مقدمة

سبق وأن ذكرنا، في الفصل الثاني من الباب الأول، أن الاقتصاد السياسي، كعلم محل انشغاله الإنتاج والتوزيع في المجتمع، ابتداءً من قانون القيمة، لم يظهر بظهور الرأسمال، وإنما ظهر فقط حينما صار الذهن الجمعي مهيَّأً للكشف عن القوانين الموضوعية الحاكمة للرأسمال. والفرضية المركزية التي تُمثِّل مركز نقدنا الخارجي لعلم الاقتصاد السياسي، إنما ابتداءً من الوعي بالتفرقة بين شكل التنظيم الاجتماعي، وقوانين الحركة الحاكمة للنشاط الاقتصادي داخل هذا التنظيم الاجتماعي أو ذاك، هي أن الرأسمالية، كظاهرةٍ اجتماعية، تعني خضوع عمليات الإنتاج والتوزيع في المجتمع لقانون حركة الرأسمال، أيًّا ما كان شكل التنظيم الاجتماعي/السياسي، وأيًّا ما كان مستوى تطوُّر قوى الإنتاج، لم تنشأ في أوروبا الغربية في العصر الحديث، ومنها إلى بقية العالم، إنما هي قاعدة تعمل عليها جميع النظم الاجتماعية والسياسية منذ انفصال الإنسان عن مملكة الحيوان وهبوطه من فوق الأشجار.

ولسوف يتحدد خطنا الفكري في هذا الباب: بالتعرف، في خطوةٍ فكرية أولى، إلى مُكوِّنات المركزية الأوروبية ودورها في تشكيل الاقتصاد السياسي. ثم نتعرف، في خطوةٍ فكرية ثانية، إلى خصائص هذه المركزية عند ماركس، وبعد ماركس، وصولًا إلى أهم خصائص الرأسمالية التي استخلصها ماركس، وبالتالي تراثه، مؤسسًا لنظريته في نمط الإنتاج. وهي نظريةٌ تفترض، بلا برهان، تَفرُّد أوروبا بظواهر الرأسمالية، بصفةٍ خاصة ظاهرة بيع قوة العمل وظاهرة الإنتاج من أجل السوق. وهو ما سيجعلنا نتقدم خطوةً فكرية، ثالثة، للتعرف إلى مدى صحة فرضيات نظرية نمط الإنتاج ذات المركزية الأوروبية بالتعرف إلى مواضع ظهور قوانين الحركة في مجتمعات العالم الشرقي القديم ومجتمعات العالم الوسيط. وفي خطوةٍ فكرية رابعة وفي ضوء ما سنصل إليه من نتائج سوف نناقش نظرية نمط الإنتاج وما يرتبط بها من نظرياتٍ مشتقة، وذلك بقصد إعادة طرح، بل وإعادة صوغ، مفهوم نمط الإنتاج نفسه، وإنما على نحوٍ رافض للمركزية الأوروبية القائمة بالأساس على الخلط، الأجوف، بين شكل التنظيم الاجتماعي، وبين قوانين الحركة الحاكمة للإنتاج والتوزيع داخل هذا التنظيم الاجتماعي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١