الفصل الثاني

٥٠٠ عامٍ من الانحطاط

١

«في الأسواق الجديدة لم يعُد نمط الإنتاج الإقطاعي أو المشغل الحرفي في الصناعة يسد الحاجة المتنامية. لقد أزاح الصناعيون المتوسطون أصحاب المشاغل الحرفية، بيدَ أن الأسواق كانت تتسع والطلب كان يزداد باستمرار، وظهرت الآلة فأحدثت ثورة في الإنتاج الصناعي. وحل الصناعيون أصحاب الملايين محل الصناعيين المتوسطين، والصناعة الكبيرة أوجدت السوق العالمية، والسوق العالمية أنمت التجارة والملاحة والمواصلات البرية. وبقدْرِ ما كانت الصناعة والتجارة والملاحة والسكك الحديدية تتوسع، كانت البرجوازية تتطور، وتُنمي رساميلها، وتدفع إلى الوراء جميع الطبقات التي خلَّفتها القرون الوسطى. ومنذ أن توطَّدَت الصناعة الكبرى وتأسست السوق العالمية استولت البرجوازية على كل السلطة السياسية في الدولة التمثيلية المعاصرة، والبرجوازية حيث ظَفِرت بالسلطة دمَّرَت كل العلاقات الإقطاعية من كل لون، التي كانت تربط الإنسان بسادته الطبيعيين، ولم تُبقِ على أي رابطة بين الإنسان والإنسان سوى رابطة المصلحة البحتة، والإلزام القاسي بالدفع نقدًا. وأغرقت الحمية الدينية وحماسة الفروسية وعاطفة البرجوازية الصغيرة في أغراضها الأنانية المجردة من العاطفة وحولت الكرامة الشخصية إلى قيمةٍ تبادلية، وأحلت حرية التجارة الغاشمة وحدها، محل الحريات. لقد انتزعت البرجوازية عن المهن والأعمال التي كان يُنظر إليها حتى ذلك الحين بمنظار الهيبة والخشوع، كل بهائها ورونقها وقداستها؛ فجعلت الطبيب ورجل القانون والكاهن والشاعر والعالم في عداد الشغيلة الأُجراء. ومزقتِ البرجوازية الحجاب العاطفي الذي كان مسدلًا على العلاقات العائلية وأحالتها إلى علاقاتٍ مالية صِرف. والبرجوازية لا تستطيع البقاء بدون أن تثور باستمرار أدوات الإنتاج، وبالتالي علاقات الإنتاج في المجتمع. وهذا الانقلاب المتواصل في الإنتاج، وهذا التزعزع الدائم في كل الأوضاع المجتمعية، والقلق والتحرك الدائمان؛ هذا كله يميز عصر البرجوازية عما سبقه من عصور؛ فإن كل العلاقات الاجتماعية التقليدية الجامدة، وما يحيط بها من هالة المعتقدات والأفكار، التي كانت قديمًا محترمة مقدسة، تنحل وتندثر؛ أما التي تحل محلها فتشيخ ويتقادم عهدها قبل أن يصلُب عودها. وكل ما كان تقليديًّا ثابتًا يطير ويتبدد كالدخان، وكل ما هو مقدس يُعامَل باحتقار وازدراء، ويُضطر الناس في النهاية إلى النظر لظروف معيشتهم وعلاقاتهم المتبادلة. وبدافع الحاجة المستمرة إلى أسواقٍ جديدة تنطلق البرجوازية إلى جميع أنحاء الكرة الأرضية، فينبغي لها أن تدخل وتتغلغل في كل مكان، وتُوطِّد دعائمها في كل مكان، وتُقيم الصِّلاتِ في كل مكان. والبرجوازية، باستثمارها السوق العالمية، طبعَت الإنتاج والاستهلاك، في جميع البلدان، بطابعٍ عالمي، وانتزعَت من تحت أقدام الصناعة أرضيتها القومية؛ فالصناعات القومية الهرمة دُمرت وتُدمَّر يوميًّا لتحل محلها صناعاتٌ جديدة، أصبح اعتمادها مسألةً حيوية بالنسبة إلى جميع الأمم المتحضرة، صناعات لم تعُد تستعمل المواد الأولية المحلية، بل المواد الأولية من أقصى المناطق، صناعات لا تُستهلك منتجاتها في البلد نفسه فحسب، بل أيضًا في جميع أنحاء العالم. لقد أَخضعَت البرجوازية الريف للمدينة، فأنشأَت المدن الكبرى وزادت سكان المدن زيادةً هائلة. وأخضعت البلدان الهمجية ونصف الهمجية للبلدان المتمدنة، الأمم الفلاحية للأمم البرجوازية، الشرق للغرب. وتقضي البرجوازية أكثر فأكثر على تبعثُر وسائل الإنتاج والملكية والسكان؛ فقد كدست السكان ومركزت وسائل الإنتاج وجمعت الملكية في أيدي أفراد قلائل. لقد خلقَت البرجوازية، منذ تسلُّطها الذي لم يكد يمضي عليه قرنٌ واحد، قوًى منتجة تفوق في عددها وعظمتها كل ما صنعته الأجيال السالفة مجتمعة» (كارل ماركس وفريدريك إنجلز، «بيان الحزب الشيوعي»، الطبعة الألمانية، ١٨٩٠م).

هكذا لخص ماركس وإنجلز الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية وفقًا ﻟ «المركزية الأوروبية»، فماذا يمكننا قوله الآن بعد أن هيمنت علينا تلك المركزية الأوروبية؟ من أجل الإجابة يمكننا أن نسأل عالمنا المعاصر السؤالَين التاليَين: ما الحياة؟ وما الهدف منها؟ فربما عالم اليوم، وحده، هو القادر على الإجابة عن هذَين السؤالَين! يجيب: لا أعرف! وكيف يعرف بعد أن صار عَبْر خمسمائة عامٍ من الانحطاط لا يعرف سوى الهذَيَان؛ بعدما أصر على الانتحار الجماعي. لقد صمَت فينا صوت الحياة، وغفَل بداخلنا ضمير الإنسان، حتى كاد الإنسان أن ينسى أنه إنسان، بعد أن فقد عبقرية مشيته المستقيمة حين أَلِف السجودَ للطغاة؛ فزحف على بطنه من الفاقة، أو تحوَّل إلى حشرة كافكا. إن حشرة كافكا هي التجسيد الرائع لعالم يترنح إنسانه بعد أن صارت الحياة بلا معنًى وبلا هدف، وبلا مشروعٍ حضاري لمستقبلٍ آمن.

كيف يعرف عالمنا اليوم معنى الحياة والهدف منها؟! وقد مهَّد له دانتي حين فصَل تاريخيًّا، وبمنطق أرسطو المقدس بين الحياة والدين، واختزلَ له ديكارت الإنسان إلى آلةٍ مفكرة. المشاعر، الأحاسيس، العواطف، كلها صارت عملياتٍ عقلية تخضع، مع التطور التقني، إلى القياس الدقيق على أحدث أجهزة بيل جيتس، ويمكن حسابها طبقًا لسعر الصرف العالمي!

كيف يعرف عالمنا اليوم معنى الحياة والهدف منها؟! وقد أعلن له نيتشه أنَّ الناس هم الذين أقاموا الخير والشر فابتدعوهما وما اكتشفوهما ولا أُنزلا عليهم من السماء!

ابتداءً من اللامعنى صار الإلحاد إبداعًا، والدين أسطورة، والرسل مرتزقة، حتى الإلحاد صار مسخًا. ابتداءً من اللامعنى لعن فاوست كل شيءٍ صالح على الأرض واتبع مارجريت!

ابتداءً من اللامعنى واللاهدف أمسى الانسلاخ عن حضارة الإنسان حداثة، وهجر التراث الإنساني المشترك تجديدًا، أما وحدة المعرفة الإنسانية فقد باتت خرافة! كيف يعرف عالمنا اليوم معنى الحياة والهدف منها؟! وقد همسَ له حلَّاق إشبيلية:

«إن للذهب قدرةً على تفتيح مدارك الإنسان.»

كم هي عبارةٌ مهذَّبة، مقارنةً بما صاح به كولومبس في جاميكا:

«الذهب شيءٌ مدهش. مَن يملكه يملك كل شيء، مَن يملكه يملك كل ما يرغب فيه، بل بالذهب يستطيع المرء أن يُدخل الأرواح إلى الجنة.»١

ابتداءً من اللامعنى صار الهوس العقلي مرحًا في موسيقى «الهارد روك» و«الميتال» و«التكنو» و«الفانكي»، ولقد أمسى الخواء تجريبًا، وتدمير المعنى واللون انطباعية، وإهدار الشكل والأبعاد تكعيبًا، والاختزال والتسطيح أسموه تجريدًا. ومع اللامعنى تجرَّعْنا مُر تُراث الدين الوضعي، التراث الذي جرَّد النصوص الخلَّاقة من قُوَّتها المتسائلة عن معنى حياتنا والهدف منها؛ لأن تجريد تلك النصوص من قُوَّتها تلك إنما تم في نفس اللحظة التي تحوَّلَت فيها من أيقونة إلى وثن، من نقطة بداية إلى خط نهايةٍ العابرُ له مرتد!

ولنتقدَّم خطوةً فكرية أبعد كي نتعرف آنيًّا إلى عالمنا الحقيقي، بالتعرف إلى معالمه الأساسية التي تكشف عن اتفاقٍ جماعي، ولكن على الانتحار. إن هذا الكوكب بمن فيه يتجه مسرعًا صوب الأعماق، أعماق الانحطاط. إنها سكرة الموت؛ موت عصر وميلاد عصر، فهل من الضروري أن نُسحق تحت عجلات حتميته؟

ومَن كان لا يروقه قولي فلينظر إلى الخواء في الفن، وإلى الاضمحلال والتفكُّك في الأخلاق، وإلى الفساد والفوضى في الاقتصاد، وإلى القمع والقهر في السياسة، فلينظر إلى تُجار الدين، فلينظر إلى التحلُّل في الرغبة الجماعية، وإلى النهضة في الفردية والأنانية. فلينظر إلى الأحادية في المعرفة، وإلى الثيوقراطية في الإيمان، وإلى الهوَس في الدين، وإلى الصنمية في الرأي، فلينظر إلى ادعاء امتلاك الحقيقة الاجتماعية. فلينظر إلى الحروب، إلى الإبادة، إلى المجازر، إلى طمس الحضارات، وإزالة الثقافات من على خريطة العالم!

حقًّا، هذا هو العالم الذي أَفرزَتْه اﻟ ٥٠٠ عام الماضية. إنه العالم الذي شرع يُرنِّم ترانيم هلاكه على مذبح الإله الأبطش: الرأسمالية المعاصرة، بقيادة كاهن معبدها: اقتصاد السوق. وفي هستيريا جماعيةٍ أطلق خُدَّام المذبح (المرصَّع بالدولار) بخور الجنائز بعد أن تُليت عليه إصحاحات من كتاب الانحطاط في معابد «وول ستريت» وفروعها في طوكيو وبرلين ونيويورك وباريس!

ها هي الآلهة اليونانية العائدة في صيغةٍ هندية، تعود من جديد؛ إله السوق، إله الرأسمالية، إله الإمبريالية، الثلاثة في واحد (أمين!)؛ إنهم في إلهٍ واحد نهِمٍ عطِش إلى المزيد من دماء الشعوب التي اختلطت بأوراق «النقد» في خزائن «صندوق» الموت الحامل لعرش أسياد العالم ومفسديه، محركي الفتن فيه وجلاديه. طليعة الانحطاط أمريكا وخدام معابدها!

الجات، البنك الدولي، صندوق النقد،٢ ثلاثة عناصر في مُركَّبٍ عضوي واحد، سامٍّ، يسري ببطء ويتغلغل بلا هوادة في كل خلية من خلايا اقتصاد عالمنا ولا يغادرها إلا وهي في دمائها غارقة. إنه المُركَّب الذي يَتجرَّعه زعافًا كلُّ مَن آمن بعقيدة الوحدانية؛ وحدانية السوق الكريمة! الموزعة بالعدل! واتبَع الكاهن الأعظم: اقتصاد السوق الواحد الأحد!

أزمة المديونية، أزمة الطاقة، أزمة النقد؛ تلك هي قرابين المذبح الدولاري، وأضحية العيد الرأسمالي، المسمى بالأزمة الدورية!

البطالة، الجوع، الفقر، الكساد، الإفلاس؛ تلك هي آلهة الفتك العوالي الساكنة في سماء عالم دنس «اليد»؛ يد الإنسان، التي بفضلها انفصل عن مملكة الحيوان، تلك هي النتائج الحتمية لعبادة صنم التداول ليُقرِّب إلى الأرباح زلفى، بعد إطاحة النصوص المقدَّسة الحقيقية التي جاء فيها: أن الأرباح لا تلدها عذراء؛ فهي تتكون في مجال الإنتاج، لا التداوُل، بتفاعُل قوة العمل مع وسائل الإنتاج، وأن الثمن هو المظهر النقدي الذي تتخذه القيمة حين التبادُل، ولا يُفترض على هذا النحو أن يكون الثمن تعبيرًا صادقًا عنها. إن الأزمة في أحد أشكالها تتبدَّى في القطيعة بين القيمة والثمن على المستوى الأول، وتتبدَّى في الثمن نفسه في المستوى الأول مُكرَّر. هي إذن النتائج الطبيعية لمسخ علم الاقتصاد السياسي. إنها نتائجُ أولية لسيادة ثقافةٍ واحدة، وهيمنة حضارةٍ وحيدة ليس في إمكانهما سوى صناعة نعش، يلفظ العالم داخله أنفاسه الأخيرة!

التخلُّف، التنمية، مفردتان لا يجوز فهمهما إلا من خلال شروح كهنة المؤسسات الدولية للإبادة الإنسانية؛ فلقد سُطر في كتاب الانحطاط أن التخلُّف هو أن تحيا عاصيًا لرب السوق، مارقًا عن شريعته المدونة في ملاحق الجات المقدسة. التنمية هي محبته والفناء فيه. التخلف هو الفِرار من الهلاك، أما أن تهرول نحوه فتلك هي التنمية؛ التنمية التي تمتلئ أحشاؤها بالمزيد والمزيد من ضحايا البطالة والجوع والفقر والمرض. حقًّا، ٥٠٠ سنةٍ من الانحطاط قاد المخبولون فيها العُميان على ظهر كوكب ينتحر!

ولنتقدَّم خطوةً فكرية أخرى كي نقترب أكثر من رؤية عالم اليوم٣ وهو يقف عاجزًا أمام السؤالَين الجوهريَّين: ما الحياة؟ وما الهدف منها؟
  • تبلغ ثروة ثلاثة من أغنى أغنياء العالم ما يعادل المنتوج المحلي لأفقر ٤٨ دولة، كما أن ثروة ٢٠٠ من أغنى أغنياء العالم تتجاوز نسبتها دخل ٤١٪ من سكان العالم مجتمعين. وتُوضِّح الدراسات أنهم لو ساهموا ﺑ ١٪ من هذه الثروات لغطت تكلفة الدراسة الابتدائية لكل الأطفال في الأجزاء المتخلفة!

  • يعيش ٨٥٪ من سكان العالم في الأجزاء المتخلِّفة من النظام الرأسمالي المعاصر!

  • بلغ متوسط نصيب الفرد في عام ٢٠١٠م من إجمالي المنتوج القومي في الأجزاء المتخلفة نحو ٢١٤٠ دولارًا سنويًّا، على حين بلغ هذا النصيب ٥٧٥٩٣ دولارًا سنويًّا في الأجزاء المتقدمة!

  • ١٠٪ من أطفال تنزانيا يموتون خلال سنتهم الأولى من الحياة، ويقترب الدخل القومي لهذه الدولة من نصف ما ينفقه الأمريكيون على ورق الحائط!

  • نحو مليار شخص في العالم يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، ومثلهم يعانون من سوء التغذية!

  • ٧٠ مليون طفل جنوب الصحراء في سن التعليم الأساسي خارج المدرسة، ويموت سنويًّا أكثر من عشرة ملايين طفل قبل أن يكملوا عامهم الخامس!

  • يعيش ٧٦٪ من سكان العالم في بلدانٍ فقيرة، بينما يعيش ٨٪ في بلدان متوسطة الدخل، ويعيش ١٦٪ من سكان العالم في بلدان غنية!

  • يبلغ عدد الفقراء من بين سكان العالم ما نسبته ٧٨٪، بينما نسبة الطبقة الوسطى تبلغ ١١٪، والطبقة الغنية ١١٪!

  • أكثر من مليار شخص حول العالم لا يتمكنون من الوصول إلى مصدر مياهٍ عذبة ونظيفة، وغالبيتهم من سكان الريف!

  • في الأجزاء المتخلِّفة نجد أن نسبة ٣٣٫٣٪ ليس لديهم مياهُ شرب آمنة أو معقمة صالحة للشرب والاستعمال، و٢٥٪ يفتقرون للسكن اللائق، و٢٠٪ يفتقرون لأبسط الخدمات الصحية الاعتيادية، و٢٠٪ من الأطفال لا يصلون لأكثر من الصف الخامس الابتدائي، و٢٠٪ من الطلبة يعانون من سوء ونقص التغذية!

  • تمتلك الدول الصناعية ٩٧٪ من الامتيازات العالمية كافة، كما تمتلك الشركات دولية النشاط ٩٠٪ من امتيازات التقنية والإنتاج والتسويق. وإن أكثر من ٨٠٪ من إجمالي أرباح الاستثمار الأجنبي المباشر في الأجزاء المتخلِّفة يذهب إلى ٢٠ دولة تنتمي إلى الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي!٤
  • بينما يموت ٣٥ ألف طفل يوميًّا بسبب الجوع والمرض، ويقضي خمس سكان البلدان المتخلِّفة اليوم وهم يتضورون جوعًا، تقل المساعدات المخصصة للدول الفقيرة عن طريق منظمة الأمم المتحدة عما تنفقه تسعة من البلدان المتقدمة على غذاء القطط والكلاب!

  • مليار جائعٍ في العالم معظمهم أطفال بأفريقيا وآسيا!

  • معدَّل المخاطر التي تتعرض لها المرأة الحامل في الجنوب، يزيد ٣٠٠ مرة عنه في الشمال!

  • يسيطر٢٠٪ من سكان العالم على ٨٠٪ من الموارد الطبيعية!

  • يمتلك ١٪ من سكان الكرة الأرضية نصف ثروات العالم!

  • تُعادِل الثروة الشخصية لأغنى ٦٢ مليارديرًا الثروة المجمَّعة لأكثر من ٣٫٥ مليار من أبناء البشرية!

  • الغالبية العظمى من وفَيات الأمهات حدثت في الدول المتخلفة، وحدث نصفها (٢٦٥٠٠٠) في أفريقيا جنوب الصحراء، كما حدث ثلثٌ آخر منها (١٨٧٠٠٠) في جنوب آسيا، وقد شَكَّلَت هاتان المنطقتان فيما بينهما نسبة ٨٥٪ من وفَيات العالم المتعلقة بالحمل والولادة، وشكَّلَت الهند وحدها نحو ٢٢٪ من المجموع العالمي للوفيات. وطبقًا لليونيسيف كذلك فإن معدَّلات وفيات المواليد تصل إلى ٤٥٪ في غرب ووسط أفريقيا، ونحو ٤٠٪ جنوب الصحراء. بينما لا تتعدى هذه المعدَّلات نسبة ٢٪ في دول غرب أوروبا!

  • يسيطر٢٠٪ من سكان العالم على ٨٢٫٧٪ من المنتوج العالمي، و٨١٫٢٪ من التجارة العالمية، و٩٦٫٦٪ من القروض التجارية، و٨٠٫٦٪ من المدخرات، و٨٠٫٥٪ من الاستثمارات!

  • طبيب لكل ٦٤٧ فردًا في سويسرا (٨ ملايين نسمة). وطبيب لكل ٥٧٣٠٠ فردٍ في بوركينافاسو (١٧ مليون نسمة)، وطبيب لكل ٨٢٠٠٠ فردٍ في النيجر (١٨ مليون نسمة)!

  • في نيجيريا، وحيث يبلغ عدد السكان نحو ١٧٥ مليون نسمة، فإن٧٠٪ من هؤلاء يعيش على أقل من دولارٍ واحد في اليوم. وفي نيجيريا كذلك، قُدرت معدَّلات الفقر في الريف بحوالي ٦٤٪، وهي أعلى بمقدار مرة ونصف تقريبًا من معدلها في المدينة. وعلاوة على ذلك فإن معدل الفقر في الإقليم الشمالي الشرقي يبلغ ٦٧٪، وهو ما يعادل تقريبًا ضِعفَي مستوى الفقر (٣٤٪) في الجنوب الشرقي باعتباره أكثر ازدهارًا!

  • يتسبب الجوع في وفاة أكثر من ١٨ مليون إنسان في العام على مستوى العالم!

  • يبيت ٨٠٠ مليون إنسان جوعى بشكل يومي!

  • ٨٨٠ مليون إنسان لا يتمتعون بالخدمات الصحية!

  • الجوع وسوء التغذية يُودِيان بحياة ٦ ملايين طفل سنويًّا!

  • يعاني نحو ٨٥٠ مليون شخص سوء التغذية في مختلف أرجاء العالم. وبوجهٍ عامٍّ تؤكد الأرقام الرسمية أن كل شخص لا يعاني من نقص التغذية المزمن على الصعيد العالمي، يقابله تسعة أشخاص يعانون من هذا الداء!

  • في الأجزاء المتخلِّفة، وبسبب الملاريا، تلقى نحو ٥٣٠ ألف امرأة حتفها أثناء الحمل والولادة، و٣٠٠ مليون إصابة، وأكثر من مليون حالة وفاة!

  • يتزايد عدد ضحايا الاتجار بالبشر يومًا بعد يوم؛ ففي عام ٢٠١٢م، قدرت منظمة العمل الدولية عدد الأشخاص الذين وقعوا ضحايا للسخرة والاستغلال الجنسي بنحو ٢٠٫٩ مليون شخص. ومؤخرًا، نشرت مؤسسة ووك فري تقديراتها الجديدة للعبودية الحديثة، وفقًا لأرقام ٢٠١٤م، حيث ارتفع عدد ضحايا الاستعباد إلى ٣٥٫٨ مليون شخص. وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية أيضًا إلى أن الأرباح غير المشروعة للسخرة تبلغ ١٥٠ مليار دولارٍ أمريكي سنويًّا (بيانات عام ٢٠١٤م) وتبلغ هذه الأرباح أعلى مستوياتها في آسيا حيث قُدرت بنحو ٥٢ مليار دولار. أما في الاقتصادات المتقدمة، خارج آسيا، فقد بلغت الأرباح نحو ٤٧ مليار دولار.٥
  • عبَّر بوفييه عن تطور «سوق» الفن حسب المواصفات الأمريكية بقوله:

    «الجهل في الرسم قد أُرسيت قواعده، وكلما كان الفنان جاهلًا اعتبروه رائدًا، ليس مهمًّا أن تدرس أو ترسم، كل ما يهم هو أن تبحث عن أشياءَ جديدة، مهما كانت، حتى إن كانت لوحات من براز الإنسان؛ إذ إن المقياس أصبح ماليًّا ولم يعُد جماليًّا.»٦
  • إن النظرية الاستهلاكية الأمريكية المشبَّعة بقوانين السوق دخلت الفن، وحددت قواعد سوق الفن؛ فالمعيار الوحيد هو الغرابة، واجتذاب المتحذلقين من المشترين، وإدخال التبذير في سوق الفن. تمامًا كما عبَّر أحد التجار:

    «يجب، وبأي شكل إدخال الطريقة الأمريكية: إن الأشياء عندما تتقادم تصبح متخلفة في عالم الأعمال الفنية. يجب أن نُعلِّم مقتني وجامعي اللوحات إلقاء اللوحة في صندوق القمامة حين تصبح قديمة، مثلها مثل السيارة أو الثلاجة، عندما تأتي لوحاتٌ أخرى جديدة لتحل محلها.»٧
  • وفي عام ١٩٩١م باعت صالة كريستي الشهيرة لوحة للرسام دي كونينج، أحد المشاهير الذين تم تسويقهم إعلاميًّا، مع فرساتشي، وكلفن كلاين، وأرماني، وغيرهم من أجل إفساد الذوق العالمي! بنحو مائة مليون دولار!

  • بعد تفكُّك الاتحاد السوفياتي، وانتشار الدعارة على أوسع نطاق، تم إجراء دراسة على فتيات المدارس الروسيات بعمر الخامسة عشرة، فأعربت ٧٠٪ منهن عن رغبتهن بأن يصبحن مومسات، في حين كن قبل ذلك بعشر سنوات يرغبن في أن يصبحن رائداتِ فضاء وطبيباتٍ ومعلمات!٨
  • تم تقدير قيمة للدعارة على الصعيد العالمي عام ٢٠١٠م بما يعادل ١٧٥ مليار دولار!

  • تُعد إسرائيل من أكبر موردي البغايا «السلافيات» على الصعيد العالمي، وبحسب تقديرات عدة مصادر، يبلغ عدد الرجال الإسرائيليين الذين يستعينون بخدماتهن المليون رجل في كل شهر. ووفقًا لما أوردته لجنة الاستيضاح البرلمانية الإسرائيلية، فإنه يتم الإتيان بحوالي ٣٠٠٠ إلى ٥٠٠٠ امرأةٍ (من الاتحاد السوفياتي بعد تفكُّكه) إلى إسرائيل سنويًّا وبيعهن للعمل في مجال الدعارة. وتعمل هؤلاء النسوة ٧ أيام في الأسبوع بمعدَّل يصل إلى ١٨ ساعة يوميًّا، ولا يحصلن إلا على ٢٠ شيكلًا (ما يعادل ٤٫٥ دولار) من أصل ١٢٠ شيكلًا (٢٧ دولارًا) يدفعها العميل. ويتم الاتجار بهن في مقابل أسعار تتراوح بين ٨٠٠٠ إلى ١٠٠٠٠ دولار للمرأة الواحدة!

  • إن مَن يعلنون أنفسهم مدافعين عن «حقوق الإنسان» على الصعيد العالمي، والذين يجتمعون دائمًا لمكافحة الإرهاب، هم الذين شربوا نَخْب الإرهاب في كئوس من جماجم البشر، وانتشَوا حتى أطاحوا كل ما هو مقدس! هم في الحقيقة رؤساء الدول الأكثر إرهابًا في تاريخ العالم وحاضره؛ وهم أبشع المعتدين على حقوق الإنسان. وليس تاريخهم القديم وحده هو الدليل على ذلك (إبادة الهنود، واستعباد الزنوج، وشن الحروب واستعمار الدول والقارات) وإنما جرائمهم تتواصل، مثل البشاعة الأمريكية في فيتنام حينما تم استخدم النابلم على نطاقٍ واسع. وليس عنا ببعيد قذف الشعب الأفغاني الأعزل البائس بأطنان من القنابل! هم كذلك المسئولون عن قتل ما يزيد عن ٢٥٠ ألف طفل لا تزيد أعمارهم عن خمس سنوات في المستشفيات وخارجها، بإصرارهم على فرض الحصار على العراق، والآن إشعال نار الفتنة وتركه، إن حدث، خربًا. ولن ينسى التاريخ خبراء التعذيب والإبادة في رواندا؛ مما أسفر عن ٤٠٠ ألف قتيل. كذلك توريد السلاح للحكومات الدكتاتورية وتمويلها، لا لشيءٍ سوى «حفظ السلام، وتحقيق الأمن والأمان!»، وهي الأهداف النبيلة التي تتحقق على رُفَات الشعوب؛ ملايين القتلى وملايين الجرحى! وهم الذين ساندوا سفاح جواتيمالا «جراماجو» وطاغية كوريا الجنوبية «تشون» والعميل الزائيري «موبوتو سيسي سيكو»، وهم الذين وضعوا «شامورو» على سدة الرئاسة في نيكاراجوا، وأطاحوا «محمد مصدق» في إيران، و«سوكارنو» في إندونيسيا، و«باريستد» في هاييتي! وهم أيضًا الذين أداروا مذبحة ريوسومبول على الحدود السلفادورية الهندوراسية! وهم ذاتهم الذين توجهوا إلى أفغانستان وأشعلوا نار الحرب كي يتمكنوا من ضبط أسواق الأفيون والتحكم في إنتاجه! وهم أنفسهم الذين يُخربون في سوريا، ويتصارعون في البلقان، ويستنزفون عروش الخليج، وينشرون الفتنة في فنزويلا، وفي العراق! وهم الذين يسرقون مناجم الذهب في أفريقيا، ويُبددون موارد الشعوب في أمريكا اللاتينية. هم الذين يصنعون الإرهاب ويدعمون الإرهابيين. إنهم أمراء الإرهاب!

    هذا هو عالم اليوم، وما ذكرناه لا يمثل سوى جزءٍ يسيرٍ تتمكن من الإضافة إليه كما يحلو لك. عليك فقط أن تمسك بتقرير من آلاف التقارير الصادرة دوريًّا عن المنظمات أو المؤسسات الدولية المعنية بأحوال الجوع والفقر والمرض، وسيصيبك الاندهاش لتجاهل تلك التقارير من قِبل النظرية الرسمية، ولسوف تتيقن من أن هذا العالم بحالته الراهنة، ونظامه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الراهن لا يستطيع بحال أو بآخر التقدم لإعطاء إجابة بشأنِ ما الحياة؟ وما الهدف منها؟ ولم يزل الجرح نازفًا. ولم تزل، كما ترنَّم جاليانو، الشرايين مفتوحة!٩

٢

السؤال المهم الآن: ما هو نوع الفكر الاقتصادي الذي يتعين أن تتبناه المؤسسة السياسية كي تخفي هذه الأرقام والوقائع المأساوية؟ هل تتبنى فكرًا يكشف عن هذه الكوارث الإنسانية؟ أم فكرًا يطمس معالم الانحطاط؟ لا داعي كي نرهق أنفسنا في التخمين. دعونا نعاين الحقائق التي تشكلت على أرض الواقع. واقع «الفكر!» الأكاديمي/التعليمي، الخادم الأمين للمؤسسة السياسية! كي نرى كيف تم مسخ العلم! وكيف يتم حشو أدْمِغَة الطلاب بكلامٍ فارغ ليس له علاقة بالإنسانية؛ إنما هو إغراق العقول في المعادلات والدوال الرياضية والرموز العديمة المعنى؛ بغية صرف الأنظار عن نظام يسوده أباطرة الذهب والدم! وتهيمن عليه ثقافة الإبادة والجشع! فلننتقل إلى أزْمة فهم الأزْمة! أزْمة الاقتصاد السياسي.

١  مذكور في: M. Beaud, “A History of Capitalism”, p. 19.
٢  يمكن القول بأن نحو ٤٠ بلدًا، في أنحاءٍ متفرقة من العالم المعاصر، تعرَّضَت خلال سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي إلى سلسلة من الاضطرابات العنيفة والثورات الدموية، كانت قد تكرَّرَت نحو ١٥٠ مرة؛ وذلك احتجاجًا على سياسات التقشف والتجويع التي نفذتها حكومات هذه الدول استجابة لشروط الصندوق الدولي، وأن عشرات آلاف المواطنين قد لقُوا حتفهم في عمليات الاحتجاجات هذه. انظر: أرنست فولف، «صندوق النقد الدولي: قوة عظمى في الساحة العالمية»، ترجمة عدنان عباس علي، عالم المعرفة؛ ٤٣٥ (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ٢٠١٦م)، ص٦٣.
٣  اعتمدتُ بشكلٍ أساسي على «تقارير البنك الدولي» (سنوات مختلفة) و«تقارير صندوق النقد الدولي» (سنوات مختلفة) و«تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي» (سنوات مختلفة) و«تقارير الأمم المتحدة» (سنوات مختلفة). وبوجهٍ عامٍّ لا تبخل التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية بإمدادنا بسيل من الأرقام المعبرة بوضوحٍ شديد عن الأوضاع السائدة على الصعيد العالمي؛ ومن ثم يمكن الرجوع لأي تقريرٍ صادر عن «الأونكتاد» على سبيل المثال، للتعرف إلى مجمل الوضع الاجتماعي والاقتصادي على الصعيد العالمي، وبالإضافة إلى تقارير المنظمات الدولية تلك، والتي لا نجد أي مبرر لإهدارها، على الرغم من صعوبة التوصل إلى ما تبحث عنه بالضبط تلك التقارير في بعض الأحيان! فلتكوين التصور العام، الناقد، عن الوضع الحالي على الصعيد العالمي، انظر: نعوم تشومسكي، «٥٠١ سنة الغزو مستمر»، ترجمة مي النبهان (دمشق: دار المدى، ٢٠٠٢م)؛ «الدولة الفاشلة»، ترجمة سامي الكعكي (بيروت: دار الكتاب العربي، ٢٠٠٧م)؛ لوريتا نابوليوني، «الاقتصاد العالمي الخفي»، ترجمة لبنى حامد عامر، مراجعة وتحرير مركز التعريب والترجمة (بيروت: الدار العربية للعلوم – ناشرون، ١٩٩٨م)؛ فرنسيس لابه وجوزيف كولنز، «١٠ خرافات عن الجوع في العالم» (نيودلهي: مركز دراسات العالم الثالث، ١٩٩٩م)؛ بول كروجمان، «العودة إلى الكساد العظيم: أزمة الاقتصاد العالمي»، ترجمة هاني تابري (بيروت: دار الكتاب العربي، ٢٠١٠م)؛ جان زيجلر، «إمبراطورية العار: سادة الحرب الاقتصادية: الإقطاعيون الجدد»، ترجمة هالة منصور عيسوي (القاهرة: إصدارات سطور الجديدة، ٢٠٠٧م)؛ ميشيل تشوسودوفيسكي، «عولمة الفقر»، ترجمة محمد مستجير مصطفى (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠١٢م)؛ باتريك آرتو وماري فيرار، «الرأسمالية في طريقها لتدمير نفسها»، ترجمة سعد الطويل (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، ٢٠٠٨م)؛ كريس هارمان، «رأسمالية الأزمة: دراسة في الاقتصاد العالمي المعاصر»، ترجمة غادة طنطاوي، مراجعة وائل جمال (القاهرة: دار المرايا للإنتاج الثقافي، ٢٠١٨م)؛ روبرت إسحاق، «مخاطر العولمة: كيف يصبح الأثرياء أكثر ثراءً والفقراء أكثر فقرًا»، ترجمة سعيد الحسينة (بيروت: الدار العربية للعلوم – ناشرون، ٢٠٠٥م)؛ أرنست فولف، «صندوق النقد الدولي: قوة عظمى في الساحة العالمية»، المصدر نفسه؛ جيرمي سيبروك، «ضحايا التنمية: المقاومة والبدائل»، ترجمة فخري لبيب (القاهرة: المركز القومي للترجمة، ٢٠٠٢م)؛ نعومي كلاين، «عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث»، ترجمة نادين خوري (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ٢٠١١م)؛ توماس بيكتي، «رأس المال في القرن الواحد والعشرين»، ترجمة وائل جمال، وسلمي حسين (بيروت: دار التنوير، ٢٠١٦م). وإنني أَعتبِر كتاب بول هاريسون «في قلب العالم الثالث»، بأجزائه الخمسة، من المؤلَّفات التي يمكن تصنيفها ضمن أهم ما تم إنجازه في فترة العشرين سنة الماضية كمحاولةِ تحليلٍ جدية، ومثيرة، للواقع الاجتماعي والاقتصادي على الصعيد العالمي، انظر: بول هاريسون، «في قلب العالم الثالث»، المصدر نفسه، ج١: «جذور الفقر»، وج٤: «الضائعون».
Ray Bush, “Poverty and Neoliberalism: Persistence and Reproduction in the Global South” (London: Pluto Press, 2007). John Perkins, “Confessions of Economic Hit Man” (New York: Penguin Group, 2006). James S. Henty, “The Blood Bankers: Tales from the Global Underground Economy” (New York: Four Walls Eight Windows, 2003).
ولتكوين المزيد من الوعي الهيكلي بالتاريخ الدموي للرأسمالية المعاصرة، وحاضرها الذي لا يقل دموية، انظر الأبحاث المهمة في: «الكتاب الأسود للرأسمالية»، لمجموعة من المؤلفين، ترجمة أنطون حمصي (بيروت: دار الطليعة الجديدة، ٢٠٠٦م).
٤  ويمكن أن نأخذ شركة نستله كمثال: «فقد تم تأسيسها مثل جميع الشركات عَبْر القارية على أساس مراكز الربح وهي مستقلة نسبيًّا عن الأخريات وتستخدم مصانعها الخمسمائة وأحد عشر حول العالم نفس شهادات الصلاحية التابعة للشركة الأم أو لمؤسسة توظيف الأسهم. وتُحقِّق نستله أرباحًا في البرازيل، ولا يُعاد استثمار إلا جزء يسير من هامش أرباح المصانع والشركات الخمس والعشرين المحلية المقامة في الدولة المضيفة، ويُوجَّه جزءٌ آخر لتمويل عملية التوسع وفتح أسواقٍ جديدة مثل سوق غذاء الحيوانات الأليفة. أما الجزء الأكبر من الأرباح، فيُحوَّل إلى مقر شركة نستله الأم، ويتم هذا التحويل، الذي يرهق اقتصاد الدولة، عن طريق بنك البرازيل، حيث إن نستله لا تقبل أن تُحوَّل عملة البرازيل إلى الشركة الأم بما أنها عملةٌ ضعيفة؛ فتقوم بتحويل أرباحها بالدولارات (أو أي عملةٍ أجنبية قوية)، وهكذا، يقوم البنك المركزي للبلد المضيف بتقديم مخزونه من النقد الأجنبي لكي يتم تحويل الأرباح والامتيازات الأخرى مثل حوالات الحماية عَبْر المحيط الأطلنطي؛ وبالتالي تزيد التمويلات الأجنبية من ثقل الدين الخارجي لهذا البلد.» انظر: جان زيجلر، «إمبراطورية العار»، المصدر نفسه، ص٢٣٨.
٥  م. روتانين، ج. إسبوسيتو، وبيتيا نستوروفا، «قيد لم ينكسر»، مجلة التمويل والتنمية (واشنطن: صندوق النقد الدولي)، العدد ٥٢، يونيو ٢٠١٥م، ص٢٩.
٦  مذكور في: روجيه جارودي، «كيف صنعنا القرن العشرين؟» (القاهرة: دار الشروق، ٢٠٠٠م)، ص١٨٦.
٧  انظر: جارودي، المصدر نفسه، ص١٦٩. وكتب جون برجر: «لما كانت الدعاية تتمتع بنفوذٍ هائل فهي بالتالي ظاهرةٌ سياسية عظيمة الأهمية، ولكن مراجعها واسعة بقدْرِ ما عرضها محدود لأنها لا تعترف إلا بقوة الاستهلاك؛ فتخضع لها سائر مَلَكات البشر وحاجاتهم. إنها تُراكم الآمال وتُنمِّطها وتُبسطها، فتمسي وعدًا مُكثَّفًا غامضًا وسحريًّا تعرضه تكرارًا مع كل عملية شراء. هكذا ينعدم أي أمل أو إنجاز أو متعةٍ أخرى في ظل ثقافة الرأسمالية. إن الرأسمالية باقية على قيد الحياة من خلال إرغامها الأكثرية الشعبية التي تستغلها على تعريف مصالحها في أضيق نطاق. في السابق، كان بقاؤها على قيد الحياة مرهونًا بالحرمان الشديد للأكثرية الشعبية. أما اليوم فإنه يتحقق بفرض مقياسٍ مزور لِما هو جذَّاب ولِما ليس هو بجذاب.» انظر: جون برجر، «وجهات نظر»، ترجمة فواز طرابلسي (دمشق: مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، ١٩٩٩م)، ص١٣٤.
٨  «في مطلع العام ١٩٩٠م بدأَت قوافل الجنس السلافية القادمة من دول التكتل السوفياتي باجتياح الأسواق الغربية، ولم تكن أولئك النسوة يتمتعن بالجمال ورخص كلفة ليلتهن وحسب، بقدْر ما كُن غارقات في اليأس.» انظر: نابوليوني، «الاقتصاد العالمي الخفي»، المصدر نفسه، ص٧.
٩  اقتباسًا من عنوان كتاب «الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية»، لمؤلفه الأورجواني إدواردو جاليانو، الذي يحكي تاريخ النهب والاستغلال الذي تعرضت له قارة أمريكا اللاتينية. وقد كتبه جاليانو في مونتفيدو عام ١٩٧٠م وألحقه بإضافات كتبها في برشلونة عام ١٩٧٨م تحت عنوان: بعد سبع سنوات، أشار فيها إلى تأميم البترول الفنزويلي. وعلى الرغم من أن «الشرايين المفتوحة» ظل ممنوعًا من دخول أورجواي سبع سنواتٍ كاملة، فإنه أصبح الكتاب الأكثر شعبية هناك، وطُبع منه ما يزيد على ستين طبعة وتُرجم إلى معظم لغات العالم. انظر: إدواردو جاليانو، «الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية: تاريخ مضاد»، ترجمة أحمد حسان، وبشير السباعي (الإسكندرية: دار النيل، ١٩٩٤م).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠