الفصل السابع

قوانين الحركة

١

على مستوى البدء في النشاط الاقتصادي في ظل الإنتاج الرأسمالي،١ لا بُد وأن نبدأ من النقود، وسنرمز لها بالحرف «ن»، وهي التي تمثل الرأسمال٢ النقدي؛ فلكي نشتري سلعة، وسنرمز لها بالحرف «س» من أجل مبادلتها أو استعمالها استعمالًا استهلاكيًّا أو إنتاجيًّا، يتعين أن يكون تحت تصرُّفنا مقدارٌ معيَّن من «ن»، فمن أجل شراء كمية معينة من الفاكهة: لأكلها؛ أي الشراء بقصد الاستهلاك المباشر، أو لإعادة بيعها؛ أي الشراء بقصد البيع، أو لتصنيعها، وبيعها كأحد أنواع المُربَّات مثلًا؛ أي الشراء بقصد الإنتاج، فيجب أن يكون تحت تصرفنا «ن». والرأسمالي، على هذا النحو، لديه دومًا، وكما ذكرنا في الفصل الثاني، ثلاثة اختيارات: أن يشتري سلعة بسعرٍ منخفض، ويعيد بيعها بسعرٍ مرتفع؛ وإما أن ينتج/يصنِّع السلعة بدلًا من أن يشتريها منتجة/مصنَّعة؛ أو أن يقوم بإقراض نقوده إلى شخصٍ آخر أو مؤسسةٍ ما، لأجلٍ محدد، وفي نهاية مدة القرض يحصل على نقوده مضافًا إليها الفائدة. ويمكننا أن نُلحِق بهذا الاختيار جميع عمليات الصرف المتعلقة بالمضاربات المالية والاتجار في النقود.

أ

ولنبدأ من الشراء بقصد البيع؛ فبائع الفاكهة يذهب إلى المنتج المباشر، الفلاح، كي يشتري منه الفاكهة «س»؛ بقصد إعادة بيعها بثمنٍ أكبر من الثمن الذي اشتراها به؛ وذلك لكي يحصل على أصل نقوده التي بدأ بها تجارته، بالإضافة إلى الربح. ولسوف نرمز لما يُسمى الربح بالرمز «Δ» الذي يشير إلى التغيُّر، ارتفاعًا وانخفاضًا، في النقود (ن). وإذا جردنا جميع عمليات البيع والشراء المتتالية والمتعاقبة من كلِّ ما هو ثانوي، واستبعدنا كذلك تكاليف التداول، التي لا تزيد القيمة، فسنحصل على قانون الحركة الذي يحكم هذه العملية وهو «ن − س − ن + Δ ن».
يجب هنا أن يكون لدينا الوعي بالتفرقة الآتية:
  • التاجر الذي يتوقف دوره عند شراء السلعة وإعادة بيعها بقصد الربح النقدي، سيكون ربحه، وكما سنرى في الباب الثاني، مشتقًّا من ربح الرأسمالي الصناعي. ولا تُعد جميع المصاريف التي ينفقها هذا التاجر على الأجور والأدوات … إلخ، رأسمالًا، إنما هي محض تكاليف تداوُل يقتصر دورها على مجرد تحقيق، لا خلق، الربح المحدد سلفًا في حقل الإنتاج.

  • أما التاجر الذي يقوم، بالإضافة إلى دوره كمنفذ لبيع منتجات الرأسمال الصناعي، بأعمال أخرى كالتعبئة والتغليف … إلخ (كصناعة مستقلة)، فهو ينتج قيمة وقيمةً زائدة في حقل هذا النشاط تُضاف حسابيًّا إلى قيمة السلعة.

والأصل العام لربح التاجر على هذا النحو لا يعني أن القيمة الزائدة لا يمكن أن تنشأ، وفقًا لقانون القيمة، في حقل التجارة، بل يمكن أن تنشأ عن تخزين السلع وشحنها ونقلها … إلخ. ولكن عملية النقل، مثلًا، لن تزيد في قيمة السلعة نفسها، هي فقط تزيد القيمة في حقل خدمة النقل. وبالتالي يمكن (حسابيًّا) ضم القيمتَين عند حساب القيمة الإجمالية للسلعة حينما تُطرح في السوق.

ب

وحينما يقرر هذا التاجر أن يُنتج السلعة بدلًا من شرائها بقصد بيعها، أي حينما يقرر تاجر الفاكهة أن يتحول إلى رأسمالي ينتج مربى الفاكهة، سوف يحدث تغييرٌ طفيف في صيغة قانون الحركة؛ فصديقنا التاجر، الذي تحول إلى رأسمالي صناعي، سوف يحول رأسماله «النقدي» (ن) إلى رأسمالٍ «إنتاجي»، فيقوم بشراء الفاكهة والمواد الحافظة … إلخ، والتي تمثل مواد العمل (م ع)، ثم يشتري الآلات اللازمة لصنع المربى وتعبئتها، والتي تمثل أداة العمل (أ ع)، ثم يشتري قوة العمل (ق ع) التي يبيعها العمال الأجراء. وحينما تكتمل لدى الرأسمالي الأجزاء التي يتكون منها رأسماله الإنتاجي الذي يتألف من قوة العمل، ومواد العمل وأدوات العمل، وسنطلق على المواد والأدوات مصطلح وسائل الإنتاج «و إ»، يأمر عماله بمعانقة آلاتهم المحبوبة من أجل الإنتاج! من أجل تحويل الرأسمال الإنتاجي إلى رأسمال «سلعي». وحينما يخرج المنتوج، «السلعي»، يُوجِّهه الرأسمالي إلى السوق لبيعه ويحصل على «ن» + «Δ ن»؛ أي يحول رأسماله السلعي إلى رأسمال نقدي مرة أخرى بقصد تجديد إنتاجه من خلال دورة رأسمالية جديدة يتحول في مرحلتها الأولى الرأسمال النقدي (ن) إلى رأسمال إنتاجي (ق ع + و إ) ثم في المرحلة الثانية يتحول الرأسمال الإنتاجي إلى رأسمال سلعي (س) وفي المرحلة الثالثة يتحول الرأسمال السلعي إلى رأسمال نقدي مرة أخرى. وهكذا في كل دورة للرأسمال. وكل ذلك يجري من خلال قانون الحركة «ن − [ق ع + و إ] − س − ن + Δ ن».

ولكن صديقنا تاجر الفاكهة الذي قرر أن يتحول إلى رأسماليٍّ صناعي، على ما يبدو أنه يفكر الآن في أمرٍ ما، وهو يشاهد العمال يطبخون الفاكهة ويضيفون إليها المواد الحافظة، ويرى آخرين يعلِّبون المربى أو يضعون المنتوج النهائي على سيارات النقل المتجهة إلى السوق. ويُحدِّث نفسه: لِمَ لا يستخدم رأسماله في استثمارٍ مختلف مثل صديقه الذي يجني أرباحًا ربما أكبر منه بالمضاربة المالية! لِمَ لا يتاجر في النقود بيعًا وشراءً! عندئذ سوف يتحول تاجر الفاكهة من رأسماليٍّ صناعي إلى رأسماليٍّ مالي. وحينئذٍ سيكون قانون الحركة هو «ن − ن − ن + Δ ن»؛ فصديقنا سوف يقوم بعمليات الصرف، أي شراء وبيع النقود «ن» بالنقود «ن» وما يتعلق بهذه العمليات من عمليات الائتمان، كما كان يفعل في القدس قبل الميلاد.

د

قوانين الحركة٣ التي تحكم الإنتاج والتوزيع في المجتمع تتبدَّى إذن في ثلاث صيغ:
  • قانون حركة الرأسمال التجاري «ن − س − ن + Δ ن».
  • قانون حركة الرأسمال الصناعي «ن − [ق ع + و إ] − س − ن + Δ ن».
  • قانون حركة الرأسمال النقدي/المالي «ن − ن − ن + Δ ن».

٢

وفي إطار قوانين الحركة تبرز علاقات التناقُض على عدة مستويات؛ فهي، مثلًا، تبرز أولًا، على مستوى عملية الإنتاج؛ فالطابع الاجتماعي للإنتاج يتناقض مع الملكية الفردية لوسائل الإنتاج. كما تبرز، ثانيًا، على مستوى علاقات الإنتاج؛ فليس الصراع بين العامل، مالك قوة العمل، والرأسمالي، مالك وسائل الإنتاج، بل أيضًا بين العامل والآلة؛ فهما في صراعٍ دائم وينفي أحدهما الآخر. وتبرز، ثالثًا، على مستوى توزيع المنتوج الاجتماعي؛ إذ تسعى كل طبقةٍ مشاركة كانت أم غير مشاركة في عملية الإنتاج إلى الاستحواذ على أكبر نصيب من هذا المنتوج. كما تبرز، رابعًا، حين تجديد الإنتاج؛ فإنفاق الربح في تجديد الإنتاج البسيط أو على نطاق موسَّع، يتناقض مع إنفاق الربح استهلاكيًّا. كما تبرز، خامسًا، على مستوى أدق وحدة في عملية الإنتاج وهي السلعة؛ فمبادلة السلع بالسلع أو بالنقود، يتناقض مع استعمالها أو استهلاكها … إلخ. وهكذا تبرز دومًا علاقات التناقُض ولا تكف عن دفع التطور وتشكيله على الصعيد الاجتماعي، حتى تطيش الأرض بعيدًا عن مدارها.

٣

عالجنا أعلاه قوانين الحركة، بصفةٍ خاصة قانون حركة الرأسمال الصناعي، بمعزل عن الطبيعة الحقوقية للعلاقات الجدلية بين مُكَوِّناته؛ وذلك لأهمية التعرف إلى هذه الطبيعة بشكلٍ مستقل؛ فلقد ذكرنا أن الرأسمالي يقوم بتحويل نقوده إلى وسائل للإنتاج، وقوة عمل؛ أي إنه يتبادل مع مالكي قوى الإنتاج سواء أكانوا ملَّاكًا لمواد العمل أم لأدوات العمل أم لقوة العمل؛ فهو يعطيهم النقود ويأخذ منهم في المقابل منتجاتهم، ولكي نعي الطبيعة الحقوقية للعلاقة بين مُكَوِّنات قانون الحركة أي الطبيعة الحقوقية لمبادلة النقود بمواد العمل، ومبادلة قوة العمل بالنقود، ومبادلة النقود بأدوات العمل، فيجب الذهاب أبعد من النظر إلى عملية تحوُّل النقود إلى وسائلَ للإنتاج كمجرد عملياتٍ للتبادل بين وحدات من النقود ومواد العمل وأدوات العمل وقوة العمل، إلى تحليل طبيعة علاقات التبادل ذاتها؛ فالتبادل، على مستوى العلاقات الحقوقية، ليس هبة، إنما هو «معاوضة» يأخذ من خلالها كل طرف مقابلًا لما أعطاه؛ فالمشتري «يعاوض» المبيع بالنقود، والرأسمالي يعاوض بالنقود قوة عمل العامل، والعامل يعاوض قوة عمله بوحدات النقود … إلخ. يجب هنا أن نميز بين الطبيعة الحقوقية لفعل التبادل، والحكم التشريعي للتبادل الذي يعتريه عيب من عيوب الإرادة. كما نميز، من جهةٍ أخرى، بين التنظيم الاجتماعي المهيمن، والقاعدة التي تحكم النشاط الاقتصادي على الصعيد الاجتماعي:
  • فالتبادل، حقوقيًّا، هو «معاوضة» يأخذ من خلالها كل متبادل مقابلًا لما أعطاه، وذلك بغض النظر عن الحكم التشريعي أو الموقف الأخلاقي؛ فقانون حركة الرأسمال الحاكم للتبادل على صعيد النشاط الاقتصادي، لا يعنيه، بحال أو بآخر، هل المبادلة بين «ن» و«ق ع»، أو بين «ن» و«و إ» تمت على نحوٍ عادل وقانوني أم لا؛ فقانون الحركة لا ينشغل حين انطباقه لحكم علاقة التبادل بأي عيب قد يشوب الإرادة؛ فقد يستغل، أو يكره، أحد الأطراف الطرف الآخر، وقد يدلس عليه، أو يغشه، ومع ذلك لا يتأثر أداء قانون الحركة ويظل يحكم العلاقة؛ لأن الحكم التشريعي أو حتى الموقف الأخلاقي، لا يعني قانون الحركة؛ فبطلان التبادل أو فساده للإكراه أو للغش … إلخ، لا يعطل قانون الحركة ولا يؤثِّر في طريقة عمله.

  • ولأن قانون حركة الرأسمال يحكم علاقات التبادل، ذات الطبيعة التعاوضية، بغض النظر عن الحكم التشريعي أو الموقف الأخلاقي، ويمثل على هذا النحو القاعدة التي تعمل عليها جميع النظم الاجتماعية؛ فهو لا يعنيه، بحال أو بآخر، هل عبدٌ «يعاوض» سيدًا، في مقابل شربةِ ماءٍ وكِسرة خُبز؟ أم قنٌّ «يعاوض» إقطاعيًّا لقاء جزء من المحصول؟ أم عاملٌ مأجور يعاوض رأسمالي مقابل الأجر؟ إن الوعي بهذه الطبيعة الحقوقية سيكون حاسمًا في إعادة طرح وتصحيح نظرية نمط الإنتاج؛ وبالتالي إعادة طرح مفهوم الرأسمالية (التي هي خضوع الإنتاج والتوزيع في المجتمع لقوانين حركة الرأسمال)، كما سنرى ذلك تفصيلًا في الفصل الخامس من الباب الثالث.

•••

والآن، وبعد أن تَوافَرَت لدينا الخطوط العريضة للمادة الخام لعلمنا، يمكننا الانتقال إلى النقد الداخلي للعلم؛ بنقد مبادئ علم الاقتصاد السياسي كما تَبلْوَرَت من خلال مساهمات الآباء المؤسسين.

١  يعني الإنتاج الرأسمالي لدى بوهم بافرك (١٨٥١–١٩١٤م) وعن صواب، أحد أمرَين: إما إنتاج السلع بالرأسمال المكوَّن من مواد العمل والآلات؛ أي إنتاج السلع بالسلع، وإما خضوع عملية الإنتاج لسيطرة صاحب الرأسمال الخاص.
“The expression Capitalist Production is generally used in one of two senses. It designates either a production which avails itself of the assistance of concrete capital (raw materials, tools, machinery …), or a production carried on for the behoof and under the control of private capitalist undertakers. The one is not by any means coincident with the other. I always use the expression in the former of these two meanings”. E. Böhm-Bawerk, “The Positive Theory of Capital” (London: Macmillan. 1888), p. 236.
٢  مع أوائل القرن الثالث عشر، ظَهرَت في غرب أوروبا كلمة الرأسمال، وكانت تُستخدم بشكلٍ عام لتدل عن الثروة المكنَّزة، أو مبلغ من المال أو مقدار دَين أو سلفة أو أصول تجارة. انظر: Fernand Braudel, “Civilization Materielle, Economie et Capitalism, XVe-XVIIIe siècle, Vol II” (Paris: Librarie Armand Colin, 1979), p. 557.
أي إن مستوى ظهور الكلمة حتى هذه الفترة التاريخية المبكرة كان مستوى حقل التداوُل؛ إذ لم يكن يُوجد أيُّ ارتباطٍ بين كلمة الرأسمال وأي كلمة بشأن عملية الإنتاج. ويتعين أن ننتظر مجيء الآباء المؤسِّسِين لعلم الاقتصاد السياسي حتى ينتقل مستوى ظهور الكلمة من مستوى حقل التداوُل إلى مستوى حقل الإنتاج؛ حينما تأخذ الكلمة في التبلور على يد مُفكِّري القرن الثامن عشر؛ فروبرت ترجو (١٧٢٧–١٧٨١م)، وهو من عظماء الطبيعيِّين، يُعرِّف الرأسمال بأنه: «قيمٌ متراكمة». انظر: “These accumulated values are what we name a capital”. R. Jacques Turgot, “Reflections on the Formation and Distribution of Wealth” (London: E. Sprag, 1898), p. 56.
ومع جيمس مِلْ (١٧٧٣–١٨٣٦م) تأخذ الكلمة في الابتعاد عن كونها مجرد لفظٍ يُعبِّر عن مبلغ من النقود، إلى اعتبارها مصطلحًا يُعبِّر عن عملية إنتاجٍ كاملة تعني إنتاج السلع بالسلع من أجل السوق؛ فلقد رأى جيمس مِلْ أن الرأسمال: «سلعة معدَّة لإنتاج سلعة». أما ريكاردو فقد رأى أن الرأسمال: «هو ذلك الجزء المستثمر من ثروة الدولة في الإنتاج والذي يتألف من الغذاء والكساء والأدوات والمواد الخام والآلات.» ويُعرِّفه مالتس (١٧٦٦–١٨٣٤م) بأنه: «رصيد الأمة الموظف في الإنتاج وتوزيع الثروة أو هو ثروة متراكمة تجني الأرباح بالإنتاج.» انظر: Malthus, “Definitions in Political Economy” (London: John Murray, 1827), p. 92.
ويُحرِز جان باتست ساى (١٧٦٧–١٨٣٢م)، في إطار التصور العام للكلاسيك، تقدمًا حينما يعتبر أن الرأسمال، المنتج، يتضمن المباني والآلات والمواد الخام ووسائل معيشة المنتِج، بالإضافة إلى النقود نفسها. انظر: J.B.Say, “A Treatise on Political Economy” (Philadelphia: Lippincott, Grambo & Co, 1855), p. 59.
أما جون ستيوارت مل (١٨٠٦–١٨٧٣م) فقد ذهب إلى تعريف مصطلح الرأسمال بأنه: «المخزون المتراكم من إنتاج العمل.»
J. S. Mill, “Principles”, cit, op, p. 328.
ورأى سيسموندي (١٧٧٣–١٨٤٢م) أن الرأسمال هو: «قيمة تضاعف نفسها باستمرار بواسطة الإنتاج.» وهكذا نقترب من الصياغة النهائية التي سوف يعلنها ماركس للكلمة على أساسٍ من أن الرأسمال ليس مبلغًا من المال أو النقود، إنما هو علاقةٌ اجتماعية من جهة، ووسيلةُ إنتاجٍ من جهةٍ أخرى؛ حيث تتحول وسائل الإنتاج مع المجتمع البرجوازي إلى رأسمالٍ يُستخدم في إنتاج السلع من أجل السوق بقصد الربح. وسوف يعتبر ماركس هذه الصفة حاسمةً في تحديد أسلوب الإنتاج في المجتمع المعاصر. ولعل التطور الذي لحق استخدام كلمة الرأسمال، لغةً ومصطلحًا، وانتقال استخدام الكلمة من مستوى حقل التداول إلى مستوى حقل الإنتاج، قد جاء نتيجة عدةِ عواملَ تضافَرت على صعيد الواقع، منها تبلور الصناعات الحديثة وهيمنتها في غرب أوروبا؛ وبالتالي سيادة الإنتاج المتزايد من خلال الآلة من أجل السوق بقصد الربح، بالإضافة إلى تأزم الصراع الطبقي في حقل اقتسام المنتوج الاجتماعي بين كبار ملَّاك الأراضي (الريع) والرأسماليين (الربح) والعمال (الأجر) كصراع بين طبقاتٍ اجتماعيةٍ متناقضة في حقل التوزيع. وعلى صعيد الفكر صار الانشغال الجوهري متركزًا في حقل الإنتاج المادي للسلع، في محاولة لتقديم إجابة عن سؤالَين محددَين بدقة: السؤال الأول: كيف تزيد ثروات الأمم؟ وهو سؤال يتعلق بالإنتاج، وليس التداول. والسؤال الثاني: ما هي القوانين الموضوعية التي تحكم اقتسام هذه الثروات بين أعضاء المجتمع المنتج لها؟ وهو سؤال منشغل بالتوزيع. وعليه، سيصبح من المستقر في اللغتين الإنجليزية والفرنسية اعتبار كلمة الرأسمال، كمصطلح، معبرةً عن الثروة أو وسائل الإنتاج الموظَّفة في الإنتاج من أجل الربح أو العائد. نخلص إلى أن المعنى الذي سوف يُقدِّمه الاقتصاد السياسي للرأسمال، وفقًا لاعتبارات واقع فرض هيمنته، هو المعنى الذي سوف تعتمده اللغة الإنجليزية وكذا الفرنسية، انظر: Henry Higgs, “Palgrave’s Dictionary of Political Economy” (London: Macmillan and Co., Ltd, 1929), p. 217–23. “Petit Larousse” (Paris: Librairie Larousse, 1977), p. 165-6.
ولذا سنجد موسوعة كولومبيا تذكر: «في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي يُعد الرأسمال العنصر الثالث من عناصر الإنتاج مع العمل والأرض.» “The Columbia Encyclopedia” (Columbia University Press, 1959), p. 347. ولكن فات الموسوعة الشهيرة أن توضح، لأن هذا مهم، أن اعتبار الرأسمال عنصرًا من عناصر الإنتاج إنما جاء بعد جهودٍ كبيرة من قِبل مُفكِّرِي الاقتصاد السياسي بشأن «العمل المنتج» و«الثروة»؛ فالاقتصاد السياسي، كما علمنا، يُعرِّف العمل المنتج بأنه: «العمل الذي ينتج الثروة»؛ ومن ثَمَّ يُعد العمل غير المنتج للثروة عملًا غير منتج على الإطلاق. وتجد الثروة مصدرها، في التصورات الأولى لرواد علم الاقتصاد السياسي، مثل وليم بتي وريتشارد كانتيون، في أمرَين؛ أولهما: الأرض (كمصدر لجميع الثروات)، وثانيهما: العمل، الذي «ينتج هذه الثروة»، أو وفقًا لعبارة وليم بتي المعروفة: «العمل أبو الثروة والأرض أمها». ويصبح من الضروري الانتظار مائة عام تقريبًا حتى يتم اعتبار الرأسمال مصدرًا ثالثًا على يد مالتس؛ إذ اعتنق مالتس التصور الكلاسيكي الذي يرى مصدر الثروة في الأرض والعمل كمصدرَين أساسيَّين، وأضاف الرأسمال على أساس أن العمل والأرض في حاجة إلى الرأسمال، لأنه كما يقول: «ضروري من أجل إنتاج الثروة؛ فيمكن من ثَمَّ اعتبار الرأسمال مصدرًا ثالثًا للثروة!» ولقد أضاف البعض من رجال المعاجم، إلى أشكال الرأسمال، المعرفة المنتَجة من خلال البحث العلمي، انظر: D. Greenwald, “Encyclopedia of Economics” (N.Y: McGraw-Hill Co., 1982), p. 112.
ولقد صار من المستقر، لدى فقهاء القانون المدني، أن الرأسمال لم يعُد مُعبِّرًا عن مبلغ من النقود وإنما صار: «يشمل الأشياء المادية، منقولةً أو عقارية، والأشياء المعنوية، كالحقوق الشخصية، ومحالِّ التجارة، والملكية الأدبية، وحقوق المؤلفِين، وشهادات الاختراع.» انظر: محمد كامل مرسي، «شرح القانون المدني»، تنقيح محمد علي سكيكر، ومعتز كامل مرسي (الإسكندرية: منشأة المعارف، ٢٠٠٥م)، ج٢، ص٥١٠. ولدى الأستاذ السنهوري ما يطابق ذلك تقريبًا؛ فنجد في الوسيط: «أن الرأسمال قد يكون نقودًا أو أوراقًا مالية أو منقولات أو عقارات أو حق انتفاعٍ أو دَينًا في ذمة الغَير أو اسمًا تجاريًّا أو شهادة اختراع أو عملًا أو غير ذلك مما يصلح أن يكون محلًّا للالتزام.» انظر: عبد الرزاق السنهوري، «الوسيط في شرح القانون المدني»، تنقيح أحمد مدحت المراغي (الإسكندرية: منشأة المعارف، ٢٠٠٤م)، الجزء الخامس، ص١٩٥. وقارب: «… الرأسمال هو كل ثروة تعود على صاحبها بفائدة أو من شأنها العودة بدخل أو ريعٍ على مالكها، أو كل ثروة لا تُستعمل في الاستهلاك المباشر، وإنما تُستخدم من أجل جعل إنتاج الثروات أكثر وفرةً أو أيسر.» انظر: A. Lalande, “Vocabulaire Technique et Critique De la Philosophie”, Vol 1, p. 65.
٣  وقوانين الحركة تلك لا تحكم النشاط الإنتاجي الهادف للربح مع النظام الرأسمالي المعاصر فحسب، إنما حَكمَت، كما ألمحنا في عجالة في الفصل الثاني، النشاط الإنتاجي عَبْر تاريخ البشر سواء، سواءٌ أكان في بابل قبل الميلاد أم في القدس في القرن الأول أم في روما في القرن الثالث أم في بغداد في القرن العاشر؛ فقوانين الحركة، بصفةٍ خاصة قانون حركة الرأسمال الصناعي، لم تتشكل اليوم، ولا خلال اﻟ ٣٠٠ عام الماضية، إنما تعود إلى عصورٍ أبعدَ وعهودٍ أقدمَ. وعلى سبيل المثال يمكننا أن نقول، ربما مع الكثير من التجاوز؛ لأن الاختلاف ليس كبيرًا، أن الأمر أقربُ ما يكون إلى مقارنة بين مصنع لإنتاج ورنيش الأحذية في القاهرة ومصنع لإنتاج السيارات في طوكيو؛ فقانون الحركة واحد. الذي يتغير الشكل؛ شكل العامل؛ شكل الآلة؛ شكل المصنع؛ شكل الإدارة؛ شكل التنظيم الاجتماعي السائد، أو النظام السياسي المهيمن. ولكن يظل «ن − [ق ع + و إ] − س − ن + Δ ن» هو قانون الحركة الحاكم لمصنعي القاهرة وطوكيو. بيد أن مفكري الاقتصاد السياسي، ابتداءً من هيمنة المركزية الأوروبية، لم يتمكنوا من الذهاب أبعد من أوروبا القرون الوسطى! ولسوف نعالج هذه الأفكار بالتفصيل في الباب الثالث.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠