الفصل الرابع

في المنهج

إلامَ نحتاجُ كي نشيدَ بناءً؟ لا شك في كوننا بحاجة، إضافة إلى الأرض الصالحة للبناء، إلى موادِّ عمل (تتمثل في الحديد والرمل والأسمنت … إلخ) وأدواتِ عمل (كالروافع، والخلاطات … إلخ). ونحتاج كذلك إلى قوة عمل تتمكن بواسطة الأدوات من استعمال المواد في سبيلها إلى تشييد البناء. ومن المعلوم بالبديهة أنه كلَّما صلحت الأرض للغرض وقويت، علا البناء ورسخ. ولا أنشغل ها هنا بالنظر في تهيئة الأرض غير الصالحة؛ إذ لذلك مجالٌ أرحب، وإن وددت أن تتعرف إلى خطوطه العريضة مما سنسيره معًا من خطواتٍ فكرية.

هذا عن تشييد البناء، فماذا عن إنتاج الفكر؟١ إن شأن إنتاجه شأن تشييد ذلك البناء؛ فبالإضافة إلى المجهود الذي يبذله الباحث وما يكابده من تعبٍ واصب وقلقٍ ناصب وحيرةٍ مقيمة وشغفٍ متصل في سبيل تحصيل العلم واستخلاص المعرفة، فإن موادَّ العمل المطلوبة لإنتاج الفكر تتمثل في ذلك الكم المعرفي المكتسب الذي ينشغل الإنسان بتحصيله، بوعي، خلال حياته، وعلى أُسسٍ وجب احترامها وتعيَّن تدبُّر أهميتها قبل تخطيها وتدميرها عن جهل بعد أن فشا الرفض الجاهل لأصول الأشياء بلا تساؤل عن المعاني التي تحملها الضوابط قبل الرفض.

أما الأدوات، وهي التي تحتل، في مجمل مذهبنا، موقعًا حاسمًا، فتتبدى في ذلك الطريق الذي يسلكه الذهن في سبيله لإنتاج المعرفة. الأدوات هي المنهج، أما المواد فهي التراكُم المعرفي. الأدوات هي الكيف، والمواد هي الكم. وإن كان الوصول إلى هذا الكم المعرفي أمرًا ميسورًا؛ إذ يحصله الباحث بمجرد رجوعه إلى الموسوعات والملخصات والموجزات والفهارس والمعاجم المتخصصة … إلخ، وصار أكثر يسرًا مع التطور التقني؛ إذ يستطيع المرء بلوغ ما يريد من آلاف المعلومات والأفكار بمجرد استخدام محركِ بحثٍ جيد؛ فإن المشكلة تكمن في كيفية تصنيف هذا السيل من المعلومات وترتيب ذاك التدفُّق المائج من الأفكار ورد كل معلومة/فكرة إلى الكل الذي تنتمي إليه على نحوٍ يُنتج معرفة علمية. المشكلة تكمن في الأداة التي تُنتج بواسطتها المعرفة. تكمن في المنهج. والمنهج، على هذا النحو، كأداةٍ تُستخدم للبرهنة على صحة فرضيةٍ معيَّنة وصولًا لحقيقة ما؛ إنما يتجسد في التجريد الواعي بالتناقُض.

أولًا: التجريد

أ

حينما نتساءل عن عدد الألوان أو الألحان أو الأفكار، أو حتى كلمات اللغة؛ أي هل يمكن حصرهم أم يستحيل ذلك؟ فقبل أن نقدم إجابة يتعين أن نتعرف إلى بعض الأفكار الأساسية المتعلقة بالمنهج، الذي هو الطريق الذي يسلكه الذهن من أجل تقديم الإجابة؛ فحينما يُطرح سؤالٌ معرفي، أيُّ سؤالٍ معرفي، فليس مهمًّا في مذهبي تقديم إجابة إنما المهم هو الطريق الذي يسلكه الذهن كي ينتج هذه الإجابة؛ فالإجابة الصحيحة، دون ادعاء امتلاك الحقيقة، ستكون في التحليل النهائي نتيجة خطواتٍ فكرية سليمة.

فلنترك إذن، إنما مؤقتًا، أسئلتَنا المتعلقة بالألوان والألحان والأفكار وكلمات اللغة، ولنسألْ سؤالًا أوليًّا: كيف أنتج الذهن الإسلامي المعرفة في عصره الذهبي؟ الذهن الذي أصبح في لحظةٍ تاريخية حاسمة وريثًا معرفيًّا للعلم اليوناني (ذي الأصول الشرقية القديمة)، ومستكملًا لمسيرة الفقه الروماني الذي تجسَّد في الجدل الفقهي وعِلم صوغ الفقه الروماني الذي تجسد في الجدل الفقهي وعِلم صوغ الشرائع.

الإجابة عن السؤال المذكور أعلاه نجدها لدى التاريخ؛ فهو الذي يشرح لنا لِمَ سادتِ الحضارة الإسلامية في يومٍ من الأيام وأنارت العالم الوسيط في مرحلةٍ هي من أشد المراحل إظلامًا وجهالة؛ ففي أوروبا القرون الوسطى، وفي نفس اللحظة التاريخية التي سُحق فيها الوعي البشري، وكما ذكرنا في الفصل الأول، بين صَنَمية الفكر الكنسي وعَسْف الملكية الإقطاعية. وفي نفس اللحظة التي استُرقَّت فيها الأرواح، بَرقَ الفكر الإسلامي في سماء الظلام وأنارت مُصنَّفاتُ فحوله حِقبةً حاسمة في تاريخ الفكر البشري ومسيرة الإنسانية بأَسْرها.٢ فحينما كانت أوروبا على هذا النحو من الظلام، كان النور ينبعث خلَّاقًا من بخارى حتى الأندلس. لم يكن هذا النور انعكاسًا لسيلٍ جارف من الأفكار التقدُّمية، بقَدْر ما كان انعكاسًا للطريقة التي تُنتَج بها هذه الأفكار التقدُّمية.
فلقد استَخدَم العلماء المسلمون في عصرهم الذهبي، عصر الرقي الفكري، على الرغم من الانحطاط السياسي، التجريد٣ كطريقة في التفكير؛ كي يهتدوا من خلالها إلى القوانين الموضوعية التي تحكم الظواهر الطبيعية، وراحوا يُصنِّفون ويُرتِّبون الظواهر ويشرحونها بالعلو بها عن كلِّ ما هو ثانويٌّ بقصر الاعتبار عليها بعزلها ذهنيًّا عن غيرها؛ كي يكشفوا عن القواعد الكليَّة٤ لكل الظواهر التي أرَّقت أذهانهم، دون أن يقف أمامهم عائق الحرام أو حاجز الممنوع أو المحظور حتى في علوم الشريعة، وتَمكنَّوا من بلوغ الأماكن المُعتِمة في الفكر الإنساني. وإذا أردنا التعرف، بإيجازٍ بطبيعة الحال، إلى الكيفية التي أَنتجَت بها الذهنية الإسلامية المعرفة العلمية في عصرها الذهبي، فيمكننا أن نعاين بعض الأمثلة؛ فها نحن نجد ابن المقفع (٧٢٤–٧٥٩م) يُوجِّه رسالته إلى الطريقة التي يتعين اتباعها حتى يمكن الفهم وتكوين الوعي؛ إذ كتب:
«يا طالب العلم اعرف الأصول والفصول؛ فإن كثيرًا من الناس يطلبون الفصول مع إضاعة الأصول. ومن أحرز الأصول اكتفَى بها عن الفصول، وإن أصاب الفصل بعد إحراز الأصل فهو أفضل.»٥

يقصد ابن المقفع، في النص أعلاه، بيان أهمية التزوُّد بقوة التجريد حين القيام بدراسة علم من العلوم؛ فنراه، وبوضوح، يوصي طالب العلم بأن يحرص على أن يراعي المبادئ الكليَّة والقواعد الأساسية، فإذا تحقَّق له ذلك كان له الإحاطة بالتفاصيل والإلمام بالمسائل الفرعية.

وحينما ذهب المُعلِّم الثاني، أبو نصر الفارابي (٨٧٤–٩٥٠م) إلى إحصاء العلوم، بيَّن:

«… أما علم العدد فإن الذي يُعرف بهذا الاسم علمان: أحدهما علم العدد العملي، والآخر علم العدد النظري؛ فالعملي يفحص عن الأعداد من حيث هي أعدادٌ معدودات تحتاج إلى أن يُضبط عددها في الأجسام وغيرها، مثل رجال أو دنانير أو دراهم. وأما النظري فإنه إنما يفحص عن الأعداد بإطلاقٍ على أنها مُجرَّدة في الذهن عن الأجسام وعن كل معدودٍ منها، وإنما يُنظر فيها مخلَّصة عن كلِّ ما يمكن أن يُعَد بها من المحسوسات. والهندسة النظرية إنما تَنظُر في خطوط وسطوح أجسامٍ على الإطلاق والعموم وعلى وجهٍ يَعُم سطوح جميع الأجسام، ويُصوِّر في نفسه الخطوط بالوجه العام الذي لا يبالي في أيِّ جسم كان، ويَتصوَّر في نفسه السطوح والتربيع والتدوير والتثليث بالوجه الأعم الذي لا يُبالي في أيِّ جسمٍ كان ويتصور المُجسَّمات بالوجه الأعم الذي لا يبالي في أيِّ جسمٍ كانت وفي أيِّ مادة ومحسوس كانت، بل على الإطلاق من غير أن يقيم في نفسه مُجسَّمًا هو خشب أو مُجسَّمًا هو حائط أو مُجسَّمًا.»٦

وقد بلغ التوحيدي (٩٢٢–١٠٢٣م) أعلى درجات التجريد حين حدَّد المسائل الأربع الواجب الإحاطة بها لمن أراد العلم، ورأى فيها الكفاية، فكتَب:

«إن أقرب الطرق وأسهل الأسباب هو معرفة الطبيعة والنفس والعقل والإله؛ فإنه متى عَرفَ هذه الجملة بالتفصيل، واطَّلَع على هذا التفصيل بالجملة، فقد فاز الفوز الأكبر، ونالَ الملك الأعظم، وكُفيَ مئونةً عظيمة في قراءة الكتب الكبار ذوات الورق الكثير.»٧

أما إخوان الصفاء (من علماء القرن العاشر) فنراهم في الرسالة الثامنة من القسم الرياضي في الصنائع العملية والغرض منها، يعالجون وعلى أعلى مُستوًى من التجريد طبيعةَ السلع والخدمات في المجتمع؛ فلم ينظروا إلى المصنوعات التي ينتجها الإنسان بأنواعها الكثيرة جدًّا وأشكالها المتعددة للغاية، وإنما نظروا إلى القواعد الكليَّة، وكشفوا عن أصول الصناعات، وحددوها بالعناصر الأربعة (الماء، والتراب، والنار، والهواء)، ثم بالمواد الثلاث (المعدن، والنبات، والحيوان)، ثم بالمقادير والقيم، ثم بنفوس الناس وأجسادهم؛ فما كان يشغل ذهنهم التجريدي هو الأصول الكليَّة لا الفرعيات:

«… فمن الصنائع ما هي الموضوع فيها الماء كصناعة الملاحين والسقائين والروَّائين. ومنها الموضوع فيها التراب كصناعة حفَّار الآبار والأنهار والقنى. ومنها الموضوع فيها النار كصناعة النفَّاطين والوقَّادين والمشعلين. ومنها الموضوع فيها الهواء كصناعة الزمَّارين والبَوَّاقين والنفَّاخين. ومنها الموضوع فيها أحد الأجسام المعدنية كصناعة الحدَّادين والصفَّارين والزجَّاجين. ومنها الموضوع فيها أصول النبات من الأشجار والقُضْبان والأوراق كصناعة النجَّارين والخوَّاصين، والكتَّانين، والدقَّاقين. ومنها الموضوع فيها الحيوان كصناعة الصيَّادين ورعاة الغنم والبقر والبياطرة. ومنها الموضوع فيها أحد الأجسام الحيوانية من اللحم والعظم والجلد والشعر والصوف والقز كصناعة القصَّابين والشوَّائين والطبَّاخين والدبَّاغين. ومن الصنائع الموضوع فيها مقادير الأجسام كصناعة الوزَّانين والكيَّالين. ومن الصنائع الموضوع فيها قيمة الأشياء كصناعة الصيارفة والدلَّالين. ومن الصنائع الموضوع فيها أجساد الناس كصناعة الطب والمزينين. ومن الصنائع الموضوع فيها نفوس الناس كصناعة المعلمين.»٨
أما ابن خلدون (١٣٣٢–١٣٨٢م) وعلى الرغم من أنه عاش، كمفكرٍ استثنائي، في قرنٍ من أسوأ القرون التي مَرَّت على العالم الإسلامي،٩ قبل الانهيار التام بسبب تحوُّل طرق التجارة من قلب العالم الإسلامي إلى الدوران حول أفريقيا في أواخر القرن الخامس عشر، فنراه يتحدث عن الأُسس الجوهرية التي ينهض عليها هذا العلم أو ذاك، ويُرجِع صعوبة التعلُّم إلى التفاصيل والفرعيات التي تُعطِّل الفهم السليم. بالتأكيد لا تُهمَل التفاصيل والفروع، وإنما لا تُعامَل إلا بوصفها هكذا؛ أي غير مؤثِّرة في الظاهرة محل البحث؛ فالفرعيات والثانويات تأتي في المرتبة الثانية بعد الاستيعاب العميق للأصول الجوهرية والمبادئ الأساسيَّة للعلم المراد تعلُّمه:
«ولو اقتصر المعلمون على المسائل المذهبية فقط لكان الأمر دون ذلك بكثير وكان التعليم سهلًا ومأخذه قريبًا.»١٠

ب

ولعل الأكثر سطحية، واستفزازًا في الوقت نفسه، تلك الدعاوى التي تأتي على غِرار الأمراض الموسمية التقليدية، كالأنفلونزا، فتظهر حالة «إحياء الفكر العربي»، أو «التواصل مع التراث الإسلامي»، أو «الأصالة والمعاصرة» … إلخ. وفي الاحتفالية لا نجد في الأغلب الأعم سوى الاجترار الممجوج لتفاصيل ومعلومات وأخبار التاريخ الإسلامي وصولًا، وعن قصد، لقولة، لا مقولة: «سبق الفكر المذكور للفكر الغربي في اكتشاف هذا الكم من المعارف أو ذاك القدر من العلوم.» وهو الأمر الذي لا يؤكد أبدًا أن القدماء أحياء بقَدْر ما يؤكد أننا الأحياء لَميتون!

إن المسلمين، في عصرهم الذهبي، قد علَّموا العالم العلم والمعرفة! أو إن علوم المسلمين ومعارفهم قد انتَشلَت أوروبا من مستنقَع الجهالة والرجعية والتخلف! أو إن علوم المسلمين لولاها ما قامت لأوروبا قائمة إلا بعد أحقابٍ تاريخية أكثر طولًا! إن هذه العبارات جميعها جوفاءُ المضمون خاويةُ المحتوى، لا مكان لها داخل إطارِ ما هو علمي، مع احتفاظها وبكل قوة بموقعها في التاريخ الانتقائي العُصابي. إنه التاريخ الذي ينشغل بالاستنتاجات المُعدَّة سلفًا؛ كي يلقي بها فورًا في كراسات التعميم لتتشرب بها الأذهان الملقَّنة في هذا الفرع من المعرفة أو ذاك.١١

«إن المسلمين في عصرهم الذهبي علَّموا العالم كيف يُفكِّر.» تلك هي الإجابة، التي أَفترِض صحتها، عن السؤال المطروح، والمَعنيِّ بما خلَّفه العلماء المسلمون للعالم.

وعلى ذلك، يمكننا القول، وبكل وضوح، إن أزمة التعليم في عالمنا العربي، بوجهٍ عام، ومصر بوجهٍ خاص، إنما ترجع إلى الإصرار على حَشْو عقول التلاميذ بكمٍّ هائل من التفاصيل والمعلومات (لا الأفكار حتَّى!) ويكون المطلوب من هؤلاء الضحايا لا الفهم وإنما الحفظ، دون وعي، ثم المرور بمأساة الامتحانات التي تقيس مدى تشرُّب الضحية بما هو كميٌّ وليس بما هو كيفي؛ فما يتعلمه الضحايا في مدارس وجامعات عالمنا العربي بوجهٍ عام، ومصر بوجهٍ خاص، يبتعد تمامًا عن كونه موجهًا لإعدادهم كي يصيروا أجيالًا قادرة على إنتاج الفكر كما فعل أسلاُفهم حينما سادوا الأمم بفضل وصولهم إلى سر إنتاج المعرفة الإنسانية.

ويمكننا أن نقرأ آلاف الأوراق التي ترصُد طبيعة التردِّي الفكري الذي أمسى فيه عالمنا العربي، فنقرأ، على سبيل المثال:

«إن الانحطاط الأخلاقي أمرٌ طبيعي سببه سيطرة المذاهب الجبرية المرتبطة بأخلاق التقشُّف وغياب الطموح المادي واندثار المشاعر الكبرى. أما تشويه الدين وفساده فيرجع إلى خضوع العلماء للسلطة التي عيَّنَتْهم في المناصب؛ فمن أجل المحافظة على مصالحهم لا يتردَّدون في مسايرة السلطة الفاسدة. لكن إذا كان العلماء قد سقَطوا إلى هذا الدركِ فلأنهم تجاهلوا العلوم الطبيعية بينما لم يكفَّ الغرب عن تشجيعها والتشبُّع منها. ولا يمكن للعلم إلا أن يدعم الإسلام لأن الخرافة لا يمكن أن تتعايش في نفس الدماغ مع العقل.»١٢

كما نقرأ لدى كاتبٍ آخر:

«فنحن إذا تمسَّكَنا بمجرد الترديد فإننا سنكون أصحاب توكيلاتٍ فكرية، تمامًا كالتوكيلات التجارية؛ فمن يقوم ببيع سلعةٍ أجنبية يكون دوره مجرد البيع وليس المشاركة أو الإنتاج بالنسبة لهذه السلعة …»١٣
في هذين النصَّين، النموذجَين، يمكننا أن نرى تشخيصًا عامًّا؛ فالنص الأول يُرجع التردِّي إلى مسخ الدين (الدافع!) وسيادة الدين الوضعي، وثقافة السلبية، والاتكالية والانهزامية بوجهٍ عام! أما الثاني فيرى أن التردِّي يكمن في البعد عن العلم وترديد المنتَج منه في معامل الغرب دون المشاركة في إنتاجه! معنى ذلك، أن الرجوع إلى الدين الحنيف (الصحيح!)، والسعي نحو مشاركة الغرب في إنتاج العلم! سوف يجعلنا في طليعة الأمم! ولكننا لا نجد عند برهان غليون أو عاطف العراقي، أو لدى غيرهما ممن استمتعوا برصد أوجه التردِّي بمنتهى الثقافوية، أيَّ إشارة، ولو عابرة أو واهنة، إلى كيفية تحقيق الرجوع إلى هذا الدين (الدافع/الصحيح!) أو الكيفية التي يمكن عن طريقها مشاركة الغرب في إنتاج العلم! الواقع أننا لا نجد علاج المرض، المشخَّص، بشكلٍ معقول؛ لأننا لا نجد وسط هذا الكمِّ الهائل جدًّا من ذاك الرصد مَن يرى إمكانية إرجاع سبب التردِّي إلى التباعُد عن السر الذي توصلت له الذهنية الإسلامية في عصرها الذهبي. سر إنتاج المعرفة، سر قوة التجريد الذي يعلو بالظاهرة، محل التحليل، عن كل ما هو ثانوي بحثًا في القوانين الموضوعية وكشفًا عن قوانين الحركة، بحثًا في معنى الحياة، وكشفًا عن الهدف منها.١٤

د

يمكننا الآن العودة إلى أسئلتنا المتعلقة بمدى محدودية كلٍّ من الألوان والألحان والأفكار وكلمات اللغة، فإذا استخدمنا التجريد؛ أيْ إذا استعملنا الطريقة التي أُنتجت بها المعرفة العلمية عَبْر تاريخ البشر، الطريقة التي اعتَمدَت عليها الحضارة الإسلامية، واستَندَت إليها كل الحضارات العظيمة في إنتاج تاريخها الخالد، يمكننا أن نقول إن الألوان محدودة والألحان محدودة والأفكار محدودة وكلمات اللغة محدودة. إن مَن ينظر إلى الألوان والألحان والأفكار وكلمات اللغة، نظرة أدائية/تفصيلية؛ وبالتالي ينشغل ذهنه، كميًّا، بالتفاصيل والفرعيات، حتمًا سيقول إنها غير محدودة؛ لأن عدد البشر في ازديادٍ مطرد، وكلَّ يومٍ من الممكن أن يُنتج هؤلاء البشر ملايين الملايين من الألوان والألحان والأفكار والكلمات! ولكن مَن اتخذ التجريد منهجًا سيقول إنها محدودة؛ إذ عند لونٍ معين سوف تكتمل الألوان، وكذا الألحان. ولن تكون أي عملية خلطٍ جديدة سوى التكرار للون أو لحنٍ سابق؛ فالذهن الأول انشغل بالكم وفهم، خطأ، أن ذلك هو المقصود، أما الثاني فقد انشغل، عن صواب، بالكيف وعرف أنه عين المطلوب.

إن الفارق بين محدودية الألوان والألحان وكلمات اللغة وبين محدودية الأفكار يتبدى في حدود كل طائفة؛ فالألوان والألحان وكلمات اللغة تمثل بمفردات علم الهندسة على هيئة قطعةٍ مستقيمة. الألوان محصورة بين حدَّيها: الحد الأول هو اللون الأبيض والحد الثاني هو اللون الأسود، وأيًّا ما كان عدد عمليات الخلط بين الألوان فلا يمكن أن يأتي أحدنا بلون يخرج عن حدود هذه القطعة المستقيمة التي تبدأ باللون الأبيض وتنتهي باللون الأسود أو العكس.

وبطريقة أخرى، فأيًّا ما كان عدد عمليات خلط الألوان لا يمكن الخروج عن ألوان الطيف السبعة؛ فكل عمليات الخلط لا تخرج عن الألوان السبعة الأساسية. وكذا الألحان، لا يمكننا أن نأتي بلحنٍ خارج القطعة المستقيمة التي تبدأ وفقًا للسلم الموسيقي ﺑ «الدو» وتنتهي ﺑ «السي». فأيًّا ما كان عدد الألحان الشجية والمنفرة لا يمكن الإتيان بلحنٍ خارج حدود السلم الموسيقي.

أما كلمات اللغة، ولتكن كلمات اللغة العربية، فهي أيضًا محصورة وفقًا للحروف الأبجدية التي تبدأ بحرف الألف وتنتهي بحرف الياء. الأَمرُ الذي يجب التأكيد عليه، قبل أن نستكمل فكرتنا، هو أن عدم إدراكنا لمحدودية الألوان مثلًا، أو عدم قدرتنا على الإحاطة بها، لا ينفي عنها محدوديتها؛ فليست الألوان فقط محدودة، إنما قدرتنا البشرية كذلك محدودة.

هذا عن الألوان والألحان وكلمات اللغة، فماذا عن الأفكار، هل محدودة هي الأخرى؟ نعم محدودة، ولكن حدودها، بمفردات علم الهندسة أيضًا، تأتي على هيئة مُربَّع حدوده العلاقات الأربع التي يعيشها الإنسان؛ فكلٌّ منا يعيش الحياة، بجسده وروحه وعقله، وهذا تجريدٌ أيضًا، عَبْر أربع علاقات: علاقة مع الذات، وعلاقة مع الآخر، وعلاقة مع الطبيعة، وعلاقة مع إله، حتى لو كان ينفي وجود هذا الإله! ولا يمكن للذهن أن ينتج معرفةً علمية خارج حدود هذا المربع. الأفكار إذن محدودة، ولم يكن من الممكن الوصول إلى هذه الإجابة إلا بالتجريد.

بالتجريد إذن، وبالتجريد فقط، تَمكنَّا من تقديم إجابة عن السؤال عن طبيعة الألوان والألحان والأفكار وكلمات اللغة، هل هي محدودة أم غير محدودة؟ والواقع أن أي إجابةٍ عن أي سؤالٍ تثيره ظاهرةٌ اجتماعيةٌ ما، لا تستند، بحالٍ أو بآخر، إلى التجريد كطريقة في التفكير لن يمكنها الوصول إلى أي شيء، بل ولسوف تغرق في التفاصيل والثانويات، ولن يمكنها الخروج بأي نتيجةٍ سوى المزيد من التفاصيل الضبابية والثانويات المشوَّشة.

ثانيًا: التناقض١٥

حينما نتدبر الحياة من حولنا (على صعيد الفكر والواقع معًا) بجميع ظاهراتها، بما تتضمنه من ظواهر النشاط الاقتصادي، سنجد أنها نتاجُ تناقُضٍ لا ينتهي؛ تناقُض في تطوُّرٍ مستمر: الحياة والموت، النور والظلام، الخير والشر، الموجب والسالب، الفعل ورد الفعل، الوجود والعدم، السلام والحرب … إلخ؛ كلها أطرافٌ متناقضة. وطرفا التناقُض يمثلان في ذاتهما، معًا، وحدةً واحدة؛ فوجود أحدِ أطرافِ التناقُض يستلزم بالضرورة وجود الطرف الآخر؛١٦ إذ يفقد كل طرفٍ شرط وجوده إذا انعدم الطرف الآخر الذي يناقضه؛ فلا حياة بلا موت، ولا نور بغير ظلام، ولا خير دون شر … إلخ. ومن خلال هذا التناقُض تستمر الحياة وتأخذ في التطور. والتناقض لا يكون دائمًا بين أضدادٍ ثابتة، أو بين أضدادٍ متكافئة، كما لا يكون دومًا بنفس الحِدَّة، وهو أخيرًا في صيروةٍ دائمة.
  • فهو، أولًا: لا يكون على الدوام بين أضدادٍ ثابتة؛ أي لا يكون دائمًا بين أقصى مستويات النور وأقصى مستويات الظلام، إنما يكون بين درجاتٍ من النور ودرجاتٍ من الظلام. لا يكون بين أقصى مستويات الانتصار وأقصى مستويات الهزيمة، إنما يكون بين درجاتٍ من الانتصار ودرجاتٍ من الهزيمة. كما لا يكون دائمًا بين الطبقة الرأسمالية في قمة هيمنتها وعُنفوانها وبين الطبقة العاملة في أعلى درجات نُضجها الثوري فكرًا وتنظيمًا، إنما يكون بين مستوياتٍ مختلفة من هذا وذاك. وفي إطار هذا المبدأ يصبح ممكنًا:
    • بروز التحالفات بين الأضداد المختلفة؛ فيتحالف الرأسمال مع قوة العمل، على الرغم مما بينهما من تناقُض، في مواجهة السلطة.
    • تحوُّل أحد أطراف التناقُض إلى نقيضه، فالعدلُ المطلق ظلمٌ مطلق، والنور المطلق ظلامٌ مُطلَق، والقَويُّ الذي تشتد سَطوتُه حتى تتوارى من أمامه أي قوةٍ مضادة، يتهاوى في الضعف، ويحلُّ عليه الموت، والرأسمالية كلما اشتدت قبضتها تحوَّل بعض الرأسماليين أنفسهم إلى عمالٍ أُجراء!
  • وهو، ثانيًا: لا يكون دائمًا بين أضدادٍ تتمتع بنفس القَدْر من القوة وعين المدى من الهيمنة؛ فعلاقات التناقُض، مثلًا، بين الرأسمال وقوة العمل ليست دائمًا متكافئة أو دومًا متوازنة، بل قد يفرض الرأسمال سيطرتَه تارة، وقد تَبسُط، ولو ظاهريًّا، قوة العمل سيطرتها تارةً أخرى.
  • وهو، ثالثًا: لا يكون دائمًا بنفس الحدَّة؛ فقد يهادن الرأسمال قوة العمل، أو، في ظروفٍ معينة، يُفعل العكس. وقد يتعادى الطرفان ويقتتلان في ظروفٍ أخرى.
  • وهو، أخيرًا: لا يعرف التوقُّف؛ هو في صيرورةٍ دائمةٍ؛ فحينما يتوقَّف التناقُض تتوقف الحياة ويسود الموت؛ إذ حينما ينتهي الضعف في مواجهة القوة، حينما تختفي مؤسسة الحكم في مواجهة المحكومين، حينما يتلاشى مَن يملكون في مواجهة مَن لا يملكون، حينما يختفي النور في مواجهة الظلام … إلخ، حينما يحدث ذلك فسوف تكُفُّ الحياة عن متابعة دورتها الملحمية الخالدة؛ وعليه، يُعلِّمنا التناقُض التحليل الجدلي للظواهر ومن ثم يُجنِّبنا النظراتِ الخطِّية والتفسيراتِ الميكانيكية للأشياء والأفكار؛ وبالتالي يُمكنَّا من فهم الظاهرة، التي بَرزَت نتيجة هذا التناقُض، بغية التعامل معها بذكاء وفعالية ابتداءً من التعرُّف، ولو الأوَّلي، إلى مآل التناقُض من جهة، والكشف عن القانون الموضوعي الذي يحكم حركة الظاهرة من جهةٍ أخرى.١٧ وعلى ذلك، سيكون التجريد١٨ الواعي بالتناقُض، هو المنهج الذي سوف نلتزم به في نَقدِنا لعلم الاقتصاد السياسي. ربما جنَحنا، تيسيرًا، للوصف والرصد تارة، وذهبنا للتفاصيل العامة والدقيقة تارةً أخرى، ولكن يظل التجريد هو منهجنا الأساسي، على أقل تقدير في المواقع المركزية في البناء الفكري لمؤلَّفنا.

والآن، وبعد أن تَعرَّفنا إلى مُكَوِّنات الحضارة المنتجة لعلم الاقتصاد السياسي، وموضوعه، والمنهج الذي سوف نستخدمه في أبحاثنا، وهو بطبيعة الحال منهج الاقتصاد السياسي نفسه، فيتعين أن ننتقل لدراسة المادة الخام التي يتكون منها الجسم النظري للاقتصاد السياسي بدراستنا لمنهجية طرح ظاهرتَي الإنتاج والتبادُل، ثم النظرية العامة لقانون القيمة، فقوانين حركة الرأسمال، وذلك في ثلاثةِ فصول تباعًا.

١  عند يعقوب ابن إسحاق الكندي: «إن تحصيل العلوم إنما يقتضي من الإنسان أمورًا أربعة؛ هي: الطلب، والبحث، والأداة، والزمان. أما الطلب: فهو سعيٌ إلى بلوغ غاية، وكلُّ طالبِ فلسفةٍ يبغي معرفة الحق؛ ولذلك سَمَّى الفلاسفة طلاب الحكمة، والمتعلمين من أي نوعٍ طلابًا، ولو بطَل الطلَب ما بلغ الإنسان الأرب. أما عن البحث فهو تفتيش عن الأمور الخفية، حتى إذا عثَر الباحث عليها كشَف عنها، وعَرفَها. ولا بحث إلا بمشقة وتكلُّف؛ فالمعرفة ثمرة البحث، والبحث نتيجة الطلب. والأداة وسيلة يصطنعها الباحث عن الحقائق، والزمان ضرورة لا مناصَ منها لكل شيءٍ إنساني ما دام يخضع للحركة والنمو، والتفكير من أقيسة وبراهين حركة؛ لأنه انتقال من معلوم إلى مجهول. والحركة تتم في زمان.» مذكور في: أحمد فؤاد الأهواني، «الكندي: فيلسوف العرب» (القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف، ١٩٦٤م)، ص٤٩.
٢  من المؤلفات الأصيلة في هذا الشأن، انظر: الكتاب الشيق للأمريكي مايكل مورجان (١٩٥١م–…)، «تاريخ ضائع: التراث الخالد لعلماء الإسلام ومفكريه وفنانيه»، ترجمة أميرة نبيه بدوي (القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر، ٢٠٠٨م)، بصفةٍ خاصة: الفصل الثاني: مدن العباقرة المفقودة. والفصل الخامس: المخترعون والعلماء. والفصل السابع: رؤية وصوت وقلعة. وانظر أيضًا الكتاب المهم الذي كَتبَته المستشرقة الألمانية: زيجريد هونكه (١٩١٣–١٩٩٩م) «شمس العرب تسطع على الغرب: أثر الحضارة العربية في أوروبة»، ط٨، ترجمة فاروق بيضون، وكمال دسوقي (بيروت: دار الجيل، ودار الآفاق الجديدة، ١٩٩٣م). يُقال إنها أسلَمَت قبل عامٍ من وفاتها! وانظر كذلك العمل المنهجي لحيدر بامات، «إسهام المسلمين في الحضارة»، ترجمة ماهر عبد القادر محمد (الإسكندرية: المركز المصري للدراسات والأبحاث، ١٩٨٥م).
٣  «يشبه أن يكون كل إدراكٍ إنما هو أَخْذ صورة المدرك، فإن كان لماديٍّ فهو أَخْذ صورته مجردة عن المادة تجريدًا ما. إلا أن أصناف التجريد مختلفة، ومراتبها متفاوتة؛ فإن الصورة المادية تَعرِض لها بسبب المادة أحوالٌ وأمورٌ ليست لها بذاتها من جهة ما هي تلك الصورة. إن التجريد هو تبرئةٌ عن شيءٍ لو لم يبرأ عنه لكان لاحقًا من خارج.» انظر: ابن سينا، «أحوال النفس: رسالة في النفس وبقائها ومعادها»، تحقيق ودراسة أحمد فؤاد الأهواني (باريس: دار بيبليون، ٢٠٠٧م)، الفصل الثالث: في أفاعيل القوى المدركة من النفس، ص٦٩. ولدى د. مراد وهبة: «التجريد لغة هو التعرية، وسلُّ السيف من غمده، ونزعُ الأغصان من الشجرة. وفي اللغات الإفرنجية اللفظ مأخوذ من الفعل اللاتيني ويعني الانتزاع.» انظر: مراد وهبة، «المعجم الفلسفي: معجم المصطلحات السياسية» (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر، ١٩٩٨م)، ص١٧٤. أما المعجم الفلسفي الذي أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة، فقد جاء فيه: «… والذهن من شأنه التجريد لأنه لا يحيط بالواقع كله ولا يدري منه إلا أجزاءً معينة في وقتٍ واحد، وتسوقه التجربة أيضًا إلى التجريد لأنها تعرض له الواقع مجزَّءًا أو تُظهِره على صفةٍ ما.» انظر: «المعجم الفلسفي» (القاهرة: الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، ١٩٨٣م)، ص٣٦. ولدى البستاني: «أن العقل البشري بدون قوة التجريد لا يتجاوز خطوة من خطواته ولا يكون له إلا أفهامٌ ملتبسة ومختلفة؛ لأنه لا يمكنه أن يشتمل كل شيء فلا يمكنه تمييز شيء.» انظر: بطرس البستاني، «دائرة المعارف» (بيروت: دار المعرفة، د.ت)، ج٦، ص٦٥٢. وانظر كذلك: جميل صليبا، «المعجم الفلسفي» (بيروت: دار الكتاب اللبناني، ١٩٨٢م)، ص٢٤٦–٢٤٨.
٤  وعلى الرغم من أن تلك الذهنية لم تصل إلى تحليل القوانين الموضوعية الحاكمة لهيكل وأداء النشاط الاقتصادي وما يتعلق به من ظواهر كالأرباح والرأسمال … إلخ. إلا أنها تمكَّنَت بفضل قوة التجريد من صقل الذهنية الفقهية ذاتها؛ ولذا، فحينما نقرأ ما كتبه برتراند رسل: «ولكن كانت بالعرب آفة تختلف عن آفة الإغريق؛ فهم كانوا ينشدون الحقائق المنفصلة أكثر مما ينشدون المبادئ العامة، ولم يكن لديهم المقدرة على استخلاص قوانينَ عامة على الحقائق التي اكتشفوها.» لا نملك إلا أن نقول إن السيد رسل كان جاهلًا حقًّا بالحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي. انظر: برتراند رسل، «النظرة العلمية»، ترجمة عثمان نويه (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٥٦م)، ص٩. ولو افترضنا أن رسل يقصد الذهن العربي في صحراء شبه الجزيرة قبل الإسلام، فإن جهله بالذهن العربي يتأكد؛ لأن الشعر كمنتجٍ فكري، وهو ما نبَغ فيه القدماء من العرب، قائم بالأساس على التجريد، وهو ما قد تبدَّى، على سبيل المثال، في شعر: امرئ القيس، والنابغة الذبْياني، وزهير بن أبي سُلْمى، والأعشى. انظر: شوقي ضيف، «تاريخ الأدب العربي: العصر الجاهلي» (القاهرة: دار المعارف، ١٩٦٠م). بصفةٍ خاصة الفصل السادس.
٥  انظر: ابن المقفع، «الأدب الكبير» (بيروت: دار الآداب، ١٩٩٨م)، ص٢٨٠.
٦  أبو نصر الفارابي، «إحصاء العلوم» (القاهرة: دار الفكر العربي، ١٩٤٩م)، ص٧٥–٧٧. وقارن: الفارابي، «كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة» (القاهرة: مطبعة النيل بمصر، ١٩٢١م)، ص٤١-٤٢.
٧  انظر: أبو حيان التوحيدي، «الإمتاع والمؤانسة» (القاهرة: دار الرسالة، ١٩٩٥م)، ص١٠٦.
٨  انظر: «رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء» (القاهرة: المطبعة العربية بمصر، ١٩٢٨م)، ج١، ص٢٠٤.
٩  ابتداءً من استشراء وباء الطاعون، ومرورًا بانقسام المغرب إلى دويلاتٍ متقاتلة على رأسها دولة بني مرين، وانتهاءً بشيوع الفتن وهيمنة البدع والخرافات، وتأهُّب المغول للانقضاض على دولة الخلافة العباسية في أشد لحظات وهنها وانحطاطها.
١٠  انظر: ابن خلدون، «المقدمة»، المصدر نفسه، ص٥٣٩.
١١  نجد تلخيصًا دقيقًا لهذا الاتجاه المشار إليه بالمتن، في عباراتٍ كتبها د. اليازجي، وهو الاتجاه الذي يحصر عبقرية الفكر الإسلامي في القرن الرابع الهجري في تراكُمٍ معرفيٍّ ما؛ إذ كتب د. اليازجي: «حمَلَ العرب مشعل الفكر الإنساني ستة قرون، كانت أوروبا في غضونها غارقة في ظلمة الجهل. بدءوا في أن أحيَوا الفكر اليوناني، ثم عالجوه بالشرح والتعليق، حتى إذا نَضِجوا أخذوا في التأليف والوضع، مستأنفين السيْر بالعلوم من حيث أوصلها اليونان، إلى حيث تيسر لهم أن أوصلوها. واشتغلوا بمواضيعَ جديدة، اختبروا حقائقها ووضعوا أصولها واستنبطوا لها القواعد واستخرجوا منها النواميس وهيئوا لها المصطلحات والتعابير، ثم أتاحوا هذا التراث الفكري، لشعبٍ فتيٍّ كان يهم بالنهوض، هو الشعب اللاتيني.» كمال اليازجي، «معالم الفكر العربي في العصر الوسيط» (بيروت: دار العلم للملايين، ١٩٥٤م)، ص٣٥٨؛ فالذي نفهمه من كلام د. اليازجي أن العالم اللاتيني قد تسلَّم من الشرق القواعدَ والنواميسَ والمصطلحاتِ والتعابيرَ ثم انطلق نحو النهضة، ولكننا نرى أن العالم اللاتيني لم يتسلَّم القواعد والنواميس والمصطلحات والتعابير فحسبُ بل، وهذا هو الأكثر حسمًا، تسلَّم الكيفية التي بها أَنتجَت الذهنية الإسلامية مثل هذه المصطلحات والتعابير؛ الكيفية التي بها تم الكشفُ عن القواعد والنواميس. تسلَّم سرَّ إنتاج الفكرة.
١٢  برهان غليون، «اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية» (بيروت: دار التنوير، ١٩٨٧م)، ص١٣٠.
١٣  عاطف العراقي، «العقل والتنوير في الفكر العربي المعاصر» (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات، ١٩٩٥م)، ص١٦.
١٤  أفضل ما تحقَّق على صعيد تشخيص الخلل يمكن اعتباره متمثلًا في دراسةٍ مهمة أنجزها د. نديم البيطار، تشير إلى غرق الذهن العربي في التفاصيل، والوقوف عند الأحداث حدَثًا حدَثًا، وكأنها مستقلة عن بعضها البعض الآخر، فلا يتجاوزها أو يدركها موضوعيًّا وعلميًّا ككلٍّ مترابط. انظر: نديم البيطار، «المثقفون والثورة: سقوط الإنتيليجنسيا العربية» (بيروت: بيسان للنشر والتوزيع، ٢٠٠٢م)، ص١٤٤. كما نجد لدى د. محمد أركون خير وصفٍ لما آل إليه الأمر بتدبُّرٍ لما كان عليه حال التناول المعرفي للمسائل الخلافية بين القدماء؛ فحَوْل الفكر الإنساني في التاريخ الوسيط، وبصفةٍ خاصةٍ بصدد الجدال الذي دار بين الغزالي وابن رشد، كتب د. أركون: «تجب الإشارة إلى مرحلةٍ فائقة الأهمية من مراحل الفكر الإسلامي، كما يجب التذكير بما كان يتصف به هذا الفكر في عصوره الذهبية من التفوق العقلاني واتساع العقل ومدى حرية البحث والإبداع في الإشكاليات المتصلة بالقضايا الدينية الحساسة ودرجة التسامح والإقبال على المناظرة، واحترام شروط المناظرة بين الأئمة المجتهدين ورفض الخلط بين العرض العلمي للقضايا ومواقف العوامِّ، والتقيُّد بما يفرضه البرهان الساطع والحُجج الدامغة على العقل، ومتابعة البحث والاحتجاج على المستوى العلمي المحض دون الانحطاط إلى مستوى الشتم والافتراء وتحميل المناظر ما لم يُفكِّر فيه ولم يدَّعِه ولم ينطق به قط، بل الاعتماد على ما قال به ودافع عنه وردَّده في كتبه. يمكننا أن نضع أمام كل فضيلة من هذه الفضائل عند المفكرين القدماء ما يقابلها من نقائصَ ورذائلَ ومثالبَ شاعت مع الأسف في الكثير مما يُنشر ويُذاع اليوم.» (بتصرف يسير) انظر: محمد أركون، «من فيصل التفرقة إلى فصل المقال: أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟» ترجمة هاشم صالح (بيروت: دار الساقي، ٢٠٠٦م)، صIII.
١٥  انظر: A. Lalande, “Vocabulaire Technique”, op, cit, Vol. I. “Routledge Encyclopedia of philosophy”, General Editor Edward Craig (London: Routledge, 1998), Vol. III. Michael Inwood, “A Hegel Dictionary”, op, cit, pp. 81–3. Hegel, “Encyclopedia des Sciences philosophiques”, Tome I, “La science de la logique” (Paris: Librairie Philosophique Vrin, 1970). “The philosophy of Right”, Translated by Alan White (Indianapolis: Hackett publishing, 2002). Karl Friedrick, “The philosophy of Hegel” (New York: The Modern Library, 1953), Mctaggart, “Studies in The Hegelian Dialectic” (Cambridge: Cambridge University press, 1922), B. Russell, “A History Of Western Philosophy” (New York: Simon & Schuster, 1972), pp. 730–46.
ولقد عبَّر ابن خلدون، وباقتدارٍ شديد، عن التناقُض والتطوُّر الجدلي بقوله: «ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدُّل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدُّل الأعصار ومرور الأيام، وهو داءٌ شديد الخفاء؛ إذ لا يقع إلا بعد أحقابٍ متطاولة فلا يكاد يَتفَطَّن له إلا الآحاد من أهل الخليقة. والسبب الشائع في تبدُّل الأحوال والعوائد أن عوائد كل جيلٍ تابعةٌ لعوائد سلطانه، كما يُقال في الأمثال الحِكَمية: الناسُ على دين المَلِك. وأهل الملك أو السلطان إذا استولَوا على الدولة والأمر فلا بد من أن يَفزَعوا إلى عوائدِ مَن قَبلَهم ويأخذوا الكثير منها ولا يُغفِلوا عوائد جيلهم مع ذلك، فيقع في عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الأول، فإذا جاءت دولةٌ أخرى من بعدهم مَزجَت من عوائدهم وعوائدها وخالفَت أيضًا بعض الشيء وكانت للأُولى أشد مخالفة، ثم لا يزال التدريج في المخالفة حتى ينتهي إلى المباينة بالجملة؛ فما دامت الأمم والأجيال تتعاقب في الملك والسلطان لا تزال المخالفة في العوائد والأحوال واقعة. والقياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة ومن الغلط غير مأمونة، تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده، وتعوَجُّ به عن مرامه؛ فلربما يسمع السامع كثيرًا من أخبار الماضين ولا يتفطن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها فيجريها لأول وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد، وقد يكون الفرق بينهما كثيرًا فيقع في مهواة من الغلط.» للمزيد من التفصيل، انظر: ابن خلدون، «المقدمة»، ص٢٥٨. وفي مفهوم التاريخ لدى ابن خلدون، كعلم، انظر البحث المهم لمهدي عامل، «في علمية الفكر الخلدوني» (بيروت: دار الفارابي، ١٩٨٥م)، وفي طرحٍ متقن ومتجاوز للنقد السائد، انظر: أطروحة محمد محمد أمزيان، «منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية» (هيرندن، فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ١٩٩١م)، بصفةٍ خاصة الفصل الثاني من الباب الرابع.
١٦  «الين واليانج تنعكس على بعضها، يُغطِّي بعضها بعضًا ويرتكس بعضها في بعض. الفصول الأربعة يتخلَّى بعضها لبعض، يُنتِج بعضها بعضًا ويُنهِي بعضها بعضًا. الحب والكره تَتضمَّن التنكُّب عن هذا والتوجُّه إلى ذاك، ثم الظهور في جميع تجلياتها ومن هنا يأتي الانفصال والاتحاد بين الذكر والأنثى، ثُمَّ ما تراه الآن آمنًا وتراه محظورًا في تَغيُّرٍ متبادل. التعاسة والسعادة ينتج أحدهما الآخر. السيرورات الوئيدة والسيرورات المنطلقة تتدافع.» مذكور في: هادي العلوي، «المستطرف الصيني: من تراث الصين» (دمشق: منشورات المدى، ١٩٩٤م)، ص١٢٣.
١٧  فتأرجُحات الأثمان، ارتفاعًا وانخفاضًا، لا تتحدَّد بالطلب والعرض، كما يقولون للطلبة في الجامعات، إنما بالصراع بين فئةٍ عريضة، اجتماعيًّا، من الطالبين وفئةٍ عريضة، اجتماعيًّا، من العارضين. وتأرجحات الأجور، ارتفاعًا وانخفاضًا، لا تتحدَّد بقرارٍ حكومي أو برغبة الرأسمالي، كما يبدو ظاهريًّا، بل تتحدَّد بالصراع بين الرأسماليين والعمال، تحت ظروفٍ محددة بالصراع بين الرأسماليين نفسهم من جهة، وبين العمال ذاتهم من جهةٍ أخرى. والثمن الاحتكاري، الذي يتبدَّى ظاهريًّا كثمنٍ مُعطًى ومفروض من قِبل الرأسمال الاحتكاري، إنما يتحدد، ابتداءً من قانون التناقُض، بالصراع بين الرأسمالي المُحتكِر وأثمان قوى الإنتاج من جهة، وبين الرأسمالي المحتكر والمُستهلِكين من جهةٍ أخرى، وفي إطار من الصراع مع السلطة.
١٨  لأن ما نقصده بالتجريد هو العلو بالظاهرة الاجتماعية عن كلِّ ما هو ثانوي؛ أي نبدأ من الواقع الحيوي الملموس؛ من أجل فهم هذا الواقع؛ فنحن نرى أن قيام د. الوردي بالمطابقة بين التجريد والمنطق الأرسطي تَجافَى الصواب؛ لأن التجريد لا ينتمي إلى عالم الخيال، كما ذهب د. الوردي، إنما التجريد هو العلو بالظاهرة التي نبتَت وتشكَّلَت على أرض الواقع اليومي الملموس؛ بغية درسها بمعزلٍ عن كلِّ ما هو ثانويٌّ من أجل تعديتها إلى الكل الذي تنتمي إليه، على أرض الواقع أيضًا. انظر: علي الوردي، «منطق ابن خلدون» (لندن: دار كوفان، ١٩٩٤م)، ص١٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠