الفصل الرابع

في مقتله، ومناقبه، وآثاره العلمية والدينية

لم يُصَب الإسلام بفاجعة بعد فاجعته برسول الله أعظم من فاجعته بمقتل الإمام عليه السلام، فإن أبا بكر وعمر وعثمان قد لاقوا حتفهم في ظروف تكاد تكون عادية أو شبه عادية، ثم إنهم قد عاشوا فترةً هادئة في ظل الخلافة الإسلامية، استطاعوا بها أن يتمموا رسالة الرسول الكريم، وينشروا راية الإسلام، وبخاصة الخليفتان الأول والثاني كما رأيت في الفصول الماضية.

أما الإمام علي عليه السلام فإن الظلمة والخوارج والطغاة خلقوا المشاكل في سبيله منذ يوم تسلَّم خلافة رسول الله إلى أن طُعن بيد أحدهم، وهو ظالمٌ آثمٌ طاغٍ.

روى المؤرخون أن عبد الرحمن بن ملجم الخارجي الحميري أقام في الكوفة يرقب الموعد لقتل الإمام، ثم إنه أقبل آخر الليل ومعه رفيق له يُعينه في عمله المجرم، وأنهما انتظرا الإمام حتى خرج من بيته لصلاة الفجر، فلما رأياه قادمًا استقبلاه بسيفيهما، فأصابه ابن ملجم — لعنه الله — في جبهته حتى بلغ دماغه، ووقع سيف صاحبه في الحائط، وخرَّ الإمام الأمين المأمون صريعًا وهو يقول: لا يفوتنَّكم الرجل، وأحاط القوم بالفاسقَين، فقتلوا الثاني، واستبقوا ابن ملجم، وحُمِلَ الإمام إلى داره فأقام ليلتين ويومًا ثم مات كرَّم الله وجهه، قُتل ابن ملجم ومُثِّل به وأُحرِق بالنار عليه لعنة الله ولعنة اللاعنين إلى يوم الدين، وكان ذلك ليلة الحادي والعشرين من رمضان سنة ٧٠ﻫ.

وقد اختلفت الأقوال في وصية الإمام عليه السلام، فبعضهم يقول: إنه أمر باستخلاف ابنه الحسن عليه السلام، وبعضهم يقول: إنه قال لهم حينما سألوه عن ذلك: «لا آمركم ولا أنهاكم، واللهَ اللهَ في جيرانكم، وزكاة أموالكم، الله الله في الفقراء والمساكين، فأشرِكوهم في معايشكم، والله الله في خولكم وما ملكت أَيمانكم، فإنها كانت آخر وصية لرسول الله ، وقولوا للناس حُسنًا كما أمر الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، وعليكم بالتواضع والذل لله، وإياكم والتقاطع والتفرُّق والتدابُر.»

وهكذا قضى الإمام المأمون الذي أراد أن يُعيد الدين كما كان على عهد الرسول، وأراد أن يقضي على سوء الإدارة والظلم الذي حلَّ بالمسلمين فدفع لذلك بنفسه ثمنًا.

وقد اختلفت الروايات في موضع قبر الفقيد الشهيد، فبعضهم يقول: إنهم دفنوه في رحبة الكوفة حيث يُزار اليوم، وبعضهم يقول: إن الحسين أمر بنقله إلى المدينة ليُدفن إلى جانب السيدة فاطمة، وآخرون يقولون: إنه نُقِل إلى الحجاز في تابوت وُضع على بعير ولكن ناقليه ضلوا بعيرهم، فأخذه جماعة من الأعراب ظنوا أن عليه مالًا في ذلك التابوت، فلما رأوا أن فيه جثة دفنوها في مكانٍ ما من الصحراء.

ومهما يكن من أمر، فإن الكارثة العظمى قد حلَّت، واندكَّ صرح العفة والدين والسماحة بمقتله، ولما انتهى خبره إلى الحجاز تباكى الناس فيه، وتمثَّلت السيدة عائشة حينئذٍ بقول الشاعر:

وألقَت عصاها واستقر بها النوى
كما قرَّ عينًا بالإياب المسافر

وكأنها أرادت أن تقول: إن موته قد أراحه، كما استراح الناس بذلك، ولكن الأمر كان على عكس ما تصوَّرَت، فإن موته كان باب الشرور والمصائب والفتن التي حلت بالأمة العربية الإسلامية.

أما عمره وقت استشهاده فقد اختلف المؤرخون فيه، يقول الحاكم في المستدرك نقلًا عن محمد بن الحنفية: إن عمره ثلاث وستون سنة، وقيل: بل أربع وستون، وقيل: بل خمس وستون، منها اثنتا عشرة سنة قبل البعثة، وثلاث وعشرون سنة مع النبي ، وثلاثون سنة بعد وفاة رسول الله، ويقول ابن شهراشوب في المناقب: قُبض صلوات الله عليه قتيلًا في مسجد الكوفة، وقت التنوير، ليلة الجمعة لتسع عشرة ليلة مضَين من شهر رمضان، فبقي يومين إلى نحو الثلث من الليل، وله يومئذٍ خمس وستون سنة في قول الصادق عليه السلام، وقالت العامة: بل له ثلاث وستون سنة، وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا أربعة أشهر أو ثلاثة أشهر؛ لأنه بُويع لخمسٍ بقين من ذي الحجة سنة ٣٥ﻫ.

(١) مناقبه وآثاره العلمية والدينية

ذكرنا في الفصل الثاني طرفًا من مناقبه ومزاياه النبيلة، ونُبيِّن ها هنا أنه عليه السلام كان على جانبٍ عظيم من المناقب الجليلة التي لو أُريد إحصاؤها لاحتيج إلى مؤلَّفٍ ضخم. قال أبو الفرج الأصفهاني في «مقاتل الطالبيين»: إن فضائله عليه السلام أكثر من أن تُحصى، فأمير المؤمنين عليه السلام بإجماع المخالف والممالئ والمضاد والموالي على ما لا يمكن غمطه، ولا ينساغ ستره من فضائله المشهورة في العامة، المكتوبة عند الخاصة، وهي تغني عن تفصيله بقول، أو الاستشهاد عليه برواية.

ويقول ابن عبد البر الأندلسي في «الاستيعاب»: فضائله عليه السلام لا يحيط بها كتاب، وقد أكثر الناس من جمعها، فرأيت الاقتصار منها على النكت التي تحسُن المذاكرة بها، وتدل على ما سواها من أخلاقه وأحواله وسيرته، وقال: كان بنو أمية ينالون منه وينقصونه، فما زاده الله بذلك إلا سموًّا وعلوًّا ومحبة عند العلماء.

قال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن إسحاق القاضي: لم يُروَ في فضائل أحد من الصحابة بالأحاديث الحِسان ما رُوي من فضائل علي بن أبي طالب، وكذلك قال النسائي أحمد بن شعيب بن علي، وروى الحاكم في المستدرك قال: سمعت القاضي أبا الحسن علي بن الحسن الجراحي، وأبا الحسين محمد بن المظفر الحافظ يقولون: سمعنا أبا حامد محمد بن هارون الحضرمي يقول: سمعت محمد بن منصور الطوسي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب، وقد تتبَّع الإمام النسائي ما خُصَّ به الإمام علي من المناقب دون سائر الصحابة، فجمع من ذلك مجلدًا كبيرًا بأسانيد أكثرها جيد، وقد عقد المحب الطبري في الرياض النضرة فصولًا عديدة عدَّد بها مناقبه، منها ما يلي:
  • باب في أنه أول من أسلم.

  • وباب في أنه أول من صلَّى.

  • وباب في أنه أحب الناس إلى الله — جل جلاله.

  • وباب في أنه أحب الناس إلى الرسول .

  • وباب في أنه من النبي بمنزلة هارون من موسى.

  • وباب في أنه أقرب الناس قرابةً من رسول الله .

  • وباب في أنه أخو رسول الله.

  • وباب في أن ذرية النبي في صلبه عليه السلام، وأنه وزوجه وأولاده هم آل بيت النبي .

  • وباب في أنه مولى النبي ، وأن الله يوالي من والاه، ويعادي من عاداه.

  • وباب في أنه باب مدينة العلم، وأنه أعلم الناس بالسنة.

والحق أن مناقب الإمام عليه السلام جد عظيمة، كما أن شخصيته شخصيةٌ فذَّة، خلَّفَت لنا تراثًا رفيعًا في القضاء، والسياسة، والأخلاق، والعلم، والأدب من شعر ونثر.

أما آثاره الأدبية التي خلَّفها فهي:

(١-١) آثاره الشعرية

من آثاره الشعرية ديوان لطيف، فيه نحو ألف بيت من الشعر كله في الزهد والنصائح والحِكَم، والتضرُّع إلى الله تعالى، وهو في الغالب ذو أسلوبٍ ضعيف، عليه مسحة الصوفية المتأخرة، ويزعم بعض الناس أنه من صنع الشريف الرضي،١ والحق أن هذا مستبعد جدًّا، وأن نظرةً واحدة إلى أسلوب الديوان المنسوب إلى الإمام وأسلوب ديوان الشريف الرضي تكفي للحكم ببطلان هذا الزعم، فشعر الشريف متينٌ قويٌّ جزل كثير الإغراب، فيه قوة وفيه إبداع، أما شعر ديوان الإمام فمُهَلْهَل الألفاظ غالبًا، ضعيف التراكيب، وليس فيه شيء من قوة الإمام وأدبه، وآرائه الرفيعة، ثم إن الإمام ما عُرف بكثرة قول الشعر، وما صح عنه إلا أبياتٌ قليلة كما ذكر ذلك ياقوت في معجم الأدباء.٢

وقد طُبع هذا الديوان مرَّات، وشُرح، وتُرجم إلى اللغات التركية والفارسية والأجنبية واللاتينية.

ومما يُنسب إليه من الشعر قصيدة مطولة تُعرف بالقصيدة الزينبيَّة، وقد تُرجمَت إلى التركية، وشُرحت، كما شرحها بالعربية الشيخ عبد المعطي السملاوي.

(١-٢) آثاره النثرية

للإمام آثارٌ نثريةٌ كثيرة، نُجمِل الكلام عنها بما يلي:
  • (١)
    غرر الحكم ودرر الكلم: وهو مجموعة في الأمثال والحِكَم والنصائح، جمعها ورتبها على حروف الهجاء الشيخ العلامة عبد الواحد بن عبد الواحد، وقد نشرها المستشرق كبيرس Kuypers.
  • (٢)

    ألف كلمة: ذكرها ابن أبي الحديد في آخر شرحه على نهج البلاغة، ولم أعثر على وجود لها.

  • (٣)

    نثر اللآلي: وهي مجموعة حكم وأمثال عددها ٢٧٨ مثلًا وحكمة، وقد طُبعت عدة مرات.

  • (٤)

    بعض الأمثال السائرة من كلام الإمام، وقد أحصاها أبو الفضل الميداني صاحب «مجمع الأمثال» المشهور، وعددها ٤٨ مثلًا.

  • (٥)

    طُفافة الأمثال: وهي أيضًا مما جمعه الميداني، وهذه المجموعة والكتابان السابقان قد نشرهما المستشرق «كرنيلوس» مع كتاب غرر الحكم في مجلدٍ واحد بعنوان «حكم الإمام علي بن أبي طالب» وطبعها في أوكسفورد سنة ١٨٠٦.

  • (٦)

    مطلوب كل طالب من كلام علي بن أبي طالب: وقد ذكره السيد سركيس في معجم المطبوعات العربية، وهو كتاب لطيف في الحِكم والمواعظ.

  • (٧)

    دستور معالم الحكم ومأثور مكارم الشيم، وهو كتاب في الخطب والمواعظ، جمعه القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي من كلام الإمام، وقد طُبع مرات.

  • (٨)
    نهج البلاغة: وهو كتابٌ ضخم في نحو ٦٥٠ صفحة، جمع فيه أبو الحسن محمد بن أبي أحمد الحسين، الملقب بالشريف الرضي الموسوي العلوي (٣٥٩–٤٠٦ﻫ) خُطب الإمام ورسائله، وكلماته، ومواعظه، وقد انتهى من تأليفه في رجب سنة ٤٠٠ بعد أن ترك أوراقًا بيضاء في آخر كل باب رجاء أن يقف على شيء من خطبه بعد الجمع فيدرجه في المحل المناسب.٣

ويمكن تقسيم «النهج» إجمالًا بحسب مواضيعه إلى ثلاثة أجزاء: «الأول» في الخطب، و«الثاني» في المواعظ، و«الثالث» في الرسائل والوصايا والحكم.

وقد عُني الأدباء بهذا الكتاب عنايةً شديدة قديمًا وحديثًا، فشرحوه وعلَّقوا عليه، ومن أفضل هذه الشروح المطولة في القديم: شرح الإمام اللغوي الأديب المؤرِّخ عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن أبي الحديد (٥٨٦–٦٥٥)، وهو من كبار مفكري المعتزلة والشيعة الإمامية، وكان حاد الذكاء، واسع الاطلاع، تشهد بذلك آراؤه الكثيرة التي نقف عليها في شرحه للنهج الذي يُعدُّ في الحقيقة دائرة معارف كبرى حَوَت العلوم والآداب التي عُرفت إلى عصره، وهو شرح في عشرين جزءًا، طُبع مرات في مصر ولبنان وإيران.

وممن شرح النهج من القدماء أيضًا: العلامة كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، وقد طُبع في إيران سنة ١٢٧٤، ومن شُرَّاح النهج المحدثين: الإمام محمد عبده المتوفي سنة ١٩٠٥، وهو شرحٌ لغوي ليس له كبير قيمة بالنسبة إلى شرح ابن أبي الحديد، فهو لا يحتوي على ملاحظات ولا آراء شخصية كالذي نجده عند ابن أبي الحديد، وإنما هو كتابٌ لغوي يُفسِّر الكلمات الغامضة، مع أن الإمام محمد عبده كان يستطيع أن يُبيِّن كثيرًا من القضايا الهامة في عالمَي: الأدب والدين، ولكنه اكتفى بشرح المفردات، وقد طُبع في بيروت ومصر. ومن الشرَّاح المحدثين أيضًا: شرح الشيخ محمد حسن نائل المرصفي، وقد طُبع في دار الكتب العربية بمصر. أما النهج فقد طُبع عدة مرات في الهند وطهران وتبريز ودمشق ومصر، أما عناية الكُتَّاب والأدباء المحدثين بالنهج وتحليله فهي كثيرة جدًّا لما للإمام في نظر المسلمين والنصارى من مكانةٍ سامية، وقد بحث في قيمة هذا الكتاب ونسبته إلى الإمام جمهرة من الأدباء القدماء والمحدثين، نورد آراءهم فيما يلي:

آراء القدماء

  • رأي ابن خلكان (٦٠٨–٦٨١): يرى ابن خلكان في وفيات الأعيان أثناء ترجمة الشريف الرضي أن في نسبة هذا الكتاب إلى الشريف المرتضى اضطراب، وإليك نص كلامه: «اختلف المؤرخون في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام علي (رضي الله عنه)، أهو جَمْعُهُ؟ أم هو جَمْعُ أخيه الشريف الرضي؟ وقد قيل: إنه ليس من كلام علي، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه، والله أعلم.»
  • رأي الحافظ الذهبي (٦٧٣–٧٤٨): يرى الحافظ مؤرخ الإسلام الكبير أبو عبد الله الذهبي في ميزان الاعتدال أن الكتاب مكذوب عليه جزمًا.
  • رأي المؤرِّخ الصفدي: يرى المؤرخ الصفدي أن كتاب نهج البلاغة موضوع كله، وأنه من وضع الشريف الرضي، وأنه نحله الإمام عليًّا نحلًا.٤
  • رأي ابن أبي الحديد (٥٨٦–٦٥٥): يرى ابن أبي الحديد أن النهج كله من كلام الإمام، ويرد على المنكرين لذلك بقوله: «إن كثيرًا من أرباب الهوى يقولون: إن كثيرًا من نهج البلاغة كلامٌ محدث صنعه قوم من فُصحاء الشيعة، وربما عزوا بعضه إلى الشريف الرضي وغيره، وهؤلاء قوم قد أعمت العصبية أعينهم، فضلوا عن النهج.»٥

آراء المحدثين

  • رأي الإمام محمد عبده: لم يُصرِّح محمد عبده في مقدمته على شرح نهج البلاغة بشيءٍ يدل على شكِّه بنسبة النهج إلى الإمام، بل كل ما جاء فيها يدل على أنه مقتنع تمامًا بأن النهج من كلام الإمام، ويعلق الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد على كلام الإمام، فيقول: «وعسيتَ أن تسأل عن رأي الإمام الشيخ محمد عبده في ذلك، وهو الذي بعث الكتاب من مرقده، ولم يكن أحد أوسع منه اطِّلاعًا، ولا أدق تفكيرًا، والجواب على هذا التساؤل أننا نعتقد أنه رحمه الله كان يعتقد مقتنعًا بأن الكتاب كله للإمام علي وإن لم يُصرِّح بذلك، والدليل على هذه العقيدة أنه يقول في مقدمته يصف الكتاب: «وأن مدبر تلك الدولة وباسل تلك الصولة، هو حامل لوائها الغالب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.» بل يتجاوز هذا المقدار إلى الاعتراف بأن جميع الألفاظ صادرة عن الإمام علي، حتى إنه ليجعل ما في الكتاب حُجَّة على معاجم اللغة، اسمع إليه وهو يقول: ج٢، ص١٩٧ من هذه المجموعة: المواساة بالشيء: الاشتراك فيه … قالوا: والفصيح في الفعل آسيته، ولكن نطق الإمام حجة، انتهى.»، وأعاد هذه الكلمة بنفسها في جزء ٣، ص٧٢، الحاشية ٤ من هذه المطبوعة، وهو يذهب فيما ظنه أدباؤنا من علم الغيب إلى نحو ما قررناه من أنه تفرُّس واستنتاج، انظر إليه وهو يقول (ج٣، ص١٣ من هذه المطبوعة): «تفرَّس فيما سيكون من معاوية وجنده فكان الأمر كما تفرَّس.»٦
  • رأي المستشرق كليمان هوار Clément Huart: أما المؤرخ المستشرق الإفرنسي كليمان هوار فإنه يشك في نسبة الكتاب إلى الرضي أو أخيه المرتضَى، ويقول: «والشريف المرتضى — إذا لم يكن أخوه الرضي — هو مؤلف نهج البلاغة الذي هو عبارة عن مجموعة من الخطب نسبها المرتضى إلى علي.»٧
  • رأي الأستاذ أحمد أمين: يشك المرحوم الأستاذ أحمد أمين في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام، وإليك نص كلامه: «ونسبوا إليه ما في نهج البلاغة، وهو يشتمل على كثير من الخطب والأدعية والكتب والمواعظ والحكم، وقد شك في مجموعها النقاد قديمًا وحديثًا، كالصفدي وهوار، واستوجب هذا الشكَّ أمورٌ، ما في بعضه من سجعٍ منمق، وصناعةٍ لفظية لا تُعرف بذلك العصر، كقوله: «أكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير.» وما فيه من تعبيرات إنما حدثت بعد أن نُقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية، وبعد أن دُوِّنَت العلوم كقوله: «والاستغفار على ستة معانٍ … والإيمان على أربع دعائم …» وكالذي فيه من وصف الدار وتحديدها … هذا إلى ما فيه من معانٍ دقيقة منمَّقة تدل على أسلوب لم يُعرف إلا في العصر العباسي، كما ترى في وصف الطاووس.»٨
  • رأي الأستاذ عبد الحميد: ويرى الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد المدرِّس في الأزهر الشريف أن الكتاب من كلام الإمام، فيقول: «ليس من شك عند أحد من أدباء هذا العصر، ولا عند أحد ممن تقدمهم، في أن أكثر ما تضمنه «نهج البلاغة» من كلام أمير المؤمنين عليه السلام، ولكن بعض المعروفين من أدباء عصرنا يميلون إلى أن بعض ما في الكتاب من خطب ورسائل لم يصدر عن غير الشريف الرضي جامع الكتاب … وأهم ما يجده باحثو الآداب العربية في هذا العصر من أسباب يدعمون بها القول بأن الكتاب من صنع جامعه وتأليفه، ذلك الذي نوجزه لك في الأسباب الأربعة الآتية:
    • (١) إن في الكتاب من التعريض بصحابة رسول الله ما لا يصح أن يسلم صدوره عن مثل الإمام علي.
    • (٢) إن فيه من السجع والتنميق اللفظي وآثار الصنعة ما لا يعهده عصر علي ولا عرفه، وإنما ذلك شيء طرأ على العربية بعد العصر الجاهلي وصدر الإسلام، وافتتن به أدباء العصر العباسي …
    • (٣) إن فيه من دقة الوصف، واستفراغ صفات الموصوف، وإحكام الفكرة، وبلوغ النهاية في التدقيق … وكل ذلك لم يلتفت إليه علماء الصدر الأول ولا أدباؤه وشعراؤه، وإنما عرفه العرب بعد تعريب كتب اليونان والفرس الأدبية …
    • (٤) إن في عبارات الكتاب ما يُشْتَمُّ منه ريح ادِّعاء صاحبه علم الغيب، وهذا أمر يجلُّ عن مثله مقام علي …»٩
  • رأي الأستاذ محمود مصطفى: يرى الأستاذ محمود مصطفى أن أسباب الشك في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام تنحصر في النقاط الآتية:
    • (١) خلو الكتب الأدبية والتاريخية التي ظهرت قبل الشريف الرضي من كثير مما في نهج البلاغة.
    • (٢) ما ورد فيه من فكرةٍ عويصة ونظرةٍ دقيقة، مما لا يصح نسبته إلى عصر علي.
    • (٣) إطالة الكلام إلى الحد الذي لم يُؤلَف إذ ذاك، كما في عهد الأشتر النخعي.
    • (٤) ما في النهج من قولٍ جارح وشتمٍ صريح للصحابة.
    • (٥) الأسلوب الصوفي والعبارات التي لم تُعهَد إلا في أزمانٍ متأخرة عن زمن الإمام جرت على ألسنة المتكلمين.
    • (٦) الخطأ اللغوي الذي لا يصح نسبته إلى عصر الإمام.١٠
  • رأي الأستاذ جميل سلطان: يختتم الأستاذ الدكتور جميل سلطان رسالته عن نهج البلاغة بالنتيجة الآتية:
    «إن الشك الذي خامرنا في صحة نسبة النهج قد تأكَّد في نهاية بحثنا هذا، ويُستَدَل من التدقيق في نصوص نهج البلاغة أنها لم تُجمَع قبل نهاية سنة ١٢٠ للهجرة، زِد على ذلك أن النصوص المنسوبة إلى علي والتي تناقلها الرواة والقصاصون والوضَّاعون تظهر عليها مسحة الأفكار الفلسفية والعلمية التي لم تُعرف إلا في عصور جاءت بعد علي، ويدل أسلوبها على أنها كُتبت في العصر العباسي، وهناك أيضًا عناصر من النقد تؤيد الأسباب المذكورة آنفًا، كوجود بعض خطب لا يمكن أن تصدر عن علي، ووجود قطع من آثار أدباء معروفين وُجدوا بعد زمن الإمام … والخلاصة أن النهج هو مجموعة وضعها الشريف الرضي حفيد الإمام ونسبها إليه، وهذا لا يحط من قيمة النهج الأدبية الذي يُعتبر من الآثار الخالدة في الأدب العربي، هذا رأينا نُبديه بدون تحفُّظ.»١١

رأينا:

يقول الجاحظ (٣٦٥ﻫ) في البيان والتبيين: «وهذه خطب رسول الله مدونةٌ محفوظة ومخلدةٌ مشهورة، وهذه خطب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم).»١٢
ويقول المسعودي (٣٤٦ﻫ) في المروج عن خطب الإمام إنها: «في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف، وثمانون خطبة يوردها على البديهة، تداول الناس ذلك عنه قولًا وفعلًا.»١٣

فكلمة الجاحظ تدلنا على أنه كانت في القرن الثالث خطبٌ معروفةٌ مدوَّنة للإمام، وكلام المسعودي صريح في عدد خطب الإمام، وأنها كانت متداولة في أوائل القرن الرابع بين الناس.

ولما أراد الشريف الرضي في أواخر القرن الرابع جمع أشتات هذه الخطب، لم يكن في ذلك مخترعًا، وإنما كانت نواة هذه الخطب موجودة من قبله، وبهذا يبطُل قول من قال بأن الشريف هو الذي اخترع كل خطب النهج، ولكن لا شك في أن بعض ما في النهج وغيره من كتب الأدب مما يُذكر للإمام هو منحول، ولعل الشريف الرضي أدخل في النهج بعض هذه الخطب المنحولة مما لا يُتصوَّر صدوره عن الإمام، ولا عن الشريف الرضي نفسه؛ فقد كان معروفًا بنبل النفس وشرف المكانة الاجتماعية والعلمية، وأغلب ظننا أن هذه الزيادات من دس بعض النُّسَّاخ.١٤

(١-٣) آثاره الدينية

خلف الإمام عددًا كبيرًا من القضايا والفتاوى والأحكام الشرعية في القضاء والفتيا والفقه، ولا عجب؛ فقد كان من أقضى أهل زمانه وأعلمهم بالفقه، وأجدرهم على استنباط الأحكام الشرعية من القرآن والسنة والعرف، وكان عمر بن الخطاب كلما وجد مشكلةً دينيةً عويصة، أو قضيةً فقهية دقيقة قال: «قضية ولا أبا حسن لها.»

وكان عليه السلام بارعًا بعلم الفرائض والمواريث والحساب؛ وذلك لأنه كان صافي الذهن، ذا ذكاءٍ وقَّاد وقريحةٍ صافية، ولا أدلَّ على ذلك مما روي عنه أن امرأة جاءت إليه وشَكَتْ أن أخاها مات عن ستمائة دينار، ولم يقسم لها سوى دينار واحد، فقال لها: لعل أخاكِ ترك زوجة وابنتين وأمًّا واثني عشر أخًا وأنت؟ فقالت: نعم، فقال لها: لقد أخذتِ حقكِ، وسُئل مرة وهو على المنبر عمَّن ترك زوجة وأبوين وابنتين، فقال: صار ثُمن الزوجة تُسعًا، وسمِّيَت هذه المسألة بالفريضة الخيرية.

ومما يُنسب إلى الإمام: وضع مبادئ علم النحو، وأن أبا الأسود الدؤلي شيخ النحاة قد أخذ ذلك عنه، وليس في هذا الأمر أية غرابة، فقد يكون ذلك صحيحًا، وخاصة حينما رأى الإمام أن اللغة العربية أخذت تفسد، فأمر أبا الأسود الدؤلي أن يهتم بهذا الأمر على ضوء المبادئ التي رسمها له.

١  راجع كتاب: Clement Huart, Litterature Arabe p. 252.
٢  معجم الأدباء لياقوت: ٥، ٢٦٣.
٣  راجع: الروائع للبستاني، ١، ص: ق.
٤  انظر فجر الإسلام للمرحوم أحمد أمين، ص١٧٨، والروائع للبستاني ١، ص: س.
٥  النهج: ج١، ص: و.
٦  النهج: ج١، ص: و.
٧  تاريخ الأدب العربي «بالفرنسية»، ص٢٥٢.
٨  فجر الإسلام ١٧٨.
٩  النهج: «م»، ج١ ص: ج، د، ﻫ.
١٠  الأدب العربي: ج١ ص٦٦.
١١  J. Sultan Etude sur Nahg-Al-Balagha p. 133-134.
١٢  البيان والتبيين: ١، ١٧٤.
١٣  مروج الذهب ٢، ٢٩٦.
١٤  راجع رأينا في كتاب الأدباء العشر الذي ألَّفناه مع الزميل الدكتور إبراهيم الكيلاني، طبع دمشق سنة ١٩٣٠، ص٨٦-٨٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١