الفصل السادس

تكلفة الفضاء الخاوي

زمكان منحنٍ

خرج أينشتاين بنظرية النسبية الخاصة من التجارب الفكرية التي تتضمن الإشعاع الكهرومغناطيسي؛ أي الضوء. وعقب هذا مارس التجارب الفكرية مع الجاذبية، وهو ما قاده إلى نظرية النسبية العامة.

كان أينشتاين قد توصل إلى نظرية النسبية الخاصة في ضوء الافتراض بأنه لا توجد حالة مطلقة من السكون التام. وقد جاءت نظرية النسبية العامة انطلاقًا من فكرة أنه لا يوجد مقياس مطلق للقوة والعجلة. أولًا، تفكر في مشكلة النسبية عندما تُقحَم فيها الجاذبية. قامت النسبية الخاصة على الحقيقة المسلم بها القائلة إن سرعة الضوء ثابت كوني. فالضوء له طاقة، وبما أن الجاذبية تؤثر ليس فقط على الكتلة وإنما أيضًا على الطاقة بكافة أشكالها، عندئذ لا بد أن ينحرف شعاع الضوء بفعل الجاذبية عندما يمر بالقرب من جسم ضخم كالشمس. وبما أن الجاذبية تملأ الكون، وتُحرِّف أشعة الضوء على الدوام، فإن مبادئ النسبية التي افترضت أن الضوء يتحرك في خطوط مستقيمة بسرعة ثابتة بدا أنها لن تستطيع الصمود إلا إذا أخرجت الجاذبية من المعادلة بطريقة ما. سرعان ما أدرك أينشتاين أن هذا يشكل مشكلة، واستغرق الأمر منه عشر سنوات ليفك طلاسمها تمامًا. وجاءت فكرة أينشتاين العبقرية العظيمة عندما أدرك أن الجاذبية يبطل أثرها بالفعل في حالة الجسم الذي يسقط سقوطًا حرًّا؛ بمعنى أنه لا توجد قوة صافية تؤثر على الجسم ومن ثم سيتحرك بسرعة ثابتة.

الكتلة الحجرية الساقطة ليس لها وزن. وإذا التقطتها، فإن ما تشعر به على أنه وزن لها هو في حقيقته القوة التي لا بد أن تستخدمها كي تمنع الحجر من السقوط إلى الأرض. إن الأرضية الصلبة التي نقف عليها هي التي تمنعنا من السقوط إلى مركز الأرض، ومقاومة الأرضية — القوة التي تبذلها كي تحول دون سقوطنا — هي ما نشعر به بوصفه وزننا. فلو اختفت الأرضية تمامًا، فسنسقط إلى مركز الكوكب منعدمي الوزن.

كانت هذه نقطة الانطلاق نحو تجربة أخرى من تجارب أينشتاين الفكرية.

افترض أنك بمقصورة تسقط سقوطًا حرًّا، ولا توجد نوافذ لتطل منها على الخارج. ربما تكون داخل مصعد ساقط، أو على نحو أقل وطأة، داخل قمر صناعي يدور حول الأرض. في الحالة الثانية ستكون أنت والقمر الصناعي في حالة سقوط حر، لكنكما تتحركان «أفقيًّا» أيضًا بسرعة تتوافق مع معدل تقوس الأرض، بحيث تتقوس الأرض مبتعدة عنك بنفس معدل سقوطك نحوها. في كلا المثالين، لن يكون هناك أي شعور بقوة الجاذبية في المنطقة المحيطة بك مباشرة. على سبيل المثال إذا أَفْلَتَّ كرة فإنها ستنجذب إلى الأرض بفعل الجاذبية بنفس معدل انجذابك أنت نحوها بالتمام، ومن ثم ستظل الكرة ثابتة مقارنة بك. يبدو رواد الفضاء طافين بداخل مقصوراتهم للسبب عينه؛ فهم والقمر الصناعي «يسقطون» بالمعدل ذاته. ومع أننا نعلم أن رواد الفضاء يسقطون في مجال جاذبية الأرض، فإنهم لا يشعرون بأي قوة جذب، وداخل مقصوراتهم المغلقة لهم كل الحق في اعتبار أنفسهم في حالة سكون. وقد أدرك أينشتاين أن الجاذبية تتلاشى فعليًّا في حالة السقوط الحر «عديم الوزن».

ينطبق هذا أيضًا على أشعة الضوء. ينجذب شعاع الضوء نحو أي جسم هائل بالمعدل نفسه الذي تنجذب به الأجسام الضخمة العادية. تأكد هذا خلال الكسوف الكلي للشمس عام ١٩١٩، عندما شُوهدت النجوم البعيدة وقد أزيحت عن مكانها «الطبيعي» بسبب أن ضوءها انحرف حين مر بمجال جاذبية الشمس.

أدرك أينشتاين هذا في عام ١٩١١، قبل إتمام نظرية النسبية العامة. وبحلول عام ١٩١٦ كان قد أتم النظرية بأكملها، التي كشفت عن أن التأثير سيكون ضعف ذلك التأثير الذي ظنه في البداية، وذلك نتيجة تقوس كل من المكان والزمكان. وقد صُرف النظر عن محاولة لاختبار تنبئه (الخاطئ) أثناء الكسوف الكلي عام ١٩١٥ بسبب الحرب العالمية.
fig5
شكل ٦-١: يُشغل مصباح ضوئي نحو جانب صندوق في حالة سقط حر. يعبر شعاع الضوء الصندوق، وتؤثر الجاذبية على كل من الشعاع والصندوق وتشدهما نحو الأرض. في الشكل (أ) نرى مسارًا منحنيًا كما يُرى من الأرض خلال الأجزاء القليلة على المليار من الثانية المنقضية. في الشكل (ب) نرى التتابع نفسه كما يُدرَك من جانب شخص موجود داخل الصندوق. بما أن كلًّا من الصندوق وشعاع الضوء يسقطان بالمعدل ذاته، فسيبدو شعاع الضوء وكأنه يعبر الصندوق في خط أفقي مستقيم.

وأنت داخل المقصورة التي تسقط سقوطًا حرًّا، إذا سلطت مصباحًا أفقيًّا بالنسبة لأرضيتها، فإنه إذا قام أحدهم على الأرض بقياس دقيق فلسوف يجد أن شعاع الضوء قد تقوس تقوسًا طفيفًا لأنه «تأثر» بالجاذبية. ففي اللحظة اليسيرة التي عبر فيها الشعاع من أحد جانبي المقصورة إلى الجانب الآخر، فإنه سقط نحو الأرض بنفس مقدار سقوط الجدار المقابل. وعليه، سيبدو داخل المقصورة أن الضوء انتقل في خط مستقيم، ومجددًا، سترى أن كل شيء يتماشى مع تفسيرك أنك في حالة سكون في بيئة منعدمة القوى.

افترض أنك في سرب من المركبات الفضائية، وكل مركبة تبتعد عن المركبة المجاورة لها بكيلومتر واحد بالضبط، وكل المركبات تسقط نحو الأرض. مع أن رواد الفضاء في مثل هذه الحالة قد يحسبون أنفسهم في حالة سكون أو حالة حركة منتظمة في خطوط متوازية مستقيمة، بعد فترة وجيزة سيبدءون في ملاحظة أن كل المركبات يقترب بعضها من بعض. يُعزى هذا إلى أن كل مركبة في حالة سقوط حر نحو مركز الكوكب البعيد، لذا فمساراتها تتلاقى عند نقطة واحدة. خطرت لأينشتاين تلك الفكرة العبقرية القائلة إن تأثير الجاذبية يجعل مسارات الأجسام التي في حالة سقوط حر تتلاقى.

تدفقت الرؤى العميقة عندما رأى أينشتاين وجه الشبه بين هذه الصورة وبين تلاقي خطوط الطول عند القطبين الشمالي والجنوبي للكرة الأرضية. عندما تُمثَّل الخطوط على سطح مستوٍ، مثل مسقط المركاتور، تكون هذه الخطوط متوازية، لكن عندما تكون على سطح الأرض المنحني فإن «الخطوط المستقيمة» تكون متوازية في البداية عند خط الاستواء، لكن وهي تتجه شمالًا فإنها تتلاقى تدريجيًّا إلى أن تتجمع كلها في آخر المطاف عند القطب. يُعزى هذا إلى أن سطح الأرض ثنائي الأبعاد يتقوس في بعد ثالث. خرج أينشتاين حينها باستنتاج رائع مفاده أن خطوط السقوط الحر في مجال الجاذبية تشبه خطوط الطول على أي «سطح» يتقوس في بُعد أعلى. تخيل أينشتاين أن «السطح» ثلاثي الأبعاد للفضاء يتمدد بفعل الكتل الهائلة. إننا ندرك حركة السقوط الحر على امتداد هذه التقوسات بوصفها انحرافًا عن الخطوط «المستقيمة»، ونفسرها على أنها حدثت بفعل قوة الجاذبية.

كي نرى كيف دمج أينشتاين هذا في وصفه للزمكان، دعونا نتناول مثالًا ثنائي الأبعاد. لنسترجع أولًا نظرية فيثاغورس القائلة إن مربع وتر المثلث القائم الزاوية يساوي مجموع مربع ضلعي الزاوية القائمة: . ينطبق هذا على السطح المستوي حيث يكون مجموع الزوايا داخل المثلث ١٨٠ درجة بيد أن هذا لا ينطبق بالضرورة على السطح المنحني. يمكن رؤية هذا بسهولة إذا تخيلنا أننا نقوم بجولة دائرية تكون فيها أول محطة على امتداد خط الاستواء بداية من خط جرينيتش بزاوية ٩٠ درجة شرقًا. من عند هذه النقطة اتجه يسارًا بزاوية ٩٠ درجة واتجه شَمالًا طوال الطريق إلى القطب الشمالي. إذا اتجهت يسارًا الآن بزاوية ٩٠ درجة أيضًا واتجهت جنوبًا (من القطب الشمالي تكون كل الاتجاهات جنوبًا!) فستتجه صوب خط جرينيتش إلى أن تصل في نهاية المطاف إلى نقطة البداية الأصلية على خط الاستواء، متممًا مثلثًا يحتوي على ثلاث زوايا قائمة. حين يتجاوز مجموع زوايا المثلث ١٨٠ درجة فإن هذا مؤشر فعلي على أنك لست في مكان مسطح، ومن البديهي أن تصير نظرية فيثاغورس غير قابلة للتطبيق؛ فأي من هذه الأضلاع الثلاثة هو الوتر؟!
fig6
شكل ٦-٢: صورة للكرة الأرضية مرسوم عليها مثلث. يمتد أحد أضلاع المثلث من خط الاستواء إلى القطب الشمالي على امتداد خط جرينيتش، تمتد قاعدة المثلث على امتداد خط الاستواء من خط جرينيتش بزاوية قدرها ٩٠ درجة شرقًا (أو غربًا)، أما الضلع الثالث فيمتد من خط الاستواء بزاوية قدرها ٩٠ درجة شرقًا (أو غربًا).

ثمة مفاجآت أخرى تتعرض لها عندما تعيش على سطح منحنٍ: كيف يكون شكل الخط المستقيم، وكل الخطوط يتعين عليها أن تتقوس على الأقل في بعد واحد؟

الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين على سطح مستوٍ. أدرك أينشتاين أن مفهوم أقصر مسافة مفهوم جوهري؛ ففي الزمكان المنحني بفعل الجاذبية، يتبع الضوء أقصر طريق بين نقطتين. على سطح الأرض تُعرف أقصر الطرق هذه بالدوائر العظمى. كي تطير من لندن عند دائرة عرض ٥٥ شمالًا إلى لوس أنجلوس عند دائرة عرض ٣٠، قد تتوقع على نحو ساذج أن تحلق في اتجاه الجنوب الغربي، في حين أن رحلتك عبر إحدى الدوائر العظمى ستحلق بك في اتجاه الشمال الغربي نحو جزيرة جرينلاند وفوقها. تُعرف هذه الدوائر العظمي رسميًّا باسم «الجيوديسيات» بمعنى «مقسمات الأرض». المعادلة التي تفسر العلاقة بين المسافات التي توجد حول المثلثات أكثر تعقيدًا من الشكل الذي وضعه فيثاغورس وتقتضي معرفة بكيفية تقوس السطح، وكيفية ارتباط قياسات الأطوال بالزوايا، وهو ما يعني باللغة المتخصصة المعرفة ﺑ «مترية» السطح. تطلب هدف أينشتاين المتمثل في وضع نظرية للجاذبية بوصفها زمكانًا منحنيًا، الإجابة عن سؤالين: (١) بوضع تنظيم المادة في الاعتبار، ما شكل مترية الزمكان؟ (٢) بوضع شكل المترية في الاعتبار، كيف تتحرك الأجسام داخلها؟

إن لم توجد مادة، فإن مترية الزمكان ستعطينا العلاقة التي رأيناها بالفعل، ، ويُقال إن الزمكان مسطح. لكن عندما توجد المادة فإن العلاقة بين المسافات والزمن تتغير، ويكون الزمكان منحنيًا.

جاءت أشهر الأدلة على تقوس الزمكان في مجموعتنا الشمسية من مدار كوكب عطارد، الذي يأخذ الشكل البيضاوي على غرار بقية الكواكب، لكن يستمر حضيضه الشمسي في حركة دائرية. فلكونه أقرب كوكب إلى الشمس، يستشعر عطارد أقوى قوة جذب، ويتحرك أسرع من بقية الكواكب، ويكون أكثرها عرضة لتأثيرات النسبية. يتسبب تقوس الفضاء في جعل المسافة حول الشمس تختلف اختلافًا طفيفًا عن قيمتها وفق رؤية نيوتن عن الفضاء المسطح، وهو ما يترتب عليه أنه بعد إتمام دورة كاملة حول الشمس، لا ينتهي المسار عند نقطة البداية عينها كما سيحدث طبقًا لتصور نيوتن. وعليه يختلف مدار كوكب عطارد من عام إلى آخر، بما يتفق مع نظرية أينشتاين.

يرى أينشتاين أن الزمكان يبدو شبيهًا بمادة صلبة مرنة؛ كفرخ المطاط. تظهر قوة الجاذبية في هذه الصورة عندما توجد كتلة ضخمة، مثل الأرض أو الشمس، في حالة سكون في الوسط وتسبب تشوهه. إذا تسارعت الكتلة، كما يحدث مثلًا عندما يدور نجمان أحدهما حول الآخر، أو عندما ينهار نجم فجأة وينفجر كما الحال مع المستعرات العظمى (السوبرنوفا)، تقضي النظرية بأن موجات الجاذبية تنتشر في الوسط كما الحال عندما ينشر زلزال موجاته الاهتزازية في الأرض الصلبة.
fig7
شكل ٦-٣: مسار الحضيض الشمسي لكوكب عطارد. النقاط ١ و٢ و٣ تشير إلى أقرب نقاط الدنو على المدارات المتتابعة.
لا يزال هذا التنبؤ بإمكانية وجود إشعاع للجاذبية لم يتم التحقق منه تجريبيًّا، بمعنى الكشف الفعلي عن وجود مثل هذه الموجات، لكن ثمة دليلًا غير مباشر على وجودها. يدور نجمان، يُعرفان باسم الثنائي النابض PSR 1913+16، أحدهما حول الآخر كل ٧ ساعات و٤٥ دقيقة. يشع النجم النابض إشعاعًا كهرومغناطيسيًّا في نبضات، كضوء المنارة، كل جزء على ستمائة من الثانية. أنت ترى الوميض المنبعث من المنارة فقط حين يكون الشعاع الدائري منبعثًا باتجاهك، ولا ترى شيئًا عندما يُوجَّه في أي اتجاه آخر. يوحي الفاصل الزمني الذي مدته جزء على ستمائة من الثانية والذي يفصل بين كل ومضتين متعاقبتين أن النجم النابض يلف سبعة عشر مرة كل ثانية. بمقتضى نظرية أينشتاين، سيبعث مثل هذا النظام الطاقة في صورة موجات جاذبية وسينخفض تدريجيًّا الوقت الذي يستغرقه في الدوران. قِيسَ هذا التغير على يد عالمي الفلك جوزيف تايلور وراسل هالس ووجدا أنه يتفق مع تنبؤات أينشتاين، وقد فازا عن هذا العمل بجائزة نوبل عام ١٩٧٥.

بعد هذا التأكيد على نظرية أينشتاين، نأتي إلى صورة الزمكان باعتباره وسطًا مرنًا، وهو ما يذكرنا بالأثير نفسه الذي ساهم عمل أينشتاين على الإشعاع الكهرومغناطيسي ونظرية النسبية الخاصة بدور كبير في دحض وجوده. بيد أن النسبية لا تقضي بعدم وجود الأثير، بل هي تقضي بأن أيًّا ما كانت المادة التي يتألف منها هذا الأثير فلا بد أن تتفق في سلوكها مع مبادئ النسبية! من الأمثلة المشابهة للأثير المجال الكهربائي، الذي يستحيل أن تراه ما لم تجعله يتذبذب؛ عندئذ يمكن أن تراه فعليًّا. وفق مفهوم النسبية يتطلب الأثير وجود كل من المجالين الكهربائي والمغناطيسي، واللذين تنتقل التغيرات فيهما بسرعة الضوء. وعلى غرار أثير مجال الجاذبية، تنتقل موجات الجاذبية — تموجات نسيج الزمكان — بسرعة الضوء الكونية أيضًا.

الجاذبية والانحناء

الفضاء «المسطح» هو الفضاء الذي لا تتلاقى فيه الخطوط المتوازية أبدًا، وهو كل ما انتهت إليه معرفة إقليدس ونيوتن، أما في الفضاء المنحني تتجه هذه الخطوط بعضها نحو بعض، ويعتبر المعدل الذي تتلاقى به الجيوديسيات هو مقياس الانحناء. صاغ أينشتاين نظرية النسبية العامة عن طريق ربط الانحناء بمجال الجاذبية. وهذا ما فعله.

المكان والزمان، أو المجالان الكهربائي والمغناطيسي، ينفصلان بوضوح فحسب من وجهة نظر أحد المراقبين، لكن لمراقب آخر في حالة حركة نسبية بحيث إنه في حالة تداخل الزمكان، تظل الكهرومغناطيسية هي الثابت الحقيقي الوحيد. تنطبق ملاحظات شبيهة على الطاقة والزخم؛ «فمزيج الطاقة والزخم» هو الذي يقوم بدور المقياس النسبي للحركة في الزمكان. أثبت أينشتاين هذا في نظرية النسبية الخاصة عام ١٩٠٥، التي لم تضع الجاذبية في الاعتبار. وقد أثبت أيضًا من خلال معادلته التي تقضي بأن الطاقة = الكتلة × مربع سرعة الضوء، أن الكتلة هي شكل من أشكال الطاقة، أما في نظرية النسبية العامة عن الجاذبية، فقد عمم نظرية نيوتن، حيث الكتلة هي مصدر القوة، من خلال صياغة معادلات ربطت كثافة «الطاقة-الزخم» بانحناء الزمكان.

لاحظ أنني استخدمت لفظة معادلات في صيغة الجمع. يوضح التقوس كيف ينحرف الخط من اتجاه إلى آخر في أي من الأبعاد الأربعة للزمكان، ولكي تتعقب هذا يقتضي الأمر معادلة منفصلة لكل مزيج ممكن من إحداثيات البداية والنهاية.

يتناسب مقدار الانحناء طرديًّا مع كثافة «الطاقة-الزخم»، ومع القوة الفعلية للجاذبية كما عرفها إسحاق نيوتن منذ ثلاثمائة عام، ويتناسب عكسيًّا مع سرعة الضوء مرفوعة للأس أربعة . يبدو هذا منطقيًّا؛ فإذا كانت الجاذبية أقوى (أضعف)، فإن التقوس الناجم عن المقدار المطروح من «الطاقة-الزخم» سيكون أكثر (أقل) قوة، ولو كانت سرعة الضوء لا نهائية، كما ظن نيوتن، لكانت قيمة تساوي صفرًا ولتلاشي الانحناء، وهو ما يعني أن الزمكان مسطح. يتفق هذا مع صورة نيوتن عن الزمكان؛ تلك المنطقة التي تتحرك فيها الأجسام دون أن تؤثر في المكان أو الزمن وحيث الخطوط المتوازية لا تتلاقى أبدًا. على النقيض، يرى أينشتاين أن الكتلة والطاقة تحددان شكل الزمكان. من ثم تتضمن نظرية أينشتاين نظرية نيوتن للجاذبية باعتبارها حالة خاصة؛ فهي تتطابق معها في كون سرعة الضوء لانهائية. يرى أينشتاين أن الإشارات لا تسافر أسرع من سرعة الضوء، وليس للتزامن وجود، في حين رأى نيوتن أن الجاذبية تعمل على نحو فوري، كما لو كانت سرعة الضوء كبيرة إلى حد لانهائي.

في الزمكان المسطح تسير أشعة الضوء في خطوط مستقيمة، وهي طريقة أخرى للقول إنها تسلك أقصر الطرق. في النسبية العامة أيضًا تسلك أشعة الضوء أقصر طريق، وهذه خاصية معروفة في علم البصريات وتنطبق على وسائط مختلفة. إن أقصر «مسار بصري»، ومن ثم أقل عدد من الذبذبات أو أقصر زمن، هو المسئول عن حدوث الانحناء الذي نطلق عليه الانكسار، كما يحدث عندما تبدو العصا الموضوعة في الماء بأي زاوية بخلاف الزاوية القائمة على السطح منحنية. وهذا هو سبب حدوث قوس قزح؛ إذ ينقسم الضوء إلى ألوان مختلفة عندما يصطدم بسطح الهواء أو الماء أو الزجاج كما الحال مع المنشور الزجاجي. يحدث هذا لأن الألوان المختلفة، التي تتوافق مع ترددات أو معدلات ذبذبة مختلفة، كل منها يسعى نحو أقصر مسار بصري مستقل خاص به. ينطبق الأمر عينه على الزمكان بالنسبة للأجسام؛ فالمذنب الذي تجبره الشمس على تغيير مساره يتبع المسار الذي يقلل الزمن الذي سيستغرقه للمرور من الفضاء العميق على جانب النظام الشمسي إلى الجانب الآخر إلى الحد الأدنى.

يفسر المراقب الموجود على سطح الأرض المسار المنحني للمذنب على أنه يرجع إلى قوة جاذبية الشمس. لو كان أينشتاين موجودًا على سطح هذا المذنب، لأصر على أنه في حالة سقوط حر، أي إنه في حالة سكون ومتحرر من أي قوى. وهكذا يتحرك المذنب في مسار كان سيبدو في الزمكان المسطح على شكل خط مستقيم، وهو ما يتوافق مع نظرة نيوتن، لكن في الزمكان المنحني سيتحرك في مسار منحنٍ.

نظريًّا، يمكن للمرء أن يقيس منحنى الزمكان عن طريق عمل مثلث باستخدام ثلاثة أشعة من الضوء. هل سيكون مجموع زوايا المثلث ١٨٠ درجة، أم ستتجاوز هذه القيمة، أم ستقل عن هذه القيمة التي اعتدناها في الفضاء المسطح؟ في المثال البسيط الخاص بالسقوط نحو مركز الأرض، سيتلاقى شعاعان ضوئيان معًا مثل خطوط الطول، وسيتجاوز مجموع زوايا مثلث الأشعة ١٨٠ درجة؛ عندئذ يُقال إن المكان منحنٍ، لكنه «منحنٍ» في ماذا؟ تذكر أن الإلهام الذي راود أينشتاين في الأساس نبع من سطح الأرض ثنائي الأبعاد، الذي تقوس في بعد ثالث، فالمسارات المتلاقية للمركبات الفضائية أو الأشعة الضوئية تتقوس في أبعاد أعلى، على الأقل من الناحية الرياضية. يمكن القول إن المكان ثلاثي الأبعاد يتقوس داخل البعد الرابع المتمثل في الزمن. في الواقع هذه العبارة مبسطة على نحو مبالغ فيه لأن المكان والزمان متداخلان على نحو نسبي في الزمكان. إن تخيل محتوى الرياضيات الكامل أمر مربك للعقل. غير أننا إذا اخترنا تبني منظور أحد المراقبين قد نبدأ على الأقل في فهم جزء مما يعنيه مفهوم «الانحناء داخل الزمان». ويمكننا البدء في تصور هذا إذا بدأنا بالحالة الأبسط المتمثلة في سفر الضوء عبر الزمكان المسطح، حيث تنعدم الجاذبية.

من الأسس الهامة لنظرية الجاذبية أن الضوء يسافر بسرعة ثابتة على الدوام. غير أنه مع الإسراع ناحية مصدر الضوء أو الابتعاد عنها، يتغير شيء ما: فمثلما يرتفع صوت بوق السيارة أو ينخفض حسب اقتراب السيارة نحوك أو ابتعادها عنك، يتبدل لون (تردد أو «درجة») الضوء، فينزاح الضوء إلى اللون الأحمر عندما يبتعد المصدر بعيدًا عنك، وإلى اللون الأزرق عندما يتجه نحوك، وهي الظاهرة المعروفة باسم «تأثير دوبلر». وما نستقبله على أنه ضوء هو نتيجة الترددات المختلفة التي يمكن أن تتذبذب بها المجالات الكهرومغناطيسية جيئة وذهابًا، حيث التردد هو وسيلة قياس الإيقاع الزمني. عندما يمر الضوء عبر مجالات جاذبية، ينشأ تأثير آخر، وهذا هو مصدر تقوس المكان في تصور أينشتاين.

عندما يمر شعاع ضوء عبر مجال جاذبية الشمس، فإنني سأرى مساره ينحني. فأشعة الضوء التي تسقط نحو مصدر جاذبية، كالشمس أو نجم نيوتروني أو أحد الثقوب السوداء، يتجمع بعضها نحو بعض مثل المركبات الفضائية التي تحدثنا عنها من قبل. بموجب نظرية النسبية العامة، لا تتسبب الحركة وحدها في تغيير لون الأشعة كما يستقبلها المراقب الذي في حالة سكون، وإنما تقوم قوى الجاذبية بهذا أيضًا، إذ يزداد انزياح تردد ذبذبات المجالات الكهرومغناطيسية باطراد إلى اللون الأحمر في مجالات الجاذبية متزايدة القوة. وحين تقترب الأشعة من مصدر الجاذبية، سيجد المراقب الموجود على مبعدة أنها تزداد انزياحًا نحو اللون الأحمر أكثر فأكثر. إن تردد التذبذبات، أي زمنها الطبيعي، يتباطأ. ولو اقترب شعاع الضوء من حافة ثقب أسود، فسيتباطأ التردد إلى أن يتلاشى؛ بمعنى أن الزمن سيتجمد، حتى إنه من منظور المراقب الموجود على كوكب الأرض سيستغرق شعاع الضوء زمنًا لانهائيًّا كي يدخل إلى الثقب، وذلك مع تزايده في الاحمرار والضعف. بالنسبة لشعاع الضوء نفسه، لا يبدو أن شيئًا ما يحدث له؛ لأنه في حالة سقوط حر. تقترب بقية الأشعة الضوئية الأخرى منه على نحو لصيق للغاية، وفي الواقع تنحني كل المسارات داخل الثقب الأسود على نحو محكم للغاية حتى إن تلك الأشعة المتجهة للخارج لا تعبر الحافة أبدًا؛ فالضوء لا يفلت إلى الخارج أبدًا ويبدو الثقب أسود. تحت تأثير الجاذبية، تتحرك أشعة الضوء بطول الجيوديسيات في كون يتمدد فيه الزمن على نحو مطرد. إن التشوه في بعد الزمن هو الذي يؤدي إلى ظهور انحناء مسارات أبعاد المكان الثلاثة. إذا تمكنت من التوسع في هذه الصورة البسيطة للزمن الممتد، وتصورته وهو يتداخل مع صورة المكان، فلديك إذن خيال أوسع من خيالي. يكفيني أن أقول إن رياضيات معادلات أينشتاين تبقي على صحة الحسابات، في حين أن العمليات الفيزيائية التي تقوم عليها هي عملية تمدد الزمن الذي يحدث إذا ما تلاشى أثر الجاذبية في السقوط الحر.

تمدد الكون

مع أن الفكرة الأساسية يسهل تخيلها بالبداهة، فإن حل معادلات أينشتاين ليس سهلًا، وحتى اليوم بعد مرور قرابة قرن على صياغتها للمرة الأولى، فإنها لا تُحَل إلا في عدد محدود من الحالات. أبسط المعادلات هي المعادلات التي تخلو من الطاقة-الزخم، وهي الحالة التي ينعدم فيها الانحناء: حيث المكان مسطح. ثمة حلول أيضًا يكون فيها الزمكان خاليًا من المادة ومع ذلك غير مسطح. ويخالف هذا التوقعات الساذجة لفلسفات القرون الماضية، يمكن أن يحدث هذا في النسبية العامة بسبب حقيقة أن الإشارات تنتشر بسرعة الضوء الثابتة ، وليس على نحو فوري. إذا وقع شيء تسبب في التغير المفاجئ لتوزيع الطاقة، مثل انفجار مستعر أعظم أو انهيار أحد النجوم مكونًا ثقبًا أسود، فإن موجات الجاذبية سوف تشع نحو الخارج بسرعة الضوء. مجالات الجاذبية نفسها مليئة بالطاقة، ومن شأن التموج المحلي أن يسبب المزيد من تأثيرات الجاذبية على شكل موجات من الطاقة تنتشر نحو الداخل. وإذا أُزيل المصدر المادي الأساسي لموجة الجاذبية، يمكن أن تستمر الموجة في الانتشار. وهكذا يمكن للمرء أن يتخيل منطقة من الكون خالية من المادة، لكن الزمكان الخاص بها يعج بموجات الجاذبية. وهذا كفيل بوأد فكرة الفراغ الخاوي تمامًا!

تستدعي فكرة «تموجات الزمكان» السؤال عما يعنيه هذا بأي معنى مطلق وكيف يمكن كشف هذه التموجات. مثلما يبث الزلزال موجاته في الأرض، مقلقلًا جيوديسيات الأرض، ستحدث موجات الجاذبية بالمثل تذبذبات في جيوديسيات أي إشعاع من الفوتونات، وفي الفضاء بين ذرات أي أجسام مادية. تشبه تأثيراتها قوى المد والجزر التي تجذب وتدفع أي مادة موجودة إلى أشكال جديدة. مع أنه لا توجد سوى تلميحات غير مباشرة فحسب حتى الآن (كما في مثل النجوم الثنائية النابضة المذكورة من قبل)، فإن العثور على أدلة مباشرة تثبت وجود موجات الجاذبية يتصدر برنامج عمل العلماء. ترتبط أجهزة كشف في مختبرات يبعد بعضها عن بعض آلاف الكيلومترات إلكترونيًّا بغرض إجراء تجربة مترابطة على مستوى هائل تحت مسمى «مرصد التداخل الليزري لموجات الجاذبية». يجري أيضًا ربط أجهزة الكشف الموجودة على الأقمار الصناعية المنتشرة انتشارًا واسعًا في مشروع يحمل اسم «لاقط التداخل الليزري الفضائي». عندما تصدم موجة جاذبية قضيبًا يزيد طوله عن الكيلومتر، ينكمش القضيب قليلًا، ربما بمقدار لا يتجاوز حجم الذرة الواحدة. وبانعكاس أشعة الليزر من خلال مرايا، يمكن الكشف عن التغيرات في المسافة على المستوى الذري. من المنتظر نشوء موجات جاذبية عن النجوم المتصادمة والثقوب السوداء والمستعرات العظمى وغيرها من الأحداث الكارثية، ومن المرجو ليس فقط رصد الموجات وإنما تحديد طبيعة مصادرها أيضًا. بل يأمل العلماء أيضًا في رصد الأصداء الواهية للانفجار العظيم.

بعدما خط أينشتاين معادلاته، أراد أن يرى ما تعنيه بالنسبة للكون، ولعمل ذلك افترض أن الكون متسق في جميع الاتجاهات. وقد أدى هذا إلى استنتاج مذهل: يستحيل أن تظل شبكة زمكان الكون ثابتة متسقة، بل هي قطعًا متغيرة. في الواقع كشفت المعادلات أن قوى الجذب الخاصة بكل أجزاء المادة نسبة إلى بقية الأجزاء الأخرى في كل أنحاء الكون اللانهائي غير مستقرة، فأقل انحراف عن التناظر يؤدي إلى الانهيار. راود أينشتاين حلان ممكنان لهذا التناقض؛ أولهما: أن الكون يتمدد، وهو حل أجازته المعادلات، غير أنه في عام ١٩١٥ كانت النظرة السائدة تقضي بأن الكون ثابت غير متغير، وعليه اتجه أينشتاين إلى الحل الآخر. أجازت معادلاته، علاوة على قانون التربيع العكسي الشهير للجاذبية، أنه يمكن لقوة الجاذبية أن تحوي مكونًا إضافيًّا تتزايد قوته مع زيادة المسافة على نحو أشبه بالجاذبية المضادة. سيكون مثل هذا التأثير غير جدير بالذكر في ظل الحجم الهائل لمجموعتنا الشمسية أو حتى داخل مجرتنا، لكن في إطار المسافات الشاسعة للغاية بالكون يمكن أن يكون ذا شأن بحيث يعمل على تثبيت الكون. أطلق أينشتاين على هذا «قوة لامبدا» التي يُرمز إليها بالرمز الإغريقي ، والمعروفة أيضًا باسم «الثابت الكوني».

حدث في السنوات التالية أمر عجيب؛ أولًا: اتضح أن ظهور لامبدا لم يحل المشكلة؛ إذ إن لامبدا لم تجعل الكون ثابتًا. وصف أينشتاين هذا باعتباره أفدح خطأ ارتكبه في حياته. كان خطأ فنيًّا وإخفاقًا للحدس أيضًا لأنه في خلال سنوات قلائل كشفت ملاحظات إدوين هابل الفلكية أن الكون يحوي مجرات تتحرك مبتعدة بعضها عن بعض. وكلما زاد بعدها عنا، زادت سرعة ابتعادها، وهو ما يتفق مع تصور أن الكون يتمدد. وهذا السلوك هو ما تنبأت به فعليًّا معادلات أينشتاين قبلما يحاول أن يلغيه من خلال تقديم قوة لامبدا. واستكمالًا لمسلسل المفارقات، تقترح الملاحظات الحديثة أن سرعة التمدد تتزايد بالتدريج كما لو أن هناك قوة كونية طاردة تعمل في الخفاء. قد يكون هذا الدليل الأول على أنه توجد حقًّا قوة لامبدا طفيفة.

الأمر يشبه كما لو كان الفضاء كله مليئًا بنوع غريب من الجاذبية المضادة، التي باتت معروفة باسم الطاقة المظلمة. كانت تأثيرات هذه الطاقة غير ظاهرة في الكون المبكر المضغوط، لكن مع تمدد الكون ضعفت قوى الجاذبية بين مجراته التي سارت أكثر تباعدًا من أي وقت مضى، حتى إن تأثيرات طاقة لامبدا الكونية بدأت تسود. يبدو أن هذا الانقلاب في موازين القوى حدث منذ حوالي خمسة مليارات عام.

يوحي المعدل المرصود لتسارع تمدد الكون بأن قوة لامبدا في غاية الصغر، صغيرة أيما صغر حقًّا؛ فمقارنة بمقياس نيوتن لقوة الجاذبية هي أصغر بحوالي ١٠١٢٦ مرات. (ولكي تتصور حجم ١ إلى جواره ١٢٦ صفرًا، اعلم أن هذا الرقم يتجاوز عدد البروتونات الموجودة في الكون القابل للرصد بأكمله بمليارات الأضعاف). إذا كانت قوة لامبدا كبيرة، شعر المنظرون بشيء من الراحة، ولو لم تكن موجودة على الاطلاق، أي كانت تساوي صفرًا، لتوافق هذا مع فهمنا. لكن حقيقة أن كل متر مكعب من الفضاء مليء بالطاقة المظلمة بمقادير شديدة الضآلة، لكن ليس إلى درجة العدم، هي لغز عميق حول طبيعة الفراغ؛ هي «تكلفة» الفضاء الخاوي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠