الفصل الثاني

شروط نشأة العلم الاجتماعي

١

المحرك المركزي لنشأة العلم هو الكشف عن القانون الموضوعي الحاكم للظاهرة١ الاجتماعية بوصفها «شيئًا»٢ «مهيمنًا» يملك نفوذًا «مستقلًّا» عن أفراد المجتمع.٣

ولكي ينشأ العلم الاجتماعي، وليس الانشغال الفكري فحسب، يتعين أن يكون الذهن الجمعي مُهيَّأً للكشف عن القوانين الحاكمة للظاهرة على الصعيد الاجتماعي. والذهن الجمعي يصبح مهيَّأً لذلك حينما يُبدِّد ما يحجُب الوعي الناقد ويُحطِّم الصنمية الفكرية؛ طامحًا إلى أكثر من وجوده بالتعرف إلى معنى الحياة والهدف منها.

ولم يكن لعلم الاقتصاد السياسي، كعلمٍ اجتماعي، أن يظهر لكي يفسر الظواهر محل انشغاله إلا بتزامُن هيمنة تلك الظواهر، وتضافُرها، مع تطلُّع الذهن الجمعي إلى التعرف إلى القوانين الموضوعية التي تحكمها.

فعَبْر تاريخ البشر برزت خمس٤ ذهنيات: الذهنية الميثولوجية والذهنية الفلسفية كذهنياتٍ مهيمنة في العالم القديم. والذهنية الفقهية والذهنية اللاهوتية كذهنياتٍ مهيمنة في العالم الوسيط. والذهنية العلمية كذهنيةٍ مهيمنة في العالم الحديث.٥
ومع الذهنية الأخيرة فقط، تبلور، وفي غرب أوروبا، علم الاقتصاد السياسي. على الرغم من أن جُل الظواهر التي استَنهَضَته منذ بضعة قرون فحسب، كانت موجودة منذ آلاف السنين؛ ففي العالمَين القديم والوسيط كان أمام الرأسمالي، والذي يملك نقودًا يهدف إلى إنمائها، سواء أكان في بابل قبل الميلاد أم في القدس في القرن الأول أم في روما في القرن الثالث أم في بغداد في القرن العاشر، ثلاثة اختيارات:
  • الاختيار الأول: أن يشتري سلعة بسعرٍ منخفض ويعيد بيعها بسعرٍ مرتفع ويحصل على الربح الناتج عن الفارق بين هذَين السعرَين. وقد تتم هذه العملية داخل البلد الواحد، أو بين بلدَين أو أكثر.
  • الاختيار الثاني: أن يُنتج السلعة بدلًا من شرائها مصنَّعة. وفي سبيل ذلك ربما يأتي الرأسمالي بمواد العمل إلى الحِرفي، المالك لأدواته، ويحتكر إنتاجه مقابل أجرٍ مُحدَّد.
  • أما الاختيار الثالث: فهو أن يقوم بإقراض نقوده إلى شخصٍ آخر إلى أجلٍ محدد وحين حلول الأجل يحصل على نقوده مضافًا إليها فائدة. أو يتاجر بالنقود بيعًا وشراءً ويقوم بشتَّى أعمال الصرف، رابحًا من وراء تفاوُت واختلاف أسعار العملات.

ويمكننا أن نرى هذه الاختيارات الثلاثة بوضوح عَبْر تاريخ النشاط الاقتصادي كخياراتٍ مطروحة أمام الرأسماليين سواء أكانوا، وكما ذكرنا، في بابل أو القدس أو روما أو بغداد. أو في أي مكان في العالم القديم أو العالم الوسيط. ومعنى تكرار هذه الاختيارات، الظواهر، وبانتظام هو أننا أمام «أشياء» تستدعي التفسير والتحليل وتحديد القوانين الموضوعية التي تَحكُم أداءها؛ فنحن أمام ظواهر: الربح، والأجر، والفائدة … إلخ. ولكننا لا نعرف على أي أساسٍ تَحدَّد، آنذاك، ربح الرأسمالي في أي اختيارٍ من اختياراته الثلاثة، ولا نعرف على أي أساسٍ تَحدَّدت الأجور، كما لا نعرف كذلك كيف تحدَّد سعر الصرف أو سعر الفائدة … إلخ. ويجب أن لا نتوقع العثور على إجاباتٍ عن أسئلتنا عن مُحدِّدات الربح أو الأجر … إلخ، لدى مفكري العالم القديم أو الوسيط؛ وذلك لانتفاء شرط انشغال الذهن الجمعي؛ فالظواهر المراد تفسيرها مهيمنة على الصعيد الاجتماعي، ولكن الذهن الجمعي ليس لديه الاهتمام للانشغال بها على نحوٍ علمي؛ وذلك لهيمنة ذهنياتٍ أخرى حالت دون الكشف عن القوانين الموضوعية الحاكمة للظواهر التي فرضَت نفسها آنذاك على الواقع الاجتماعي.

فالقوانين البابلية، مثلًا، والتي نظَّمَت بدقة مظاهر النشاط الاقتصادي وعالجَت العديد من مفرداته؛ فتحدثَت عن الرأسمال، والعمال، والأجور، والأرباح … إلخ، اتخذَت جميعها من الميثولوجية إطارًا لا تتخطاه؛ فجميع القوانين البابلية تقريبًا هي قوانينُ مملاةٌ من الآلهة على الملِك من أجل تنظيم المجتمع وفقًا لمشيئة الآلهة، لا البشر. والنصوص نفسها لا تخلو من ذكر الآلهة الذين يتحكمون في الصواعق والأمطار والرياح، أو الذين يتم الاعتراف أمامهم بالجرائم … إلخ.

وفي أثينا، تحدَّث أرسطو عن التبادُل والنقود والقيمة والفائدة … إلخ، في سياق الفلسفة.٦ وكانت جميع الظواهر على الصعيد الاجتماعي تُدرس ابتداءً من هذه الذهنية الفلسفية.
وفي غرب أوروبا في التاريخ الوسيط، وعلى الرغم من انتشار الحِرف والتجارة العالمية على سواحل البحر الأبيض المتوسط، فإن أهم ما سيصل إلينا من إنتاجٍ فكري وتحليلاتٍ نظرية بشأن النشاط الاقتصادي سيكون في إطار التصورات اللاهوتية، وهو ما تمثل في كتابات ألبرتو ماجنوس (١٢٠٠–١٢٨٠م) وتوماس الأكويني (١٢٢٥–١٢٧٤م) وأوريزم (١٣٢٠–١٣٨٢م) كمحاولات، مجرد محاولات، أوَّلية للانشغال الفكري، وفي إطار التعاليم الكنسية، بتحليل التجارة والإنتاج الحِرفي وما يتعلق بهما من ظواهر كالأثمان، والفائدة، والأرباح … إلخ.٧
وفي دمشق أو بغداد أو قرطبة أو القيروان، على أقل تقدير في الفترة من القرن السابع حتى القرن الثاني عشر، جاء الانشغال بمظاهر النشاط الاقتصادي في إطار الفقه؛ فلقد عالج الفقهاء مسائل الأرباح، والمضاربة، والأجور، والصرف، والشركات، والإيجار، والبيع، والعارية، والرهن، والتأمين، والكفالة … إلخ؛ ومن ثَمَّ حال الاهتمام بعلوم الشريعة (المتضمنة أوجه النشاط الاقتصادي) دون تكوُّن الانشغال بالكشف عن القوانين الموضوعية الحاكمة لهيكل وأداء النشاط الاقتصادي. ومن هنا يمكننا استنتاج السبب، ربما الوحيد، الذي منع نشأة «علمٍ» اقتصادي في القرن العاشر، في بغداد أو قرطبة، على الرغم من توافُر جُل الظواهر التي أنضجت العلم الاقتصادي؛ هذا السبب هو هيمنة الفقيه، والذي كان آنذاك لديه الإجابة، الشرعية، عن كلِّ ما هو اجتماعي! ولذا، حينما ظهر أصحاب العقول العلمية الجبارة كابن حيان (٧٢٢–٨٠٤م) والخوارزمي (٧٨٠–٨٥٠م) والكندي (٨٠٥–٨٧٣م) والرهاوي (٨٥٤–٩٣١م) والفارابي (٨٧٤–٩٥٠م) والحسن بن الهيثم (٩٦٥–١٠٤٠م) والبيروني (٩٧٣–١٠٤٨م) وابن سينا (٩٨٠–١٠٣٧م) وابن باجة (١٠٩٥–١١٣٨م) والإدريسي (١٠٩٩–١١٦٠م) وابن رشد (١١٢٦–١١٩٨م) والجزري (١١٣٦–١٢٠٦م)٨ لم تكن لتشغلهم مسائل النشاط الاقتصادي التي عالجتها مصنفات الفقهاء (وهي المصنفات التي تتلمذ بالفعل عليها أكثرهم)؛ فقد كانت تلك المسائل محسومة فقهيًّا آنذاك؛ حيث كان المهم هو معرفة الأحكام الشرعية للمعاملات،٩ لا القوانين الموضوعية للظواهر.
ومن جانبٍ آخر؛ ولأن خراج الأراضي كان من الظواهر المهيمنة، فقد أُلِّفت كُتب الخَراج كمؤلَّفات وُضعَت بالأساس من أجل إرشاد الحاكم إلى أصولِ ماليةِ دولة الخلافة، وتنظيم مواردها ونفقاتها، بصفةٍ خاصة بعدما ثارت التساؤلات حول الحكم الشرعي للأراضي المفتوحة وغلَّاتها ومصارفها … إلخ. والذي تولَّى وضع هذه المؤلفات هم الفقهاء١٠ لا علماء الطب أو الرياضيات؛ فكل ما هو اجتماعي، وكما ذكرنا، كان خاضعًا لأحكام الفقه بوصفه التعبير عن الشريعة التي تُسيطر على حياة الشخص في الدنيا والآخرة؛ دون إمكانية للفصل بين ما هو مدني وبين ما هو ديني؛ ولذا لم يكن أمام العقول العلمية آنذاك، بل وبعض العقول الفقهية الناقدة كالمعتزلة، وفي مقدمتهم الجاحظ (٧٧٥–٨٦٨م) والمأمون (٧٨٦–٨٣٣م) والقاضي عبد الجبار (٩٣٥–١٠٢٤م) والزمخشري (١٠٧٠–١١٤٣م)، وهي العقول التي ورثت حضاريًّا علوم الشرق القديم وفلسفة اليونان، سوى الاتجاه في أحد الاتجاهَين: إما إعادة النظر في أساس الفقه نفسه بإعادة النظر في أصول الشريعة ذاتها. وإما البحث عن القوانين الحاكمة للظواهر الطبيعية تحركًا في المساحة التي لم يتمكن الفقه من إحكام سيطرته عليها، إلا في عصور الانحطاط وهيمنة الغيبيات. في الحالتَين لم يكن هناك أدنى انشغال بالكشف عن القوانين الموضوعية الحاكمة للنشاط الاقتصادي على الصعيد الاجتماعي؛ وذلك، لاستئثار الفقيه، على أرض الواقع، بدورٍ حاسم في منع تكوُّن المفكر الاجتماعي الباحث، على نحوٍ ناقد، في القوانين الموضوعية للظواهر الاجتماعية، والسياسية بالتالي، وهو المنع الذي استتبع بدوره الحيلولة دون النفاذ إلى تلك المناطق النظرية التي اعتبرها الفقيه واقعة في إطار نفوذه المعرفي!١١
وحينما يتكون الذهن العلمي الناقد لكل ما هو قائم في أوروبا في القرنَين السابع عشر والثامن عشر، بعدما ثار الضمير الجمعي على طغيان الملكية الإقطاعية، ونهض وعي الجماهير ضد دوجما السلطة الكنسية، وانطلق العقل الناقد باحثًا عن القوانين الموضوعية الحاكمة للظواهر الطبيعية والاجتماعية بعيدًا عن كل ما هو ميثولوجي أو لاهوتي، وأخذ الذهن الفلسفي نفسه في التطور مراجعًا مُسلَّمات طاليس وبارمنيدس وأفلاطون وأرسطو … إلخ، نقول مع تكوُّن الذهن العلمي على هذا النحو، سوف تُدرس جميع الظواهر على الصعيد الاجتماعي بذهنية هدفها المركزي التعرف إلى القوانين الموضوعية الحاكمة لها بعيدًا عن تصورات القدماء التي رفضها العقل الناقد؛ ومن ثَمَّ أصبح ظهور الاقتصاد السياسي، كعلمٍ اجتماعي، أمرًا محتملًا، بل ولازمًا، كي يُفسِّر ظواهر النشاط الاقتصادي الطارئة على المجتمع الأوروبي؛ فعندما تفجَّرَت الثورة الصناعية في أوروبا الغربية وتَبلورَت معها العشرات من الظواهر الجديدة.١٢ ومع تهيُّؤ الذهن الجمعي للكشف عن القوانين الموضوعية التي تحكم أداء هذه الظواهر، بعد التحرر من الوصاية الفكرية التي ضُربَت على القارة طيلة قرون من الظلام، ظهر علم الاقتصاد السياسي، كعلمٍ اجتماعي، هدفه البحث عن القوانين الموضوعية التي تحكم تلك الظواهر وما تثيره من إشكالياتٍ معقدة بشأن الإنتاج والتوزيع، واحتلت ظاهرة الأثمان مكانًا مهمًّا في حقل التحليل الفكري؛ فجميع قرارات الإنتاج، وجميع تناقُضات التوزيع، إنما تهيمن عليها، بحال أو آخر، ظاهرة الأثمان. ولكن، الأثمان هي المظهر النقدي للقيمة.١٣ وبالتالي أصبحَت القيمة، كظاهرةٍ مهيمنة تخضع لقانونٍ موضوعي، هي نقطة انطلاق الآباء المؤسسين للاقتصاد السياسي في دراستهم لقوانين الإنتاج والتوزيع. وهو ما يُوجِب علينا الانتقال خطوةً فكرية من أجل التعرُّف إلى موضوع علم الاقتصاد السياسي الذي اتخذ من القيمة محلًّا لانشغاله.
١  في مفهوم «الظاهرة»، انظر: É. Durkheim, “Les Règles de la méthode sociologique” (Paris: Presses Universitaires de France. Bibliothèque de Philosophie Contemporaine, 1964), p. 89. Georges Gurvitch, “La Vocation actuelle de la sociologie”, Tome II: Antécédents et perspectives. Revue française de sociologie, Volume 4 Issue, 1963. pp. 455–7. Denis Duclos, “Projet éthique et positivisme dans la démarche sociologique de Durkheim”, L’Homme et la société, 1981. Volume 59 Issue 1. pp. 145–59. Michael Inwood, “A Hegel Dictionary” (Oxford: Blackwell’s Ltd, 2008), pp. 246–69.
٢  الشيء هو كل موجودٍ ثابت متحقق يصح أن يُتصور ويُخبر عنه سواء أكان حسيًّا ماديًّا أم معنويًّا متخيلًا.
٣  والظاهرة الاجتماعية بتلك المثابة تجبر هؤلاء الأفراد على احترام قواعدها وكل سلوك بالمخالفة لتلك القواعد يُقابَل على الصعيد الاجتماعي بالصدام والمقاومة، ماديًّا و/أو معنويًّا؛ فعلى سبيل المثال: لكل جماعةٍ قواعدُ سلوكٍ معيَّنة في الزي والكلام والطعام … إلخ، ومَن يخرج بأي شكل أو بأي وسيلة عن هذه القواعد، التي تَشكَّلَت كظاهرة تملك نفوذًا مستقلًّا عن أفراد المجتمع، إنما يُقابَل سلوكه بالزجر والاستهجان. للمزيد من التفصيل، انظر: Durkheim, “Les Règles de la méthode sociologique”, op, cit, p. 54.
٤  وقولنا بالذهنيات الخمس، لا يعني أبدًا ادعاءً بترسيم الحدود التاريخية الفاصلة بينهم؛ على العكس نحن نؤكد على أن تطورهم يأتي نتيجة لعلاقاتهم المتناقضة بعضهم مع بعض، وهو ما يعني أنهم دومًا جنبًا إلى جنب في معظم مراحل الماضي والحاضر. كل ما هنالك أن الذهنية التي تفرض سطوتها وسيادتها على صعيد الواقع، هي التي تقوم بتفسير الظواهر ابتداءً من ذهنيتها تلك على صعيد الفكر. والمعيار الذي يُؤخذ مقياسًا للذهنية التي صارت غالبة في مرحلةٍ تاريخيةٍ ما، هو معيار السطوة، وهو الذي يعتد بسطوة ذهنية الطبقة الحاكمة؛ فأفكار الطبقة المسيطرة هي الأفكار المسيطرة، والناس على دين الملك.
٥  يأتي استخدامنا للتقسيم «قديم، وسيط، حديث» استجابة لاستقراره وصحته (زمانيًّا) وليس انطلاقًا من المركزية الأوروبية.
٦  فعلى سبيل المثال، يتخذ أرسطو، وفي إطارٍ فلسفي، من العائلة، كوحدةٍ إنتاجية، حقلًا للتحليل. ثم يذهب إلى أهمية العمل الإنساني ويحصر طرق المعاش في: الرعي، والزراعة، والتلصُّص (على ما يبدو أنه لم يكن من الأمور الشائنة في بلاد اليونان) وصيد الأسماك، وقنص الوحوش والطيور. وهو حين يتحدث عن القيمة، نرى لديه الوعي بالتفرقة بين قدرة السلعة على إشباع حاجةٍ معينة، وقدرة السلعة على التبادُل بسلعةٍ أخرى، ولكن دون أن يصل إلى مقياس التبادُل: «فيُبدِّلون النوافع بما هو من نوعها لا أكثر ولا أقل فيُقدِّمون الخمر مثلًا ويأخذون عِوَضه الحنطة. وهكذا في كلٍّ من الأشياء الأخرى المتجانسة.» انظر: أرسطو، «في السياسة»، نقله عن الأصل اليوناني وعلق عليه الأب أوغسطينس برباره البولسي (بيروت: اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، ١٩٨٠م)، ص٢٧. وهو يصل إلى ما هو أبعد من ذلك بكشفه عن أهمية المنفعة في اكتساب السلعة قدرتها على المبادلة بسلعةٍ أخرى؛ فقد رأى أرسطو أن الأشياء القابلة للمقايضة أي التداول هي فقط التي يمكن أن تكون محلًّا للاستعمال. ويضرب مثالًا بالحذاء الذي يستخدمه صاحبه في الاستعمال المباشر، أو بمبادلته بسلعةٍ أخرى: «لكل قنيةٍ استعمالان، وكلاهما ذاتيان، ولكن دون مماثلة في ذاتيتهما؛ إذ الواحد مختص بالشيء والآخر غير مختص به. فالحذاء مثلًا يُحتذى به ويُتجر به، وهذا الوجه من الانتفاع وذاك الوجه هما استعمالان له. والذي يقايض غذاءً أو نقدًا مَن كان محتاجًا إليه استعمله كحذاء ولكن لا استعمالًا خاصًّا؛ إذ لم يُجعل للمقايضة» (أرسطو، «في السياسة»، ص٢٦). ثم ينتقل أرسطو إلى الصعوبات التي أدت إلى ظهور وحدات النقد تلافيًا لعيوب المقايضة، موضحًا أن ظهور وحدات النقد في التبادُل أدى إلى اختفاء المقايضة تدريجيًّا؛ وبالتالي تَبلورَت التجارة، والتجارة يُدينُها أرسطو ويعتبرها خارج الكسب الطبيعي لأنه يقوم على البيع والشراء، بمعنًى أدق بيع منتجات فائضة بالنقد، ثم شراء منتجات يفتقر إليها، بالنقد كذلك، وهو التبادُل الذي يراه أرسطو ذميمًا. أما عن نظريته في النقود فهي تتلخص في أن حياة أي مجتمع تتطلب تبادُل السلع والخدمات، وهذا التبادُل يأخذ صورة مقايضة في مبدأ الأمر، يتم ذلك بصورةٍ طبيعية، ولكن الصعوبات التي تُواجه عملية المقايضة والرغبة في تفاديها تجعل الناس تلجأ بطريق الاتفاق الضمني؛ أي العرف، أو عن طريق التشريع إلى اتخاذ سلعةٍ واحدة كوسيط للتبادُل. وهو الأمر الذي قاد إلى ظهور معدن من نوعٍ ما كي يلعب هذا الدور في التبادل؛ أي إن أرسطو تَوصَّل إلى الوظيفة الأولى من وظائف النقود: «النقد عنصر التبادُل» (أرسطو، «في السياسة»، ص٢٩). وحين يُدين أرسطو، أخلاقيًّا، احتفاظ الإنسان بأي ثروة تزيد عن حاجته، فهو في الواقع يصل إلى وظيفةٍ أخرى من وظائف النقود، وهي المتعلقة بمخزن القيمة. وأخيرًا حين يتحدث عن التبادُل والبيع والشراء، فإنما يفتح باب المناقشة حول مقياس القيمة. ويصل أرسطو، فلسفيًّا، إلى رؤيةٍ فريدة للقيمة الزائفة للنقود، حين ينظر إلى النقود، كظاهرةٍ طارئة على المجتمع، نظرةً متقدمة جدًّا بالنسبة إلى عصره، ويرى أن النقد، المصنوع من الحديد ومن الفضة، لا يُعبِّر عن قيمته الحقيقية، والبشر هم الذين جعلوا من المعادن نقودًا يبيعون من خلالها ويشترون، ويقول: «وما النقد، على ما يبدو لنا، إلا هَذَيانٌ وعادةٌ مَرْعيَّة وما هو على شيءٍ من القيمة الطبيعية؛ إذ لو عدل مستعملوه عما اصطلحوا عليه لأضحى شيئًا زريًّا لا يُعتد به ولا يقضي حاجة، ولَأَمسَى مَن قامت ثروته على النقود في أَمسِّ العَوَز إلى القوت.» وبشأن الفائدة التي تكون على الإقراض، يقول أرسطو: «يُوجد نوعان من فن تكوين الثروة: أحدهما يتعلق بالتجارة، والآخر بالاقتصاد؛ وهذا الأخير ضروري وجدير بالمديح، أما الأول فيقوم على التبادل ولذلك يُندِّد به عن حق وصواب، وهكذا يكره الجميع الربا بحق لأن النقد بالذات يُعتبر هنا مصدر الكسب ويستخدم ليس من أجل الغاية التي تم اختراعه من أجلها؛ فهو قد نشأ من أجل التبادُل السلعي، بينما تصنع الفائدة المئوية من النقد نقدًا جديدًا، إلا أن الفائدة المئوية هي نقد من نقد، ولذا فإن فرع الكسب هذا أشد مناقضة للطبيعة من بين سائر فروع الكسب.» انظر: أرسطو، «في السياسة»، ص٣٢.
٧  على سبيل المثال، انظر: ST. Thomas Aquinas, “Philosophical Texts”, selected and translation with notes and an introduction by Thomas Gilby (London: Oxford University press, 1951), pp. 320–35.
وفي نفس الفترة تقريبًا يمكننا قراءة الاجتهادات الأولية للجاحظ (٧٧٦–٨٦٨م) والدمشقي (القرن الثاني عشر) انظر: الجاحظ، «التبصر بالتجارة» (القاهرة: مكتبة الخانجي، ١٩٤٩م)؛ أبو الفضل الدمشقي، «الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها»، اعتنى به وقدم له وعلق عليه محمود الأرناءوط (بيروت: دار صادر، ٢٠٠٩م)؛ إذ نلاحظ، في الكتابَين، مدى تأثير الواقع، الذي سيطر عليه إلى حدٍّ كبير نشاط التجار، على الانشغال الفكري للكُتَّاب آنذاك.
٨  في نفس المرحلة التاريخية، إن اقتصرنا عليها للتبسيط، وهي الممتدة من القرن السابع حتى القرن الثاني عشر، بزغ نجم فحول الشريعة والأصول مثل: أبو حنيفة (٦٩٩–٧٦٧م) ومالك بن أنس (٧١١–٧٩٥م) والشافعي (٧٦٧–٨٢٠م) والتنوخي (٧٧٦–٨٥٤م) وأبو داود (٨١٧–٨٨٨م) والترمذي (٨٢٤–٨٩٢م) والنسائي (٨٢٩–٩١٥م) والدارقطني (٩١٨–٩٩٥م) وابن حزم (٩٩٤–١٠٦٤م). وبفضل قوة التجريد، تمكنت تلك الذهنيات الموسوعية من ترسيخ وتدعيم علم الأصول، واستقبال علوم السابقين والاستفادة منها في البرهان والجدل والقياس، والوصول، وفقًا لذلك، إلى الأحكام الشرعية التي بُنيت آنذاك على الإبداع والاجتهاد لا النقل والتقليد. وإذا ما استثنينا الفترة التي قوي فيها تيار المعتزلة برعاية الخليفة المأمون، فقد كان للفقيه كامل السطوة على الصعيد الاجتماعي، طالما لم يتقاطع موقفه السياسي مع رغبات السلطان ومصالح العرش.
٩  فمثلًا، بصدد كلمة/مصطلح «الرأسمال»، سنجد اللسان العربي، في القرن السابع وقبل غرب أوروبا، يعرف الكلمة؛ إذ في سورة البقرة ذكرٌ صريحٌ للكلمة في صيغة الجمع؛ فلقد نصت الآية ٢٧٩ على: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. والقرآن يذكر «رءوس أموالكم» ولم يذكر «أموالكم» أو «نقودكم» لأن النقود كانت مُقرَضةً على سبيل التشغيل والإنتاج وليس الاستهلاك. وهو نفس السبب الذي سوف تكتسب النقود بمقتضاه صفة الرأسمال في غرب أوروبا. في مدى الانشغال بالحكم الشرعي، لا القانون الموضوعي للظاهرة، انظر على سبيل المثال: «جامع البيان» (١: ٢٨٩)؛ «لباب التأويل» (١: ٢٠٨)؛ «بحر العلوم» (١: ٢٣٥)؛ «تفسير الرازي» (٤: ٢٥٧)؛ «المحرر الوجيز» (٢: ٢٣٥)؛ «معالم التنزيل» (١: ١٩٩)؛ «أسباب النزول» (ص٧٤)؛ «فتح القدير» (ص٨٧)؛ «تفسير القرطبي» (١: ٢٣٤)؛ «تفسير القرآن العظيم» (١: ٢٤٥)؛ فجميع تلك المصنفات المنتمية إلى علوم الشريعة فرضت نفوذها الشرعي المانع للتحليل العلمي للظاهرة على الصعيد الاجتماعي. أما الفقه، فقد اعتمد، بدوره، كلمة «الرأسمال» ضمن مفرداته الفنية؛ فنراها عند كبار رجال الفقه كالشيرازي في «تكملة المجموع» (١٤: ١١)، والبهوتي في «الروض المربع» (٣: ١٣٦)، وابن قدامة في «المغني» (٥: ١٧٠)، وابن رشد في «بداية المجتهد» (٢: ٢٠٦)، وغيرهم حال شرحهم لأحكام القروض والشركات. والشركات لم تكن مقتصرة، لدى رجال الفقه، على شركات الأموال، إنما عالج مالك شركات الخدمات أيضًا مع ذكرٍ واضح لمصطلح الرأسمال؛ جاء في «المدونة»: «قلتُ: هل تجوز شركة الأطباء؟ اشترك رجلان على أن يعملا في مكانٍ واحد يعالجان ويعملان فما رزق الله بينهما نصفَين. قال: سألْتُ مالكًا عن المعلمَين يشتركان في تعليم الصبيان على أن ما رزق الله بينهما نصفَين. قال: إن كانا في مجلسٍ واحد فلا بأس به. قال: وإن تفرَّقا في مجلس فلا خير في ذلك. قال: وكذلك الأطباء عندي إذا كان ما يشتريانه من الأدوية إن كان له رأسمال يكون بينهما جميعًا بالسوية.» انظر: مالك بن أنس، «المدونة، برواية سحنون» (٥: ٤٨). وكل ذلك دون أدنى انشغال بالقوانين الموضوعية التي انعدمت مساحة العمل من أجل الكشف عنها، اكتفاءً بالحكم الشرعي الذي اعتُبر كافيًا لفهم الحياة. وهو ما انعكس بدوره على معالجة رجال المعاجم لأصل الكلمة. انظر: «المحيط» (٩: ٥٤)؛ «مجمع البحرين» (٤: ٧٣)؛ «لسان العرب» (٦: ٩٢)؛ «تاج العروس» (٨: ٢٩٨)؛ إذ تخلو جميع هذه القواميس العربية الكبرى من أي إيضاحٍ لغوي/دلالي للرأسمال، إلا عبارة مقتضبة عند الفيروزآبادي: «ورأس المال أصله.» انظر: «القاموس المحيط» (ص٧٠٤).
١٠  على سبيل المثال، انظر: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، «كتاب الخراج» (بيروت: منشورات الجمل، ٢٠٠٩م).
١١  تخلو دومًا كتب الحسبة من معالجة الحالات التي يحدث فيها نزاع بين الأجير ورب العمل؛ لأن الناس كانوا يتجهون إلى الفقهاء الذين يعملون على إيجاد الحلول من الشرع والعرف، دون أي انشغال بقوانينَ موضوعية تحكم علاقات المؤاجرة.
١٢  في غرب أوروبا، ومع اضمحلال التنظيم الاجتماعي الإقطاعي؛ أخذَت وسائل الإنتاج المتطورة، كرأسمال، تحتل مكان الصدارة. كما بَرزَت عدة ظواهر، ظن المفكرون آنذاك أنها ظواهرُ جديدة، وغير مسبوقة، ومن أهم هذه الظواهر: بيع قوة العمل، والإنتاج من أجل السوق! ولسوف نعرف في الباب الثالث هل تلك الظواهر جديدة وغير مسبوقة حقًّا!
١٣  القيمة، بالقَدْر الذي يسمح بالمتابعة في هذه المرحلة من أبحاثنا، هي خصيصة، صفة، تُميز الشيء وتُحدِّده. والشيء الذي يكون نتاج العمل، وبالتالي يحتوي على قَدْر أو آخر من ذلك المجهود الإنساني، يصبح له قيمة، ذو قيمة. ولسوف ندرس القيمة دراسةً تفصيلية في الفصل السادس من الباب الحالي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠