الفصل الرابع

الطرح الهيكلي للقيمة الزائدة

لنفترض أن المجتمع، في لحظةٍ تاريخية معينة، وفي إطار ظروفٍ اجتماعية محددة، يدخل عملية الإنتاج على صعيد «الكل» الاقتصادي ﺑ ٣٠ مليار وحدة من النقد، موزَّعة بين القطاعات الإنتاجية الثلاثة التي يتكون منها الهيكل الاقتصادي (أي: الزراعة، والصناعة، والخدمات) بواقع ١٠ مليارات وحدة لكل قطاع، ويتم توزيع هذه المليارات العشرة داخل كل قطاع كالآتي: ٤ مليارات للرأسمال المتغير (م). و٦ مليارات للرأسمال الثابت (ث)، توزَّع كالتالي: ٣ مليارات للرأسمال الأساسي (أ)، و٣ مليارات للرأسمال الدائر (د)؛ ومن ثَمَّ سيكون لدينا على صعيد «الكل» الاقتصادي:
  • قطاع الزراعة: ٤ الرأسمال المتغير + ٣ الرأسمال الأساسي + ٣ الرأسمال الدائر = ١٠ مليارات.
  • قطاع الصناعة: ٤ «م» + ٣ «أ» + ٣ «د» = ١٠ مليارات.
  • قطاع الخدمات: ٤ «م» + ٣ «أ» + ٣ «د» = ١٠ مليارات.
ولكن لدينا هنا مشكلة، وكأن جزءًا من النص مفقودٌ؛ فلقد بدأ المجتمع عملية الإنتاج ﺑ ٣٠ مليار وحدة، وفي نهاية العملية لم يزل لدينا نفس اﻟ ٣٠ مليار وحدة! أي إن المجتمع هنا لم يستفد من عملية الإنتاج على الإطلاق؛ فلم يحقق أي قطاع من قطاعات الهيكل أي ربح، بل ولربما خسر المجتمع طاقةً إنتاجية قائمة، وأهدر ثروةً اجتماعية، وبدَّد مواردَ مهمة. وأقصى ما أمكن تحقيقه، اجتماعيًّا، في المثل أعلاه هو تداول اﻟ ٣٠ مليار وحدة بين أعضاء المجتمع منتجين ومستهلكين، بائعين ومشترين؛ فالعمال، في القطاعات الثلاثة، سيشترون ﺑ ٩ مليارات السلع والخدمات التي أنتجتها القطاعات الثلاثة، وبذلك هم يعيدون قيمة قوة عملهم إلى الرأسماليين الذي اشتروا منهم السلع والخدمات. كما سوف يشتري الرأسماليون ﺑ ٢١ مليارًا باقي السلع والخدمات وقيمتها ٢١ مليارًا؛ أي إن النقود ٣٠ مليارًا = السلع ٣٠ مليارًا. المجتمع إذن، وكما ذكرنا، لم يستفد أيَّ شيء.١ بل مثل هذه الطريقة قد تؤدي إلى إفقاره وليس نموه؛ فعدد السكان يتزايد وكمية السلع والنقود والرأسمال ثابتة! ولا يتم تحقيق أي ربح! وإن أمكن «تحقيق أزمة»، وكما افترضنا أن المثل يخص اقتصاد مجتمعٍ ما، فيمكننا أن نفترض أن المثل يصدق على اقتصاد العالم بأَسْره؛ فهو يبدأ السنة الإنتاجية بعددٍ معين من وحدات الرأسمال، وفي نهاية السنة يجد بين يدَيه نفس الكم من الوحدات! فلا أرباح، ولا تراكم، ولا تجديد إنتاج اجتماعي … إلخ، فكيف يمكن إذن حل هذه المشكلة على صعيد المجتمعات المحلية أو على الصعيد العالمي؟
ربما فكر الرأسماليون؛ حلًّا لهذه المشكلة، في أن يبيعوا السلعة بأغلى مما كلفهم إنتاجها٢ لغيرهم من الرأسماليين وللعمال. حسنًا، فلنساير أصدقاءنا، ولننقل بحثنا من مستوى الهيكل إلى مستوى القطاعات متخذين من القطاع الصناعي حقلًا للتحليل ولنفترض أن المجتمع، في لحظةٍ تاريخية معينة، وفي إطار ظروفٍ اجتماعية محددة، بدأ عملية الإنتاج على مستوى إنتاج وسائل الإنتاج، ومستوى إنتاج مواد الاستهلاك، على النحو التالي:
  • فرع إنتاج وسائل الإنتاج: (بالمليار وحدة، وبافتراض أن القيمة الزائدة ١٠٠٪).

    الرأسمال: ٣ «ث» + ١ «م» = ٤ مليارات وحدة.

    المنتوج السلعي: ٣ «ث» + ١ «م» = ٤ مليارات وحدة في هيئة وسائل إنتاج.

  • فرع إنتاج مواد الاستهلاك: (بالمليار وحدة، وبافتراض أن القيمة الزائدة ١٠٠٪).

    الرأسمال: ٤ «ث» + ٢ «م» = ٦ مليارات وحدة.

    المنتوج السلعي: ٤ «ث» + ٢ «م» = ٦ مليارات وحدة في هيئة مواد استهلاك.

فلنفترض الآن أن الرأسماليين المنتجين لوسائل الإنتاج قرروا أن يبيعوا سلعتهم بأغلى مما كلفهم إنتاجها بمقدار ٥٠٠ مليون وحدة، ولكن، هذا الافتراض يعني أن الرأسماليين الذين ربحوا اليوم ٥٠٠ مليون وحدة سيلتزمون غدًا برد ما ربحوه؛ فرأسماليو فرع مواد الاستهلاك الذين دفعوا لتوهم ٥٠٠ مليون وحدة لرأسماليي فرع وسائل الإنتاج، سوف يرفعون بدورهم ثمن سلعتهم؛ بائعين إياها بأغلى مما كلفهم إنتاجها على الأقل بمقدار ٥٠٠ مليون وحدة من أجل استرداد ما سلبه منهم رأسماليو فرع وسائل الإنتاج. رأسماليو فرع مواد الاستهلاك إذن لم يربحوا شيئًا، بل ولسوف يخسر، في نهاية المطاف، جميع الرأسماليين؛ لأن الذين باعوا اليوم بأزيد من تكلفة الإنتاج عليهم غدًا أن يردوا ما أخذوه، ولكنهم لن يستطيعوا ذلك؛ لأنهم يحتاجون إلى إيراد كي يعيشوا؛ وبالتالي؛ فما أخذوه لن يردوه كما هو؛ لقيامهم باستهلاك هذا القَدْر أو ذاك منه، فهم لن يردوا اﻟ ٥٠٠ مليون وحدة التي أخذوها من منتجي مواد الاستهلاك لأنهم حينما قبضوها أنفقوا، في فرعهم، جزءًا منها على استهلاكهم الشخصي، وليكن ١٥٠ مليون وحدة ستخصص للاستهلاك، ولم يعُد معهم إلا الباقي منها وقدره ٣٥٠ مليون وحدة، وعليهم الآن، لردِّ ما قبضوه، إما السحب من رصيد الاحتياط لديهم، وإما الاستدانة من القطاع المصرفي؛ ولأنهم لن يُعوِّضوا خسائرهم أبدًا؛ فسوف يتآكل رصيد الاحتياط، كما سيتعرض القطاع المصرفي الذي يقوم بإقراضهم لخسائر نتيجة صفقاتٍ لم يكن طرفًا فيها، والنتيجة، المزيد من الخسائر! أيْ خَلْق الأزمة وتعميقها.

أما لو باع الرأسماليون سلعهم إلى العمال (ولأنه من المستحيل أن ينفق العمال ما هو أكبر من الأجر المدفوع لهم) فليس أمام الرأسماليين منتجي وسائل الإنتاج إلا طريقةٌ عبثية وحيدة، هي أن يعطوا للعمال مليار وحدة، كأجور، وحينما يشتري منهم العمال سلعهم لا يعطوهم سلعًا تساوي مليار وحدة، إنما ٧٠٠ مليون وحدة فحسب! يدفع الرأسماليون إذن للعمال مليار وحدة كأجور، ثم يأخذون منهم هذه المليار وحدة ليعطوهم بالمقابل سلعًا قيمتها ٧٠٠ مليون وحدة فقط! لا ريب في أن الرأسماليين على هذا النحو يفعلون أمرًا غريبًا؛ أنهم، يقومون بتسليف رأسمالهم النقدي بقيمة أكبر مما يلزم لتداول رأسمالهم المتغير! وتلك طريقة — كما يقول ماركس — غريبة تمامًا للإثراء.٣
المشكلة إذن، على الصعيد الاجتماعي، لم تُحل ببيع السلعة بأغلى من تكلفة إنتاجها، كما ظن رأسماليو فرع وسائل الإنتاج، بل تعمقت المشكلة أكثر، وأصبح المجتمع في طريقه إلى الانهيار من خلال أزمةٍ مزمنة. بالتأكيد الرأسمالي لا ينشغل كثيرًا بالمجتمع، ويفكر في مصلحته؛ محاولًا الاهتداء إلى حلٍّ آخر غير بيع السلع بأغلى من كلفة إنتاجها. وأثناء ما هو منهمك في التفكير، يجد الحل أخيرًا! يجده في قوة العمل، يجده في القدرة على العمل؛ فلأن الرأسمالي لا يستطيع، وكما علمنا، أن يغير من قيمة الأدوات أو المواد؛ فهو يشتريهم بقيمتهم ويدفع بهم إلى حقل الإنتاج دون أن يتمكن من اعتصار قيمةٍ أكبر من قيمتهم؛ إذ سوف تخرج الآلات والمواد، محاسبيًّا، في نهاية عملية الإنتاج، متجسدة في المنتوج، بنفس القيمة التي دخلت بها دون أن تغير من قيمتها؛ وبالتالي لن يحقق أي ربح؛ فليس أمامه سوى النظر إلى هذه السلعة التي يبيعها العمال؛ أي القدرة على العمل، فهي السلعة الوحيدة التي تنتج قيمةً أكبر مما يدفع لها، فيدفع لها أجرًا معينًا ويأخذ منها عملًا يفوق هذا الأجر! وذلك وفقًا للمخطط أدناه الذي يتكون كذلك من فرعَي إنتاج وسائل الإنتاج ومواد الاستهلاك:
  • فرع إنتاج وسائل الإنتاج (بالمليار وحدة، وبافتراض أن القيمة الزائدة ١٠٠٪).

    الرأسمال: ٣ «ث» + ١ «م» = ٤ مليارات وحدة.

    المنتوج السلعي: ٣ «ث» + ١ «م» + ١ «ق ز» = ٥ مليارات وحدة في هيئة وسائل إنتاج.

  • فرع إنتاج مواد الاستهلاك (بالمليار وحدة، وبافتراض أن القيمة الزائدة ١٠٠٪)

    الرأسمال: ٤ «ث» + ٢«م» = ٦ مليارات وحدة.

    المنتوج السلعي: ٤ «ث» + ٢ «م» + ٢ «ق ز» = ٨ مليارات وحدة في هيئة مواد استهلاك.

الرأسمالي المنتج لوسائل الإنتاج يبدأ إذن عملية الإنتاج ﺑ ٣ مليارات وحدة رأسمالٍ ثابت، ومليار وحدة رأسمالٍ متغير، ويعتصر من قوة العمل مليار وحدة قيمة زائدة، ليجد بين يدَيه، بعد الإنتاج وقبل البيع، لا ٤ مليارات وحدة التي تمثل قيمة الرأسمال، بل يجد ٥ مليارات وحدة. وما فعله الرأسمالي المنتج لوسائل الإنتاج، سوف يفعله الرأسمالي المنتج لمواد الاستهلاك؛ كي يجد بين يديه، لا ٦ مليارات وحدة، والتي تمثل قيمة الرأسمال، بل يجد ٨ مليارات وحدة؛ وبالتالي يقوم القطاع الصناعي بتجديد إنتاجه بفضل القيمة الزائدة التي تم استخلاصها من قوة العمل.

علينا الآن إذن، على صعيد الهيكل الاقتصادي، إعادة صوغ المثل كي يتوافق مع الحل الذي توصل إليه صديقنا الرأسمالي؛ فنفترض أن المجتمع، يدخل العملية الإنتاجية ﺑ ٣٠ مليار وحدة من النقد موزعة على مستوى الهيكل الاقتصادي بواقع ١٠ مليارات وحدة لكل قطاع، ويتم توزيع هذه المليارات العشرة، في كل قطاع على النحو الآتي: ٤ مليارات وحدة لشراء الرأسمال المتغير، و٦ مليارات للرأسمال الثابت تُوزَّع على النحو التالي: ٣ مليارات وحدة لشراء الرأسمال الأساسي، و٣ مليارات وحدة لشراء الرأسمال الدائر، على أن يأخذ الرأسمالي من العامل قيمة تفوق ما أعطاه إياها كأجر. ومثلما رأينا أن فرعَي الإنتاج في قطاع الصناعة يستأثران بقيمةٍ زائدة مقدارها ٣ مليارات وحدة، فلنفترض كذلك أن قطاع الزراعة وقطاع الخدمات يقومان بالأمر نفسه معتصرين قيمةً زائدة مقدارها ٣ مليارات وحدة في كل قطاع:
  • قطاع الزراعة: ٤ «م» + ٣ «أ» + ٣ «د» + ٣ «ق ز» = ١٣ مليارًا.
  • قطاع الصناعة: ٤ «م» + ٣ «أ» + ٣ «د» + ٣ «ق ز» = ١٣ مليارًا.
  • قطاع الخدمات: ٤ «م» + ٣ «أ»+ ٣ «د» + ٣ «ق ز» = ١٣ مليارًا.

وفقًا لمثلنا أعلاه زادت القيمة اجتماعيًّا، لأن المجتمع بدأ ﺑ ٣٠ مليار وحدة، وفي نهاية الفترة الإنتاجية صار لديه ٣٩ مليار وحدة؛ أي إن المجتمع حقق، في اللحظة التي اتصلت فيها قوة العمل بوسائل الإنتاج ٩ مليارات وحدة قيمة زائدة؛ وبالتالي يمكن للمجتمع الآن أن يقوم بتجديد إنتاجه بعدما تحققت الأرباح على الصعيد الاجتماعي ببيع السلعة بقيمتها، لا بأعلى من قيمتها، ولا بأغلى مما تكلَّف إنتاجها.

والذي يجب أن ننشغل به، بخاصة نحن أبناء الأجزاء المتخلِّفة من النظام الرأسمالي العالمي، هو الاتجاه الذي سوف تسلكه هذه الوحدات التي زادت على الصعيد الاجتماعي؛ أي: أين ستذهب اﻟ ٩ مليارات وحدة، الزائدة، التي حققها العمل الاجتماعي؟ وفقًا لفرضيتنا، لن يُعاد ضخ القيمة الزائدة في عروق المجتمع المنتج لها، إنما ستتسرب إلى خارجه من أجل شراء السلع والخدمات التي تُنتَج في الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي، وتتوقف عليها عملية تجديد الإنتاج الاجتماعي في الأجزاء المتخلِّفة. ولسوف نعالج هذا الطرح لاحقًا بالتفصيل. ولننتقل الآن إلى الطرح الأدائي لمعدَّل القيمة الزائدة.

١  لقد افترضنا هنا، دون الواقع، أن التشغيل كامل، وأن المجتمع يخلو من الفئات العاطلة، أو التي لا تعمل لسبب أو آخر، وبالتالي لا تحصل على أجور، كالأطفال وكبار السن ومَن في حكمهما، ولا شك في أن إدخال هؤلاء في التحليل سيجعلنا بصدد مجتمع من المستحيل وجوده بالأساس! وفي أفضل تحليل يصبح في طريقه إلى الفناء!
٢  من الذين قالوا بأن الرأسمالي يجني ربحه ببيع السلعة بأغلى من تكلفة إنتاجها، دستوت دي تراسي (١٧٤٥–١٨٣٦م)، في مؤلفه عناصر الأيديولوجيا (باريس: ١٨٢٦م)، انظر رد ماركس في: «رأس المال»، الكتاب الثاني، الفصل العشرون.
٣  انظر: ماركس، «رأس المال»، الكتاب الثاني، القسم الثالث، الفصل العشرون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠