الفصل الأول

نقد موضوعات آدم سميث

المجمع عليه من لدُنْ مؤرخي الفكر الاقتصادي أن آدم سميث هو مؤسس علم الاقتصاد السياسي.١ ولكن ذلك الإجماع لا يعني أن جذور هذا العلم لم تكن موجودة في كتابات رُوَّاده مثل الإحصائي الإنجليزي وليم بتي (١٦٢٣–١٦٨٧م) ورجل المال والأعمال الأيرلندي ريتشارد كانتيون (١٦٨٠–١٧٤٣م) والطبيب الفرنسي فرنسوا كينيه (١٦٩٤–١٧٧٤م).
وسبب اختياري لفكر آدم سميث كنقطة بدء، على الرغم من الروائع الفكرية والاجتهادات المرموقة السابقة عليه، يُبنَى على أَمرَين:
  • (١)

    أن آدم سميث كان لديه الوعي بأنه يُرسي دعائم علمٍ جديد. وبعدما كانت الأفكار الخاصة بالقيمة والإنتاج والتوزيع والرأسمال والسوق والأثمان والأجور والأرباح والعملة وغيرها من الأفكار التي فَرضَت نفسها آنذاك على الواقع الأوروبي تأتي متفرقة وتظهر عَرضًا في الكتابات السابقة عليه، صارت في «ثروة الأمم» محلًّا لمناقشةٍ مُوسَّعة على نحوٍ علمي، ومُكوِّنةً بناءً نظريًّا متماسكًا.

  • (٢)
    أن سميث يُعَد الملهم الأَوَّل، والأهم، لمن سيأتي من بعده من مُفكِّري الاقتصاد السياسي، وفي مقدمتهم ريكاردو ومالتس ورامساي ومِلْ وساي وماركس،٢ بصفةٍ خاصة في مبحث القيمة؛ إذ ستُمثِّل أطروحاته، مع استمرار نقدها وتطويرها من قِبل خَلَفه، الأساس النظري الذي سيُشيَّد عليه الاقتصاد السياسي كما هو بين أيدينا الآن، ولَمْ تَزَلْ محاولات الرجوع إلى سميث مستمرة حتى يومنا هذا.

١

يمكننا الآن، وفقًا لمنهجنا في هذا الباب، نقد موضوعات سميث العامة؛ فابتداءً من هدف الكشف عن طبيعة الثروة، والقوانين التي تحكم زيادتها على الصعيد الاجتماعي، يُحدِّد سميث موضوع العلم مَحلَّ انشغاله، ويرى أن الاقتصاد السياسي هو ذلك العلم الذي:

«يستخدمه رجل الدولة أو المُشرِّع، لأنه يُمدُّهما بأمرَين؛ الأول: كيف يُوفِّرون عوائدَ وفيرةً للمواطنين أو تمكينهم من أن يُوفِّروا هم عوائدهم. والثاني: كيفية تزويد الدولة أو الكومنولث بالإيرادات الكافية للخدمات العامة وإثراء الشعب والسلطة» («ثروة الأمم»، الكتاب الرابع، المقدمة).

ولا ينصرف مفهوم الثروة عند سميث إلى الذهب والفضة والنقد فحسب، بل ينسحب أيضًا على ما يشتريه النقد، وبالتالي يشمل مفهوم الثروة لدى سميث كلًّا من: الرأسمال الموظَّف في الزراعة والصناعة والتجارة الداخلية أو الخارجية («ثروة الأمم»، الكتاب الثالث)، كما يشمل كذلك: الذهب والفضة، والنقود، والمواد الخام، والإنتاج السنوي من السلع على اختلاف أنواعها («ثروة الأمم»، الكتاب الرابع).

وبعدما حدَّد آدم سميث موضوع العلم محل انشغاله، كان عليه تحديد المنهج الذي سيستخدمه. وفي «ثروة الأمم» يبرز منهجه بوضوح؛ إذ نجد المنهج التجريدي والمنهج الوصفي جنبًا إلى جنب. وقد اعتَمدَت طريقة سميث على أن يُتبِع شرحه التجريدي لكل فكرة بضرب الأمثلة التاريخية من إنجلترا واسكتلندا والصين ومصر القديمة وشبه الجزيرة العربية … إلخ؛ فلقد كان سميث يحرص على البرهنة دائمًا على صحة أفكاره من خلال طرح أمثلةٍ وصفية من التاريخ القديم والمعاصر ومن أماكنَ متفرقةٍ من العالم.

٢

وحينما يذهب سميث باحثًا في طبيعة ثروة الأمم وأسباب زيادتها، وفقًا للقوانين الموضوعية،٣ يجد أمامه أهم ظاهرة تقود، في تصوُّره، إلى زيادة إنتاجية العمل الاجتماعي؛ وبالتالي تؤدي إلى زيادة الثروة الاجتماعية. هذه الظاهرة هي التقسيم الاجتماعي للعمل.٤

وبناءً عليه، يبدأ سميث «ثروة الأمم» بعباراته التي تُوضِّح وعيه الشديد بأهمية العمل في حياة الأمة؛ فجميع المنتجات التي يستهلكها المجتمع، إما أن تكون نتيجة العمل المبذول على الصعيد الاجتماعي، أو نتيجة مبادلةِ ما أنتجه العمل الاجتماعي في هذا المجتمع بما أنتجه العمل كذلك في مجتمعٍ آخر:

«إن العمل السنوي لكل أمة هو الرصيد الأصلي الذي يُزوِّدها بكل ما تستهلكه سنويًّا من ضروريات الحياة وكمالياتها والتي تتكون على الدوام إما من النتاج المباشر لهذا العمل أو من الأشياء المشتراة بواسطة هذا المنتوج من أُممٍ أخرى» («ثروة الأمم»، المقدمة، المصدر نفسه).٥
ويتخذ سميث، للتبسيط، من ورشةٍ صغيرة لإنتاج المسامير مثالًا يوضح من خلاله مدى أهمية تقسيم العمل٦ في زيادة الإنتاجية، ومن ثم زيادة ثروة الأمة، بحيث ينتج في يومٍ واحدٍ ما كان يمكن إنتاجه ربما في عشرات الأيام.٧

وإذ يلاحظ سميث ميل الأشخاص نحو المبادلة مقايضةً ومعاوضةً، فإنه يصل بأهمية التقسيم الاجتماعي للعمل إلى المنتهى حينما يؤكد على أهمية هذه الظاهرة، ليس فحسب في زيادة ثروة الأمة، إنما أيضًا في تشكيل المواهب الإنسانية ذاتها، ويضرب على ذلك مثلًا بالفيلسوف والحمَّال:

«والاختلاف بين الناس في المواهب الطبيعية أقل في الواقع مما ندركه؛ فالفرق بين فيلسوف وحمَّال من بعض حمالي الشارع، يبدو غير ناشئ عن الطبيعة بقدْرِ ما هو ناشئ عن العادة والعرف والتربية؛ فطوال السنوات الأولى من حياتَيْهما ربما كانا متشابهَين جدًّا، وعند تلك السن أو بعدها شغلا في صناعتَين مختلفتَين؛ وعندئذٍ يبدأ الاختلاف في المواهب يتسع تدريجيًّا ويلفت النظر. ولولا الاستعداد للمقايضة والمعاوضة والمبادلة لتعيَّن على كل واحدٍ منهما أن يُؤمِّن لنفسه جميع ما يحتاج إليه من ضروريات الحياة وكمالياتها؛ ولَتعيَّن على الجميع القيام بذات المهام وإنجاز نفس الأعمال، ولكان ما بينهم من الاختلاف في العمل ما يفضي بحد ذاته إلى أي اختلافٍ كبير في المواهب» («ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل الثاني).

وابتداءً من نظريته في تقسيم العمل يرى سميث أن الإنسان، قديمًا قبل بروز تقسيم العمل الاجتماعي، كان يُعد ثريًّا أو فقيرًا بقَدْرِ ما كان يستطيع الاستمتاع بضروريات وكماليات ومتع الحياة التي يوفرها لنفسه من عمل يده. ولكن بعد تقسيم العمل لم يعُد عمله الخاص يُتيح له إلا قَدْرًا ضئيلًا من هذه الأشياء، وأصبح يستمد القَدْر الأكبر منها من عمل الآخرين؛ ولذلك تكبر ثروة المرء أو تصغُر بمقدار كمية العمل التي يحوزها أو يقدمها لقاء الحصول على عمل الغير. وسميث حينما يقيس الثروة بكمية العمل، على هذا النحو الصائب، إنما في الواقع يقيس قيمة أحد أشكال الثروة الاجتماعية، وهو الذي يكون نتاج العمل، وليكن مثلًا القلم، فالقلم يتجلى بوصفه قيمة وثروةً اجتماعية في الوقت نفسه؛ ومن ثَمَّ يصبح طبيعيًّا في مذهب آدم سميث قياس قيمة القلم، كقيمة وثروة، بكمية العمل. سميث إذن لا يخلط، كما يقال، بين الثروة والقيمة.٨

٣

وأثناء قيام سميث بإخضاع ظاهرة تقسيم العمل للتحليل يصل إلى التأكيد على أن التزايد الكبير في مختلف السلع في المجتمع، ومن ثَمَّ تزايُد ثروة الأمة، إنما يرجع إلى التخصُّص؛ فهو الذي يُمكِّن المجتمعات من إنتاج أكبر قَدْر من السلع في أقل وقتٍ ممكن. وإذ ينتج هذا القدر الكبير من السلع؛ يحدث الفائض، على الأقل بين المنتجين المباشرين، ومن ثَمَّ تكون احتمالات المبادلة أكبر وأوسع نطاقًا، وبذلك تنتشر الوفرة بين مختلف طبقات وفئات المجتمع. ولكن، كل ذلك إنما يرتبط، في رأي سميث، بمدى اتساع السوق ذاتها؛ فكلَّما اتسعَت السوق كلَّما حرص المرء على التخصص في عملٍ ما، يمكنه أن يبادل فائضه بما يحتاج إليه من منتجات عمل المنتجين الآخرين.٩

وتصور سميث على هذا النحو يوضح لنا بدقة سبب عمل المشروعات الرأسمالية الدولية النشاط على تحطيم الحواجز الوطنية، ورفضها لأي محاولة للسيطرة على الأسواق أو للتدخل في حركتها العفوية؛ إذ إن توسع هذه المشروعات، وبالتالي جني الأرباح، ومن ثم تجديدها لإنتاجها على نطاقٍ موسَّع، رهين باتساع الأسواق وتدمير قيودها أيًّا ما كانت.

٤

وإذ يتم تحليله التقسيم الاجتماعي للعمل،١٠ الذي عدَّه شرطًا لزيادة الإنتاجية ومن ثَمَّ زيادة ثروة الأمة، يجد سميث ضرورة في التعرف إلى كيفية تبادل هذه الثروة؛ بعبارة أدق: التعرف إلى القوانين الموضوعية التي تحكم هذا التبادل على الصعيد الاجتماعي؛ الأمر الذي جعله يتجه صوب السوق حيث تُطرح وتُتبادل السلع التي تمثل أحد أهم أشكال ثروة الأمة.
وحينما توجه سميث إلى السوق من أجل تحليل طبيعتها والكشف عن قواعدها، يتوصل، ربما، إلى أول صياغةٍ دقيقة لهذه القوانين، والتي ترتكز على فكرة «اليد الخفية»١١ (أُرجِّح أن تكون الفكرة مستقاة من فكر الطبيعيين) التي تسير بمقتضاها مصالح الناس الخاصة وأهواؤهم في الاتجاه الأكثر اتفاقًا مع مصلحة المجتمع. ولكن، قوانين السوق ليست قائمة بذاتها إنما تتأسَّس على ثلاثِ ركائز: المنافسة بين المنتجين من جهة، والانجذاب نحو المستوى الطبيعي للكميات والأثمان والدخول الطبيعية من جهةٍ ثانية، والمصلحة الشخصية من جهةٍ ثالثة.
  • (١)

    فالسلعة التي يزيد المجتمع استهلاكه منها ستقود المنتجين إلى العمل على إنتاج المزيد منها بتوظيف المزيد من قوى الإنتاج (أي: العمل، والرأسمال، والأرض) في فرع إنتاجها، على حساب السلعة الأخرى التي كف المجتمع ولو مؤقتًا عن استهلاكها. ومع تدفق رساميل المنتجين (وهو ما يفترض ارتفاع الطلب على قوى الإنتاج) إلى فرع إنتاج السلعة التي ارتفع الطلب عليها، يحدث الفائض. في الوقت نفسه يؤدي انسحاب الرساميل من فرع إنتاج السلعة التي انخفض الطلب عليها إلى انخفاض الفائض وربما الحد الأدنى المعروض منها. وفي تلك اللحظة، أي حين انخفاض المعروض، سوف تتدخل قوانين السوق كي تصحح الوضع ولترجعه إلى ما كان عليه من توازن؛ إذ سيأخذ ثمن السلعة التي انخفض قدْر المعروض منها في الارتفاع، وهو ما سيؤدي إلى اندفاع المنتجين، متنافسين، صوب حقل إنتاج هذه السلعة بغية جني الأرباح إثر الارتفاع النسبي في ثمنها. وما بين تلك الحركة من الإقدام والإحجام، والمد والجزر، لقُوى الإنتاج الموظَّفة، والمتنافسة، في حقل الإنتاج، يتم التوازن في السوق. وتصوُّر سميث للقوانين العامة للسوق، على هذا النحو، لا يمكن فهمه بدقة إلا ابتداءً من فهمِ مجملِ تصوره لما يجري في حقل التداول؛ فسميث لا يتصور، وفقًا لعصره، حدوث فرط في الإنتاج، أو تضخم، أو ركود، أو هَدْر اجتماعي:

    «إن قيمة السلع التي تُشترى وتُباع سنويًّا في بلدٍ ما يحتاج لكميةٍ محددة من النقد لتداوُل هذه السلعة وتوزيعها على من يستهلكها. قناة التداول تجذب إليها مبلغًا يكفي لملئها، ولا تقبل المزيد.» («ثروة الأمم»، الكتاب الرابع، الفصل الأول).

    فعلى ما يبدو أن النظام الجديد الذي يدرسه سميث لم يزل آنذاك في مرحلته الصاعدة التي لم تُتِحْ بعدُ تبلوُرَ جميع ظواهر الرأسمالية الأوروبية على أرض الواقع.

  • (٢)

    ولا تقوم المنافسة بدورها إلا ابتداءً من وجود قُوًى تجذب الكميات والأثمان والدخول المختلفة إلى مستوياتها الطبيعية على الصعيد الاجتماعي، فالمنافسة على نحوِ ما ذكرنا أعلاه يتوقف دورها عند عودة الكميات والأثمان والدخول إلى المستويات الطبيعية وعدم انفلاتها فوق المستوى الطبيعي لفترةٍ طويلة من الزمن، أما قوى الجذب فهي التي تحافظ على وجود مستوياتٍ وسطية للدخول المختلفة للطبقات الاجتماعية؛ أي الأجر والربح والريع:

    «في كل مجتمع نسبةٌ عادية أو متوسطة للأجور والأرباح في كل توظيف للعمل أو الرأسمال. كما يُوجد في كل مجتمع نسبةٌ عادية أو متوسطة للريع.» («ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل السابع).

  • (٣)

    وبالإضافة إلى ركيزتَي المنافسة وقوى الجذب، تُوجد ركيزةٌ ثالثة هي المصلحة الشخصية. والمبدأ، لدى سميث، هو أن المرء ابتداءً من استعداده الفطري للمقايضة وميله الطبيعي نحو التبادل، حينما يحرص على تحقيق نفعه الشخصي، يحقق، بالتبع، المصلحة الاجتماعية:

    «إن الإنسان يحتاج دائمًا إلى مساعدة غيره، ولا يمكن توقع صدور هذه المساعدة عن طيب خاطر؛ إذ يتعين دومًا إقناعهم بأن من مصلحتهم مساعدتنا؛ فنحن لا نتوقع الحصول على الغذاء من الجزار والخباز بفضل حسن أخلاقهم، ولكننا نتوقع ذلك منهم كنتيجة لأنانيتهم. إننا لا نخاطب النزعة الإنسانية في أنفسهم بل نخاطب حبهم لذاتهم، ولا نتحدث إليهم عن ضرورياتنا بل عن منافعهم. إن الاستعداد للمقايضة هو الذي يخلق الداعي إلى تقسيم العمل» («ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل الثاني).١٢

    وفي إطار المبادئ العامة الحاكمة للسوق، ومبدأ المنافسة بصفةٍ خاصة، يلاحظ سميث منافسةً من نوعٍ آخر، هي المنافسة، بل الصراع، بين الرأسماليين والعمال. وما ينشغل به سميث هو الكشف عن أسباب إخفاق العمال في احتجاجاتهم قِبل الرأسماليين وفشل إضراباتهم عن العمل حينما يطالبون برفع أجورهم أو تحسين ظروف عملهم. وهو يصل إلى ثلاثة أمور تؤدي إلى إخفاق العمال في الإضرابات، وهي: تدخل السلطات العامة في الدولة لقمع وتصفية تلك التحركات العمالية. بالإضافة إلى أن الاتحاد بين أرباب العمل من شأنه إحكام الضغط على العمال. وأخيرًا: عدم تأثُّر أرباب العمل كثيرًا، مقارنة بالعمال، بالتحركات العمالية احتجاجًا وإضرابًا؛ نظرًا للأجور الهزيلة التي يحصل عليها العمال، والتي لا تمكنهم من الصمود طويلًا في مواجهة أرباب العمل.

٥

وحينما أراد سميث التعرف إلى كيفية تكوُّن الثمن الطبيعي للسلعة١٣ حيث تمثل السلع أحد أشكال الثروة الاجتماعية، كان عليه في البداية تحديد موقفه من مشكلة القيمة؛ لأنه يطابق بين القيمة والثمن الطبيعي. ومن أجل تحديد هذا الموقف انتقل من دائرة التداول حيث قوانين السوق، إلى دائرة الإنتاج حيث تُنتج القيمة. وحينئذٍ رأى أن كلمة القيمة:
«تشير أحيانًا إلى منفعة شيءٍ معين، وأحيانًا تدل على القدرة على شراء سلعٍ أخرى، والأولى تُسمى القيمة الاستعمالية، والثانية القيمة التبادلية» («ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل الرابع).١٤

وعلى الرغم من أن الاقتصاد السياسي يبدأ، كعلم، من هذا النص، بل ويُشيَّد معرفيًّا على هذا النص، إلا أن كثيرًا من مشكلات الاقتصاد السياسي يمكن إرجاعها إلى هذا النص بالتحديد؛ لأن القيمة التي تتمفصل حولها جملة القوانين التي تتيح فهم كيفية عمل النظام الرأسمالي، والذي يمثل بدوره محل الانشغال المركزي لعلم الاقتصاد السياسي، ليست فحسب غير واضحة في هذا النص بل غير صحيحة؛ فسميث في النص أعلاه، ولنركز أكثر على القيمة التبادلية، يقول إن القيمة التبادلية هي: «قدرة السلعة على شراء سلعٍ أخرى.» أي قدرة السلعة على التبادل بسلعٍ أخرى، ولكن ذلك غير صحيح؛ فبالإضافة إلى أن سميث، مثل جميع الكلاسيك، وريكاردو بالأخص، لم ينشغل بتعريف القيمة ذاتها، واكتفى بالإشارة إلى نوعيها، وكان غالبًا يخلط، فيستخدم مصطلح القيمة التبادلية للدلالة على القيمة، كما كان يستخدم مصطلح القيمة التبادلية بنفس معنى الثمن الطبيعي؛ فقد علمنا أن القيمة هي خصيصة من خصائص الشيء، صفة، تُميِّزه وتُحدِّده، والشيء الذي يكون نتيجة العمل، وبالتالي يحتوي على قدْرٍ أو آخر من ذلك المجهود الإنساني الواعي الهادف، يصبح ذا قيمة. وكما علمنا أيضًا أن القلم الذي بذل صانعه في إنتاجه جهدًا يصبح ذا قيمة، استعمله صانعه أو لم يستعمله، بادله أو لم يبادله. ولكي يمكن لصانع القلم مبادلته أي الحصول على شيءٍ آخر في مقابل التنازل عنه فيجب أن يكون هذا القلم متمتعًا بالمنفعة الاجتماعية، وحينئذٍ سوف ينتقل القلم من مجرد «منتوج ذي قيمة» إلى مرحلة «منتوجٍ ذي قدرة على التبادل». وحينما يبادل صانع القلم قلمه هذا بممحاة مثلًا، فإن الممحاة حينئذٍ تمثل القيمة التبادلية للقلم. معنى ذلك أن القدرة على التبادل ليست هي القيمة التبادلية؛ فالقدرة على التبادل، وكما ذكرنا سلفًا، هي إمكانية، هي استطاعة، لدى السلعة تستمدها من كونها نافعة اجتماعيًّا، أما القيمة التبادُلية فهي صورة، انعكاس، هي تعبير عن قيمة سلعةٍ ما في هيئة سلعةٍ أخرى.

٦

وعندما ينتقل سميث إلى البحث عن منظم القيمة نراه يفرق كعادته بين الظاهرة في المجتمعات القديمة والظاهرة في المجتمعات المعاصرة؛ ففي أقدم العصور (حيث الحالة المبكرة للمجتمعات قبل تراكم مخزون السلع وامتلاك الأرض)، رأى سميث أن كمية العمل المبذول في سبيل إنتاج الشيء هي التي تنظم قيمته؛ حيث نتيجة العمل دائمًا مِلك مَن ينتجه، فالقوس الذي بُذل في سبيل إنتاجه ١٠ ساعات من العمل يمكن مبادلته بمطرقتين بُذل في سبيل إنتاج كل واحدةٍ منهما ٥ ساعات من العمل؛ حينئذٍ يكون العمل، والعمل وحده، هو منظم القيمة.

ومع تطور البشرية (واستحواذ البعض على الأرض وتراكم مخزون السلع في أيدي أناسٍ معينين)، لم يَعُد المنتوج مِلكًا لمن ينتجه كما كان في الماضي، بل أصبح مشتركًا بين المنتِج، العامل المأجور، ومالك الرأسمال الذي استأجره؛ فما إن يستأثر البعض بملكية وسائل الإنتاج، يملكون إذن الرأسمال، إلا ويبدءون:

«في استعماله لتشغيل أناسٍ مهرة جادِّين، يمدونهم بمواد العمل وأسباب المعيشة ليجنوا مكسبًا ببيع أعمالهم، أو بما يزيد من قيمة إلى قيمة المواد بفضل عملهم، وعلى هذا النحو فإن القيمة التي يضيفها العمال إلى المواد تنحل إلى قسمَين، أحدهما يُوفَّى كأجور، والآخر أرباح رب العمل» («ثروة الأمم»، الفصل السادس، وكذلك: الفصل الثامن).

وبتلك المثابة تبلورت الأجور وكذلك الأرباح؛ ومن ثَمَّ صار للرأسمال الحق، في رأي سميث، في المطالبة بدور في تنظيم القيمة إلى جانب كمية العمل:

«وليست كمية العمل المبذول هي الظرف الوحيد الذي يمكن أن ينظم الكمية التي ينبغي لهذه السلعة أن تُبادل بها؛ فمن الجلي أنه يتعين احتساب كميةٍ إضافية لأرباح الرأسمال الذي قدَّم الأجور ووفر المواد لهذا العمل» («ثروة الأمم»، المصدر نفسه).

أما الأرباح نفسها فتنتظم لدى سميث ابتداءً من حجم الربح الموظَّف في الإنتاج، فكلما كبر حجم الرأسمال كلما ارتفعت الأرباح، وبالعكس؛ كلما صغر حجم الرأسمال كلما انخفضت الأرباح؛ فالأرباح في مذهب سميث لا ترتبط، بأي حال، بكمية العمل المبذول، إنما تتوقف على حجم الرأسمال نفسه.

«وربما ظن أحد أن أرباح الرأسمال ليست إلا اسمًا آخر لأجور نوعٍ آخر من العمل الذي يُنفق في التفقُّد والرعاية والإشراف، غير أنها تختلف اختلافًا جليًّا، وتنتظم على أسسٍ مختلفة تمامًا، ولا ترتبط بأي حال بنسبة كمية العمل المبذول في التفقد والرعاية، ولا إلى ما يحتوي عليه من مشقة أو براعة، بل تنتظم بقيمة الرأسمال المستعمل وهي تزيد أو تنخفض بالنسبة إلى الرأسمال وحجمه. في الكثير من الأعمال الكبرى تُعبِّر أجور الموظف الذي يشرف على العمل عن قيمة عمله، أما صاحب الرأسمال وعلى الرغم من أنه لا يقوم بهذه الأعمال من تفقد ورعاية وإشراف، إلا أنه دائمًا ما ينتظر أرباحه كنسبة من رأسماله.» («ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل السادس).

وفي مرحلة تالية؛ تَبدَّى الريع؛١٥ ومن ثَمَّ صار بدوره أحد أجزاء منظم القيمة، فحينما تمسي أرضُ بلدٍ ما محلًّا للملكية الخاصة يحب هؤلاء الملاك أن:

«يحصدوا ما لم يزرعوا، وأن يطلبوا ريعًا حتى من نتاجها الطبيعي؛ فحطب الغابات، وأعشاب الحقول، وجميع ثمار الأرض الطبيعية التي لم تكن، يوم كانت الأرض مشتركة، تكلف العامل إلا جهد قطافها، صارت كلها تصل إليه بثمنٍ إضافي يُفرض عليها، فعليه حينئذٍ أن يدفع ثمن الترخيص بجمعها، وعليه أن يتنازل لمالك الأرض عن قسمٍ مما جمعه أو أنتجه بعمله» («ثروة الأمم»، المصدر نفسه).

والريع، ويقصد سميث الريع المطلق، ينتظم لديه على نحوٍ مختلف؛ فالارتفاع والانخفاض في الأجور والأرباح يؤدي إلى الارتفاع والانخفاض في الثمن. أما ارتفاع الريع وانخفاضه فهو نتيجة لهذا الارتفاع والانخفاض في الثمن؛ فحينما ترتفع الأثمان بسبب ارتفاع الأجور والأرباح، يرتفع الريع. وحينما تنخفض الأثمان؛ بسبب انخفاض الأجور والأرباح، ينخفض الريع؛ ومن ثَمَّ ينتظم الريع لدى سميث وفقًا لكمية العمل من جهة، وحجم الرأسمال الموظَّف من جهةٍ أخرى.

سميث ينتهي إذن إلى أن قيمة النفقة الحقيقية هي منظم القيمة:

«عندما يكون ثمن أي سلعة ليس أكثر أو أقل مما هو كافٍ لدفع ريع الأرض وأجور العمل وأرباح الرأسمال المستثمر في إنتاج السلعة وإعدادها وشحنها إلى السوق طبقًا للنسب الطبيعية، فإن السلعة تُباع بما تستحقه بدقة، أو بقيمة نفقتها الحقيقية.» («ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل السابع).

بيد أن منظم القيمة على نحوِ ما انتهى إليه سميث ليس عدولًا منه عن نظريته في القيمة إلى نظرية في نفقة الإنتاج،١٦ إنما هو بمثابة توقف في منتصف الطريق إلى قانون القيمة؛ إذ لم يتمكن سميث من التغلغل أكثر في التحليل؛ وبالتالي لم يستطع التعرف إلى طبيعة كلٍّ من: الأجر، ووسائل الإنتاج، والربح. فالأجر مقابل «العمل» الحي، ووسائل الإنتاج هي «عمل» مختَزن، والربح هو «عمل» زائد. أي إن كمية العمل (بأجزائها الثلاثة) هي منظم القيمة. وكاد سميث أن يستكمل الطريق فعلًا؛ إذ ما ساير منهجه، لأنه يتخذ من العمل مقياسًا ليس فحسبُ لقيمة ذلك القسم من الثمن الذي يرجع إلى العمل، بل وكذلك الذي يرجع إلى الريع، وذلك الذي يرجع إلى الربح.١٧ أي إنه يدرك أن تلك الأجزاء الثلاثة هي في حقيقتها عبارة عن كمياتٍ من العمل.

٧

وبعدما ينتهي سميث من تحليل منظم القيمة وتطوره، ينتقل إلى مقياس القيمة. وابتداءً من خلطه بين القيمة والقيمة التبادلية، يأخذ في التردد بين مقياس Measure القيمة، ومعيارها Standard، وما تُقدَّر به Estimate، وما تُقارن به Compare كي يصل إلى: «أن العمل هو المقياس الحقيقي للقيمة التبادلية للسلع كافة» («ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل الخامس).

ولكن، تواجه سميث مشكلة. هذه المشكلة هي: أن العمل وإن كان باستطاعته قياس القيمة؛ فيمكننا مثلًا أن نقول إن قيمة السلعة «ر» تساوي ٤ ساعات عمل، فليس بإمكان العمل تقدير هذه القيمة؛ إذ رأى سميث صعوبة في اعتبار هذه اﻟ ٤ ساعات قيمةً حقيقية للسلعة «ر» حين مقارنتها بسلعٍ أخرى «ك»، وذلك لصعوبة المقارنة (المقصود المقارنة الدقيقة بمقياسٍ دقيق) بين المجهود المبذول في سبيل إنتاج السلعة «ر» والمجهود المبذول في سبيل إنتاج السلعة «ك» من جهتَين: الأولى: شدة العمل، الثانية: البراعة في العمل.

«ومع أن العمل هو المقياس الحقيقي لقيمة مبادلة السلع كافة إلا أنه ليس المقياس الذي تُقدَّر به قيمتها عادة؛ فمن الصعب في كثير من الأحيان التثبُّت من النسبة بين مقدارَين من العمل؛ فالزمن الذي يستغرقه نوعان مختلفان من العمل لا يحدد بمفرده هذه النسبة، بل يجب الانتباه إلى درجات الصعوبة التي تحملها العامل وكذلك الدرجات المختلفة من الإبداع والبراعة» («ثروة الأمم»، المصدر نفسه).

وعليه، سيكون من الصعب، وفقًا لتصور سميث، مقارنة ساعة عمل حداد أو عامل منجم بساعة عمل بستاني أو حلَّاق، أو مقارنة ساعة عمل مزارع أو إسكافي، بساعة عمل صائغ أو طبيب أسنان، على الرغم من أن كلًّا من (الحدَّاد، والعامل، والبستاني، والحلَّاق، والمزارع، والإسكافي، والصائغ، والطبيب) بذل كلٌّ منهم ساعة عمل واحدة في سبيل إنتاج سلعته؛ وبالتالي لن يمكن، في تصور سميث، تقدير قيمة السلعة التبادلية بالعمل. هي فقط تُقاس بالعمل. وأمام هذه المشكلة يُضطر سميث إلى البحث عن شيءٍ آخر تُقدَّر به القيمة، وحينئذٍ يرى أن قيمة السلعة لا تُقدر بكمية العمل المبذول في سبيل إنتاجها هي، إنما:

«بكمية من سلعةٍ أخرى» («ثروة الأمم»، المصدر نفسه).

أي بكمية العمل المبذول في سبيل إنتاج السلعة الأخرى المتبادل بها. ولكن سميث يبدو كأنه غير مقتنعٍ كليًّا بما انتهى إليه؛ فمع الاختلاف بين الأعمال من جهتَي الشدة والبراعة، يعترف بأن تقدير قيمة السلعة من خلال كمية العمل المبذول في السلعة الأخرى:

«ليس من طبائع الأشياء ولا يتميز بأي وضوح» («ثروة الأمم»، المصدر نفسه).

ولذلك، يتلمس سميث بعض اليقين من السوق ويحيلنا إليه، وبالتالي يخرجنا من العلم إلى حقل التجريب؛ فقوانين السوق سوف تنهض، وفقًا لنظرية سميث، بإجراء المساواة ولو التقريبية بين الأعمال التي تختلف في شدتها أو براعتها؛ فالمجتمع سوف يضع في اعتباره مدى شدة العمل ويسره، بحيث إن ما يُنتج في يومَي عمل أو ساعتَي عمل يستحق ضعف ما يُنتَج في يوم عمل أو ساعة عمل.١٨ ومن جهة البراعة، يرى سميث أن التقدير الذي يُكنُّه المجتمع للمهارة في العمل سوف يكسب المنتوج (في المجتمعات القديمة، والمعاصرة من باب أولى) قيمة تفوق ما يستحقه الوقت المستغرق في هذا الإنتاج؛ أي إن ساعةً واحدة من العمل البارع سوف تفوق، في نظر المجتمع، ساعةً واحدة من العمل العادي.

وعلى الرغم من إقرار سميث بأن الاختلاف، على هذا النحو، بين الأعمال من جهتَي الشدة والبراعة، إنما يستصحب بطبيعته صعوبات في المبادلة، ومع إقراره أيضًا بأن التبادل على هذا النحو لا يتوازن وفقًا لأي مقياسٍ دقيق، بل تقوم المساومة المستمرة في السوق بتأدية الدور الحاسم في هذا الأمر، فهو يرى أن تلك المساومة كافية لاستمرار الحياة اليومية في المجتمع، مع استبعاده أن يكون ذلك أمرًا طبيعيًّا، وإن أمكن جعله مقبولًا! إن المشكلة الحقيقية التي يستشعرها ذهن آدم سميث، ليست الكيفية التي يمكن بمقتضاها المقارنة بين العمل اليسير والعمل الشاق، أو بين العمل العادي والعمل البارع. المشكلة ليست هنا؛ لأن المجتمع، قديمًا وحديثًا دون فرق، سيتعارف فيما بين أفراده على قواعدَ رضائية تتيح إجراء المبادلة بين الأنواع المختلفة من العمل. نعم ليس ذلك من قبيل الأمور الطبيعية، ولكن سوف تجعله ظروف الحياة اليومية مقبولًا بحال أو بآخر. إن المشكلة الحقيقية تكمن في البحث عن القانون الموضوعي؛ فجميع الأقوال، غير العِلمية، بشأن المقارنة بين العمل اليسير والعمل الشاق، لا ترضي ذهن سميث. ومن هنا تبلورت المشكلة الحقيقية في ذهن مفكرنا الموسوعي الذي يبحث، وهذا دأبه، عن القانون الموضوعي الذي يحكم الظاهرة؛ وبالتالي ينشغل ها هنا بالبحث عن القانون الموضوعي الحاكم لهذا التبادل بين الأنواع المختلفة من العمل. يبحث عن القانون الذي يملك نفوذًا مستقلًا عن أفراد المجتمع؛ ولذلك نراه بعد أن أعْيَاه الأمر، يكتفي بعباراتٍ تنم عن عدم يقين وخيبة أمل:

«الحق أنه في مبادلة مختلف منتجات العمل يُؤخذ أمر المشقة والبراعة في الاعتبار. غير أن التبادل لا يتوازن وفقًا لأي مقياسٍ دقيق، بل بالمساومة في السوق، التي وإن كانت غير دقيقة فهي كافية في تسيير أمور الحياة المعتادة، وهو إن كان يمكن جعله معقولًا بقَدْرٍ كافٍ، فهو ليس من طبائع الأشياء ولا يتميز بأي وضوح» («ثروة الأمم»، المصدر نفسه).

ويواصل سميث تحليله لما تُقدَّر به القيمة وينتقل من «كمية من السلعة الأخرى»، إلى «كمية من النقود»؛ لأن السلع، بعد انهيار نُظُم المقايضة، لم تعُد تُبادَل بالسلع، إنما صارت تُبادَل بالنقود وبالتالي سوف تُقدَّر القيمة بكمية النقد.١٩

«فالقصَّاب لا يحمل معه لحم البقر إلى الخبَّاز بل هو يحمل اللحم إلى السوق حيث يبادلها بالنقود ثم يستبدل بهذه النقود الخبز. ومن الطبيعي في تَصوُّره أن تُقدَّر قيمة اللحم بكمية النقد» (المصدر نفسه).

ولكن الذهب والفضة، أي النقود، كجميع السلع الأخرى تتغير قيمتهما ارتفاعًا وانخفاضًا؛ وبالتالي لا يمكن لمقياس هو نفسه محل تغيُّر أن يصلح مقياسًا لقيم السلع الأخرى، وهو ما دفع سميث إلى الرجوع مرة أخرى إلى العمل؛ لأنه وحده الذي، وكما يقول:

«لا يتغير في قيمته الذاتية» (المصدر نفسه).

ومن ثم ينتهي آدم سميث، بعد ارتباك وتردُّد، إلى أن العمل هو المقياس الحقيقي والنهائي الذي يمكن لقيم السلع كافة أن تُقارن به (مقياسًا، وتقديرًا) في كل الأزمنة والأمكنة.

وعليه، تُقاس قيمة السلعة عند سميث بكمية العمل المتجسد في السلعة الأخرى المتبَادل بها، ويكون للسوق الدور الحاسم في التسوية بين الأعمال المختلفة مشقةً وبراعةً.

٨

يمكننا الآن تحليل نظرية سميث في التوزيع؛ فالقيمة الزائدة (أي القيمة التي يضيفها العمال إلى المواد) سوف تنحل عنده إلى: أجرٍ يُدفع للعامل، وربح يستحوذ عليه الرأسمالي، وريع يُسدد للمالك العقاري؛ إذ بفضل القيمة الزائدة التي خلقها العمل تمكَّن الرأسمالي من: دفع الأجور والريع، وجني الربح:

«إن القيمة التي يضيفها العمال إلى المواد تنحل إلى جزأَين؛ الأول يُدفع كأجور لهم، والثاني هو الربح لرب العمل لقاء مجمل الرأسمال الذي دفعه للمواد والأجور. في ثمن القمح، قسمٌ يؤدِّي ريع مالك الأرض، وقسم أجور العمال، والقسم الثالث ربح المزارع. وتبدو هذه الأقسام الثلاثة بمثابة المُكَوِّنات المباشرة أو النهائية لكامل ثمن القمح. إن الثمن الكلي ينحل إلى الأقسام الثلاثة. إن ثمن أي سلع في كل مجتمع ينحل إلى جزءٍ أو آخر أو جميع هذه الأجزاء الثلاثة» («ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل السادس).

«العمال في الزراعة، بالإضافة إلى تجديد إنتاج قيمة تساوي استهلاكهم الخاص أو تساوي الرأسمال الذي يستخدمهم، يقومون بتجديد رأسمال المزارع وربحه وريع المالك العقاري بصورةٍ منتظمة» («ثروة الأمم»، الكتاب الثاني، الفصل الخامس).

ولا يذكر سميث مواد العمل وأدوات العمل إلا حين تحليله عملية الإنتاج. وهو حين ينشغل بتحليل عملية الإنتاج يشير إلى أن هناك جزءًا رابعًا، إلى جانب الأجر والربح والريع، يتعين إضافته لدفع ثمن المواد والأدوات. بيد أن هذا الجزء الرابع الذي يذكره سميث على مستوى تحليل عملية الإنتاج، لا وجود له حين تحليل توزيع الدخول؛ لأن ثمن المواد والأدوات سوف ينحل لديه إلى الدخول الثلاثة:

«وربما ذهب البعض إلى القول بأن ثمة قسمًا رابعًا يتعين وجوده كي يجدد المزارع رأسماله ويعوض ما استهلك من دوابه وأدوات الزراعة، ولكن يتعين أن نأخذ في اعتبارنا أن ثمن أي أداة من أدوات الزراعة، هو نفسه مكون من الأقسام الثلاثة نفسها» («ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل السادس).

نمطان للتوزيع إذن عند آدم سميث، لا نمطٌ واحد. الأول يتحدد بتوزيع الدخول (الأجر، والربح، والريع)، والثاني يتحدد بتوزيع قوى الإنتاج (العمل، والرأسمال، والأرض، والمواد والأدوات). وهو ما يدفعنا لتحليل العلاقة بين النمطين في محاولة للكشف عن تصور سميث لا في التوزيع فحسب، بل، وبالتالي، في تجديد الإنتاج الاجتماعي: فلنفترض أن الرأسمالي بدأ عملية الإنتاج بمجموع قيمة ١٠ وحدات، أنفق منها ٤ وحدات لشراء لقوة العمل، و٢ وحدة للمواد، و٢ وحدة للآلات، و٢ وحدة لإيجار الأرض. ولنفترض كذلك أن قيمة المنتوج الكلِّي تساوي الآتي: ١٠ وحدات (قيمة الرأسمال) + ٢٢ وحدة (قيمة أضافها العمال إلى المواد)؛ فإن الذي يُلقى في حقل التوزيع، وفقًا لمذهب سميث، هذه اﻟ ٢٢ وحدة؛ لأنها (القيمة التي يضيفها العمال إلى المواد)، وهي التي تنحل عنده إلى أجر وربح وريع على صعيد الثمن الطبيعي، ونحن هنا نُواجَه بافتراضَين:
  • الافتراض الأول: أن آدم سميث يخرج اﻟ ١٠ وحدات «المسلَّفة» من حقل التداول ويردها للرأسمالي كرأسمال مسلَّف؛ كي يحولها إلى كنز، ويجعل ١٠ وحدات من القيمة المنتَجة حديثًا تحل محلها في حقل الإنتاج كأجور ٤ وحدات، و٦ وحدات تكاليف صيانة الرأسمال الأساسي وما تم استخدامه من الرأسمال الدائر (بوجه عام: قيمة ما استخدم من وسائل إنتاج معمرة وجارية، مع الأخذ في الاعتبار دفع الريع) أما الباقي وقدره ١٢ وحدة، فسيكون من نصيب الرأسمالي كربح، وهكذا يتم الاكتناز في كل الدورات بإخراج أحد أجزاء الرأسمال من حقل التداول.
  • أما الافتراض الثاني فهو: أن سميث يرى أن القيمة المنتَجة مجددًا تستخدم في تشغيل عمالةٍ جديدة، إضافية؛ أي تستخدم في تجديد الإنتاج على نطاقٍ متسع، ومن ثم تنحل القيمة التي يضيفها العمال إلى أجور العمال الجدد. ونحن من جانبنا نُرجح الفرضية الأولى؛ لتساوقها مع مجمل البناء النظري لآدم سميث، وانسجامها بصفةٍ خاصة مع نظريته في الادخار بقصد التراكم الرأسمالي الممَكِّن من النمو المطرد.٢٠ مع الأخذ في الاعتبار أن الفرضية الثانية تُمدُّنا بفكرةٍ براقة لم تكن لتمر على ماركس كما سنرى عند دراسته لتجديد الإنتاج الموسَّع.

٩

وإذ يبني سميث مذهبه، ابتداءً من تحليله عملية الإنتاج، فهو يرى أن الإنتاج يتطلب توافُر حدٍّ أدنى من الرأسمال الذي يلج حقل الإنتاج في أشكالٍ مختلفة، منها ما هو في صورة مبانٍ وآلات ومُعَدات، ومنها ما هو في صورة موادَّ أولية أو موادَّ مساعدة، ومنها ما هو في صورة أجور٢١ تدفع للعمال الذين يقومون بتحويل المواد من خلال الآلات إلى سلع. والواقع أن سميث يُقسِّم الرأسمال على الصعيد الاجتماعي إلى ثلاثة أقسام:
  • القسم الأول: هو القسم المخصص للاستهلاك المباشر مثل المواد الغذائية … إلخ.
  • القسم الثاني: هو الرأسمال الأساسي، وهو الذي لا يتغير مالكه لا أثناء ولا عقب عملية الإنتاج. وهو يتألف من أربعة أمور: الآلات التي يستهلكها العمل، والمباني مثل المحلات التجارية والمستودعات ومخازن الغلال، والمواد التي تستخدم في تحسين الأرض وتجويد التربة، والمهارات المكتسبة بالتعلُّم.
  • أما القسم الثالث: فهو الرأسمال الدائر. وهذا القسم من الرأسمال لا يدر دخلًا إلا عن طريق التداول، أو تغيير مالكه عقب عملية الإنتاج. وهو يتألف من أربعة أجزاء: (١) وحدات النقود. (٢) خزين المؤن التي في حيازة القصَّاب والمزارع … إلخ. (٣) مواد العمل سواء كانت في حالةٍ خام أم مصنعة بهذا القدْر أو ذاك من الملابس والأثاث والمباني والتي لم تكتمل هيئتها في هذه الأشكال الثلاثة بعدُ. (٤) المصنوعات الناجزة الكاملة، ولكنها لا تزال في حيازة الرأسمالي أو التاجر.

وإذا استبعدنا رصيد الاستهلاك المباشر، فوجه الاختلاف بين الرأسمال الأساسي والرأسمال الدائر يتركز عند سميث في شرط بقاء الملكية:

«الرأسمال الدائر لا يُدرُّ دخلًا إلا عن طريق التداول أو تغيير الملَّاك» («ثروة الأمم»، الكتاب الثاني).

فمعيار التفرقة بين قسمَي الرأسمال، لدى سميث، هو مدى احتمالية تغيُّر مالك ذلك الجزء من الرأسمال الذي تجسد في السلعة عقب إنتاجها وطرحها في التداول؛ فكل سلعة من السلع المنتجة طبقًا لقانون حركة الرأسمال والمعدَّة للبيع في السوق، إنما تحتوي على مواد عمل، وقوة عمل، وأدوات عمل، والذي يمضي في التداول مواد العمل وقوة العمل، وتظل أدوات العمل على مِلك صاحبها، هي فقط تتجسد في المنتوج بنسبةٍ محددة بمقدار الاستهلاك؛ وبناءً عليه، تُعد أدوات العمل رأسمالًا أساسيًّا، في حين تُعَد مواد العمل وقوة العمل رأسمالًا دائرًا.٢٢

١٠

وابتداءً من نظريته في الفائض، وتقسيم العمل، والقيمة، يقدم آدم سميث نظريته في التجارة الخارجية. وهو يرى أن التجارة سواء أكانت داخلية أم خارجية تخضع لنفس القواعد وتحكمها ذات القوانين الموضوعية، بشرط ترك النشاط الاقتصادي في المجتمع حرًا دون تدخُّل من قبل الدولة:

«نحن نثق في أن حرية التجارة ودون أي انشغال من قِبل الحكومة سوف تزودنا دائمًا بالنبيذ الذي نحتاجه، وبالتالي يمكننا أن نثق في أنها سوف تزودنا دائمًا أيضًا بكل الذهب والفضة التي نتمكن من شرائهما أو توظيفهما إما في تداول السلع أو في أي استخداماتٍ أخرى» («ثروة الأمم»، الكتاب الرابع، الفصل الأول).

وتتبدَّى جُل مُكَوِّنات نظرية آدم سميث في التجارة الخارجية في القسم الذي خصصه للهجوم الشامل على فكر التجاريين الذين رأوا أن الهدف الأساسي للتجارة الخارجية هو الحصول على أكبر قدر ممكن من الذهب والفضة من خلال التصدير ومنع خروجهما بفرض القيود المختلفة على دخول السلع الأجنبية إلى السوق المحلية. فقد رأى سميث عكس ذلك — انطلاقًا من رفضه وَهْم ما يُسمى ميزان التبادل التجاري الذي سيطر على أذهان دعاة تقييد التجارة — وذهب إلى أن التجارة الخارجية تتحدد أهميتها لا بالاستحواذ على الذهب والفضة، كما رأى التجاريون، إنما بمدى قدرتها على تصريف الفائض من إجمالي الإنتاج الاجتماعي الذي لا يُوجد عليه طلب بالداخل؛ وبالتالي، الأشياء الفائضة وغير الضرورية، وبدلًا من إهدارها، تصبح أشياء ذات أهمية بفضل مبادلتها مع الخارج بالأشياء التي يحتاج إليها المجتمع. وبتلك المثابة لا يشكل ضيق الأسواق الداخلية أي عائق أمام تقسيم العمل في أي فرع من فروع الحِرَف أو الصناعات، ومن خلال فتح الأسواق الخارجية أمام الإنتاج الوطني يتم العمل على تشجيع الصناعات وتحسين قوى الإنتاج وبالتالي زيادة الإنتاج السنوي إلى أقصى درجة، وبالتبع زيادة دخل المجتمع وثروته الحقيقة. وفتح الأسواق أمام التجارة الحرة يحقق، في رأي سميث، النفع للجميع؛٢٣ فالبلد المصدِّر والبلد المستورد كلاهما يشكل سوقًا لفائض إنتاج الآخر، ومن ثم يتحقق النفع لجميع أطراف عملية التبادل؛ فما يُعد دخلًا لقسم من السكان في البلد «س» سوف يمثل نفقة لقسم من السكان في البلد «ص»، وما يمثل نفقة لقسم من السكان في البلد «س» سوف يمثل دخلًا لقسم من السكان في البلد «ص».٢٤

أما بالنسبة لأساس التبادل، فسميث يلتزم بنظريته في الثمن الطبيعي بجميع تفاصيلها ويجعل من الانخفاض النسبي للثمن الطبيعي أساسًا لقرار الاستيراد:

«إذا كان لدى دولةٍ أجنبية سلعة تمدنا بها بثمنٍ أقل مما لو قمنا نحن بصنعها، فالأفضل لنا أن نشتريها بقسم من إنتاج عملنا» («ثروة الأمم»، الكتاب الرابع، الفصل الثاني).

ويدع سميث الباب مفتوحًا لمن سيأتي من بعده بوضعه طريقة تفكير، سوف يكتشفها ريكاردو ويجدها في النص التالي:

«على الرغم من أن الميزان التجاري سيكون لصالح فرنسا، فإن التجارة الحرة لن تُفضي إلى الإضرار بإنجلترا، أو تعمق الخلل في الميزان التجاري إذا كان النبيذ الفرنسي أفضل وأقل ثمنًا من النبيذ البرتغالي، أو أن الأقمشة الكتانية عندها أفضل وأرخص من الأقمشة الكتانية الألمانية، فمن الأفضل لبريطانيا أن تشتري النبيذ والكتان من فرنسا بدلًا من شرائهما من البرتغال أو ألمانيا، ومع أن قيمة الواردات السنوية الفرنسية قد تزداد فإن قيمة الواردات السنوية سوف تنخفض بنسبة رخص السلع الفرنسية ذات الجودة نفسها عن سلع البلدَين الآخرَين» («ثروة الأمم»، المصدر نفسه).

ولسوف نعرف، بعد قليل، كيف عثر ريكاردو على هذه الطريقة في التفكير في هذا النص وطبَّقها. كما سنعرف كيف كان ريكاردو تلميذًا مخلصًا لسميث، وكيف تعلَّم منه طريقة إنتاج الأفكار.

١  «يُعتَبر آدم سميث المؤسس الحقيقي للمدرسة الكلاسيكية، تلك المدرسة التي كان لكتاباتها تأثيرٌ أوسعُ وعلى مدًى أطول من أي مدرسةٍ أخرى. ويمكن القول بأنه قد تجمَّعَت طائفةٌ من الظروف، بشكلٍ غير مألوف، لتكوين الوسط الذي هيأ لآدم سميث أسباب النجاح؛ فهناك أولًا المذهب الحر الجديد، والذي لم يكن مبعث الإلهام للطبيعيين بفرنسا فحسب، بل واكتسح كل ما أمامه في الدوائر الفكرية التقدمية بإنجلترا. ولقد سافر سميث نفسه إلى فرنسا وحضر ندوات الطبيعيين في مسكن فرنسوا كينيه. لقد عاش سميث في بداية الثورة الصناعية حين عَمِلَت الآلات على مضاعفة الإنتاج بسرعةٍ كبيرة. لقد بدأت الثورة الصناعية فتطلَّب النظام الجديد، أفكارًا لتبريره لا ضد الأرستقراطية الزراعية كما كانت الحال بالنسبة إلى التجارة، وإنما ضد الاحتكارات التي فرضَتْها السياسة التجارية ذاتها. لقد امتاز سميث بدقة الملاحظة مع القدرة على التعلُّم من عالم النشاط والعمل، وتميَّز كذلك بذكر الأمثال التي تُوضِّح المسائل، مما جعل الكل يُقبِلون على مطالعةِ ما يكتب، وأكسبها التقدير بصفةٍ خاصة من جانب الرجال العمليين. وفي الوقت نفسه كان سميث ذا اتجاهٍ فلسفي ممزوج بالدوافع الأخلاقية، مما مَكَّنه من صياغة أفكاره على هيئة نظامٍ منطقي في الوُسْع إثباته وتأييده.» انظر: جورج صول، «المذاهب الاقتصادية الكبرى»، ترجمة راشد البراوي (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، ١٩٦٢م)، ص٢١٠–٢١٢. وللتعرف إلى سيرة آدم سميث، انظر، على سبيل المثال: E. Cannan, “A Review of Economic Theory” (London: P. S King son, Limited, 1929). Ian Simpson Ross, “The Life of Adam Smith” (Oxford: Oxford University Press, 1995). J. Buchan, “The Authentic Adam Smith” (New York: W. W. Norton & Company, 2006). John Rae, “Life of Adam Smith” (London: Macmillan and Co. 1895). John Ramsay, “Scotland and Scotsmen in the Eighteenth Century” (Edinburgh and London: W. Blackwood and Sons, 1888). R. Heilbroner, L. Malone, “The Essential Adam Smith” (New York: W. W. Norton & Company, 1987).
٢  بالنسبة لماركس مثلًا، وبدايات تكَوُّنِه الفكري في علم الاقتصاد السياسي ابتداءً من نظريات آدم سميث، انظر على سبيل المثال: كارل ماركس، «مخطوطات ١٨٤٤»، ترجمة محمد مستجير مصطفى (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، ١٩٧٤م). بصفة خاصة مخطوطاته حول الأجور والربح والريع؛ إذ في هذه المخطوطات نجد الأَثَر الواضح للكلاسيك، بوجهٍ عام، وآدم سميث بصفةٍ خاصة، على مجمل قناعات ماركس قبل نضجه الفكري في «رأس المال».
٣  ولسوف يظل تأثير سميث موصولًا حتى رامساي (١٨٠٠–١٨٧١م)، انظر: G. Ramsay, “An Essay on the Distribution of Wealth” (Edinburgh: Adam and Charles Black, 1836), p. 12.
٤  قارب: «إن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غير موفية له بمادة حياته منه. ولو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة فلا يحصل إلا بعلاجٍ كثير من الطحن والعجن والطبخ، وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعاتٍ متعددة من حداد ونجار وفاخوري. هَبْ أنه يأكل حبًّا من غير علاج فهو أيضًا يحتاج في تحصيله إلى أعمالٍ أخرى أكثر من هذه من الزراعة والحصاد والدراس، ويحتاج كل واحد من هذه إلى آلاتٍ متعددة وصنائعَ كثيرة أكثر من الأولى، ويستحيل أن تُوفي بذلك كله أو بعضه قدرةُ الواحد.» انظر: ابن خلدون، «المقدمة»، الفصل الأول، ص٩١.
٥  وعلى الرغم من البساطة الظاهرة لهذا النص، فهو لا يخلو، في رأي ماركس، من ارتباك: «عندما يقول سميث إن العمل السنوي لكل أمة هو الرصيد الأصلي الذي يُزوِّدها بكل ما تستهلكه سنويًّا … إلخ، فإن خطأه الأول يكمن في أنه يساوي قيمة المنتوج المنتج سنويًّا بالقيمة المنتجة جديدًا خلال السنة؛ فهذه الأخيرة ليست سوى منتوج عمل السنة الماضية، أما الأولى فتتضمن بالإضافة إلى ذلك كل عناصر القيمة المستهلكة في صنع المنتوج السنوي. هذه العناصر التي تم إنتاجها في السنة الماضية، والتي تعود قيمتها فقط إلى الظهور، لم ينتجها ولم يُجدِّد إنتاجها العمل المنفَق في السنة الأخيرة.» انظر: «رأس المال»، الكتاب الثاني، القسم الثالث، الفصل التاسع عشر.
٦  وعلى الرغم من أهمية ظاهرة التخصُّص وتقسيم العمل في البناء النظري عند سميث، إلا أنه لا ينشغل بتحليل القوانين الموضوعية الحاكمة لنشأة الظاهرة، ويُرجِعها باختصار إلى أمرَين: الميل إلى المبادلة من ناحية، والمصلحة الشخصية من ناحيةٍ أخرى. انظر: آدم سميث، «ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل الثاني.
٧  «لنأخذ مثالًا من صناعة بسيطة جدًّا. إنها صناعة المسامير؛ فالعامل غير المدرب على هذه الصناعة، والتي جعلها تقسيم العمل صناعةً مستقلة، وغير المعتاد على استعمال الآلات، التي أدى تقسيم العمل إلى ابتكارها في الغالب، قد لا يتمكن، وإن بذل أقصى ما يستطيع، أن يصنع أكثر من مسمارٍ واحد في اليوم، ولكننا إذا نظرنا في الطريقة التي تُزاوَل بها هذه الصناعة اليوم، وجدنا أن العمل فيها ليس مجرد صناعةٍ محددة فحسب، بل إنه مقسم إلى عدد من الفروع التي يُشكِّل معظمها أيضًا صنائعَ مختلفة. يشد رجلٌ السلك، ويقومه رجلٌ ثانٍ، ويُقطِّعه ثالث، ويُدبِّبه رابع، ويشحذه ويُعِده لتركيب الرأس خامس. أما صناعة الرأس نفسها فتحتاج ثلاثة عملياتٍ مختلفة، فوضعه في مكانٍ عمل، وتبييض المسامير عملٌ آخر، كما أن وضع المسامير في الورقة صناعةٌ قائمة بذاتها. ولقد رأيتُ معملًا صغيرًا يعمل فيه عشرة رجال، ورأيت البعض منهم يقوم بعمليتَين أو ثلاثة. وبالرغم من أنهم غاية في الفقر وغير مزودين بالآلات الضرورية، فقد كان في استطاعتهم، أن ينتجوا تقريبًا اثني عشر رطلًا من المسامير في اليوم؛ ولذا كان في استطاعة هؤلاء العشرة الرجال أن ينتجوا أكثر من ثمانية وأربعين ألف مسمار في اليوم، فإذا ما اعتبرنا أن كل عامل يصنع عشر الثمانية والأربعين ألف مسمار، أمكننا القول إن العامل الواحد يصنع أربعة آلاف وثمانمائة مسمارٍ يوميًّا، ولكن لو أن كل واحدٍ منهم عمل بمفرده، فالمؤكد أنه لن يكون في إمكانه أن يصنع عشرين مسمارًا، ولا حتى مسمارًا واحدًا في الغالب.» انظر: آدم سميث، «ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل الأول.
٨  ولكن ريكاردو سوف يرفض قياس الثروة بكمية العمل! وهو ظاهريًّا، في الفصل العشرين من «المبادئ»، يرفض ذلك بالاستناد إلى اختلاف القيمة عن الثروة، ولكن الحقيقة أن رفضه يعود إلى أمر آخر تمامًا، وهو تحفظه، الذي سيتبلور مع أبحاثه النهائية، على اعتبار كمية العمل نفسها مقياسًا صحيحًا للقيمة! وبالتالي يرفض ريكاردو قياس قيمة القلم مثلًا، بوصفه قيمة وثروة، بكمية العمل لأنه يرى أن كمية العمل لا تصلح، بالأساس، مقياسًا ثابتًا للقيمة!
٩  انظر: «ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل الثالث.
١٠  وعلى الرغم من أن سميث يؤكد، في الكتاب الأول من «ثروة الأمم»، على أهمية وحيوية التقسيم الاجتماعي للعمل، إلا أنه يلاحظ، في الكتاب الرابع، أن تقسيم العمل نفسه من شأنه أن يجعل العمال أغبياء وكسالى! للمزيد من التفاصيل بشأن المناقشات التي دارت، ومحاولة رفع التناقض، ابتداءً من وعي سميث بأن تقسيم العمل يرفع كفاءة الإبداع في الوقت الذي يزيد شقاء الأُجراء، انظر: E. West, “Adam Smith’s Two Views on the Division of Labour”, Economica Journal, Vol 31, Feb 1964, pp. 23–32. N. Rosenberg, “Adam Smith on the Division of Labour: Two Views or One?” Economica, Vol. 32, May, 1965, pp. 127–39.
وفي النظرية العامة لتقسيم العمل الاجتماعي بعد سميث، انظر: إميل دركهايم، «في تقسيم العمل الاجتماعي»، ترجمة حافظ الجمالي، مجموعة الروائع الإنسانية،«الأونسكو» (بيروت: اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، ١٩٨٢م). بصفة خاصة الفصل الأول من الكتاب الثاني. وانظر نقد ماركس الموسع في: «بؤس الفلسفة: رد على فلسفة البؤس لبردون»، ترجمة حنا عبود (دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر، ١٩٨٦م).
١١  «لا ترد عبارة اليد الخفية إلا ثلاث مرات فقط فيما يزيد على المليون كلمة التي وصلت إلينا من كتابات سميث»، انظر: James Buchan, “The Authentic Adam Smith”. op, cit, p. 24.
فالواقع أن اصطلاح «اليد الخفية» ليس بالمصطلح الشائع في كتابات سميث؛ كما يظن البعض، فهو يظهر لأول مرة في كتاب «نظرية المشاعر الأخلاقية» في الفصل الأول من القسم الرابع، انظر: Adam Smith, “The Theory of Moral Sentiments” (London: A. Millar, 1790). Part IV
Part IV: Of the Effect of Utility upon the Sentiment of Approbation.
ثم يظهر مرة أخرى في «ثروة الأمم»، في الفصل الثاني من الكتاب الرابع، انظر: Adam Smith, “Wealth of Nations”, op, cit, Book IV: Of Systems of political Economy.
ولم أعثر على موضع آخر ذُكر فيه المصطلح، حتى في المحاضرات التي دونها تلاميذ آدم سميث، وذلك إذ ما استثنينا موضع العبارة في تاريخ علم الفلك، التي كانت مجازًا عن الإله المدبر.
١٢  قارب: «… فصار يسعى في نفع نفسه بنفع غيره فحصل الانتفاع للمجموع بالمجموع وإن كان كل أحدٍ إنما يسعى في نفع نفسه. كُل عملٍ كان فيه مصلحة الغير في طريق مصلحة الإنسان في نفسه كالصناعات والحِرَف العادية كلها وهذا القسم في الحقيقة راجع إلى مصلحة الإنسان واستجلابه حظه في خاصة نفسه وإنما كان استجلاب المصلحة العامة فيه بالعرض.» انظر: إبراهيم بن موسى الشاطبي الغرناطي، «الموافقات»، تحقيق عبد الله دراز، ومحمد عبد الله دراز (بيروت: دار الكتب العلمية، ٢٠٠٤م)، ص١٧٩.
١٣  يستخدم سميث أربعة مصطلحات متعلقة بالثمن، وهي: الثمن الحقيقي، والثمن الاسمي، والثمن الطبيعي، وثمن السوق. أما الثمن الحقيقي، وهو يقترب في ذهن سميث من الثمن الطبيعي، فهو مقدار العناء والتعب والجهد الذي يبذله الإنسان في سبيله للحصول على سلعةٍ ما. والثمن الحقيقي على هذا النحو يتقوم بكمية ضروريات الحياة وكمالياتها التي تُبذل بدلًا عنها، على حين أن الثمن الاسمي يتقوم بكمية النقود. [قارب ما اشترطه الفقهاء في العمل المأجور من تعب وكلفة: اللبودي (القرن السادس عشر) «فضل الاكتساب وأحكام الكسب وآداب المعيشة». في: «رسالتان في الكسب»، تحقيق سهيل زكار (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر، ١٩٩٧م)، ص١٦٤]. أما الثمن الطبيعي، فهو الثمن المطابق لريع الأرض وأرباح الرأسمال وأجور العمال؛ فعندما يكون ثمن أي سلعة ليس أكثر أو أقل مما هو كافٍ لدفع ريع الأرض وأجور العمل وأرباح الرأسمال المستثمر في إنشائها، وإعدادها، ونقلها إلى السوق، وفقًا للنسب الطبيعية لهذه الثلاثة، فالثمن الذي تُباع به السلعة يُسمى ثمنها الطبيعي. أما ثمن السوق، فهو الثمن الفعلي، الجاري، الذي تُباع به أي سلعة عادةً، وقد يكون أعلى من ثمنها الطبيعي، أو أدنى منه، أو مساويًا له. ثمن السوق إذن يتقلب ارتفاعًا وانخفاضًا حول الثمن الطبيعي للسلعة. وقوانين السوق هي التي تنهض بمهام المطابقة بين الثمنَين.
١٤  ولقد أضاف سميث: أن أشياء ذاتَ قيمةِ استعمالٍ عالية جدًّا يمكن أن تكون قيمة مبادلتها قليلة أو منعدمة مثل الماء! وبالعكس، يمكن أن تكون هناك أشياء ذاتُ قيمة استعمالٍ قليلة أو معدومة ولكنها ذاتُ قيمةِ مبادلة مرتفعةٍ جدًّا مثل الماس! هنا نجد شبه اتفاق، غير مقنع في تصوري، بين شراح تاريخ الفكر الاقتصادي على أن هذا المثل يمثل صعوبة واجهها سميث ولم يتمكن من تجاوزها! انظر: Lewis Haney, “A History of Economic Thought” (New York: Macmillan Company, 1936), pp. 217–22.
وللمزيد من التفصيل حول التأصيل التاريخي للانشغال بلغز القيمة، بصفة خاصة في الفكر الإيطالي، وبالأخص لدى دافانزاتي وجالياني، راجع: Schumpeter, “History of Economic Analysis”, op, cit, pp. 167-8.
١٥  ثمَّة رأيٌ قديم، مهجور، يرى أن آدم سميث استَبعَد الريع من مُكَوِّنات الثمن الطبيعي للسلعة؛ إذ ذهب هذا الرأي إلى أن آدم سميث حين طبع كتابه أول مرة سنة ١٧٧٦م كان يرى: «أنه يُوجد عنصرٌ آخر يجب ملاحظته في الثمن وهو أُجرة الأرض، ويلزم أن تزداد القيمة التبادلية للصنف حتى يتسنى لمن يعرض هذا الصنف في السوق أن يقوم بسداد أُجرة الأرض.» ولكنه حذف العبارة بعد ذلك! ويُرجِع هذا الرأي ذلك إلى الانتقاد الذي أرسله له هيوم، ومؤداه أن أُجرة الأرض، أي الريع لا دخل لها مطلقًا في «ثَمَن» الأشياء! محمد فهمي حسين، «مبادئ الاقتصاد السياسي» (القاهرة: مطبعة السعادة، ١٩٠٨م)، ج١، ص١٧٢. والواقع أن سميث فعلًا تلقَّى انتقاد صديقه دافيد هيوم، وهو نقدٌ صحيح؛ إذا كان قصد هيوم «قيمة» الأشياء إلا أنه لم يثبت أن سميث قام بأي تعديلات في هذا الشأن، وظل النص الأصلي، والصحيح (والذي تقبله ريكاردو، حرفًا وروحًا، كما سنرى)، كما هو بين أيدينا الآن دون حذفٍ لأيٍّ من مُكَوِّنات الثمن الطبيعي.
١٦  للمزيد من التفصيل حول الادعاء بعدول سميث إلى نظرية في نفقة الإنتاج، انظر: E. Cannan, “A Review”, p. 454., p. 212. Schumpeter,“History”, pp. 167-8.
١٧  انظر: «ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل السادس. وانظر نقد ماركس: «رأس المال»، الكتاب الثاني، الفصل التاسع عشر.
١٨  «زمن الإنتاج» و«زمن العمل» عند ماركس فيما بعدُ. ولسوف نتعرف إلى المصطلحين في الفصل الثالث.
١٩  «وتجد النقود مادتها في الذهب والفضة.» انظر: آدم سميث، «ثروة الأمم»، الكتاب الأول، الفصل الخامس. يضل سميث هنا طريق بحثه؛ ويخلط بين القيمة والثمن.
٢٠  قارن: Maurice Dobb, “Theories of Value and Distribution since Adam Smith, Ideology and Economic Theory” (Cambridge: Cambridge University press, 1973). pp. 38–65.
٢١  ويقوم العمال، بواسطة الأجور، بشراء الوسائل المختلفة لمعيشتهم. نلاحظ هنا أن سميث يُغْفِل ذكر الجهد نفسه، والذي يبذله العمال، عند قيامه بتعداد الأجزاء المكونة للرأسمال الدائر ويذكر بدلًا منه الأجر الذي يُعطى مقابل هذا الجهد ولذلك سوف نراه، بعد قليل بالمتن، يُغْفِل ذكر قوة العمل عند تَعداده للأجزاء التي تؤلِّف الرأسمال الدائر. ويعود ذلك إلى سببَين؛ الأول: أن آدم سميث والكلاسيك بوجهٍ عامٍّ يُغفِلون الفارق الجوهري بين شراء الرأسمالي لعمل العمال وشرائه لقوة عملهم. وهو ما سوف ينتبه إليه ماركس على الرغم من أنه وقع في نفس الخطأ في كتاباته المبكرة. أما السبب الثاني، فهو: أن سميث يخلط بين الرأسمال السلعي والرأسمال الدائر؛ لذا فإن الرأسمال المتجسد في المنتوج يبدو، لديه، في شكل السلع التي يشتريها العامل بأجره؛ أي في شكل وسائل المعيشة. قارن: ماركس، «رأس المال»، الكتاب الثاني، الفصل العاشر.
٢٢  انظر: آدم سميث، «ثروة الأمم»، الكتاب الثاني، الفصل الأول. وقارن: G. Ramsay, “An Essay on the Distribution”, op, cit, Ch II, p. 43.
J. S. Mill, “Principles of Political Economy” (London: Longmans, Green & Co, 1909). Book I-II, pp. 93–8.
٢٣  لا يعني سميث بالنفع أو الكسب ازدياد كمية الذهب والفضة فحسب، بل يعني زيادة القيمة التبادلية للإنتاج السنوي للأرض والعمل، أو ازدياد الدخل السنوي للسكان. انظر: «ثروة الأمم»، الكتاب الرابع، الفصل الأول.
٢٤  وبما أن السلع المتبادلة، وفق فرضية سميث، تكون ذات قيمٍ متساوية، والرساميل الموظفة كذلك متساوية، فالدخل والنفقة اللذان يتيحهما توزيع الفائض في البلدَين يكونان متكافئَين تقريبًا. انظر: «ثروة الأمم»، الكتاب الرابع، الفصل الثاني.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠