ملحمة نجيب محفوظ الروائية

١

«بين القصرين» عمل فني جديد ظفر أخيرًا بجائزة الدولة؛ ونجيب محفوظ صاحب هذا العمل، ظفر بتقدير النقد قبل أن يظفر بتقدير الدولة، منذ أن بدأت خطوط فنِّه الروائي تتجمع في نقطتي ارتكاز رئيسيتين، لا بد من توافرهما لكل عملية انطلاق فنية، هدفها الوصول إلى نقطة النهاية. عنصر المراقبة النفسية الدقيقة لشتى التجارب الجماعية المعاشة هي نقطة الارتكاز الأولى لعملية الانطلاق الفني، حين تتركز هذه التجارب في بؤرة العدسة اللاقطة، لتبرز موقف الكاتب من مشكلات عصره؛ وانصهار الملكة القاصة في بوتقة الممارسة المذهبية لكتابة العمل الروائي هي نقطة الارتكاز الثانية، حين تكون هذه الممارسة تفاعلًا ثقافيًّا واعيًا مع المقاييس النقدية المتطورة، بحيث تنبثق من خلاله — أعني هذا التفاعل — قِيَمُ الكاتب من الناحية الفنية.

إن أعمال نجيب محفوظ — على مدار نقطتي الارتكاز الأولى والثانية — تمثِّل نوعًا من التصاعد الهرمي الذي يتدرَّج من القاعدة ﺑ «خان الخليلي»، و«القاهرة الجديدة» و«زقاق المدق»، و«السراب» و«بداية ونهاية»، ثم ينتهي إلى القمة في «بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و«السكرية»، وهي الأجزاء الثلاثة التي تكوِّن في مجموعها عمله الروائي الأخير، أو ملحمته الروائية الجديدة. وإذا كان هذا التصاعد الهرمي لم يسجِّل تفاوتًا كبيرًا بين الأعمال الأولى والعمل الأخير، من ناحية المستوى الفني للكاتب، إلا أنه قد سجَّل هذا التفاوت، من ناحية الوعي الاتجاهي بين درجات التصاعد وقمته.

إن المستوى الفني عند نجيب محفوظ، ما يزال يحتفظ بمقوماته، فطريقته في رسم الأبعاد النفسية للشخصيات، وأسلوبه في إبراز الأبعاد المكانية كإطار مادي للأحداث والمواقف، وطابعه في اختيار النموذج الإنساني الرامز إلى المشكلة، هي التي تكوِّن حتى اليوم، الملامحَ الثابتة لشخصيته الروائية. وإذا كان هنا بعض التغير، فهو خاص بعرض المونولوج الداخلي في صورة جديدة، قوامها تسجيل الحركة النفسية مباشرة قبل كل عملية تطوير موقفية، ورسم الحدث من الداخل وليس من الخارج، كما فعل في تقديم اللحظة التي استشهد فيها فهمى، بطل الجزء الأول من روايته الطويلة.

ولكن الخطوة الكبيرة الزاحفة كما قلنا، هي التي سجَّلها العمل الأخير من ناحية الوعي الاتجاهي، الذي يمثِّل موقف الكاتب من مشكلات عصره؛ فبعد أن كان نجيب يقتطع المشكلة الجماعية من واقع مرحلة زمنية واحدة، بحيث تمثل قطاعًا عرضيًّا من قطاعات المجتمع في جيلٍ معين، بعد هذا اتسعت لديه دائرة العرض الفني، بحيث تركزت فيها مشكلات العصر على امتداد أجيالٍ ثلاثة، هي: الجيل الذي عاش قبل ثورة ١٩١٩، والجيل الذي عاصر تلك الثورة، والجيل الذي جاء بعدها ومهَّد لتلك الانتفاضة الشعبية المتمثلة في ثورة ١٩٥٢؛ ومن خلال قطاع طولي ممتد، عبر الأجيال الثلاثة، استخدمت فيه شتى القطاعات العرضية، كروافدَ نهرية تعين المجرى الرئيسي على الانطلاق، تبرز لنا أسرة السيد أحمد عبد الجواد تاجر البقالة بالنحاسين، بما فيها من الأبناء والأحفاد، كرمزٍ إنساني صادق لتطور المجتمع المصري في تلك المرحلة التاريخية الطويلة، من مختلف الزوايا السياسية والاجتماعية والفكرية.

وعندما نستعرض النماذج البشرية، التي يتألف منها الكيان الاجتماعي لهذه الأسرة التي بدأت حياتها قبل ثورة ١٩١٩، نلمس أن لكل نموذج تركيبته النفسية التي تميزه وتوجِّه سلوكه حيال الأحداث؛ فالسيد أحمد عبد الجواد، رب الأسرة، شخصية ازدواجية تمثل اتجاهين متناقضين في الحياة؛ فهو من جهة: شعار واقعي لطبقة التجار الميسورين في جيله، وهي الطبقة التي كانت تبحث عن المتعة الروحية والجسدية، وتمزج بينهما مزجًا كاملًا على ما بين المتعتين من تفاوتٍ صارخ؛ يملك الأذن الحساسة والشعور المرهف، لاستقبال الصوت الإنساني المطرب والنغمة الموسيقية الشجية، ويسعى إلى مجالس الغناء والطرب، ويشارك فيها إذا جاوزت النشوة عنده حدها المعقول؛ وهو من جهةٍ أخرى يضيف إلى هذه المتعة الروحية، متعة أخرى تتركز في اتجاهه الديني الذي يحرص عليه، إلى الحد الذي لا يُتصوَّر معه، أن مثله قد يفكر يومًا في ارتكاب المعصية، ومع ذلك فهو عبد خاضع يستلذ عبوديته لسلطان الغريزة، بدافع الفتوة الجنسية التي كانت المباهاة، عند أبناء جيل عاش في فراغٍ هائل من تَمثُّل القيم الإنسانية الرفيعة، كنتيجة طبيعية للحرمان من توجيه الثقافة. وهو، ذلك المرح العربيد خارج بيته، شخصيةٌ أخرى تتميز داخل البيت بالجد والوقار والاستبداد والعنف، حتى تحول البيت أمام تقاليده الإرهابية إلى سجنٍ مرهق، قُيِّدت فيه — بالنسبة إلى نزلائه — حرية السلوك والإرادة.

وأمينة — الزوجة — تمثِّل تركيبة نفسية أخرى، هي تركيبة الأكثرية المطلقة من بنات جيلها المتزوجات؛ إنسانة — تبعًا لفهم المجتمع المصري لوضع المرأة في ذلك الحين — لا تصلح إلا للقيام بدورها المصنع الآدمي لإنتاج النسل، والبقاء كل فترات العمر خلف جدران البيت، لتؤدي فروض الطاعة للزوج، على طريقة الجواري المجلوبات من سوق الرقيق.

وياسين — الابن الأكبر للسيد أحمد عبد الجواد من الزوجة الأولى المطلقة — شابٌ يعيش على هامش الحياة كرمزٍ معبِّر عن كل النماذج التي عاشت في جيله، ممثلة لتكرارية النسخ العقلية المشوهة، حيث تكتفي هذه النسخ بقسطٍ ضئيل من التعليم، لتواجه به المصير في معركة الحياة؛ وهكذا ورث هذا الابن الأكبر — كاتب مدرسة النحاسين — ورث نظرة أبيه إلى القيم الحياتية، حين تتركز هذه القيم في بؤرة إشباع الغريزة عن طريق السلوك الجنسي، هذا السلوك الذي تلقَّى فيه ياسين — بحكم قانون الوراثة المزدوج — جانب الاندفاع فيه عن الأب النزق، وجانب الانحطاط عن الأم المطلقة.

وفهمي — الابن الثاني لرب الأسرة، الشاب المثقف طالب الحقوق — هو النموذج الوحيد الذي يمكن أن يُتَّخذ عنوانًا ضخمًا لتلك الانتفاضة العقلية المتوثِّبة التي وَعَت سطورها الشبيبة المثقفة، وعكست أهدافها الجارفة على خط السير الكفاحي لثورة ١٩١٩. إن صورة هذه الشخصية — كما رسمها نجيب محفوظ — تمامًا مع طبيعة الدور الذي قامت به: شاب هادئ، متزن، لا يتكلم إلا بحساب، وتحت رماد الهدوء الخارجي، تختفي جمرات تنتظر اللحظة المناسبة، لتبهر بوهجها كل العيون؛ وإنسان يغلف اتزانه بأثواب طبيعية من الطموح الحزين. لم يكن فهمي يعيش من أجل ذاته، ولكنه كان يعيش من أجل المجموع؛ ولهذا علَّق على صورة سعد زغلول — الرمز الكبير الخالد لكفاح الشعب — علَّق هذه الصورة على جدران فكره وشعوره. كان يدرك الإمكانيات الرهيبة التي يملكها المستعمر، لمواجهة حركة شعبية عزلاء، يقودها زعيم أعزل؛ من هنا كان الشعور بالحزن. ومع ذلك فقد كان طموحه يتفوق على حزنه، حين يمتلئ أملًا في أن تنتصر قوة الحق الأعزل على قوة الباطل المدججة بالسلاح. وفي سبيل القيم الإنسانية الرفيعة التي عاش من أجلها فهمي، لَقِيَ بطل «بين القصرين» مصرعه في إحدى المظاهرات التي نظمتها لجنة الطلبة التنفيذية، ابتهاجًا بعودة الزعيم من منفاه.

وإذا ما انتقلنا إلى شخصية كمال الابن الأصغر، والطالب بمدرسة خليل أغا الابتدائية — تصادفنا أخطر شخصية في العمل الروائي كله، بل أخطر شخصية رسمتها ريشة نجيب محفوظ على الإطلاق. ولكننا لن نجد في «بين القصرين» إلا جذور هذه الشخصية، أو بداية نموها الإنساني، فإذا ما انتقلنا إلى «قصر الشوق» و«السكرية» طالعتنا امتداداتها الفكرية السامقة، التي تُبرز لنا كل الأبعاد الموضوعية لتلك الأزمة، التي عاناها جيل كان من أبنائه نجيب محفوظ، ومجموعة الذين استمدوا قِيمهم الهادفة، من جلال الكلمة وقدسية الثقافة، ثم عاشوا ليروا بأعينهم، كيف انهارت قِيَمهم تحت أقدام الرجعية السياسية والاجتماعية.

ويبقى بعد ذلك من أفراد الأسرة ومن نماذجها البشرية، ابنتا السيد أحمد عبد الجواد؛ وهما خديجة وعائشة، ولكلٍّ منهما اتجاهها السلوكي الناتج عن وجهة نظر نفسية إلى واقع الحياة.

وعلى ضوء هذا الاتجاه السلوكي، الذي يميز كل شخصية من شخصيات العمل الروائي في «بين القصرين»، يمكننا أن نحدد مفهوم الواقعية عند نجيب محفوظ؛ إنها واقعية النمط الإنساني في إطار الأكثرية المطلقة، والمحافظة على تقديم هذا النمط، في حدود مستوياته النفسية والعقلية، من خلال الخط الاتجاهي لسير الأحداث والمواقف. إن أسلوب نجيب في التعبير عن المضمون الاجتماعي للمشكلة، هو أسلوب الواقعية الإيحائية، التي تحرص على نقل هذا المضمون مرتبطًا بالتزامية الصدق التاريخي، بحيث لا يخلو هذا الالتزام من عنصر الإيحاء الفكري الخاص بوجهة نظر الكاتب الموقفية. ولا تعد وجهة النظر هنا — بالنسبة إلى طريقة نجيب محفوظ — نوعًا من أيديولوجية الواقع التي يلتزمها أصحاب الخط السياسي في أدب القصة، حين يتدخلون بفلسفة معينة توجه المضمون الاجتماعي على أساس الرؤية العقائدية لمجتمع مثالي لم يوجد في واقع الحياة، ولكنه ينبغي — تبعًا لوجهة نظرهم — أن يوجد في واقع الفن.

ومن خلال المنظار النقدي المحايد، تبدو لنا واقعية نجيب محفوظ، أكثر ضمانًا لسلامة العرض الفني بالنسبة إلى التجربة الجماعية؛ ذلك لأن تدخل الكاتب بفلسفة عقائدية معينة، يفرضها على خط السير الاتجاهي للعمل الروائي، من شأنه أن يحجب رؤيتنا الداخلية الحقيقية، للمستوى النفسي والعقلي لكل شخصيةٍ من الشخصيات؛ وفي هذا الجو الضبابي لا نستطيع إلا أن نلمح غير شبح الكاتب؛ لأنه يقف حائلًا بيننا وبين الآخرين.

من هنا يبدو أحمد عبد الجواد، وأمينة، وياسين، وكمال، وبقية أفراد الأسرة يبدو كل منهم حيال الأحداث التي تمر بهم، على حقيقة مستوياتهم النفسية والعقلية؛ إنهم حيال أحداث الثورة مثلًا أنماط واقعية متباينة: فبينما نجد فهمي بحكم وعيه وثقافته وإدراكه لقيمة اللحظة الصاعدة التي تصنع الحاضر والمستقبل، دائم الثورة على الاستعمار، دائم التقديس لكفاح سعد زغلول، مضحيًا بنفسه في النهاية من أجل أهدافه ومبادئه، نجد في الأطراف الأخرى المقابلة: أمينة، وهي لا تكف عن دعاء الله أن ينشر السلام، ويصفي قلوب المصريين والإنجليز، والأب وهو قانع دائمًا من وطنيته بالمشاركة الوجدانية، دون الإقدام على عمل يغيِّر وجهَ الحياة، ثم وهو يحاول أن يستغل سلطته الأبوية الرهيبة، في تجميد كل الخطوات الزاحفة لفهمي في طريق الكفاح، ولتنمحي الثورة في منطق الأنانية، طالما كان الخطر بعيدًا عن أبنائه؛ ونرى ياسين وهو يعلق على الأحداث بأسفٍ هادئ، لا يمنعه من مواصلة حياته المعتادة، والسهر حتى منتصف الليل في أوكار العاهرات؛ وإحدى فتيات الأسرة وهي تصب سخطها على سعد زغلول؛ لأنه في رأيها سبب هذا الشر كله، ولولاه لعاش هو وعاش معه بقية المصريين في دعةٍ وسلام؛ أما صغير الأسرة كمال، فكل ما يعنيه من تلك الأحداث هو أن الجنود الإنجليز، في معسكرهم القائم أمام البيت يحتفون به ويداعبونه ويقدمون له قطع الشيكولاتة، كلما أطرب آذانهم بصوته الطفولي الحبيب؛ وبهذا الأسلوب من الواقعية الإيحائية، لا يَحول المؤلف بيننا وبين رؤية السلوك الاتجاهي لكل شخصيةٍ من شخصياته؛ لأنه يضعنا وجهًا لوجه — دون أن يتدخل — أمام مستويات التفكير الحقيقية لتلك الشخصيات.

ونجيب محفوظ يقدِّم الشخصية المرسومة أحيانًا بطريقة جديدة، يقدِّم إلينا النموذج الإنساني في موقفٍ من المواقف وكأنه مرآة ذات وجهين، يعكس أحدهما صورة الوجود الداخلي للنموذج نفسه، بينما يعكس الوجه الآخر صورة أخرى لنموذج إنساني مغاير، يشترك مع النموذج الأول في الْتِقاء الخطوط النفسية المنطلقة من نقطة ارتكاز الحدث. إننا نرى أحمد عبد الجواد مرة من خلال أمينة، ونراه مرة وكأنه واجهة عرض مزدوجة؛ فإذا ما فكَّر ياسين مثلًا في شخصية أبيه، وإذا ما فكَّرت أمينة في تلك الشخصية؛ تحوَّل كلُّ منهما — إلى واجهتي عرض: إحداهما أمامية تلمح من ورائها صورته النفسية الأصيلة، والأخرى جانبية تطالعنا بالصورة المقابلة التي تتفق معها أو تختلف، في مدى التأثر بواقع التجربة الإنسانية المعاشة.

٢

مفهوم السلبية والإيجابية في العمل الفني، من أي زاوية يمكن أن ينظر إليه؟ الواقع أن هذا المفهوم يحتاج إلى تحديدٍ. إن شخصية فهمي مثلًا — كما رسمها نجيب محفوظ — شخصية تخيَّرت طريقها بأسلوبٍ إراديٍّ صارم، ورسمت لهذا الطريق بداية واعية صاعدة، كانت نهايتها أشبه بعملية تتويج بطولية، لمجموعةٍ من خطوات النضال الهادف؛ وإزاء هذا التحديد الاتجاهي للشخصية الإنسانية، يبدو نجيب محفوظ — على ضوء الرؤية النقدية عند بعض النقاد — كاتبًا واقعيًّا تتميز واقعيته بالطابع الإيجابي، الذي ينبغي للروائي أن يلتزمه عند تصوير الشخصيات، والإيجابية المقصودة مصدرها أن فهمي بطل «بين القصرين»، لم يكن سلبيًّا في مواجهة المشكلات، ولم يكن سلبيًّا في مواجهة الموت؛ على عكس بعض الشخصيات الأخرى كحسنين ونفيسة في «بداية ونهاية»، حين عالج كلٌّ منهما مشكلته بالانتحار، وهو — على ضوء تلك الرؤية النقدية عند هؤلاء النقاد — موقف هروبي بالنسبة إلى المشكلة؛ لأن الانتحار — بمضمونه النفسي والإنساني — ما هو إلا عملية إنهاء سلبية لحياةٍ غير هادفة؛ ومن هنا يتهم نجيب محفوظ بأنه لم يكن في عمله الروائي السابق، كاتب الواقعية الإيجابية كما ظهرت بنسيجها المحكم، في الجزء الأول من روايته الأخيرة «بين القصرين»؛ وقد يتهم مرة أخرى بأنه كان سلبيًّا بالنسبة إلى بعض المواقف، التي أبرز من خلالها أخطر شخصية رسمتها ريشته، وهي شخصية كمال بطل «قصر الشوق» و«السكرية».

من هنا كان مفهوم السلبية والإيجابية يحتاج إلى تحديد. إن الحكم بسلبية العمل الفني أو إيجابيته، يجب أن يُستمد من موقف الكاتب نفسه، وليس من موقف الشخصية المرسومة؛ من الموقف «التأثيري» لذلك الكاتب وليس من الموقف «السلوكي» لهذه الشخصية. فقد يكون الكاتب — من ناحية التأثير الانفعالي في قرائه — إيجابي الهدف، حين تكون الشخصية التي يرسمها سلبية السلوك أو سلبية الاتجاه، وعلى العكس؛ إذا لم يستطع الكاتب أن يفجر في وجودنا الداخلي تلك الطاقة الانفعالية، فهو كاتب سلبي على الأساس التحديدي للسلبية التأثيرية. إن الكاتب الإيجابي الهادف هو الذي يفتح عيون الطبقات على مشكلاتها، وذلك عن طريق تجسيم هذه المشكلات بأي أسلوبٍ من أساليب العرض، ولن تتم هذه العملية التجسيمية، إلا إذا استطاع الكاتب أن يصبَّ المشكلة في نفوس قرائه، وأن يملأ وجودهم الداخلي بكلِّ عنصرٍ من عناصر الإثارة. وفي رأينا أن نجيب محفوظ، قد حقق هذا الهدف الإيجابي، وهو يدفع حسنين ونفيسة إلى الانتحار في «بداية ونهاية»، ثم وهو يدفع بكمال إلى هاوية التردد والحيرة والكفر بالقيم، في بعض المواقف من «قصر الشوق» و«السكرية».

لقد كانت المشكلة التي دار حولها نجيب بمجموعة الأحداث والمواقف في «بداية ونهاية» هي مشكلة الفقر، في مجتمعٍ إنساني متخلف لا ضمان فيه؛ فإذا انحرفت نفيسة عن طريق الشرف لتمارس الخطيئة «ضمانًا» للقمة العيش، وإذا تحول حسن عن الحياة النظيفة ليعيش في كنف العاهرات؛ «ضمانًا» لاستمرار بقائه، وإذا اضطر حسنين أن يعتمد على صدقات أخيه البلطجي، «ضمانًا» لاستكمال تعليمه بالكلية الحربية، وإلى أن يحكم بعد ذلك على أخته وعلى نفسه بالموت؛ «ضمانًا» لإنقاذ سمعته بعد أن أصبح محترمًا في المجتمع، فتلك هي الواقعية الإيحائية التي يلتزمها نجيب محفوظ؛ إنه هنا يبدو إيجابيًّا من خلال المواقف السلبية لشخصياته؛ لأن هدفه الإيحائي من وراء هذه العملية التجسيمية، هو أن يفتح عيوننا على الواقع البشع للمشكلة، وكأنه في موقف المحتج — الذي يدفعنا معه إلى الاحتجاج — على مجتمعٍ تعوَّد أن يرغم بعض أفراده — تبعًا لخلوه من ضمان للحياة الشريفة، على أن يلتمسوا تلك الضمانات المنحرفة، التي تتفق مع منطق الفقر والحاجة، وتعوَّد أن يقنع البعض الآخر أن الموت — بالنسبة إلى حياتهم القاسية — يعد طريقًا من طرق الخلاص.

هذه الواقعية الإيحائية التي التزمها الكاتب في «بداية ونهاية»، هي التي تطالعنا مرة أخرى — بوجهها الإيجابي — من خلال بعض المواقف السلبية لشخصية كمال في «قصر الشوق»؛ إن كمال يبدو لنا أكثر من واجهة عرض مزدوجة، إنه مجموعة من واجهات العرض المتداخلة، التي قدم نجيب محفوظ من وراء زجاجها الشفاف، مختلف الخيوط الناسجة لمشكلات جيل مأزوم، لم تستطع صحته النفسية أن تقاوم أمراض مجتمع فاسد؛ إنه الجيل الذي عاش من بعد ثورة ١٩١٩ إلى ما قبل ١٩٥٢. لقد بدأ كمال حياته وهو صحيح النفس، كان امتدادًا طبيعيًّا لفهمي، حين ورث عنه إيمانه بكل القيم الرفيعة، وحين اقتبس منه أشرف جوانب شخصيته، وحين اختار نفس الطريق الذي سار فيه. فإذا ما تعثرت خطوات كمال، بعد أن دميت قدماه تحت صدمات الصخور المعوقة، وإذا ما شك في قيمة قِيَمه التي آمن بها، بعد أن رأى مثله العليا تنهار تحت أقدام الرجعية السياسية والاجتماعية، فتلك هي اللحظات الموحية، التي تتيح لنا رؤية الموقف الاحتجاجي للكاتب، من خلال التصوير المجسم لواقع مجتمع مريض. إننا نستطيع أن نحدد مفهوم الإيجابية الموقفية للكاتب الروائي، بمدى نجاحه في هزِّ وجودنا الفكري بالقلق؛ القلق الذي يصبح عملية بدء موجهة، لكلِّ محاولة جماعية لتغيير الأوضاع، ويستطيع الكاتب — من خلال لحظات الضعف في حياة أبطاله — يستطيع أن يصب في نفوسنا هذا القلق، حين يربطنا بهذا الضعف ربطًا شعوريًّا، عماده تصور المشكلة بأنها ليست مشكلة فرد، ولكنها مشكلة مجموع.

إن نجيب محفوظ — بقسوته المسرفة على بعض أبطاله — يذكرنا بالكاتب الفرنسي مورياك … لقد سئل مورياك مرة: لماذا تسرف في القسوة على أبطالك؟ فأجاب: ليزداد القارئ عطفًا عليهم؛ والواقع أن هذا هو المفتاح، مفتاح الغرفة النفسية الكبيرة التي يضعنا فيها كلٌّ من مورياك ونجيب محفوظ، ونعني بها غرفة الشعور بالعطف والرحمة، إزاء لحظات الضعف في حياة الآخرين. إن عطفنا على حسنين ونفيسة في «بداية ونهاية»، وعلى كمال في «قصر الشوق» هو وليد ذلك التأثر الانفعالي، الناتج عن تقديرنا بأن القوى المعوقة التي اعترضت طريق حياتهم كانت — بالنسبة إلى إمكانياتهم الكفاحية — أكبر من أن تقاوم. ومما يعمِّق مجرى الشعور بالعطف على هؤلاء الأبطال، إحساسنا بأننا لو وجدنا في ظروفٍ قاسية كظروفهم، فربما سرنا مثلهم في نفس الخط، وتعرضنا مثلهم لنفس المصير، ومن هنا نمتلئ عطفًا عليهم، بل وثورة من أجلهم. والكاتب الإيجابي الهادف، هو الذي يستطيع أن يكسب لأبطاله — سواء كانوا إيجابيين أو سلبيين — يستطيع أن يكسب لهم من إدراك قرائه تلك اللحظات المضيئة بالعطف والثورة.

كمال في «قصر الشوق» — وكما رسم نجيب محفوظ شتى الأبعاد النفسية لشخصيته — لم يكن يمثل نفسه، بل كان يمثل جيلًا من المثقفين وعى رسالته، وحدَّد دوره، ورسم لنفسه بداية الطريق؛ ولكن عوامل كثيرة — عرضها الكاتب من خلال العمل الفني في «السكرية» — قد عوقت هذا الجيل وأزَّمت وجوده؛ لأنها كانت أضخم من قدرته النضالية على تغيير الأوضاع: فانتكاس الحركة الوطنية بعد موت سعد، وتزييف الإرادة الجماعية بواسطة زعماء الأقليات طمعًا في الحكم، وتآمر القصر مع الاستعمار لخنق انتفاضات الشعب، ورواسب الصراع الطبقي في الوجود الإنساني للبرجوازية الصغيرة، وانهيار قيم الفكر والثقافة في مجتمعٍ، سيطر عليه الانحلال الخلقي وخلا من تكافؤ الفرص؛ كل هذه القوى المدمرة هي التي صنعت جذور الأزمة النفسية لجيل المثقفين بعد ثورة ١٩١٩. ولقد كان كمال هو الرمز الكبير، الذي رأينا من خلاله جذور الأزمة في «قصر الشوق»، وامتداداتها الرهيبة في «السكرية».

إن المشاهد التي تقدم لنا كمال — كشخصية متماسكة تمثل المضمون الثوري للإنسان — هي تلك التي يعرضها نجيب محفوظ من خلال الأحداث والمواقف في «قصر الشوق». هو ثائر على رأي أبيه، الذي يريد له أن يلتحق بمدرسة الحقوق، ليكون في المجتمع من أصحاب النفوذ؛ ولهذا قرر أن يلتحق بمدرسة المعلمين، ليتخذ من تعلم اللغات الأجنبية معبره الحقيقي إلى شتى الثقافات. ومن خلال هذا المشهد الثوري، نرى كمال وهو يقول لصديقه فؤاد: «وا أسفاه! إن والدي كأكثر الناس ممن يهيمون بالمظاهر الزائفة؛ الوظيفة، النيابة، القضاء؛ هذا كل ما يهمه، لست أدري كيف أقنعه بجلال الفكر والقيم السامية، الجديرة بأن ينشدها الإنسان من هذه الحياة!» ويقول فؤاد: «قيم جليلة من غير شك، ولكن أين البيئة التي ترفعها إلى المنزلة اللائقة بها؟» ويرد كمال في إصرارٍ نبيل: «لا يمكنني أن أنبذ عقيدة سامية لا لشيء، إلا لأن من حولي لا يؤمنون بها!»

هذا المشهد يقدم لنا إنسانًا مثاليًّا يؤمن بدور الثقافة، يؤمن بدورها في حياة الفرد والمجموع؛ ومن نافذة قيمه الثقافية الجديدة، أطل على كثيرٍ من قيم الأمس الممتدة على حدود الرؤية العقلية، وأطلق عليها ثورته؛ ثار على سلطة الأب المستبد، كان بالأمس يخاف هذا الأب، أما اليوم فبعد أن قرعت يداه أبواب عابدين في المظاهرة الكبرى، التي تحدَّت الملك هاتفةً: «سعد أو الثورة …» فتراجع الملك واستقال سعد من الاستقالة. أما بعد ذلك فلن يذعن لقوة الخوف، إنه وهم كسائر ما امتحن به من أوهام. وثار على جهل أمه كما ثار من قبل على استبداد أبيه، لا بالتحدي والعصيان، ولكن بالتحرر من قيد أفكارهما الموجهة؛ ويقول كمال مخاطبًا نفسه: «أبي هو الفظاظة الجاهلة، وأمي هي الرقة الجاهلة. إن جهلك يا أمي هو الذي ملأ حياتي بالأساطير، فأنت همزة الوصل بيني وبين عالم الكهوف، وكم أشقى اليوم في سبيل التحرر من آثارك، كما سأشقى غدًا في سبيل التحرر من أبي!»

ثار مع الشعب على القصر، وثار وحده على الأب، أما ثورته على الأم؛ فلأنها قد غرست في تربة نفسه منذ الطفولة، بذور مفهوم خرافي عن الدين؛ وما لبث أن ثار على هذا المفهوم الخرافي، الذي ربطه بعالم الكهوف. واتسع بعد ذلك الحيز النفسي لثورته، فشمل زعماء الأقلية الذين تعاونوا مع الاستعمار والقصر، كان الوفد «عقيدة تلقاها عن فهمي، واقترنت في قلبه باستشهاده وتضحيته!»

هذا الاتجاه الشعبي لبطل «قصر الشوق»، يبرز لنا من خلال المناقشات المحتدمة في السياسة، بين كمال وبين مجموعة من أصدقاء المدرسة الأرستقراطيين. كانوا بحكم نشأتهم الأرستقراطية المنعزلة، يتعالَون على الشعب، وإذا ما تكلموا عنه فكأنما يتكلمون عن شعبٍ غريب. أما هو — ذلك المنحدر من صلب الشعب — فكان يدافع عنه ويقف إلى جنبه، وفي شخص زعيمه سعد زغلول، ومن هنا — وفي كل معركةٍ كلامية تنشب بينه وبينهم، يصبح هو مندوب سعد ويصبحون هم مندوبي عدلي وثروت ومحمد محمود. كان أحدهم مثلًا يناقشه بهذا المنطق: «إذا كان سعد وعدلي سيين عندي في الناحية السياسية، فإنني لا أراهما كذلك كرجلين؛ لا يمكن أن أتجاهل ما يمتاز به عدلي من كريم الأصل، وعظيم الجاه والثقافة، أما سعد؛ فما هو إلا أزهري قديم.» ويقول له الآخر: «ليست الوطنية عند سعد إلا نوعًا من البلاغة تستهوي العامة.» وينفجر كمال في غيظٍ وسخرية: «إن الذين تؤمنون بهم ليسوا إلا خونة، ليسوا إلا طبقة من الإنجليز المطربشين؛ أنتم تقللون من شأن الكلام كأنه لا شيء، الحق أن أخطر ما تمخض عنه تاريخ البشرية من جلائل الأمور، يمكن إرجاعه في النهاية إلى كلمات، الكلمة العظيمة تتضمن الأمل والقوة والحقيقة، نحن نسير في الحياة على ضوء كلمات. على أن سعدًا ليس صانع كلمات فحسب، إن سجله حافل بالأعمال والمواقف؛ ولست في حاجةٍ إلى أن أذكركم بأن العظمة شيء غير الفقر والغنى، وغير العمامة والطربوش!»

نجيب محفوظ يقدم الصراع هنا في صورةٍ مزدوجة: الصراع السياسي والصراع الطبقي، في مجال واحد متشابك الخطوط؛ حسين شداد ابن المليونير صنيعة الخديو، وحسن سليم ابن المستشار صنيعة أحزاب الأقلية في جانب، وكمال أحمد عبد الجواد ابن تاجر البقالة بالنحاسين في الجانب الآخر؛ أو عدلي وثروت في طرف، وفي الطرف المقابل سعد زغلول، الأرستقراطيون يواجهون الشعب، والصراع حول كرم الأصل وشرف المنبت والفوارق الشاسعة بين طبقتين. ويبلغ الصراع قمته حين يفصح كمال عن حبه لعايدة أخت حسين شداد، ويكشف عن رغبته في أن تكون زوجة له؛ لقد هزم الشعب في المعركة، وخرج منها ودماؤه تنزف، لقد سخرت عايدة من أوهام كمال، وتزوجت من ابن طبقتها حسن سليم؛ فضَّلت ابن المستشار على ابن تاجر البقالة؛ وكانت نقطة تحول ضخمة في خط السير النفسي لكمال، تناولها نجيب محفوظ — من خلال العمل الفني في «السكرية» — كبداية لأثر الصراع الطبقي في أزمة جيل عاش في مجتمعٍ مريض!

٣

في آخر صفحة من «قصر الشوق»، يرسم لنا نجيب محفوظ خط اتجاه نفسي جديد لشخصية كمال، وهو يتلقى الصدمة الثانية بموت زعيمه وزعيم الشعب: سعد زغلول؛ كان خط الاتجاه النفسي الأول، حين ركَّز كل اهتمامه العاطفي في حب فتاة من طبقة غير طبقته، ثم خرج من هذا الصراع الطبقي وهو مهزوم؛ لقد فقد في الصدمة الأولى حبه العاطفي، وفقد في الصدمة الثانية حبه القومي، وكلاهما كان نقطة ارتكاز موجهة لأبرز انطلاقات السلوك الفكري والموقفي بالنسبة إلى شخصية كمال في «السكرية»، وهي الجزء الأخير من هذه الرواية الطويلة «ومات سعد» … المنفى والثورة والحرية والدستور مات صاحبها، كيف لا يحزن وخير ما في روحه من وحيه وتربيته؟! وماتت عايدة؛ بمعنى أنها خرجت من حياته. الموت حادث نسبي، مضمونه الشعوري بالنسبة إلينا هو أن يخرج من حياتنا إنسان نحبه؛ ولقد هز موتهما — موت حبه القومي وموت حبه العاطفي — جانبًا كبيرًا من قيم وجوده: الأمل والتفاؤل، والخطوة الزاحفة إلى المستقبل، فوق معبر من الطموح والثقة بالنفس.

صورة طبيعية لشخصية إنسانية صميمة، لوَّنها نجيب محفوظ، دون أن يلجأ إلى افتعالية الرتوش؛ إنه يقدم إلينا عنصر التبرير الموضوعي لتحول هذه الشخصية من موقفٍ إلى موقف. أقوى الأقوياء لا تخلو حياتهم من لحظات الضعف، ولكن افتعالية الرتوش هي التي تظهر لنا الصورة الإنسانية، وقد خلت من ألوان تلك اللحظات، وكأن الإنسان آلة تسيرها قوة منظورة إلى طريق مرسوم. نجيب محفوظ — كدارس سيكولوجي واجتماعي من خلال العمل الروائي — لا يتورط في فرض تلك الآلية على أبطاله، ومن هنا تبدو شخصياته وهي بعيدة عن قابلية التحول من موجات نفسية تندفع وتنحسر في نهر الحياة، إلى دمًى خشبية تفرض عليها الأصابع المحركة أن تتخذ أوضاعًا معينة!

في الفصل الرابع من «السكرية» نرى كمال وهو يندفع مع الجموع الشعبية إلى سرادق الاحتفال بعيد الجهاد الوطني، «كان هذا ثامن عيد يشهده، وكان كالآخرين قد امتلأ بمرارة التجارب السياسية التي خلفتها الأعوام السابقة، والأعوام التي تلت موت سعد، وقال لنفسه وهو يستعيد ذكريات تلك المرارة: لقد عاصرت عهد محمد محمود، الذي عطَّل الدستور ثلاث سنوات قابلة للتجديد واغتصب حرية الشعب، كما عشت سنين الإرهاب والعهر السياسي، التي فرضها إسماعيل صدقي على البلاد؛ كان الشعب يثق في قوم ويريدهم حكامًا له، ولكنه كان يجد فوق رأسه دائمًا أولئك الجلادين البغضاء، تحميهم هراوات الكونستبلات الإنجليز ورصاصهم، وسرعان ما يقول له بلغةٍ أو بأخرى: أنت شعب قاصر ونحن الأوصياء؛ والشعب يخوض المعارك دون توقف، فيخرج من كل معركة وهو يلهث، حتى اتخذ في النهاية موقفًا سلبيًّا شعاره الصبر والسخرية، فخلا الميدان إلا من الوفديين من ناحية والطغاة من ناحيةٍ أخرى، وقنع الشعب بموقف المتفرج وراح يشجِّع رجاله في همس، دون أن يمد لهم يدًا. إن قلبه لا يستطيع أن يتجاهل حياة الشعب، إنه يخفق معه دائمًا، رغم عقله التائه في ضباب الشك!»

من خلال هذا التسجيل النفسي والتاريخي، يتخذ نجيب محفوظ من شخصية بطله كمال، إحدى اللافتات المضيئة التي تشير إلى منعطفات الدروب الاتجاهية، بالنسبة إلى جيلٍ بدأت خطواته وهي ثابتة، ثم انتهت وهي متعثرة؛ لأن رصيده من أسلحة المقاومة لم يكن متكافئًا مع رصيد أعدائه من أسلحة القمع والإرهاب. وفي ضوء هذه اللافتة، نرى كمال وقد بدأ يتأزم، نراه وقد بدأ إيمانه بالقيم يهتز؛ هذا الشعب الذي استكان للطغاة في سلبية مثيرة، أهو ذلك الشعب الذي كان يلتقي به في عيد الجهاد الوطني، فيذكره هديره العاصف بأن في «مكتبته — أي مكتبة كمال — أصدقاء قليلين ممتازين مثل دارون وبرجسون وَرَسِل، وفي هذا السرادق ألوفًا من الأصدقاء يبدون بلا عقول، ولكن يتمثل في مجتمعهم شرف الغرائز الواعية، وليسوا في النهاية دون هؤلاء المفكرين خَلقًا للحوادث وصنعًا للتاريخ؟!» إن إيمان كمال بالشعب بدأ يعتريه الشك؛ وزحف الشك بعد ذلك إلى إيمانه بالعلم وبالفلسفة، لقد أصبح من رأيه أن «الفلسفات قصور جميلة، ولكنها لا تصلح للسكنى.» أما العلم فقد غدا من خلال رؤيته العقلية: «دنيا مغلقة من حولنا، لا نعرف إلا بعض نتائجها القريبة، لقد اطَّلع على آراء نخبة من العلماء، يرتابون في مطابقة الحقيقة العلمية للحقيقة الواقعية، وآخرين ينوِّهون بقانون الاحتمال، وغيرهم ممن تراجعوا عن ادعاء الحقيقة المطلقة؛ فلم يلبث أن حرَّك رأسه مرتابًا!»

كان له إيمانه الديني ثم إيمانه بالحقيقة، ولم يلبث الله أن خرج من عالم كمال، ولم يلبث أن خرج بعده رَسِل وبرجسون وإسبينوزا ودارون؛ ويقول له صديقه عبد العزيز الأسيوطى صاحب مجلة «الفكر الحر»، التي يشارك في تحريرها ببحوثه ودراساته: «أنت أعزب في فكرك كما أنت أعزب في حياتك!» ويقول كمال لنفسه: «ترى أكانت عزوبته نتيجة لفكره، أم كان فكره نتيجة لعزوبته، أم أن الاثنين كانا نتيجة لشيءٍ ثالث؟!»

في هذا المنولوج الداخلي الموجز، يقدِّم نجيب محفوظ خريطة المعالم النفسية لأزمة بطله كمال، وعلى امتداد الخطوط في هذه الطريقة، نستطيع أن نحدِّد تضاريس تلك الأزمة، التي صنعت شتى الاتجاهات الأخيرة لشخصيته؛ إن مضمون الفكر الأعزب والحياة العزباء، هو في جوهره مضمون الوحدة المقلقة، وهذه الوحدة كما تساءل كمال بينه وبين نفسه — كانت نتيجة لشيءٍ ثالث، والشيء الثالث كان في ضوء الواقع شيئين: لقد هُزم الشعب — بعد موت سعد — في صراعه القومي ضد الأقلية والاستعمار والقصر، وهُزم هو — أي كمال — في صراعه الطبقي ضد «عايدة». ومن هنا، من هذين المنبعين الرئيسيين، انبثق تيار الأزمة العقلية والنفسية، جارفًا معه إيمان كمال بأكثر ما اعتنقه من قِيَم، وتدفقت بعد ذلك في حياته تيارات أخرى من منابع جديدة، عمَّقت مجرى الأزمة وجسَّمت معالم المشكلة. لقد سيطر الانحلال الخلقي على المجتمع، وأصبح المنحلُّون أخلاقيًّا — من أمثال رضوان ابن أخيه ياسين — هم أصحاب الحظوة والنفوذ لدى المسئولين من رجال الحكم، أما هو — الإنسان الجاد الذي كان مرتبطًا في حياته بقيمٍ ومبادئ — فقد بقي مدرسًا مغمورًا يلقِّن مبادئ اللغة الإنجليزية لتلاميذه الصغار، واستمرَّ موظفًا لم يتخطَّ بعد عشرة أعوام من العمل المرهق حدود الدرجة السادسة. وحين يتقرَّر نقله إلى أقاصي الصعيد لا يجد مَن يتوسَّط له ويبقيه في القاهرة غير ابن أخيه الناعم المنحَلَّ الذي لا يعرف مبادئ الشرف؛ وماذا كانت النتيجة التي خرج بها من إيمانه بالثقافة؟ لقد أدرك أخيرًا أن الثقافة لا كرامةَ لها في بلده! إن أخاه الجاهل ياسين — بفضل المكانة المرموقة لنجله المنحرف — قد سبقه في ميدان المكاسب المادية من وظائف الحكومة؛ وصديقه فؤاد — ابن جميل الحمزاوي الذي كان عاملًا في محل أبيه السيد أحمد عبد الجواد — أصبح يخاطب رب نعمته بلغة التعالي والكبرياء، وقد وضع ساقًا على ساق؛ لأنه اليوم وكيل للنيابة بعد أن تخرج في مدرسة الحقوق أو مدرسة النفوذ، ولم يتخرج كما فعل هو في مدرسة المعلمين أو مدرسة الثقافة؛ والدراسات الجادة العميقة التي كان ينشرها في مجلة «الفكر الحر»، لم تجد من يقدِّرها في مجتمعٍ تسوده في ميدان الفكر والخلق والسياسة كل أسباب التدهور!

ويقول له صديقه رياض قلدس الكاتب القصصي، الذي كان يشاركه في تحرير تلك المجلة: «إنك تعاني أزمةً فريدة، كل ما عندك مزعزع الأركان، عبث وقبض الريح، نضال أليم مع أسرار الحياة والنفس، وملل وسقم، إني أرثي لك؛ إنك توحي إليَّ بشخصية الرجل الشرقي الحائر بين الشرق والغرب، الذي دار حول نفسه كثيرًا حتى أصابه الدوار!» ويقول كمال لنفسه وقد تفجر في داخله أحد المنبعين الرئيسين لأزمته: «يتكلم عن الشرق والغرب؛ ولكن من أين له أن يعرف عايدة؟ قد تكون التعاسة متعددة الجوانب.»

هل انتهى كمال، الشخصية المصرية الصميمة، المعبرة عن واقع جيل مأزوم، والتي انتزع لها نجيب محفوظ — من خلال لحظات ضعفها النبيل — كل ما في نفوسنا من إيجابية الثورة على مجتمعٍ بشع، تعود أن يحطم أروع ما يستقر في نفوس أفراده من إيمان بالقيم؟!

لقد انتهى كمال ليبدأ من نقطة النهاية؛ ليبدأ في شخصية أخرى رسمها نجيب، لتكون واجهة عرض جديدة للجيل المتطور؛ الذي مهَّد لثورة ١٩٥٢، إنها شخصية أحمد شوكت، المكافح الشاب صاحب الأفكار التقدمية، المعبر عن انتفاضة الشعب الناطقة بعد صمتٍ طويل؛ انتهى فهمي ليبعث في كمال، وانتهى كمال ليبعث في ابن أخته أحمد، من خلال قطاعٍ طولي ممتد عبر العمل الروائي على مدار الأجزاء الثلاثة، ومن وراء الزجاج الشفاف لواجهة العرض الجديدة، نلمح مجموعة القيم العقائدية لشخصية أحمد شوكت.

«إن الوفد حزب الشعب، وهو خطوة تطورية وطبيعية في آنٍ؛ كان الحزب الوطني حزبًا تركيًّا دينيًّا رجعيًّا، أما الوفد فهو مبلور القومية المصرية ومطهرها من الشوائب، إلى أنه مدرسة الوطنية والديمقراطية. ولكن المسألة أن الوطن لا يقنع ولا ينبغي له أن يقنع بهذه المدرسة؛ نريد مرحلة جديدة من التطور، نريد مدرسة اجتماعية لأن الاستقلال ليس بالغاية الأخيرة، ولكنه الوسيلة لنيل حقوق الشعب الدستورية والاقتصادية والإنسانية. أما الأدب فهو وسيلة من وسائل التحرير الكبرى، ولكنه قد يكون وسيلة للرجعية، فمن الأزهر ودار العلوم خرجت آداب مرضية عملت أجيالًا على تجميد العقل والروح؛ والعلم أساس الحياة الحديثة؛ ينبغي أن ندرس العلوم وأن نتشبع بالعقلية العلمية، الجاهل بالعلم ليس من سكان القرن العشرين ولو كان عبقريًّا. وعلى الأدباء أن ينالوا حظهم منه. لم يعد العلم وقفًا على العلماء، أجل لهؤلاء التضلع والتعمق والبحث والكشف، ولكن على كل مثقف أن يضيء نفسه بنوره وأن يعتنق مبادئه ومناهجه؛ ادرس الآداب كما تشاء، ولكن لا تنسَ العلم الحديث، ولا يجب أن تخلو مكتبتك — إلى جانب شكسبير وشوبنهور — من كونت ودارون وفرويد وماركس وإنجلز، لتكن لك حماسة أهل الدين، ولكن ينبغي أن تذكروا لكل عصر أنبياءه؛ وأن أنبياء هذا العصر هم العلماء!»

هذه الأفكار والمبادئ تلقاها البطل الثاني للسكرية، عن أستاذه عدلي كريم رئيس تحرير مجلة «الإنسان الجديد»، وسرعان ما آمن بها، واستقرت جذورها في أعماقه، واتخذ منها شعاره القومي والإنساني في معركة المصير؛ ولقد كان أحمد شوكت معجبًا بخاله كمال، ككاتب يمثل الطبقة المثقفة في جيله، ولكنه يتلقى من زميلته سوسن حماد — الصحفية المستنيرة التي أصبحت فيما بعد شريكة حياته — يتلقى من نقدها الموضوعي لموقف كمال الثقافي، ما يضيف إلى وجوده الفكري مزيدًا من اللحظات المضيئة؛ إن كمال الكاتب، من خلال المنظار النقدي لسوسن: «واحد من الذين يهيمون في تيه الميتافيزيقيا؛ إنه يكتب كثيرًا عن الحقائق القديمة: الروح؛ المطلق؛ نظرية المعرفة، هذا جميل، ولكنه — فيما عدا المتعة الذهنية والترف الفكري — لا يفضي إلى غاية! ينبغي أن تكون الكتابة وسيلة محددة الهدف، وأن يكون هدفها الأخير تطوير هذا العالم، والصعود بالإنسان في سلم الرقي والتحرر. الإنسانية في معركة متواصلة، والكاتب الخليق بهذا الاسم حقًّا يجب أن يكون على رأس المجاهدين، أما وثبة الحياة فلندعها لبرجسون وحده؛ عندما يكون الإنسان متألمًا يركز اهتمامه في إزالة أسباب الألم، مجتمعنا متألم جدًّا، فيجب أن نزيل الألم قبل كل شيء؛ ولنا بعد ذلك أن نلهو وأن نتفلسف!»

هذه اللحظات المضيئة التي تصنعها الكلمة الموجهة، تبرز موقف الكاتب من مشكلات عصره … إنها تمثل دورًا قياديًّا بالنسبة إلى المحيط الفكري للمجموع القارئ. ونجيب محفوظ لا يقتصر على الواقعية الإيحائية لإبراز مثل هذا الموقف الالتزامي، ولكنه يجسم عملية العرض بمجموعة من الأحداث المتشابكة، التي يربط فيها بين السلوك الداخلي والسلوك الخارجي لشخصياته؛ ومن هنا يمكننا أن نتابع خطوات أحمد شوكت — النموذج الصاعد للجيل الذي مهَّد لثورتنا الأخيرة — وهو يشق طريقه إلى هدفٍ محدد، تقوده أضواء باهرة من الإيمان بقيمٍ جديدة، عماده التطلع إلى حياة أفضل!

لقد انتهت هذه الخطوات بصاحبها إلى المعتقل، ومن وراء القضبان كانت أفكار أحمد شوكت ومبادئه تتسلل إلى الخارج، لتنضم إلى أمواج المد التطورية في نضالها الزاحف. وعلى أصداء تلك الأفكار والمبادئ استيقظ ماضي الجيل المأزوم ممثلًا في كمال، وبدأ يرتبط بالحاضر ويتفاءل بالمستقبل؛ ويقول كمال لصديقه رياض قلدس، بعد أن هزت ضميره قوى الدفع الجديدة: «إن من المستحسن دائمًا أن يتأمل الإنسان ما يراود نفسه من أحلام، وعلى ذلك فالتصرف هروب، كما أن الإيمان السلبي بالعلم هروب، وإذن فلا بد من عمل، ولا بد للعمل من إيمان، والمسألة هي كيف نخلق لأنفسنا إيمانًا جديرًا بالحياة؛ دعني أخبرك بما قال لي أحمد شوكت، عندما زرته في سجن القسم قبل نقله إلى المعتقل، لقد قال لي إن الحياة عمل وزواج وواجب إنساني عام، وليست هذه المناسبة للحديث عن واجب الفرد نحو مهنته أو زوجه. أما الواجب الإنساني العام فهو الثورة الأبدية، وما ذلك إلا العمل الدائب على تحقيق إرادة الحياة، ممثلة في تطورها نحو المثل الأعلى؛ أتدري ماذا قال أيضًا؟ قال إني أؤمن بالحياة وبالناس، وأرى نفسي ملزمًا باتباع مثلهم العليا ما دمت أعتقد أنها الحق، إذ النكوص عن ذلك جبن وهروب؛ كما أرى نفسي ملزمًا بالثورة على مُثُلهم، متى ما اعتقدت أنها باطل، إذ النكوص عن ذلك خيانة. وهذا هو معنى الثورة الأبدية!»

لقد بدأ كمال يفيق من الإغماءة النفسية الطويلة، بدأ يستعيد إيمانه بنفسه، وبالشعب وبالحياة؛ لقد انتفض مع الانتفاضة الجديدة؛ وحين التقى القطب السالب بالقطب الموجب، اندلعت الشرارة المقدسة التي أضاءت للجموع الزاحفة معالم الطريق!

٤

المضمون الاجتماعي والاتجاهي — كما عرضناه في نقدنا لهذه الملحمة الروائية — ينحصر حتى الآن في نطاق القطاع الطولي لمجرى الأحداث والمواقف. أما القطاعات العرضية فيستخدمها الكاتب — كما أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول من هذه الدراسة — كروافدَ فنية، تعين المجرى الرئيسي على الانطلاق، هذه القطاعات أو هذه الروافد تمثل الأطراف المتقابلة على جوانب الحيز الامتدادي لخط التطور، كما رسمه الواقع التاريخي للمجتمع المصري، وكما لوَّنه الالتزام الموقفي لنجيب محفوظ.

إن الأطراف المتقابلة تواجهنا مرة من داخل الإطار السلوكي للشخصية، وتواجهنا مرة أخرى من داخل الإطار الاتجاهي للثقافة، وتواجهنا مرة ثالثة من داخل الإطار المذهبي للعقيدة السياسية والدينية؛ هناك تقابل من ناحية المفهوم الثقافي والسياسي بين كمال وأحمد شوكت، وتقابل من ناحية المفهوم القومي والديني بين كمال ورياض قلدس، وتقابل من ناحية العقيدة المذهبية بين أحمد شوكت وأخيه عبد المنعم، وتقابل من ناحية الوضع الاجتماعي بين أمينة وسوسن حماد. فبينما نجد مفهوم الثقافة عند الجيل الذي يمثله كمال، هو مفهوم القراءة والاطلاع لمجرد الترف العقلي والمتعة الذهنية، نرى هذا المفهوم يتطور عند الجيل الذي يليه والذي يمثله أحمد شوكت، بحيث تتحول الكلمة المقروءة من عملية إضاءة بالنسبة إلى الفرد، إلى عملية قيادة بالنسبة إلى المجموع؛ إلى تحقيق مصير عادل بالنسبة إلى قضية الإنسان. وبينما نرى كمال يؤمن بالوفد كحزب، يمثل الأغلبية الشعبية وأمانيها في الاستقلال، ويقف بإيمانه عند هذا الحد كنقطة نهائية لهدفه الاتجاهي، نرى أحمد شوكت وهو يتخطَّى بتفكيره هذه النقطة، وينظر إلى الوفد على أنه مرحلة انتقالية، يجب أن تعقبها مراحل أخرى من البناء الهادف إلى إسعاد الجماهير. وكمال وعايدة يقابلهما — داخل الإطار السلوكي للشخصية — أحمد شوكت وعلوية صبري، نفس الصراع الطبقي الذي ينتهي هنا كما انتهى هناك، بهزيمة الطرف الممثل للطبقة الوسطى من الشعب! ولكن حين يتأزم كمال وتترك الأزمة رواسبها العميقة في نظرته إلى الحياة والناس، يتماسك أحمد شوكت ويرتفع بطموحه فوق مستوى الموقف، ويرتبط بفتاةٍ من طبقته ويحوِّل الهزيمة إلى انتصار؛ لقد بقي كمال مأزومًا حائرًا، حتى بعد أن أحب بدور أخت عايدة، ولم يستطع أن ينتصر على نفسه ليرتبط بهذه الفتاة، التي أرغمها الزمن على أن تهبط من عليائها، إلى المستوى الطبقي الذي ينتمي إليه!

يقول له صديقه رياض: «أمن المعقول أن تحبها وأن يكون في وسعك أن تتزوجها؛ ثم تمتنع عن زواجها؟!» فيجيبه بأنه يحبها ولكنه لا يحب الزواج! فيقول له محتجًّا: «إن الحب هو الذي يسلمنا للزواج، فما دمت لا تحب الزواج كما تقول، فأنت لا تحب الفتاة!» فيجيب بإصرار: «بل أحبها وأكره الزواج!» فيقول له: «لعلك تخاف المسئولية»، فيجيبه محتدًّا: «إني أحمل من أعباء المسئولية في بيتي وفي عملي ما لا تحمل بعضه!» ويعقب رياض: «لعلك أناني أكثر مما أتصور!» فيقول ساخرًا: «وهل يتزوج الفرد إلا مدفوعًا بأنانيته الظاهرة والخفية؟!» ويقول له: «لعلك مريض؛ فاذهب إلى طبيبٍ نفساني لعله يحللك!» فيجيب: «من الطريف أن مقالتي القادمة في مجلة الفكر عن «كيف تحلل نفسك»!» فيقول له: «أشهد لقد حيرتني»، فيكون جوابه: «أنا الحائر إلى الأبد!»

كان مصابًا بانقسام الشخصية من ناحية، وبدا له الحب من ناحية أخرى «ديكتاتورًا»، وقد علَّمته الحياة السياسية في مصر، أن يمقت الديكتاتور من صميم قلبه، «ففي بيت العالمة جليلة كان يحب «عطية» بجسده، ثم سرعان ما يسترده، وكأن ما كان لم يكن! أما هذه الفتاة المستكنة في حيائها، فلن تقنع بما دون روحه وجسده جميعًا إلى الأبد!»

إننا مرة أخرى أمام لحظة تفجير لأحد المنبعين الرئيسيين لأزمة كمال، أمام هزيمة الشعب في صراعه السياسي ضد الديكتاتورية! لقد مرت بنا لحظة تفجير أخرى للمنبع الآخر، حين أثار رياض في نقاشه مشكلة الشرقي الحائر بين الشرق والغرب، فأثار بها في نفسه مرارة الذكرى المترسبة في مشكلته مع عايدة؛ لقد كره الدكتاتور الطبقي في شخص عايدة، كما كره الدكتاتور السياسي في شخص صدقي ومحمد محمود؛ وعلى طول المدى الانفعالي بهذه الديكتاتورية السياسية والطبقية، تعذب كل ما فيه حتى الحب!

وإذا ما انتقلنا إلى القطاع العرضي الذي نرى من خلاله كمال كرمز للأكثرية المسلمة، ورياض قلدس كرمز مقابل للأقلية المسيحية في المجتمع المصري — رأينا نجيب محفوظ يطالعنا بوجهة نظر موقفية لمشكلة الوضع الديني والقومي لهذه الأقلية، مع التزامية الصدق التاريخي في عرض جوانب المشكلة. يقول رياض لصديقه كمال: «إن الأقباط جميعًا وفديون، ذلك أن الوفد حزب القومية الخالصة؛ القومية التي تجعل من مصر وطنًا حرًّا للمصريين، على اختلاف عناصرهم وأديانهم. أعداء الشعب يعلمون ذلك؛ ولهذا كان الأقباط هدفًا للاضطهاد السافر طوال عهد صدقي، وسيعانون ذلك منذ اليوم!» ويقول له كمال في دعابة: «ها أنت تتحدث أنت الذي لا تؤمن إلا بالعلم!» ويعقب رياض في حماسة: «إني حر وقبطي معًا، أشعر في أحايين كثيرة بأن المسيحية وطني لا ديني، وربما إذا عرضت هذا الشعور على عقلي اضطربت … ولكن مهلًا، أليس من الجبن أن أنسى قومي! شيءٌ واحد خليق بأن ينسيني هذا التنازع، ألا وهو الفناء في القومية المصرية الخالصة، كما أرادها سعد زغلول!» ويقول كمال وصدره يجيش بالعواطف: «لا تؤاخذني، فقد عشت حتى اليوم دون أن أصطدم بمشكلة العنصرية؛ فمنذ البدء لقنتني أمي أن أحب الجميع، ثم شببت في جو الثورة المطهر من شوائب التعصب، فلم أعرف هذه المشكلة.» ثم يسأله: «وكيف نستأصل مشكلة كهذه من الجذور؟» ويجيب رياض: «من حسن الحظ أنها ذابت في مشكلة الشعب كله، مشكلة الأقباط اليوم هي مشكلة الشعب؛ إذا اضطُهد اضطُهدنا، وإذا تحرر تحررنا!»

إن التزامية الصدق التاريخي هنا، تبدو لنا من خلال الواقع الاجتماعي الذي يصوره نجيب محفوظ بأمانة؛ ذلك لأن اضطهاد الأقباط في تلك الفترة بواسطة الدكتاتورية الحاكمة، وأشياعها من أبناء الرجعية الشعبية، كان بسبب الاتجاه السياسي، ولم يكن بسبب العقيدة الدينية، ولعل نجيب محفوظ يرمز إلى الوحدة الشعورية كرباط قومي بين الأكثرية المسلمة والأقباط، بتلك الصداقة الخالصة من التعصب بين كمال ورياض قلدس. وكل خلاف طائفي يمكن النظر إليه على ضوء الجانب الموقفي للكاتب، وهو جانب الدعوة إلى الفناء في القومية المصرية. ولقد اتسع الأفق المذهبي اليوم لهذه الدعوة، حتى شمل المفهوم الإنساني العام لمعنى «الفناء»، بالنسبة إلى القومية العربية!

وفي مجال الأسرة الصغيرة — أسرة شوكت — يدير نجيب محفوظ صراعًا مذهبيًّا بين أحمد شوكت وأخيه عبد المنعم؛ إنه الصراع الذي شهده المجتمع المصري بين اتجاهين متناقضين، لكلٍّ منهما نظرته العقائدية الخاصة إلى تنظيم الحياة الاجتماعية على أسسٍ معينة. ومن داخل هذا القطاع العرضي الجديد، نتابع خطَّ السير الفكري لأحمد التقدمي المتطور، والخطَّ الآخر المضاد الذي يتخذه عبد المنعم، كشعار اتجاهي للإخوان المسلمين؛ يقول عبد المنعم في معرض النقاش بينه وبين أحمد: «لسنا جمعية للتعليم والتهذيب فحسب، ولكننا نحاول فهم الإسلام كما خلقه الله، دينًا ودنيا وشريعة ونظام حكم؛ ماذا تعرف عن الإسلام حتى تهرف بما لا تعرف؟!» ويرد أحمد بهدوء: «أعرف أنه دين، وحسبي ذلك، أنا لا أؤمن بالأديان.» ويتساءل عبد المنعم مستنكرًا: «ألديك برهان على بطلان الأديان؟!» ويجيب أحمد بنفس الهدوء: «ألديك أنت برهان على حقيقتها؟!» ويعقب عبد المنعم محتدًّا: «عندي وعند كل مؤمن، ولكن دعني أسألك أولًا كيف تعيش؟» ويقول أحمد باعتداد: «بإيماني الخاص، إيماني بالعلم وبالإنسانية وبالغد، وبما ألتزمه من واجبات ترمي في النهاية إلى تمهيد الأرض لبناءٍ جديد!» ويصيح عبد المنعم في غضب: «لقد هدمت كل ما الإنسان إنسانٌ به!» ويواصل أحمد انطلاقه الجدلي: «بل قل إن بقاء عقيدة أكثر من ألف سنة ليست آية على قوتها، ولكن على خطة بعض بني الإنسان؛ ذلك ضد معنى الحياة المتجددة؛ ما يصلح لي وأنا طفل يجب أن أغيره وأنا رجل؛ طالما كان الإنسان عبدًا للطبيعة والإنسان، وهو يقاوم عبودية الطبيعة بالعلم والاختراع، كما يقاوم عبودية الإنسان بالمذاهب التقدمية؛ ما عدا ذلك فهو نوع من الفرامل الضاغطة على عجلة الإنسانية الحرة!»

هكذا يرافق نجيب محفوظ موكب التطور الحياتي، للمجتمع المصري من مختلف زواياه، وما تزال الروافد الجانبية في العمل الروائي، تصبُّ في المجرى الكبير؛ فشخصية سوسن هي الامتداد التطوري لشخصية أمينة. لقد حطمت المرأة المصرية قضبان السجن وخرجت إلى الحياة؛ من البيت إلى الشارع، ومن رق الزوجية إلى حرية الإرادة، ومن جمود الانطواء إلى حركة الانطلاق، ومن سلبية الوضع الاجتماعي إلى إيجابية المشاركة في توجيه المصير، ونظرة الرجل إلى المرأة تتفاوت هي الأخرى على مدار الأجيال: ينظر إليها أحمد عبد الجواد في صورة أمينة، كمصنع آدمي لإنتاج النسل، وكجارية تناديه دائمًا بكلمة «يا سيدي»، تجسيمًا للعبودية المعترِفة بالاستبداد كحق مشروع! وينظر إليها في صورة زنوبة، وزبيدة وجليلة كنموذج ترفيهي في مجال العلاقة الجنسية؛ وينظر إليها فهمي في صورة مريم جارته الجميلة، التي تبلغ من فهم الحياة مرحلةً تتساوى فيها مع أختيه خديجة وعائشة، وتتفوق فيها نسبيًّا على أمه؛ وينظر إليها كمال في صورة عايدة، كنموذج للمستوى المعيشي الرفيع، والجمال الأرستقراطي الباهر والثقافة الفرنسية المتميزة، كرد فعل لحرمان بيئته الشعبية من كل هذه القيم المغرية! وينظر إليها أحمد شوكت في صورة سوسن، الفتاة المكافحة المستنيرة، التي تكسب قوتها بعرق الجبين، ولا تستمد فتنتها الأنثوية في نظره من جمال الوجه، كما يفعل الآخرون، وإنما تستمدها من جمال الفهم لمشكلة الحياة وقضية الإنسان!

وعلى ضوء الرؤية النقدية لواقعية نجيب محفوظ الإيحائية، نستطيع أن ننظر إليه وهو يتخذ موقفه، إلى جانب التطور بالنسبة إلى الأطراف المتقابلة، حتى لقد جعل كمال في نهاية «السكرية»، يتفاعل تفاعلًا إيجابيًّا مع خطوات النضال الجديد. ونجيب في واقعيته لا يفرض الشخصية على الموقف، وإنما يفرض الموقف على الشخصية، بمعنى أنه يضع الشخصية في مستوًى عقلي معين، يتحتم معه أن ترتبط بسلوكٍ موقفي مناسب، وهذا ما نلاحظه على شخصياته في مختلف المواقف والمستويات؛ إن فرض الشخصية على الموقف عند كتَّاب الواقعية الأيديولوجية، ناتج من كون الموقف جاهز الإعداد مقدمًا في ذهن الكاتب، وأن الشخصية قد تكون غير جاهزة الوجود في الواقع الخارجي، ومن هنا نشعر أن الكاتب الأيديولوجي غالبًا ما «يجوف» الشخصيات ليملأها بأفكاره الذاتية!

ومع ذلك فإن هذه الملحمة الروائية — كعمل فني يقف موقف الندية من أنضج الأعمال المماثلة في أدب الغرب — لا تخلو من بعض المآخذ، فنجيب محفوظ مثلًا — وعلى الأخص في «بين القصرين» — يسرف أحيانًا في رسم الأبعاد النفسية لبعض الشخصيات من خلال عملية السرد؛ وعيب هذه الطريقة أنها تطبع خط السير الحدثي بطابع البطء والرتابة!

إن الحركة بطيئة في بعض فصول الجزء الأول من هذه الرواية، ولو رسم نجيب تلك الأبعاد النفسية من خلال اللقطات الحديثة والموقفية، لرأينا تلك الحركة الجياشة، التي شملت الوجود الداخلي والخارجي للشخصيات في «قصر الشوق»، وبلغت الذروة في إبراز العنصر التجسيمي والتركيز لمختلف اتجاهات النسيج الروائي في «السكرية».

وهناك قطاعات عرضية قليلة، تخرج عن نطاق البعد الموضوعي الرئيسي للمشكلة في خطوطها العامة؛ وذلك حين يعمد نجيب إلى التفصيلات الجزئية، لما يدور أحيانًا من أحداثٍ ذاتية في الجو العائلي لآل شوكت، أو في جو المغامرات الجنسية لطبقة العوالم المغنيات، من أمثال زبيدة وجليلة زنوبة، أو في جو العلاقات البيئية والشعورية بين أحمد عبد الجواد وأصدقائه من طبقة التجار؛ لا تخلو عملية الالتقاط من الإسراف في تجميع كل الزوايا من أجل اكتمالية الصورة، وكنا نفضِّل لو لجأ نجيب إلى «الاختيار»؛ فاختيار الزاوية المعبرة قد تغنينا عن زوايا كثيرة، واختيار اللقطة الموحية قد تغنينا عن مجموعةٍ كاملة من اللقطات!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١