليةٍ قوية، فأخذ الإمام يعد عدته لقتالهم وقتال الشاميين معًا، ولكن قادة جنده خذلوه، ولم يتحمَّسوا لدعوته، فلما استيئس منهم دعا إليه رؤساءهم وخاطبهم بقوله: إنكم ألححتم عليَّ في تولي هذا الأمر، فلما أجبتكم خذلتموني، وإنه قد سئم من مطاولتهم، وإنه قد أزمع على الذهاب إلى قتال خصمه ولو بمفرده، إلى أن يقول: «أيها الناس، إنكم دعوتموني إلى هذه البيعة فلم أرُدَّكم عنها، ثم بايعتموني على الإمارة ولم أسألكم إيَّاها، فتوثَّب متوثِّبون كفى الله مئونتهم وصرعهم لخدودهم وأتعس جدودهم وجعل دائرة السوء عليهم، وبقيَت طائفة تُحدث في الإسلام حدثًا، تعمل بالهوى، وتحكم بغير الحق، وليست بأهل لما ادَّعت، وهم إذا قيل لهم تقدموا قُدمًا تقدموا، وإذا أقبلوا لا يعرفون الحق كمعرفتهم الباطل كله، ولا يبطلون الباطل كإبطالهم الحق، أما إني فقد سئمت من عتابكم وطول خطابكم، فبيِّنوا لي ما أنتم فاعلون، فإن كنتم شاخصين معي إلى عدوي فهو ما أطلب وما أحب، وإن كنتم غير فاعلين فاكشفوا لي أمركم أرَ رأيي، فوالله لئن لم تخرجوا معي بأجمعكم إلى عدوكم فتقاتلوهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين، لأدعونَّ الله عليكم، ثم لأسيرَنَّ إلى عدوكم ولو لم يكن معي إلا عشرة …» فلما سمعوا كلامه استحيوا وذهبوا إلى قومهم وحرَّضوهم، فاجتمع جيشٌ حسن، وجاءوا بهم إلى الإمام ليذهب إلى غزو الشام والقضاء على معاوية ودولته.

بينما كان الإمام يهيئ نفسه للخروج إلى الشام حدث ما لم يكن في الحسبان؛ فقد رأى الخوارج أن الوسيلة الوحيدة لخلاصهم من خصومهم هي في القضاء على معاوية وعمرو بن العاص وعلي بن أبي طالب، وانتدبوا عبد الرحمن بن ملجم الحميري لقتل علي، كما انتدبوا الحجاج بن عبد الله الصريمي لقتل معاوية، وانتدبوا عمرو بن بكر التميمي لقتل عمرو بن العاص، واتفقوا على يومٍ مسمى لتنفيذ مؤامرتهم، كما حددوا ساعة القتل، وهي ساعة صلاة الصبح في اليوم السابع عشر من رمضان تلك السنة، وهي سنة أربعين للهجرة.

فأما صاحب معاوية فإنه هجم عليه في الساعة الموقوتة، ولكنه لم يصبه بأذى؛ لأنه كان دارعًا.

وأما صاحب عمرو فإنه ذهب في الوقت الموعود، ولكن عَمرًا كان مريضًا فبعث مكانه صاحب شرطته وهو خارجة بن حذافة العدوي فقُتل عوضًا عنه.

وأما صاحب الإمام عليه السلام فإنه أصاب منه مقتلًا على الشكل الذي سنُفصِّله بعدُ، رحمه الله ورضي عنه وسلم عليه.

١  أعيان الشيعة: ٣، ٢٣٧.
٢  أعيان الشيعة، للسيد محسن العاملي، ٣، ٣٨١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١