الفصل السادس

من أنماط الإنتاج إلى قوانين الحركة

١

حينما فحصنا قوانين الحركة الحاكمة للإنتاج والتوزيع في أثينا في القرن الأول قبل الميلاد، أو في روما في القرن الرابع بعد الميلاد، رأينا أن علاقات الإنتاج لم تكن عبوديةً صرفة كما تشيع نظرية نمط الإنتاج، بل وُجدت علاقات الإنتاج التعاقدية الحرة إلى جانب علاقات الإنتاج العبودية القائمة على القهر، وكانت علاقات الإنتاج العبودية نفسها ذات مستوياتٍ مختلفة من الشدة والاستغلال، بل ويمكن القول بأن علاقات الإنتاج العبودية كانت نسبيًّا ضعيفة وقليلة وفي إطار الأعمال المنزلية أو الأعمال التي لا تتطلب مهارة، وذلك بالنظر إلى سيادة علاقات الإنتاج التعاقدية الحرة في الورش والمعامل وعلى ظهور السفن … إلخ، وبالتالي لا نجد أي مبررٍ علمي لاعتبار نمط الإنتاج آنذاك عبوديًّا دون اعتباره تعاقديًّا حرًّا! ولا يبدو لنا نسبة نمط الإنتاج آنذاك إلى العبودية إلا تحكميًّا دون أي سبب علمي.

وأما قوى الإنتاج، في أثينا وروما أيضًا، فلم تكن من قبيل المنتجات التي كانت تُستخدم في الإشباع المباشر، كما تُوحي لنا أيضًا نظرية نمط الإنتاج، بل كانت، على الرغم من تَدنِّي مستواها التقني نسبيًّا، سلعًا معدة للطرح في السوق، كما كانت تقوم بدور الرأسمال. هذا بالطبع إذا كنا نتحدث عن الإنتاج والتوزيع في المجتمع، أما إذا كنا نتحدث عن الظاهرة الاجتماعية التي كانت منتشرة في المجتمع الأثيني أو الروماني آنذاك، فيمكن أن نعدد مجموعة من الظواهر منها الأوليجارشية أو الأرستقراطية أو العبودية … إلخ، ولكن دون أن تنسحب أي ظاهرة منهم على الإنتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي لتدمغهما باسمها وصفتها. وإن تم ذلك، وقد تم فعلًا على يد نظرية نمط الإنتاج، فسوف يتم إخفاء القوانين الحاكمة للإنتاج والتوزيع في المجتمع، وفي أفضل الأحوال سيتم اختزالها في العبودية، ويصبح المجتمع ميتًا لا حراك فيه؛ فلا تبادل ولا نقود ولا أسواق ولا إنتاج ولا توزيع … إلخ، إنما عبيد يُلبُّون رغبات أسيادهم الذين يرتدون أفخر ثياب العصر ويتزينون بأثمن جواهر الدهر، فيقدمون لهم الطعام والشراب (لا نعلم من أين أتت هذه الثياب وتلك الجواهر!) وحينما يسأم منهم السادة يلقون بهم إلى الضواري في مشاهدَ مأساويةٍ كما يحدث في أفلام هوليوود!

ومع المجتمع الذي تسيطر فيه مؤسسة الحكم، ومعها النُّخب الاجتماعية والدينية، على الأرض، فتمنحها لمن تشاء وتنزعها ممن تشاء، أو تُسخِّر فيها مَن تشاء، سواء أكانت ممثلة تلك المؤسسة الحاكمة في الملك أم اللورد أم الخليفة، يبدأ إخفاء القوانين الموضوعية الحاكمة للإنتاج والتوزيع في المجتمع في نفس اللحظة التي يختزل فيها النشاط الاقتصادي في علاقات الإنتاج التي تكون بين السادة الإقطاعيين والأقنان عبيد الأرض، وكأن المجتمع يخلو من أصحاب المهن والأجراء والحرفيين ويخلو من علاقات الإنتاج بينهم. كما يخلو من التبادل والسلع والتراكم والنقود والربح والأجور … إلخ، بل ويخلو من الإنتاج والتوزيع!

المجتمعات العبودية والإقطاعية إذن تقدَّم، وفقًا لنظرية نمط الإنتاج ذات المركزية الأوروبية، كمجتمعات تعيش على الاكتفاء الذاتي وتُنتج من أجل الإشباع المباشر، وبالتالي لا ترى النظرية أي أهمية لظهور العلم المفسر لظواهر الإنتاج والتوزيع في هذين المجتمعَين! فلا صعوبة في فهم المجتمع العبودي بالكيفية المطروح بها على أساس السيد الذي يمتلك العبيد الذين يلبون رغباته ثم يلقون حتفهم بين فكُوك الأسود. ولا صعوبة كذلك في فهم المجتمع الإقطاعي بالكيفية التي قدم بها وفقًا لنظرية نمط الإنتاج، فالإقطاعي في قصره والأقنان في أكواخهم وعششهم والمخازن تعج بالحنطة والشعير، والأقبية تمتلئ بالجعة والنبيذ؛ وبالتالي لا تُوجَد أيُّ مشكلةٍ تستدعي الكشف عن القوانين الموضوعية للإنتاج والتوزيع بواسطة علمٍ اجتماعي!

٢

ولأن التقديم الأيديولوجي لأنماط الإنتاج على نحوِ ما رأينا أعلاه يأتي على نحوٍ مضلل، ويهدر ما هو ثابت تاريخيًّا، ويفضي إلى أدلجة العلم وتسييسه، فسوف نستبدل نظرية نمط الإنتاج، بحالتها الراهنة، بقوانين الحركة الحاكمة للإنتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي، مع إعادة النظر في الطبيعة الحقوقية للعلاقات الجدلية بين مُكَوِّنات قوى الإنتاج الاجتماعي في كلٍّ من التنظيم الاجتماعي العبودي، والتنظيم الاجتماعي الإقطاعي، وذلك على النحو التالي:
  • (١)
    الاعتداد بقوانين الحركة، وهي معيارٌ ثابت، في تحليل النشاط الاقتصادي عَبْر تطوره يؤدي إلى رؤيةٍ هيكلية/تجريدية للتاريخ الاقتصادي للعالم وحاضره. رؤية لديها الوعي الناقد بأن عمليات إنتاج السلع والخدمات التي تتم في إطار النظم الاجتماعية على اختلاف أشكالها وخصائصها الموضوعية تأتي دومًا خاضعة لقوانينِ حركةٍ ثابتة، هي قوانين الحركة الثلاثة. الذي يتبدَّل هو الشكل، المظهر؛ فحينما نُحلِّل، ابتداءً من قوانين الحركة، الإنتاج والتوزيع في المجتمع الذي تنتشر فيه ظاهرة العبودية ويكون التنظيم الاجتماعي قائمًا على أساسٍ منها، فسنجد القوانين الثلاثة، قوانين حركة الرأسمال، حاضرة دائمًا أيًّا ما كان شكل علاقات الإنتاج، وأيًّا ما كان مستوى تطور قوى الإنتاج؛ فمالك العبد في سبيل إنتاج الخمر من أجل السوق، يقوم بإطعام عبده (أجر عيني) ويأخذ منه قيمةً زائدة مع السلع التي ينتجها.١ في هذه اللحظة، لحظة إنتاج معادل القيمة والقيمة الزائدة تحدث المعاوضة، كعلاقةٍ حقوقية، يأخد العبد مأكله الذي يمده بالطاقة الضرورية (قيمة قوة عمله) ويُقدِّم في المقابل، ووفقًا لقانون حركة الرأسمال، عملًا زائدًا.٢ وحينما نُحلِّل، ابتداءً من قوانين الحركة كذلك، الإنتاج والتوزيع في المجتمع الذي تنتشر فيه ظاهرة الإقطاع: فيمكننا أن نُحلِّل نموذجَين، الأول: حيث الإنتاج من أجل الإشباع المباشر كما طرحه ماركس وروزا، حيث ينعدم التبادل وهو ما يمثل، وكما ذكرنا، استثناءً تاريخيًّا مُستقًى من إمبراطورية شارلمان! ٣ والنموذج الثاني: حيث الإنتاج من أجل السوق كما يُطرح في واقع التكوين الاجتماعي الإقطاعي في فرنسا على سبيل المثال. أما النموذج الأول فهو لم يقدَّم تاريخيًّا بشكلٍ أمين، وتم اختزاله في الإنتاج من أجل الإشباع المباشر. وعلى الرغم من أن هذا التصور يحتوي على جانب من الحقيقة إلا أنه يخفي الجانب الآخر، الأهم والأشمل والأعم، والذي يثبت وجود التبادل والإنتاج من أجل السوق، وإن جاء الأمران؛ أي التبادُل والإنتاج من أجل السوق، في حدود ضيقة، فذلك ليس بسبب قوانين المادية التاريخية بل بسبب الأوضاع السياسية المضطربة في البحر المتوسط آنذاك. أما النموذج الثاني حيث الإنتاج من أجل السوق كما يطرح في واقع التكوين الاجتماعي الإقطاعي في فرنسا، فهو، في الحقيقة، يمثل نموذجًا واضحًا لنمط الإنتاج الرأسمالي ليس على صعيد الحِرَف والصناعات المختلفة في المدينة فحسب، بل وعلى صعيد النشاط الزراعي في الريف؛ إذ في هذا التنظيم الاجتماعي/السياسي (الإقطاعي) تتجلى علاقات الإنتاج في المعاوضة بين مالك القدرة على العمل ومالك وسائل الإنتاج. كما تتجلى قوى الإنتاج، ابتداءً من معاوضة قوة العمل بالأجر العيني أو النقدي، كرأسمال يتم استخدامه في إنتاج السلع من أجل السوق بقصد الربح. قد يختلف شكل الصانع آنذاك أو صاحب المهنة كالطبيب والمحامي، كما يختلف شكل السلعة أو طبيعة الخدمة، ولكن تظل قوى الإنتاج، والعلاقات الجدلية بين مُكَوِّناتها، خاضعة لقوانين الحركة الحاكمة للإنتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي.
  • (٢)
    الاستناد إلى قوانين الحركة في فهم وتحليل طبيعة النشاط الاقتصادي وتطوره التاريخي، يُجنبنا الخلط الشائع بين التنظيم الاجتماعي/السياسي/الطبقي السائد على الصعيد الاجتماعي (العبودي، أو الإقطاعي، أو البرجوازي)، وبين علاقات وروابط إنتاج السلع والخدمات التي تقوم دومًا على المعاوضة بين العبد والسيد، والقن والإقطاعي، والعامل المأجور والرأسمالي.٤
  • (٣)

    الاستناد إلى قوانين الحركة في فهم وتحليل تاريخ النشاط الاقتصادي وحاضره يجنبنا التصنيفات التعسفية التي تسللت إلى علم الاقتصاد السياسي، كمصطلحات: البرجوازي الصغير! والبرجوازي الكبير! وكبار الحرفيين وصغارهم! … إلخ، فجميع هذه التصنيفات لا تقوم في الواقع إلا على أفهامٍ ملتبسة وتصوراتٍ انطباعية ورؤًى تحكمية دون أسسٍ موضوعية ثابتة أو واضحة. وكان هدفها المركزي خداع الجماهير!

  • (٤)
    حينما ننسب نمط الإنتاج إلى ظاهرة الرأسمال، فنقول: نمط الإنتاج الرأسمالي؛ فنحن ننسبه إلى قوانين حركة الرأسمال بما تتضمنه، داخليًّا، من روابط الإنتاج، وليس إلى تطور قوى الإنتاج من محض أشياء إلى رأسمال. وبالتالي يصبح نمط الإنتاج الرأسمالي،٥ في مقابلة نمط الإنتاج البدائي/المعاشي، هو نمط الإنتاج الذي يمثل القاعدة التي تعمل عليها النظم الاجتماعية المختلفة سواء أكان هذا التنظيم عبوديًّا أم إقطاعيًّا أم برجوازيًّا معاصرًا، وأيًّا ما كان مستوى تطور قوى الإنتاج الاجتماعي، وأيًّا ما كان الوضع الطبقي أو المركز القانوني للمنتج المباشر ومالك وسائل الإنتاج.

•••

ولكي يكتمل نقدنا لنظرية نمط الإنتاج، ذات المركزية الأوروبية، يجب أن نناقش النظرية التي ادَّعت أنها تخرج على المركزية الأوروبية، وهي في الواقع ليست سوى أحد تطبيقاتها؛ تلك النظرية هي نظرية نمط الإنتاج الآسيوي.

١  لا تظهر هذه القيمة الزائدة في حساب الأرباح إلا بعد أن يعود جزءٌ منها أدراجه لتعويض الرأسمال المسلَّف في سبيل شراء العبد. والجزء الآخر يستولي عليه مالك العبد كربح؛ ولذا يجب أن تكون درجة شدة العمل عند أعلى مستوياتها.
٢  كما يستقطع القن مطعمه من المحصول، ويعطي سيده قيمةً تفوق قيمة قوة عمله، أو كما يأخذ العامل المأجور ثمن مأكله الذي يمده بالطاقة الضرورية اجتماعيًّا (قيمة قوة عمله) ويعطي رب عمله، الرأسمالي، قيمة تفوق قيمة قوة عمله، فالعبد والقن والعامل، على صعيد تكوين القيمة والقيمة الزائدة، جميعهم، وكما ذكرنا في الفصل السابع من الباب الأول، ص٩٧-٩٨، «يعاوضون» مالك وسائل الإنتاج (مواد العمل وأدوات العمل)، فالعامل المأجور يعاوض بالثمن (بيعًا) أما القن، أو العبد، فيعاوض بالعين (مقايضةً). ثم يحدث التناقض على الصعيد الاجتماعي بين الثمن/البيع، والعين/المقايضة؛ كي يتغلب البيع مع عدم اختفاء المقايضة. علاقة الإنتاج هي إذن علاقة «معاوضة» تتخذ شكل المقايضة مع العبد والقن، والبيع والشراء مع العامل المأجور. لب العلاقة الحقوقية إذن «المعاوضة»، أما شكلها الخارجي فهو القهر أو العقد.
٣  انظر: [الباب الثالث: النقد الخارجي – الفصل الثالث: امتداد المركزية الأوروبية – هامش رقم ١].
٤  فالسبب الأساسي للتناقض في مذهب موريس دوب، الذي اعتنق تصور ماركس في أنماط الإنتاج، هو الخلط بين التنظيم الاجتماعي/السياسي وقوانين الحركة الحاكمة للنشاط الاقتصادي في هذا التنظيم الاجتماعي/السياسي؛ فلقد رأى دوب، وكما ذكرنا، أن الرأسمالية نمط إنتاج تالٍ للإقطاع، والإقطاع نمط إنتاج تالٍ للعبودية، والعبودية نمط إنتاج تالٍ لنمط الإنتاج المشاعي، ولكنه يعود فيقول إن الرأسمالية كانت موجودة دائمًا في جميع مراحل التاريخ! ولا يصل أبدًا، على هذا النحو إلى المعيار العلمي الذي يمكن معه الحكم (طالما أن الرأسمالية موجودة دائمًا، كما قال دوب، في جميع أحقاب التاريخ) بأن المجتمع رأسمالي، أم إقطاعي، أم عبودي! والواقع أن الرأسمالية (التي هي خضوع الإنتاج والتوزيع في المجتمع لقوانين حركة الرأسمال) كانت دائمًا القاعدة التي عملت عليها جميع النظم الاجتماعية، التي تشكلت عَبْر الحركة الملحمية للتاريخ والمجتمعات، بغض النظر عن شكل التنظيم الاجتماعي، وبغض النظر عن مدى تطور قوى الإنتاج داخل هذه التنظيم الاجتماعي.
٥  حيث مبادلة/معاوضة، القدرة على العمل بما يسد الرمق، وحيث الإنتاج من أجل السوق بقصد الربح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠