الفصل الرابع

ما الذي يحتوي الموجات؟

المجالات الكهرومغناطيسية والموجات

في المرة القادمة التي تدير فيها مفتاح تشغيل سيارتك ويبث التيار الكهربائي الآتي من البطارية الحياة في المحرك بفعل القوة المغناطيسية، توقف لحظة لتفكر في أن بذور النسبية والنظرة المعاصرة للزمان والمكان تكمن فيما حدث للتو. عندما أجرى مايكل فاراداي تجاربه على الكهرباء والمغناطيسية في أوائل القرن التاسع عشر، لم يتوقع أحد أن هذا سوف يؤدي إلى إعادة تقييم عميقة لنظرة نيوتن للعالم. قام فاراداي باكتشافات عظيمة للغاية، حتى إنه لو كانت جوائز نوبل في القرن التاسع عشر، لفاز بها ست مرات، وكان أعظم اكتشافاته تأثيرًا هو أن المجالين الكهربائي والمغناطيسي متداخلان تداخلًا عميقًا ويؤثر أحدهما في الآخر.

من أمثلة ذلك ما يحدث في محرك سيارتك. على سبيل المثال، إذا حركت مغناطيس فجأة سوف تخلق قوى «كهربائية»، ويُعرف هذا باسم الحث، وهو المبدأ الذي تقوم عليه المولدات الكهربائية. الفكرة هي أن المجالات المغناطيسية المتفاوتة تخلق مجالات كهربائية والعكس صحيح؛ فالتغير المفاجئ في المجالات الكهربائية يخلق مجالات مغناطيسية. تتسبب التيارات الكهربائية المتحركة في مركز الأرض في وجود المجال المغناطيسي للأرض. وهذا التبادل المتواصل بين المجالات الكهربائية والمغناطيسية جزء لا يتجزأ من آلية عمل المحرك الكهربائي.

يمكن خلق المجالات المغناطيسية من خلال التيارات الكهربائية، التي هي بدورها شحنات كهربائية متحركة. كل شيء يسير على ما يرام حتى الآن، على الأقل إلى أن تتساءل «متحركة نسبة إلى ماذا؟» وهو السؤال الذي تكون إجابته المنطقية: «نسبة إليك أنت» داخل إطار قصورك الذاتي (الساكن). لكن تخيل أنك تتحرك الآن على طول السلك الذي يحمل التيار وبنفس سرعة تدفق الشحنات الكهربائية به. في هذه الحالة ستبدو الشحنات ساكنة بالنسبة إليك. تولد الشحنة الساكنة نسبة إليك، في أحد أطر القصور الذاتي، مجالًا كهربائيًّا، وهكذا ستشعر في هذا الموقف بوجود مجال كهربائي أما فيما سبق فكنت تشعر بوجود مجال مغناطيسي. زِد سرعتك أو قللها ولسوف تبزغ مجالات مغناطيسية على حساب المجالات الكهربائية. ما كان مجالًا مغناطيسيًّا في أحد أطر القصور الذاتي تحول إلى مجال كهربائي في إطار آخر. يعتمد تفسيرك للمجال على أنه كهربائي أو مغناطيس على حركتك أنت.

أكد أينشتاين على أن قوانين الفيزياء يستحيل أن تعتمد على الحركة المنتظمة للمراقب. فما ينطبق على أحد المراقبين في أحد أطر القصور الذاتي لا بد أن ينطبق بالمثل على جميع الموجودين في كل أطر القصور الذاتي مهما كانت حركتهم النسبية. يقودنا هذا بدوره إلى نظرية النسبية، التي سنعرف عنها المزيد في الفصل الخامس. ما قدمته النسبية للمجالين الكهربائي والمغناطيسي هي أنها أظهرت أنهما ليسا مجموعتين منفصلتين مستقلتين من الظواهر، وإنما هما متداخلان تداخلًا عميقًا فيما يُعرف بالمجال الكهرومغناطيسي.

وضع هذا أساس نظرية الظواهر الكهرومغناطيسية التي اكتشفها جيمس كلارك ماكسويل في منتصف القرن التاسع عشر. صاغ ماكسويل اكتشافات فاراداي وجميع الظواهر الكهربائية والمغناطيسية المعروفة في أربعة معادلات فقط. وبعد أن صاغها، عمل على إيجاد حلول لها، وهكذا اكتشف أنها تضم بين ثناياها سيمفونية متكاملة من الظواهر الجديدة.

لفهم ماهية هذه المعادلات وسبب تناغمها، تحتاج أن تفهم أولًا الغرض وراء صياغة معادلات ماكسويل. بينت المعادلات أن المجال الكهربائي أو المغناطيسي المتغير سيولد الرفيق المتمم له؛ فالمجال الكهربائي يولد مجالًا مغناطيسيًّا والعكس صحيح. المجال الكهربائي مجال مُوَجَّه: فهو يتمتع بكل من المقدار والاتجاه. وإذا كان المجال الكهربائي متذبذبًا، كأن يتغير اتجاهه «إلى أعلى» و«إلى أسفل» بالتبادل، عددًا من المرات في الثانية، فإن المجال المغناطيسي الناجم سيتذبذب بنفس المعدل هو الآخر. هذا ما تضمنته معادلاته. ثم وضع ماكسويل حالة المجال المغناطيسي المتذبذب في معادلة أخرى من معادلاته ووجدها تتنبأ بأن هذا سوف يولد مجالًا كهربائيًّا نابضًا. وبإعادة هذا التذبذب الكهربائي إلى المعادلة الأصلية ستجد التسلسل مستمرًّا، من مجال كهربائي إلى مغناطيسي جيئة وذهابًا. يكون التأثير الناجم أن الخليط الكامل للمجالين الكهربائي والمغناطيسي ينتشر عبر الفضاء على صورة موجة. قدمت قياسات فاراداي عن الظواهر الكهربائية والمغناطيسية البيانات الضرورية التي عندما أُدخلت إلى معادلات ماكسويل مكنته من حساب سرعة الموجات. وجد ماكسويل أن سرعة الموجات تصل إلى ٣٠٠ ألف كيلومتر في الثانية بصرف النظر عن تردد الذبذبات. هذه أيضًا سرعة الضوء، ومن هذا خرج باكتشاف عظيم: أن الضوء موجة كهرومغناطيسية.

يتكون الضوء المرئي، ألوان قوس قزح، من موجات كهرومغناطيسية يتذبذب مجالاها الكهربائي والمغناطيسي مئات ملايين المرات في الثانية الواحدة، فالمسافة بين القمم المتتالية تكون ضيقة للغاية بحيث تصل إلى نحو واحد على مليون من المتر. ويأتي اختلاف الألوان نتيجة لتذبذب الموجات الكهرومغناطيسية بترددات مختلفة. قضت أفكار ماكسويل الثاقبة بأنه لا بد أن يوجد موجات كهرومغناطيسية وراء قوس قزح تسافر بنفس سرعة الضوء، لكن تتذبذب بترددات مختلفة.

كانت الأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية معروفة بالفعل، ويشير المقطعان «تحت» و«فوق» إلى تردد ذبذباتهما نسبة إلى الضوء المرئي. أوحت هذه الخيوط للعلماء بالبحث عن أمثلة أخرى. ولَّد هاينريش هرتز بمدينة كارلسروه شرارات كهربائية وأثبت أنها أرسلت موجات كهرومغناطيسية عبر الفضاء دون الحاجة إلى موصلات مادية، ومن هنا جاء اسم «لاسلكي». تعد موجات الراديو البدائية هذه موجات كهرومغناطيسية قريبة لموجات الضوء لكن في جزء مختلف من الطيف. أطلق هرتز اسمه على وحدة التردد بمعنى أن التردد الواحد في الثانية يُطلق عليه واحد هرتز، والألف تردد والمليون تردد في الثانية يطلق عليهما كيلوهرتز وميجاهرتز. وموجات الراديو هي موجات كهرومغناطيسية تتذبذب في مدى يتراوح بين الكيلوهرتز والميجاهرتز.

وكما كان الحال مع الضوء المرئي، الذي يسافر عبر الفراغ، ينطبق الأمر عينه على موجات الراديو وكل ترددات الموجات الكهرومغناطيسية. يمكننا التواصل مع المركبات الفضائية البعيدة بفضل موجات الراديو التي تسافر عبر الفضاء الفارغ كما الحال مع أشعة الضوء المرئية، وبنفس السرعة الكونية البالغة ٣٠٠ ألف كيلومتر في الثانية.

من الآثار الأخرى المترتبة على عمل ماكسويل هو أن الأجسام المشحونة كهربائيًّا والأجسام المغناطيسية التي يفصلها مسافات كبيرة لا يتفاعل بعضها مع بعض مباشرة، وإنما تتفاعل عن طريق مجال كهرومغناطيسي ينتشر من جسم إلى آخر بسرعة الضوء. حرك شحنة كهربائية عند نقطة ما، ولن تبدأ الشحنة البعيدة في التذبذب بالتوافق مع هذه الشحنة إلا عندما تصلها الموجة الكهرومغناطيسية الناجمة. يختلف هذا اختلافًا جذريًّا عن الصورة الميكانيكية التي رسمها نيوتن والتي يحدث فيها مثل هذا الفعل في اللحظة عينها.

يعتمد استقبال موجات الراديو، وعلم بلورات الأشعة السينية، والرؤية بصفة عامة على قدرة إحدى الموجات الكهرومغناطيسية على أن تمتصها المادة أو تشتتها بعد اجتياز الموجة ما يبدو كالفضاء الفارغ. هنا يكمن السؤال الأساسي بشأن الضوء باعتباره موجة كهرومغناطيسية: ما الوسط الذي يتموج؟ أو كما يُطرح السؤال على نحو أكثر صراحة: «ما الذي يحتوي الموجات؟»

ما الذي يحتوي الموجات؟

اكتشف روبرت هوك في القرن السابع عشر أن الصوت لا يمر عبر الفراغ. بدا هذا منطقيًّا نظرًا لأن حقيقة أن الصوت ما هو إلا ذبذبات من الهواء معروفة منذ زمن الفلاسفة الرواقيين في اليونان القديمة؛ فبإزالة الهواء يزول الصوت أيضًا. تعارض هذا مع الضوء والمغناطيسية؛ لأن المصباح يسطع دون تغير عندما يُرى عبر الفراغ كما لو كان الهواء والمجال المغناطيسي يستمران في التأثير أحدهما على الآخر في الفراغ. إذن، بعدما يزول الهواء، هل يتبقى شيء آخر بإمكانه أن ينقل هذه التأثيرات؟ مقت الإغريق القدامى فكرة الفراغ أيما مقت، ومن هنا بزغت فكرة «الأثير»، والمقصود به «وسط أخف من الهواء» يملأ كل الفضاء حتى بعد إزالة الهواء. آمن إسحاق نيوتن بوجود الأثير مع أنه ليس واضحًا ماذا كان يعني الأثير من وجهة نظره تحديدًا. وسادت أفكار حول الأثير في القرون اللاحقة، إلى أن أطاحت بها في آخر المطاف نظرية النسبية لأينشتاين. هكذا ظهر الأثير، وهكذا اندثر.

كان نيوتن فيلسوفًا متخصصًا في علم الميكانيكا، يفسر الظواهر الطبيعية مثل حركة الجسيمات في المادة، وهو ما قاده في البداية إلى تصور الضوء وكأنه تدفق من الجسيمات أو «الفوتونات» كما نطلق عليها اليوم. رفضت ميكانيكا نيوتن أيضًا فكرة «التفاعل عن بعد». وقد أعزى الظاهرة الإلكتروستاتيكية — التي تحدث مثلًا عندما تنجذب قصاصات الورق إلى قطعة من الزجاج جرى حكها بقطعة قماش — إلى مادة أثيرية تخرج من الزجاج وتعود بالورق معها. وفي عام ١٦٧٥ كوَّن نظريته عن الضوء، التي تضمنت الأثير الكوني.

غير أنه لم يكن راضيًا، وفي غضون خمس سنوات تخلى عن الاعتقاد بوجود الأثير واستحدث فكرة التجاذب والتنافر بين جسيمات المادة. وبعدها بخمس وثلاثين سنة أصدر الطبعة الثانية من كتابه «البصريات» وصرح فيها مرة أخرى عن قبوله لوجود أثير، لكن ذلك الأثير الذي يسمح بالتفاعل عن بعد بفعل التنافر بين الجسيمات التي تشكل الأثير.

في القرن الثامن عشر رفض عالم الرياضيات والفيزياء السويسري ليونهارت أويلر النظرية الجسيمية لنيوتن حول الضوء وطرح تفسيره الخاص للظواهر البصرية باعتبارها ذبذبات في الأثير المائع. تغير كل شيء مع مطلع القرن التاسع عشر عندما أثبت الفيزيائي الإنجليزي توماس يونج أن الضوء يتألف من موجات. كان اهتمامه منصبًّا بالأساس على الرؤية. كطالب طب، كان قد اكتشف كيف يتغير شكل عدسة العين مع تركيزها على أشياء تقع على مسافات مختلفة. وقد اكتشف أسباب الأستجماتزم في عام ١٨٠١ ثم انصرف إلى الاهتمام بطبيعة الضوء. ومن هنا اكتشف تأثيرات التداخل، حيث يتسبب الضوء المار عبر ثقبين إبريين في إنتاج سلسلة من الحزم المظلمة والمضيئة بالتناوب. تشابه هذا مع الطريقة التي تمتزج بها موجات المياه صانعة قمم كبيرة عندما تتزامن قمتان أو تستوي عندما تتلاقى قمة وقاع. كان من شأن الامتزاج بين القمم والقيعان في موجات الضوء أن يفسر هذه الظاهرة طبيعيًّا، بل في الواقع، كانت فكرة أن موجتين من الضوء يمكن أن تصنعا ظلامًا فكرة مدهشة وقد أُخد تفسيرها في ضوء الموجات كدليل قاطع على الطبيعة الموجية للضوء. (أصبح عمل يونج مقبولًا بعدما أعاد تقديمه الفيزيائي الفرنسي أوجستان فرينل، إلا في إنجلترا حيث كان يُنظر إلى معارضة نظريات نيوتن نظرة سلبية).

أدى الاهتمام بطبيعة الضوء والكهرباء في القرن التاسع عشر إلى انتعاش الأفكار القديمة المتعلقة بالأثير باعتباره الوسط الذي ينقل موجات الضوء كما ينقل الهواء الصوت. وبحسب علوم القرن التاسع عشر افتُرض أن الأثير عديم الوزن، شفاف، عديم الاحتكاك، ويستحيل الكشف عنه عمليًّا باستخدام أية وسيلة فيزيائية أو عملية كيميائية. إنه يتخلل كل شيء وكل مكان، ويُفترض أنه شكل من أشكال المواد الصلبة المرنة، مثل الفولاذ، ومع ذلك فهو يتمتع بقدرة مدهشة على السماح للكواكب بالنفاذ عبره كما لو لم يكن موجودًا. انشغلت كثير من علوم القرن التاسع عشر بمحاولة الكشف عن كنه هذا الشيء الغامض.

حلَّت فكرة الأثير معضلة انتقال الموجات عبر الفراغ، غير أنها لم تفسر سبب تغيير الضوء لسلوكه عندما يخترق وسطًا شفافًا ليس بفراغ قطعًا؛ وَسَطًا مثل الماء والزجاج. فسرعة الضوء في الماء أقل من سرعته في الفراغ، وبعض المواد الشفافة للضوء المسلط عليها مباشرة من الممكن أن تصير معتمة، بحيث تشتته، وهي الظاهرة التي يُستفاد منها في بعض النظارات الشمسية المستقطبة. جرى تفسير كل هذه الظواهر طبيعيًّا عقب اقتراح ماكسويل بأن الضوء موجة من المجالين الكهربائي والمغناطيسي.

كان من المفترض أن الأثير هو الوسط الذي يتذبذب فيه الضوء. وكان هذا الافتراض يقضي بأن الأثير ساكن في كل أنحاء الكون، مما يفسر حالة السكون المطلقة التي نادى بها نيوتن. وبحلول عام ١٨٨٧ بات جليًّا أن الضوء موجة من المجالين الكهربائي والمغناطيسي المتذبذبين. في حالة الصوت تتحرك الموجة باتجاه الحركة؛ تختلف الموجة الكهرومغناطيسية في أن الذبذبات تكون متعامدة على الحركة. ومن ثم افتُرض أن القوانين الكهرومغناطيسية وقوانين الضوء تنطبق على الحالة المثالية المرتبطة بالأثير الساكن.

مشكلة الأثير

قدم حساب ماكسويل لسرعة الموجات الكهرومغناطيسية طريقة لحساب سرعتنا نسبةً إلى الأثير الذي يحدد الفضاء المطلق. للتوضيح، فكر في الموجات المائية؛ ألق حجرًا في الماء وستنتشر الموجات. تبلغ سرعة الموجة نحو متر واحد في الثانية. هذه السرعة إحدى خصائص الماء؛ فهي لا تعتمد على سرعة المصدر؛ بمعنى أنه إذا أُلقي الحجر من قارب مستقر، فإن الموجة تنتشر بسرعة متر واحد في الثانية، وإذا أُلقي من زورق بخاري سريع فستنتشر الموجة أيضًا بسرعة متر واحد في الثانية. إذا كنت على متن قارب ساكن في الماء، فسترى الموجة تمر بك بسرعة متر واحد في الثانية، أما إذا كنت تتجه نحو الموجة بسرعة ١٠ أمتار في الثانية فإن الموجات سوف تقترب منك بسرعة ١١ مترًا في الثانية، في حين أنك إذا كنت متجهًا في الاتجاه المعاكس بالسرعة ذاتها نسبة إلى الماء، فستلحق بك الموجات بسرعة ٩ أمتار في الثانية. يمكنك أن تحدد سرعتك المطلقة نسبة إلى الماء بهذه الطريقة.

وكما الحال مع القارب في الماء، يكون أيضًا حال كوكب الأرض في الأثير. تتحرك الموجات الكهرومغناطيسية بسرعة ٣٠٠ ألف كيلومتر في الثانية، وهذه إحدى خصائص الفضاء ولا تعتمد على سرعة المصدر، كما الحال في مثال الماء. وبالمثل، إذا كنت ستتحرك عبر الأثير، فبقياس سرعة موجات الضوء، تستطيع تحديد سرعتك نسبة إلى ذلك الوسط. كل ما يتطلبه الأمر قياس سرعة الضوء عبر الأثير في مختلف الاتجاهات ومن خلال هذا يمكن تحديد في أي إطار بالتحديد كانت السرعة التي حسبها ماكسويل. سيكون هذا الإطار وقتها هو الإطار المطلق للكون؛ حالة السكون المطلق نسبة إلى الأثير. غير أن الأمور لم تسر كالمتوقع.

كان من المفترض أن تنطبق قوانين نيوتن للحركة (فلم يكن هناك بديل آخر وقتها!) وعليه إذا تحركت الأرض نسبة إلى الأثير كان لا بد عندئذ من رصد حركتها. على سبيل المثال، إذا كانت الأرض تتحرك عبر الأثير، فإن الضوء المتحرك في نفس الاتجاه كانت ستزيد سرعته بسبب سرعة الأرض، في حين أن الضوء المتحرك في اتجاه معاكس ما كان ليحظى بهذا الدعم الإضافي. ولن تكون سرعة الضوء ٣٠٠ ألف كيلومتر في الثانية، كما حُسبت في نظرية ماكسويل، إلا حين تكون الأرض في حالة سكون نسبة إلى الأثير.

تبعد الأرض نحو ١٥٠ مليون كيلومتر عن الشمس وتتمم دورتها التي تبلغ نحو مليار كيلومتر في سنة واحدة، أي ٣٠ مليون ثانية، مما يعني أن الأرض تتحرك نحو ٣٠ كيلومترًا كل ثانية. وطبقًا لحسابات ماكسويل، يتحرك الضوء بسرعة ٣٠٠ ألف كيلومتر في الثانية «نسبة إلى الأثير»، وعليه ستغير حركة الأرض — عندما تكون الأرض عند نقطتين متقابلتين تمامًا في مدارها — سرعتها مقارنة بالضوء بنحو جزء في كل ٥ آلاف جزء.

تطلب رصد هذه التأثيرات الطفيفة الناجمة عن حركة الأرض بعض البراعة. قام ألبرت ميكلسون بمحاولة أولى في عام ١٨٨١، لكن لم تتحقق الدقة المطلوبة إلا في عام ١٨٨٧ عندما تعاون مع إدوارد مورلي. ولم يتوصلا إلى ذلك عن طريق مقارنة قياسات تفصلها ستة أشهر، وإنما في تجربة واحدة في المعمل شطرا فيها شعاعًا من الضوء إلى شعاعين وأطلقاهما في اتجاهين مختلفين، ثم أعاداهما أخيرًا إلى نقطة الانطلاق عن طريق مرآة. تحرك الشعاعان بشكل معاكس أحدهما للآخر، وعليه إذا حدث وكان أحدهما موازيًا لاتجاه حركة الأرض، سيكون الآخر معاكسًا لاتجاه حركة الأرض. كان من المفترض أن يتأثر الشعاعان بالأثير بطريقتين معاكستين، وأن يكون هناك اختلاف زمني طفيف في توقيت عودتهما إلى نقطة الانطلاق. وبما أن الموجات الكهرومغناطيسية تتذبذب بتردد معين، فإن الاختلاف الزمني الطفيف سيتجسد على صورة اختلاف في سعة تذبذبهما.

إذا لم تتوافق موجات الضوء بعضها مع بعض في ترددها، بمعنى أن موجات أحد الشعاعين تذبذبت أكثر قليلًا من موجات الشعاع الآخر نتيجة تأثرها بالأثير، فإن قمم وقيعان الشعاعين ستسببان حدوث تداخل في الحزم المعتمة والمضيئة. وبقياس سعة الموجات وعددها، أمكن الحصول على قياس غاية في الحساسية للسرعة النسبية للضوء المتحرك في اتجاهين متعاكسين. كان ميكلسون قد أجرى التجربة في البداية في برلين بمفرده، ثم أجرى تجارب أكثر دقة في الولايات المتحدة بالتعاون مع إدوراد مورلي. لم تُرصد أي تفرعات للتداخل، ومن ثم كان الاستنتاج هو أن الأرض لا تتحرك عبر الأثير، أو كما ذكر ميكلسون على نحو أكثر دقة: «إن فرضية الأثير الساكن خاطئة.»

هذا الاستنتاج صحيح من الناحية المنطقية؛ وفتحت تبعاته الباب أمام احتمالات أخرى مختلفة. أحد هذه الاحتمالات هو أن الأثير يشبه قصة الملك الذي كان يرتدي ملابس رائعة يستحيل أن يراها غير الحكماء في حين أن الجهال لا يرونها. بالطبع ادعى الجميع أنهم يرون ثياب الملك الرائعة إلى أن جاء طفل لم يكن قد أُخبر بالقصة وأعلن محقًّا أن الملك عارٍ. ويكمن وجه الشبه هنا في أنه لا يوجد أثير من الأساس، وهو ما صار أمرًا مسلمًا به بعد أعمال أينشتاين، التي سنستفيض في الحديث عنها لاحقًا. وكان الاحتمال الثاني هو أن الأرض تجر الأثير المحيط بها معها بفعل الاحتكاك. إذ تولد حركتنا عبر الأثير دوامات ضخمة، من ثم تتحرك أشعة الضوء عبر أثير ساكن نسبة إلى المعمل، حتى ونحن نتحرك كلنا خلال الأثير الانسيابي الأبعد.

أدرك نيوتن أن الأجسام تستشعر المقاومة حتى عندما تتحرك في الهواء. ولا بد من إزالة كل هذه العوائق من أجل تحقيق حالة الحركة الدائمة غير المتغيرة التي شكلت أساس قوانين الحركة التي وضعها، ومن هنا تعين أن يكون الأثير غاية في الرقة. على سبيل المثال، حددت قوانين نيوتن حركة الكواكب واستتبع هذا أن الكواكب تتحرك بحرية في ظل تأثير جاذبية الشمس؛ فلا مجال للتفاعل مع الأثير هنا. غير أن هذا خلق تناقضًا مباشرًا، لأنه لو أن الأرض تجر الأثير المحيط بها معها، فلا بد أنها تتفاعل معه وعندئذ تواجهنا مشكلة عند تطبيق ميكانيكا نيوتن على الكواكب. غير أن بعض الاقتراحات التخيلية طُرحت. كان جورج ستوكس (١٨١٩–١٩٠٣) فيزيائيًّا بريطانيًّا يشتهر بدراساته للسوائل اللزجة، وقد اعتقد في صحة النظرية الموجية للضوء وأيضًا في الأثير، الذي رجح أنه يتصرف كالشمع، بحيث يكون جامدًا لكنه قادر على التدفق أيضًا عند الخضوع لقوة ما. وأدى هذا بدوره إلى اقتراح أن حركة الكواكب توفر هذه القوة التي تجعل الأثير يتدفق، وأنها تجر الأثير معها بفعل الاحتكاك، لكن لم يتم التوصل قط إلى دليل تجريبي على هذا. وقد أدى ذلك، بالإضافة إلى الطبيعة الارتجالية للاقتراح، إلى سقوطه.

ثمة بديل ثالث جدير بالملاحظة اكتشفه جورج فيتزجيرالد في إنجلترا وهندريك لورنتز في هولندا؛ إذ لاحظ كلاهما على حدة أنه إذا كانت الأجسام المتحركة خلال الأثير تنكمش في اتجاه حركتها بمقدار يعتمد على مربع نسبة سرعة الأرض إلى سرعة الضوء، وقتها لم تكن الحركة عبر الأثير لتلحظ، وهكذا يمكن تعليل النتائج التي توصل إليها ميكلسون ومورلي.

هكذا كانت الفكرة: افترض أن هناك قضيبًا طوله متر موضوعًا في حالة سكون على كوكب الأرض. والآن تخيل أن هذا القضيب يمر بسرعة إلى جوارك خلال الأثير. افترض لورنتز وفيتزجيرالد، محقين، أن القوى التي تبقي على المواد الصلبة، القضبان، متماسكة، هي القوة الكهرومغناطيسية، وأن الحركة خلال الأثير تعوقها. وباستخدام نظرية ماكسويل، حسبا أنه عند سرعة نسبة إلى سرعة الضوء ، سينكمش القضيب في الطول بمقدار ضئيل للغاية:

وعندما تتحرك الأرض بسرعة ٣٠ كيلومترًا في الثانية يكون التأثير أقل من جزء واحد من المليون؛ أي ينكمش حجم القضيب البالغ طوله مترًا بنحو واحد على مائة من الميكرون.

حسب هذه النظرية كان الجهاز الذي يستخدمه ميكلسون ومورلي سينكمش طوله مع حركته خلال الأثير في حين أنه عندما يتحرك في الاتجاه المعاكس للأثير فإن طوله لن يتأثر. وهذا الاختلاف الطفيف في المسافة بين الطول المنكمش والخطوط المعاكسة غير المتغيرة يتوافق تمامًا مع التأخير الزمني المتوقع الذي بموجبه يعود الشعاعان متناظرين، وهو ما يتفق ونتائج تجربتهما. وفق هذا التفسير إذن، يمكن أن يعج الفضاء بالأثير ويستحيل تمامًا كشف الحركة عبره نظرًا لأن أجهزة القياس هي التي تخفيها!

قضى تفسيرهما أيضًا بأن الحركة خلال الأثير من شأنها أن تغير المقاومة لعجلة الجسم المتحرك، قصوره الذاتي أو كتلته، بنسبة قدرها . وبالتالي حين تقترب السرعة من سرعة الضوء، حيث ، تصبح الكتلة لانهائية. ونتيجة لذلك، يتطلب الأمر عندئذ مقدارًا لانهائيًّا من القوة كي يصل أي جسم كبير الحجم إلى سرعة الضوء. مع أن الفكرة بدت مُختلقة ولم تلق قبولًا بين الكثيرين كتفسير، وُجد في عام ١٩٠١ أن الإلكترونات المنبعثة من انحلالات بيتا، بسرعات مختلفة، كانت كتلتها تتباين باختلاف سرعتها، بما يتفق مع هذه المعادلة. مما لفت أنظار الناس إلى «تحويلات لورنتز-فيتزجيرالد» كما صارت تعرف فيما بعد.
ندرك اليوم أن هذه التحويلات المعتمدة على السرعة صحيحة. تنكمش الأطوال وتزيد الكتل بزيادة السرعة وذلك بنسبة قدرها لكن ليس للأسباب التي رجحها كل من لورنتز وفيتزجيرالد. نظر أينشتاين إلى المشكلة من منظور جديد. إن ثبات سرعة الضوء مقارنة بسرعة المصدر أو المراقب يرجع جزئيًّا إلى انكماش المسافات كما في معادلة لورنتز وفيتزجيرالد، لكن هذا لا يرجع إلى تأثير الأثير على القضيب. من وجهة نظر أينشتاين الانكماش خاصية جوهرية من خصائص الفضاء نفسه. تتخذ المسافات والفواصل الزمنية كما يسجلها المراقبون عند سرعات مختلفة مقاييس مختلفة: فما يراه أحد المراقبين مكانًا هو مزيج من المكان والزمان لمراقب آخر. كونت هذه الأفكار، التي تعد أساس نظرية النسبية لأينشتاين، رؤية كونية جديدة بالكامل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠