رواية ناكر الجميل

الفصل الأول

في عهد الملك قسطنطين، خرج حليم نجل وزيره الأول إلى بعض البساتين، فرأى غلامًا اسمه غادر يشبهه، منطرحًا في الطريق يقاسي عذاب المرض والجوع، فأخذه وأطعمه وعالجه وكساه وواخاه، ولما رأى الوزير الأول أن علائق الحب تمكَّنت بينهما تبنَّاه؛ ليكون معينًا لابنه في السراء والضراء، ولما بلغا رشدهما قال غادر لأخيه حليم هذه الأبيات:

ألا بالحمد أبدأ للقدير
مزيل الضر عن قلبي الكثير
كريم راحم برٌّ رءوف
سميع منعم ملك بصير
فلا أحصي الثناء عليك ربي
أيا من جدت بالفضل الغزير
فأنت أغثتني وجبرت كسري
وأنقذت الفؤاد من السعير
وأنت منحتني نيل الأماني
وأعليت الحقير على السرير
ومن ضعفي ومن جوعي وسقمي
أرى بين الورى دون النقير
فحننت الحليم عليَّ فضلًا
ملازي سيدي نجل الوزير
فداواني وأطعمني وآوني
وألبسني ثيابًا من حرير
جزاك الله عني كل خير
أيا سندي ويا غوث الفقير
غمرت عبدك الفاني بجود
عميما الظل فيه كالأمير
جميع جوارحي بالشكر تثني
على علياك يا بدر البدور
فدم واسلم بعزٍّ ما تغني
حمام الأيك في روض نضير
وما بذغ الصباح وما تخلى
جمال ثناك في أفق الحبور

فأجابه حليم بما عنده من الشهامة:

ألا يا صاح دع حمدي وشكري
فإن الحمد للرب الغفور
ودع تذكار إحساني وفضلي
ودع ذكر القليل مع الكثير
فأنت أخي وريحاني وروحي
وأنت رجائي في كل الأمور
فسِرْ واحضر لنا ما نبتغيه
لكي نمضي إلى صيد الطيور
وبلغ والدي قصدي بهذا
وعُد نحوي لنسرع بالمسير

فأجابه غادر بهذين البيتين:

على رأسي وعيني يا حياتي
سأحضر ما طلبت بلا قصور
حماك الله من كيد الأعادي
ودمت كما تروم مدى الدهور

وذهب سريعًا ليأتي بما يلزمهما من أدوات الصيد والقنص، فأخذ حليم ينشد هذه الأبيات:

أحسن إلى الناس تستبعد قلوبهمو
فطالما استعبد الأحرار إحسان
وكن مع الناس معوانًا لذي أرب
يرجوا نوالك إن الحر معوان

فما أتى على آخر هذه الأبيات إلا ونظر إلى معلِّمه الشيخ ناصر وقال له: أرأيت يا ناصر مثل صنع الجميل. فأجابه: لا وأبيك أيها الحليم النبيل؛ فإن صنع الجميل يفرِّج الضيق، ويجعل العدو أحسن صديق.

فأجابه حليم: قد نطقت بالصواب، وقد صدق من قال:

ازرع جميلًا ولو في غير موضعه
فلا يضيع جميل أينما زرعا
إن الجميل وإن طال الزمان به
فليس يحصده إلا الذي زرعا

ها أنا قد فعلت مع غادر فعلًا لم يسبقني إليه أحد في الزمان الغابر؛ وذلك أني رأيته منطرحًا في الطريق، من كثرة الأمراض والضيق، فأخذته وأحضرت له الأطباء، واعتنيت به غاية الاعتناء، وبعد شفائه من المرض أيها الصديق، قد اصطفيته لنفسي خليلًا ورفيق، وكذلك والدي نظرًا لحبه إليَّ، كتب على نفسه صكًّا شرعيًّا، أن يعامله كولده طول حياته، وأن يكون شريكًا لي في جميع الأموال بعد وفاته، أملًا أن يصير عوني وعضدي، ومسعفي في كل الأمور وسندي، وقد بان والحمد لله معه الجميل، وصار لنا أفضل صديق وألطف خليل.

فهزَّ الشيخ رأسه وقال: وكيف أمكن لك يا سيدي أن تصافي هذا الإنسان، قبل الاختبار والامتحان؟

فأجابه حليم: إني اختبرته يا ناصر، وعرفت باطنه والظاهر، أمَا سمعت ما أبداه من الحمد للواحد القادر؟ وما أظهره لي من الشكر الفاخر؟ ولذا رُمت أن أصطحبه معي إلى صيد الطيور، لنحصل على كمال النشأة والسرور.

فابتسم الشيخ وقال:

أمور تضحك الجُهلاء منها
ويبكي من عواقبها اللبيب

أراك يا مولاي تصف غادر بالخلة والصداقة، وما هي عن إذنك إلا خفة وحماقة؛ حيث إنك وجدته منطرحًا في الطريق، وأنقذته من كل كرب وضيق، وداويته وآويته، وأطعمته وكسوته، وشاركته في نعمتك، وجعلته أنيس حضرتك، فشكرك بلسانه، وأعلم بما في جنانه، أهذا هو الصديق؟! لا والله ما هو إلا زنديق.

إن أخا الهيجاء من يسعى معك
ومن يضر نفسه لينفعك
ومن ذا ريب الزمان صدعك
شتت فيك شمله ليجمعك

أوصل غادر إلى هذه الدرجة؟

فأجابه حليم: لا ما وصل إلى هذه الدرجة، وأنا ما وصلت إلى درجة أمتحنه بها هذا الامتحان، بل رأيته حسن الوجه عذب اللسان، فقرَّبته إليَّ وجعلته من الخلان.

فالتفت إليه الشيخ وأخذ ينصحه بهذه الأبيات:

وهل ينفع الفتيان حُسن وجوههم
إذا كانت الأخلاق غير حسان
فلا تجعل الحُسن الدليل على الفتى
فما كان كل مسقول الحديد يماني

ما هذا التغفل الظاهر، الذي لا يستحسنه عاقل ولا فاجر؟

إن ود الناس أضحى
لنفاق أو لعلَّة
فاهجر الأصحاب إلا
صاحبًا يصحبك الله

انتبه يا بني من هذه الغفلة، وانشل نفسك من ورطة هذه الهفوة، واقبل يا معدن اللطائف، نصيحة مجرب عارف، قد أنحله الزمان، وأفتنه غوائل الحدثان، وعرَّفته الصالح والطالح، والزائغ والناصح، والخاسر والرابح، والهالك والناجح، وأرته الشدة والرخاء، والعافية والضراء، والعسر واليسر، والسعة والفقر، والتفريج والضيق، والعدو والصديق.

وكنت إذا الصديق أراد قهري
وشرفني على ظماء بريق
غفرت ذنوبه وكظمت غيظي
مخافة أن أعيش بلا صديق

ولكن ما أجداني ذلك نفعًا، وما زادني إلا حطَّة ووضعًا، وذلك عقد الامتحان، وانقلاب الزمان، ميَّزت الصدق من المَين، واتضح الصبح لكل ذي عينين، وملَّني الأهل والأصحاب، وتغلَّقت في وجهي جميع الأبواب، إلا باب العظيم، الرءوف الرحيم، الذي لا يخيب من دعاه، ولا يُحرم من استجداه، فإياك يا ابني إياك، من صحبة كل منافق أفَّاك.

إياك تغتر أو تخدعك بارقة
من ذي خداع يُري بشرًا وإلطافًا
فلو قلبت جميع الأرض قاطبة
ولا أخًا يبذل الإنصاف إن صافا

فلم ينتصح حليم من هذا الكلام، وقاطعه وقال: قد أطلت يا ناصر الكلام، وأسهبت بالتقريع والملام.

فأجابه الشيخ: لا أيها الحليم، والزاهر الوسيم، أنا ما أطلت الكلام، ولا أسهبت بالملام، بل ما قلته هو الحق، والعدل والصدق. وأكرر النصح والمقال، وإن ألقيته في زوايا الإهمال، إنك لست من صبحة غادر على طائل، ولو كان والله سحبان وائل؛ لأن أفكاري ما استحسنت صداقته، ولا استطابت مرافقته، ولا أراه إلا كذَّابًا خدَّاع لذَّاع، ذا شقاوة ومِرية، وعداوة وفِرية، ظاهره سرور، وباطنه شرور.

يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب

فأصمَّ حليم أذنيه عن سماع هذه الحكم البليغة، وقال لناصر ذلك الشيخ الوقور:

إن الخفيَّ على الجليِّ دليل
ومن الفؤاد إلى الفؤاد سبيل
لا تحسبنَّ بغادرٍ غدرًا فما
لصفاء نيَّته أُخَيَّ مثيل

وعندما فرغ من نظامه، أخذ ينشد هذه الأبيات:

إظهار ما تُخفي الصدور
قد خُصَّ بالمولى القدير
إن رُمت إدراك الأمور
فمن الظواهر كن بصير
في كل حال يا شكور
سلَّمت أمري اليوم لك
فبأمرك السامي يدور
ما في البسيطة والفلك

فتكدَّر الشيخ من حليم، ولكنه لم يتركه وشأنه؛ لأنه عالم بأنه:

تُلجي الضرورات في الأمور إلى
سلوك ما لا يليق بالأدب

فأعاد عليه النصيحة وقال: آه يا مولاي حليم، والله إنك مع غادر على خطر جسم، ولا بدَّ ما يدس لك السم في الدسم، فتندم حيث لا ينفعك الندم، ولا يفيد التلافي بعد التلاف، ولا يرد السهم في القوس وقد خرق الشفاف؛ حيث إني درست السياسة على أعظم شيخ وهو الزمان، وما رسمت ما شان وما زان، وأنت شاب غرير، وبعواقب أمور لست بخبير، لا ما رسلت الخلق، ولا ميزت بين الصدق من ذوي الملق، ولا خيرت ولا سيرت، ولا سمعت ولا نظرت، بل نشئت في ظلال النعيم، واستهلال ظهورك صحبة غادر اللئيم، فاستخلصته لنفسك، وجعلته ريحانة أنسك، وشاركته في النسب، وما فكرت في العاقبة والحال، وفعلت فعلًا لا يرضاه عاقل، ولا يقربك عليه جاهل.

فانحمق حليم من هذا الكلام، وقال: قد تجاوزت الحد يا ناصر، وأصرفت في دم غادر، أما علمت أن الأخ الصُّلبيَّ ربما يضرك، وأما الصديق الصالح فإنه أبدًا يسُرُّك، والصاحب الشفيق خير من الأخ الشقيق، وأنا ما اتخذت غادرًا لا لشدة ولا لرخاء، بل ما فعلته معه ما هو إلا من باب المروءة والسخاء. وأنت ما نقص عليك من محبتي لغادر؟!

فتبسم الشيخ ناصر، وأراد أن يجزبه إلى سماعه نصائحه، فقال: أنا أيها المحسن الباهر، ما نقص عليَّ شيء من المراسيم، وما فُقِد مني شيء مما أسديته إليَّ من النعيم، إنما نظرًا لما لك من الإحسان يجب أن أحذِّرك من نوائب الزمان، ولا تظن ما قلته لك هو ناشئ عن خبث طوية، لا بل هو من خلوص السريرة وصفاء النية. وحيث إني رأيت الزمان حقود، والصاحب أول ناكث للعهود، فقد أخبرتك، وحذرتك وأنذرتك، من غدر صاحب أنت تختاره، وهو يختار سواك، وأنت تفديه بنفسك، وهو يود لك الهلاك، إن أعطيته حرمك، وإن رحمته ظلمك، تصعد به إلى ظلال النعيم، وهو يهوي بك إلى حضيض الجحيم، تُطعمه الشهد والحلاوة، وهو يسعى بينك وبين الناس بالعداوة، وما ذلك إلا لنفعه وضرِّك، وخيره وشرِّك، يُدنِّس ويُدلِّس، ويُوسوس ويُهوِّس، ويُروِّج الباطل ويُحلِّي العاطل، لا يستحسن الترف، ولا ينظر إلى الشرف، بل يجد في منفعته الخصوصية، بقطع النظر عن الجهة والحيثية، ومتى ذهبت الكرة، وجاءت الفكرة، يتضح للإنسان حقيقة الحال، ويتذكر قول من قال:

المرء في زمن الإقبال كالشجرة
والناس من حولها ما دامت الثمرة
حتى إذا ما انقضت أيام مدتها
تفرقوا وأرادوا غيرها شجرة

ولا يزداد المرء إيقان، إلا بالتجريب والامتحان.

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت
له عن عدو في ثياب صديق

فاتَّعظ أيها الحليم، بنصح مجرب حكيم.

إذا أنت فتشت القلوب وجدتها
قلوب أعادٍ في جسوم أصادق

فلما أتم الشيخ ناصر نصائحه، التفت إليه حليم بعين الغضب وقال له قولًا خاليًا من الأدب: ما هذا الحمق الشديد، والنصح الذي لا يفيد؟! أترغب أن أعيش وحشيًّا يا لئيم؟ بلا خليل ولا نديم؟

وكلما زاد حليم في الحماقة، قابله الشيخ بنصائحه المقنعة وقال: أمَا سمعت يا حميد الصفات، ما قاله صاحب المقامات:

ونديمٍ محضته صدق ودي
إذ توهَّمته صديقًا حميمًا
ثم أوليته قطيعة قالٍ
حينما ألفيته صديقًا حميمًا
خِلْته قبل أن أجرب إلفًا
ذا زمان فبان جلفًا زميمًا
تخيريه كليمًا فأمسي
منه قلبي بما جناه كليمًا

وأنا يا مولاي ما قلت بعدم صنع الجميل، لا بل أقر بأنه لازم وجليل، وعلى كلٍّ افعل ما بدا لك، نجَّح الله أمورك وأفعالك، ولكن:

الرأي عندي أن تكون على حذر
من غادر كي لا تُهان إذا غدر
أحليم كن متيقظ حتى إذا
وافى اللصوص تكون ليلًا في سهر
إن نام غيرك آمنًا لجميله
فاصحوا لكونك محسنًا واجلُ النظر
احذر وكن مستيقظًا لا سيَّما
إن تم فعلك بالجميل هنا الخطر
أوَما ترى أن الكسوف أوانه
لما يتم النور في قرة القمر
فاحفظ كلامي كله كي لا تقول
رميت سهمي حينما انقطع الوتر
فهناك تغدو نادمًا متحيِّرًا
بين الأنام وعبرة لمن اعتبر

كلما ازداد الشيخ في النصح، ازداد حليم في حب غادر، وأراد أن يظهر لناصر أنه لا ينقاد لنصائحه، فقال: وإن يا ناصر كلامك مرصع بجواهره الصواب، فلا يمكن أن أقبله؛ حيث إني في مودة غادر بعيد عن الارتياب؛ لأني منذ عرفته إلى اليوم لم أرَ منه ما يوجب اللوم، وكان من الواجب أن اتَّبع رأيك، وأكون منه على حذر، ولكن قلبي لا يطاوعني أن أسمع بغادر كلام أحد من البشر.

فكظم الشيخ غيظه في قلبه، وأخذ يقول في نفسه: يالله! انصحه فيناقض، وأرشده فيعارض، ونتيجة قوله لنصحي المفتخر، ألَّا يسع بغادر كلام أحد من البشر.

ثم أطرق برأسه إلى الأرض وقال لحليم: والله إن غادر لذميم، وشيطان رجيم، كثير الوسواس، خئون خناس، قليل الأمانة، مصدر الخيانة، ذو مضرة ورياء، ومخاصمة ومراء، أخلاقه زميمة، وأوصافه مشومة، خبيث الطوية، وحركاته شيطانية، كالنار في الإحراق، وإبليس في الشقاق، وحيث إني ألمعي الفراسة، وماهر في السياسة، أقول إني غادر لغدار، وماكرًا فاجر، ولو لم يكن مستحقًّا لما كان عليه، أوصلي الله تلك الإهانة إليه، حليم حليم، مولانا حليم، أتريد أن تُسعد من أشقاه الله، وتقرب من طرده وأقصاه؟! كلا، كلا.

إذا المرء لم يخلق سعيدًا من الأزل
فخاب الذي ربَّى وخاب المؤمل
فموسى الذي رباه جبريل كافر
وموسى الذي رباه فرعون مرسَل

فلا تحصل يا سيدي من صحبة غادر على السلامة، ولا بدَّ ما تقع في الحسرة والندامة؛ حيث إنه خالٍ من الصفات الحميدة، والشمائل السعيدة، قبيح الفعل، رديء الأصل.

هيهات تجني سكر من حنظل
فالشيء يرجع بالمزاق لأصله

وعند ذلك غضب حليم وقال لمعلمه: قد خرجت يا ناصر عن حد الاحتشام، ودخلت فيما لا يعنيك بالتأنيب والملام، فأنا عن محبة غادر لا أحيد، ولو ألقيت في العذاب الشديد، فاغرب عن وجهي يا بغيض، وأرحني من كلامك الطويل العريض.

فذهب الشيخ ناصر، يردد قول القائل:

إذا المرء لم يعرف مصالح نفسه
ولم يك يومًا للأخلَّاء يسمع
فلا ترجُ منه الرشد واتركه إنه
بأيدي صروف النائبات سيوقع

أما حليم السليم النية، فقال بعد ذهاب مربيه: أفٍّ لك من نصوح زميم، وحاسد لئيم، أهكذا يفعل الحسد! تحصَّنت بالواحد الصمد، ظهر كلامه نصيحة وبر، وباطنه حسد وشر؛ حيث إني أعرف من ذاته، ومطَّلع على جميع حركاته.

وإني بلوت الناس أطلب منهموا
أخائفة عند اعتراض الشدائد
فلم أرَ فيما ساني غير شامت
ولم أرَ فيما سرَّني غير حاسد

يرغب ذلك الوسواس الخناس، أن أقطع علاقتي من حب جميع الناس، وأعامل كلًّا من الخلان بالصد والجفا والعداوة، وأقتصر على ذاته الشريفة وأخلاقه اللطيفة. وما فعل غادر معه من الإضرار حتى أسرَّ على بغضه هذا الإسرار؟! فأنا منذ عرفته ما عاملته بغير الإحسان، ولا أظهرت له غير الحب بالقلب واللسان، وذاته الردية وخلاله الشيطانية يأبيان فعلي الخير، ويرغبان كل شر وضير، بلا سبب يوجب، ولا ذنب يُغضب.

لسع العقارب لم يكن لعداوة
لكن لخبثٍ تقضيه ذواتها

ولكن خاب أمله، وفسد عمله، وعزة ربي القادر، لا أميل عن محبة غادر، وأكتفي منه بالوداد، عن محبة جميع العباد.

وإذا تألفت القلوب لبعضها
فالناس تضرب في حديد باردا
وإذا صفا لك من زمانك واحد
فهو المراد فعش بذاك الواحد

ولكن قد أبطا غادر، هل أبي ليس بحاضر؟ يلزم أن أستحضره، قبل فوات الفرص، وأستحضر كلما يلزمنا للصيد والقنص.

فقال ذلك حليم، وخرج من محله يبحث عن غادر، أما الشيخ ناصر اختبأ في مكان يطل على محل حليم، وإذا بغادر قد أتى إلى تلك المحل، وكل شعرة بجسمه تحركه على الفتك بحليم، شأن كل لئيم، وصار يخاطب نفسه، والشيخ يسترق السمع: قد استحضرت على ما يلزمنا للذهاب، لكن مالي أرى سليمًا ذاهبًا من هذا الباب، آه، إن بلاء الإنسان عظيم، وخصوصًا إذا عاش في ظلِّ وغدٍ مثل حليم، نعم إنه داواني وآواني، وأطعمني وسقاني، وشاركني في نعمة أبيه، وجعلني أعز من أخيه، وكفاني جميع الأحزان والآلام، وغمرني بمزيد الإنعام، لكن أرى ذاتي أن أمجده وأعظمه، وأبجله وأفخمه؛ شكرًا على إنعامه، وجزيل إكرامه. ومن يحتمل هكذا تحقير، ويكابد من الذل عذاب السعير.

لا تسقني كأس الحياة بذلَّةٍ
وأدر بعزلي كئوس الحنظل
كأس الحياة بذلَّةٍ كجهنم
وجهنم في العز أفخر منزل

فلا بدَّ أن أقتله في وقت مناسب، وأسلم به من غوائل العواقب، وإذا سمحت الفرصة أقتل أباه، وأصير وزيرًا عوضه بلا اشتباه، وحينئذٍ أعيش بالصقة والهناء، آمنًا من كل إهانة وعناء؛ ولذلك القصد قد أحضرت هذا الخنجر لأزيقه من حده الموت الأحمر، ولكن يلزمني الآن أن أحدِّثه بالكلام اللطيف، وأخضع لأمره الشريف، كي لا يشعر بما تُخفي الصدور، فأقع في البلاء والشرور، نعم هكذا أفعل، وعن هذا القصد لا أتحول.

أغشُّه اليوم في حلو الكلام عسى
أسقيه سماء وأُخفي السم في الدسم

وبعد هذا أحوز المال وأجمعه.

فما أتى غادر على آخر شعره إلا ونظر حليم آتيًا من بعيد، فغيَّر كلامه المؤلم بالترحيب وقال:

أهلًا وسهلًا بفرد العُرب والعجم
آنست عبدك يا محيي الفؤاد ومن
جمال طلعته كالبدر في الظلم
ما عشت أُثني على علياك يا سندي
وبعد موتي إذا أمسيت كالرمم

فأجابه حليم من القافية عينها:

الله يبقيك يا ذخري ومعتمدي
مدى الزمان بأهنا العيش والنعم
فأنت روحي الذي حقًّا أعيش بها
وأنت ريحاني فاسلم وعش ودم

فقال غادر: قد استحضرت كل ما يلزمنا للذهاب، فهل تأمر أن نستدعي معنا أحد الأصحاب.

فأجابه حليم: لا يكون وحدنا فقط، ولكن ما قلت لأبي وأمي، ألم تنظرهما قط؟

فقال غادر: نعم، قد أخبرتهما بما تريد، فاستصوبا ما عزمت عليه أيها الحليم الفريد، وهذه أمك آتية مع أبيك، الله يحفظهما ويبقيك.

ما تم غادر كلامه إلا وقد حضر أبو حليم يقول: همة مباركة يا حليم.

فأجابه حليم على الفور: تكون مباركة بعنايتك أيها الوالد الكريم.

فقال أبوه: مع من عزمت أن تذهب للصيد يا ولدي الحبيب؟

فقال: مع أخي غادر إلى هذا الحرش القريب.

فصرَّح له أبوه بذلك إذ قال: لا بأس، اذهب مع غادر؛ عسى ينشرح منك الخاطر.

فقال حليم: سمعًا وطاعةً، وسنعود إن شاء الله بالسرور، مصطحبين معنا كثيرًا من الطيور.

فقال والده: مناسبًا، اذهبا بالأمان.

فقال غادر: حُفظت يا مولاي مدى الزمان.

أما حليم فقد قبَّل يد والديه وقال: عن إذنك يا والدي الكريم.

فقال له أبوه: سرْ محفوظًا بعناية الرءوف الرحيم.

فقال أيضًا: عن إذنِك يا أماه.

فقالت له: سرْ ملحوظًا بعناية الله.

ولما ذهب حليم صحبة غادر إلى الصيد قال الوزير: الحمد لله المنعم العظيم، الذي جمع الأوصاف الحسنة بولدي حليم؛ فإنه جل علاه قد غرس في رياض قلبه روح التقوى والصلاح، وجعله منهلًا صافيًا يرده كل من يبتغي الفلاح والنجاح؛ وما ذلك إلا مجازاة لعمله العجيب، الذي أجراه مع غادر الغريب، إنه سبحانه وتعالى ينظر إلى حالة العبيد، ويجازي كل أحد بما يشاء ويريد، وأنا أسأله أن يحفظ حياة ولدي، ويجعله عوني وعضدي، ويبقيه محبًّا لكل غريب وقريب، إنه السميع المجيب.

وما كاد يفرغ من كلامه إلا وقد قالت قله قرينته: مولاي، لا أعلم لما خفق فؤادي عند ذهاب وحيدنا حليم، وهذا ضد العادة، فأخشى عليه من خطر جسيم.

فقال لها: ما هذا المقال المريع والكلام الفظيع؟! أما ذهب بصحته من هذا المكان؟ وسيرجع إن شاء الله آمنا ريب الزمان، فدعي هذه الأفكار؛ فإنها لا تفيد سوى الأكدار.

قال ذلك ولم يعلم ما تحدثه الأيام والليالي، إن الليالي من الزمان حبالي، يلدن في كل يوم عجيبة.

وهنا قد حضر الشيخ ناصر يقول للوزير بلهفة: قد تشرَّف يا مولاي سمو الأمير المكرم نجل جلالة مولانا الملك المعظَّم، فاصرفه في الحال ولا تُطِل معه المقال؛ حيث لي معك كلام سأعرضه عليك، وها هو قد أقبل.

ما أتم الشيخ كلامه إلا ودخل حبيب نجل الملك قسطنطين يقول:

سلامي للوزير الفرد أهدي
رفيع القد ذي المجد الأثيل

فأجابه:

أهلًا بالحبيب أخي المعالي
ونجل العادل الملك الجليل

وبعد أن حيَّا كل منهما صاحبه قال حبيب: اعلم أيها الوزير أنه نظرًا لصدق خدمتك؛ قد صدر أمر والدي بترفيع رتبتك، وقد جعلك وزيره الأول ومدبر الأحكام، فيجب عليك أن تذهب لأداء التشكر على هذا الإنعام، وقد بلغني أن حليم ذهب إلى الصيد هو وغادر، فأريد أن أتبعهما لينتعش بحديثهما مني الخاطر، وإذا سألك والدي عني فأخبره بما كان، وعن إذنك أنا ذاهب الآن. فقال له: سرْ بالأمان وكلاءة الرحمان.

ولما ذهب نظر إلى قرينته وقال لها: أنظرت كيف استمال حليم نحوه جميع القلوب؟

– نعم وقاه الله من الأقدار الكروب.

فقال: إن حسن السيرة دليل على صفاء السريرة، فأسأل الله العظيم المنان أن يرده علينا بالأمان.

فقال الشيخ: قد أمنت يا مولاي على حليم، وسلمته لغادر اللئيم، وما تفكَّرت في العواقب، وما سيقع به من المصائب، من يد غادر الجحود، الناكث للعهود.

فصرخت عندئذٍ أم حليم من فؤاد مجروح: ويلاه! يا لها من نكبة مريعة ومصيبة فظيعة! ناصر، ماذا صار؟ وما حلَّ بولدي من الدمار؟

فأجابها ناصر: هدئي روعك قليلًا واسمعي مني خبرًا مهولًا.

– ناصر، تكلم، ناصر، تكلم. آه، قلبي تكلم.

– اعلمي يا مولاتي أني دخلت هذا المكان حينما ذهب حليم يطلب منكما الاستئذان، فرأيت فيه غادر، وهو لي غير ناظر، فسمعته يحدِّث نفسه، بما أطلعني على سرِّه، وأفهمني حقيقة أمره؛ وهو أنه مغتاظ من حليم؛ كونه معظَّم، وملزوم أن يعيش دونه وإن كان يحير مكرم، وواجب عليه أن يخضع لما يريد، وأن يكون سامعًا لأمره كأحد العبيد؛ ولذا صمم على قتله هذه المرة، ليتخلص على رغمه من عيشته المُرَّة، هذا ما سمعته من فم غادر اللئيم، بعدما كررت النصيحة على مولاي حليم، وقد ذهبت لأخبره بذلك كي أخلِّصه من المهالك، فرأيته قد ذهب، وعن عيني قد احتجب، فرجعت وأخبرتكما بما كان وما سيكون؛ لتنقذاه من مخالب المنون.

فبكت هزار أم حليم بكاء يفتت الأكباد، وقالت: إلهي، ما هذا الخطب العظيم والبلاء الجسيم!

فقال الوزير: وهل تجاسر غادر على مثل هذه الفعال؟

فأجابه: إي وحق العظيم المتعال، هذا ما سمعته من فم غادر، أطلعتك عليه يا ذا المفاخر، وقد صمم أيضًا أن يقتلك بعد قتل حليم؛ أملًا أن يصير وزيرًا عند مليكنا الفخيم، فتدارك لولدك الخلاص، قبل أن يقتنصه القناص.

فقالت أمه: أواه! ولداه!

فقال الوزير: صبرًا يا هزار.

– آه، قد أحرقتني النار، أدرك يا مولاي ولدك الناصر، وخلِّصه من كيد غادر الفاجر.

– قد وجب يا هزار، فعسى أن ننجيه من الدمار، سرْ يا ناصر وأحضر لي السيف والجواد، وانتظرني تجاه الواد.

– هذا ما أطلب، وأنا ذاهب.

وزير :
سرْ وعُد بالعجل
خاب منه الأمل
هزار : يا إله السما، نجِّه كرما.
وزير :
أين ذاك اللئيم
أين أين الأثيم
هزار :
كي يرى الآخرة
وزير :
اجلسي صابرة
هزار : آه، وا حسرتي!
وزير : واصبري واثبتي.
هزار :
هيا يا ناصر
ناصر :
ها أنا سائر
هزار :
سرْ وخذني معك
بالذي أبدعك
وزير :
أمكثي في سكون
هزار :
آه ذقت المنون

الفصل الثاني

فلنترك الوزير وناصر يبحثان على حليم لأجل أن ينجياه من مكايد غادر، وننظر ماذا جرى لحبيب ابن الملك قسطنطين لما ذهب مع حرثه الملوكي لأجل أن يلحق بحليم؛ ليصطاد معه في الأودية والأحراش، مما يصادفونه من الأرانب والطيور، وهو لا يعلم ما هو مُخبَّأ في عالم الغيب له ومقدور، فلما وصل إلى بعض الغابات، فصار حرثه ينشد له الأشعار:

دُمْ بالمسرَّة والصفا
يا أيها البدر المنير
فيك الزمان لقد صفا
وتيسَّر الأمر العسير
فاسلم بعزٍّ وانشراح
ما شرقت شمس الصباح
وشد النهار مشنقًا
صبحًا على غصن النضير

ولما انتهوا من نشيدهم قال لهم: حيث إني لم أجد حليمًا في مثل هذا المكان، فأرغب أن أصطاد وحدي، فابعدوا عني الآن، ولكن لا تذهبوا إلى محل بعيد كي أدعوكم أينما أريد.

فأجابوا كلهم بالسمع والطاعة، وهو أخذ يقول: يا ترى أين التقى غادر حليمًا، لتنتعش بالاجتماع منَّا الخواطر، ومع ذلك لا أرى صيدًا في هذا المكان، فيلزم أن أتوجه إلى غيره؛ عسى أجد بعض طيور أو غزلان، ولربما أرى حليم أو غادر، وهذا طائر طائر، فلتسرع بالمسير قبلما يطير. فذهب مقتفيًا أثر الطير.

فنترك أيضًا حبيب يجدُّ في إقناص الطيور، ونرجع إلى ذكر حليم وغادر.

علم القارئ اللبيب بأن حليم ذهب مع غادرا ليصطاد، لما وصلا إلى بعض الغابات أخذ غادر يتملق لحليم بهذه الأبيات، فقال:

يا أخي صيد الطيور
في رياض الارتياح
يدني أنواع السرور
والتهاني والمراح
سيما والوقت خال
من رقيب ذي ضلال
فهنا صيد الغزال
لنا يمن وفلاح

فأجابه حليم: بالحقيقة يا أخي غادر، لقد سُرَّ مني الخاطر؛ حيث وقت المساء تُقدَّم لأبي أنواع الطيور، فيُسرُّ منَّا غاية السرور. فأثنى عليه غادر وقال: نعم يا بهجة الزمان، وخصوصًا كان معنا بعض غزلان.

فقال حليم:

يا إلهي لك حمدي
فلقد أسعدت جدي
وبغادر تم سعدي
والصفا والانشراح

فانشرح عندئذٍ صدر غادر، فانطلق لسانه بالثناء عليه قائلًا: أدام الله يا سيدي صفاك، وبلغك من كل خير مناك، بأي لسان أشكر هذا الإنسان؟! وبأي قلم أحصر هذا الإحسان؟!

موافق لسبيل الرشد متبع
يزداد في الحلم والمرزول يجتنب
له خلائق بيض لا يغيرها
صرف الزمان كما لا يصدق الذهب

وما هذه إلا نفس هنية، وأيادي حاتمية، وقلب عطوف، وطبع ألوف، ولسان رطب، وحديث عذب، وعهد وثيق، ومجد عريق، وجمال باهر، وكمال فاخر، ورأي سديد، وصنع حميد، وعطايا عميمة، وسجايا مستقيمة، كأنه خُلق من الكمالات، وانطبق على أحسن الصفات. فسأل حليم غادرًا: ومن صاحب هذه الصفات يا غادر؟ فأجابه: هو أنت يا معدن المفاخر، هي وصفاتك الباهرة، هي خصالك الزاهرة، قد أصرفت عني كل كدر، وأقلتني من نوائب الزمان ودواهيه، ورفعتني مكانة سامية، وغمرتني بنعمك الهامية، وقلت: إن سعدك وصفاك قد تم بوجودي، فسبحان من سوَّاك وجعلك منهلًا لكل وارد، وملجأ لكل قاصد، إنه السميع البصير، وعلى ما شاء قدير.

فقال حليم: وهل من الناس يا معدن الألطاف من يتصف بغير هذه الأوصاف؟

فقال غادر: ترى من تقربه وتواسيه، وتهذِّبه وتراعيه، وتعلِّمه الأدب، وتكفيه النوب، وتكون ذا رأفة وإشفاق، وعليه ذرا حنوًّا وإنفاق، وتخرجه من الظماء إلى الضياء، وترفعه من الحضيض إلى العلياء، أو تعادي من أجله الأصحاب والأقارب والأحباب؛ حرصًا عليه من أهل الفساد، وأرباب الضلال والعناد، أملًا أن يصير لك صديق، وعدَّة في كل شدة وضيق، فبعد ذلك العطايا والمواهب والهدية، تراه كنقش على الحيطان، أو رقص بين حيطان، وغمام بلا مطر، وأكمام بلا زهر، يقابل حسناتك بالسيئات، ويكلمك بلسانه وطرفه يرقب أصحاب الغايات، إن حدث كذب، وإن لمس خلب، وإن لان هان، وإن استؤمن خان، وإن عوتب نافق، وإن استشير على ضرِّك وافق، وإن ظفر نهش، وإن قدر بطش، لا يراعي وداد، ولا يألف أحدًا من العباد، إلا لغاية نفسية، أو منفعة ذاتية، لا يستقيم على حال، ويصدق فيه قول من قال:

أعلِّمه الرماية كل يوم
ولما اشتد ساعده رماني
وكم علَّمته نظم القوافي
فلما قال قافية هجاني

وهذا يا مولاي من يتصف بضد أوصافك الحسان، ويكون منافقًا بالقلب واللسان، ومن الناس من يقابل الإحسان بالإحسان، ويكون صادقًا إلى آخر الزمان، إن أطعمته سقاك، وإن واسيته ودك ورعاك، وهذا أيها الحليم الفاخر، في هذا الزمان قليل ونادر، وعلى كلٍّ أيها الكامل، يجب على كل نبيه عاقل، ينفي صحبة الأنذال، ويتمسك بصحبة آل الكمال، ولله درُّ من قال: «وأنذر، وطوبا لمن سمع وتفكر.»

إذا كنت في قومٍ فصاحب خيارهم
ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي

ما انتهى غادر من حديثه حتى قال حليم: آه يا أخي غادر، هذا وصاف ناصر، ما كنت أجد عنه انفصال ولا خلاص، نصائحه الثقال، كلما أردت أن أصطحب مع إنسان، يهمز عليَّ كأنه شيطان، ويرغِّبني في العزلة والانفراد، وأن أهجر جميع العباد، حتى إنه نصحني عن صحبتك مرار، وقال إنك من الأشقياء الأشرار، ولكني تركته إلى حيث لا يعود، لما تيقَّنت أنه كنود جحود.

فقال غادرا متأففًا:

إلى كم يداري المرء حاسد نعمة
إذا كان لا يرضيه إلا زوالها

كم أسدي ذلك الخير، وأخدمه خدمة العبد للأمير، وهو يود لي الهلاك، والوقوع في الأشراك، وعند الاجتماع يُظهر لي الوداد والمحبة دون جميع العباد، فأعوذ بالله من صحبة ذي الوجهين، المتكلم كخائض المداد بلسانين:

قل للذي لست أدري من تلوُّنه
أصادقٌ أم على غشٍّ يناديني
تغتابني أقوام وتمدحني
في آخرين وكلٌّ عنك يأتيني

وأنا لا ألوم ناصر على بغضي، ولا أتكدَّر من دخوله في عرضه؛ لأنه توشح بما فيه، وطرده جزاء يكفه.

سأُلزم نفسي الصفح عن كل مجرم
وإن عظُمت منه عليَّ الجرائم

فأجابه حليم: بارك الله فيك يا غادر، وحماك الله من كيد كل ماكر فاجر.

– قد حماني، وله المنة والفضل، وألبسني حلة الكمال والعقل.

يعد رفيع القوم من كان عاقلًا
وإن لم يكن في قومه بحسيب
إن حل أرضًا عاش فيها بعقله
وما عاقل في بلدة بغريب

والعاقل يا مولاي لا يكون إلا بصير، وبعواقب الأمور خبير، لا يغضبه القادح، ولا يسره المادح، تراه ثابتًا في النوازل، معدودًا في البواسل، لا يتسبب في نقمة، ولا يحسد على نعمة، ولا ينظر إلى عورة، ولا يسعى إلى مضرة، ولا يُعجب بنفسه، ولا يتكبر على أبناء جنسه، ولا ينم ولا يستغيب، ولا يكون إلا في جميع الأقوال مصيب، وما ذلك إلا بفراسته ونبالته، وكمال عقله أو سياسته.

إذا أكمل الرحمن للمرء عقله
فقد كملت أخلاقه ومآربه

فقال حليم: مثلك يا غادر من يكون في جميع الأحوال والشئون، فلله درُّك من عاقل أديب، جمع الله فيك كل وصف عجيب.

فأحنى رأسه أمامه وقال: ما أنا يا مولاي إلا عبد إحسانك، وغريق حسب بنانك؛ فلولا وجودك ما ذُكرت بلسان ولا ميَّزت الإساءة من الإحسان، وحيث إن الله كفاني كيد ناصر، وأبعده عني نادمًا خاسر، فأرغب ألَّا يضيع الوقت بذكره؛ فقد لقي عاقبة مكره.

فقال حليم: ماذا تريد يا أخي أن تفعل؟

– أرغب يا مولاي أن نرجع إلى المقصد الأول، وهو صيد الطيور، ولنحل على كمال النشأة والسرور.

– قد صدقت أيها الفاخر، ولكن لا أرى في هذا المكان ولا طائر.

– الطيور يا سيدي ما لها محل مخصوص، وأحوال الصيادين دائمًا كاللصوص، ينتقلون من مكان إلى مكان، يتفقَّدون الطيور والغزلان. والصياد لحصول المراد، لا ينفك عن الانفراد، فإذا شئت فلنفترق إلى جهتين، كي لا نرجع بخُفَّي حُنَيْن.

– رأيك يا أخي غادر.

– سرْ بحراسة القادر.

ولما افترقا عن بعضهما، نطق لسانه بما في ضميره قائلًا: بحراسة الشيطان الرجيم، أيها النذل الذميم، إلى كم أتملَّقه بالكلام، وما كنت أحصل على المرام، فلا بدَّ عن قتله في هذا النهار، ولو أُلقيت بعدها في النار، وأقول لوالده الثقيل، قد افترسه أسد أو فيل، وبهذا العذر أخلص من العنى، وأبلغ القصد والمنى، وهذا طائر طائر، إليَّ سائر.

هنا يتصور القارئ حالة من عقد النية على فعل الجناية، لا شك أن يكون كمجنون لا يعي ما يفعل، وغادر لما رأى الطائر، وصياد آخر، ظنه حليمًا المقصود بالذات، فانتهز الفرصة وأراد قتله قائلًا: ما هذا؟ آه يا خئون! أجابه ذلك الصياد: حبيب نجل الملك قسطنطين، مهلًا أيها المصون، تخلَّق بأخلاق الكرام. أجابه غادر: آه، يابن اللئام، قد غشي ظلام الحقد على عيوني، والغضب قد أثار سرار جفوني، وسأنتهز الفرصة بقتل هذا البغيض، وسحق لحمه وعظمه العريض.

فشتمه حبيب قائلًا: أخسأ يا غدار، وإلا أسقيك الدمار.

– أنت تذيقني الدمار؟! آه، يابن الأشرار الأدبار، إلى شرب الحِمام بهذا السيف يا نسل اللئام، خسئت وخيبت يا نسل زميم.

– لك الخسران من بطل همام.

– فخذها واذهبن للقبر حالًا.

– اسكت وذق طعم المنية من حسامي.

– جنودي أدركوني، قُتِلت ظلمًا.

– ألا فاسكت، ومت قهرًا أمامي.

لكن من قتلت الآن، ويلي
أنا في يقظة أو في منام
وهل هذا حليم لا وربي
هذي رمية من غير رامي
فقم يا نور عيني يا حبيبي
ولكن لا حياة لمن أنادي
إلهي من أرى قد جاء جندي
وقد ألفيت في عور الضرام

ولما وصل الجندي، ورأى سيده مدرجًا بالدماء، وغادرًا ملتبسًا بالجناية، قال بحماس:

ألا يا من قتلت ابنًا فريدًا
لسلطان العلا ملك الأنام
هلم معي إليه كي تُجازى
على ذا الفعل … …

فأجابه غادر مكمِّلًا لشعره:

… … عد يابن الحرام
وإلا أذقتك من كفيَّ سيفًا
يقدُّ لحدِّه حمام الحمام

فقال الجندي في نفسه: يلزم أن أذهب بلا قيل وقال، وأُحضر بقية الجند في الحال.

وبقي غادر يندب سوء تسرعه قائلًا: ويلاه! في أي هاوية سقطت، وفي أبي بلية وقعت! ما هذا الضلال المبين! وكيف قتلت ابن الملك قسطنطين! من نصيري! من مجيري! الآن تأتي الجنود، وأُسحب مكبَّلًا بالقيود.

قال هذا، وإذا بحليم آتٍ، فارتمى غادر على قدميه وقال: آه يا مولاي حليم، خلِّصني من هذا الأمر الذميم.

– ماذا صار؟ أشغلت مني الأفكار.

– انظر يا مولاي إلى هذا القتيل.

– آه، هذا الأمير نجل الملك قسطنطين، ومن قتله من البشر؟

– أنا يا مولاي المفتخر، قد قتلته على غير عمد، ورآني أحد الجند، وذهب ليُحضر العسكر ليأخذني عند الملك محقَّر، فكيف العمل؟ قد فرغ مني الأجل.

– هذه الداهية الدهماء والبلية العظمى.

– أرجوك يا مولاي أن تُخفي معك هذا الخنجر قبل أن تحضر العسكر، فعسى أنجوا من الأتراح، إذا رأوني خاليًا من السلاح؛ فقد عزمت على الإنكار؛ لأخلص من الدمار، خذه يا مولاي بالعجل، آه، مت من الوجل.

– شفقة الوداد يا غادر، تلجئني أن أخاطر مع جرمك عظيم.

– الصنيعة يا مولاي حليم.

– أنا آخذه وأخفيه، وأساعدك على ما تبتغيه، بشرط تتوب من جميع الذنوب.

– أتوب يا سيدي أتوب، خلِّصني الآن من الخطوب.

فلما أخذه حليم وخبأه معه قال غادر: الله يحفظ ويبقيك، ومن كل بلاء ينجيك.

أما حليم فاغرورقت عيناه بالدموع، ولسان حاله يقول: أسفًا على طلعتك أيها الحبيب، وقوامك القويم الرطيب، قد غار كوكب مجدك، فكيف حالنا من بعدك؟ سيدي الحبيب، آه، أعياني النحيب.

قُتلت أيا حبيب القلب ظلمًا
وأدرك ذاتك العليا الحِمام
لفقدك كل ذي روح ينادي
على الدنيا وما فيها السلام

إلهي امنح الملك صبرًا على هذه المصيبة العظيمة.

فقال غادر: آواه، وا سيداه، ما هذه الليلة الأليمة!

– غادر، ها قلبه يختلج، انظر، فعسى نشفيه.

فقال: أمرك يا سيدي.

وأخذ حليم يجس في نبضه، وغادر يقول همسًا: وعسى أتبعك فيه.

وما خرجت هذه الألفاظ من بين شفتيه، إلا وقد أقبل الجندي صحبة شرذمة من الجنود قائلًا: هذا هو القاتل اللئيم.

فقال غادر: أغثني يا مولاي حليم.

فقال الجندي: أمسكوه أيها الجنود.

ولما هم الجند بالقبض على غادر، تعرَّض لهم حليم وقال: اتركوه أيها اللئام، فما فعل من الآثار؟

فأجابه الجندي: وهل إثم أعظم من هذا أيها اللبيب؟! الذي قتل مولانا حبيب.

فقاطعه الكلام غادر وقال: أنا؟! أنا؟! ما هذه التهمة؟! أنا؟! أنا؟! ما هذه النقمة؟! أنا التقي، أنا الذاكر، أنا الشاكر، أنا الصائم، أنا القائم!

فقال الجندي: صه يا رجال، اقبضوا عليه أيها الرجال.

ولما قبض الجنود عليه قال: أظهر براءتي أيها المتعال.

فنهره الجندي قائلًا: آه يا قبيح الفعال، قتلت الأمير حبيب بكل جراءة، وتطلب من الله البراءة، اسحبوه أيها الجنود، ليسكن اللحود.

وعندما يئس غادر من نجاته، أظهر ما أكنَّه في ضميره من الغدر وقال: دعوني دعوني يا أخيار، لا أحكي لكم ما صار.

فأجابه الجندي: تكلم يابن الفجار.

فقال غادر: اعلموا أيها الأبرار، أني دخلت هذا المكان لأصطاد بعض طيور أو غزلان، فرأيت حليم بيده خنجر، ومولاي حبيب بدمه معفَّر، فسألته عن القاتل، فقال هو الفاعل، وهذا ما سمعته يا كرام، من فمه والسلام.

فاندهش حليم من هذه التهمة وقال: غادر، ما هذا البهتان؟! اسكت أيها الخوَّان، أما أنت القاتل يا كنود، فتِّشوه أيها الجنود، وحياتكم ما عندي خبر.

– أظهر يا غائل الخنجر الذي قتلت به الحبيب الوحيد والأمير الفريد.

فلما فتشه الجند وجدوا معه الخنجر، فأخذ غادر يقول: ها حصحص الحق، واتضح الصدق، آه يا خئون.

فقال حليم: غادر، ما هذا الجنون؟!

فأجابه: ذق يا خائن الدمار جزاءً لك يا غدار.

– إني بريء ورب السموات، فارحموني أيها السادات.

– أهذا جزائي يا غادر؟

– اسكت يا فاجر، أمطري أيتها السموات نارًا محرقة، وارشقي بألف صاعقة، الذي اغتال فرقة مسرور، آه، أغثني يا غيور.

بينما كان الجند يكبِّلون حليم بالقيود حضر والده، ولما رآه على هذه الصورة قال إلى الجندي: خلِّي عن ولدي أيها الغادر.

فقال حليم: آه يا أبي، قد بهتني هذا الفاجر، بقتل الأمير حبيب، وهو الذي قتله بحق القريب المجيب.

فتبرأ غادر قائلًا: أنا؟! أنا؟! مع من وُجِد الخنجر؟

فقال الجند: مع حليم.

وبعد ذلك أخذ غادر يقول: المحسوس لا يُنكر، فعل ما فعل، وقال إنه ما قتل.

– ويلك يا ظالم.

– شلت يداك يا أثيم.

– ما هذا الجحود؟ اسحبوه أيها الجنود.

فلما أقبل الجنود لسحبه قال حليم:

غادر الأمان
يا أبي أغثني
خان ذا المهان
الوزير :
اتركوا الحبيب
قبل أن تحولوا
من هذا المكان
الجند :
أيها الوزير
تركه بعيد
ليس في الإمكان
حليم :
أيها الجنود
إنني تقي
طاهر الجنان
الجند :
كتفوه واسحبوه
أيها القوم الكرام
واصلبوه واجعلوه
عبرة بين الأنام
الوزير :
انظروا نقض العهود
من لئيم ذي نفاق
وشهدوا فعل الكنود
باتِّعاظ يا رفاق
الجند :
هيا للويل الوبيل
يا خئون والدمار
حليم :
يا أخي اذكر جميلي
غادر :
اسمعوا هذا القشار
حليم :
بان غلبي زاد كربي
وبرى جسمي الوبل
فسيجزي الله ربي
فاعلًا ما قد فعل

الفصل الثالث

فأصبح حليم مكبَّلًا بالقيود والأغلال، وهو داخل السجن من الظلام، وذلك لعدم سماعه نصيحة معلمه الشيخ ناصر، وأما الملك قسطنطين فصار يبكي على نجله الوحيد ويرثيه:

يبلى الحبيب وحزنه يتجدد
فكأنه في كل يوم يُفقد
إن كان قد أمسى بعيدًا نازحًا
عني فإن سلوَّ قلبي أبعد
هم يذكرون من الحبيب فضيلة
وأنا أعدُّ النجم حين أعدو
تلك السجايا البيض عند محبها
مما يليق به اللباس الأسود
ويحي متى أنسى الذي طرد الكرى
وخياله عن مقلتي لا يُطرد
ناديته فأجاب سائل أدمعي
والدمع أدرى بالجواب وأجود
يا راحلًا رحل اصطباري بعده
هل بيننا يوم القيامة موعد
إن كنت لا تسمع نُواحي في الحما
فعلى ضريحك ألف دمع يشهد
آه إن الزمان علينا جار
وبدَّل صفونا بأكدار
قد غبت يا ولدي والقلب منذعر
ودمع عيني غدا كما السحب ينهمر
فارقتنا يا حبيب القلب يا سندي
من بعد بُعدك طال الحزن والكدر
قد صار للصيد فاصطيد الحبيب فلا
يطيب لي بعدها ورد ولا مدر

قال هذا والتفت إلى الجندي قائلًا: وكيف تجاسر حليم على ما فعل؟

فأجابه الجندي: حليم يا مولاي يدعي أنه ما قتل، مع أن غادر شاهد على إقراره، وخنجره هذا برهان على إقراره.

– وأين هو الآن موجود؟

– هو في السجن مكبَّلًا بالقيود.

– عليَّ به الآن لأذيقه الموت ألوان.

فذهب الجندي ليحضر حليم حسب أمر مولاه، أما المليك استمر في البكاء على ابنه قائلًا:

أفكِّر في عصر مضى لك مشرقًا
فيرجع ضوء الشمس عندي مظلما
لئن عظمت فيك الرزية إننا
وجدناك منها في البرية أعظما
بكاك الهوى والريح شقت جيوبها
عليك وناح الرعد باسمك معلما
ومزق ثوب البرق واكتسب الضحى
حدادًا وقامت أنجم الجو مأتما

آه يا ولدي الحبيب، قُصف غصن قدك الرطيب، وغار نجم محيَّاك، خسرًا لقاتلك الأفاك، شُلَّت يداه من غائل خئون، كلم بفعله القلوب وقرح العيون.

عجل الحتوف عليه قبل أوانه
فغطاه قبل مظنة الأبرار
وكأن قلبي قبره وكأنه
في طيه سرٌّ من الأسرار
أبكيه ثم أقول معتذرًا له
وفقت حين رحلت عن ذي الدار
جاورت أعدائي وجاور ربه
شتان بين جواره وجواري

أواه وا ولداه، وإن كان البكاء مخلًّا بمقام الملوك، فأنا عشت لأسلك هذا السلوك، وأخرق هذه العادة البربرية، وأسلم نفسي للجبلَّة الطبيعية، وأبكي وأنوح، في كل غبوق وصبوح؛ حزنًا على الحبيب وجماله العجيب.

أبطأ الجند فضاعت فكَري
من مصاب كاد يمحوا أثري
ها أنا أذهب كي أقتله
لا يحك الجسم غير الظفر

قال هذا وخرج مسرعًا من السلاملك، وإذ بالجنود آتين قائلين:

جئنا بالنذل الذميم
الخئون المفتري
اللئيم ابن اللئيم
الكنود المجتري
ابن ذوا المجد الفطيم
المليك الأنور
ليرى ذل حليم
… … … …
حليم … …
ارحموني إني بري
وزير :
اتركوا روح حياتي
الجند :
ارتجع هذا محال
حليم :
آه من لي بالممات
جندي :
ستراه بك حال
حليم :
حسناتي سيئاتي
أصبحت ماذا الضلال؟
فمتى السلطان يأتي
طال هذا الأمر طال
حليم :
مكنوني من وداع
والدي العاني الكليم
الجند :
لك من غير امتناع
هذا ودع يا رجيم
حليم :
أدمعي ذات انهماع
يا أبي الله كريم
قادر قبل ضياعي
على إظهار الغريم

بعدما تم حليم نظامه، أغرورقت عينا أبيه وقال: أواه قد كُسِر ظهري، وحِرت في أمري.

فالتفت إليه حليم قائلًا: والدي، بلِّغ والدتي مني السلام، وقل لها إني بريء من الآثام، والله شهيد وعليم.

– أسفي عليك يا ولدي حليم، أسف والد طال عزاه، وكثر من نوائب الزمان حزنه وبلاه.

– آه، قد أتت ساعة المنون.

فقاطعهما في الكلام غادر وقال: إلى متى هذا الجنون؟! وعلى من هذا الندب والعويل؟

فقال حليم: ترفَّق أيها الجليل.

– بمن أترفَّق يا شقي.

– بأخيك التقي النقي.

– كنت أخي قبل قتل الأمير حبيب، وأما الآن والقريب المجيب، لا أعترف بك يا خوَّان، ولا أذكرك بعدها بلسان.

– أهذا جزاء الإحسان؟! أسكت يا مهان، وذق ثمرة غرسك في مضيق رمسك.

إذا رأيت غراب البين في شرَك
يصيح من مدية الصياد في قلق
فاحذر تخلِّصه من ضيق غمته
واذبح وكل وزد الأفراح في عتق

فرد عليه الوزير: آه يا قليل الوفا يا زنديق!

– دعه يا والدي الشفيق، دعه يفعل ما أراد، فأنا قيد الانقياد لما قدره الله وقضاه، وما يكون فيه رضاه، فلا يسعني سوى التسليم لما حكم به الرءوف الرحيم. غادر، أنا لا أتقرص فيك غير الصلاح، وها دمي لسيفك مباح، فأنت منه في حِلٍّ، ولك المنة والفضل، وأُشهدك يا من تنزَّه عن الفحشاء، ويا من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء أني أبرأت غادر مما نسبه إليَّ، وما ألقاه من البهتان لديَّ، بحياتي عليك يا ولدي لا تجرحه من بعد موتي من يديك، واجعله كولدك العزيز الوحيد، ولا تعامله إلا بما يشتهي ويريد، وأنت يا أخي غادر، تذكَّر عهدنا الطاهر، ولا تنساني من مفاتحة، والأدعية الصالحة؛ لأنك الشقيق الشفيق، والصديق الرفيق. وأنت يا أبي وحاسم كربي، لا تنساني عن الدعاء، في كل صباح ومساء، وبلِّغ والدتي مني السلام، واطلب لي رعاها على الدوام، لتؤانسني في وحشتي، وتنعشني في وحدتي، فأني قد قربت أفقد المحيا، وأُمسي في الرمس نسيًا منسيًّا.

– كفى يا ولدي؛ فقد تمزَّقت أحشائي، وازداد حزني وعظُم بلائي، وها أمك آتية، ودموعها جارية.

هنا يتصور القارئ الدهشة التي اعترت أم حليم حينما أتت ورأته واقفًا تحت سيف السياف، بالحقيقة غشي عليها بعد أن صرخت من صميم فؤادها قائلةً: آه يا ولدي، ما هذه القيود؟

فرفع زوجها يده إلى السماء وقال: أغثنا يا ودود. هزار، ودِّعي ولدك الوحيد، آه عذابي شديد.

ألا يا دهر بالأحزان جُرْت
ألا يا دهر كم قلب كسرت
كأنك قد خُلِقت بلا عيون
وزير : يا رباه، ما هذي البليَّة!
حليم : أيا أبتاه، قد دنت المنية.
وزير : أيا رباه، ما هذي الرزية!
حليم : أيا أبتاه، في الخلد العلية.

قال حليم ذلك، ولما نظر الملك آتيًا لزم الصمت، والملك قال له:

ألا مت أيها الباغي الأثيم
ومن بفعاله قلبي كليم
تهيَّأ للممات بحدِّ سيفي
لسفك دماك جرديا يا ذميم

فجاوبه حليم برقيق ألفاظه:

أيا ملك الورى عدلًا فإني
بريء طاهر عاني تهيم
فعاملني بعفوك يا ملاذي
فأنت السمح والبر الرحيم

فقال له الملك: كيف أرحمك يا أشقى البرية، وقد أذقت ولدي المنية؟ وكيف سمح لك قلبك القاسي بذلك؟ وهل ظننت بعد قتله النجاة من المهالك؟ فكن مستعدًّا يابن اللئام، لشرب كاس الحمام.

– مولاي، أقسم بخالق الأنام، أني بريء من الآثام، وما نظرت ولدك إلا قتيلًا، وبدمه معفر، وغادر عنده وبيده الخنجر، فسألته من القاتل، فقال إنه هو الفاعل.

فقاطعه الكلام غادر وقال: وسكت يا منافق؛ فإنه وحياة رأسك غير صادق، مع من وُجِد الخنجر يا كنود؟ أتظن أني مثلك يا جحود، أقتل وحيد المملكة، وألقي نفسي في التهلكة؟! أسفي عليك يا مولاي حبيب.

فهيج الملك من قول غادر، وهمَّ بقتله وقال: قاتلك الله أيها الكئيب، احلم يا مولاي، وامهل عليَّ، وأعلم أني ما ارتكبت غير ذنب واحد، والله عليم وشاهد؛ وهو أني أخذت منه الخنجر لأنجيه من فعله المنكر، وقصدت كتم الأمر، وما فعل من الوِزر، فجازاني بالبهتان، والوقوع في الخسران، فإن كنت بهذا الفعل أستحق القتل، فأنا أشرب المنون بكل ارتياح، وإن كنت أستحق العفو فتكون عاملتني بما أنت أهله من الصفح والسماح.

فخاف عندئذٍ غادر من أن حليم يستميل الملك بفصاحة لسانه، فيقع تحت العقاب، فقال الملك: ما هذا الكلام الذي ما تحته طايل؟! أسمعت أن أحدًا يأخذ خنجرًا من رجل قاتل ليخلِّصه ويُري نفسه، ويسكن بعدها رمسه.

– لا تسمع يا مولاي لكلام هذا المخاتل؛ لأنه وحق رأسك هو القاتل، وتشهد عليه هذه العساكر، أنه وُجِد معه الخنجر.

فسأل الملك الجندي: أصحيح هذا الكلام؟

فأجابه الجندي: أي وحق رأسك يا ملك الأنام، إنا وجدنا الخنجر مع حليم.

– عبدك صادق يا مولاي الكريم، لا أشهد الزور، ولا أتكلم بالفجور، وحيث اتضح الحال، وامتاز الصدق من المحال، فاقتل هذا الشرير، وأذقه من عذاب السعير.

مطِّري يا سحب جمرًا وضرام
واحرقي هذا اللئيم ابن الحرام
جاحد الإحسان من أفعاله
سيئات وظلام في ظلام
فهيا للردى يا مجرمًا
ثم ذق من محب سامجات الحمام

فقال حليم: الأمان يا مولاي الأمان.

وتقدمت هزار أم حليم إلى الملك وقالت: ارحمه يا ملك الزمان، وارحم أدمعي الجارية ومهجتي الفانية.

– أبعدي يا مجرمة، إلهي، ما هذه البلية المؤلمة!

فتقدم الملك نحو حليم وقال: آه يا معدن السيئات!

– ارحمني يا بديع السموات.

فبعد أن تضرع حليم إلى الله، وقال الوزير إلى الملك: ترفَّق أيها الملك الكريم، واحلم إن مولانا حليم.

– على من أسلم يا فاجر، أعلى ولدك الغادر؟! فخذها من يدي يا كنود.

فقال الوزير: خفِّض عليك يا ملك الزمان، أما عندك خدم وأعوان، فأمر بقتله بين يديك، ولا أبخل بعدها بروحي عليك؛ لأني بعد فراق الأمير حبيب وقتل ولدي النجيب إذا وثقت بالدنيا وركنت إلى ما فيها من الأشياء أكون كمن جعل له السحاب حصنًا، ومن الزوابع ركنًا، ومن تأمل فيها بعين التبصر، وتفكَّر في تقلباتها بالعقل والتدبر، عد إقبالها إدبارًا، ونسيمها إعصارًا، وعطاءها أخذًا، وعهدها نبذًا، ووهبها نهبًا، وإيجابها سلبًا، وكثرتها قلة، وعزها ذلة، ضحكها نياحة، وطلاقها راحة، لا يدوم بها حزن ولا سرور، ولا فرح ولا حبور، ولا عزيز ولا مهان، ولا وزير ولا سلطان، بل كل ما سوى الله فانٍ، ولا يبقى إلا الواحد الديان.

تأمَّل بما فوق التراب فإنه
تراب ولا يبقى سوى الواحد الأحد
هو المبدئ المغني المعين وما له
يرشك فجعل الواحد الماجد الصمد

فأطرق الملك رأسه إلى الأرض وقال: حكمة وصواب في لسان خلاب، قد عفوت عنك يا إسكندر بهذه العبارة، وخلعتك من الوزارة، لكن ولدك لا بد من قتله، جزاءً له على سوء فعله. اقتله يا منتقم بعد ذهابي، وائتني بدمه لأُذهب ما بي، اتبعني يا غادر.

– أمرك أيها الفاخر.

لما خرج الملك قال السياف إلى حليم: اركع أمامي أيها الأثيم.

فبكت هزار قائلةً: آه يا ولدي حليم.

– ارحمني أيها الجلاد.

وتقدم أبوه قائلًا: اتركوه يا أغاد.

فقال له السياف: امضي يا مغضوب السلطان.

فقالت أم حليم: عامله يا سيدي بالإحسان.

فصرخ حليم من صميم فؤاده: أغثني يا جبار.

فأجابه السياف: آه، يابن الفجار: ركِّعوه أيها الجنود.

– ارحمني يا معبود.

قال هذا حليم وأمه هاجت في وسط العسكر، وقالت: ابعدوا عنه يا أشرار، اتركوه يا فجار، أغثه يا جابر المنكسرين، وأمان الخائفين، ورجاء السائلين، وغياث المستغيثين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

ما تمت أم حليم كلامها إلا وكان الوزير أسرع من البرق في إعطاء الرشوة إلى السياف، فأخذه وقال: ما دمت أنت وأمك في هذا المكان لا نقدر على تنفيذ أمر مولانا السلطان، فاتركوه الآن أيها الجنود لنستريح من عناد هذا الكنود، وكلٌّ منكم يذهب إلى محله، وأنا أنفرض بعدها بقتله، وأقتل أباه بهذا الحسام إن عارضني بعد ذلك، والسلام.

فأنشد حليم من صميم فؤاده قائلًا:

ودِّعوني إخواني
هذا أمر سلطاني
هذا حكم رباني
ذا جزاء إحساني

الفصل الرابع

علم القارئ اللبيب بأن الوزير أعطى السياف رشوة، فقبل وادعى أنه قتله أمام أم حليم، فأخذت تبكي على قبر ولدها زورًا وبهتانًا، لتوري الناس أن ابنها قُتِل ودُفِن قائلةً:

هي الدنيا تقول بملء فيها
حذارِ حذارِ من بطشي وفتكي
فلا يغرركمو مني ابتسام
فقولي مضحك والفعل مبكي

آه، أسفي عليك يا ولدي حليم، إن فؤادي على فراقك كليم، ودمعي لأجلك سجيم، وحزني عليك أليم، وبلائي جسيم، آه، صبِّرني يا كريم، وارحمه يا رحيم.

قالت هذا وإذ بأحد الجنود يقول لها: تواري يا مولاتي من المكان؛ فالملك آتٍ إلى هنا الآن؛ حيث إنه انتبه من رقاده وهو في كرب عظيم، وسأل عن القبر الذي دُفِن فيه حليم.

– ماذا يريد الملك، أما جعله في رسمه رميم؟

– لا أدري يا مولاتي ما يريد؟

– أواه، يا ولدي الشهيد!

– تواري يا مولاتي بالعجل؛ فها هو قد أقبل.

فتوارت أم حليم بعيدًا عن القبر، وإذا بالملك آتٍ إلى القبر يقول:

دهر خئون قد زلزل الأوطانا
فبغدره وبمكره قد خانا
وا لوعتي سلب المنوم أحبتي
وأنار في قلبي الشجي نيرانًا
مصائب لو أنها صُبَّت على
رضوى لدكت أرضها الصوان

ما هذا الخطب المذهل؟ ومن هذا الرجل المقبل؟ الذي جاءني في الحلم، وأنذرني عاقبة الظلم، وهددني بحربة تتلظى، وأفعمني نصيحة ووعظًا، ما هذه الرؤية الهائلة؟ وما هذه المصيبة القائلة؟ من يوضح لي الحق، ويخبرني بالصدق؟ آه، ومصيبتاه، مهلًا مهلًا، مهلًا أيها الحليم، عذرًا أيها الكريم، والله ما قتلك إلا غادر، ولا أغرا إلا ذلك الغادر، آه يا ربي أظهر لي الحق يا حق، وألهمني الصدق، فلقد اشتعلت بجسمي النيران، أغثني يا رحمان:

الرشد ضاع من المصاب المؤلم
والعقل أمسى في خيال مظلم
هذا حليم أتى لنحوي صارخًا
يا ظالمًا هذا دمي هذا دمي
حقًّا أرى دمًا أمامي جاريًا
ويحيى وهذا زفيرا نار جهنم
أحليم سامحني فلست بظالم
لا لا، ولست بقاتل أو محرم

فلما رأى المنتقم مليكه في هذه الحالة كان محضرًا دمًا مكذِّبًا، وقال له: أبشر؛ فهذا دم حليم سيدي.

– ابعد، فحرُّ النار أحرق أعظمي.

فأجابه منتقم: لا بأس عليك يا ملك الرقاب، فما هذا الاضطراب؟

– هذا الاضطراب يا منتقم سببه أني رأيت رؤية مريعة، أوقعتني في بلية شنيعة، وهو أني رأيت رجلًا طويل القامة، وفي يده حربة نارية كالهامة، فهجم على حربته، فكدت أن أذوب من هجمته، وقال: إنك ظلمت من حكمت عليه بالقتل، وسلكت مسلك العدل، فقم واملأها قسطاطًا وعدلًا، كما أفعلتها جورًا وظلمًا. وقل لي أيها الجلال، وأنا تائه عن الصواب:

لا تظلمنَّ إذا ما كنت مقتدرًا
فالظلم مصدره يفضي إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه
يدعو عليك وعين الله لم تنم

قال هذا يا منتقم وغاب، وأنا غائب عن الصواب، وبعد هذا رأيت حليمًا مُلطَّخًا بدم البراءة، وكلمني بكل جسارة وجراءة، أسمعت بهتان غادر المهان؟ وقتلتني ظلمًا وعدوان؟ مع أنه هو القاتل، والخائن الخاتل، وفضل يؤنبني تأنيب الحق، وأنا بين يديه كالعبد الرق، وكان آخر كلامه، بعد تأنيبه وملامه:

ستلقى يا ظلوم إذا التقينا
غدًا عند الإله من الظلوم
أما والله إن الظلم شؤم
وما زال الظلوم هو الملوم
إلى ديَّان يوم الدين نمضي
وعند الله تجتمع الخصوم

قال هذا يا منتقم وغاب عن عيني، وأنا غائب عن الصواب، فانتبهت وأنا أكابد لوعتي وأنيني، فهذا هو سبب الاضطراب، فاصنع ما ذهب به ما بي، وافعل طريقة واستوضح الحقيقة.

– هذا يا مولاي أمر ليس بعسير؛ حيث إنه غادر شرير، فأنا أخل عليه بأسلوب عجيب، وأظهر له بغض حليم وحبيب، وأكثر له القدح والملق، فعسا يتكلم بالصدق.

– آه يا منتقم، لو أقر ذلك الأفاك؛ لأنيلك وحياة رأسي مشتهاك، لا تفتكر يا مولاي، فأنا أبذل كل جهدي، وها هو قد أقبل فاختفِ لألقاه وحدي.

فابتعد الملك عن عين غادر حينما جاء يترنَّم بالألفاظ:

مات الشقاء والكدر
وزال عنَّا الضر
وشخص من أبغضه
اليوم أمسى في سقر
حليم يا أشقى البشر
بموتك الأنس اشتهر
ونال غادر الوطر
لما علاك الأبتر
كذاك أنت يا حبيب
جزاك مولاك الرقيب

فرد عليه المنتقم:

أهلًا وسهلًا بالحبيب
المنعم السمح الشفيق

آه يا حبيب القلوب، ومفرج الكروب، طب نفسًا يا أخي غادر، لقد هلك عدوك الفاجر، وهذا دمه اشرب منه بكل سرور، وأسقيك الباقي لتحصل على الحبور، فأخذ غادر جرعة من دم حليم وقال: آه.

من عاش بعد عدوه
يومًا فقد بلغ المنى

لا رحم الله ثراك يا رجيم، ولا زلت في حضيض الجحيم، الآن تم ارتياحي وتكاملت أفراحي، يا قرة العيون، ومذهب الشجون، حقًّا خلصتني من عدو مهان، وسيرتني أسير إحساناتك مدى الزمان، بل أنا غارق إحسانك وكرمك؛ لأنك قتلت عدوي حبيب اللئيم، وأنا قتلت عدوك حليم الذميم، فكلانا على أخيه منعم، ولكن فضلك هو الأعظم؛ لأني كلما تذكرت ذلك الظلوم يتلظى فؤادي المكلوم، فلا رحم الله روحك يا حبيب، ولا بل ثراك وابل يا كئيب، آه، ثم آه، أما كنت تراه يا أخي غادر حينما كان يحتقرني ذلك الفاجر، دعني بالله عليك أن أقبِّل قدميك.

– لا تفعل، بالله يا أخي لا تفعل، حفظك الله أيها البطل.

– اذكر لي أيها المُصان، كيف كان هلاك ذلك المُهان؟ وكيف ضربته بالخنجر وأذهبت روحه إلى سقر، لينتعش فؤادي وأتحصَّل على مرادي.

– قد ضربته يا أخي بالخنجر في نحره، واتَّهمت بقتله فلحقه على إثره، وصفا لي الوقت بغير رقيب، كما صفا لك بقتل حبيب، ولا بدَّ ما أحتال على قتل أبيه الوزير، وبعدها أمرح في ماله الكثير.

نلت المنى ورقيت هام الهمم
لما قتلت حبيبًا يا أخا الكرم
وقد تهمت حليمًا بعد قلته
فحل من سيفك الفتاك في عدم
بشراي … … …

فصرح الملك قائلًا:

… بشراك يا نسل اللئام بما
يرميك في شر الأهوال والندم

غادر:

ويحي فقد حان حَيني جئت معترفًا
كيف الخلاص إذًا وإزالة القدم

فقال له الملك: آه يا لئيم، اقبضوا على هذا الشيطان الرجيم.

– ويلاه! لقد ذل اللسان ووقعت في الخسران.

– خسرًا لك أيها الشيطان، كيف احتميت في حمى النفاق وتسترت في حجاب الفساد، وألبست عليَّ الأمر وأوقعتني بعدها في الوزر، بعدما قتلت ولدي وأحرقت عليه كبدي؟

– ارحمني يا ملك الزمان.

– كيف أرحمك يا مُهان؟ بعد قتل الحبيب وحليم، اسحبوا هذا المجرم الأثيم، وكبِّلوه بالقيود والأغلال؛ فقد وقع في النكال.

فكتَّف العساكر غادر وأخذوه إلى السجن أمر مولاهم، وبقى الملك في دهشة عظيمة، ولكنه تجلَّد وقال: قد ظهر الحق يا منتقم، ولكن آه، قلبي يضرم، أواه، ما هذه النيران؟ ماذا أرى؟ ما هذا المكان؟

– سلامتك يا ملك الزمان!

– دعني يا منتقم، دعني في هذا الحال، وا مصيبتاه، لست بقتال، حليم، حليم، أنا ما قتلتك يا بني، ما هذا الضلال والغي! سامحني أيها البري، أواه قد ضاعت فكري، تمتع يا حليم بالنعيم، وأنا في العذاب الأليم، انظر يا منتقم خيال حليم، ارحمني يا رحيم، يا رب ما هذه الأحوال؟ ارجع أيها الخيال، واعفوا عني وسامحني، قاتلك غادر، نجني يا قادر، ما هذا الهاجم؟ إني لست بظالم، ما هذا السيف الملول؟ هذه درجة الذهول.

– مولاي، ما هذا الجوع؟

– آه يا منتقم، فؤادي انصدع من الذنب الذي ارتكبته بقتل حليم بقبري، وها خياله مقبل ليمحوا أثري.

– يا سلام، دع يا مولاي هذه الأوهام، وأبشر بحياة الأمير حليم.

– منتقم، ماذا تقول؟ أصدقٌ هذا الكلام؟

– إي وحياتك يا ملك الأنام، إنه في قيد الحياة عن الكرب وعناه.

– الآن ذهبت أتراحي، وحصلت على انشراحي. وأين هو الآن أيها الأنور؟

– هو عند عبدك مع أبيه الوزير إسكندر، الذي سلبت منه نعمتك، وأنزلت عليه غضبك ونقمتك.

– نعم، حصل مني ذلك، وسأجزيك على فعالك، فاذهب وأحضرهما الآن، لنُذهب عنهما الأحزان.

ومن يضع الكرامة في لئيم
تراه أساء إلى الكرامة
وقد ذهبت صنيعته ضياعًا
وكان جزاء فاعليها الندامة

بعد أن أتم الملك نظامه جاء منتقم ومعه حليم وأبوه ينشدون هذه الأبيات:

ظهر الحق وبان
أيها المولى الكريم
وتلظَّى بالهوان
وغادر النذل الذميم

فقال الملك لوزيره: قد ظهر الحق أيها الوزير، ووقع في الشرَك غادر الختير، الحمد لله الذي ألبس ولدي ثوب البراءة، وأعاد إلى غادر عاقبة ما فعل من الغدر والجراءة، حيث اتضحت براءة ولدك بعدما أمرنا عليه بالقتل، وتأكدنا صدقك بعد أن أذقناك علقم العزل، قد صدر أمرنا بتقليدك مسند الوزارة؛ لتدوم بعواطف مكارمنا الكريمة، وأنعمت على ولدك بزواج ابنتي بديعة، لتذهب بالسرور أتعابه المريعة.

فأنشدوا جميعًا هذه الأبيات:

أشرقت شمس التهاني
في سماء الارتياح
وازدها نجم الأماني
بسرور وانشراح
دمت يا فاني الوجود
في ذرى العلياء سامي
بصفاء وسعود
في ابتداء وختام

ولما أتموا نشدهم قال الملك: أحضروا غادر الخوَّان؛ لنذيقه كأس الهوان.

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
فوضع الندا في موضع السيف في العلا
مضرٌّ كوضع السيف في موضع الندا

ما أتم الملك كلامه إلا وقد أحضر الجند غادرًا مكبَّلًا بالقيود يقول:

أتيت معترفًا بالذنب يا سندي
فاسمح فمثلك يعفوا عن الجاني
أنت الحليم الذي تُرجى مراحمه
انظر، حليم أخاك المنظر العاني
فاشفع له … …
حليم :
… يا إلهي نجه كرمًا
من كربه فاعفُ عنه …
غادر :
… … … … ذاب جسماني
دمعي جرى كالسحب …
حليم :
وا أسفي … …
غادر :
ما ذا البكاء يا أخي
عامل بإحسان
واسمح وسامح عُبيد
جاء معترفًا
مما جناه
حليم :
طمى طيار أحزاني

جرت هذه المناقشة بين حليم وغادر التي فتت أفئدة الحاضرين، فاستغرب الملك من شفقة حليم على عدوه غادر الغادر، فقال: ما ذا الحال يا حليم؟ وكيف أعفو عن هذا الأثيم، بعدما قتل ولدي المضان، وأوقعك بعدها بالزور والبهتان، أيمكن هذا أيها الوزير؟

فأجابه حليم: حلمك يا مولاي الشهير جرَّأني أن أطلب العفو عن غادر؛ ليصير مثلنا مجبور الخاطر؛ حيث أعز الناس من يعفو إذا قدر، ويصفح إذا انتصر، فعامل عبدك غادر الجاني بما قاله أبو فراش الهمزاني:

يجني الخليل جنايته
حتى يدل على عفو وإحسان
تجبو عليَّ وأحنو دائمًا أبدًا
لا شيء أحسن من جانٍ على جاني

فركع غادر على ركبتيه وقال متضرِّعًا: مولاي.

فقال له حليم: لا تقنط يا غادر من المغفرة؛ فالعفو ثمرته المعذورة.

بنيلك العفو عن قدرة
ويغفر الذنب على علمه
كان يأنف من أن يرى
ذنب امرئٍ أعظم من حلمه

فبكى غادر بكاءً مرًّا وقال: ما أذنب يا مولاي من اعتذر، ولا أساء من استغفر، فالأصاغر يهفون والأكابر يعفون.

بك أستجير من الردى
متعوِّذًا من سطو بأسك
وحياة رأسك لا أعو
د لمثلها وحياة رأسك

فأطرق الملك رأسه وقال:

فيا رب هبني منك حلمًا فإنني
أرى الحلم لم يندم عليه حليم

قد عفوت عنك يا غادر؛ كرامة لحليم، وأرجعتك لما كنت فيه من النعيم، فاحمد الواحد القهار، الذي أنقذك من الدمار:

الحمد للوهاب ذي الإكرام مُـ
ـبدي الوجود مصرِّف الأحكام
المنعم البر الرحيم ومن به
عوفيت ومن ضعفي ومن أسقامي
يا عين قرِّي قد نجوت من البلا
يا قلب طبْ قد نلت أهنا مرام
وبلغت ما أملت من ملك العلا
بشفاعة النذل المهيج ضرامي
حسدًا وبُغضًا لا أحسب صيانته
فارجع بعفوك يا مليكًا سامي
أنا قبل قتل حبيب ما كافأته
وتهمته زورًا وهذا كلامي
ليموت قتلًا ثم أمرح بعده
بالخير والإسعاد والإنعام
والآن لا أمضي الحياة بذلَّة
بل عزتي موتي وسحق عظامي
من أين للجاني الشقي سعادة
أو أين للغدار حفظ زمام
اللؤم طبعي والضلال سجيتي
والطبع تحت الروح في الأجسام
قد زال عمري بالسرور وبالعنا
وسئمت من غدر ومن إعدامي
أنا غادر أنا ماكر أنا فاجر
أنا ناكر أنا حافر أنا رامي
يا حاضرين تنبهوا وتأملوا
وتذكروا فعلي مدى الأيام
ثم افهموا أن الأثيم مصابه
كمصائبي وختامه كختامي

فقال الملك: لله در الحمد ما أعدله، بدا بصاحبه فقتله.

فثنى عليه الوزير وقال لغادر: إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، مصيرك حقًّا إلى حضيض جهنم.

فأخذ الحاضرون ينشدون.

غادر للخطأ قد تعمد فمضى للعذاب المؤبد، هكذا كل من تمرد سائر للعذاب المستديم، في لظى نور الجحيم، فاحذروا الأشرار أهل الفضل، وادعو للسلطان مولى الحمد، وفق يا رحمن يا نعم المنان، وانصر يا ديَّان مولانا السلطان، واحفظ بالإيناس مولانا العباس طاهر الأنفاس يا مولى الأنام، أمان، احفظ يا كريم، وأدِم عزَّه المستديم، فالهنا لنا ونلنا المنا، ودمنا في هنا بحسن الختام. سلام.

(تمت الرواية)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١