الفصل الثاني

نقد موضوعات دافيد ريكاردو

١

يتقدم ريكاردو بالاقتصاد السياسي خطوةً إلى الأمام على صعيد موضوع العلم محل انشغاله، أو على الأقل يُعيد النظر في موضوع الاقتصاد السياسي عند سميث ويتجاوزه؛ فلقد رفض ريكاردو اعتبار الاقتصاد السياسي علمًا منشغلًا بالبحث في طبيعة وأسباب الثروة، كما كان يرى سميث، معتبرًا أن الإشكالية الأساسية في علم الاقتصاد السياسي تتركَّز في تحديد القوانين التي تُنظِّم عملية توزيع القيمة التي يخلقها العمل؛ أي الكشف عن القوانين الموضوعية التي تحكم توزيع القيمة بين الطبقات الاجتماعية المشاركة، وربما غير المشاركة، في عملية الإنتاج، وهي طبقة الملَّاك العقاريين وطبقة الرأسماليين وطبقة العمال:

«إن المشكلة الأساسية في الاقتصاد السياسي هي تحديد القوانين التي تُنظِّم التوزيع. وعلى الرغم من الكتابات المهمة لترجو وستيوارت وسميث وساي وسيسموندي، والتي طوَّرَت الاقتصاد السياسي كعلم، إلا أنها لا تُقدِّم إلا القليل عن المسار الطبيعي للريع والربح والأجور» («مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب»، مقدمة الطبعة الثالثة، ١٨٢١م).١
وإذ يُرجع ريكاردو، على طريقة سميث، دخول السكان، تحديدًا: الأجر والربح، إلى مصدرٍ واحد هو العمل، فإنه يصل إلى أن مصالح الطبقات تتناقض مع بعضها، ولكن هذا التناقض ليس في حقل الإنتاج فحسب، وإنما كذلك في حقل التوزيع؛ حيث يجري في الأخير الصراع بين الطبقات على اقتسام المنتوج الاجتماعي الصافي. وعلى الرغم من وجه الاختلاف بين سميث وريكاردو على هذا النحو٢ فإن كلًّا منهما يصدر في تحليله لموضوع العلم محل انشغاله عن نظرية في القيمة.

٢

وعلى صعيد المنهج، وابتعادًا عن التوصيف، فالتجريد هو طريقة التفكير التي تلقاها ريكاردو عن سميث، وغيره من الأسلاف الكلاسيك بوجهٍ عام، وقد عمل دائمًا على مناقشة الظواهر، محل بحثه، عند أعلى مستويات التجريد٣ دون اللجوء إلى الطريقة الوصفية التي كان يستخدمها سميث إلى جانب التجريد.

٣

وإذ يبدأ ريكاردو مما انتهى إليه سميث، فهو يقتفي أثره في خمسة أمورٍ مركزية:
  • (١)
    في حين انتهى سميث إلى أن قيمة السلعة تتحدد بكمية العمل المبذول في سبيل إنتاج السلعة الأخرى المتبادل بها، وبالتالي تصبح السلعة ذات قيمتَين؛ الأولى طبقًا لكمية العمل الضروري المنفَق في إنتاجها، والثانية وفقًا لكمية العمل الضروري المبذول في إنتاج السلعة الأخرى، فقد أراد ريكاردو تجاوز هذه الثنائية، مقررًا، على الأقل في المراحل الأولى من تفكيره في «المبادئ»، أن القيمة٤ تتحدد بكمية العمل النسبي؛ أي تتحدد بكمية العمل الضروري المبذول في السلعة المعنية مقارنةً بكمية العمل الضروري المبذول في سبيل إنتاج السلعة الأخرى المتبادل بها. وهو يصر على إبراز موقفه في هذا الصدد، رافضًا أن يُنسب إليه غير ذلك، فيقول:

    «من الضروري الانتباه إلى أنني لم أقل إن سلعة أُنفق في سبيل إنتاجها ١٠٠٠ جنيه، وأخرى ٢٠٠٠ جنيه، تصبح قيمة إحداهما ١٠٠٠ والثانية ٢٠٠٠، إنما قلت بأن قيمتهما إلى بعضهما البعض هي اثنان إلى واحد، وبهذا التناسب تتم المبادلة بينهما.» («المبادئ»، الفصل الأول، القسم السادس).

    الظاهر من نص ريكاردو أنه يراجع سميث وينتقد نظريته في القيمة، ولكن الحقيقة أن نقد سميث لم يكن يشغل ذهن ريكاردو؛ إنما الذي كان يشغله هو السؤال الذي لم يجد له إجابة أبدًا، وهو: لماذا يكون الأجر أقلَّ من القيمة التي يخلقها العمل؟ وبالتالي حرص على عدم الاهتمام بالقيمة المطلقة والانشغال بالقيمة النسبية، والسبب: أن العامل يخلق سلعة قيمتها ٨ ساعات مثلًا، ولتكن كيلوجرام من القمح، ولكنه يتلقَّى في مقابل ذلك، كأجر، سلعة لا تزيد قيمتها مثلًا عن ٤ ساعات من العمل، ولتكن كيلوجرام من الأرز.٥ فلو طبق ريكاردو قانون القيمة فسيجد خللًا؛ لأننا في هذه الحالة سنعطي العامل ٤ ساعات عمل (كيلو أرز) في مقابل ٨ ساعات عمل (كيلو قمح)! أي إننا سنكون أمام ٨ ساعات = ٤ ساعات، وهو ما يخالف قانون القيمة؛ ولذا، لجأ ريكاردو إلى تحديد قيمة مبادلة السلعة، ودائمًا، مقارنةً بالسلعة الأخرى؛ وعليه، تصبح قيمة الكيلوجرام من القمح مقدرة بكمية العمل النسبي المبذول في إنتاجها. أي تصبح قيمة القمح بالنسبة للأرز تساوي ١:٢. وعلى ما يبدو أن هذا المخرَج النظري كان مريحًا لريكاردو، على الرغم من أنه لم يحل له أبدًا مشكلة عدم التكافؤ بين الرأسمال والعمل.
  • (٢)

    يقيس ريكاردو، مثل سميث، القيمة بكمية العمل. بيد أنه يرى أن القيمة لا تُقاس بكمية العمل المنفَق في سبيل إنتاج السلعة المعنية، ولا بكمية العمل المنفَق في سبيل إنتاج السلعة الأخرى المتبادل بها، إنما تقاس، وكما ذكرنا، بكمية العمل النسبي؛ أي مقارنةً بكميات العمل المبذول في سبيل إنتاج السلعتَين محل التبادل. وهو يعتد، وكما ذكرنا أيضًا، بكمية العمل المبذول في سبيل إنتاج الذهب كمقياسٍ عام:

    «حيث يمكن للذهب أن يُعتبر سلعةً تُنتج بأجزاء من الرأسمال الأساسي والدائر الأقرب للكمية الوسطى الموظفة في إنتاج جُل السلع فيمكن أن تكون هذه الأجزاء بعيدة بنفس المسافة من الحد الأقصى لكل من الرأسمال الأساسي والدائر بحيث تشكل معدَّلًا وسطيًّا» («المبادئ»، الفصل الأول، القسم السادس).

    وإذا كان هذا هو رأي ريكاردو في الفصل الأول، وعلى أفضل تقدير في الفصول الأولى من كتاب «المبادئ»، فإن هذا الرأى سوف يكون محل شك من قِبل ريكاردو نفسه، في الفصل العشرين، حين يجد نفسه مضطرًّا إلى الاعتراف بأن الذهب، أو الذرة، أو العمل، مثلهم مثل الفحم الحجري أو الصابون … إلخ، لا يمكن اعتبارهم مقياسًا ثابتًا للقيمة. ويقرر أن العلم، حينما يتطور، ربما يقدم لنا هذا المقياس الثابت. ولقد رأينا، في الفصل السادس من الباب الأول، أن العلم قد تطور الآن فعلًا وتمكَّن من تقديم المقياس ووحدة القياس الثابتَين في الكالوريميتر والسُّعر الحراري.

  • (٣)
    يفرق ريكاردو، مثل سميث، بين أنواع الأثمان، وبصفةٍ خاصة بين الثمن الطبيعي وثمن السوق، وهو يُعمِّم هذه التفرقة على جميعِ ما يُباع ويُشترى في السوق من سِلع. وطالما أن «قوة العمل»٦ سلعة تُباع في سوق العمل لمن يشتريها في مقابل الأجرة، فإن الثمن الطبيعي لقوة العمل هو الذي يكون ضروريًّا لتمكين العمال من العيش وإدامة عرقهم، دون زيادة أو نقصان، إنما يعني حدَّ الكفاف. وحينما تطرح قوة العمل كسلعة في السوق نكون أمام ثمن قوة العمل في السوق. وثمن السوق عند ريكاردو، مثل سميث، يخضع في تقلُّباته لقوى السوق، ولكن هذه التقلبات ارتفاعًا وانخفاضًا إنما تتم حول الثمن الطبيعي. والحد الضروري من وسائل المعيشة عند ريكاردو، كما سيكون عند ماركس، ليس ثابتًا وإنما يتأثر بشروطٍ اجتماعية وتاريخيةٍ تُحدِّد مُكَوِّناته.

    «العمل مثل جميع الأشياء التي تباع وتشترى، يكون له ثمنٌ طبيعي وثمن في السوق، أما الثمن الطبيعي فهو الذي يكون ضروريًّا لتمكينِ العمال من العيش وإدامة عرقهم دون زيادة أو نقصان، وإن قوة العمل اللازمة لإعالة العامل وأُسرته وإنجاب المزيد من العمال لا تعتمد على كمية المال الذي يدفع كأجور، إنما تعتمد على كمية المواد الغذائية والضرورية والراحة المعتادة التي يمكن شرائها بتلك النقود، والثمن الطبيعي للعمل يعتمد على عادات وتقاليد البشر» («المبادئ»، الفصل الخامس).

  • (٤)

    يقارن ريكاردو، مثل سميث، بين العمل البسيط والعمل المركب: ولم تعد مشكلة الاختلاف في الشدة والبراعة تقف أمامه عائقًا حين المبادلة، إنما صار يمكن المقارنة، وفقًا للسوق، بين الكمية «س» من العمل البسيط والكمية «ص» من العمل المركب. ولكن دون أن يصل، كما لم يصل سميث، إلى القانون الموضوعي الذي يحكم المقارنة بين نوعَي العمل.

  • (٥)
    يؤمن ريكاردو، كما سميث، بأن قيمة السلعة تنظمها كمية العمل المبذول في سبيل إنتاجها، وإن أي تغيُّر في كمية العمل الذي تحتوي عليه السلعة يستصحب، مباشرة، التغيُّر في قيمة السلعة. ولكن، أي نوع من العمل؟ الإجابة عن هذا السؤال ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالوعي بتطور أفكار ريكاردو نفسه بوجهٍ عام٧ وتطور الأفكار في كتاب «المبادئ» بوجه خاص؛ فبعدما انتهى ريكاردو إلى تحديد قيمة السلعة بكمية العمل الضروري النسبي المبذول في إنتاجها، رأى أن تلك القيمة لا تتوقف فقط على العمل الضروري النسبي المنفَق مباشرة في إنتاجها، إنما يأخذ في الاعتبار أيضًا العمل الضروري النسبي المنفَق في سبيل إنتاج المباني والأدوات الضرورية لتحقيق هذا العمل؛ ومن ثَم، تتساوى قيمة السلعة التي تحتوي على ٤ ساعات من العمل الحي، و٦ ساعات من العمل المختزن، مع قيمة السلعة التي تحتوي على ساعتَين من العمل الحي، و٨ ساعات من العمل المختزن. القيمة عند ريكاردو، تتكون إذن من (العمل الحي + العمل المختزن) وتنتظم، في مرحلةٍ أولى من تفكيره، على أساس كمية العمل الضروري المبذول في الإنتاج.

«القاعدة العامة التي تنظم قيمة المادة الخام والسلع المصنعة تنطبق ذاتها على المعادن؛ فقيمتها لا تعتمد على معدل الأرباح أو الأجور أو الريع المستحق للمالك، بل على الكمية الكلية للعمل اللازم لاستخراج المعدن وإيصاله إلى السوق» («المبادئ»، الفصل الثالث).

وحينما يتغلغل ريكاردو في تحليله النظام الرأسمالي يُضطر إلى إجراء مجموعة من التعديلات، ربما الجوهرية، فيما يخص تكوين القيمة من جهة، ومنظمها من جهةٍ أخرى؛ فبعدما قرر ريكاردو أن قانون القيمة يحكم التبادل في المجتمعات كافة، وجد أمامه إشكالية على درجةٍ عالية من الأهمية، وهي نفس الإشكالية التي واجهت سميث وجعلته يطور في مذهبه العام. تتلخص تلك الإشكالية في أن التبادل في المجتمعات البدائية كان يخلو من مطالبة الرأسمال بنصيبه في تكوين القيمة وتنظيمها؛ فالرجل الذي اصطاد الثعلب في ٣ ساعات عمل باستخدام حربة أنفق في سبيل إنتاجها ٧ ساعات عمل، سوف يبادل طريدته تلك بالأرنب الذي تكلف اصطياده ٥ ساعات من العمل الحي، و٥ ساعات من العمل المختزن في القوس والسهم. ولكن مع المجتمع الحديث، المجتمع الرأسمالي، يجد ريكاردو أن كمية العمل ليست بمفردها التي تنظم القيمة إنما يجب أن يُضاف إليها عائد الرأسمال، الربح، وهو التصور الذي تبلور في رسالته التي أرسلها إلى ماك كولوخ وأفصح له فيها عن نيته، إذا تمكن من إعادة كتابة الفصل المنشغل بتحليل القيمة، أن يعيد بناء تصوره عن منظم القيمة على أمرَين: أولًا: كمية العمل النسبي، وثانيًا: معدَّل الربح.٨

وفي مرحلةٍ ثالثة من مراحل تطوره الفكري، يخالف ريكاردو مذهبه ومنهجه، وينتهي إلى أن القيمة لا تنتظم بالعمل والربح، بل أن:

«نفقة إنتاج الذرة تُنظِّم ثمنها، وهذا يعني أن ما يرفع من نفقة إنتاجها سوف يرفع من الثمن وما يخفضه سوف يخفض الثمن كذلك» («المبادئ»، الفصل التاسع).

«نفقة الإنتاج هي التي يجب أن تنظم ثمن السلعة في النهاية. خفض نفقة إنتاج القبعات ينخفض ثمنها في نهاية المطاف إلى الثمن الطبيعي الجديد» («المبادئ»، الفصل الثلاثون).

وعلى هذا النحو، ينتقل ريكاردو من نظرية العمل في القيمة إلى نظرية في نفقة الإنتاج.٩ وهو بالتالي يُدخل الضرائب في هذه النفقة، بل ويصل إلى نتيجةٍ غاية في الغرابة وهي أن الضرائب ترفع من قيمة السلعة:

«أن ضريبة الذرة ترفع قيمتها بما يتناسب مع الضريبة.» («المبادئ»، الفصل التاسع).

ولكن، الضريبة ليست عملًا حيًّا ولا مختزنًا، ولا زائدًا، ولا تتجسد بالتالي في المنتوج؛ ومن ثَم لا علاقة لها بالقيمة. إنما هي، ظاهريًّا، محض اقتطاعٍ نقدي من الربح وربما أُضيفت أحيانًا إلى نفقة إنتاج السلعة، ولكنها لا تدخل في قيمتها. والذي يتحملها على «مستوى تحقيق الربح» على صعيد تحليل الكل الاقتصادي هو الرأسمالي.

نلاحظ هنا أن ريكاردو وعلى الرغم من تقدمه خطوةً مهمة في سبيل الكشف عن العمل المختزن، ومن ثَم صارت مُكَوِّنات القيمة، وبالتالي منظمها، في طريقهما للاكتمال؛ إذ أضحت مكونة من «العمل الحي» + «العمل المختزن»، إلا أنه لم يستطع استكمال مُكَوِّنات القيمة بعدم وصوله إلى «العمل الزائد»، الذي سيصل إليه ماركس عند أعلى مستويات التجريد الذي تعلمه من ريكاردو نفسه.

٤

ويشرع ريكاردو في إدخال عنصر الزمن في تحليله القيمة:١٠

«هناك قيمةٌ إضافية بجب إضافتها للتعويض عن الوقت المستلزم حتى تصل السلعة إلى السوق» («المبادئ»، الفصل الأول، القسم الرابع).

فنحن نعرف أن ريكاردو انتهى، على الأقل في الفصل الأول من «المبادئ»، إلى أن قيمة السلعة تنتظم بكمية العمل، وحين مبادلة تلك السلعة بسلعةٍ أخرى فإن التبادل يتم على أساس عدد ساعات العمل النسبي الضروري المبذول في سبيل إنتاجها (العمل الحي) بالإضافة إلى عدد ساعات العمل النسبي الضروري المبذول في سبيل إنتاج الرأسمال الموظف في سبيل هذا الإنتاج (العمل المختزن)؛ ومن ثم يصبح السؤال الذي يتعين إثارته هنا، واتصور أنه ثار في ذهن ريكاردو، وجُل مفكري الكلاسيك، هو: كيف يمكن المبادلة، ووفقًا لقانون القيمة، بين النبيذ الذي استغرق صنعه ٦٠ ساعة من العمل الحي و٦٠ ساعة من العمل المختزن، وظل في القبو لمدة ١٢٠ يومًا قبل أن ينتقل إلى السوق، وبين الفخار الذي استغرق صنعه ٦٠ ساعة من العمل الحي و٦٠ ساعة من العمل المختزن، وظل في التجفيف لمدة ٦٠ يومًا فقط قبل أن ينتقل إلى السوق؟

فالسلعتان، النبيذ والفخار، وليكن ٦٠ لترًا من النبيذ، و٦٠ إناءً من الفخار، استغرق إنتاج كلٍّ منهما ١٢٠ ساعة عمل؛ أي نفس كمية العمل؛ ومن ثَم يكون من المتعيَّن مبادلتهما، وفقًا لقانون القيمة، بنسبة ١:١، أي: نبادل لترًا واحدًا من النبيذ بإناءٍ واحد من الفخار. ولكن، أليس للزمن هنا اعتبار؟ فما الذي يجعل صاحب النبيذ يستمر في الإنتاج إذا لم يحصل على مكافأة الانتظار مدةً إضافية حتى نضج منتجه؟ وما الذي، كذلك، يجعله ينتظر ٦ أشهرٍ إضافية، دون الحصول على دخلٍ إضافي في صورة فائدة أو ربحٍ إضافي؟

ولذلك، وجد ريكاردو أهمية في إدخال عنصر الزمن:

«أن السلع التي تتساوى كميات العمل الداخل فيها ستختلف قيمتها التبادلية إذا لم تصل في الوقت نفسه إلى السوق. ثَمَّة قيمةٌ إضافية للتعويض عن الوقت الذي يستلزم حتى تصل السلعة إلى السوق وقيمة هذا الوقت طويلًا كان أم قصيرًا» («المبادئ»، الفصل الأول، القسم الرابع).

وعلى الرغم من أن ريكاردو وصل إلى مرحلةٍ غاية في الأهمية في علم الاقتصاد السياسي حينما أدرك مبكرًا أن التحليل يخلو من عنصر الزمن، وأن للزمن الدور الحاسم في تكوين قانون القيمة، إلا أنه لم يفلح أبدًا في الكشف عن القانون الموضوعي الذي يحكم، وفقًا لقانون القيمة، تبادُل السلع التي تختلف أزمنة إنتاجها مكتفيًا بافتراض مكافأة انتظار قدرها ١٠٪. وبلا أن نعرف لم ١٠٪، وليس ٩٪ أو ١١٪؟١١ والواقع أن علم الاقتصاد السياسي بأَسْره، حتى ماركس، لم يُقدم إجابةً صحيحة، وفقًا لقانون القيمة، عن كيفية تبادُل السلع التي تختلف أزمنة إنتاجها، وهو ما سوف نعالجه لاحقًا حينما نناقش موضوعات كارل ماركس. ولنعُدِ الآن إلى ريكاردو لنُحلِّل نظريته في التوزيع.

٥

فعلى صعيد التوزيع، يعتنق ريكاردو نفس نظرية سميث، لكنه يستبعد الريع؛ فالقيمة التي يخلقها العمل تنحل لديه إلى ربح العمل المختزن، وأجر العمل الحي:

«ينقسم كامل قيمة السلعة إلى جزأَين فقط: واحد يشكل أرباح الرأسمال، والآخر أجور للعمال» («المبادئ»، الفصل السادس).١٢
ولكي نفهم حقيقة استبعاد الريع، يجب أن نعي أن ريكاردو، حينما أراد الكشف عن القوانين الحاكمة للريع،١٣ كان يقصد بالريع التعويض الذي يُدفع لمالك الأرض مقابل استخدام قوى الأرض الأصلية والتي تبقى سليمة دون تدميرها أو إهلاكها. وهو على هذا النحو لا يقصد الريع المطلق الذي يحصل عليه مالك الأرض بغض النظر عن الخصوبة أو الموقع، وإنما يقصد الريع الفرقي، وهو الريع، الإضافي، الذي يحصل عليه مالك الأرض لأن أرضه تتمتع بميزةٍ نسبية عن الأراضي الأخرى. ريكاردو في الواقع يفترض أن لا وجود لأي ريع غير الريع الفرقي.
فلو افترضنا وجود أربع قطع من الأرض: «أ»، و«ب»، و«ﺟ»، و«د»، تُزرع قمحًا على سبيل المثال، ولكنها تتدرج في الخصوبة إذ تُعد القطعة «أ» الأعلى خصوبة، وتعد القطعة «د» الأدنى خصوبة. وجميع القطع تنتج نفس الكمية من القمح، وليكن ٢٥٠ إردبًا، ولكن كلَّما قلَّت خصوبة الأرض كلَّما تم الاستعانة بوحداتٍ أكبر من العمل؛ فالأرض «أ» تحتاج إلى ٥ وحدات من العمل، والأرض «ب» تحتاج إلى ١٠ وحدات عمل، والأرض «ﺟ» تحتاج إلى ١٥ وحدة عمل، أما الأرض «د»، وهي الأقل خصوبة، فتحتاج إلى ٢٠ وحدة عمل. وبالتالي لن تُباع كمية القمح وفقًا لكمية العمل الضروري المبذول في الأرض «أ»، أو «ب»، أو «ﺟ»، إنما طبقًا لكمية العمل المبذول في أقل الأراضي خصوبة، وهي قطعة الأرض «د» التي تستهلك ٢٠ وحدة عمل؛ وعليه، وبافتراض أن كل وحدة من وحدات العمل تحصل على وحدة واحدة من النقود كأجر، فسيكون ثمن قمح القطعة «أ» ٥ وحدات. وثمن قمح القطعة «ب» ١٠ وحدات. وثمن قمح القطعة «ﺟ» ١٥ وحدة. أما ثمن قمح القطعة «د» فسيكون ٢٠ وحدة. ولأن الثمن لا بد وأن يكون واحدًا في السوق، فسوف يبيع الجميع قمحهم بالثمن الذي يُباع به قمح الأرض «د»، وهو ٢٠ وحدة؛ وحينئذٍ سيحصل مالك الأرض «أ» على ١٥ وحدة كريعٍ فرقي، ويحصل مالك الأرض «ب» على ١٠ وحدات، كريعٍ فرقي، ويحصل مالك الأرض «ﺟ» على ٥ وحدات، كريعٍ فرقي، أما صاحب الأرض «د» فلا يحصل على أي ريعٍ فرقي. وعلى هذا النحو ينقسم كامل قيمة السلعة، عند ريكاردو، إلى قسمَين فحسب أحدهما يشكل أرباح الرأسمال والآخر أجور العمال. أما الريع الفرقي فسوف يقوم المزارع بنقل عبئه إلى المستهلك.١٤ الريع إذن لا يدخل في تكوين الثمن الطبيعي للقمح؛ فهو ليس تعويضًا عن عملٍ حي أو عملٍ مختزن أو حتى عملٍ زائد. فمزارع الأرض «أ» على سبيل المثال، وبرأسمالٍ مكون من ٥ وحدات أنتج ٢٥٠ إردبًّا من القمح، ولم يُنتِج سواها. وعند بيع القمح سوف يقوم المزارع بإضافة الريع الفرقي وقدره ١٥ وحدة إلى ثمن المنتوج الذي لم يكلفه سوى ٥ وحدات فحسب. هذه الإضافة يتحملها المستهلك ويحصل عليها المالك العقاري. وثمن القمح على هذا النحو، لا ينتظم لدى ريكاردو بكمية العمل المبذول في الأرض «أ» ولا بالعمل بالمبذول في الأرض «ب» أو في الأرض «ﺟ» وإنما ينتظم بكمية العمل المبذول في الأرض الأخيرة، الحدِّية؛ أي الأرض «د»، التي لا يُدفع لها أي ريعٍ فرقي.

٦

ويلتزم ريكاردو بالخط المنهجي الذي وضعه سميث بشأن التفرقة بين الرأسمال الأساسي والرأسمال الدائر، إلا أنه يعتمد معيارًا مختلفًا؛ فعلى حين رأى سميث أن معيار التفرقة بين الرأسمال الأساسي والرأسمال الدائر يتوقف، وكما ذكرنا، على مدى بقاء الملكية، يعتمد ريكاردو معيارًا يرتكز على معدَّل الاستهلاك، أو الديمومة: فإذا كان ذلك الجزء من الرأسمال مما يُستهلك في وقتٍ قصير، أو يُستهلك كليًّا في فترةٍ وجيزة، مثل الجزء المدفوع كأجرة، فإن ذلك يُعد من قبيل الرأسمال الدائر، أما إذا كان مما يطول استخدامه في الوظيفة التي تم إعداده لأجلها، كالمباني والآلات، فإننا نكون، وكما يقول ريكاردو، أمام رأسمال أساسي،١٥ مع ملاحظة أنه لا يحدثنا عن المواد الأوَّلية أو المساعدة!
«يُصنَّف الرأسمال إلى أساسي ودائر وفقًا لسرعة الاستهلاك؛ فالرأسمال الأساسي مثل المباني والآلات هو قيمة تتمتع بالدوام، أما الرأسمال الدائر فهو الذي يُستخدم في دفع الأجور التي تُنفَق على المواد الغذائية والملابس والسلع القابلة للاستهلاك أكثر من المباني والآلات» («المبادئ»، الفصل الأول، القسم الرابع).١٦
وعلى طريقة سميث في التفكير، يحاول ريكاردو وضع نظرية في التبادل الدولي؛ فهو ينطلق من نفس فرضيات سميث حيث ميل الرأسماليين إلى الاستثمار في بلادهم ورفضهم التخلي عن عاداتهم والارتحال إلى بلاد ذات حكومات لا يعرفون طباعها ويجهلون أحكام قوانينها.١٧ ويرتب ريكاردو على ذلك نتيجة مفادها اقتناع الرأسمالي بمعدَّلات ربحٍ أقل وتفضيله البقاء في بلده عن البحث عن توظيفٍ أفضل لثروته في بلدانٍ أجنبية. وعلى الرغم من أن ريكاردو يقدم نظريته، المستندة إلى فكرة سميث كما سنرى، ابتداءً من طرحٍ تحكمي، سنبحثه حالًا، إلا أن تصوره، وبكل ما يحمله من ارتباك وغموض، سوف يحتل مكانةً بارزة في تفسير التبادل الدولي؛ فحينما انشغل سميث بتحليل التجارة الخارجية توصل إلى فكرة خلاصتها أن البلد قد يتاجر مع بلدٍ آخر ويحقق خسارة، ومع ذلك يجد أن من مصلحته الاستمرار في هذه التجارة! طبق سميث بالفعل فكرته على التبادل بين إنجلترا وفرنسا والبرتغال وألمانيا؛ فقد رأى سميث أن مصلحة إنجلترا، على الرغم من أن الميزان التجاري لصالح فرنسا، تتحقق بالمزيد من التبادل مع فرنسا؛ وذلك إذا كان النبيذ الفرنسي أفضل وأرخص من النبيذ البرتغالي، والنسيج الفرنسي أفضل وأرخص كذلك من النسيج الألماني، فمن الأفضل لإنجلترا أن تشتري النبيذ والكتان من فرنسا بدلًا من شرائهما من البرتغال أو ألمانيا. ومع أن قيمة الواردت الفرنسية السنوية قد تزداد فإن قيمة تلك الواردات السنوية سوف تنخفض بنفس «نسبة» رخص السلع الفرنسية، ذات الجودة الأعلى والثمن الأقل عن سلع البلدَين الآخرَين. يفهم ريكاردو الفكرة جيدًا ويحاول تطبيقها. والمثل١٨ الذي يضربه، انطلاقًا من افتراض صعوبة انتقال رءوس الأموال من دولة إلى أخرى، يتلخص في أن البرتغال متفوقة على إنجلترا في إنتاج كلٍّ من النبيذ والنسيج؛ إذ تكفيها ٨٠ وحدة عمل لإنتاج وحدةٍ واحدة من النبيذ، مقابل ١٢٠ وحدة في إنجلترا. كما تكفيها ٩٠ وحدة عمل لإنتاج وحدةٍ واحدة من النسيج، مقابل ١٠٠ وحدة عمل في إنجلترا. والبرتغال على هذا النحو أكثر تفوقًا، نسبيًّا، في إنتاج النبيذ مما هي في إنتاج النسيج، بالنظر إلى النسب ٩٠ : ١٠٠، و٨٠ : ١٢٠؛ وبالتالي رأى ريكاردو أن مصلحة البرتغال، من وجهة نظر المجتمع، تتحقق حينما يتخصص في إنتاج النبيذ وفي الحصول على النسيج من إنجلترا. كما أن مصلحة إنجلترا تتحقق بتخصصها في إنتاج النسيج والحصول على النبيذ من البرتغال؛ إذ على الرغم من أن إنتاج النسيج يكلف البرتغال أقل مما يتكلف في إنجلترا، فستجد البرتغال أن تصدير النبيذ (٨٠ وحدة عمل) إلى إنجلترا، والحصول في المقابل على النسيج (٩٠ وحدة عمل) من شأنه أن يوفر لها «١٠ وحدات عمل»؛ لأنها سوف تحصل على وحدة النسيج ﺑ ٨٠ وحدة عمل فحسب بدلًا من أن تتكلف ٩٠ وحدة. أما إنجلترا فستجد مصلحتها في أن تصدر النسيج (١٠٠ وحدة عمل) إلى البرتغال وتحصل في المقابل على النبيذ؛ لأنها في هذه المبادلة ستوفر ٢٠ وحدة عمل؛ إذ بدلًا من إنفاقها ١٢٠ وحدة عمل في سبيل إنتاج النبيذ ستقوم بتقديم ١٠٠ وحدة عمل فحسب، هي التي يتضمنها النسيج، وتحصل على النبيذ. وكل هذا يعني في مذهب ريكاردو أن النبيذ البرتغالي، الذي يتكلف ٨٠ وحدة عمل، سوف يُبادل بالنسيج الإنجليزي الذي يتكلف ١٠٠ وحدة عمل؛ أي إن التبادل الدولي سيكون غير متكافئ!

وعلى هذا النحو يصل ريكاردو إلى نتيجةٍ جوهرية، سوف يؤمن بها الاقتصاد السياسي من بعده أو على الأقل سوف يعتد بإطارها العام مع اختلاف التفسيرات والأسانيد؛ هذه النتيجة هي أن التبادل الدولي محكوم بقوانين تختلف عن تلك التي تحكم التبادل الداخلي من جهتَي منظم القيمة ومحددها:

«القيمة النسبية للسلع التي يتم تبادلها بين بلدَين أو أكثر لا تنظمها نفس القاعدة التي تنظم القيمة النسبية للسلع في البلد الواحد. إن كمية النبيذ التي ستقدمها البرتغال مقابل نسيج إنجلترا لن تتحدد بكمية العمل الكائنة في كلٍّ من السلعتَين كما لو أن السلعتَين أُنتجتا في إنجلترا أو في البرتغال» («المبادئ»، الفصل السابع).

فلنرجع إلى مثال ريكاردو، ونبحث العلاقة بين السلعتَين في البلد الواحد؛ أي العلاقة بين النبيذ والنسيج البرتغاليَّين، والعلاقة بين النبيذ والنسيج الإنجليزيَّين، ثم العلاقة بين كل سلعة من السلعتَين في كل بلد من البلدَين. وفقًا لريكاردو لدينا قاعدة ذات ثلاثة أجزاء، يقول الجزء الأول منها إن:

«عمل ١٠٠ إنجليزي لا يُبادل بعمل ٨٠ إنجليزيًّا» («المبادئ»، الفصل السابع).

وإعمالًا لهذا الجزء الأول من القاعدة، والذي يتطابق مع قانون القيمة، فلن تُبادل وحدةٌ واحدة من النبيذ البرتغالي الذي يتكلف ٨٠ وحدة عمل، بوحدةٍ واحدة من النسيج البرتغالي الذي يتكلف ٩٠ وحدة عمل، وإنما سيتم التبادل وفقًا لقانون القيمة بنسبة ٨٠ : ٩٠ أي إن وحدةً واحدة من النبيذ البرتغالي سوف تُبادل ﺑ ٠٫٨٨ وحدة تقريبًا من النسيج البرتغالي، وهذا تبادلٌ متكافئ.

كذلك الأمر بصدد النبيذ والنسيج الإنجليزيَّين؛ فلن تُبادل وحدةٌ واحدة من النبيذ الإنجليزي الذي يتكلف ١٢٠ وحدة عمل بوحدةٍ واحدة من النسيج الإنجليزي الذي يتكلف ١٠٠ وحدة عمل، وإنما سيجري التبادل، وفقًا لقانون القيمة أيضًا، بنسبة ١٢٠ : ١٠٠ أي أن وحدةً واحدة من النبيذ الإنجليزي ستُبادل ﺑ ١٫٢٠ وحدة من النسيج الإنجليزي. وهذا أيضًا تبادلٌ متكافئ. فأين إذن التبادل غير المتكافئ؟ الواقع أن التبادل غير المتكافئ يبدأ وينتهي مع الجزء الثاني من القاعدة الذي يقول:

«يمكن أن يبادل عمل ١٠٠ إنجليزي بعمل ٨٠ برتغاليًّا أو ٦٠ روسيًّا أو ١٢٠ هنديًّا» («المبادئ»، الفصل السابع).

وفقًا لهذا الجزء الثاني من القاعدة، والذي لا يستند إلى أي سببٍ معقول، يتقرر مبدأ التبادل غير المتكافئ كإمكانية، ولكن لِمَ عمل ١٠٠ إنجليزي لا يُبادل بعمل ٨٠ إنجليزيًّا، ويُبادل بعمل ٨٠ برتغاليًّا أو ٦٠ روسيًّا أو ١٢٠ هنديًّا؟ يجيب ريكاردو بالجزء الثالث والأخير من القاعدة:

«يمكن شرح ذلك بسهولة من خلال تحديد الصعوبة التي تواجه تحرك الرأسمال بين بلد وآخر» («المبادئ»، الفصل السابع).

حسنًا، علمنا الآن أن التبادل الداخلي متكافئ، ولكنه غير متكافئ على الصعيد الخارجي! لماذا؟ لأن التبادل الداخلي محكوم بقانون القيمة، أما التبادل الخارجي، لدى ريكاردو، فمحكوم بالصعوبات التي تواجه حركة الرساميل عَبْر الحدود الدولية! هكذا يطرح ريكاردو نظريته في التبادل الدولي! ولنلاحظ أن التبادل بين النبيذ البرتغالي الذي يتكلف ٨٠ وحدة عمل، وبين النسيج الإنجليزي الذي يتكلف ١٠٠ وحدة عمل، لم يأتِ نتيجة استخلاصٍ معقول أو ترتيبٍ منطقي، بل جاء تحكميًّا ومخالفًا للمنطق نفسه؛ فالبرتغال، في مثال ريكاردو، لم تعُد تنتج النسيج بمجرد تخصصها في إنتاج النبيذ، وعليها الآن أن تتزود بالنسيج الإنجليزي الذي يتكلف ١٠٠ وحدة عمل، وفي المقابل تصدِّر لإنجلترا النبيذ الذي يتكلف لديها ٨٠ وحدة عمل. ويتم التبادل على هذا النحو بنسبة ١ : ١. أي وحدة من النسيج مقابل وحدة من النبيذ. ولكن هذا الفرض غير واقعي من جهة، ويخالف قانون القيمة، دون سندٍ سائغ، من جهةٍ أخرى:
  • (١)
    فهو غير واقعي لأن الرساميل، ربما، لن تنتقل من إنجلترا إلى البرتغال لإنتاج النبيذ والنسيج، وهذا هو السند الذي يشيد عليه ريكاردو نظريته بأسرها، ولكن النبيذ والنسيج البرتغاليَّين نفسهما سوف ينتقلان إلى إنجلترا لجني المزيد من الأرباح الناشئة عن اختلاف القيمة الاجتماعية في كلٍّ من البلدين.١٩ فتاجر النبيذ البرتغالي يستطيع أن يبيع نبيذه في إنجلترا ﺑ ٨٥ وحدة ويجنى ٥ وحدات ربحًا إضافيًّا. كما يمكن لتاجر النسيج البرتغالي أن يبيع نسيجه في إنجلترا ﺑ ٩٥ وحدة ويجني بالتالي ربحًا إضافيًّا قدْره ٥ وحدات كذلك. وذلك كله دون انتقال الرساميل من إنجلترا إلى البرتغال.٢٠
  • (٢)

    وفقًا لقانون القيمة يجب أن يأتي التبادل بين السلعتَين؛ أي بين النبيذ البرتغالي والنسيج الإنجليزي بنسبة ٨٠ : ١٠٠ أي ٠٫٨ : ١، وليس ١ : ١، وتُؤخذ في الاعتبار، وطبقًا لقانون القيمة أيضًا، جميع الصعوبات المشار إليها كنفقات الشحن والنقل ومصاريف انتقال الرساميل عَبْر الحدود وتغيُّر التكاليف … إلخ، ولا يُوجد أي مبررٍ مفهوم، أو حتى غير مفهوم، لجعل التبادل يتم بين النبيذ البرتغالي (٨٠ وحدة عمل) والنسيج الإنجليزي (١٠٠ وحدة عمل) بنسبة ١ : ١ أي على نحوٍ غير متكافئ! إلا أن يتم افتراض، وبطريقةٍ تحكمية دون سند من واقع، أن التبادل بين النبيذ البرتغالي والنسيج الإنجليزي يجري، وعلى نحوٍ غير متكافئ، بنسبة ١ : ١. وهذا بالتحديد ما فعله ريكاردو، وسار خلفه علم الاقتصاد السياسي خلال مائتي عام. ولسوف نعود لمناقشة موضوع التبادل غير المتكافئ حينما نناقش موضوعات كارل ماركس.

١  انظر: ريكاردو، «المبادئ»، مقدمة طبعة جون مورَّاي، لندن؛ إذ سقطت هذه الفقرة في طبعة نيويورك. وفي رسالته إلى مالتس في ٩ أكتوبر ١٨٢٠م، كتب: «الاقتصاد السياسي ليس عبارة عن بحث في طبيعة وأسباب الثروة، بل يجب أن نسميه بحثًا في القوانين التي تحدد تقسيم ناتج الصناعة بين الطبقات التي اشتركت في تكوينه.»
٢  الواقع أن الاختلاف، فكريًّا، بين ريكاردو وسميث بشأن موضوع الإشكالية الأكثر أهمية في الاقتصاد السياسي إنما هو انعكاسٌ مباشر لحركة الواقع؛ فسميث حين كتب «ثروة الأمم» إنما كان يعيش في عصر الثورة الصناعية، والمرحلة الصاعدة للرأسمالية، وكانت المشكلة الأساسية تتركز آنذاك في تنظيم الإنتاج ونموه، بينما جاء ريكاردو كي يعايش مرحلةً تالية أخذت فيها مشكلة توزيع ثروة الأمم تحتل مكانة متميزة على صعيد الواقع والفكر معًا، وكانت المشكلة الأساسية وربما الوحيدة حينئذٍ، هي مشكلة تنظيم الدخول المختلفة على صعيد الاقتصاد القومي بين: طبقة الرأسماليين كطبقةٍ جديدة ناشئة وطبقة الملَّاك العقاريين كطبقةٍ راسخة اجتماعيًّا؛ فالتعارض كان واضحًا وشرسًا بينهما؛ فقد تبلور الصراع بين رجال الصناعة، الأغنياء الجدد، الذين يريدون خفض أثمان المنتجات الزراعية كيلا يُضطروا لدفع الأجور المرتفعة حتى تتناسب مع ارتفاع أثمان غذاء الشغيلة الأجراء، وبين رجال الزراعة الذين يرغبون في رفع أثمان هذه المنتجات الزراعية، ومن ثم رفع أثمان الغذاء، لتحقيق أقصى ربح؛ وعليه، ثارت في هذه المرحلة التاريخية المناقشات الحامية حول تنظيم استيراد وتصدير الغلال في إنجلترا، واكتسبت هذه القوانين أهميةً خاصة حين نجح كبار ملاك الأرض في استصدار قانون سنة ١٨١٥م الذي يُخضع الغلال المستوردة لضريبةٍ جمركية. وهو ما أدى إلى الارتفاع في المستوى العام لأثمان المواد الغذائية؛ وهو ما أثار بدوره الطبقة العاملة التي طالبت برفع أجورها، الأمر الذي انعكس بالتبع على أرباح الرأسمال، أو هكذا ظهر الأمر! كل ذلك أدى في الواقع إلى مناقشات ومعاركَ فكريةٍ مفتوحة، اشترك فيها كبار المفكرين آنذاك ومنهم دافيد ريكاردو. وكانت هذه المناقشات تجسيدًا مباشرًا لتناقض المصالح بين كبار ملَّاك الأراضي من ناحية، وبين العمال ورجال الصناعة من ناحيةٍ أخرى، كما كانت مظهرًا للخلاف بين أنصار حرية التجارة الخارجية من جانب، وأنصار تقييدها من جانب آخر. انظر: صول، «المذاهب»، ص٦١. هيلبرونر، «الفلاسفة»، ص٩٨. وللمزيد من التفصيل حول طبيعة الصراع الاجتماعي في هذه المرحلة، والمناقشات التي دارت آنذاك، انظر: “Malthus on the corn Laws: Classical Economics”, The Critical Reviews 1802–1815, Volume IV: 1813–1815, Ed: Donald Rutherford (London: Routledge, 1996), pp. 1781–93. “Encyclopaedia Britannica, Corn Laws and Corn Trade”, Vol VII, pp. 427–52, “The Collected Works of John Ramsay McCulloch” (London: Routledge, 1995). Asa Briggs, “The Age of Improvement, 1783–1867” (London: Routledge, 1999).
٣  «حينما نقارن ريكاردو بسميث أو مالتس نجد أن ريكاردو قدم تغييرًا مؤثرًا في المنهج؛ فلقد كان سميث تطبيقيًّا كان يبدأ من ملاحظاته الخاصة المتنوعة ويخرج منها باستنتاجاته. أما ريكاردو فكان نظريًّا، وهو يبدأ من رأيٍ واضح، أو يبدو أنه كذلك ويستكمل المسير عن طريق المنطق إلى استنتاجٍ معقول ظاهريًّا، أو ربما إلى استنتاجٍ حتمي، وكان ذلك منهجًا يمكن أن يجذب اهتمام رجال الاقتصاد بعد ذلك؛ لأنه لا يحتاج إلى وفرة في المعلومات، ويمكن عند الضرورة أن يكون منفصلًا عن الواقع الجافِّ أو غير المريح.» انظر: John Kenneth Galbraith, “A History of Economics: The Past as the Present” (Penguin Books, 1987), p. 81.
والتصور الذي نفترض سلامته هو الذي يفحص طريقة ريكاردو بالاقتراب أكثر من روح الاقتصاد السياسي عند ريكاردو نفسه. الاقتصاد السياسي كعلم يهدف إلى الكشف عن «القوانين الموضوعية» التي تحكم التوزيع، وهو الأمر العسير علميًّا بدون التجريد. بدون العلو بالظاهرة، محل البحث، عن كل ما هو ثانوي؛ ﻓ «ريكاردو هو رجل المنطق والمفكر النظري الذي يجرد من كل العوامل الثانوية التي تنحرف بالذهن عما هو جوهري في الظاهرة، وذلك بقصد التوصل إلى الأفكار الرئيسية، مستخدمًا أساسًا الاستنباط كطريقة للاستخلاص المنطقي، أما طريقة سميث في التحليل فهي طريقة نيوتن؛ أي التوصل إلى حقائق بسيطة عن طريق التعميم الذي يؤدي به إلى الفكرة المركبة؛ باختصار يستخدم سميث الاستقراء.» بتصرفٍ يسير عن: بارتولي، «تاريخ الفكر الاقتصادي»، مذكور في: دويدار، «المبادئ»، ص١٩٦.
٤  من المهم الوعي بأن ريكاردو يقرر أن القيمة تعتمد على أمرَين: الندرة، وكمية العمل. وهو يحدد حقل انشغال الاقتصاد السياسي بالأمر الثاني فحسب؛ أي السلع التي تكتسب قيمتها من العمل، لا من الندرة. ثم يتقدم خطوةً أكثر أهمية حين يقرر أن المنفعة شرط قيمة المبادلة (يقصد القيمة) وليست مقياسًا لها كما ظن سميث الذي تصور أن المنفعة تُؤخذ في الاعتبار حين قياس القيمة؛ فلقد أوضح ريكاردو أن الأشياء كي تكون ذات قيمةٍ تبادلية (يقصد القيمة) يُشترط أن تكون ذات منفعة مهما كانت ندرة السلعة ومهما كانت كمية العمل الضروري المبذول في إنتاجها. ولكن، هذه المنفعة يتوقف دورها عند هذا الحد، دون أن تصبح المنفعة مقياسًا للقيمة؛ فقد كتب ريكاردو: «المنفعة ليست مقياس القيمة، على الرغم من أنها ضرورية للغاية؛ فالسلعة التي لا تحقق منفعة هي سلعةٌ مجردة من قيمة المبادلة، مهما كانت ندرتها ومهما كانت كمية العمل المبذولة في إنتاجها.» انظر: ريكاردو، «مبادئ الاقتصاد السياسي»، الفصل الأول. ولكن ما انتهى إليه ريكاردو أيضًا غير صحيح! لأن المنفعة، وكما ذكرنا في الفصل السادس، ليست شرط القيمة. المنفعة هي شرط القدرة على التبادل، أما شرط القيمة فهو العمل.
٥  «وعلى الرغم من الحجج التي يسوقها ريكاردو على نحوٍ يتوافق مع نظريته في القيمة؛ إذ يرى أن قيمة العمل الذي يشتريه الرأسمالي تعينها كمية العمل المتجسد في السلع التي تكون حدَّ كفافِ العامل، فإنه يجد نفسه مضطرًّا، وفورًا، إلى مواجهة الصعوبة التي واجه إياها سميث؛ فطبقًا لنظرية كمية العمل ينطوي تبادل السلع على تبادل مقاديرَ متساوية من العمل. بيد أن هذا التعادل يبدو أنه يزول حينما يجري التبادل بين الرأسمال والعمل، فالأجور الحقيقية التي تُؤدَّى إلى العامل؛ أي السلع التي يشتريها، ذات قيمةٍ أصغر من السلع التي ينتجها للرأسمالي.» انظر: Eric Roll, “History of Economic Thought” (London: Faber and Faber, 1973), p. 125.
٦  لا يستخدم ريكاردو هذا المصطلح بدلالته التي سوف يُقدِّمها ماركس، ولقد ذكرناه بالمتن لاعتبارات الشرح.
٧  ابتداءً من التأثُّر بآدم سميث، وﺑ «ثروة الأمم» بوجهٍ خاص، مرورًا بما اكتسبه من أفكار بمناسبة المناقشات القوية المستمرة والتي دارت بشأن قوانين الغلال، وانتهاءً بنضجه الفكري نتيجة استفادته من الجدل الصاخب الدائر بينه وبين كبار مفكري الكلاسيك آنذاك وفي مقدمتهم مالتس وماك كولوخ، حول إشكاليات الاقتصاد السياسي النظرية والواقعية، وفي مقدمتها مسائل القيمة والتوزيع، للمزيد من التفصيل، انظر: J. H. Hollander, “The Development of Ricardo’s Theory of Value”, Quarterly Journal of Economics, Vol. 18, August 1904, pp. 455–91.
٨  في اتجاهه إلى اعتبار معدل الربح/عائد الرأسمال أحد أجزاء منظم القيمة إلى جانب كمية العمل، وقبل أن يتبلور اتجاهه هذا في الطبعة الثالثة من «المبادئ»، انظر رسالته إلى ماك كولوخ: “I sometimes think that if I were to write the chapter on value again which is my book, I should acknowledge that the relative value of commodities was regulated by two causes instead of by one, namely, by the relative quantity of labour necessary to produce the commodities in question, and by the rate of profit for the time that the Capital remained dormant, and until the commodities were brough to market. Perhaps, I should find the difficulties nearly as great in this view of the subject as in that which I have adopted”. “Letters of David Ricardo to John Ramsay McCulloch, 1816–1823”. ed.Hollander (New York, 1895), pp. 71-2.
٩  قارب: «أن الثمن الطبيعي الذي يتألف من تكاليف الإنتاج، أو بتعبيرٍ آخر، من الرأسمال المنفَق في إنتاج أو صنع السلعة لا يمكن أن يحتوي على معدل الربح. إذا أنفق المزارع مائة كيلو من الحبوب في زراعة حقل وجنى منه بالمقابل مائة وعشرين كيلو، فإن العشرين كيلو من الحبوب تؤلف ربحًا، وسيكون من السخف تسمية هذه الزيادة أو هذا الربح جزءًا من النفقة. إن رب العمل ينفق كميةً معينة من المواد الأولية وأدوات العمل ووسائل المعيشة، ويحصل بالمقابل على كميةٍ معينة من السلع الناجزة ويتعين أن يكون لهذه السلع قيمةٌ تبادلية أعلى من قيمة المواد الأولية والأدوات ووسائل المعيشة التي بفضل تسليفها تم صنع السلع المذكورة.» تورنس، «إنتاج الثروة»، ص٣٤٩. ماركس، «رأس المال»، الكتاب الثالث، الفصل الأول.
١٠  في رغبته إدخال الزمن النسبي الذي تستغرقه السلعة قبل طرحها في السوق، ابتداءً من التفرقة بين الرأسمال الأساسي والرأسمال الدائر، انظر رسالته إلى ماك كولوخ: “After the best consideration that I can give to the subject, I think that there are two causes which occasion variations in the relative value of commodities: 1 st the relative quantity of labour required to produce them; 2nd, the relative times that must elapse before the result of such labour can be brought to market. All the questions of fixed Capital com under the second rule”. “Letters of David Ricardo”, op, cit, pp. 65–7.
١١  خارج قانون القيمة، قدَّم صامويلسون شرحًا جبريًّا محاولًا إقحام الفائدة (لا الزمن) في سبيل حل المشكلة، انظر: P. Samuelson, “The Collected Scientific Papers of Paul Samuelson”, Vol. 1 (Cambridge: The MIT Press, 1972), ch, 31-2.
١٢  «ينسى ريكاردو أن المنتوج بأكمله لا ينقسم إلى أجورٍ وأرباحٍ فقط، بل إن هناك جزءًا آخر ضروريًّا للتعويض عن الرأسمال الأساسي.» انظر: رامساي، «توزيع الثروة»، المصدر نفسه، ص١٧٤.
١٣  وهي القوانين المستقاة بطبيعة الحال من الأسلاف الكلاسيك، بصفةٍ خاصة وليم بتي، للمزيد من الشرح والنقد، انظر: G. Stigler, “The Ricardian Theory of Value and Distribution”, J.P.E, Vol. 60. June 1952. K. Marx, “Theories of Surplus Value” (Moscow: Progress Publishers, 1978), Part II pp. 236–44. M. Dobb, “Theories of Value”, pp. 65–96. A. Sinha, “Theories of Value from Adam Smith to Piero Sraffa” (London: Routledge, 2010), pp. 76–83.
١٤  «لا المُزارع، ولا الصناعي، يضحيان بأي جزءٍ من منتجهما كريع. عبء الريع يقع دومًا على عاتق المستهلك، وليس على المزارع.» انظر: ريكاردو، «المبادئ»، الفصل السادس.
١٥  انظر: ريكاردو، «المبادئ»، الفصل الأول، القسم الرابع.
١٦  «إن السيد ريكاردو يتحاشى، بذكاءٍ بالغ، صعوبة تهدد بتقويض مذهبه القائل بأن القيمة تتوقف على كمية العمل المنفَق في الإنتاج؛ ولذلك يجعل السيد ريكاردو، بضربةٍ بارعة، قيمة العمل تتوقف على كمية العمل اللازمة لإنتاج الأجور؛ أو إذا أردنا إعطاءه مزية استخدام كلماته بالذات فإنه يرى أن قيمة العمل تُقدَّر وفقًا لكمية العمل اللازمة لإنتاج الأجور وهذا يضارع القول بأن قيمة القماش تُقدَّر لا وفقًا لكمية العمل المكرَّسة لإنتاجها بل وفقًا لكمية العمل المكرَّسة لإنتاج الفضة التي يُبادَل بها القماش.» انظر: س. بيلي، «دراسة انتقادية حول طبيعة ومقاييس وأسباب القيمة»، لندن، ١٨٢٥م. وانظر كذلك: ماركس، «رأس المال»، الفصل السابع عشر.
١٧  «كل شخص يسعى دومًا لاستثمار رأسماله قرب بيته قدْر طاقته وبالتالي يريد الاندماج في العمل المحلي بشرط حصوله على أرباحٍ عادلة لأمواله أو قريبة من الأرباح العادية.» انظر: آدم سميث، «ثروة الأمم»، الكتاب الرابع، الفصل الأول.
١٨  انظر: ريكاردو، «المبادئ»، الفصل السابع. وفي شرح النظرية تفصيلًا، واختبارها رياضيًّا، انظر على سبيل المثال: P. Kenen, “The International Economy” (Cambridge University Press, 2000), pp. 44–69.
١٩  ريكاردو، «المبادئ»، الفصل السابع.
٢٠  انظر بحثنا: «نقد التبادل غير المتكافئ»، مجلة الغدير، بيروت، العدد ٧٤، شتاء ٢٠١٧م. ولا يتفق هذا النظر مع المنطق والواقع فحسب، بل وكذلك يتساوق مع مجمل مذهب ريكاردو نفسه؛ فوفقًا لريكاردو: لو أن ثمن البرميل من النبيذ في إنجلترا ٥٠ جنيهًا، وثمن كمية من النسيج ٤٥ جنيهًا، وثمن البرميل من النبيذ في البرتغال ٤٥ جنيهًا، وثمن كمية من النسيج ٥٠ جنيهًا، فإن النبيذ سوف يصدَّر إلى إنجلترا بربحٍ قدْره ٥ جنيهات، ونفس قدْر الربح سيتحقق حينما يصدَّر النسيج من إنجلترا إلى البرتغال. انظر: ريكاردو، «المبادئ»، المصدر نفسه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠