الفصل الأول

الواقع العربي الراهن

من المسئول؛ الخارج أم الداخل؟

تتوالى الأحداث، وتشتدُّ الأزمات، وتقع الإهانات في الوطن العربي يومًا وراء يوم. ويعلو الصراخ، وتُحرَّر المقالات عن قُوى الهيمنة الجديدة، والعالم ذي القطب الواحد، وإمبراطورية الولايات المتحدة الأمريكية، والعولمة، والسوق، والحداثة، والقوة، وثورة الاتصالات. وكلها عوامل خارجية، شمَّاعة لتعليق الأزمات والكروب والبلايا الداخلية عليها. ولما كان من الصعب تغيير العوامل الخارجية إلا على الأمد الطويل، ينتهي الأمر بقبول الأوضاع الحالية، واعتبارها قدرًا لا مفرَّ منه. ولا حل إلا الانتظار حتى تتغير الظروف الدولية، وتتبدَّل موازين القُوى العالمية، ويتم الاستسلام للضغوط الخارجية فتصبح نُظُم الحكم تابعةً للخارج. تتحالف معه كي تضمن سلامتها، وتأمن من العُدوان عليها. ومصير العراق وأفغانستان وفلسطين والصومال ماثلٌ للعيان، ومشهد تعليق الرئيس العراقي السابق من حبل المشنقة محفور في الذاكرة لعدَّة أجيال وعند رؤساء الدول.

ولا حلَّ في العاجل إلا الدفاع عن النُّظم السياسية حمايةً للأوضاع الداخلية، والحفاظ على الاستقرار السياسي حتى لا يهرب الاستثمار الخارجي، والاعتماد على أجهزة الأمن والشرطة حمايةً للأمن الداخلي، واستمرار العمل بقانون الطوارئ حمايةً للجبهة الداخلية، واعتقال مُثيري الشغب وقادة المظاهرات والاضطرابات والاتحادات، وتجديد اعتقالهم إذا ما أفرجت عنهم النيابة العامة، وتقديمهم إلى مَحاكم عسكرية لسرعة الفصل فيها، والحكم بإطالة مدة الحبس، وتحويل الاعتقال المؤقَّت لبضعة شهور إلى حبسٍ دائم لعدَّة سنوات لإطالة عمر النُّظم السياسية، وترحيل المشاكل إلى فيما بعد حتى نهاية الزمان حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وتستمر التبعية للخارج عن طريق التحالف معه، وقبول القواعد العسكرية، والدخول في حروبه، ومؤازرة عُدوانه، وتبريره بإيجاد الشرعية له. ويستمر القهر في الداخل، والفساد في الحكم، ونهب ثروات البلاد، وبيع أصولها. فالخارج مطمئنٌّ إلى تبعية النُّظم له، والداخل مغلوب على أمره، يجري وراء لقمة العيش، والمعارضة إما ضعيفةٌ نخبوية لا تستطيع تحريك الشارع، أو قوية ولكنها محظورة أو اضطرابات عمَّالية مهنية يُستجاب لها حتى لا تتحول من مطالب فئوية مثل الأرباح، إلى مطالب سياسية تُهدد نُظُم الحكم. وينتهي الأمر كله إلى الاستكانة وقبول الأمر الواقع لاستحالة البديل، طالما أن قلب السلطان ما زال ينبض بالحياة له ومن بعده، قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (البقرة: ١٢٤).

والخارج لا يعتدي إلا بعد أن يكتشف المناطق القابلة للعُدوان، لا يستعمر إلا إذا كان المستعمَر قابلًا للاستعمار. وكما يتمُّ التنقيب عن النفط بالحفَّارات الأولى، وكما توجد المجسَّات على طبيعة التربة قبل حفرها والبناء عليها، كذلك توجد المجسَّات لدى قوة الهيمنة لمعرفة مدى قابلية الشعوب المستهدَفة لتحقيق الأطماع، وهل هي مُصمَتة أم مُفرَغة، صلبة أم رخوة؛ لذلك يكثُر جمع المعلومات عنها، ومعرفة ما لا يعرفه أهلها. ويعتمد على باحثين أوروبيين معروفين بدقَّة التحليل وجمع الإحصاءات، وعلى باحثين وطنيين لديهم رُؤًى حدسية بناءً على التجارب المعاشة؛ فالحدود مفتوحة للباحثين الأجانب يجمعون ما يشاءون. ومراكز التصنُّت والاستخبارات وجمع المعلومات مُتطورة للغاية من خلال وسائل الاتصالات الحديثة.

والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فلا يتمُّ العُدوان على شعب من الخارج إلا إذا وجد شرعية له في الداخل مثل قهر الحاكم. وتكون الذريعة تخليص الشعب من التسلُّط والطُّغيان، وإرساء قواعد الديمقراطية. وهكذا تمَّ غزو العراق وأفغانستان، وأخيرًا الصومال، ويتم تهديد سورية والسودان وإيران. ويعلم العدو أن الشعب المُعتدى عليه يريد الخلاص من حاكمه القاهر. ويزيد بعض النخبة: حتى ولو كان بيد أجنبي وعلى أسنَّة الرماح. بينما يُفضل المُناضلون الوطنيون: «بيدي، لا بيد عمرو.»

وتتعامل قُوى الهيمنة مع نُظُم الحكم التابعة، وجرِّها إلى أحلاف الدول المُعتدلة في مواجهة الدول المُتطرفة، وتُنسق أجهزة المخابرات أعمالها للطرفين، بل وتسمح بقواعد عسكرية على أراضيها بدعوى حمايتها من العُدوان الخارجي من دول الجوار. وهي تعلم أن نظام الحكم هو شخص الحاكم؛ فهو الذي يُقرر الحرب والسلام في غياب المؤسسات المستقلة والرأي العام القوي باستثناء فلسطين ولبنان، حيث تفرض المقاومة الشعبية سياستها على أنظمة الحكم؛ فالسلطان بؤرة الدولة وعمادها الأول، وهو صاحب القرار في الحرب والسلم، والمؤسسات التنفيذية والتشريعية تابعة له، والحزب الحاكم له السيطرة على مظاهر الحياة السياسية في البلاد. لم يستعدَّ المثقَّفون الوطنيون في الداخل لإبراز ثقافة المعارضة، ومواجهة السلطان الجائر، واعتبار الشعب مصدر السلطة، وضرورة الاستشارة؛ فلا خاب من استشار، فتحسب قُوى الهيمنة حسابها على أن هناك طرفًا آخر في المعادلة غير رأس النظام، وهو الشعب؛ ثقافته وتاريخه وكرامته واستقلاله.

والآن يُواجه الوطن العربي خطر التجزئة والتفتيت والتحوُّل إلى فُسَيفساء عِرقي طائفي، دُوَيلات سُنية وشيعية وكُردية وعربية وبربرية وزنجية وإسلامية وقبطية ونجدية وحجازية، حتى تصبح إسرائيل أقوى دولة طائفية عِرقية، وتجد شرعيةً جديدة لوجودها من طبيعة الجغرافية السياسية للمنطقة، بدلًا من أساطير المعاد الأولى التي شرَّع بها هرتزل وجودها في أواخر القرن التاسع عشر. وتقع المسئولية على الداخل؛ على الثقافة العربية التي تركت مجتمعاتها عُرضةً للتمزُّق والتفتيت. ورثت نظام الملة العثماني، وتحويل الأمة إلى مِلَل وأعراق، ومذاهب وطوائف، سُنة وشيعة، زيدية وشوافع، عرب وأكراد، مسلمين وأقباط، عرب وبربر، أرمن وموارنة، تركمان ودروز.

كل طائفة تجدُ هُويَّتها في عِرقها أو مذهبها؛ فغاب مفهوم المُواطَنة ومفهوم المُواطن، والهُوية الواحدة للوطن الواحد. وتُركت مصطلحات الفقه القديم دون تغيير؛ أهل الكتاب، وأهل الذمة، والعادات الاجتماعية؛ نجدي وحجازي، صعيدي وبحراوي، بدوي وحضري، سود وبيض. ولم تنفع الأيديولوجيات العلمانية للتحديث، كالليبرالية والقومية والماركسية والإسلامية المحافظة، في تحقيق الهُويَّات الوطنية في العمق. وما زال فقه المواطنة في البداية تحمله نخبةٌ مُستنيرة من المُفكرين الإسلاميين والأقباط؛ فكان من السهل رسم استراتيجية جديدة للمنطقة بأسمائها المختلفة، الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، والدخول إلى قلب المنطقة لتفتيتها، بدايةً بالعراق ثم السودان ثم الصومال؛ لأن الأرض تسمح بذلك.

وتُركت الثقافة الموروثة تئنُّ تحت عبء الفِرقة الناجية، وهي فِرقة الحكومة، والفِرق الهالكة وهي فِرق المعارضة، وأن الحقَّ مع طرفٍ واحد؛ فغابت التعدُّدية السياسية، وعزَّ الحوار الوطني، ووقع فرقاء الوطن الواحد في خصوماتٍ سياسية، موالاة ومعارضة، حكومة وشعب، كفار ومؤمنين، أبطال وخونة. فريق يكفِّر فريقًا، وفريق يخوِّن فريقًا. يظل الحزب الحاكم في السلطة دون تداوُلها، ويبقى الرئيس مدى الحياة، ولا يترك الرئاسة إلا بموتٍ طبيعي أو اغتيالٍ سياسي أو انقلابٍ عسكري، وعرفت قُوى الهيمنة ذلك بعد أن جسَّت الأرضية التي تعمل فيها، وأيَّدت فريقًا دون فريق، الموالاة ضد المعارضة، والأقباط دون المسلمين، والحكومة ضد الشعب، والمؤمنين ضد الكفار، أو الكفار ضد المؤمنين طبقًا للمصلحة والظرف. وأيَّدت الجنوب ضد الشمال في السودان، والبربر ضد العرب في المغرب العربي كله، والبوليساريو ضد المغرب من أجل مزيد من تفتيت الأوطان. وجعلت نفسها حامية للأقليَّات العِرقية والطائفية ضد اضطهاد الأغلبية لها. ونسي العرب أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (الفتح: ٢٩)، وجعلوها أشدَّاء بينهم رُحماء على الكفار. ونسوا المثل الشعبي: «أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب.»

استعدَّت شعوب وثقافات أخرى داخليًّا لمواجهة المخاطر الخارجية، ومهَّدت أرضيتها الاجتماعية والثقافية لمقاومة الغزو الأجنبي، وأثبتت المجسَّات الأجنبية أن هذه الشعوب والثقافات صلبةٌ جامدة لا يمكن اختراقها، مثل الصين واليابان وكوريا الشمالية وكوبا وماليزيا. يحمي الصينَ وحدتُها القومية، وثورتها الاشتراكية، ومشاريعها التنموية، ومعدَّل زيادة نتاجها القومي بما يُقارب ٩٪. يخطب الجميع ودَّها، ويخشى من مستقبلها وفائض إنتاجها، بل ومن قوتها العسكرية. حرَّرت هونج كونج سلميًّا، وبقيت تايوان. ومهما حاول الغرب الدخول من منطلق الحريات العامة وحقوق الإنسان فإنها تظل صامدة، بل وتطلب الاعتذار من دولةٍ كبرى إذا ما أسقطت طائرتها للتجسُّس عليها.

واليابان مِثل الصين تُحافظ على وحدتها الوطنية بالديمقراطية التوافقية وبالإجماع الوطني على القضايا الكبرى. هُزمت في الحرب العالمية الثانية، ولكنها انتصرت في النُّمو الاقتصادي وفي الصناعات الحديثة، وغزَت منتجاتها أسواق العالم. وهي تستورد المواد الأوَّلية من الغرب، والطاقة من الخليج، وليس لديها إلا العقل والإرادة.

وكوريا تقف صامدةً في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية. تتمسَّك بحقِّها في امتلاك الطاقة النووية والصواريخ العابرة للقارَّات، وتسعى إلى توحيد شطرَي شِبه الجزيرة الكورية بين الشمال والجنوب، وتُساعد دول العالم الثالث في تنميتها الاقتصادية وصناعاتها العسكرية. وكوبا أيضًا صامدة في مواجهة التدخُّلات الخارجية، ومحاولة قلب نظامها الوطني الاشتراكي على مدى أكثر من أربعين عامًا. تنمية مستقلة، وقضاء على البطالة، وتمسُّك بالاستقلال الوطني بالرغم من قربها من الولايات المتحدة الأمريكية. وأصبحت أحد عوامل بلورة اليسار الجديد في أمريكة اللاتينية في فنزويلا وشيلي والبرازيل وبوليفيا. وقد يؤثِّر ذلك في الوطن العربي عن قريب؛ فقد بدءَا معًا، ناصر وجيفارا، وقد يُعيدَا البدء معًا من جديد.

ومن البلاد الإسلامية تُعطي ماليزيا نموذجًا لإعادة بناء الداخل في مواجهة التهديدات الخارجية، وتجهر بمواجهة الغرب الرأسمالي الصهيوني العنصري، وجعلت الإسلام أحد مكوِّنات الدولة والهُوية الوطنية. وإيران صامدة في مواجهة المخاطر الخارجية. تُدافع عن استقلالها الوطني وحقِّها في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، أسوةً بغيرها التي تجهر بالحرب والتوسُّع، بل إن تركية التي كانت إلى عهدٍ قريب جزءًا من الحِلف الغربي أصبحت الآن أكثر استقلالًا، وابتعادًا عن الغرب وإسرائيل، وأقرب إلى العرب وإيران دفاعًا عن حق التعدُّدية القطبية في نظام العالم.

فمتى يبدأ العرب بترتيب البيت من الداخل، والقضاء على الفجوات والفراغات في الثقافة والمجتمع، حتى تأمن الغِيلة، وتستعدَّ للمقاومة، وتقضيَ على مَواطن الضعف فيها؛ حتى إذا ما جسَّتها قُوى الهيمنة الخارجية وجدتها صعبة الاختراق؟

الإهانة والتحدي١

جرَت العادة في فلسفات التاريخ أن يُقرَن التحدي بالاستجابة؛ فكل تحدٍّ له استجابة، ولكن في الوطن العربي يُقرَن التحدِّي بالإهانة؛ فالإهانة تبدأ أولًا وتتكرر وتتراكم حتى تأتي لحظة التحدي والرفض لها والانتفاضة ضدَّها والثورة عليها.

وفي هذه اللحظة التاريخية، مُفترَق الطُّرق، تتكرر الإهانات واحدةً تِلو الأخرى، وكأنَّ المُواطن أصبح بلا كرامة، والوطن بلا شعب ودولة، وأن الساحة العربية كلها أصبحت بلا صاحبٍ تفعل فيها القُوى الخارجية كما تشاء، وتلعب في أحشائها كما تريد، وتُجري العمليات الجِراحية واستئصال الأعضاء، وتغيير مجرى الشرايين، وزرع الأعضاء الصناعية بما في ذلك القلب كما تهوى وتُخطط. والوطن في حالة تخدير، جثَّة هامدة، تفعل فيه يد كبير الجرَّاحين وفريقه ما يشاء. أصبح صدر المُواطن عاريًا يصوِّب إليه من يشاء، وسماء الوطن مفتوحة يخترقها من يريد، وأرضه بلا ثغور ولا حدود، يدهسها كل غازٍ، مع أن مهمة الإمام في الفقه القديم «الذبُّ عن البَيضة» بتقوية الثغور والدفاع عن الحدود؛ فالوطن كالبيضة إن لم يتم الدفاع عنه انكسرت قِشرتها؛ أي إرادتها، وسال بياضها بالدموع، وصفارها بالدم.

تسيل الدماء في العراق بالمئات كل يوم على مدى أربع سنوات، وكأنَّ المُواطن لا وطن يحميه، ولا نظام سياسي يُدافع عنه، ولا دولة تُعطيه الأمان كما أعطته عبر التاريخ؛ «وا مُعتصماه».

وتُثار النَّعرات الطائفية والمذهبية والعِرقية فيه لتؤجِّج نار الحرب الداخلية؛ لتهميش المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الأمريكي، وإبعادها عن الأنظار. ويُقتَل النساء والأطفال والشيوخ بدكِّ المنازل بدعوى البحث عن رجال المقاومة، ويُذبَح الجرحى في المساجد؛ فلا حياة للمسلمين ما داموا يُحبُّون الموت، ويعشقون الشهادة، وينالون الحياة الأبدية. ويُطلَق النار على كل مُقاوم كما كان يُطلَق النار على كل شيء يتحرك في فيتنام؛ فلا مكان للأسرى بالرغم من الاتفاقيات الدولية التي تنظِّم قواعد الحرب ومعاملة المُقاتلين والأسرى.

وتسيل الدماء في فلسطين كل يوم. تُخترَق المدن، وتُدهَم المنازل، ويُحاصَر الأحياء، ويؤسَر المُقاومون ويؤخَذون في العربات المصفَّحة، والأيدي فوق الرءوس أمام الجند المدجَّج بالسلاح؛ فالوطن بلا كرامة، والسلطة بلا حضور، والمُواطن بلا ستار أو غطاء يحميه. وفي نفس الوقت تُطالَب المقاومة بالتوقُّف وبنزع السلاح، والاعتراف بالعدو المُحتل دون مُقابل إلا بوعودٍ كلامية؛ دولتان مُتعايشتان، جنبًا إلى جنب.

ثم جاءت الصومال، والدول الثلاث العراق وفلسطين والصومال أعضاء في جامعة الدول العربية الاثنين وعشرين، لتقع تحت الاحتلال الحبشي بدعوى نصرة فريق على فريق، وتأييد الدولة ضد خصومها السياسيين، والدفاع عن السلم ضد الإرهاب، وعن النظام ضد الفوضى، وعن التحضُّر والتمدُّن ضد القاعدة والطالبان. وتتفشَّى الكوليرا لدى الفقراء بسبب الماء غير الصالح للشرب؛ فالكل يتصارع على السلطة، ولا أحد يُدافع عن الشعب مع أن السلطة للشعب.

ما يحدث في دول الجِوار الإسلامي، أفغانستان والشيشان وكشمير، هو امتداد لما يحدُث في الوطن العربي. ويتم الغزو الأجنبي للدول الثلاث بطريقة القرن التاسع عشر، والاستعمار في أوجه، والغزو العسكري والاحتلال المباشر هو وسيلة التخاطب بين الشعوب؛ فالحقُّ هو القوة، والقوة هي الحق. وتأتي أصوات الاستغاثة عن بُعدٍ من المسلمين في بورما وتايلاند، أصواتٌ بعيدة تنضمُّ إلى الأصوات القريبة في فلسطين والعراق.

ويُعلَّق أحد الرؤساء العرب على المشنقة هو ورفاقه حتى انفصال الرأس عن الجسد بمحاكمةٍ غير شرعية، ودفاعٍ منقوص، وأحكامٍ مسبقة صدرت؛ فلا مانع اليوم من اليد الطويلة، والقوة القاهرة. والقاهر للداخل لا يقوى على صدِّ القهر من الخارج حتى لو تحالف معه، والدرس لكل رئيس عربي يخرج على بيت الطاعة.

وتظلُّ الصورة في الذاكرة الوطنية، ولا يتحمَّلها حتى الأطفال، فيشنقون أنفسهم طوعًا في اليمن وباكستان، ويتحوَّل الرئيس من ظل الله في الأرض إلى أسطورة في التاريخ مثل المسيح على الصليب، ويتحول الطُّغاة إلى شهداء.

ويُعلَن كل يوم عن أن القوَّات الأمريكية وُجدت في الخليج لتبقى، وأن بقاءها ليس مرهونًا بما يدور في العراق أو فلسطين أو إيران أو سورية أو لبنان، بل دفاعًا عن المصالح الأمريكية في المنطقة؛ النفط وعوائده، والمواقع الاستراتيجية والأسواق ومناطق النفوذ؛ فالحرب الباردة لم تنتهِ بعد، والإمبراطورية الأمريكية للمُحافظين الجُدد مشروعٌ مُتواصل، من رئيس إلى رئيس، ومن إدارة إلى إدارة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اندلاع الحرب العالمية الثالثة. ويُعلَن عن بناء أكبر قاعدة عسكرية في شمال العراق للتنسيق مع قاعدة إنجرليك في تركية لحصار الاتحاد السوفيتي من الشمال والجنوب؛ فالأرض لا صاحب لها. وكما فعلت الصهيونية في فلسطين وبداية الهجرات اليهودية منذ أوائل القرن الماضي، شعب بلا أرض في أرض بلا شعب، وتبني قاعدةً ثالثة في قازخستان، أكبر قاعدة في آسيا، حتى يتم حصار آسيا كلها من الجنوب والغرب؛ الشمال جليد، والشرق الصين هي الهدف من الحصار.

ويتم تهديد سورية ولبنان وإيران كل يوم؛ فسورية تؤيِّد المقاومة في العراق وطريق إيصال الأسلحة إلى حزب الله في جنوب لبنان، وترفض الصلح مع إسرائيل، والجولان مُحتل، وهي آخر من تبقَّى من النظام العربي القديم والمشروع القومي العربي في مناهضة الاستعمار والصهيونية في الخارج، وتحقيق الوحدة والاشتراكية في الداخل. والمطلوب من المقاومة في لبنان نزع السلاح وجزء من التراب الوطني ما زال محتلًّا، ومطلوب أيضًا التخلِّي عن القضية الفلسطينية والهمِّ العربي، وأن تكون جزءًا من المشروع الأمريكي الصهيوني للبنان والوطن العربي. وتُهدَّد إيران لأنها تجرَّأت على الدفاع عن إرادتها الوطنية، وحقِّها في امتلاك الطاقة النووية حتى للأغراض السلمية، وأربعون دولة تمتلك هذه الطاقة، ومن دول الجوار من حوَّلتها إلى سلاحٍ نووي في إسرائيل والهند وباكستان وكوريا في الشرق، وأمريكة لا تُهددها بالعُدوان طبقًا للمعيار المزدوج الذي يُمارسه الغرب في سياساته الداخلية بين البِيض والسُّود، بين المُواطنين والمُهاجرين، وفي سياساته الخارجية بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية. ويُطالب لبنان بقَبول محكمة دولية للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء السابق تحقيقًا سياسيًّا، وليس جنائيًّا، مع تجاوز نظام القضاء اللبناني. وفي نفس الوقت تتم تبرئة دولة صربية من جرائم البوسنة والهرسك، وذبح الآلاف من المسلمين في المناطق الآمنة التي أعلنتها الأمم المتحدة. ولا يتم التحقيق دوليًّا في اغتيال عالم الذرَّة المصري المشد، ولا في وقوع الطائرة المصرية المدنية بالقرب من نيويورك، ولا في اغتيال إسرائيل لأبي جهاد في تونس، أو أبي عمار في رام الله، أو في مقتل مئات من المصريين العُزَّل الأسرى في سيناء في عُدوان ١٩٦٧م، أو في العُدوان الأمريكي على العراق وأفغانستان، أو الإسرائيلي على فلسطين، أو الروسي في الشيشان، أو الهندي على كشمير.

تستمرُّ الإهانات بخضوع النُّظم السياسية لإرادة الأجنبي المُحتل، مثل تأييد خطة بوش الأخيرة لتحقيق الأمن في العراق، والمقاومة تزداد كل يوم وتشتدُّ، وتقبل دولٌ عربية مركزية أن تكون طوقًا للاعتدال ضد مخاطر نُظُم عربية أخرى أو مع دول الجوار متهمةً بالتطرُّف؛ فيُقسَّم الوطن العربي إلى مَحاور ومناطق نفوذ طالما قاوَمها في تاريخه الحديث قبل الثورات العربية في النصف الأول من القرن العشرين، أو بعدها في النصف الثاني منه. وأخيرًا نشأ طوقٌ آخر من دولٍ سُنيَّة لإحكام الطَّوق حول الدول الشيعية لقسمة العالم الإسلامي قسمةً داخلية، بدلًا من مواجهة العُدوان والهيمنة الخارجية. وتحوَّلت دول الطَّوق من حصار إسرائيل إلى حصار إيران.

تستمرُّ الإهانات وتزداد يومًا وراء يوم، فيتعوَّد عليها المُواطن فيقبلها، ويستسلم لها، ويعتبرها القاعدة وليس الاستثناء، وتتأثَّر نفسية الشعوب وتفقد احترامها لِذاتها، وتتعود على الإهانة وهي تُصارع من أجل لقمة العيش وغريزة حب البقاء، وتتحوَّل الإهانات المُتكررة إلى ذاكرةٍ جماعيَّة، وتخلق وعيًا تاريخيًّا بالرضا والقبول والاستكانة والاستسلام للأمر الواقع، ويُصاب بالفتور واللامُبالاة كما وصف الكواكبي في «أم القُرى»، وينعزل المُواطن والشعب عن العالم، وينكمش على ذاته، ويتحول إلى محميَّات كما حدث للهنود الحُمر في الولايات المتحدة، بعد أن تعوَّد على العجز، ووجد مهربًا له وخلاصًا في الطُّرق الصوفية وقيم الفقر والصبر والرضا والتوكل والقضاء والقدر والاستسلام.

ومع ذلك فالكرامة الإنسانية والاحترام الذاتي جزءٌ لا يتجزَّأ من الوجود الإنساني، يحميه من الضياع والاندثار. يتمسَّك به بالقلب وإن استعصى الكلام باللسان أو التغيير باليد، يظهر في مقاومة المثقَّفين الوطنيين ومظاهرات الطلاب، ويندلع بين الحين والآخر في الحركات الشعبية للعمال والنقابات والاتحادات، وينفجر في الانتفاضات الشعبية مثل انتفاضة الخبز في يناير ١٩٧٧م، وانتفاضة الفقر للأمن المركزي في يناير ١٩٨٦م، ويتفجر في الثورات الوطنية مثل ثورة عرابي في ١٨٨٢م، وثورة ١٩١٩م، وثورة يوليو ١٩٥٢م.

فكما أن كل تحدٍّ له استجابة، فكذلك كل إهانة لها تحدٍّ، وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (الإسراء: ٥١).

الاتجاه المُعاكس أم الاتجاه المُغاير؟٢

من أهم البرامج الإعلامية الذائعة الصِّيت في أهم القنوات الفضائية العربية التي أحدثت قفزةً إعلامية في الإعلام العربي، والذي يراه الملايين من العرب، برنامج «الاتجاه المُعاكس»، وهو من حيث الشهرة والذيوع له كل التقدير، يُثير الذهن، ويدفع إلى التفكير، ويحرِّك المياه الراكدة في ثقافةٍ غلب عليها الرأي الواحد، والفِرقة الناجية، والإعلام الحكومي.

يفضح المواقف التي تقبل التطبيع مع إسرائيل، والتي تودُّ تَكرار النموذج العراقي، الغزو الأمريكي، تخليصًا للوطن العربي من النُّظم التسلطية، وتحريرًا له من القهر والطغيان. ويكشف عن أهداف الليبرالية الجديدة التي تريد وراثة الليبرالية القديمة التي سادت مصر في النصف الأول من القرن العشرين، والقومية العربية والاشتراكية التي حملتها ثورات الضباط الأحرار في النصف الثاني منه. كما يتمتع بحيويةٍ فائقةٍ تشدُّ الأنظار إليه، وتجعل المُواطن العربي يثق بإعلامه بعد أن أشاح بوجهه عنه؛ لأنه تعبير عن النُّظم السياسية التي يُعاني منها الأمرَّين، والتي تبدأ بأخبار الرئيس وحرم الرئيس وكل رجال الرئيس.

تتمثل فيه القدرة على الهجوم والدفاع والجدل والسجال والتوثيق والاطلاع على آخر التقارير والمقالات لتدعيم وجهتَي النظر، ويتعرَّض للموضوعات التي تختلج في قلب كل عربي، والتي لا يجرؤ الحديث عنها بصوتٍ عالٍ مسموع؛ الغزو الأمريكي للعراق، نفط العراق، المقاومة العراقية، تدمير العراق، فتح وحماس، مؤتمرات القمة العربية، القدس … إلخ.

أصبح البرنامج الرئة التي يتنفَّس بها كل عربي في عصرٍ بلغت فيه القلوب الحناجر، والعقل الذي يُفكر به كل عربي في زمنٍ ساد فيه الإعلام الرسمي، ورُفعت الشعارات في بعض المطارات: «لا تُفكر، نحن نُفكر لك.» والعين التي يُشاهد بها كل عربي في وقتٍ غمضت فيه الأعيُن، والأذن التي يسمع بها كل عربي بعد أن صُمَّت الآذان بالرغم من علوِّ الضجيج وشدة الصخب، وسيادة الضوضاء.

ومع ذلك قد ينتهي «الاتجاه المُعاكس» إلى عكس ما يهدف إليه. وبقدر ما يُحقق من نجاحاتٍ يُحقق من إخفاقات، وبقدر ما يُعطي الزهو بالإعلام العربي يُسبب الإحباطات في النفس العربية بعد أن اختلف الرفاق، وتقاتل المُتخاصمون، وتلاعن المختلفون، دون وحدة تجمعهم إلا شد الأيادي من الأخ مقدِّم البرنامج بعد أن كادا يتشابكان بالأيدي وهو يفرِّق بين المُتقاتلين.

لا توجد نقطة التقاء بين الاتجاهَين المُتعاكسين، أحدهما ضد الآخر ونقيضه. يهدم الأول ما يبنيه الثاني، ويهدم الثاني ما يبنيه الأول. ويبدو المثقَّفان العربيان وكأنهما لا ينتسبان إلى وطنٍ عربي واحد، بل وإلى قُطرٍ عربي واحد. أحدهما أمريكي غازٍ، والآخر وطني مُقاوم. الأول إسرائيلي تطبيعي، والثاني مُناضل يبغي الشهادة. الغاية الهدم المُتبادل للشيء ونقيضه، والاستبعاد والإقصاء. وقع في ثنائياتٍ حادَّة بين البطولة والخيانة، والوطنية والعمالة، والحق والباطل، والصواب والخطأ، والخير والشر، والملاك والشيطان. ويشتدُّ الاستقطاب بين الفريقَين المُتنازعين؛ هذا سلفي وذاك علماني، ولا سبيل للالتقاء بينهما في الإسلام المُستنير. هذا مُقاوم للتطبيع وذاك من أنصاره، ولا سبيل للالتقاء بينهما في مبادرة السلام العربية؛ الأرض مقابل السلام. فيصبح الحوار حوار الطرشان، ويزيد من كبِّ الزيت على النار، ويكون أشبه بنقار الديوك، كلٌّ من الفريقَين ينقر الآخر في رأسه حتى يُسيل دمه.

وتُتبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة، بالصدَّامية والأمريكية، بالقهر والاحتلال. ويصل الأمر إلى التجريح الشخصي، وإعلان السيرة الخفية لكل طرف، والكشف عن سلوكه؛ فالأمر ليس فقط اتجاهًا مُعاكسًا، بل سلوكٌ نقيض. ويظهر المُفكرون والمثقَّفون كأبطالٍ إعلاميين مثل مشايخ الفضائيات، وينالون من الشهرة الكثير من شهرة البرنامج. ويُفسَح المجال للصحفيين والكُتاب ليزدادوا شهرةً بعد أن عزَّت القراءة لحساب المشاهدة. ويُظهر كل طرف قدراته الشخصية في الهجوم على الآخر، والدفاع عن النفس، واتهام الغير، وتبرئة النفس. ويضيع الموضوع لصالح الشخص، ويُقضى على الموضوعية لصالح الذاتية، ويتحوَّل الفكر كله إلى ثنائياتٍ مُتعارضة مُتضادة كما هو الحال في المانوية القديمة التي لا يلتقي طرفاها؛ النور والظلمة، والفضيلة والرذيلة. وهو عكس ما يهدف إليه التوحيد في لقاء الأطراف؛ الله والعالم في العناية، الدنيا والآخرة في العمل الصالح، الخير والشر في النفس، الأصل والفرع في القياس، الصواب والخطأ في الاجتهاد. وفي المواقف الحديَّة يلتقي الطرفان في الباطن وإن تناقضا في الظاهر؛ فكلاهما إطلاقي، كلٌّ منهما يمثِّل الفِرقة الناجية، والآخر الفِرقة الهالكة. وهو ما تُعاني منه الثقافة بسيادة الرأي الواحد، وما تُعاني منه السياسة بسيادة الحزب الحاكم، والبقاء في السلطة مدى الحياة.

والخطورة تَساوي الطرفَين، الشيء ونقيضه، لا غالب ولا مغلوب؛ مما يوقع المُواطنين في الحيرة. لكل طرف حُججُه ومنطقه؛ الفلسطيني والإسرائيلي، العراقي الوطني والعراقي الأمريكي؛ مما يُصيب المُشاهد بالحيرة واليأس، فيتوقف عن التفكير والفعل، أو يأخذ جانبًا ضد آخر، فتنشقُّ الأمة إلى فريقَين مُتصارعين، ويزداد تقسيمها وتفتيتها وتفرُّقها وتشيُّعها إلى فِرقٍ وأحزابٍ مُتناحرة.

وتُستعمل كل أساليب الإقناع اللغوية والحركية؛ فقد تحوَّل البرنامج إلى مسرحيةٍ تشدُّ الانتباه، وأحيانًا إلى سيرك بين المُتقاتلين المُتناطحين، يتفوَّق فيها البطل على خصومه، ويهزم فيها الخير الشر. ويُخشى من ذلك على سؤال: أين المعركة؛ في الذهن أم في الواقع؟ على المسرح أم في الميدان؟ في «التليفزيون» أم على الأرض؟ وقد يُشيع ذلك في المُشاهدين الرغبة في الانتصار، والتَّوق إلى النصر؛ تعويضًا عن الإحساس بالهزائم المُتكررة منذ ١٩٤٨م؛ احتلال فلسطين، حتى ٢٠٠٣م؛ احتلال العراق، والعجز عن المشاركة وصنع النصر. قد تُعطي الإحساس بالطمأنينة بأن العرب أصحاب معارك، وهو يسمع «يا أهلًا بالمعارك!» وأنها معارك مُتساوية بين الأطراف. المهمُّ أن يشدَّ الحيل لمزيد من الكلام والبلاغة وحسن القول وقوة الإقناع؛ مما دفع بأحد المُستشرقين المُعاصرين إلى الحكم على العرب بأنهم «ظاهرة صوتية».

أليس من الأفضل منطق الحوار، وآداب الحوار دون تكفير طرف لطرف أو تخوين طرف لطرف وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (سبأ: ٢٤)؟ أليس من الأفضل الوصول إلى الحد الأدنى من الاتفاق بين فرقاء الوطن الواحد وهو الوطن؛ فالوطنية هي الحل، وليست الاختيارات السياسية المسبقة، أو المصالح الشخصية غير المعلنة، أو الأهواء والانفعالات التي تُخفي الهُويَّات البديلة الطائفية أو العِرقية في غياب الهُويَّة الوطنية أو القومية؟ ولصالح مَن شقُّ الصف الوطني، وضرب الاتجاهات الفكرية والاختيارات السياسية بعضها بالبعض الآخر، وزيادة الفُرقة والتشتُّت وهي سمة الآخرين بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ (الحشر: ١٤)، وليس سمة المُواطنين أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (الفتح: ٢٩).

إن التعدُّدية السياسية والفكرية لا تعني التضارب والتناقض والتناطح، بل السماح بأكبرِ قدرٍ ممكن من المداخل النظرية للموضوع العملي الواحد؛ فالحقيقة النظرية وجهة نظر، رأي، منظور، رؤية، في حين أن الحقيقة العملية، تحقيق المصالح العامة، واحدة. على هذا الأساس أجمع الفقهاء على أن الحق النظري مُتعدد، والحق العملي واحد، «كلُّكم رادٌّ وكلُّكم مردود عليه.» وكان الرسول يقول لأبي بكر: «يا أبا بكر، انزل قليلًا. وكان يقول لعمر: يا عمر، اصعد قليلًا.» فقد كان أبو بكر يتمسك بالنص والمبدأ، وعمر يُدافع عن الواقع والمصلحة.

إن أحد أسباب المواقف الحديَّة هو الانفعال والهوى، وأحد أسباب المواقف التوحيدية هو العقل والواقع. أيهما أفضل إذن؛ الاتجاه المُعاكس أم الاتجاه المُغاير؟ فالمُعاكس مُناقض ونقيض في النظر وفي العمل، والمُغاير مجرد خلاف في النظر دون خلاف في العمل.

القهر الاجتماعي٣

تتعدد أنواع القهر كما تتعدد أسباب الموت، والنتيجة واحدة؛ فالموت موتٌ نفسي. وأشهر أنواع القهر هو القهر السياسي، علاقة الحاكم بالمحكوم في نُظُم الحكم التي تقوم على التسلط وكَبْت الحريات العامة، والتفرُّد بالقرار، وهو ما سمَّاه ابن رشد «وحدانية التسلط». كما تقوم على تزييف الانتخابات، وأجهزة الأمن، وقوانين الطوارئ، والاعتقال والسجن بلا محاكمة. وهي النُّظم الأيديولوجية التي تحكم باسم الحقيقة المطلقة، دينية أو سياسية، الفرقة الناجية الواحدة التي في الحكم في مقابل الفِرق الضالة الهالكة التي في المعارضة.

وهناك القهر الديني والثقافي، ويقوم على إجبار الناس على الإيمان بعقائد دينية، سُنية أو شيعية، أو سياسية معيَّنة، اشتراكيَّة أو قوميَّة، نازيَّة أو فاشية، كما حدث في التاريخ بإجبار الناس على القول بخلق القرآن، أو انبساط الأرض دون كرويتها، أو مركزيتها ودوران الشمس حولها، وإجبار الناس على اتباع تأويل معيَّن للنص الديني، أو التضييق عليهم في السلوك اليومي باسم تطبيق الشريعة، بل ويحدث ذلك أيضًا في الفنون والآداب، وليس فقط في العلوم والديانات، وإجبار صغار المُبدِعين على اتباع مذهب معيَّن في الفن والأدب.

وهناك أيضًا القهر الاقتصادي، قهر الفقر والضنك والعَوز والحاجة. يشعر به العامة قبل الخاصة. هو قهر رغيف العيش والقوت اليومي الذي يدعو إليه المسيحيون في الصلاة الربَّانية: «أعطِنا خبزنا اليومي.» والذي من أجله قال عمر بن الخطاب: «والله لو كان الفقر رجلًا لقتلته.» وهو ناشئ عن سوء توزيع الثروة في البلاد، ويؤدي إلى الغش والاحتيال لدى الأغنياء ليزدادوا غنًى، ولدى الفقراء من أجل غريزة حب البقاء. وبسببه تقوم الهبَّات الشعبية وثورات الجياع.

والأخطر من ذلك كله القهر الاجتماعي، قهر العُرف والعادات والتقاليد الذي نقده القرآن الكريم إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (الزخرف: ٢٣)، وفي آيةٍ أخرى مُهْتَدُونَ (الزخرف: ٢٢)، وعلى هذا الأساس لم يعتبر الأصوليون القدماء التقليد مصدرًا من مصادر العلم مثل الحس والعقل والخبر الصحيح، وثار المُصلِحون الدينيون المُعاصرون كالشوكاني والأفغاني ومحمد عبده، أو الليبراليون مثل الطهطاوي، على التقليد، وجعلوه أحد أسباب التخلُّف الاجتماعي والانحطاط الحضاري.

اتباع التقاليد هو اتباع القدماء بالرغم من القول المأثور الذي يُعزى إلى أفلاطون، كما يُنسَب إلى الرسول : «لا تؤدِّبوا أولادكم بآدابكم؛ فقد خُلقوا لغير زمانكم.» القدماء هم الأوائل، عاشوا في الماضي، وتغيَّر الزمن، ولكل زمن عاداتُه وتقاليده وأعرافه.

كثيرًا ما كتب علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا عن تطوُّر العادات الاجتماعية، وتغيُّر التقاليد. هي تعبير عن سلوك الناس في كل وقت، والزمان مُتغير، والتقاليد تتغير بتغيُّره. التقليد اشتقاقًا يعني الاتباع، في حين أن التجديد يعني الإبداع. ويتَّهم أنصار التقليد أنصار التجديد بالابتداع، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار؛ فيؤثِر الناس السلامة والاتباع عن غير اقتناع.

ويتبع الناس العُرف، وهي العادات الشعبية السائدة، وتسود الأعراف الطبقات الشعبية مثل طهارة الإناث، وما تُسببه من قهرٍ نفسي للأنثى منذ الطفولة حتى البلوغ. ويتبع الناس العادات الاستهلاكية في الأعياد، مثل مأكولات رمضان ومشروباته وكعك العيد، بما لا تُطيقه ميزانية الأُسر، وضرورات التباهي والتفاخر بين الناس. وقد يؤدي ذلك إلى جرائم بين الرجل وزوجته. وهي عادات وأعراف من وضع المجتمع وتطوُّره عبر التاريخ لتوظيفها اجتماعيًّا لخلق دين شعبي مُوازٍ للدين الشرعي، يُلهي الناس ويُبعدهم عن ظلم الحكام.

وتُحوِّل التيَّارات المحافظة في المجتمع هذه العادات والأعراف إلى ثوابت، مع أنها مُتغيرة بتغيُّر المجتمع. ومنها عادات ترجع إلى عصر الصحابة والفتنة الأولى مثل التلاعن، وأقوال مأثورة مثل: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.» وأدبيات طاعة الحكام وعدم الخروج عليهم، وإلا كان الجزاء القتل. الثوابت هي القيم الإنسانية العامة التي لا تتغير بتغيُّر الزمان، مثل حقوق الإنسان، واحترام النفس، والعدالة الاجتماعية، والمساواة بين البشر في الحقوق والواجبات، والحريات العامة، والشورى، والمصالح العامة. وهي المقاصد العامة التي تقوم عليها الشريعة؛ الحفاظ على الحياة والعقل والدين والعِرض والمال. الحياة هي الحاجات الأساسية للناس من طعام وشراب ولباس وسكن وتعليم وعلاج، والعقل هو حق الإنسان الطبيعي في المعرفة والفكر والنظر، والدين هو الثوابت العامة التي يجتمع عليها الفقهاء، والعِرض هو الكرامة الشخصية والوطنية، والمال هو الثروة الفردية والثروة العامة.

وقد وضعت بعض المجتمعات التقليدية عدة قوانين للضبط الاجتماعي لمنع تحرُّكه، مثل قانون العيب، وقانون الاشتباه؛ وقوانين حماية المجتمع والأمن والاستقرار السياسي، مثل قوانين الطوارئ ومكافحة الإرهاب، مهمتها إرهاب الناس وتخويفهم، ومنعهم من السلوك الطبيعي التلقائي القائم على الثقة بالنفس واحترام الآخرين، ثم تحوَّلت هذه القوانين إلى عادات وتعبيرات، مثل: «عيب عليك»، «يا عيب الشوم»، «حشومة»، «اختشي»، «يا نهار أسود»، «يا دهوتي»، «يا مصيبتي». وأصبح كل خروج على هذه القوانين انحرافًا وشذوذًا.

ولما كان المجتمع يتقدَّم بصرف النظر عن أساليب الضبط الاجتماعي، تنقسم الحياة إلى ظاهرٍ يتبع التقاليد والأعراف والعادات، وباطنٍ يتبع تطوُّر الحياة وتغيُّر قواعد السلوك الاجتماعي، فتنشأ مظاهر النفاق والرياء والتظاهر والكذب. قول باللسان لا يقتنع به القلب، وسلوك في الظاهر لا ينمُّ عن إيمان بالباطن. وتصبح الحياة كلها حجابًا في الظاهر، وسفورًا في الباطن. كما تنشأ ظواهر الكبت وأمراض القهر النفسي وقمع الرغبات، ويعيش الإنسان بشخصيتَين، ويُقابل المجتمع بوجهَين؛ وجه يرضاه المجتمع، ووجه آخر يرضاه الفرد، لا يجرؤ على التعبير عنه صراحةً. ويكون له سلوكان:

سلوك اجتماعي علني، وسلوك آخر فردي سِري. الأول كاذب، والثاني صادق. فإذا ما تجرَّأ أحد على الإعلان والتمسُّك بالوجه الواحد والسلوك الواحد والشخصية الواحدة تم إقصاؤه واستبعاده واتهامه بالردة والكفر، وكان جزاؤه القتل الصريح. ويؤثِر البعض السلامة والرضا بالسلوك الاجتماعي، وينغمس في الدنيا ينهل منها بالحلال، والأرزاق مقدَّرة مسبقًا.

ومع ذلك ظهرت نماذج ثائرة على هذا القهر الاجتماعي في التاريخ، في كل عصر، وفي كل ثقافة، ولدى كل شعب. ثار سقراط على تعدُّد الآلهة عند الأثينيين، فاتُّهم بإفساد الشباب، وحُكِم عليه بالموت سمًّا، ورفض الهرب درءًا للظلم، وهو رذيلة، طاعةً لقوانين البلاد، وهي فضيلة. وثار ديكارت على عادات العصر الوسيط في التفكير والتعلم. وثار اسبينوزا على العقائد اليهودية، مثل شعب الله المختار وأرض المعاد. وحُرق جيوردانو برونو حيًّا في روما لأنه قال بعقيدةٍ مُخالفة للفلك السائد ولتصوُّر الإنسان. وثار مارتن لوثر على الكنيسة رافضًا توسُّطها بين الإنسان والله، واحتكارها لتفسير الكتاب المقدَّس، وتبعيتها لسلطة الآباء الأولين. قُدِّم المفكرون الأحرار الذين رفضوا عادات وتقاليد وأعراف القدماء أمام محاكم التفتيش في أواخر العصر الوسيط الأوروبي، وكان جزاؤهم القتل أو الحرق أو التعذيب أو النفي أو السجن.

وفي تاريخنا القديم حدث نفس الشيء؛ فقد ذُبح الجعد بن درهم يوم عيد الأضحى أسفل المنبر لأنه كان مُعارضًا للحكم الأموي، ويقول بقدرة الإنسان على الاختيار. وقُتِل أبو نواس بتهمة الزندقة. وصُلِب الحلَّاج بتهمة الخروج على العقائد. وذُبح السهروردي لقوله بحكمة الإشراق.

كانت كل حركات التجديد والتحديث والنهضة والإصلاح والتغيُّر الاجتماعي والنهضة الحضارية والثورة ضد القهر الاجتماعي بالرغم من سطوته، وكان الاستسلام للقهر الاجتماعي أحد أسباب الركون والخمول والتأخُّر والانحطاط. لا تقوم نهضة على قهر، ولا تقدُّم على تقليد، ولا ثورة على تسليم. في لحظات الانتصار يتم تغيير التقاليد، وفي لحظات الانكسار تتم المحافظة عليها حمايةً للمجتمعات. وهي حمايةٌ وقتية بالانكفاء على الداخل لحماية النفس بعد أن ضاع العالم. ولما كان المجتمع العربي يمرُّ الآن بمرحلة انكسار، باستثناء المقاومة في العراق وفلسطين، اشتدَّ القهر الاجتماعي. ولما كان أيضًا يتوق إلى الانتصار، يكون تحرُّره من القهر الاجتماعي قريبًا.

التناقضات الهدَّامة

ما زال الغرب هو الذي يُنتج المفاهيم ونحن نشرحها. ما زال الغرب يزهو عليها بأنه وحده القادر على التنظير المباشر للواقع وإنتاج المفاهيم والنظريات، في حين أننا ما زلنا نعتمد على النصوص القديمة كحجة سلطة نُفسر بها أوضاع العالم، وتُحدد لنا موجِّهات السلوك. ما زلنا نعتمد على الأيديولوجيات الجاهزة، الإسلامية أو القومية أو الليبرالية أو الماركسية، لتُفسر لنا العالم، وتُحدد لنا اتجاهات التحرك فيه.

فقد أنتجت أمريكة مفهوم «الفوضى الخلَّاقة»، وتعني بها تفجير التناقضات في الوطن العربي والعالم الإسلامي بحيث يتفتَّت الكل، ويصبح كل جزء نقيضَ كل جزء كما هو الحال في القنابل العنقودية، فتتناثر الأجزاء وتتباعد بعد أن يصطدم بعضها بالبعض الآخر في اتجاهاتٍ عشوائية لا يمكن ضبطها مهما بلغت ضربات العصا للاعب الماهر، ويتحول الجسد العربي الإسلامي إلى شظايا يصعب جمعها من جديد في جسدٍ واحد بعد أن تبتلع القُوى النشطة في المنطقة، مثل إيران أو تركية أو إسرائيل، بعضًا منها إلى غير رجعة، كما ابتلعت القوى الكبرى ممتلكات الدولة العثمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وابتلعت روسية القيصرية في القرن التاسع عشر، ثم روسية الاشتراكية للجمهوريات الإسلامية في أواسط آسيا بعد ثورة أكتوبر ١٩١٧م. وما زالت ظواهر التفتيت والتقسيم للإمبراطورية العثمانية قائمًا.

ظنَّ العرب أن القومية العربية هي البديل عن دولة الخلافة تحميهم من التقسيم، فاحتلَّت بلاد العرب، واستبدل العرب بالسيد الإسلامي السيد الغربي، ولم تستطع الجامعة العربية إعادة جمع الأقسام إلا على مستوى النُّظم السياسية المُتناقضة فيما بينها، ولم تستطع القومية العربية كحركة تحرُّر وطني إلا تحرير الأوطان بمساعدة الشقيقة الكبرى. وبعد هزيمة يونيو (حزيران) ١٩٦٧م، لم تستطع القومية العربية حماية الشقيقة الكبرى ولا فلسطين ولا روسية ولا لبنان. واحتُلَّت فلسطين كلها؛ نِصفها في العصر الليبرالي في ١٩٤٨م، والنصف الآخر في المد القومي في ١٩٦٧م، ثم وقعت حرب الخليج الأولى، وظهر التناقض المُفتعَل بين القومية العربية التي احتجَّت بها العراق والثورة الإسلامية في إيران، ثم وقعت حرب الخليج الثانية، وتحوَّلت القومية العربية من مُدافع عن الأوطان إلى مُحتل لها، وأصبح العدو للكويت هو العراق واقعًا، وليست إيران وهمًا، أو إسرائيل أو الولايات المتحدة فعلًا.

بدأت التناقضات الهدَّامة بالتناقض بين المقاومة الفلسطينية والنُّظم السياسية العربية كما حدث في أيلول الأسود في الأردن عام ١٩٧٠م. ظهر التناقض بين المقاومة كحركةٍ شعبية والنظام السياسي كدولةٍ مستقلة تفرض سيادتها على مجموع أراضيها. وهو التناقض الذي ضحَّى عبد الناصر بحياته من أجل حله والتخلص منه في نفس الشهر عندما أراق العربي دم العربي.

ثم وقع تناقضٌ آخر بعد إنشاء السلطة الفلسطينية إثر اتفاق مدريد وأوسلو بين فصائل المقاومة والسلطة الجديدة، بين الثورة والدولة، وكلاهما شرعيَّان، ثم وقع التناقض بين أهم فصيلَين للمقاومة؛ فتح وحماس. أراق فيها الفلسطيني دم الفلسطيني، وما زال الوضع مُتفجرًا. وتسيل الدماء بعد أن تفشل محاولات إيقاف النزيف في مكة والقاهرة.

وحاول البعض إيقاع التناقض بين حزب الله والدولة اللبنانية، حرب تموز (يوليو) العام الماضي؛ فقد دُمِّرت لبنان بسبب خروج المقاومة على شرعية الدولة، حربها وسلامها ومبادرتها واستقلالها، ولم يشفع لها رصيدها السابق في تحرير الجنوب، ثم يقع تناقض ثانٍ الآن بين فتح الإسلام والجيش اللبناني الذي ظهر بعد طول صمت، وأراق العربي دم العربي من أجل استئصال المقاومة بالرغم من أخطاء بعض عناصرها، كأحد مراحل تصفية المقاومة في لبنان، مرة في الشمال ومرة في الجنوب، ومرة في الشرق، في البقاع وغلق الحدود مع الشقيقة سورية.

وبصرف النظر عن المقاومة في لبنان يقع تناقضٌ أشمل داخل لبنان بين الاستقلال الوطني والتبعية للغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وينزل الفريقان إلى الشارع للاعتصام وللاصطدام، فيسيل الدم اللبناني بيد اللبناني، وتُشَل الحياة السياسية؛ فريق ضد المحكمة الدولية احترامًا لسيادة لبنان، وآخر مع المحكمة الدولية لإدانة سورية كمقدمة للهجوم عليها وتصفية نظامها، الذي ما زال يرفض المخطَّط الإسرائيلي الأمريكي لتصفية مقاومته؛ فسورية هي الجسر بين إيران ولبنان؛ فقد نجح التهديد الأمريكي بإخراج القوات السورية من لبنان، وما زال التهديد موجَّهًا إلى سورية حتى يقلَّ تأثير إيران في الوطن العربي، سورية والعراق ولبنان؛ فسورية راعية الإرهاب في لبنان، وإيران مورِّد السلاح الرئيسي إلى المقاومة في جنوب لبنان.

ويقع تناقضٌ آخر بين المقاومة الفلسطينية والعراق عندما أيَّدت المقاومة حرب الخليج الثانية والعُدوان العراقي على الكويت؛ نظرًا لوجود خمسة وثلاثين ألفًا من المقاومة الفلسطينية في العراق، بناها العراق. والمقاومة الفلسطينية في النهاية تَدِين بالولاء للقومية العربية بالرغم من انتماءاتها الإسلامية. تجمع بين الوطنية والقومية والإسلام، الدوائر الثلاث، ميادين التحرُّك للتحرُّر الوطني العربي. كانت المقاومة الفلسطينية مع الثورة الإسلامية في إيران في بدايتها، وكان من الصعب عليها أن تأخذ موقفًا في صف هذا الفريق أو ذاك، وبعد مرحلة الرومانسية الأولى في الثورة الإسلامية والمقاومة الفلسطينية عادت الحسابات السياسية التي قد تُخطئ أو تُصيب في الانحياز إلى أحد طرفَي التناقض، وهو اختيارٌ حر.

وانعكس ذلك على الوجود الفلسطيني في الخليج؛ فشعب فلسطين وعمَّال فلسطين لا بد أن يُعاقَبوا بسبب مواقف المقاومة الفلسطينية في حرب الخليج الثانية. ونشأ تناقضٌ فرعيٌّ بين الوجود الفلسطيني والوجود المصري والوجود السوري في تولِّي الوظائف في الخليج، والكل يأكل من خشاش الأرض. وبدأ الترحيل للفلسطينيين إلى الوطن المُحتل، أو إلى أوطانٍ بديلة.

وظهر التناقض بين ما تبقَّى من نُظمٍ قومية والوجود الفلسطيني في ليبيا؛ فعلى العمَّال الفلسطينيين الرحيل إلى الدولة المقاومة التي لم تقُم بعد، وما زالت أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، وإلى الوهم منها إلى الحقيقة. وموريتانيا تعترف بإسرائيل، وتُقيم علاقاتٍ دبلوماسيةً معها، وهي ليست من دول الجوار؛ بناءً على ضغوطٍ أمريكية لإيقاع التناقض داخل الشعب الموريتاني بين مقاومة التطبيع وأنصاره كما وقع التناقض في جيش علي بين رفض التحكيم وقبوله، ثم تُفتَح مكاتب اتصال أو مكاتب تِجارية في بعض دول الخليج وفي بعض دول المغرب العربي بحجة التجارة، أو عودة اليهود المغاربة إلى أوطانهم، كما يقع التناقض بين الشقيقة الكبرى والفلسطينيين المُقيمين حول صعوبات الإقامة، والحصول على تأشيرات الدخول، وتحديد النشاط الساسي، أسوةً بنشاط المعارضة من المصريين.

وتمتدُّ التناقضات الهدَّامة خارج نطاق فلسطين ودول الجوار إلى تناقضاتٍ طائفية ومذهبية وعِرقية في شتَّى أرجاء الوطن العربي، أكراد وتركمان وعرب في العراق، وبداية التطهير العِرقي والترحيل، وعرب وبربر في دول المغرب العربي، وسُنة وشيعة في العراق وباقي دول الخليج، ومسلمون وأقباط في مصر، ودروز وأكراد وعَلويون ونُصيريون وسُنة في سورية، وموارنة وسُنة في لبنان، وشماليون وجنوبيون في اليمن، زيدية وشوافع، وشماليون وجنوبيون وشرق وغرب في السودان حتى يبقى القلب وحيدًا بلا أطراف، ونجديون وحجازيون في المملكة العربية السعودية، تقليديون ومُجددون، مُحافظون وليبراليون، وقوميون وإسلاميون وقطريون في الكويت، وإسلاميون وعلمانيون في مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، وقبائل مُتناحرة على الجوع والجفاف في إريتريا والصومال، والحبشة لهما بالمرصاد.

لا يحمي الأوطانَ من هذه التناقضات الهدَّامة إلا وحدةُ الأوطان والولاء الوطني؛ فالوطنية هي الحل بصرف النظر عن تعدُّديتها العِرقية والطائفية والمذهبية. ولما كان حدود الأوطان مُصطنَعة من بقايا الاستعمار القديم، فإن القومية العربية قد تكون هي الحل للمِّ شمل الوطن العربي، ورفع التناقضات الهدَّامة فيه كما كان الحال في المد القومي العربي في الخمسينيات والستينيات، وكما جسَّدته الناصرية؛ أكبر تجربة قومية في تاريخ العرب الحديث قبل الوحدة اليمنية بين شطرَي اليمن. وقد يكون التجمع الثقافي هو الحل؛ الثقافة الإسلامية التي جعلت الوطن العربي بؤرة عالم إسلامي أوسع يُتبرَّك به، ويسعى إليه لتعلُّم اللغة والثقافة والتراث المشترك. قد تكون التجمعات الإقليمية هي الوسيلة لحماية الوطن من التفتيت والتمزُّق، مثل تجمُّع مصر وإيران وتركية لحماية المنطقة من التجزئة الداخلية والعُدوان الخارجي.

وتتطلب هذه البدائل الوحدوية كلها خيالًا سياسيًّا قادرًا على تجاوز الواقعية السياسية المُرة، التي هي أقرب إلى الاستسلام منها إلى المقاومة. يتطلب نخبةً ثورية جديدة بدلًا من النُّخَب الحاكمة التي طال عليها الزمن، أو إرادةً شعبيةً قويةً تفرض نفسها على مسار الأحداث، وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (الأعراف: ١٥٦).

غياب الوعي التاريخي

تهيج الذكريات في يونيو (حزيران) من كل عام؛ ذكريات الألم والمرارة والهزيمة من النكبة الثانية. ضاعت نِصف فلسطين في العصر الليبرالي في ١٩٤٨م، وضاع النصف الثاني في العصر القومي الاشتراكي في ١٩٦٧م. ويقتتل الرفاق، حماس وفتح، في العصر الإسلامي. والماركسيون إما في السجون، أو عند الله، أو ما زالوا يحلِّلون أو ينظِّرون. وتهيج الذكريات أكثر إذا ما انقضى عقد أو فاتت عقود من الزمان؛ فنحن الآن في الذكرى الأربعين، يونيو ١٩٦٧م.

الاحتلال ما زال على الأرض فيما تبقَّى من فلسطين وعلى الجولان وفي جنوب لبنان، وسيناء منزوعة السلاح، وإسرائيل تفعل ما تشاء في فلسطين ضد المقاومة بعد أن قُصَّ ريش العرب حول مصر، وحُوصرت مصر داخل حدودها من عدوٍّ بلا حدود. أمريكة حدودها العالم كله، وإسرائيل حدودها ما يستطيع جيش الدفاع الإسرائيلي أن يصل إليه. والمُنقذ، أمريكة، لا يُنقذ ولا يبيع إلا الوعود؛ دولتان جنبًا إلى جنبٍ يتعايشان في سلام، وإسرائيل تعتدي كل يوم على فلسطين، خارطة الطريق التي قبِلها العرب على ضيم، حُلمٌ صعب المنال. ومبادرة السلام العربية لا أحد يتعامل معها؛ فإسرائيل تكسب بالعُدوان أكثر مما تكسب بالسلام، وأمريكة تستعدُّ للعُدوان على سورية وإيران الرافضَين لمشاريع التسوية، واللذين ما زالا يدعمان المقاومة، تكسب من السلام ومن العدوان في آنٍ واحد، كالمُقامر الخبير الذي يكسب في كل الاحتمالات أمام العرب الذين يخسرون في كل الأحوال.

بالنسبة لجيلنا، جيل الخمسينيات والستينيات ١٩٦٧م، ما زال جرحًا في القلب وغُصة في الحلق. هو جيل الحركة الوطنية في الأربعينيات، جيل لجنة الطلبة والعمال، الجيل الذي تكوَّن فيه الضُّباط الأحرار الذين فجَّروا ثورة يوليو ١٩٥٢م. لم يندمل الجرح بانتصار أكتوبر ١٩٧٣م بسبب الهزيمة التامة للإرادة الوطنية بعد أن كانت الشعارات: خسرنا معركة ولم نخسر الحرب، ما أُخذ بالقوة لا يُستردُّ إلا بالقوة، إزالة آثار العدوان. والأخطر هو الانقلاب على المشروع القومي الاشتراكي الوحدوي في ١٥ مايو ١٩٧١م، والتحالف مع الاستعمار والاعتراف بالصهيونية، وهي أهداف عُدوان ١٩٦٧م؛ فالسياسة هي الحرب بوسائل أخرى طبقًا للتعريف الشهير.

وفي استطلاعٍ أخير لرأي الجيل الجديد من الشباب العربي أجرته إحدى قنوات الإعلام الشهيرة عن مدى وعيهم بهزيمة يونيو (حزيران) ١٩٦٧م، كانت النتيجة صدمةً لجيل الخمسينيات والستينيات الذي أفنى عمره في التحرُّر الوطني، وما زال يُقاوم الاحتلال والاستعمار والهيمنة من الخارج، والقهر والفساد والتبعية في الداخل. ظهر التغييب التام للوعي التاريخي، وهو أخطر من تزييف الوعي. التغييب نفيٌ تامٌّ في حين أن التزييف وعيٌ بديل. والوعي التاريخي هو أساس الوعي السياسي؛ لذلك يزهو علينا الغرب بأنه هو الذي أعطى العالم فلسفة التاريخ، واكتشف الوعي التاريخي بالرغم من اعتراف فيكو مؤسِّس فلسفة التاريخ مع هردر أنه استمدَّ قانونه الثلاثي لتطوُّر التاريخ، من مرحلة الآلهة إلى مرحلة الأبطال إلى مرحلة البشر، من مصر القديمة. وضعف أمريكة في غياب وعيها التاريخي وتأسيس وعيها السياسي على المصالح والهيمنة، وربما على العنصرية، وسيادة الجنس الأبيض على الأجناس الأخرى، السوداء والسمراء والصفراء، والنازية والصهيونية والمُحافظون الجُدد بعض صياغاتها. والأخطر هو تغييب الوعي التاريخي العربي الذي يمتدُّ إلى سبعة آلاف عام في مصر القديمة وحضارات ما بين النهرَين وفي كنعان؛ فلسطين القديمة.

انتهى استطلاع الرأي إلى ستة مستويات للوعي التاريخي:
  • الأول غيابه التام: فهذه الشريحة من الشباب لم تسمع عن ١٩٦٧م، لم يأخذوها في المدرسة، ولم يُشاهدوا البرامج السياسية في أجهزة الإعلام. لا يقرءون الصحف، ولا يتحدثون مع الأصدقاء أو داخل الأسرة في الشأن العام. لم تعُد هناك مقرَّرات في التربية الوطنية أو التربية القومية في المدارس. ومقرر التربية الدينية عقائد وعبادات دون معاملات وعلاقات دولية، وعيٌ دينيٌ فارغ من أي مضمون اجتماعي سياسي، وطني أو قومي؛ خشيةً من الحركة الإسلامية، وتسلُّل الجماعات الجهادية إلى عقول الطلاب، فينشأ وعيٌ ديني جهادي خارج المدارس، في الشارع وتحت الأرض.
  • والثاني يسخر من السؤال: عن مدى الوعي التاريخي بهزيمة ١٩٦٧م؛ فالمعارك لديه، كسبًا أم خسارة، في الأسهُم والشركات وحسابات البنوك. لا يعرف في الحياة إلا المال، ولا يهدف إلا إلى زيادته أو تبديده. وهو جزء من العولمة الاقتصادية. ورأس المال لا وطن له. وهو مُمثل لأحد الشركات المتعددة الجنسيات، وحساباته في البنوك الأجنبية. جسده عربي، وروحه أمريكية. وعقاله عربي، وذهنه عولمي. ولا مانع أن يقرأ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (الكهف: ٤٦)، وينسى وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (الأعلى: ١٧)، ويخشى من قراءة وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ (البقرة: ١٥٥)، ولا يعلم أن المال زائل، وأن مدن المال قد اندثرت كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا (التوبة: ٦٩).
  • والثالث وعيٌ غائم: بأننا هُزمنا دون معرفة بالظروف والأسباب والعوامل والنتائج. وعيٌ يأتي من وراء السُّحب أو من الماضي البعيد مثل استيلاء التتار على بغداد، والصليبيين على القدس، وسقوط غرناطة. لا يمسُّه في شيء، ولا يؤثِّر عليه، ولا يتفاعل معه؛ فالتاريخ مصير، والماضي انقضى، والحاضر أبلغ وأوضح وأكثر إشراقًا. وغياب الوعي التاريخي هو سبب غياب الوعي السياسي. لا تطلب الهزيمة موقفًا، ولا يُحدد لفظ «انهزمنا» من الذي انهزم. وعيٌ جماعي غامض، وهُويةٌ فارغة، واستسلام للأقدار، ونقص في الحميَّة والرجولة. ولم يسمع خطاب عبد الناصر في الأزهر يوم العُدوان: «سنُقاتل.»
  • والرابع انهزمت مصر: فالحرب حرب مصر، الشقيقة الكبرى في الذهن وفي الوجدان، لكنه غير مُتضامن معها في حروبها منذ ١٩٤٨م حتى ١٩٧٣م. مصر هو الغريب، المُغاير وربما المُخالف. هي التي ما زالت تتمسك بمسئوليتها وتتحمل عبء العرب، ولكنها في عالم، وهو في عالمٍ آخر. لا يتماهى معها، له عالمه الخاص المباشر الواقعي، وهي لها عالمها الخاص المثالي. مصر هي البلد الغريب، والتي تُطالب العرب بالتضامن والتضحية، وهو يريد راحة البال دون أن يُعكر عليه صفو أحد.
  • والخامس انهزم عبد الناصر: فله الفضل في أنه ما زال يتذكر الاسم، ولكن الحرب حربه، والنضال نضاله، والمعركة معركته. لا يعلم أن عبد الناصر كان يجسِّد روح أمة، ويُناضل باسم شعب، ويُحارب من أجل الحرية والاستقلال. يوحِّد بين الزعيم والوطن، بين القائد والجيش، بين الخليفة والخلافة، بين الرئيس والدولة، كما يُشاهد في واقعه السياسي وثقافته الإعلامية. هي إذن قضيةٌ فردية شخصية، وليست صراعًا تاريخيًّا بين قُوى التحرر وقُوى الاستعمار. وفي حالاتٍ أخرى ربما لم يسمع جيل بالاسم. سألني أحد أحفادي مرةً: يتكلمون في المدرسة عن عبد الناصر. من هو، هل كان حاكمًا لمصر؟ اسم بلا مسمًّى، لفظ بلا مضمون، صورة بلا قضية.
  • والسادس احتلال الأراضي العربية: وهو أقصى ما يستطيع الوعي التاريخي إحضاره. وما زالت الإجابة بها نوع من حضور الوعي التاريخي الوحدوي، وهو الاحتلال والأراضي العربية. وهو أقصى ما يصل إليه من وعيٍ سياسي، دون ذكر للمقاومة، أو لطول فترة الاحتلال، أو لمخاطر السلام، أو لكامب ديفيد، أو للاعتراف والصلح والمفاوضة، أو اللاءات الثلاث، أو أي شيء عن المستقبل والمصير.

وعلى النقيض من تغييب التاريخ يحضر لدى العدو الإسرائيلي الوعي التاريخي في أشدِّ صياغاته العنصرية والعدوانية؛ فقد كان الإسرائيلي عندما يُقابل إسرائيليًّا منذ هدم المعبد (العام القادم في أورشليم) تقوم بالحفريات في القدس وأسفل المسجد الأقصى لإثبات وجود المعبد؛ ومن ثَم ضرورة إعادة بناء ما انهدم بعد هدم ما انبنى على الأنقاض. وتكثر الدراسات والبحوث التاريخية حول الشعب الأول الذي سكن في فلسطين، وهم اليهود وليسوا الفلسطينيين في أرض كنعان. والاحتلال العربي للقدس مثل الاحتلال الصليبي والروماني والفارسي والبابلي. للعدوِّ رؤيةٌ مستقبلية؛ فالوعي التاريخي ليس وعيًا بالماضي فحسب، بل هو أيضًا وعيٌ بالحاضر وبالمستقبل، إسرائيل من الفرات إلى النيل، من مصر إلى العراق، بل وشبه الجزيرة العربية؛ فقد كان اليهود في مكة والمدينة واليمن، والتي يعيش فيها اليمنيون في المقابل وقت «الساعة السليمانية».

الخطورة الآن بعد تغييب الوعي التاريخي على الوجود العربي في التاريخ. لم يعد يتحدث أحد عن العرب إلا في مقابل البربر في المغرب العربي، وإلا في السودان في مُقابل الأفارقة في الجنوب، أو في مقابل الكُرد والتُّرك في العراق، بل الحديث كله طائفي بين السُّنة والشيعة في الخليج والعراق، أو المسلمين والأقباط في مصر، والموارنة والمسلمين في لبنان، والزيدية والشوافع في اليمن. الخطورة الآن التضييق على مصر، وقص أجنحتها وخناقها من الشرق بتفتيت العراق، ومن الغرب بتفتيت المغرب العربي، ومن الجنوب بتقسيم السودان؛ حتى لا يُترَك لمصر إلا الشمال الأوروبي الذي ورث الخلافة. وإذا كان الحلم القديم «مصر قطعة من أوروبة»، فلماذا لا يعود من جديد؟

وطن بلا صاحب

لم يعُد الوطن العربي قادرًا على حماية سمائه والدفاع عن أرضه. تفعل فيه القُوى الأجنبية ونُظُم الحكم ما تشاء وكأنه وطن بلا صاحب، جسمٌ مخدَّر يفعل فيه الأجنبي ما يشاء بالتقطيع والترقيع ونقل الأعضاء بمساعدة الممرِّضين المحليين لخَلقِ جسدٍ جديد، فاقد الهُوية، عاجز عن الحركة.

تقوم القُوى الأجنبية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بالغزو المباشر للعراق وأفغانستان، وتقبض على زعمائها السياسيين بالغزو المباشر أو بالمحاكمة غير العادلة، وإعدام رموزها الذين كانوا يعتبرون الوطن أيضًا بلا صاحب، ملكية خاصة لهم، ودرس لباقي الزعماء الذين ملكوا الأوطان كملوكٍ صغار يأتمرون بأمر ملك الملوك، والسلطان الأعظم. وإسرائيل تقتل من تشاء، وتدمِّر ما تريد. سماء لبنان وفلسطين مفتوحتان، وأرضهما تجول فيهما مدرَّعات العدو. وتفعل المقاومة الشعبية ما تستطيع في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان لتبيِّن أن الأوطان لها صاحب، وهي الشعوب القاطنة فيها بعد أن أنكرتها القوى الكبرى من الخارج، واستعبدتها نظم الحكم في الداخل. الأولى بالغزو العسكري المباشر، والثانية بقوات الأمن والشرطة والجيش إن لزم الأمر ضد المعارضة السياسية؛ القلب الذي ما زال ينبض بالحياة. الأولى لنهب ثروات الأوطان؛ النفط وعوائده. والثانية لنهب ثرواته الداخلية، واحتكار مواردها، وتهريب الأموال. وتجتمع السلطة السياسية والثروة الاقتصادية في الحزب الحاكم المُسيطر على جميع مظاهر الحياة المدنية. يزوِّر الانتخابات، ويستأثر بالسلطة، ويُدافع عن مكاسبه ومصلحته في الحكم والبقاء في السلطة إلى الأبد مثل رئيس النظام.

كما تفرض القُوى الأجنبية إرادتها على الأوطان باسم الأمم المتحدة، وقراراتها في السودان لفرض قوات من الأمم المتحدة لحل قضية دارفور، والفلسطينيون منذ أكثر من نصف قرن ضحية دارفور الأولى، نزعهم خارج الأوطان، وتشريد نصف الشعب، ونزوحهم إلى الخارج، في المخيَّمات في دول الجوار، أو في بلاد النفط، أو في بلاد المهجر. ومن بقي منهم في الداخل يعيشون كمُواطنين من الدرجة الثانية تحت الاحتلال. وتفرض الإرادة الدولية إرادتها على لبنان تحت ذريعة المحاكمة الدولية؛ مما يطعن في القضاء الوطني دون فرض إرادة مُماثلة على إسرائيل وقد قتلت المئات من قادة المقاومة الفلسطينية.

وتدخَّلت القوات الأثيوبية مُمثلة عن القُوى الأجنبية للقضاء على نظام المحاكم الشرعية لصالح فريق آخر بدعوى القضاء على الإرهاب وتنظيم القاعدة. ويتم تهديد سورية وإيران بالغزو المباشر من أمريكة وإسرائيل لوضع حد لإمداد المقاومة اللبنانية بالسلاح من إيران، والتدخل السوري في لبنان، وتأييد المقاومة الفلسطينية، وزرع الإرهاب، ومقاومة مشاريع التسوية في المنطقة. وكما تم ضرب المُفاعل النووي العراقي يتمُّ الإعداد للقضاء على المفاعلات النووية الإيرانية حتى لا تمتلك إيران سلاح الردع النووي الذي يُهدد أمن إسرائيل، تنفيذًا لمخطَّط التخلص تمامًا من الجبهة الشرقية في الوطن العربي، سورية والعراق وإيران، بعد أن تم تحييد الجبهة الجنوبية في مصر، والشمالية في تركية، باتفاقات سلام واعتراف وصلح، والأراضي العربية في سورية ولبنان وفلسطين ما زالت مُحتلة.

والصاحب الأوحد مشغول بالتوريث أو بالحكم باسم الفِرقة الناجية، أو الزعامة التاريخية، أو الإلهام السماوي، أو إرث الآباء والأجداد الذي يُحافظ عليه الأحفاد. وتقوم الدول الصغرى بلعب دور الدول الكبرى ما دام الوطن بلا صاحب، تُمهد لنظامٍ عربي دولي جديد يصبح فيه الوطن العربي مركز خدمات واتصال بين الشرق والغرب، ومجالًا للاستثمار مثل هونج كونج وتايوان وكوريا الجنوبية. وإسرائيل جزء فيه كقدرة على الاستثمار ودفع عوائد أكثر، ومرور أنابيب النفط من خلالها، وأداة للتحديث بعد أن تخلَّت مصر عن دورها التاريخي في الوطن العربي فأصبح بلا صاحب، يأتيه من يشاء لملء الفراغ.

أصحاب الأوطان في السجون والمعتقَلات، تحت أهوال التعذيب الجسدي، والنفسي. يخضعون لقوانين الطوارئ أو مكافحة الإرهاب أو حماية الوحدة الوطنية. والأحرار منهم أقليةٌ غير مؤثِّرة، مجرد صمام أمان للنظم السياسية القاهرة للداخل، والتابعة للخارج. والمثقَّفون والأدباء منهم يكتبون ويُبدِعون ثقافةً وأدبًا للتاريخ، يعبِّر عن مرحلة القهر والعجز والتبعية والضياع. يجرُّون عربةً محمَّلة بالأثقال بمفردهم ليصعدوا بها مسار التاريخ، يُقِيلون عثرته، وينهضون بكبوته حتى يأتي الزلزال فيغيِّر الأوضاع، ويُظهر التفاعلات الجديدة، وتنبثق منه المياه الجوفية السارية تحت الأرض في حُمَم البراكين بعد طول غليان.

وليست السماء والأرض وحدهما هما المفتوحتان للغزو العسكري المباشر، بل أيضًا العقول ونُظُم التعليم والمؤسسات الثقافية والإعلامية للتبشير بالوطن البديل؛ التعليم للسوق باسم الجودة والحداثة، والثقافة العالمية لنشر قيم الاستهلاك، والإعلام لنشر قيم العولمة، وأن العالم قريةٌ واحدة، قضت ثورة الاتصالات فيه على الخصوصيات الثقافية التي ما زالت تسبح ضد التيَّار.

وأصحاب الأوطان الشرعيين في أغلبيتهم مشغولون بلقمة العيش، أو البحث عن مصادر للرزق في الداخل أو في الخارج، بالكسب السريع أو الهجرة؛ فضعف الولاء، وعزَّ الانتماء، وضاعت القضية التي طالما حلم بها الناس في الخمسينيات والستينيات. انتهى هذا الجيل الذي قاوَم الاستعمار والصهيونية، وساهَم في بناء الدولة الوطنية، وتحقيق المشروع القومي في الاستقلال الوطني والتصنيع، لحساب جيل جديد يُوهِم نفسه بالسعادة والخلاص عن طريق الدين أو «الشيشة»، أو السعي وراء ملذَّات الحياة في المأكل والمشرب والمسكن التي ملأت الحياة العامة في الطُّرقات والمُنتدَيات، وتحزَّب الناس للنوادي الرياضية بعد أن انعزلوا عن الأحزاب السياسية.

فإذا ما كان للوطن صاحبٌ وهو المقاومة الشعبية، فالكل صاحبه. يتنازعون فيما بينهم دون إمكانية للوفاق الوطني في لبنان وفلسطين والعراق. يقتتلون فيما بينهم على السلطة في الداخل، والسلطة الفعلية في الخارج. نسوا مرحلة التحرُّر الوطني التي قامت فيها الجبهة الوطنية بتحقيق الاستقلال ودحر المُحتل.

طالما أن الوطن بلا صاحب فإن التطرُّف سيزداد، والعنف سيشتدُّ لمن يريد تحويل العجز إلى قوة، واليأس إلى أمل، ويوقف الانهيار المستمر. ستنشط الحركات السِّرية بكل طوائفها، تنتظر لحظة الوثوب على السلطة كما حدث في الثورات العربية في أوائل الخمسينيات بقيادة الضباط الأحرار؛ فما زال يتراءى في الخيال البعيد صور أحمس ورمسيس وصلاح الدين وقطز ومحمد علي وعبد الناصر في مصر، وعمر المختار وصالح بن يوسف وبن بللا وعلال الفاسي بالمغرب، والمهدي بالسودان، وعز الدين القسام في فلسطين، وحزب الله في لبنان. فالأوطان لها صاحب؛ شعوبها، وقادتها الوطنيون، ومسارها عبر التاريخ.

ممنوع من الدخول

إذا أمكن منع الأجساد من الحركة بالاعتقال، والإقامة الجبرية، والترحيل في المطارات والمنع من الدخول بناءً على القوائم السوداء في الأجهزة الإلكترونية وملفات الأمن، فإنه لا يمكن منع الأفكار من الانتشار. وطالما انتشرت أفكار المُعتقَلين بل والشهداء؛ فلا حدود أمامها، ولا مانع من انتشارها؛ فهي كالطاقة في الطبيعة، والكهرباء في الأسلاك. ولو أمكن منع الأجساد على الأمد القصير فإنه لا يمكن منع الأفكار على الأمد الطويل. ومنع الكتب ومصادرتها لا يمنع من انتشار الأفكار؛ فوسائل نقلها الآن مُقامةٌ عبر شبكات الاتصال (الانترنت)، وموجودة في القصور مثل الخمور؛ فكل ممنوع مرغوبٌ فيه. ولو تمَّ وضع الحواجز على الأرض فإنه لا يمكن وضعها في السماء، ولو أمكن وضع الحدود الجغرافية فإنه لا يمكن وضعها في التاريخ، وإن أمكن تقطيع المكان إلى أجزاء فإنه لا يمكن تقطيع الزمان المتصل. وقد كان نيلسون مانديلَّا في السجن ربع قرن وهو يحكم جنوب أفريقية، وكان غاندي في السجون البريطانية والمقاومة السلمية تنتشر في ربوع الهند.

ولا فرق في منع المفكرين من الدخول إلى الدول بعد الوصول إلى المطارات بتأشيراتٍ رسمية؛ فالأمن فوق الخارجية، والشرطة فوق السفارة. ولا فرق أيضًا بين نظام عسكري باسم الجمهورية ونظامٍ ملكي باسم العائلة؛ فمهما اختلفت النُّظم السياسية إلا أنها مُتفقة فيما بينها على التسلط والقهر. الدفاع عن النظام في كلتا الحالتين هو الهدف الرئيسي، وأمن النظام في كلتا الحالتين هو العامل الموجِّه. مع أن الأفكار الممنوعة قد تكون في صالح النظام إذا أراد الأمن على الأمد الطويل عن طريق الحوار مع الخصوم، وليس على الأمد القصير عن طريق المصادرة والمنع بأجهزة الرقابة والشرطة. قد يكون أثرها طيبًا وليس سيئًا، لصالح النظام وليس ضده، ولصالح الوطن الأبقى بعد تغيُّر النظام.

وأثر الحركات الإسلامية على بعضها البعض شيءٌ مشهود، يدلُّ على وحدة فكر الأمة ومصدرها؛ فطالما تأثَّرت هذه الحركات بالأموات مثل ابن حنبل وابن تيمية وسيد قطب، وبالأحياء، مُتطرفين منهم ومُعتدلين، مُحافظين وتقدُّميين، تقليديين ومُجتهدين. ولا يستطيع نظامٌ سياسي معاداة كل أطياف الفكر الإسلامي؛ فلو كان يظنُّ أن المُتطرفين خصومه فعليه الاعتماد على المُعتدلين، وإذا ظن أن التقليديين والمحافظين أعداؤه فيعتمد على المُجددين والتقدميين؛ فالحركة الإسلامية ليست نوعًا واحدًا ولا اتجاهًا واحدًا. وقد أجادت النُّظم السياسية هذه اللعبة بالاعتماد على اليسار لضرب اليمين مرةً إذا كان الخطر منه، وبالاعتماد على اليمين مرةً أخرى لضرب اليسار إذا كان الخطر منه؛ وبالتالي يضعف الجناحان الرئيسيان في الفكر السياسي لصالح القلب. ولا يُعادي نظامٌ سياسي الإسلامَ الديمقراطي الذي يؤمن بالتعددية الحزبية وبالانتخابات البرلمانية إلا إذا كان مُعاديًا للديمقراطية والتعددية السياسية، مُزورًا للانتخابات لصالح الحزب الحاكم الأوحد، أو ضد الفِرق الضالة لصالح الفِرقة الناجية. ولا يُعادي نظام الإسلام الليبراليَّ الذي يعترف بحريات التعبير لكل الناس؛ فالكل رادٌّ والكل مردود عليه إلا كان مُعاديًا للحرية والليبرالية.

يقوم على القهر والتسلط على المؤسَّسات السياسية الدستورية والتعليمية والثقافية والإعلامية، ولا يُعادي الإسلام العقلاني المُستنير الذي يدعو إلى الحوار العقلاني الهادئ إلا إذا كان مُعاديًا للعقل لصالح الخرافة، وضد الاستنارة لصالح الأسطورة، مثل الحكم مدى الحياة والتوريث والزعامة في التاريخ.

وقد يسمح النظام السياسي للمفكر الإسلامي بالدخول بعد طول انتظار منعًا للإحراج المحلي والإقليمي والدولي، وكدليل على بعض الحريات العامة في النظام وكرم شيخ القبيلة وأريحية كبير العائلة، أو اختبار المفكر وحسن سلوكه ومدى اتصالاته؛ فعينُ الدولة في كل مكان، وأجهزة أمنها وشرطتها السرية تُحيط بالأماكن التي يتواجد بها الفكر لاستيفاء ملفه وكتابة التقارير عنه وعن نشاطه في محيطه، بعد أن استعصى شراؤه للعمل مع النظام ضد خصومه السياسيين. وقد يسمح نظامٌ سياسي آخر بدخول الكتب ثم بدخول أصحابها طبقًا للقاعدة الفقهية؛ اختيار أخف الضررين؛ تفجير العقول أم تفجير المباني، استنارة العقول أم إشعال النار في المؤسسات، حرية الفكر أم الفوضى العارمة، تغيير النظام أم هدم الدولة، الإصلاح التدريجي أم الثورة العارمة؟

وقد يمنع نظامٌ ثالثٌ المفكر من الدخول منذ البداية، ورفض الرد حتى على طلب تأشيرة الدخول لحضوره ندوة أو لقاءً أو مؤتمرًا علميًّا؛ عقابًا له على مواقفه، ومنعًا لتأثيره في عدة قضايا اختارت الدولة أحد الحلول التي تتَّفق مع الهيمنة والسيطرة، واستبعدت كل الحلول الأخرى التي تقوم على حرية الشعوب وحق تقرير المصير. ففي عام ١٩٤٨م خلقت بريطانية ثلاث مشاكل طبقًا لسياسة «فرِّقْ تسُد» في فلسطين بتقسيمها، وفي جنوب أفريقية بتأييد الحكم العنصري الأبيض للأقلية ضد الأغلبية الأفريقية، وفي الهند بتقسيمها إلى الهند وباكستان، وخلق منطقة توتُّر بينهما في كشمير التي من المفروض أن تنضمَّ إلى باكستان طبقًا لقرار الأمم المتحدة، الأغلبية الهندوسية في الهند، والأغلبية الإسلامية في باكستان. وكانت الأغلبية في كشمير إسلامية، ومع ذلك ضمَّتها الهند لثرواتها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي.

ورفضت كل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بحقِّ تقرير المصير، ورفضت إجراء استفتاء عام في كشمير لمعرفة رأي شعبها إذا أراد الانضمام إلى الهند أو إلى باكستان، أو الاستقلال التام عن الجارتَين. وماذا يضير الهندَ في استقلال كشمير وضمِّ ما يقرب من ثمانين مليونًا من المسلمين وقد فاق سكانها المليار، وهي أكبر دولة من حيث تَعداد السكان بعد الصين، وتزيد نسبة المسلمين في الهند إلى الضعف، وتضع قنبلةً سكانية موقوتة قد تنفجر في المستقبل، خاصةً وأن النزاع الطائفي بين الهندوس والمسلمين لم يتوقف بعد؟ وماذا عن الهند ونظامها الديمقراطي الذي تفخر به، ومن مآثر بريطانية العريقة في الديمقراطية؟ انتخاباتها الحرة مشهود لها. وهي دليل على أن الديمقراطية ليست ميراثًا غربيًّا فقط، بل هو تجرِبةٌ آسيوية أيضًا بدليل الهند. وهل تُطبق الهند المعيار المزدوج الذي طالما كان نقدًا رئيسيًّا للديمقراطية الغربية؛ الديمقراطية في الهند، واحتلال كشمير، ورفض سؤال أهلها عن مستقبلهم وحقهم في تقرير المصير؟

لقد كان حق تقرير المصير من مُكتسَبات حركات التحرُّر الوطني في العالم الثالث، والهند جزء منه، وأصبح قرارًا من قرارات الأمم المتحدة، وتم إعلانه في الجزائر في ١٩٧٣م في «الإعلان العالمي لحقوق الشعوب»، في مُقابل «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان». وماذا عن تاريخ الهند ونضالها منذ غاندي ونهرو لحقِّ تقرير المصير؟ هل تتكرر مأساة الاستقلال الوطني مرةً ثانية في كشمير بعد أن بدأت في حيدر آباد-الدكن في جنوب وسط الهند التي كانت الأغلبية فيها مسلمة، ثم ضمَّتها الهند عنوةً باسم وحدة الدولة واتصالها؟ وكشمير متصلة مع باكستان، ومع ذلك ضمَّتها الهند عنوةً كما فعلت في الدكن. وماذا عن صداقة غاندي وسعد زغلول، ونهرو وعبد الناصر، وباندونج وبلجراد؟ وأيهما أفضل؛ كشمير صديقة للهند، وباكستان جارة للهند، أم جارتان عدوَّتان وحربٌ طاحنة بين المقاومة في كشمير وتأييد شعب باكستان لها، ودماء الشهداء تسيل من الطرفَين؟

إن الهند وسط العالم الإسلامي، لم تنعم بوحدتها إلا أثناء الحكم الإسلامي. وإمبراطوريتها، إمبراطورية المغول، من عمل المسلمين. وآثارها، تاج محل، من فن المسلمين. وثقافتها وعلمها وحضارتها من آثار المسلمين. وموقعها الجغرافي في داخل المحيط الإسلامي غربًا في إيران، وشرقًا في ماليزيا وأندونيسية، وشمالًا في أفغانستان وأواسط آسيا، وجنوبًا في بحر العرب. وأي سياسية تقوم على الجغرافية والتاريخ تجعل الهند صديقة العرب والمسلمين وليست صديقة لإسرائيل. تلك كانت سياستها في الخمسينيات والستينيات أثناء حركات التحرُّر الوطني، يكفيها ما يحدث في سيريلانكا والصراع الطائفي هناك. وإذا كانت الهند تخشى من السلاح النووي الباكستاني، فالأولى التحالف مع دول الجوار ونزع أي فتيل للتوتُّر. ولا تخاف الهند من السلاح النووي الإسرائيلي وبها مائة مليون من المسلمين قادرون على الزحف على القدس لتحرير المسجد الأقصى. وآلاف الهنود المُهاجرين في دول الخليج يسعَون للرزق، ويعيلون الملايين من فقراء الهنود. مصالح الهند مع العرب والمسلمين، والسلام مع جيرانها أكسب لها من الحرب. يكفيها أنها فصلت باكستان الشرقية عن الغربية في ١٩٧١م بالحرب لإضعاف جارتها. وبالهند أكثر من أربعمائة قومية، وتُهدَّد بالتقسيم للقضاء على وحدتها وقوتها بعد تفتيت يوغوسلافية، وتقسيم الوطن العربي بدايةً بالعراق ثم السودان ثم الخليج ثم المغرب العربي.

إن تجمُّع الصين والهند والعرب وأندونيسية وباكستان يُمثل نصف سكان العالم في عالم التكتُّلات. وإذا انتهى المنع من الدخول في بلدَين إسلاميين، فالأولى إلغاء المنع من الدخول في الهند؛ فكشمير الإسلامية هو رأي مليار وربع من المسلمين. وإذا انتهى النظام العنصري من جنوب أفريقية بقيت فلسطين وكشمير. ويعترف العالم كله بحق تقرير المصير للفلسطينيين وإنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة، فماذا عن كشمير؟

بيع نفس عربية

على وزن «بيع نفس بشرية»، الرواية الشهيرة عن الاستغلال الجنسي للخادمات الفلبينيات في الخليج في المشرق العربي، شرق مصر، يحدث أيضًا «بيع نفس عربية» في جريمة حقن المُمرضات البلغاريات مع طبيبَين فلسطيني وبلغاري، حوالَي خمسمائة طفل ليبي، بمرض «الإيدز» في المغرب العربي، غرب مصر. والفرق أنه في الشرق، الشاري عربي، والبضاعة آسيوية. وفي المغرب، البائع عربي، والبضاعة عربية.

ليس هذا تحليلًا لأحكام القضاء الذي يبدو أنه قام بدوره، ولا تدخلًا في شئون الدول وسياساتها المُتقلبة؛ فذاك ما يخصُّ شعوبها ومثقَّفيها الوطنيين ومفكريها الأحرار، بل الأمر يتعلق بما كثُر الحديث عنه منذ أكثر من عشر سنوات باسم «حوار الحضارات»، أو حوار الثقافات، أو حوار «الشمال والجنوب»، أو «أوروبة والإسلام». وهو أيضًا دفاع عن الثقافة العربية، واحترام الحياة فيها من أجل تغيير الصورة النمطية في الغرب عن العرب؛ أنهم أجساد بلا أرواح، أبدان بلا عقول، قبائل وطوائف بلا إنسان. قد يُهزَم العرب عسكريًّا، وقد يعجزون سياسيًّا، ولكنهم يظلُّون حاملين لثقافةٍ أثَّرت في ثقافات العالم، وما زالت موضع عزة وافتخار.

وإن من مظاهر الأزمة العربية الراهنة اختلاط كل شيء بكل شيء؛ النصر والهزيمة، المقاومة والإرهاب، الواقعية والاستسلام، الشرعية والصورية، الحق والباطل، الاستقلال والتبعية، الاستقرار والطوارئ، الأمن والشرطة، القيمة والتجارة، المبدأ والسياسة. وكانت أحد مقوِّمات النهضة توضيح هذا الخلط، والكشف عما يدور في الواقع من تداخُل واختلاط الحابل بالنابل، حتى لم يعُد يعرف العربي من الصديق ومن العدو، أين المنفعة وأين الضرر.

إن ما حدث من حقن أطفال بمرض «الإيدز» من مُمرضات بلغاريات وطبيب بلغاري، ليس فقط جريمة في حق الأطفال أو في حق البشرية، بل هي جريمةٌ ثقافية في رؤية الأوروبيين في شمال البحر الأبيض المتوسط لغيرهم، خاصةً العرب والمسلمين في جنوبه، استمرارًا لرؤيتهم للأتراك في العصر العثماني، القسوة والتعصب والقهر. وما زالت الرؤية مستمرة حتى الآن في الإرهاب والعنف والتخلُّف والتسلط، وخرق حقوق الإنسان والمرأة والطفل والشيخ والأقليات. وطالما استمرَّت العنصرية العِرقية والمركزية الثقافية داءً دفينًا في الوعي الغربي، سيظل مُستعمرًا غيره، كارهًا ثقافته، نافيًّا وجوده الجسدي والحضاري؛ لذلك يُناصب الغرب الإسلام العداء في أوروبة الشرقية. أوروبة مسلمة! ويُعارض دخول تركية إلى الاتحاد الأوروبي بذرائع واهية اقتصادية وسياسية، والحقيقة برفضٍ حضاري لثقافةٍ مُغايرة، وقد كانت يومًا تُسيطر على أوروبة الشرقية على مدى خمسة قرون. وهو موقفٌ عام يظهر في نتوءاتٍ فاقعة بين الحين والآخر، خاصةً في اليمين الأوروبي؛ برلسكوني وفالاتشي في إيطاليا، برنار لويس في إنكلترة وأمريكة، لوبين في فرنسة، بوش والمُحافظون الجُدد في الولايات المتحدة. لا فرق في ذلك بين مُمرض وطبيب، بين ثقافة العامة وثقافة الخاصة اللتين تجمعهما الثقافة الإعلامية الحديثة، والإرث التاريخي الطويل. وقد يجمع البلغاريَّ والفلسطيني همُّ الرزق، ولقمة العيش، وجمع المال، والعمل في بلاد النفط، والتضحية بكل ما هو إنساني في سبيل المال. وقد تعوَّد الفلسطيني المُهاجر على ذلك؛ غدرًا بأخيه من أجل سوق العمل بعد أن هجر وطنه، وأخذ جنسيةً بديلة تحميه من غائلة العرب وهوس الحاضر وذاكرة التاريخ.

الآخر شيء للبيع والشراء كما بِيع الرقيق الأفريقي في أسواق الولايات المتحدة، منذ خمسة قرون وما زال مستمرًّا حتى الآن. استضعاف طفل من ثقافةٍ تفخر بأنها هي التي صاغت «الإعلان العالمي لحقوق الطفل»، تهبه الموت كما وهبته قُوى الاستعمار لشعوب بأكملها استئصالًا في أمريكة واستراليا، واستعبادًا لكل الشعوب التاريخية القديمة في كل أرجاء أفريقية وآسيا وأمريكة اللاتينية، والوسيلة الحقن بفيروس «الإيدز» الذي لا علاج له حتى يصبح الموت قدرًا محققًا لخمسمائة طفل، جيلًا بأكمله يورث من بقي منهم على قيد الحياة المرض لجيلٍ لاحق. وينتشر المرض بوسائل أخرى من الأوروبيين الشاذِّين جنسيًّا عن طريق اتصالهم بالأطفال، وإغراء الفقراء منهم بالمال والحلوى أو المُبيدات المُسرطنة، وهو ما تفعله إسرائيل في الزراعة المصرية.

ودون افتراض أن يكون القضاء تمثيلية احترامًا لسلطته واستقلاله، فقد أحسن القضاة صنعًا بإصدار حكم الإعدام على المُمرضات البلغاريات والطبيبَين البلغاري والفلسطيني بدرجتَيه، الأولى والثانية، العادي والاستئناف، تطبيقًا للقصاص؛ فمن قتل نفسًا واحدة فكأنما قتل الناس جميعًا في كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية. ولا سلطة أعلى من سلطة القضاء، إلا أن لجنةً أخرى موجَّهة سياسيًّا تعمل الإرادة السياسية من ورائها، والقضاء مجرد غطاء شرعي، خفَّفت الحكم إلى السجن المؤبَّد، خمسة وعشرين عامًا. ولو أن ذلك قد تم في بلد لا يُسَن به قانون القصاص مثل بعض البلاد الأوروبية التي تعتبر «الإعدام» ليس حلًّا، ولا يُحيي الموتى، وخرقًا لحقوق الإنسان، فالحياة حقٌّ طبيعي، ولا يمكن تصحيح خطأ وهو القتل بخطأٍ آخر وهو الإعدام، فمجموع الخطأين لا يكون صوابًا، لكان الأمر مفهومًا، ولكن إلغاء عقوبة الإعدام تم في ثقافة بها القصاص وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ (البقرة: ١٧٩)، وقد تُوفي ما يقرب من خمسين طفلًا، بل في نظامٍ سياسي يُبيح التصفية الجسدية لخصومه السياسيين. واكتملت التمثيلية بدخول أهالي الأطفال الشهداء على الخطأ، وقيامهم بمظاهرات تُطالب بالقصاص، وعبَّروا عن فرحتهم بإعدام القتَلة، وهم أنفسهم الذين عبَّروا عن الفرحة بقبول التعويض وإنهاء الموضوع سلميًّا بعد تدخُّل مؤسسة خيرية على الخط، تقوم بدور الوسيط بين الضحية والجلَّاد لتعظيم دورها، واستعدادًا للتوريث على الصعيدَين الداخلي والخارجي.

كانت قيمة صفقة بيع النفس العربية مليون دولار لكل طفل، ومجموعها أربعمائة وخمسين مليونًا لخمسين طفلًا، وهو أقل من ضخَّة نفط في يومٍ واحد. وفرحت الأسرة ببيع طفلها، تنعم برغد العيش بثمن دمه، وفرحت أسرةٌ أخرى بعلاج طفلها على نفقة القاتل مدى الحياة، وكسبت الدولة تحديث مستشفياتها بأطبَّاء أوروبيين، وكأنَّ الطب العربي المشهود له قديمًا وحديثًا عاجز عن القيام بواجبه. ونجح النظام السياسي في فكِّ الحصار عنه، وشطبه من قائمة الإرهاب، وزيادة التبادل التجاري بينه وبين الاتحاد الأوروبي، وتسهيلات تأشيرات الدخول لكلٍّ من الطرفَين لدى الطرف الآخر، وزيادة البعثات الطلابية للدراسة في الغرب، وعودة العلاقات مع الغرب إلى مستواها الطبيعي، بدلًا من تَكرار غزوها في ١٩٨٦م من القوات الأمريكية، وبدلًا من الترصُّد لباقي القادة العرب أسوةً بصدَّام وحبل المشنقة حول عنق رئيس عربي. وكلها في النهاية وُعود قد لا تتحقق بمجرد الإفراج عن الرعايا البلغار.

وكسبت فرنسة، ورئيسها الجديد في حاجة إلى دورٍ يلعبه في الحوار الوطني بين الخصماء في الوطن في لبنان، وفي الإفراج عن الممرضات البلغاريات ورفيقهن، وفرنسة هي التي صاغت «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمُواطن» أثناء الثورة الفرنسية. والسيدة حرمه تقوم بدور السيدة الأولى في رعاية الشئون الاجتماعية والخِدمات الإنسانية والمشروعات الثقافية، كما هو الحال في معظم البُلدان العربية. وفرنسة هي التي رفضت حتى الآن الاعتذار للجزائر عن جرائم الحقبة الاستعمارية الفرنسية والمليون شهيد، وهي التي تسعى إلى إقامة محكمة دولية لقتَلة رفيق الحريري، وتترك عشرات الآلاف من السجناء الفلسطينيين في سجون إسرائيل. ودخلت دولةٌ عربية صغرى على الخط لتُساعد دولةً عظمى، وتقوم بدور مصر المستمر في لمِّ الشمل العربي محليًّا ودوليًّا.

ووصل الجُناة الأبطال إلى صوفية، واستُقبلوا بالورود والرياحين والدموع الإنسانية تنهمر من عيون القادمين والمُستقبلين، وكأنهم أبطالٌ عادوا مُنتصرين في الحرب ضد العرب. وفي نفس اللحظة، وبدلًا من أن يقضوا الحكم المؤبَّد بسجون وطن الشهداء، وهو لا تنقصه السجون ولا المسجونون ولا السجَّانون، وبدلًا من أن يقضوا المدة في أوطانهم وقد عُرفت يومًا بأنها أيضًا تغصُّ بالمسجونين السياسيين، واحترامًا لأحكام القضاء، فإن الرئيس البلغاري أصدر حكمًا بالعفو عن القتَلة، فيضيع دم الأطفال هباءً، وتنتهي التمثيلية التي دامت تسع سنوات؛ فالغرب هو الغرب، والشرق هو الشرق. أوروبة هي أوروبة، والعرب هم العرب؛ تأكيدًا على الصور النمطية التي تراكمت عبر التاريخ، وما زالت مستمرَّة في الحاضر والمستقبل.

ويظهر المعيار المزدوج الشهير في سلوك الغرب. يُقيم الدنيا ويُقعدها من أجل المُمرضات البلغار والطبيب البلغاري وآلاف المُعتقَلين السياسيين في سجون إسرائيل، ومئات الشهداء من القصف الإسرائيلي، وملايين الأطفال العراقيين استُشهدوا من جرَّاء الحصار والقصف الأمريكي دون أن يُحرك الغرب ساكنًا، لا رئيس الجمهورية الفرنسية ولا أحد من المؤسسات الخيرية العربية أو الغربية، ولا دولة عربية صغرى أم كبرى. ولو قامت مُمرضات وأطبَّاء عرب بالقيام بنفس الجريمة التي قامت بها المُمرضات البلغار في أطفالٍ غربيين أو إسرائيليين انتقامًا من حقبةٍ استعمارية ما زالت مستمرَّة، لقامت الدنيا وقعدت ضد المُجرمين العرب وثقافتهم اللاإنسانية. وقد غزت إسرائيل دولة بأكملها، لبنان، لتحرير ستة من أسرى الحرب الإسرائيليين، ولديها عشرة آلاف من السُّجناء الفلسطينيين.

دولة تبيع مُواطنيها، وتُتاجر بأطفالها لتحميَ نظامها، وهي دولة مبادئ وأيديولوجيات قومية أولًا وأفريقية ثانيًا. اشتراكية أولًا، وتُعطي إشارات بالخصخصة والعولمة والرأسمالية ثانيًا أسوةً بغيرها. ولماذا تختلف الشقيقة الصغرى عن الشقيقة الكبرى؟ وبيع نفس عربية بالعشرات أقلُّ بكثير من بيع نفس عربية أو إسلامية بالآلاف في فلسطين والعراق والشيشان وكشمير والسودان وتشاد ومالي أو في باكستان.

قد يغضب الإخوة الليبيون، ولكن ليبيا بالنسبة لجيلي هي السنوسية وعمر المختار. ليبيا ثورة الفاتح في ١٩٦٩م لا الثورة المضادَّة. ليبيا القومية العربية لا المُهادنة للغرب. ليبيا المبدأ لا المساومة. ليبيا التاريخ لا خارج التاريخ.

السلاح أم الحوار؟٤

إن حالة الاستقطاب الشديد لا تُميز فقط الوطن العربي بين إسلاميين وعلمانيين، في فلسطين بين حماس وفتح، وفي الجزائر بين جبهة الإنقاذ الوطني والدولة، وفي الصومال بين المحاكم الشرعية والنظام السياسي المُستعاد باسم الدولة، وفي السودان بين الشمال والجنوب، وبين الشمال والغرب، وفي اليمن بين الحوثيين والدولة، بل أيضًا في العالم الإسلامي خاصةً في باكستان كما دلَّ على ذلك المواجهة الأخيرة بين قوَّات الجيش وطلاب الجامع الأحمر في إسلام آباد هذا الشهر. وتسيل دماء العرب والمسلمين كل يوم، مُقاتلين وأبرياء، دينيين ومدنيين، حتى أصبح الدم العربي الإسلامي رخيصًا يسفكه أعداء الأمة في فلسطين والعراق والشيشان وكشمير. وخطورة الاستقطاب هو الوقوع في ثنائيةٍ مُتعارضة بين طرفَين، يستبعد كلٌّ منهما الآخر، ثنائية الحق والباطل، والصواب والخطأ، والإيمان والكفر. لا يبقى طرف إلا بالقضاء على الآخر، في الفكر وفي الواقع، في الذهن وفي السلطة؛ فالفِرقة الناجية واحدة بالرغم من تعدُّد الفِرق، وأن اختلاف الأئمة رحمة بينهم، وأهمية التعددية الفكرية والسياسية.

ولكل فريق من المُتخاصمين المُتحاربين من الإخوة الأعداء أخطاؤه، ومجموع الخطأين لا يكوِّن صوابًا، والاختيار بينهما يزيد من كبِّ الزيت على النار، وشقِّ الصف الوطني، وسفك الدماء، وشبح الحرب الأهلية. وهو منطق «إما … أو …» الذي ساد معظم الديانات الآسيوية، المانوية والهندوكية والزرادشتية، ودين الصين القديم قبل كونفوشيوس، وأصَّلتها الغنوصية التي دخلت معظم ديانات الوحي، خاصةً المسيحية في التقابل بين ملكوت السموات وملكوت الأرض، ومقتضيات الروح ومتطلبات البدن، وفي الإسلام في تقابلٍ مُشابه بين الدنيا والآخرة، بين الملاك والشيطان.

والتعارض بين الفريقَين ليس فقط كما يبدو في الظاهر صراع سلطة، بل هو صراعٌ ثقافي بين رؤيتين مُتباينتين «إما … أو …» بين منهجين وأسلوبين في الحياة، لا حل له إلا بالحوار والتكامل، وتصحيح أخطاء كل فريق بمُميزات الفريق الآخر من أجل الوصول إلى الطريق الثالث الذي اشتقَّته تركية مُمثلةً في «حزب العدالة والتنمية»، وماليزيا ممثلةً في حزب «الآمنو». وهو ما تسعى إليه جميع حركات التجديد والإصلاح في المغرب في حزب العدالة والتنمية، وليس بإقصاء الإسلاميين كما هو الحال في مصر وليبيا وتونس والجزائر، أو بإقصاء العلمانيين كما هو الحال في السعودية والإمارات وعُمان. وما زال الوضع مُتوترًا في اليمن والكويت والأردن.

ويتمثل خطأ الإسلاميين في الآتي:
  • (١)

    جعل المسجد دولةً داخل دولة، وسلطةً داخل سلطة، وحكومةً داخل حكومة، وهو ما لا يقبله أي نظام سياسي، دكتاتوري أو ديمقراطي، رأسمالي أو اشتراكي. صحيحٌ أن هناك سلطاتٍ عديدةً داخل الدول قد تتناحر فيما بينها؛ بين السلطة القضائية من ناحية، والسلطتَين التشريعية والتنفيذية من ناحيةٍ أخرى كما هو الحال في مصر. وقد تكون هناك سلطتان في الدولة؛ السلطة العسكرية والسلطة المدنية كما هو الحال في تركية، ولكن هذه الازدواجية في السلطة لا تصل إلى حدِّ الصراع العلني المفتوح وشقِّ الصف الوطني.

  • (٢)
    صحيحٌ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبٌ شرعي على العلماء؛ فالدين النصيحة. وهي الحسبة؛ الوظيفة الرئيسية للحكومة الإسلامية كما قرَّر ابن تيمية وابن القيم، وهي وظيفةٌ مشروطة بأن تكون من العلماء وليس من الطلاب، مُتفقًا عليها بينهم وليس عليها اختلاف، وبالحسنى وليس بالعنف، ودون أن تأتيَ بمنكرٍ أعظم من المنكر الذي تنهى عنه، ودون ملء المسجد بالسلاح، ووضع النساء والأطفال والشيوخ في أتُّون المعركة. ومن الأفضل أن يكون النصح جماعيًّا وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (آل عمران: ١٠٤)، وليس نصحًا فرديًّا أو لمجموعةٍ صغيرة مذهبية أو عِرقية مثل «جبهة علماء المسلمين».

    لذلك قُدِّم الإجماع على الاجتهاد في ترتيب مصادر الشرع الأربعة. وهناك عشرات الآلاف من المساجد مثل «المسجد الأحمر»، والحركة الإسلامية ممثلةً في البرلمان. وكان يمكن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلاله، وبالوسائل الديمقراطية الشرعية، والكتابة بالصحف، وحشد الرأي العام، وليس بالسلاح، بصرف النظر عن البادئ بالعنف؛ لذلك اقترح بعض علماء الأمة، ومنهم الإمام الخميني، وكردِّ فِعل على استعمال العنف، إعادةَ ترتيب الوسائل الثلاثة للتغيير في الحديث الشهير، بالقلب ثم باللسان ثم باليد. وهي الطُّرق المتبَعة في مقاومة الحاكم الظالم، بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في خطب المساجد أولًا؛ فإن لم يرعوِ الحاكم يتم اللجوء إلى قاضي القضاة الذي يعيِّنه الحاكم ولكنه لا يستطيع أن يعزله حرصًا على استقلاله؛ فإن لم يسمع لحكم القضاء ثار الناس عليه بقيادة العلماء وقاضي القضاة لعزله. ولا يمكن اختزال المراحل التدريجية الثلاث في مرحلةٍ واحدة، وهي المرحلة الأخيرة، والقفز فوق المرحلتَين الأولى والثانية.

  • (٣)

    وفي المجتمعات الإسلامية في جنوب شرق آسيا تتنوَّع التركيبة السكانية والقبلية، وتتعدد المعتقدات الدينية والطوائف والمذاهب؛ فهناك البلوشي والباشتون، والسُّنة والشيعة، والهنود والصينيون والملاويون. وطبقًا للشريعة الإسلامية، كل طائفة تحكم بشريعتها مثل أهل الذمة، النصارى واليهود، وأضاف الفقهاء المجوس والصابئة، بل وعبَدة الأوثان. وإذا أراق المسلم خمر الذمي وجبت عليه الدِّية أو التعويض؛ فلا تُطبَّق الشريعة الإسلامية إلا على المسلمين. والحفاظ على وحدة الأوطان، مثل السودان، مقدَّم على تطبيق الشريعة الإسلامية على الجنوب؛ ومن ثَم يُخطئ من يُمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا ما طبَّقه على غير المسلمين، مثل الصينيين الذين يقومون بالحمَّامات التركية والتدليك، أو ما يُسمى بالحمَّام التركي المُنتشر في جنوب شرق آسيا. واحترام العادات والتقاليد والأعراف لغير المسلمين جزء من الشريعة الإسلامية، «من آذى ذميًّا فقد آذاني.»

  • (٤)
    والخطورة أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مجرد ذريعة للصراع على السلطة، وممارسة المعارضة السياسية، والمسجد ليس مكانها. المسجد للحوار وليس للصراع، للنصيحة وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل: ١٢٥) وليس للقتال. المسجد سلطةٌ معنوية وليس سلطةً سياسية، حامٍ للقيم الإسلامية وليس مُنفذًا لها بالقوة كما يفعل المُطوفون بالعِصي لستر الأعقاب بعد النظر إلى السيقان. الصراع السياسي مكانه صناديق الاقتراع وأجهزة الإعلام والانتخابات الديمقراطية.
ويخطئ الفريق الآخر، الدولة بأجهزتها، الرياسة والجيش والشرطة وكل أجهزة الأمن للآتي:
  • عدم الاستماع للنصيحة، والاستجابة لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواجهة الرأي بالرأي، والحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان، وليس بالسلاح والحصار والمواجهة والقتل ورفض الحوار والوساطة وإظهار حق الدولة على حساب قوة المجتمع؛ فالمسجد في الإسلام له مكانته ودوره التعليمي والرقابي على المجتمع. ومواجهة الدولة مع المسجد هو السيطرة الكاملة للدولة على المجتمع المدني.

  • استعمال الجيش في المعارك الداخلية مع الشرطة وأجهزة الأمن. وظيفة الجيش الدفاع عن أمن البلاد ضد المخاطر الخارجية، وليس الدفاع عن النظام السياسي ضد مُعارضيه. الجيش مؤسَّسةٌ مستقلَّة في البلاد، وليست أداة للنظام السياسي لاستتباب الأمن وإقرار النظام؛ فإذا ما تحوَّل الجيش عن وظيفته، وأصبح أداة قمع في الداخل، قتل الأب ابنه والابن أبيه، والأخ أخاه وأخته في ثقافةٍ قبَلية ما زال الثأر فيها ممارسةً شعبية، فيُقتل الأبرياء من الطرفين. وكلاهما ضحايا النظام السياسي الذي يجعل المُواطن يقتل المُواطن، ويؤجِّج الاقتتال بين المُواطنين. وقد يصل الأمر إلى الحرب الأهلية عندما ينقسم الشعب، كل قسم مع أحد الفريقَين المُتحاربين.

  • جعل رئيس الدولة نفسه رئيسًا للسلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ فهو رئيس الجيش، ورئيس الشرطة، ورئيس أجهزة الأمن، وهو الذي يشرِّع ويسمح بمرور الطائرات الأمريكية فوق أراضيها للعُدوان على أفغانستان وضربها من بحارها كما تفعل بعض البُلدان العربية. له سلطاتٌ مُطلَقة في الحرب والسلم بالرغم من البرلمان المنتخَب ومُمثلي الشعب. يتبع سياسة الولايات المتحدة الأمريكية وما تُمليه عليه بحجة مُحاربة الإرهاب، ومقاومة طالبان باكستان، والوقوف في مواجهة الحركات الإسلامية. وهو أعلى من السلطة القضائية بطرده رئيس المحكمة العليا، ثم إعادته لتخفيف التوتُّر بينه وبين المعارضة، وكسب ود الليبراليين ضد الإسلاميين.

  • التحرُّش بالقبائل على الحدود الطويلة المُمتدة بين باكستان وأفغانستان، وهي قبائل واحدة على الحدود المُصطنَعة التي وضعها الاستعمار. وقد كانت القبائل عبر تاريخها هي الجانب المعنوي في حياة الأفغان والباكستانيين، ومُعاداة الداخل ومُوالاة الخارج. والإسلام هو القوة السياسية الأولى في باكستان، وتيَّارٌ شعبي عارم. لا يُعاديه أحد، بل يُحاوره بجوار التيَّارات الليبرالية النخبوية الضعيفة. كان يمكن تكوين جبهة وطنية عريضة حول حقوق شعب كشمير، والنووي الباكستاني في مواجهة الخطر النووي الإسرائيلي، وتحييد النووي الهندي، وتكوين كومنولث إسلامي آسيوي إقليمي يضمُّ كل الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى مع إيران وماليزيا وأندونيسية لمواجهة قوى الاستعمار الجديد والهيمنة الأمريكية. الحوار مع الشعب وليس المواجهة معه، وفي الداخل ضد الخارج أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (الفتح: ٢٩)؛ دفاعًا عن التعددية السياسية والحوار الوطني للوصول إلى برنامجٍ وطني عام يُوافق عليه الجميع.

الحوار وليس السلاح هو الحل بين الدولة وخصومها، بين النظام السياسي والحركات الإسلامية من أجل إيجاد طريق ثالث يجمع بين القديم والجديد، بين الدولة والشعب، بين الجيش والأمة؛ حتى تتحول الدولة والنظام السياسي من القهر إلى الحرية، وحتى تتحول الحركات الإسلامية من المحافظة إلى التجديد. وطريق تركية وماليزيا وأندونيسية وموريتانية مُمهد للجميع.

الأقوال والأفعال٥

تاريخ القضية الفلسطينية هو تاريخ الأقوال والأفعال. الأقوال من العرب عن العُدوان والاستيطان الإسرائيلي والتأييد الأمريكي المُطلَق للكيان الصهيوني. أما الأفعال فهو الاعتراف والمفاوضة والصلح (وداوِني بالتي كانت هي الداء). والأفعال من العدو الإسرائيلي، العُدوان اليومي منذ نشأته حتى احتلال كل فلسطين وإقامة الجدار العازل. أما الأقوال فحديث عن السلام والأمن وإقامة دولتَين تعيشان جنبًا إلى جنب، والتفاوض مع المُعتدلين، واستبعاد الإرهابيين.

فمنذ النكبة في ١٩٤٨م ورفض العرب قرار التقسيم بالفعل، يستمرُّ العرب في الرفض القولي، وتستمر إسرائيل في الاستيلاء على ما يتجاوز التقسيم في النقب حتى قرية أم الرشراش التي أصبحت إيلات، منفذ إسرائيل الوحيد على البحر الأحمر، وطريق التجارة البحرية إلى آسيا عبر المضايق العربية في تيران وباب المندب، وتهديد الأمن القومي العربي في البحر الأحمر الذي كان إلى عهدٍ قريب بحيرةً عربية بين مصر والأردن والسعودية واليمن والسودان وجيبوتي.

منذ انسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء بعد العُدوان الثلاثي على مصر في ١٩٥٦م، واحتفال مصر بعيد تحرير سيناء، إلا أن قوات الأمم المتحدة ما زالت موجودة في مضايق تيران. نحتفل بالقول، وإسرائيل تحتلُّ بالفعل. وبعد عُدوان ١٩٦٧م الذي كان سببه الرئيسي سحب قوات الأمم المتحدة من المضايق وغلق مدخل الخليج، قبِلنا قرارَي ٢٤٢، وقرار ٣٣٨، الداعيين لانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة، وإسرائيل تبني المستوطنات وتبتلع أراضي غزة والضفة الغربية. وقبِل العرب مشروع روجرز، ورفعوا شعار «إزالة آثار العُدوان» وليس تحرير فلسطين، كل فلسطين من البحر إلى النهر، وإسرائيل تستوطن وتضمُّ الأراضي المحتلة.

وفي حرب تشرين (أكتوبر) ١٩٧٣م تحوَّل العرب إلى الفعل الصامت فأنجزوا العبور العظيم، ثم سرعان ما تحوَّل إلى أقوال: «حرب أكتوبر آخر الحروب»، «السلام خيارٌ استراتيجي». وفي نفس الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل بالفعل بالتركيز على بناء المستوطنات وتوسيعها، وإحضار ما يقرب من مليون يهودي روسي مُهاجر في موجةٍ ثانية بعد الموجة الأولى في ١٩٤٨م من اليهود العرب، تعترف مصر بإسرائيل، وتُفاوض المحتل، وتُصالحه في كامب ديفيد الأولى في ١٩٧٨م، وفي معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في ١٩٧٩م. وندَّعي أننا نعمل على تحرير باقي الأراضي المحتلة في فلسطين وسورية بالقول، ونتبادل السفراء مع إسرائيل، وتُطبع الحكومة المصرية معها سرًّا بالفعل.

وبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، وفرض المقاومة الفلسطينية وجودها على الساحة السياسية، بدأت الولايات المتحدة تبيع الأقوال: خارطة الطريق، الدولتان، الانسحاب من معظم الأراضي المحتلة، القدس الشرقية. وقد عبَّرت ورقة كلينتون عن ذلك أولًا بعد كامب ديفيد الثانية بين منظمة التحرير وإسرائيل، بعد الاعتراف المتبادل بينهما. ومن ذلك الوقت يرفض العرب قولًا كل مشاريع التسوية المقدَّمة من إسرائيل، غزة أولًا، أريحا أولًا، الخيار الأردني، ومن الولايات المتحدة الأمريكية يقبلون خارطة الطريق أخيرًا التي تبيع الأقوال والآمال. أما الأفعال فالتأييد المطلق لإسرائيل للغزو والعُدوان والقتل والتدمير بدعوى دفاع إسرائيل عن حقها في الوجود والأمن ضد الإرهاب الفلسطيني والدولي الإسلامي مُمثلًا في تنظيم القاعدة. وأخيرًا جاءت «مبادرة السلام العربية» لتؤكِّد مُقررات مدريد وأوسلو، الأرض في مقابل السلام، الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة في مقابل التطبيع الكامل مع إسرائيل. وأعلنتها السعودية بما لها من ثقلٍ اقتصادي وديني. وإسرائيل بالأفعال ترفض وتعتدي وتحتل وتغتال وتُدمر وتقتل وتُطارد.

والعرب يرفضون العُدوان الإسرائيلي المُتجدد بالقول، ويتصالحون معها، ويطبِّعون ويُتاجرون ويُنسقون أمنيًّا معها. ويدينون العرب تأييد الولايات المتحدة إسرائيل بالمال والسلاح وفي المنظمات الدولية. وفي نفس الوقت تتبع النُّظم العربية سياسات الولايات المتحدة، ويأتمرون بمؤتمراتها ضد الإرهاب، وتجميع المُعتدلين ضد المُتطرفين، ويؤيدون الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، ويُعادون إيران، ملكيُّون أكثر من الملك.

ويتكرر الأمر ذاته في مؤتمر الخريف القادم، يبيعون الأقوال على حذر، الدولة الفلسطينية الموعودة، وبالأفعال تعقد أمريكة مع إسرائيل صفقة بثلاثين مليار دولار على مدى عشر سنوات قادمة، معونات عسكرية واقتصادية. وتُحاصر حماس وترفض التعاون معها بالرغم من أنها أتت إلى السلطة بانتخاب ديمقراطي شرعي. يأخذون باليمين ما يُعطونه باليسار. وظيفة المؤتمر القادم مجرد اكتشاف آفاق للسلام، وضع مبادئ عامة وُضعت من قبلُ في مدريد وأوسلو، إيجاد إطار عام، عدم الدخول في التفاصيل أو التعرض للقضايا الجوهرية، القدس واللاجئين والحدود وحق العودة. يُقدمون الأقوال دون الأفعال. يبيعون لنا التزامًا بتعبير أحد الكُتاب النابهين.

وإسرائيل تقبل على مضضٍ فكرة المؤتمر الدولي. وهو ليس مؤتمرًا، بل لقاء لتفريغه من مضمونه الدولي الإلزامي. تتحدث عن السلام والتسوية وضرورة المفاوضات المباشرة، ولكنها لا تجد الشريك الفلسطيني. وإن وجدت فمن اختيارها، السلطة الوطنية الفلسطينية، ممثلةً في رئيسها، وليس الإرهابيين الذين يودُّون تدمير إسرائيل ولا يعترفون بوجودها. تتحدث عن الدولتين، وتُقيم جدار الفصل العنصري، وتُوسع المستوطنات، وتعتدي يوميًّا على غزة، وتُداهم المدن الفلسطينية، تهدم المنازل، وتغتال النشطاء، وتعتقل المطلوبين، وتضع مئات الحواجز في الضفة لتقطيع أوصالها، ومنع الشعب الفلسطيني من التحرُّك على أرضه. وتستعدُّ للحرب ضد سورية وإيران ولبنان لإنهاء ما تبقَّى من مقاومةٍ عربية وإسلامية لإرادتها وإرادة الولايات المتحدة الأمريكية.

وأحد أسباب هذا الخُلف بين الأقوال والأفعال هو الموروث الثقافي؛ فالقول لدينا مُكتفٍ بذاته، والخطاب له أثرٌ سحري، الخطاب الديني أو الخطاب السياسي. يُفرج الكرب، ويُخفف الهم، ويُريح النفس، ويحل المشاكل، ويقضي الأزمات. واللغة العربية وسحر الكلمات يُساعد على ذلك. وقد نبَّه القرآن العرب على ذلك، وعاتبهم بأنهم يقولون ما لا يفعلون يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (الصف: ٢-٣)، ويصفهم بأنهم يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ (آل عمران: ١٦٧)، ويحكم على الأعراب بأنهم أهل كفر ونفاق ورياء.

وفي المقابل سيطرت البرجماتية على الفكر الغربي. وهي تُعطي الأولوية للفعل على القول، والعمل على النظر. وصدق الفكر ليس في صدقه النظري المنطقي، اتفاق المقدمات مع النتائج، بل في إمكانية تحقيقه العملي وأثره الفعلي في الواقع وبين الناس.

شيءٌ واحد يتم تحقيقه خيرٌ من عشرة أشياء يتم التنظير لها. وهو أقرب إلى الموقف الإسلامي في أولوية العمل على النظر وَقُلِ اعْمَلُوا (التوبة: ١٠٥)، يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ (هود: ٩٣)، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ (الرعد: ١٧).

قد تكون الأقوال دون الأفعال هي حيلة العاجز عن فعل شيء. فيتحرك عن طريق اللسان، ويناضل بالكلام، ويصول ويجول على مستوى الأقوال. وهو ما عُرِف باسم الخطاب السياسي العربي الذي يهدف إلى الاستهلاك المحلي وامتصاص غضب الجماهير، وهو امتداد للخطاب الديني التقليدي، «أسمع كلامك يعجبني، أشوف أفعالك أستعجب»، أو «خد من كلام الشيخ ولا تأخذ من أفعاله». أما القوي بالفعل القادر على فعل فلا يحتاج إلى قول. الفعل قوله، والصمت لغة لا يُحسِنها العرب. وقد وصل الأمر إلى حد اعتبار أحد المستشرقين العرب ظاهرةً صوتية. والله مُتكلم مع أن كلام الله فعل كُنْ فَيَكُونُ (النحل: ٤٠)، والقرآن كلام، ولكنه دعوة إلى الفعل وَقُلِ اعْمَلُوا. وقد غيَّر جوته أول آية في إنجيل يوحنا «في البدء كانت الكلمة»، إلى «في البدء كان الفعل».

فمتى تتغير بنية الثقافة العربية، وتتحول من القول إلى الفعل، ومن الكلام إلى التحقيق، ومن اللغو إلى الصمت، كما نظم الشاعر العربي:

والفدائي وحده يكتب الشعر
وكل الذي كتبنا هُراءُ

العصا٦

الحياة رموز، والدين والسياسة والثقافة رموز، والأشكال الأدبية كلها رموز. يعيش الإنسان في عالم من الرموز، ومهمته فكُّ الشفرة ومعرفة دلالات الرموز. ضاقت الحياة بالعبارة؛ فكلما اتَّسعت الرؤية ضاقت العبارة، كما لاحظ النَّفَّري، فتحوَّلت إلى حروف، والحروف إلى أرقام، حتى أصبحت الأرقام (الديجيتال) سمة العصر.

وتؤثِّر هذه الرموز في اللاوعي الديني والسياسي والثقافي وتنبثق منه، وتحليلها جزء من الأنثروبولوجيا الثقافية وسبر أغوار النفس. ولما كنا بعد عدة تجارب سياسية على مدى قرنَين من الزمان، منذ محمد علي حتى عبد الناصر، نُحاول بناء الأوطان، وتعثَّرت محاولاتنا عدة مرَّات بتكالب الغرب على محمد علي وإنهاء مشروعه، وتكالبه مرةً ثانية، الاستعمار والصهيونية، للقضاء على عبد الناصر الذي أراد استئناف المشروع الأول؛ نهضة مصر من أجل القضاء على استقلال مصر وتفرُّدها في محيطها.

ومن ضِمن هذه الرموز العَلم الوطني الذي يعكس بؤرة الحياة الدينية والجغرافية والسياسية. العَلم الكوري في وسطه الدائرة المُنقسمة إلى أنصاف دائرة، الرمز البوذي. والعَلم السويسري والبريطاني وسطه الصليب رمزًا للمسيحية، أو الصليب المعقوف رمزًا للنازية. والعَلم التُّركي والمصري قبل الثورة وسطه الهلال والنجوم رمزًا للشهور العربية والانتماء الإسلامي. وقد يكون الرمز جغرافية، مثل شجرة الأرز في علَم لبنان، وورقة الشجر في العَلم الكندي. وقد يكون سياسيًّا مثل المطرقة والسندان في العَلم الروسي والصيني للدلالة على ثورة العمال والفلاحين. وقد يكون النجوم التي ترمز إلى الوحدات السياسية، الولايات، في الدول الاتحادية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، أو تجارب الوحدة في الوطن العربي، الجمهورية العربية المتحدة، نجمتان، والوحدة الثلاثية بين مصر وسورية والعراق، ثلاثة نجوم. وما زال القوميُّون يأملون في عَلمٍ عربي واحد به اثنتان وعشرون نجمة.

وقد تُغْني الألوان عن الرسوم والأشكال منذ الثورة الفرنسية في العَلم المثلَّث الألوان الشهير، الأحمر والأزرق والأبيض بالطول في فرنسة، وبالعرض في إيطاليا. وقد يُضاف إليها الأسود علامةً على العهد البائد في ألمانية. وقد تكون أرضيته حمراء إيثارًا للثورة على غيرها مثل العَلم الصيني والروسي، أو التحرُّر الوطني مثل العَلم المغربي. وقد تكون الأرضية خضراء رمزًا للزراعة والأرض الخضراء في تركية ومصر قبل الثورة. وقد تجتمع عدة ألوان؛ الأسود رمزًا للعهد البائد، والأحمر رمزًا للثورة، والأبيض رمزًا للسلام.

وقد توضع رموز القوة مثل السيف والصحراء والقبيلة في علَم المملكة العربية السعودية مع الكلام، عبقرية العرب التي تجلَّت في الشعر، ثم ورثها الوحي «لا إله إلا الله، محمد رسول الله». وفي الصراع السياسي يُستبدل كلام بكلام مع تعدُّد الألوان الثلاثية، وعليها «الله أكبر» توظيفًا للدين في الحرب، كما هو الحال في العَلم العراقي بعد حربَي الخليج الأولى والثانية استنهاضًا للدين ضد إيران والخليج، ضد الشيعة والسُّنة على حدٍّ سواء. أما صقر قريش فهم مخفوض الجناحَين، وليس كالنسر الأمريكي الفارد الجناحَين ليضمَّ العالم كله شرقًا وغربًا. وعديد من البُلدان الشمالية والأمم المتحدة تستعمل اللون الأزرق رمزًا على زرقة السماء وصفاء الروح وكتائب حفظ السلام (القبَّعات الزُّرق).

وقد يُوضع في بعض الشعارات السياسية المصحف مع السيفَين دليلًا على القوة المستندة إلى الكتاب. والخطورة أن تكون هناك قوةٌ تستمدُّ من الكتاب شرعيتها دون رقابة من الكتاب عليها. الخطورة أن يتحول الكتاب إلى مصدر للعقوبات باسم تطبيق الشريعة، والوقوع في النصية والحرفية دون الواقع ومصالح الناس، «واحتمى أبوك بالنصوص، فدخل اللصوص.» الخطورة أن يرمز الكتاب إلى التقاليد والعلم المكتوب؛ فالعلم ليس في كتاب، بل في قدرة العقل على فهم قوانين الطبيعة واستقراء قوانين التاريخ، قيام المجتمعات وسقوطها، العلم الطبيعي والعلم الإنساني.

ومن الرموز المرئية طريقة تحيَّة الرؤساء العرب والمسلمين الرجال، مثل تقبيل الوجنتَين والأنف والكتف واليدَين طبقًا لدرجة علو الرؤساء. وقد أثَّرت هذه العادة في الرؤساء الأوروبيين في استقبالهم للرؤساء العرب بتقبيل الوجنتين، بالإضافة إلى عاداتهم في تقبيل الرؤساء الرجال للرئيسات النساء؛ فتقبيل الرجل للرجل حتى ولو كان رئيسًا له مغزًى، وتقبيل الرجل للمرأة له مغزًى آخر، وكلاهما تقاليد اجتماعية تختلف من شعب إلى آخر.

والأخطر هو رمز «العصا»، عصا المارشالية التي كان يُمسك بها رئيس الجمهورية الثانية في مصر، الصولجان الذي يجمع بين السلطة العسكرية والسلطة السياسية. ومثلها عصا رومل، وعصًا أخرى يُمسك بها الرئيس السوداني ويرفعها عاليًا لتحية الشعب، وهو تراثٌ ديني قديم منذ عصا موسى التي كان يتَّكئ عليها نظرًا لكبر سنه، ويهشُّ بها على غنمه لأنه كان راعيًا. هي العصا السحرية التي لقفت كل عِصي السحرة، والقادرة على التغلب على كل القوى الأخرى، حتى استقر في الاستعمال اليومي تعبير «العصا السحرية»، ثم يتحول راعي الغنم إلى راعي الشعوب. واستمر ذلك في سيف المُعز، وكرباج الوالي، وعصا الشرطي في الطريق العام، والأمن المركزي ضد مظاهرات الطلاب والعمال، والناظر والمُشرف في المدرسة يهشُّ بها الطلاب كما يفعل راعي الغنم. وهي عصا الفتوة كما صوَّر نجيب محفوظ في «التوت والنبوت»، وفي ملحمة «الحرافيش». وهي عصا الأب ضد أبنائه وبناته من أجل «سُك على بناتك». وهي رمز العقاب والقرع والتأنيب والتهذيب والتربية. وقديمًا قال المتنبي:

لا تشترِ العبد إلا والعصا معه
إن العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ

وقال شاعرٌ آخر:

والعبد يُقرَع بالعصا
والحر تكفيه الملامةْ

وفي الأمثال العامية: «العصا لمن عصى.» وكلاهما، العصا والعصيان، من اشتقاقٍ واحد؛ فالعصا جزاء العِصيان. وهو ما يُفسر قسوة الأمن المركزي في قمع المظاهرات، وسحل المُعارضين، وضرب الطلاب والعمال المُعتصمين.

والسؤال الآن، ما هو الرمز أو الرموز التي يمكن أن تعتزَّ بها الحياة الدينية والسياسية والثقافية العربية؟ حتمًا، ليست العصا أو الهراوة بيدِ الشُّرطي، أو السيف بيدِ السيَّاف، أو حبل المشنقة الذي لُفَّ حول عنق صدَّام ليُخيف من يشقُّ عصا الطاعة من الرؤساء.

ما الذي تعتزُّ به الثقافة العربية عبر قرونها الطويلة كي يكون رمزًا لها. الشعر العربي، المتنبي وأبي فِراس؟ الوحي الإسلامي مُمثلًا في القرآن دون توظيفه سياسيًّا لتبرير نُظُم الحكم باسم الحاكمية والربوبية والألوهية والعبودية، وتحويل القرآن إلى مجرد عقوبات وواجبات دون حقوق ومتطلبات؟

الآثار العربية والإسلامية من عجائب الدنيا؛ تاج محل، قصر الحمراء بغرناطة، الجامع الأزرق بإستانبول، القلعة بالقاهرة، مسجد الحسن الثاني بالمغرب أو كوالالمبور في ماليزيا أو روما بإيطاليا. وهي في النهاية قصور ومساجد للأمراء، وليست من آثار الشعوب. هل رموز العلم الرياضي كالحسن بن الهيثم، أو الطبيعي كجابر بن حيان، أو الفلسفي كابن رشد؟ وهل بالضرورة أن يُمسك الرئيس بيده شيئًا يرفعه فوق رءوس الناس؟! ولماذا يكون بالضرورة هي «العصا»؟

من يريد الديمقراطية؟٧

كثُر الحديث عن الديمقراطية في الآونة الأخيرة. امتلأت بها الصحف والقنوات الفضائية والندوات المحلية والمؤتمرات الدولية، وصبَّ فيها رأس المال الدولي مئات الملايين من الدولارات، حتى ملأت الدنيا وشغلت الناس. وهي موجةٌ من موجات الاستقطاب الذهني مثل العولمة، وحوار الحضارات، وحقوق الأقليات، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، بعيدًا عن مصالح الناس المباشرة؛ الفقر والفساد.

وكثرة الحديث عن شيءٍ تعني أنه لا يتحقق، واستعمال الكلام كغطاء على إبقاء الأمر الواقع كما هو، القهر والتسلط والطغيان؛ لذلك يحدُث رد الفعل عند جماعات العنف السياسي بإعطاء الأولوية للأفعال على الأقوال، والإعداد لقلب نُظُم الحكم التي أسهبت في استعمال الأقوال كغطاءٍ يُخفي العجز عن الأفعال، أو عدم القدرة عليها أو الرغبة فيها. وكثرة اليقين تُوحي بالشك؛ لأنه لا وجود ليقينٍ مُطلَق. ما زال الحديث عن الديمقراطية يخضع لعقلية المِفتاح السحري القادر على حل كل شيء، مثل «الإسلام هو الحل»، «الديمقراطية هي الحل»، من آثار «الفِرقة الناجية»؛ إذ لا يوجد حلٌّ واحد لكل شيء، بل هناك عدة حلول لبعض الأشياء.

والسؤال هو: من يريد الديمقراطية بالفعل؟ من الصادق في قوله من بين آلاف المقالات والنداءات؟ وهل الذي يتحدث عن شيءٍ يفعله أم إن الحديث مُكتفٍ بنفسه بدعوى التوعية كما هو الحال في الوعظ الديني؟ من هم أصحاب المصلحة الحقيقية في الديمقراطية على مستوى الأفعال وليس على مستوى الأقوال؟ ما هي العقبات التي أمامها والتي لا يُزيلها أحد، ويكتفي بالبكاء والعويل أمام الحائط المنيع؟

هناك ثلاث قوًى رئيسية تتحدث عن الديمقراطية إلى درجة الصراخ:
  • الأولى: الولايات المتحدة الأمريكية والبُلدان الأوروبية وإسرائيل، فيما يُسمى بمشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير؛ حتى يضم إسرائيل. ويطول الخطاب إيران وتركية. والدعوى هي القياس على العالم الحر، وتدعيم القيم «العالمية»، واتخاذ النموذج الغربي نموذجًا للتحديث، وحتى تقلَّ كراهية عالم الستار الحديدي ومحور الشر وجماعات الإرهاب عداءها للغرب: «لماذا يكرهوننا؟» وهي كلمة حق يُراد بها باطل؛ إذ يعني المشروع الأمريكي الصهيوني بها الليبرالية الاقتصادية وليس السياسية، والخصخصة والسوق والربح، وتخلِّي الدولة عن سيطرتها على أدوات الإنتاج؛ فالعالم قريةٌ واحدة، والعولمة عصر الجميع، والمنافسة حرة، والمجتمع المدني المفتوح له الأولوية على الدولة الأيديولوجية المغلقة، والشعوب في حاجة إلى استهلاك والتمتُّع بمستوى الحياة الأمريكية، والإنتاج مهمة الدول الأخرى مثل مجموعة الثمانية الأكثر تصنيعًا، والعدالة الاجتماعية مؤجَّلة. تعني الديمقراطية الرأسمالية الاقتصادية دون قيمها الليبرالية في العقلانية والترشيد واحترام قوانين المنافسة الحرة، دون احتكار أو تلاعب بالأسواق أو التهرُّب الضريبي.
  • والثانية: نُظُم الحكم القائمة؛ فإنها تروِّج للديمقراطية في أجهزة الإعلام الرسمية، ملكية أكثر من الملك، رضوخًا للضغوط الخارجية لتلقِّي المساعدات الأجنبية، ودفاعًا عن نفسها ضد الكرباج الذي تُلهب به القوى الخارجية ظهرها، وورقة الضغط الخارجي عليها مع ملفاتٍ أخرى، مثل ملف حقوق الإنسان وملف الفساد.

    أحيانًا تُستعمل الديمقراطية من نُظُم الحكم للاستهلاك المحلي، ولاتقاء نقد أحزاب المعارضة والمزايدة عليها، وملء الساحة بالخطاب الديمقراطي حتى على مستوى الأقوال دون الأفعال. وإن حدثت أفعال فإنها تتمُّ نفاقًا ورياءً، واجهة ديمقراطية دون مضمونها، مثل معظم مجالس الشعب والشورى القائمة التي أتت إما بانتخاباتٍ مزيَّفة لصالح الحزب الحاكم أو بالتعيين، كلها أو جزء منها. هي ديمقراطية الحزب الواحد بالرغم من التعددية السياسية الصورية.

    لا ترى حرجًا من تغيير مواد الدستور من أجلِ مدِّ حكم الرئيس مدى الحياة، أو من أجل التوريث، أو من أجلِ سنِّ قوانين ضد الديمقراطية، مثل الأحكام العُرفية، وقوانين الطوارئ، وقوانين مكافحة الإرهاب، وتحريم انشغال الجمعيات الأهلية والجامعات بالسياسة، وملء السجون بالمُعتقَلين السياسيين، والتشريع لمعارضةٍ مستأنسة دون السماح لأحزاب مُعارضة شعبية لها رصيدها في الشارع السياسي.

  • والثالثة: بعض أحزاب المعارضة السياسية ذاتها التي تستعمل ورقة الديمقراطية كأداة ضغط على النظام ووسيلة لزعزعته؛ فهي من ضِمن أدوات الصراع السياسي في الداخل. وبعض الأحزاب الليبرالية تستعمل الورقة لكسب رضا القُوى الخارجية عليها كما يفعل الليبراليون الجُدد الآن، بما في ذلك التطبيع الفوري مع إسرائيل. وفي نفس الوقت أيضًا لتكسب رضا الشعوب التي تتوق إلى الحرية والديمقراطية. ولا ترتبط الديمقراطية بمشروعٍ مُتكامل يضع مع الحرية العدالة الاجتماعية، ومع الديمقراطية التخطيط الشامل. أما الجمعيات الأهلية فإنها ما زالت محدودة الأثر، مُحاصَرة، تُخاطب النخبة. ويتصدر نشاطها موضوع حقوق الإنسان.

هنا تكمن أزمة الديمقراطية. لا تجد قوةً سياسية تُدافع عنها في الخارج أو الداخل، شكلًا ومضمونًا، دفاعًا عن مصالح الشعوب.

لا أحد يؤمن بها، الكلُّ يستغلُّها لصالحه الخاص، والخاسر هو الشعب. إنما يكون الإخلاص للديمقراطية بنزع جذور التسلط من الثقافة الوطنية الحامل لتراثٍ طويل من ثقافة السلطان، التي تحوَّلت إلى بنيةٍ اجتماعية تقوم على التسلط. خلقت مجتمع «سي السيد»؛ في الأسرة، الأب أو الأخ الأكبر. وفي المجتمع، الشرطي ورئيس المؤسسة أو الهيئة المُتكرر في المُديرين العموميين ورؤساء الهيئات والوزراء. وفي المؤسسات الإعلامية والتعليمية، رئيس التحرير وناظر المدرسة. وفي الدولة في شخص الرئيس وحرمه وابنه الأكبر أو الأصغر أو الوحيد.

تكمن أزمة الديمقراطية في سيادة الثقافة المضادة واستمرارها، بل وترسيخها بعد انهيار التجارب التحديثية المعاصرة، الليبرالية والاشتراكية والقومية، بل والإسلامية والماركسية؛ لأن الثقافة الوطنية الحامل للنهضة القومية ما زالت تقوم على عناصر مُناهضة للحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وللمادية التاريخية. ما زالت الثقافة الوطنية تقوم على عناصر مُناهضة للديمقراطية والتعدُّدية السياسية والانتخابات الحرة، مثل حديث الفرقة الناجية الذي يُشكك في صحته ابن حزم والعز بن عبد السلام، وهو ما وضعه الغزالي في «الاقتصاد في الاعتقاد» تحت عنوان «في ما يجب تكفيره من الفِرق»، والخطورة في التوحيد بين الفِرقة الناجية والفِرقة الحاكمة؛ أي الحكومة التي تكفِّر المعارضة أو تخوِّنها وتحكم بمفردها. هي أزمة التصور الرأسي للعالم الذي يجعل العلاقة بين طرفَين، الحاكم والمحكوم مثلًا، علاقة بين الأعلى والأدنى، وليست علاقةً أفقية، المُواطن والمُواطن، علاقة بين الأمام والخلف من أجل تحويل مفهوم الرئاسة إلى مفهوم التقدم، ومفهوم التبعية إلى مفهوم المساواة. هي أزمة الأقوال المأثورة عن القدماء، مثل: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.» والتي تُعطي الأولوية للحاكم على المحكوم، والسلطة السياسية على الحق السياسي. هي أزمة الفقه السياسي الذي يُعطي السلطة المطلقة للحاكم، مثل أن طاعة الحاكم، أُولي الأمر، من طاعة الله والرسول، وأن معارضة الحاكم فتنة، وأن الخروج عليه عِصيان، وتهميش تراث فقهي آخر يقوم على النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومُقاضاة الحاكم أمام قاضي القضاة، بل وشرعية الخروج على الحاكم الظالم؛ فأعظم شهادة «كلمة حق في وجه إمام جائر». هي أزمة الأمثال العامية التي ترسَّبت في الوجدان الشعبي، مثل: «إن كان ليك عند الكلب حاجة قول له يا سيد»، «الباب اللي يجيلك منه الريح، سده واستريح»، «ابعد عن الشر وغني له».

الحل إذن هو إعادة بناء الثقافة الوطنية من الأساس، وإعادة تأسيسها ليس على ثقافة السلطة، بل على ثقافة المعارضة مثل شرعية الاختلاف، وأن الكل رادٌّ ومردود عليه، وأدب الحوار ضد امتلاك الحقيقة والاستئثار بالرأي، «لا خاب من استشار». وفي فقه الاختلاف لو خالف واحدٌ إجماع الأمة يكون الإجماع ناقصًا احترامًا للرأي الآخر. كان الرسول يستشير أصحابه، وكان الصحابة يختلفون فيما بينهم دون تكفير أو تخوين. الحل هو تثوير الثقافة الوطنية، وجعلها الحامل الرئيسي للنضال السياسي والنهضة القومية. الحل هو تحريك الأغلبية الصامتة، وحشد الناس دفاعًا عن مصالحهم العامة حتى تخرج الديمقراطية من معركة النخبة إلى نضالٍ جماهيري واسع، فتعود الأمة إلى مسارها التاريخي دون توقُّف، وتستلهم تراثها، المصدر الرئيسي لثقافتها الوطنية، حتى تُمارس الأجيال الجديدة ما حفظته في مراحلها التعليمية الأولى، مثل: «لماذا استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟»

الصحة والمرض

من مؤلَّفات أرسطو فيما يُسمى «الطبيعيات الصغرى»، الصحة والمرض مع اليقظة والنوم، والشباب والهرم، والحاس والمحسوس. وهي ظواهر الحياة الإنسانية، وهي إقرار لواقعٍ إنساني، ونتيجة لعلاقة النفس بالبدن. وهي ليست عيبًا أو نقصًا أو شيئًا يُخشى منه يُخفيه الإنسان ويتستر عليه وينفيه، أو يتطير به شرًّا ويكذِّبه؛ فكل إنسان يصحُّ ويمرض على التوالي. لا الصحة دائمة حتى عند شجيع وطرازان، ولا المرض دائم حتى عند العليل. ولا الشباب دائم لأنه ينتهي إلى الهرم، ولا الهرم دائم لأنه ينتهي بالموت، وهي نهاية الحياة الأرضية. ولا اليقظة دائمة، بل تذهب وتجيء، ولا النوم دائم حتى عند أهل الكهف. ولا الحاس دائم؛ فقد يفقد الإنسان حواسه مثل الأعمى والأصم، ولا المحسوس دائم، بل يتغير أو يغيب.

المرض والنوم والهرم وفقدان الحواس من ضرورات الحياة مثل الموت، ولا يوجد إنسان لا يمرض ولا ينام ولا يهرم ولا تعمل حواسه على الوجه الأكمل كلما تقدَّم في السن، بل إن كل ذلك من عظمة الإنسان. الإنسان الذي لا يمرض من صنع الخيال، والإنسان الذي لا يموت يكون مسخًا للكائنات؛ لذلك كتبت سيمون دي بوفوار «كل البشر فانون». وأصبح المرض والهرم والموت داخلين في نسيج الوجود الإنساني.

كان طرازان شخصية تُلهب خيال الأطفال والمُراهقين، وكذلك «شجيع السيما» و«بطل الشاشة» و«فتوة الحارة». الخلود لا يأتي إلا بعد الموت، بالسيرة العطرة، والآثار الحميدة، والولد الصالح، والصدقة الجارية، والذكرى الطيبة، والإمام العادل، والزعيم الخالد.

لذلك تأسَّست كليات الطب والتمريض، وصُنعت الأدوية وأجهزة الكشف وأساليب العلاج المُتعددة ابتداءً من الطب النبوي حتى الطب الحديث، والعلاج وإجراء العمليات الجِراحية بالخارج إن استعصى العلاج، وإجراء العمليات في الداخل، ما دام المريض قادرًا على الدفع أو يُعالَج على حساب الدولة.

ولا تنطبق دورة الحياة والموت على الإنسان وحده، بل على كل الكائنات الحية، النبات والحيوان، من الحشرة إلى السوبرمان، ومن الدودة إلى الحاكم بأمر الله. ومهما تخيَّل الأدباء «إكسير الحياة» الذي يردُّ الإنسان من المرض إلى الصحة، ومن الهرم إلى الشباب (حبك شباب على طول)، ومن النوم إلى اليقظة (حتى في أحلى الأحلام)، ومن الموت إلى الحياة. إن اليهود فقط هم الذين يتمنَّون الحياة وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ (البقرة: ٩٦)، أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ (النساء: ٧٨).

وطبقًا لقوانين الجدل، لكلِّ إيجابٍ سلب، ولكلِّ سلبٍ إيجاب. والحياة هي هذا الجدل بينهما؛ فبفضل المرض أدرك الإنسان قيمة الصحة، ولولا الهرم لما أدرك الإنسان حلاوة الشباب، طبقًا لقول الشاعر:

ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يومًا
فأُخبرَه بما فعلَ المَشيبُ

ولولا العمى والصمم لما أدرك الإنسان قيمة البصر والسمع، ولولا الموت لما حرص الإنسان على الحياة، ولولا الوردة الذابلة لما حنَّ الإنسان إلى الوردة اليانعة. الورد الاصطناعي هو وحده الذي لا يذبل، ومع ذلك يعلوه التراب.

فلماذا اعتبار المرض أو الهرم أو النوم أو الموت شائعات، وهي وقائع لا يمكن إنكارها، وحقائق لا يمكن إغفالها. الله وحده هو الذي لا يمرض ولا يهرم ولا ينام لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (البقرة: ٢٥٥)، ولا يموت هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (البقرة: ٢٥٥). أليس الحاكم بشرًا؟ بل إن فرعون نفسه كان يمرض ويموت، وكان يخلِّد نفسه بعد الموت ببناء مقبرة عظيمة له يكتب على جدرانها آثاره. يضع في داخلها الطعام والشراب والحُلي والأواني، حتى إذا عادت الروح فإنها تجد ما تأكله. وتنتظر الحساب، الثواب أو العقاب. الخلود من اختراع المصريين، واكتشفوا التحنيط حتى لا يبلوا.

وإذا كان فرعون يمرض وهو في القصور، فما بال باقي المصريين الذين يمرضون وهم في النجوع، من الأمراض المستوطنة، ومن العطش، ومن شرب المياه غير النقية؟ وإذا كان فرعون يضع في مقبرته ما لذَّ من الطعام والشراب، فما بال المصريين الذين يجوعون ويقفون الطوابير لشراء الخبز قبل أن يُرفَع دعمه، ولا يقدرون على البقاء مع غلاء الأسعار والدخل المحدود والأسرة الوفيرة. وإذا كان الحاكم قادرًا على الشفاء والعلاج بالداخل في المستشفيات الاستثمارية الدولية الخاصة أو بالخارج، فما بال باقي المصريين الذين يمرضون ولا يستطيعون العلاج وشراء الدواء في المستشفيات العامة، أو في العيادات الخاصة أو المُلحَقة بالمساجد؟ وإذا كان الحاكم يخشى من المرض، فما بال المصريين الذين يتمنَّون الموت؟ وإذا كان يريد الحكم مدى الحياة لأنه باقٍ إلى الأبد، فما بال باقي المصريين الذين يقتلون بعضهم بعضًا من أجل بضعة جنيهات، والخلاف على الدين أو السكن أو الربح أو ينتحرون؟

فهل المرض تهمةٌ يُبرئ الإنسان نفسه منها؟ هل هو شائعة يروِّجها الخصوم، وتحتاج إلى دحضها وتكذيبها وتفنيدها واتهام من يروِّجونها وتوعُّدهم بالعقاب؟ هل هو خبرٌ مُغرِضٌ هدفه إثارة القلاقل، والطعن في الاستقرار، وتهديد الاستمرار، والمخاطرة بالنظام؟ هل هو مصيبة تحلُّ بالإنسان، والصحة والمرض من الله كما قال المسلمون ردًّا على أرسطو الذي جعلهما من طبيعة الكائن الحي؟ هل هو كارثةٌ وطنية تحلُّ بالبلاد تهدِّد أمنه، وتقضي على حاضره ومستقبله؟ هل هو نهاية العالم وخراب الدنيا والآخرة بالانتظار؟

ربما تكون تمنيَّات الناس ورغباتهم المكبوتة وأحد مظاهر الخلاص ممَّن يجثم على صدورهم عقودًا من الزمان. والتفكير بالتمنِّي أحد مظاهر تفكير المُضطهَدين والمظلومين والمقموعين والمسجونين السياسيين والمعذَّبين في المُعتقَلات، بتمنِّي الخلاص من الظالم، «لك يوم يا ظالم». هو نوع من الأمل في المستقبل بالخلاص القريب من كابوس الحاضر، وعدم استمراره في المستقبل بكوابيس أخرى من نفس النوع.

وتلك نتائج الحكم المُطلَق الذي يقوم على الفرد الواحد، والذي تتركز السلطة بيدَيه، وينفرد بالقرارات المصيرية للبلاد، في السلم والحرب، والفقر والغنى، في التسلط والطغيان. هذه حصيلة التوحيد بين الدولة والفرد، «أنا فرنسة» كما كان يقول ديجول، أو «أنا مصر» كما كان يقول فرعون. يظن أن المرض من علامات النهاية، وأن النوم موتةٌ صغرى، وأن الهرم يتبعه الموت إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (الزمر: ٣٠)، لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (الرعد: ٣٨).

وفي القرآن الكريم ذُكِر المرض في القرآن أربعًا وعشرين مرة بمعنيَين؛ مرض الجسد (عشر مرَّات)، وليس على المريض حرج في عدم صوم رمضان فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (البقرة: ١٨٤)، أو المشاركة في الجهاد والدفاع عن الأوطان لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ (التوبة: ٩١)، ومرض القلب (خمس عشرة مرة)، وهو الأخطر؛ فمرض القلب يشمل الريبة والشك في قدرات النفس على أخذ مصيرها بيدها بدلًا من التبعية، ويشمل أيضًا الغرور والخُيلاء، وهم المُنافقون الذين يقولون ما لا يفعلون. وليس على المريض حرج أن يؤجِّل كل واجباته والتزاماته بما في ذلك الحكم والرئاسة؛ لأنه من باب تكليف ما لا يُطاق. وقد أتت الشريعة رحمةً للعالمين، حاكمين ومحكومين.

السلطة الرابعة

من المبادئ الدستورية المعرفة، ومن مكتسبات ثورات الشعوب مثل الثورة الفرنسية، ومن رؤى الفلاسفة مثل مونتسكيو، مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث؛ القضائية والتشريعية والتنفيذية. ويفضِّل بعض المحدثين استعمال لفظ «التمييز» بين السلطات بدلًا من لفظ «الفصل» اعترافًا بالواقع؛ إذ أثبتت التجارب والنُّظم السياسية المختلفة حتى الليبرالية منها استحالة الفصل التام بين هذه السلطات الثلاث.

ففي لحظات التحول الاجتماعي والسياسي وظهور زعيم يجسِّد ثورة المجتمع، تكون الأولوية فيه للسلطة التنفيذية على السلطتَين الأُخريين، مثل ديجول في فرنسة أثناء تحريرها من الاحتلال النازي وتنظيم المقاومة في الحرب العالمية الثانية، ومثل عبد الناصر في الستينيات عندما جسَّد بشخصه مبادئ الثورة المصرية تشريعًا وتنفيذًا وقضاءً بمحاكمة رجال الإقطاع السابق، والمُعارضين السياسيين من الإخوان والشيوعيين، ومثل معظم زعماء العالم الثالث منذ باندونج حتى انتهاء عصر الزعامات التاريخية، نهرو، تيتو، سو كارنو، نكروما، سيكوتوري، كنياتا، وما زال كاسترو وموجابي مستمرَّين من روح العصر الجميل.

وتؤكِّد كل النُّظم السياسية بصرف النظر عن توجُّهها الأيديولوجي، اشتراكي أو رأسمالي، وطني أو قومي، على أولوية السلطة القضائية على السلطتين التشريعية والتنفيذية، واستقلالها عنهما لأنها تمثِّل العدل، والعدل أساس الملك. وهي التي تفصل بينهما في حالة النزاع وضياع حقوق المُواطن بين قانون في صفه وتنفيذ ضده؛ لذلك يلجأ المُواطنون إلى القضاء في المحكمة الإدارية لأخذ حقوقهم، بل ويستطيع المُواطن مُقاضاة رئيس السلطة التنفيذية، رئيس الجمهورية، باعتباره المسئول الأول عن ضياع الحقوق؛ فوظيفة القضاء ليس فقط حل النزاعات بين المُواطنين حول عمليات البيع والشراء، والزواج والطلاق، والملكية واللاملكية، بل أيضًا بين الحاكم والمحكوم.

قد جاء وقت في تاريخ بني إسرائيل غاب فيه الملوك، وانقطع فيه الأنبياء، فحكم القضاة؛ إذ يجمع القاضي بين قوة الملك وعدل النبي. وتاريخ القضاء في الإسلام أشهر من أن يُستدعى؛ فطالما حكم القاضي للمحكوم ضد الحاكم، وللفقير ضد الغني، وللمقهور ضد القاهر؛ فالكل سواءٌ أمام القانون، لا فرق بين أمير وغفير، وسلطان ورعية، وشريف وعامِّي. والقاضي مشهود له بالورع؛ لأنه إنما يقضي بجمرة من نار. وطالما نصر الذِّمي على المسلم، والمُواطن على ابن الأكرمين طبقًا للقصاص. وتاريخ القضاء في مصر مشهود له بدفاعه عن استقلاله ضد مذبحة القضاة، وميل بعضهم إلى أهواء الحكام، أو إلى بعض التيَّارات السلفية المُتشددة فيما يتعلق بقضايا الرأي. وما تقوم به نوادي القضاة حاليًّا في الدفاع عن القانون ضد طغيان السلطة التنفيذية يشهد له الجميع في الداخل والخارج، بل إن قاضي القضاة في الفقه هو الذي يقود ثورة الناس ضد الحاكم الظالم إن لم يستمع إلى النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يُنفذ أحكام القضاء. يُعين ولا يُعزل.

وتأتي السلطة التشريعية في المرتبة الثانية؛ سلطة سن القوانين ووضع الدساتير وتنظيم علاقات الناس بين بعضهم البعض، وبينهم وبين السلطة التنفيذية. والسؤال هو: لصالح من يتم ذلك؟ ما هي هذه الهيئة المنوط بها سن القوانين أو تعديلها؟ وهل ترعى الصالح العام أو الصالح الخاص؟ ألا تُفصَّل القوانين طبقًا لرغبة الحاكم فيما يُسمى «ترزية القوانين» من أجل التوريث، أو قوانين الحبس في قضايا النشر، أو إلغاء قانون الطوارئ ووضع قانون مكافحة الإرهاب، والمسمَّى واحد بصرف النظر عن اختلاف الأسماء، وتعديل قوانين الجامعات ولوائح الطلاب من أجل مزيد من سيطرة أجهزة الأمن على المؤسَّسات التعليمية؟ لذلك تُطالب الحركة الإسلامية بالقرآن كدستور لأنه لا يظلم، وبتطبيق الشريعة الإسلامية لأنها تقوم على العدل. ويُطالب رجال القانون باستقلال السلطة التشريعية مثل استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية.

ثم تأتي السلطة التنفيذية في نهاية المطاف. وهي التي تُنفذ القانون ولا تعصاه أو تعتدي عليه، وهي التي تلتزم بأحكام القضاء وتنفِّذه بالقوة. وتتمثل أساسًا في أجهزة الشرطة والأمن والدفاع. وما يحدث بالفعل هو استعمال الشرطة أحيانًا القوة وحدها لتنفيذ رغبات السلطة التنفيذية مع مخالفات الإجراء القانونية. تُعذب المُواطنين في الأقسام وفي المعتقلات والسجون لاستدراجهم إلى اعترافاتٍ كاذبة، والمُعتقَل السياسي له الأولوية على المُعتقَل الجنائي مُرتكب الجريمة. وكثيرًا ما يتم تلفيق التُّهم للقبض على نشطاء المعارضة السياسية، وكثيرًا ما عبَّر الأدباء والفنَّانون عن مفاسد الشرطة طبقًا للمثل الشعبي: «حاميها حراميها.»

تُقام المحاكم العسكرية للخصوم السياسيين باسم قوانين الطوارئ الذي يُجيز الاعتقال لمدة أسبوعين، وتجديد الاعتقال لمدة ستة شهور دون تحقيق أو جريمة أو محاكمة. رئيس السلطة التنفيذية، هو رئيس الدولة، بيده كل شيء؛ فهو رئيس الجيش والشرطة والحزب وكل الأجهزة القضائية والتشريعية والتنفيذية.

السلطة التنفيذية هي التي تُقرر، والسلطة التشريعية هي التي تصوغ القوانين، والسلطة القضائية فرع من السلطة التنفيذية.

والأهم من ذلك كله «السلطة الرابعة»، منذ ثورة المعلومات وانتشار الصحف والقنوات الفضائية والأجهزة المرئية والمسموعة وشبكات المعلومات والمواقع الإلكترونية، هي سلطة الرأي العام، والكشف عن الحقيقة، وتبصير الناس بحقوقهم. هي سلطة الخبر الصحيح والرأي والرأي الآخر. وهو ما سمَّاه القدماء سلطة العلماء والفقهاء، والمُحدَثون «ولاية الفقيه». سلطة العلماء لها الأولوية على السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية. هي السلطة الأولى، سلطة الرأي العام الذي تُحاول «هيئة المُفوضين» التعرُّف عليه. هي سلطة الجهر بالحق وكشف الكذب.

ومن ثَم فإن إلقاء قبض السلطة التنفيذية على رؤساء تحرير سبعة من صحف المعارضة وتقديمهم إلى السلطة القضائية، قضاء على الفصل بين السلطات، وعلى أولوية السلطة الرابعة على السلطات الثلاث الأخرى؛ إذ يقوم الصحفي اليوم بما كان يقوم به العالم والفقيه والإمام والمُفتي بالأمس، الإعلان عن الحق. ولا مرجع له إلا صحة الخبر وضميره الحي. والرد على الخبر الكاذب بالخبر الصادق، وليس بالاعتقال، ومواجهة الرأي بالرأي وليس بالحبس. تُسيء السلطة التنفيذية، وهي السلطة الأخيرة، استعمال سلطتها، وتطعن في السلطة الرابعة وهي السلطة الأولى، قلبًا للموازين، واتباعًا لسياسة الهرم المقلوب.

دور السلطة الرابعة هو الكشف عن الحقيقة التي يحكم بها القاضي، ويُشرِّع بها المُشرع، وتُنفذها أجهزة الأمن.

السلطة الرابعة هي السلطة الأولى في المجتمع، سلطة الرأي العام، والوعي اليقظ، والتوعية بالحقوق، ومراقبة الحكام، وتحريك الشعوب. يقوم بها خطيب المسجد والإمام في تراثنا القديم قبل أن يلجأ المُختصم إلى القاضي. لا يُفتي إلا ابتغاء الحق، وليس إرضاءً لرغبة السلطان، وأن أعظم شهادة قولُ كلمة حق في وجه سلطان جائر. وقد انهار حكم عاد وثمود لأنه اعتمد على القوة وحدها. وتحكَّم فرعون في عقول الناس قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ (طه: ٧١)، قوة المال والبنون زائلة كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا (التوبة: ٦٩)، وتلك سنة التاريخ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاقٍ (غافر: ٢١)، والمال والسلطان لا يُغْنيان أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (غافر: ٨٢).

حدود سلطة الرؤساء

يظنُّ الرؤساء أن سلطاتهم بلا حدود، وأنهم يفعلون ما يشاءون بدولهم ونُظُمها السياسية وشعوبها، مُتشبهين بالإله؛ فأدوات السيطرة والقمع في أيديهم، الجيش والشرطة وأجهزة الأمن وجهاز الدولة ومصادر الثروة والمؤسسات التشريعية والانتخابات البرلمانية والصحافة القومية ونظم التعليم وأجهزة الإعلام، بل والقوى الخارجية والتي لا يعصون لهم أمرًا؛ فالسيد في الداخل عبد للخارج، والحر في الداخل سيد في الخارج.

وهو تصورٌ راجع إلى تصورٍ تقليدي موروث لله من الأشعرية القديمة فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (هود: ١٠٧)، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (يس: ٨٢)، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ (الإنسان: ٣١)، وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى (الأنفال: ١٧). وهو إفراز للدولة السُّنية منذ انتصار الأمويين وانتقال الحكم وراثةً من معاوية إلى يزيد إلى أمراء بني مروان؛ فهو وضعٌ سياسي يجد له تشريعًا في تصورٍ ديني لمَّا كان الدين هو الذي يُعطي الشرعية للسياسة. وهو التصور الذي عارَضه المعتزلة القائلون بالواجبات العقلية مثل سيادة القانون، وفعل الصلاح والأصلح، والتعويض عن الآلام، والاستحقاق، واطراد قوانين الطبيعة كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (الأنبياء: ٣٣)، لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ (يس: ٤٠)، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (الفتح: ٢٣)، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا. (فاطر: ٤٣). فالكون يخضع للسنن، والتاريخ يسير طبقًا لقانون؛ لذلك كان النظر في الطبيعة والآثار جزءًا من الاعتبار.

وفي النُّظم الديمقراطية سلطة الرؤساء يحدُّها الدستور، وإن خرق الرئيس الدستور يُعزَل. ويحدُّها البرلمان والسلطات التشريعية، وإلا حُوكِم. ويُراقبها القضاء والمحكمة الدستورية العليا التي تحكم ضد الرؤساء إذا ما خرقوا الدساتير والقوانين. ويُواجهها الرأي العام الذي تعبِّر عنه الصحافة الحرة؛ فالوظيفة العامة ملك للرأي العام، ورأس السلطة التنفيذية مسئول عن رعاية الصالح العام. تُحدد سلطة الرؤساء من الداخل، من طبيعة النظام السياسي الديمقراطي؛ فقد نشأت الديمقراطية ضد تسلُّط الكنيسة والملكيات المطلقة والإقطاع. في النُّظم الرئاسية التي يجمع فيها الرئيس بين سلطة رئيس الدولة وسلطة رئيس الوزارة، تتحدد سلطة الرؤساء بالبرلمان والدستور. وفي النُّظم البرلمانية التي تفصل بين سلطة رئيس الدولة ورئيس الوزراء، يكون رئيس الوزراء هو المسئول أمام البرلمان، ولا يكون للرئيس إلا منصبٌ شرفي (بروتوكولي)، إنما السلطة للشعب الذي ينتخبه مُمثليه وحكامه.

وفي النُّظم التسلطية يظنُّ الرؤساء أن سلطاتهم بلا حدود؛ فالدولة ملكيةٌ خاصة لهم، ضيعةٌ ورثوها أو استولَوا عليها بقوة السلاح. تُسمى أسماء الدول بأسمائهم، والقرارات المصيرية في الحرب والسلام في الرأسمالية أو الاشتراكية، في العزلة والاحتجاب داخل الحدود القُطرية، أو في الانتشار وتحمُّل المسئولية القومية بأيديهم. مُلهَمون من الله، أو تابعون لإملاءات القوى الكبرى، أو خاضعون لجماعات الضغط ورجال الأعمال التي بيدها السلطة والثروة. هو تصورٌ أبوي موروث؛ فالرئيس هو «سي السيد» في الأسرة والمجتمع، في المدرسة والجامعة، في الوزارة وفي الإمارة، في قسم الشرطة وفي المُعتقَل. هو تصورٌ شعائري قبائلي أُسري طائفي أو عِرقي؛ فالرئيس ينتمي إلى قبيلة أو عشيرة أو عائلة أو طائفة أو عِرق. يُدافع عن بني بلدته أو عن طائفته ومذهبه. ومن كثرة ممارسة هذا الاقتناع، أن سلطة الرؤساء بلا حدود، تبدأ المخاطر الخارجية والداخلية لتُبين حدود سلطة الرؤساء بالغزو الخارجي المباشر كما حدث في العراق وأفغانستان، أو بالضغوط الخارجية كما يحدث في مصر، أو تفكيك الأوطان كما يحدث في السودان والصومال ولبنان، والذي قد يصل إلى حد الحروب الأهلية، تضحية بالوطن لصالح العشيرة والقبيلة أو الطائفة والمذهب.

وما يُبين حدودَ سلطة الرؤساء هي المقاومة الداخلية بشتَّى أنواعها؛ فالأوطان والشعوب عصيَّة على التطويع مهما بلغت سلطة الرؤساء المطلقة. ومن مظاهرها انقلاب الجيش كما حدث في أوائل الخمسينيات في الوطن العربي، بالرغم من سلطة الاستعمار والقصر والإقطاع والأمن. وقد تصحبه حركة اغتيالات الرؤساء كما اغتال الرؤساء زعماء المعارضة، واستعبدوا الشعوب والأوطان؛ فلا يفلُّ الحديدَ إلا الحديد. وقد تتكون جماعاتٌ سِرية أو علنية مسلَّحة لمقاومة سلطة الرؤساء، وتُقاوم قوى الجيش والشرطة والأمن خاصةً في الجبال كما حدث في الجزائر، وكما يحدث الآن في باكستان. وقد تقوم ثورةٌ شعبية عارمة وتحرُّكاتٌ جماهيرية واسعة كما حدث في مصر في مارس ١٩٦٨م ضد هزيمة يونيو (حزيران) ١٩٦٧م، وفي يناير ١٩٧٧م ضد غلاء الأسعار، وفي يناير ١٩٨٦م من الأمن المركزي ضد الأغنياء في الدولة. وقد تندلع مظاهراتٌ جزئية فئوية ضد الجوع والغلاء والضنك والبؤس من العمال في كبرى المصانع، ومن الموظفين في كبرى الوزارات والمصالح المالية. وقد تتحول المعارضة إلى عصيانٍ مدني في الشوارع مثل لبنان. وقد تتحرك نوادي القضاء وأعضاء هيئات التدريس بالجامعات والاتحادات والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني. وقد تتوالى مظاهرات الطلاب بالرغم من حصارها داخل أسوار الجامعات ضد اللوائح الطلابية المفروضة، وتدخُّل الأمن، وشطب الطلاب الإسلاميين أو الناصريين من قوائم الانتخابات. وقد يعلو صوت صحف المعارضة، وتتناول كل الممنوعات في العقل السياسي، سلطة الحزب الحاكم، تزوير الانتخابات، الرئاسة مدى الحياة، التوريث، فساد الطبقة الحاكمة، الاحتكارات، تهريب الأموال.

هنا يدرك الرؤساء أن هناك حدودًا لسلطاتهم المطلقة، وأنهم لا يعيشون في دولٍ خاوية من الشعب والمؤسسات، وأن الأوطان كياناتٌ مستقلة عن النُّظم السياسية. قد يتحوَّل الرئيس إلى أسدٍ جريح عندما يُدرك حدود سلطته، فيفقد أعصابه، وتطيش ضرباته، فيضع كل مُعارضيه في السجون كما فعل رئيس الجمهورية الثانية في مذبحة سبتمبر ١٩٨١م، أو تقديم سبعة من رؤساء صحف المعارضة أمام المحاكم العسكرية كما يفعل الآن رئيس الجمهورية الثالثة؛ فنتج عن الأول حادث المنصة، ولا ندري ماذا ينتج عن الحدث الثاني.

وقد يُدرك الرؤساء حدود سلطاتهم بعد فوات الأوان بالموت الفجائي إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (الزمر: ٣٠)، أو بما لا يمكن التنبؤ به في الواقع؛ فالعنف قادر على اختراق سياج الأمن مثل حادث المنصة في ٦ أكتوبر ١٩٨١م، أو دس السم لرئيسٍ يراد أعداؤه التخلص منه كما حدث لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، أو وقوع طائرته كما حدث لجون جارانج رئيس جبهة تحرير السودان.

إن السلطة المطلقة مَفسدةٌ مطلقة ضد طبائع الأشياء؛ فالعالم مُتعدد القوى. بقاؤه في توازنها حتى لا يميل الميزان، وهو ما تُثبته تجارب التاريخ ونهاية نُظُم الطغاة عند اليونان والرومان، وفي الغرب الحديث بإعدامهم في المقصلة. وهكذا كان مصير الفراعنة مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (القصص: ٣٨)، وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (يونس: ٨٣)، وكما عبَّر عن ذلك حافظ إبراهيم في مصر تتحدث عن نفسها:

كم بغَتْ دولةٌ عليَّ وجارت
ثم زالت وتلك عُقبى التعدي

ولذلك رفعت الثورة الإسلامية في إيران شعار «الله أكبر قاصم الجبَّارين»، لا يبقى الطغاة حتى ولو كثرت أموالهم وأولادهم كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا (التوبة: ٦٩)، تلك سنة التاريخ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً (القصص: ٧٨)، فلا يبقى الطغاة أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (غافر: ٨٢)، فلا عِصي الأمن المركزي ولا القوانين المقيِّدة للحريات قادرة على استمرار الطغيان. لقد استكبرت عاد وثمود فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (فصلت: ١٥)؛ لذلك وصف بعض المؤرخين مصر بسبب النظام الفرعوني السائد فيها بأنها «أرض الطغيان والنفاق».

حدود الأيديولوجيات وقوة الفقراء

كانت الأيديولوجيات دائمًا العنصر المُحرك للثورة، سواء في المجتمعات الغربية والشرقية على حدٍّ سواء مثل الثورة الفرنسية ضد الملكية والإقطاع، والثورة الإسلامية في إيران ضد القهر في الداخل والتبعية في الخارج، والثورة الاشتراكية ١٩١٧م ضد القيصر والإقطاع، والثورة الأمريكية ضد الاحتلال البريطاني من أجل الحرية والاستقلال، والمسيرة الطويلة في الصين للفلاحين ضد الإقطاع. وتتداخل فيها عناصر السياسة والاقتصاد، القهر والفقر، دفاعًا عن الحرية والمساواة.

وحدث نفس الشيء في تاريخ العرب الحديث. كانت الثورات الأيديولوجية أمرًا طبيعيًّا؛ فالأحزاب السياسية التي تكوَّنت منذ فجر النهضة العربية أحزابٌ أيديولوجية تُمثل ممارساتٍ عمليةً لتيَّاراتٍ فكرية؛ فالرأسمالية كنظامٍ اقتصادي تقوم على الليبرالية كنظامٍ سياسي؛ فإذا ما قامت الرأسمالية دون قيمها فإنها تتحول إلى نهب وسلب وفساد واحتكار واستغلال وتهريب رءوس الأموال إلى الخارج. والاشتراكية كنظامٍ اشتراكي تقوم على أيديولوجيات المساواة والعدالة الاجتماعية، سواء كانت اشتراكيةً طوباوية أو دينية أو ليبرالية أو قومية أو علمية؛ أي ماركسية. والأيديولوجية القومية تقوم على تيَّارٍ فكري يعتمد على وحدة الأمة والتاريخ واللغة والثقافة، وليس بالضرورة العِرق أو الدين. والإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في الوطن العربي والأحزاب الإسلامية الأخرى تقوم على الأيديولوجية الإسلامية، الإسلام عقيدة وشريعة، ونُظُم ومؤسَّسات وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة: ٤٤)، الضَّالُّونَ،  الْفَاسِقُونَ. وهي التجارب السياسية التي مرَّت بها مصر والوطن العربي في النصف الأول من القرن العشرين. كانت الأولوية فيها للسياسة على الاقتصاد، وللفكر على الواقع، وللشعار على الوضع الاجتماعي؛ فالمجتمع التراثي أو الحديث له ولاؤه الأيديولوجي تعبيرًا عن هُويته قبل ولائه الاجتماعي تعبيرًا عن فقره.

وكانت الأيديولوجية الوطنية هي القاسم المشترك بين هذه الأيديولوجيات السياسية؛ فالليبرالية في العشرينيات قادها باشوات مصر الوطنيون، والاشتراكية في الخمسينيات والستينيات قادها الضباط الأحرار حصيلة النضال الوطني في الأربعينيات. والحركة الإسلامية منذ الأفغاني ورشيد رضا إلى حسن البنا وسيد قطب قادها الوطنيون المصريون ضد الاستعمار والقصر. والماركسية التي حكمت في تحالُف مع باقي الأحزاب، خاصةً حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية والعراق واليمن، حمل لواءها زعماءُ التحرُّر الوطني ضد الاستعمار.

وكانت الثورات الكبرى في مصر ثوراتٍ وطنيةً، سواء ثورة ١٩١٩م أو ثورة ١٩٥٢م، بل إن بعض التحرُّكات الشعبية قامت أيضًا دفاعًا عن الحرية والاستقلال مثل النضال الوطني في مصر في الأربعينيات، وحركات الجماهير في ١٩٥١م، وحرب الفدائيين في قناة السويس ضد الاحتلال البريطاني، وأزمة مارس في ١٩٥٤م، ومظاهرة مارس ١٩٦٨م ضد هزيمة يونيو (حزيران) ١٩٦٧م، والأحكام المخفَّفة على قادة الطيران. واستمرَّت المظاهرات الوطنية ضد العُدوان الأمريكي على شعب العراق، والعُدوان الإسرائيلي على شعب فلسطين؛ فالمعركة الوطنية لها الأولوية على المعركة الاجتماعية، ومواجهة العدوان في الخارج مقدَّم على مواجهة القهر في الداخل.

ثم توالت التحرُّكات الجماهيرية بعد ذلك بدافع الفقر ضد غلاء الأسعار في الانتفاضة الشعبية في يناير ١٩٧٧م، وتمرُّد قوات الأمن المركزي في يناير ١٩٨٦م، ثم مظاهرات عمال النسيج في المحلة وموظفي وزارة المالية والضرائب العقارية هذا العام. وبدأت العدوى تسري لدى باقي العمال والموظفين، وينضمُّ إليهم الفلاحون خارج نقاباتهم؛ فالطبقات المحرومة هي الأشد ضررًا، وصوتها يصل مباشرةً للناس دون القنوات المتوسطة، النقابات والاتحادات والأحزاب وأجهزة الدولة.

ظهر أن للأيديولوجيات السياسية حدودًا في قدرتها على تحريك الجماهير في العقود الأخيرة؛ فهي محصورة في النخبة، والنخبة المثقَّفة، قادتها من النخبة، مثقَّفين وكتَّابًا وفنانين وأدباء. وجماهيرها من النخبة من الطلاب والمهنيين والنقابيين. هي قلة كمًّا من حيث العدد، وكيفًا من حيث التكوين. ينتمون إلى الطبقة المتوسطة التي لم تُعايش الحرمان ولم تعرف الضنك، بالرغم من محاولات بعض الأحزاب التقدمية تكوين قيادات عمالية وفلاحية. تتسابق على السلطة، وتتنافس فيما بينها، كلٌّ منها يعتبر نفسه الفِرقة الناجية. يغيب الحوار الوطني بينها؛ وبالتالي صعُب تكوين جبهة وطنية، أو ائتلاف عريض لإنقاذ البلاد نظرًا لغياب التعددية كأساسٍ نظري وبنيةٍ ثقافية ورؤيةٍ سياسية. الجانب الاجتماعي فيها ما زال مهمَّشًا؛ فالأولوية لنصرة المذهب السياسي على توفير لقمة العيش. صحيح قد يبرز هذا الجانب في حزبٍ أكثر من آخر مثل الطليعة الوفدية، الجناح الاشتراكي في حزب الوفد التقليدي أو الناصرية، أو الإسلام الاشتراكي عند مصطفى السباعي وسيد قطب وتطويره في «اليسار الإسلامي» في مصر وتونس. ومع ذلك يظل أثره مبنيًّا على توجُّهات الكتلة الحزبية.

لذلك نمت قوة الفقراء، وبدأت في الانفجار بعد أن خذلهم الحزب الحاكم ولم تستطيع قوى المعارضة نيل حقوقهم. والثورة ضد الجوع أبلغ من أي نظرية أو أيديولوجية في الجوع. وكما قال جان بول سارتر: إن كل النظريات والقصائد والمقالات عن الجوع لن تمنع طفلًا من أن يموت جوعًا. إنما هي قطعة خبز؛ فالصراع من أجل البقاء أكبر دافع على التحرك من الانتساب الأيديولوجي أو الولاء المذهبي. الفقر والضنك والبؤس والعوز والمرض والعُري والجهل والبطالة والمجاري الطافحة والمياه غير الصالحة للشرب والمواصلات المستحيلة والتشرُّد في الشوارع، كل ذلك واقعٌ حِسي مُشاهَد يدفع الناس إلى الصراخ، وإلى النزول إلى الشوارع دونما حاجة إلى مثقَّف نظري طليعي، أو موظف أيديولوجي في الحزب. وحركة الجماهير التلقائية ليست في حاجة إلى لجان التثقيف وأمانة التنظيم في الحزب.

ويزيد من تحرُّكات الجماهير الظروف الخارجية ومآثر العولمة، واتساع الهُوة بين الأغنياء والفقراء، وانهيار النُّظم الاشتراكية، وسيادة قوانين السوق، وذيوع قيم الاستهلاك، وشراء الاحتياجات بالأسعار العالمية والمرتَّبات المحلية، ورفع الدعم التدريجي عن المواد الأولية، وتحويل كل شيء إلى قوانين العرض والطلب في التعليم والإسكان والعمل، واتباع وصايا البنك الدولي برفع الدولة أيديها عن الاقتصاد وتركه للقطاع الخاص، بما في ذلك قطاع خِدمات التعليم والصحة، والماء والكهرباء والغاز، والإسكان والخبز.

ويزداد الواقع الاجتماعي تأزُّمًا، وتتَّسع الهُوة بين الأغنياء والفقراء، وترتفع نسبة البطالة، ويصعب إيجاد السكن الرخيص، وتنتشر مظاهر البذخ للطبقات العليا ورجال الأعمال في الأحياء الراقية في المدن الجديدة أو المصايف، والأسماء الأجنبية للقرى المصرية (مارينا)، (ستيلا دي ماري)، أو العربية التابعة مثل «الريف الأوروبي» على أرض مصر. وينتشر الاحتكار للمواد الرئيسية مثل مواد البناء، ويتم التلاعب بالأسعار بلا أدنى قانون أو رابط. وتُهرَّب أموال مصر إلى الخارج بما يُعادل ضعف دينها العام، وتبلغ ثروات فرد واحد ضعف ديون مصر.

وتوارى العامل السياسي بالرغم من حضوره ومشاهدته بالعيان؛ عزلة مصر، والتفريط في أمنها القومي في الشام شمالًا، والسودان جنوبًا، والعراق والخليج شرقًا، وليبيا والمغرب العربي غربًا، وهي جزء من المغرب العربي الكبير. ولم تعُد الجماهير تتساءل حول التبعية لأمريكة في السياسة الخارجية، والصلح والاعتراف والتطبيع مع إسرائيل. وضمر الخيال السياسي، وإيجاد أحلاف جديدة في المنطقة مع إيران وتركية للوقوف أمام نزعات التجزئة والحصار.

فإذا كانت الأولوية في حركات التحرر الوطني للسياسة على الاقتصاد، فإن الأولوية في خطاب ما بعد الاستعمار وضعف الدولة الوطنية للاقتصاد على السياسة، وللخبز على الحرية.

المفاتيح السحرية

كلما تشتدُّ الأزمات ويصعب حلها، وكلما تزداد الصعاب والعقبات، ويعجز المجتمع عن مواجهتها؛ تكثُر المفاتيح السحرية كنوع من الهروب إلى الأمام، والإيهام بالحل والقدرة على المواجهة، وتكثُر الشعارات وتتوالى؛ فبعد هزيمة يونيو (حزيران) ١٩٦٧م رُفع شعار «العلم والتكنولوجيا»؛ فقد كانت هزيمة العرب أمام إسرائيل في العلم والتكنولوجيا لعدم استطاعتهم اتقاء ضربة الطيران الأولى. وبعد انتصار أكتوبر ١٩٧٣م رُفع شعار «العلم والإيمان»؛ فقد تمكَّن العرب من السيطرة على العلم بفن العبور والمدافع المائية، والزوارق المطاطية وعبور الساتر الترابي، وضربة الطيران الأولى، والجندي في مواجهة الدبابة، بل وحاربت الملائكة مع العرب، وعبرت القناة معهم كما حدث في غزوة بدر. وبعد أن بدأ التفريط في النصر العسكري الذي تحوَّل إلى هزيمةٍ سياسية بالصلح والاعتراف بالعدو الصهيوني في معاهدة كامب ديفيد في ١٩٧٨م، ومعاهدة السلام في ١٩٧٩م، رُفعت شعارات «الإسلام هو الحل»، «الإسلام هو البديل»، «الحاكمية لله»، «تطبيق الشريعة الإسلامية».

توالت الشعارات الأخرى من العلمانيين، مثل «الليبرالية هي الحل» دفاعًا عن الحرية السياسية، «الديمقراطية هي الحل» دفاعًا عن تداول السلطة، «العلمانية هي الحل» في مواجهة الإسلاميين، «الخصخصة هي الحل» تخلصًا من عيوب القطاع العام، لا فرق بين الاقتصاد والتعليم. «العولمة هي الحل»؛ فرأس المال لا وطن له.

وأخيرًا رُفع شعار «مجتمع المعرفة» نظرًا لثورة الاتصالات، وتراكم المعارف، وانتشار البرامج وأجهزة الاتصالات الحديثة، «الكومبيوتر» والمحمول والشرائح التي تجعل العالم كله بين يدَي الإنسان وعلى أطراف أصابعه، وتحويل العالم الفعلي في الخارج إلى عالمٍ ضِمني متخيَّل من خلال الشاشات الضوئية؛ فالمعلومات قوة، وأصبح من بين إمكانيات الإنسان الحديث «اللاب توب»؛ فكل شيء فيه. العلم فيه، والعمل فيه، مثل الكتب السماوية في المجتمعات التقليدية التي حوت كل العلوم والمعارف، وكل الإرشادات والتوجيهات، وبها خلاص العالم.

توهَّم الإنسان أن العالم بين يدَيه، وقد يكون للعالم قوانينه الخاصة التي تتفاعل معها الإرادات البشرية وحريات الاختيار؛ فلم تستطع كل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية والأقمار الصناعية والتقاط الصور عن تحرُّكات الجنود على ضفاف القناة ومحطات الإنذار المُبكر، أن تتنبَّأ باندلاع حرب السادس من أكتوبر الساعة الثانية إلا خمس دقائق. واستطاع الفيتناميون بأدوات النضال التقليدية، الأنفاق تحت الأرض للجرذان البشرية، والاختباء بغصون الأشجار والصواريخ القصيرة المدى مثل سام ٦ إسقاط أكبر الطائرات العسكرية الأمريكية إف ١٦، والانتصار على أعتى الجيوش عدةً وعتادًا. واستطاعت المقاومة الجزائرية الانتصار على الجيش الفرنسي، ومن ورائه حلف شمال الأطلنطي.

وتفعل الآن المقاومة الفلسطينية والمقاومة العراقية والمقاومة الأفغانية نفس الشيء مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، والأمريكي في العراق وأفغانستان.

لا يقوم مجتمع المعرفة إلا في مجتمعٍ مستقرٍّ استطاع إشباع حاجاته الرئيسية؛ الطعام ضد الجوع، والمياه النظيفة للشرب وليس المياه الآسنة الملوَّثة من البِرك والمُستنقَعات، والإسكان ضد العراء والمخيَّمات والكهوف، واللباس ضد العُري، والصرف الصحي ضد المجاري الطافحة، ونزع المخلَّفات الآدمية بالعربات من الأحياء الفقيرة، والعمل ضد البطالة، والتعليم ضد الجهل، والصحة ضد المرض، ورفع مستوى المعيشة فوق حد الفقر. دون إشباع هذه الحاجات الأساسية للإنسان لا يمكن أن يُطالب بمجتمع المعرفة.

وإذا لبَّت بعض المجتمعات النامية بعض هذه المطالب، ولكنها تعيش في مجتمع القهر والفقر في الداخل، والتبعية للخارج، يكون مطلب الحرية والاستقلال والعدالة سابقًا على مطلب مجتمع المعرفة؛ فالحرية مطلبٌ أول للإنسان. الحرية تعبير عن الوجود، في حين أن المعرفة مطلبٌ ذهني، والذهن أحد جوانب الوجود. حرية التعبير عن الرأي، واحترام الرأي الآخر، والتعددية السياسية، والكرامة الوطنية، والاستقلال الوطني، والإحساس بالرضا، والشعور بالولاء للأوطان، وبتعبير النظام السياسي عن اختيار المُواطنين الحر، كل ذلك سابق على مجتمع المعرفة.

وتقوم المعرفة على العلم، ويقوم العلم على إعمال العقل. ويبدأ إعمال العقل بنقد كل مظاهر الجهل والخرافة والسحر والتحرُّر من سلطة القدماء قبل أن يبدأ بتأسيس العلم؛ فالعقل النقدي سابق على العقل العلمي. وفي المجتمعات التقليدية ما زالت السلطة هي التي تسود؛ سلطة النقل، وسلطة القدماء، وسلطة التقاليد، وسلطة رجال الدين والسياسة؛ فكيف يتأسَّس مجتمع المعرفة في مجتمعٍ العقلُ فيه ليس سلطة، ولا يقوم بوظيفة النقد؟ الدعوة إلى إقامة مجتمع للمعرفة في المجتمعات التقليدية هو استبدال سلطة بسلطة؛ سلطة الجديد بسلطة القديم، سلطة المُحدَثين بسلطة القدماء، تقليد بتقليد، وإيمان بإيمان.

لا ينشأ مجتمع المعرفة إلا بعد استنفاد كل إمكانيات العلم التقليدي عن طريق التدوين والكتب والمعارف المتاحة بأشكالها التقليدية؛ فالأمِّي الذي أصبح مُتعلمًا يقرأ قبل أن يضغط على الأزرار، ويفكُّ الخط قبل أن يفكَّ الشفرة. وفي الجامعات الحديثة في المجتمعات التقليدية ربما يحتاج الطلاب إلى المكتبة المفتوحة التي يأخذ الطالب الكتاب منها بيده من على الرفِّ ويطَّلع عليها قصدًا أو عن غير قصد؛ فإذا ما تراكمت المعلومات، ووصلت إلى حدٍّ يصعب السيطرة عليها، هنا تبدأ الحاجة إلى تنظيمها وفهرستها وتحويلها إلى ذاكرةٍ يسهل استدعاؤها، والتحول من العبارة إلى الكلمة، ومن الكلمة إلى الحرف، ومن الحرف إلى الرمز، ومن الرمز إلى الرقم.

وقد انعكس ذلك كله على مناهج التعليم العامِّي والبحث العلمي في الجامعات؛ فإدخال أجهزة المعلومات في المدارس العامة لا يعني أن التعليم قد تم تغييره؛ إذ يحل الجهاز محل الأستاذ، نقلًا بنقل، وسلطة بسلطة، ويُلحق الطلاب ببحوثهم قوائم المراجع والمصادر من أجهزة المعلومات لم يقرأها الطالب أو يطَّلع عليها، بل قرأ ملخَّصاتها.

إن تحديث المجتمعات لا يأتي عن طريق مظاهر الحداثة، خارج الزمان والمكان، زرع آلات حاسبة وشبكات معلومات مُتاحة للجميع، استبدال سحر بسحر، ومعجزة بمعجزة، وحديث بقديم. فالعقل لم يتغير، والموقف من مصادر المعلومات لم يتبدل، وهو التلقِّي والتعليم والتحصيل، مع أن العلم هو استنباط المجهول من المعلوم، وقراءة ما بين السطور.

المعرفة جزء من نهضة المجتمع الشاملة، وليست عنصرًا مُنفردًا ومعزولًا عنه. هي جزء من كلٍّ وليس كلًّا من أجزاء. المعرفة لها شروط، ما لم تتوافر تكُن زرعًا بغير نبت، ونبتًا في غير أرض، بالونة ملوَّنة في الهواء سرعان ما تنفجر. لا يعني مجتمع المعرفة رفاهية النخبة، وديكور الحداثة، ومظهرًا من مظاهر الدولة العصرية، والحياة ما زالت بدوية، والرؤية تقليدية. إن تطور المجتمعات، وانتقال المجتمع التقليدي من القديم إلى الجديد، ومن السلطة إلى التحرُّر، ومن التقليد إلى الاجتهاد، هو الطريق الطويل الطبيعي في مسارٍ تاريخي ربما يكون مجتمع المعرفة أحد مراحله، وليس بالضرورة آخرها.

١  الاتحاد، ١٧ مارس ٢٠٠٧م؛ الدستور، ١٥ مارس ٢٠٠٧م؛ الزمان، ١٧ مارس ٢٠٠٧م؛ العربي الناصري، ١٨ مارس ٢٠٠٧م.
٢  الاتحاد، ٢١ أبريل ٢٠٠٧م.
٣  الاتحاد، ٢٨ أبريل ٢٠٠٧م؛ الزمان، ٢٦ أبريل ٢٠٠٧م؛ العربي الناصري، ٢٩ أبريل ٢٠٠٧م.
٤  الاتحاد، ٩ يونيو ٢٠٠٧م؛ الدستور، ١٤ يونيو ٢٠٠٧م؛ العربي الناصري، ١٠ يونيو ٢٠٠٧م.
٥  الاتحاد، ٦ يونيو ٢٠٠٧م؛ الدستور، ٢٠ يونيو ٢٠٠٧م؛ العربي الناصري، ١٧ يونيو ٢٠٠٧م.
٦  الاتحاد، ٧ يوليو ٢٠٠٧م؛ العربي الناصري، ٨ يوليو ٢٠٠٧م.
٧  الاتحاد، ١٤ يوليو ٢٠٠٧م؛ العربي الناصري، ١٥ يوليو ٢٠٠٧م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١