الرسول في المدينة

التأسيس والتنظيم والتشريع

فترة المدينة أهم فترة في حياة الرسول — عليه الصلاة والسلام — لأنها فترة التأسيس والتنظيم والتشريع، وتأليف القوى التي بنى عليها الإسلام البناء الذي واجه به العالم.

والمؤرخون الإسلاميون لم يفطنوا إلى كل ما كانت عليه هذه الفترة من العظمة والجلال والقوة وإلى ما ظهر من مواهب الرسول الإنسانية التي أعده الله بها وسلحه ليتم له نصرة الحق على يديه، وإننا نلتمس الأعذار لكتَّاب السيرة بل ونعتذر عنهم؛ لأن حوادث التاريخ تحدث وقد لا يكون لها شأن عند حدوثها، وقد يراها المعاصر ولا يدرك مداها، فتصبح الأشياء التي يغض عنها المعاصر طرفه أجزاء مهمة من التاريخ وقد يكون لها من الأهمية ما لم يتخيله أحد أثناء حدوثها.

ماذا رأى العرب المهاجرون للنبي في وطنه وفي مهجره في تلك الهجرة العجيبة المهولة الحافلة بالأحداث الكبار؟

لقد ارتاح المكيون لها واستراحوا وأقصَوا عن بلدهم ذلك الذي كان يُضيِّق عليهم الخناق بأقواله وفعاله، وضيقوا عليه الخناق بعدائهم وشرورهم، حتى لقد تآمروا على قتله وفشلت المؤامرة بسبب لا دخل لهم فيه؛ وهو عثورهم على عليِّ بن أبي طالب في فراش النبي، وكان عليٌّ في العشرين من عمره ولم يكن بينه وبينهم عداء، وقتْله لا يُسكت محمدًا؛ بل يثير عداوة بيت عبد المطلب، وفيهم العباس وجعفر وعقيل وحمزة وأصهارهم أزواج بنات عبد المطلب، فأعرضوا عن علي وأدركوا أنهم خسروا الصفقة فلم تطش أحلامهم ولم يضل إدراكهم، بل فكروا في اقتفاء أثر المهاجرَين محمد وأبي بكر، واتخذوا لذلك كل الوسائل، حتى وطئ المتعقبون غار ثور وكادوا يقتحمونه، فكان في انصرافهم عنه مهرب بدقة الشعرة، فلم يقنطوا وجعلوا لشخصه ثمنًا لمن يسعفه حظه بالقبض عليه أو قتله، فتبعه رجل عدَّاء فارس يُحسن الكر والفر إلى أن التقى به وبصاحبه، ولهم حديث طويل، ونزلا بامرأة أكرمتهما وسقتهما ووصفته أحسنَ وصفٍ وأبلغَه وأدقَّه، وما زالا سائرين في دروبٍ ومسالكَ ومفاوزَ ما تزال إلى الآن موحشة رهيبة مواصلين السير يغذَّانه إلى أن بلغا ضواحي المدينة.

يجب على كل مؤرخ وكل قارئ ودارس أن يدرك حقيقة جوهرية، وهي أنه منذ وطئت أقدام النبي أرض المدينة تجلَّت مواهبه الفائقة في التفكير والتدبير وحسن السياسة وإدارة الأمور بما يُدهش من لا علم له بعبقريته وأخلاقه، إنه ليسلك في كل شيء حتى لكأنه ينفذ خطة مرسومة يعرف أوائلها وأوساطها وأواخرها، وقد صمم على تنفيذها لا يخشى في ذلك شيئًا حتى الموت، ولا يحرص على شيء في سبيلها مما له مساس بشخصه ما عدا مكارم الأخلاق التي كانت شعاره وخطته، وتتلخص هذه الخطة في أن يستولي باسم الله مولاه وسيده وملهمه على هذا البلد وأن يجعل من أهلها كائنين من كانوا ومن المهاجرين أمة جديدة بعيدة عن تأثير قريش ومكة، وأن يربي هذه الأمة ويثقفها ويخضعها لإرادة الله وإرادته؛ حتى يجعل منها جيشًا محاربًا يدفع به هجوم العدو ويهجم به عند الأوان لتحطيم قوة أعدائه، كانت هذه الفكرة الأساسية في نفس النبي، ولذا كان يشيد بحلف الفضول، ونحن نعلم أنه كان بطبيعته الحلوة الهادئة مسالمًا يفضل الصلح في كل الأمور، ويكره أن تمتد يده أو لسانه بأذى، بل كل حواسه؛ فكان يحرم الضرب ويحرم النظر الحرام أو النظرة الجارحة، ولكن ثلاث عشرة سنة قضاها في بيئة المكيين الذين افتنُّوا في أذاه وأذى المسلمين حتى أرغموهم على ثلاث هجرات بنسائهم وأطفالهم، علمته أن الصلح والسلم والهوادة والمجاملة أحلام حالم، وأن الدعوة إلى الحق والصدق والشرف والوفاء والعفة والأمانة وما إليها من الفضائل، الدعوة إلى هذه كلها باللين والمعروف والمحاسنة، لا تؤدي إلى الغاية المنشودة، وأنه لا بد للداعي إليها من القوة المادية الساحقة، لا بد أن يكون الداعي إليها مسلحًا ومدرعًا، يتوعد بالقتل، فإن لم يرعوِ المدعو فليُحكم السيف في عنقه وليهرق دمه، لا قسوة ولا صلفًا ولكن تنفيذًا للخطة المرسومة، نعم؛ إن الفضائل التي يدعو إليها خير، ولباب القرآن في شرحها وبيانها وتأكيد الثواب عليها قد نزل في مكة، ولكن الناس في ذاك الزمان وكل زمان يفرون من دعوة الخير ويعرضون عنها بقدر ما يسارعون إلى الشر بغير دعوة، ويلتفون حول صاحبه ويحبذونه ويغدقون عليه، وهذه مسألة تعليلها في طبيعة البشر وأخلاقهم فلا نعرض لها، ألا ترى معي أن فكرة تكوين أمة جديدة من بلدة غريبة عنه وغريبة عليه فكرة صعبة التنفيذ، بل تكاد تكون مستحيلة، يتردد قبل الإقدام عليها كل رجل يقيس الحوادث بالمنطق ويقارن بين الماضي والحاضر؟ نعم؛ كانت له بالمدينة أواصر قرابة في بني النجار، ولكن بني النجار لم يكونوا ذوي شأن كبير، ولم يكونوا كلهم مسلمين، وفيهم محازبون لليهود، وله أيضًا المهاجرون الذين لا شك في إيمانهم وإخلاصهم وطاعتهم، وبينهم نساء مؤمنات مترملات مصبيات فقيرات معذبات، تقدَّر الواحدة منهن بعشرة رجال؛ كأم سلمة، وبينهم صفوة الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عوف وابن عبادة، ولكن هؤلاء مهما كثر عددهم وكبر شأنهم في مستقبل الأيام فهم الآن مهاجرون أُخرجوا من ديارهم ونُهبت أموالهم وقُتل أقاربهم، وهم في حالة الخوف والإشفاق والحاجة إلى ضيافة الأنصارِ، والأنصارُ كانوا أكبر عددًا وأعزَّ جاهًا وأكثر مالًا، ولكنهم محفوفون بالأخطار جازفوا بمبايعة ذلك الرجل الذي أخرجه قومه، وأول ما يخطر ببال الغريب أن يقال «إذا كان فيه خير لحرص عليه قومه.» وكانت هذه الحجة الشائكة على أطراف ألسنة طغاة ثقيف في الطائف وغيرها من القبائل التي تَنَزَّلَ الرسولُ وعرض نفسَه عليها، وقد أحرج الأنصار موقفهم مع بقية الأوس والخزرج من المشركين، وخاصة مع اليهود وهم أغنياء وأقوياء وذوو مكر تزول منه الجبال، ولم يكن النبي مهاجرًا بمفرده أو بأهله حتى تتخذ ضيافته صورة الخصوصية، ولكن كان مهاجرًا بحزبه، وقد سبقه إلى المدينة رجال ونساء معدمون خواة الوفاض بادو الإنفاض، حتى الذين كانوا سراة بمكة، فهذه عداوة مفتوحة لقريش؛ لأنهم آووا إلى بيوتهم أخص أعدائها، وهذه عداوة تنذر بقطع العلاقات ومجاهرة الخصومة، وهذه عداوة لليهود؛ لأنهم جلبوا إليهم رجلًا يقول إنه مرسل من عند الله، ودليله بيمينه وهو كتاب الله، واليهود يفاخرون بأنبيائهم الموتى وملوكهم المدفونين في التراب في بلاد بعيدة، وفي هذا من التحدي لليهود ما فيه.

ويقول اليهود: لو تاقت نفوسكم أيها الأنصار من الأوس والخزرج لدين سماوي وأنِفتم أن تبقوا على عبادة الأوثان فاتخذوا ديننا وكتابنا فنحن نعلمكم ونحن جيرانكم، وإن منكم من تهوَّد، فلا غضاضة، ولكن الأنصار درسوا هذه المسائل فيما بينهم على مدى ثلاث سنين وهي المدة التي دامت فيها المفاوضات قبل الهجرة وقدروا في أنفسهم أنهم يقدرون عليها، ولكن قلوبهم كانت واجفة، يخشون أن يكون في قدوم الرسول مثارًا للنزاع. ومسألة رابعة خطيرة وهي أن حزبًا قويًّا بدأ يتكون حول عبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول الذي وُصف بعد ذلك بأنه رأس المنافقين، وكان داهية باقعة ذا رأي وقوة ومحالفة مع اليهود، لقد بلغ هذا الرجل من النفوذ درجة جعلت قومه يفكرون في تتويجه ملكًا عليهم، وكان يرمز للتتويج بعقد الخرزات، كان الأوس يريدونه سيدًا عليهم، وكان خليقًا في نظرهم بأن يسود المجتمع المدني وينشر لواء سلطته عليهم جميعًا؛ لأنه ذو دهاء ورأي، وقد رأيناه يوم بعاث يستشار ويشير ويأمر وينهى، ولما تم الأمر على خلاف ما رأى تمكن بدهائه أن ينجو من الانتقام.

وهذا الرجل نفسه هو الذي اتخذ من هزيمة المسلمين في حرب أحد حجة يعلل بها رأيه في عدم الخروج إلى محاربة قريش، وادعى أن الرسول أطاع مشورة الشبان الطامعين في الحصول على النصر الحربي أو الطامحين إلى المجد، وقد مثل هو نفسه وحزبه واليهود في موقعة أحد (عندما أُرغموا على السير إليها بحكم المحالفة) دورًا مخزيًا.

هذا الرجل كان قد وصل إلى قمة السياسة القبلية في المدينة، وكان يوشك أن يتوج بإجماع الآراء، فلما جاء النبي انصرفت الأذهان عنه انشغالًا بالرسول ومقدمه، ومن ناحية أخرى فإن الأعمى يرى الفروق الهائلة بين الرجلين، فليس عبد الله بن أُبَيٍّ بالذي يُصلح مزاحمًا لأحد أصحاب محمد؛ دع عنك محمدًا نفسه، فهذه ضغينة صريحة لا يمكن نسيانها أو التجاوز عنها أو التقليل من شأنها.

نعم؛ إن الرسول لم يصارح أحدًا بفكرته التي ألمعنا إليها؛ وهي أن يسود البلد؛ ليربي فيه أمة يحارب بها أهل مكة، ولكن الأمر كان ظاهرًا لعبد الله بن أُبَيٍّ أو لأي رجل لديه خبرة سياسية؛ لأن الرسول لم يكن مهاجرًا لاجئًا يكتفي بنجاة نفسه ومن معه، بل كان قادمًا ليؤدي عملًا ويتم رسالة، ولن يسكت عنها، ولو أراد السكوت لبقي في بلده وعشيرته، خصوصًا وأن أعيان قريش وكان معهم عبد الله بن أُبَيٍّ، وهم أبو سفيان وأبو جهل وآخرون عرضوا على الرسول أن يقاسموه أموالهم وسلطانهم لو كفَّ عن الدعوة فأبى، وإذن يكون عبد الله بن أُبَيٍّ قد وقف على الحقيقة؛ وهي أن هذا الرجل الذي صبر ثلاثة عشر عامًا على أشد الويلات لن يكف ولن يسكت، وأنه لم يقدم المدينة إلا بعد أن استوثق ببيعة مائة رجل للدفاع عنه ومناصرته، ولا بد أن يكون قد حسب حساب فوزه ولو فوزًا جزئيًّا، وأن كثيرًا من عناصر النجاح قد توافرت له، ومن هذه العناصر تعطيل تتويجه أو تأجيل الاحتفال به إلى أجل غير مسمى، وسوف نلتقي بهذا الرجل كثيرًا؛ لأن شخصيته جذابة للدارسين؛ بسبب نفاقه وشره وخلاص المسلمين من كيده، وهو لم يجرؤ على إضلاعه مع اليهود أن يجاهرهم بالعداء، فكان على قدر استطاعته محافظًا على ظواهر الأشياء.

وكان على النبي في أول مقدمه ومعرفته بكل ما في المدينة من أحزاب وتيارات فكرية، على صغرها، أن يتلطف ويجامل ويؤلف القلوب ويرد كيد الأفراد والجماعات، لا مضمرًا لهم انتقامًا، ولكن راجيًا أن ينضموا إليه باللين، حتى إذا قوي واشتد ساعده وما يزالون على حالهم فسوف يكون له شأن آخر.

كان اليهود ذوي حوْل وطَول بعددهم وعلمهم ومالهم وحنكتهم، وكانوا أهل كتاب وفيهم رؤساء دين ورؤساء دنيا، فلا يمكن أن تخفى عنهم اتجاهات الرسول، ولكنهم تعودوا أن يداهنوا وأن يربحوا وأن لا يفاجئوا بالعداء إلا إذا استضعفوا شخصًا أو فئة، ولكن عداءهم خليق بأن يظهر دائمًا عن طريق النقد والغيبة والطعن ومواجهة الشخص بما يكره؛ لأن نفوسهم تنضح بالبغض، ولا ريب عندنا أن كانت لهم يد في كل ما وقع بين الأوس والخزرج من الحروب؛ لأنهم مهما تحالفوا واطمأنوا للجوار فلا ينسون أن هاتين القبيلتين هما اللتان أغارتا على المدينة التي اعتبروها ملكهم؛ لأنهم أخذوها بحق الفتح من العمالقة، وقد دار الدهر وحلَّت بها فئة أقوى منهم وأقدر على الحرب ولها سند من عرب آخرين في غسان، فأمسى اليهود قلة في العدد وفي الحرب ونفاذ الرأي، وها هما القبيلتان عندما بدأتا تتضعضعان (وقد تسنح فرصة لليهود أن يتغلبوا عليهما) جلبتا إليهم رجلًا غريبًا عن البلد تسبقه وتصحبه وتلحق به عشائر من قريش تدافع عنه وتناضل وتترك بلدها وأموالها في سبيله، فهذا عنصر قوة جديد يشد من أزر الأوس والخزرج ويقضي على آخر أمل لليهود في استرجاع قوتهم، ولا بد أن حسبوا حسابهم في أن بقية الأوس والخزرج سوف تنضم إلى إخوانها في الانضواء تحت لواء الإسلام تقليدًا أو اقتناعًا، فإذا تم ذلك صارت هنا كتلة إسلامية ضخمة لم يجربوا — أي اليهود — العيش في أكنافها، خصوصًا وأنهم لا يطيقون أن يعاشروا ملة أخرى تقول بأن دينها سماوي أو منزل وأن لها رسولًا وكتابًا، فإنهم قد درجوا على القول بأنهم ملح الأرض وشعب الله المختار، وأنه منذ قضى موسى نحبه لم يظهر من ينازعهم هذا الشرف، والذي نهض في أحضانهم وشق عصا الطاعة عليهم أخذوا بتلابيبه وهو ابنهم البكر، وتقوَّلوا عليه الأقاويل وقادوه إلى الحاكم الأجنبي في وطنهم، وطالبوه بإهراق دمه.

ولهذا قبلوا عهد محمد مرغمين وهم يضمرون النقض له في الفرصة السانحة، ولا يبطنون وفاء ولا صفاء، فزعم زاعم أن الرسول — عليه الصلاة والسلام — استنزل من السماء وحيًا يقر بفضل اليهود وأنبياء اليهود ويشيد بقصص اليهود؛ تقربًا إليهم وزلفى؛ حتى لا تتيقظ أحقادهم ولا ترفع أفاعي غلِّهم رءوسها! فهذا الذي زعموه باطل؛ فإن سورة القصص مكية، وهذه السورة فيها قصة موسى وترجمة حاله من مولده إلى بعثته، وقد أراد الله أن يؤيد وحيه إلى الرسول بالنص على إنبائه بغيبٍ ما كان يعلمه محمد، ولا وصل إلى معرفته، فقال: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.

وهذه الآيات كالسورة كلها مكية، نزلت بمكة قبل أن تطأ أقدامُ الرسولِ أرضَ المدينةِ، بل إن كثيرًا من القرآن الذي نزل بالمدينة فيه تقريع لليهود: وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (الأنعام: ٩١).

فهنا تمجيد لموسى وكتابه وتقريع للذين يُخفون كثيرًا منه، ولم يحدَّ القرآن من الثناء على الأنبياء جميعًا وتقريع شعوبهم الذين خالفوهم.

فذكر شعيبًا وصالحًا وهودًا ونوحًا ولوطًا مع أن شعوبهم قد هلكت قبل بعثة الرسول بألوف السنين أو على الأقل بمئاتها، فمَن كان يجامل أو يلاطف؟! ولمن كانت الزلفى؟! أهي العظام وهي رميم، أم رفات الذين اتخذوا في الجبال بيوتًا وأتتهم الصاعقة فهلكوا جميعًا مع الهالكين؟!

حقًّا؛ إن الرسول تلطف وتجمل مع يهود المدينة ولكن بصفته رجلًا وضيفًا كريمًا، ولكن لا بوصفه رسولًا ونبيًّا، وإن الأدب من خلقه، ولين العريكة وحسن اللقاء من طبعه؛ لأنه لو كان فظًّا غليظ الطبع لانفضوا من حوله، ولكن لا يصل الأدب ولين العريكة إلى حد الرياء أبدًا أو الانتصار الشخصي على حساب الرسالة؛ لأنها ليست ملكه، ولو كان ذلك طبعه لفعل في مكة بعض ما طلبه المكيون وقد عرضوا عليه المال والسلطان، وأن يترك لهم آلهتهم ويتركوا له ربه، لو فعل ذلك لكفى نفسه الحرب والنضال والعداء والاضطهاد ثلاث عشرة سنة، وقد بلغ نصف العقد السادس وصار خليقًا بالراحة بعد عناء، والاطمئنان بعد قلق، والسلم بعد جهاد، وكان يقيم في بلده مكتفيًا بمن آمن بدينه من أهله وأصحابه وعشيرته ممن هاجروا الهجرات الثلاث، ويصبر لعل الناس يدخلون في دين الله بدون مجهود يبذله من جانبه، والذي يقول بهذا أو يقترح عليه هذا أو يحبذ هذه، لم يكن يعرف حقيقة الوحي المحمدي ولا طبيعة الرسول وخلقه، بل لا يعرف طبيعة رسالته.

لم نكن عندما هدانا الله إلى البحث في سيرة الرسول نعلم قيمة المدينة والهجرة إليها، فلما انكشفت لنا حقيقته — عليه الصلاة والسلام — من بعض أعماله رأينا في لمحة، عظم النتائج التي ترتبت على وصوله إلى يثربَ في ذلك اليوم الضاحي الذي بدأ به للعالم والإنسانية تاريخ جديد بزَّ تاريخ البعثة نفسها من حيث اتصال الرسول بالناس في الدور الثاني لرسالته.

•••

ليس تاريخ تأسيس المدن من مناهجنا، وتاريخ تأسيس المدينة نفسه يهمنا لبلوغ الرسول إليها في ذلك الوقت المعين، لقد ترك وراءه مدينة أكبر وأعمر وأغنى ولكنها فيما عدا المهاجرين والمسلمين الذين ما زالوا أسرى في بيوت أهلهم وسادتهم والذين يخفون إيمانهم؛ خوفًا من التعذيب والاضطهاد، بلدة خبيثة نكراء فاسدة فاسقة دنست هيكلها الأعظم بعبادة الأوثان، واستباحت كل المحرمات وعاشت أمدًا على الجرائم والاغتيال والربا، ولولا الأشهر الحرم لانغمست مكة في الدماء.

وقد أراد الرسول أن يختبر بلدة أخرى قريبة منها فيها خصب ومياه وحدائق وأعناب، وفيها سدنة وكهان، وفيها غنى وثراء، وفيها أعيان وسادة، وفيها لفيف من أقاربه وبني وطنه يشرفون على مزارعهم ويجنون ثمار بساتينهم ويبنون بيوتًا في الخمائل يقضون فيها أشهر الصيف الشديدة القيظ، فرحل إليها١ يتبعه فتاه الأمين زيد بن حارثة ربيب نعمته ونعمة خديجة، فكان ما كان من سوء لقائهم إياه واضطراره إلى العودة من حيث أتى بعد أن لحقه من الألم ما لحقه، مما يرفع شأنه ويعلي ذكره ويعظم شأن بعثته باحتماله وصبره، وإذن كانت فكرة الرسول بعد خيبة المكيين في إدراك مراميه وبعد الطائف وثقيف وهما حليفتا مكة وقريش، أن يجد «البلد»؛ لأن «البلد» قد أصبحت في القرن السابع المسيحي موطن العربي الذي ودع البداوة واتجه نحو الإقامة وراء الأسوار.

لقد تأخر هذا الدور في جزيرة العرب؛ لأن «البلد» في أوطان أخرى كانت قد قطعت أشواطًا بعيدة في الحضارة، سواء في مصر أم فيما بين النهرين أم في اليونان وآسيا الصغرى أم في رومة، وكانت هناك «بلدان» لا تُعدُّ ولا تُحصى، ومن بينها المدينة أو طيبة أو يثرب التي كان فيها الشرك واليهودية والنصرانية (عن طريق غسَّان)، وكانت خليقة بأن تعيش ألوف السنين كما هي، يعيش أهلها على الزراعة وقليل من الصناعة والتجارة، فهي «طائف» صغيرة لها ميناؤها الذي لم تُعَبِّد طريقها إليه؛ لعدم حاجتها إلى البروز إلى البحر (كما هو شأن جدة بالنسبة إلى مكة والطائف)؛ وذلك بأن المدينة كانت بلدة من غير روح فجاء محمد إليها بروح المدينة، لقد ولد للمدينة روحٌ يوم أن دخلها الرسول، فالعبرة ليست بالبناء والمكان ولكن بالساكنين، فإذا سكنوا فلا قيمة لوجودهم المادي وحركات أبدانهم، ولكن بالروح الحي والقلب النابض الخفاق. إن أكواخ المدينة وآطامها ووديانها وجبالها لم تكن تزيد عن أي بلد آخر فيه جماعة من الناس، غير أن اجتماع الكوخ إلى الكوخ والجدار إلى الجدار والبيت إلى البيت والأطم إلى الأطم يخلق كائنًا جديدًا وشخصية جديدة غير التي تفاد من هذه المفردات مستقلة بعضها عن بعض، فيكون لها كيان وذاتية وهيئة خاصة وسيما وسحنة ووجه، فتبدأ حياة جديدة تجعل أحد أهلها يقول: (البلد يريد كذا أو يقصد إلى كذا) فكأنه يتكلم بلسان الجماعة، وكأنه تقمص شخصية البلد، وقد وصلت المدينة إلى هذه الدرجة في سلَّم التكوين ولكنها كانت خالية من كل معاني الروح، حتى المشركين فيها لم يكن لهم معبد أو هيكل ولكنهم يعبدون الأصنام بالتبعية، ولم يكن فيها كنيس لليهود ولا كنيس للنصارى، وإن تكن المدينة أقل فسوقًا من أهل مكة؛ لأنها أقل غنًى، ولأنها محرومة من مواسم الحج والزيارة وصفة القداسة واختلاط الأمم في عرصاتها وأفنيتها وطرقها، إلا أنها لم تكن أقل تحللًا في الأخلاق؛ فقد كان شرب الخمر فيها شائعًا، وكانت صناعة الأغاني متفوقة، وكان التسري والاسترقاق أمورًا معلومة؛ لقربها من الشام والعراق، ولكن هذه المدينة مهما كبرت واتسعت وبلغت درجة مكة أو الطائف في النمو والبذخ فهي لا تزيد عنها في الجانب الروحي، ولا تتميز عليها بشيء.

ولكنها منذ أن دخلها النبي يحمل إليها الحضارة الروحية والرسالة المحمدية حل فيها روح جعلها أكبر وأعظم وأقوى وأغنى وأشجع من مكة والطائف ومن رومة وأثينا ومن بابل وغيرها من المدن التي لفظت أنفاسها الأخيرة، فهذه الأخيرة لم تعد تحسب مدنًا على كل ما فيها من مظاهر الحياة المادية، وحتى الأسواق الكبرى ومراكز التجارة والمواصلات لا تعد «مدنًا» بالمعنى الذي صارت إليه المدينة بعد مجيء النبي؛ فقد خلع عليها طابعًا وجعل لها صفة، وصارت يثرب وطيبة «المدينة» وحسب، كما تقول عن بعض أعلام الرجال المشهورين «الرجل»، وماذا يضير الرجل العظيم المشار إليه إن كان قصيرًا أو طويلًا، هزيلًا أو سمينًا، ذميمًا أم جميلًا؛ ما دام هو الرجل؟! كذلك ماذا يضير يثرب أو طيبة إن كانت صغيرة أو كبيرة، فسيحة أم ضيقة، مزدحمة أم قليلة الزحام، مكتظة بالسكان أم ضيقة بوقع الأقدام ما دامت هي «المدينة»، وما دام النبي الوافد إليها قد صمم على أن يجعل منها أمة جديدة قوية معدة للحرب والصدام؛ لنصرة الحق الذي جاءه من عند الله؟! وقد زاد في قيمة المدينة عند مجيء النبي إليها أنها لم تكن قد خالطها أهالي البلاد الأخرى، كما كانت الحال في مكة؛ فلا ترى في طرقها الضيقة الملتوية وجوهًا من الهند والسند والحبشة ومصر والفرس والشام واليمن والعراق، ولم تَسْرِ إليها عدوى أخلاق هؤلاء، وفيهم الطيب والخبيث والمطيع والعاصي والمفيق والمخمور والعفُّ والفاجر والدنس والطاهر، إنها ما زالت بكرًا أو في حكم البكر، وإن اليهود الذين ملكوها قديمًا واحتفظوا بها وذلوا أخيرًا لانغماسهم في الترف واستغلالهم قبائل الأوس والخزرج ومن يَمُتُّ إليهما من العشائر بالحلف والائتلاف والجوار، ولكنهم في الجملة محافظون على لون من الأخلاق والعادات والآداب والشريعة، مزيجًا من التوراة، وعرف العرب، وأخلاق الصحراء.

لم يخطئ الرسول منذ هجرته ولم يحِد قيد شعرة عن خطته المرسومة؛ فإنه قبل أن يدخل البلد أقام بقباء؛ وهي قرية تبعد عنها ميلين أو ثلاثة، واتخذ بها مسجدًا ما يزال قائمًا متجددًا؛ لأنه كما قال القرآن في وصفه: قد أُسس على التقوى، وهذا المسجد وهذه القرية في مكان وسط بين أحد وبين المدينة قريبًا من حدود الخندق، كأن الرسول اختار مكانًا يشرف منه على البلد الذي سيصير عاصمة الإسلام، وعلى الميدانين الكبيرين اللذين تقع فيهما عظمى مواقع التاريخ المحمدي بعد بدر، فهذه بسطة الأرض في سفح جبل أحد ستدور فيها موقعة كادت تكون حاسمة في مستقبل هذا الدين وهذه الأمة، فقلبها الرسول بسعة حيلته وحسن تدبيره حاسمة في تهذيب أخلاق المسلمين وتدريبهم وإيقاظ مواهبهم وإفادتهم من الهزيمة خبرة وتجريبًا ينفعهم أعظم نفع في موقعة الأحزاب وفتح مكة وموقعة حنين؛ إذ لا بد أن يُهزم الجيش قبل أن يتعود الانتصار في الملاحم، وقد أسفرت موقعة أحد عن حقيقة الأحزاب في المدينة نفسها؛ فكتلة اليهود والمنافقين قد سارت إلى الحرب مرغمةً، ثم ردها الرسولُ قبل أن تتنمر وتنقلب عليه.

وقد أقام الرسول في قباء أيامًا ثم أشهرًا، وقد زعم بعض المؤرخين أنه أقام بها؛ ليدرس المحيط الجغرافي، ويتعرف مواطن الآبار، ويفحص الطرق والسبل والمواقع التي تصلح للحرب بين مرتفعات ومنخفضات وسهول ووديان وسفوح جبال! وانتقد البعض هذا الزعم بأن الرسول ما أقام في قباء إلا ليستريح من عناء السفر، وليتخذ أصحابه عدتهم لاستقباله أحسن استقبال، وهذا أيضًا تعليل مقبول، ولكن الزعم الأول يرضينا ولا يسوء أن يكون الرسول كان يضمر الحرب ويخشى هجوم أعدائه ويستعد للدفاع، فهذا يتمشى مع تنفيذ خطته، وقد نجحت هذه الإقامة الاستكشافية؛ فإن خطط النبي في أحد وفي الأحزاب كانت موفقة، والهزيمة في الأولى جاءت بفعل العصاة من الرماة المسلمين الذين فتنتهم الغنائم وغرهم انهزام المشركين، ومن بوادر النجاح في الموقعتين أن النبي أرغم المشركين على الحرب في الميدان الذي اختاره، لا الذي اختاروه، وقد اختار هو لنفسه وجيشه وقواد جيشه أماكنَ وآبارًا وظلالًا وقبابًا يلازمها النصر وإطفاء الظمأ، وإذن لم تكن إقامته في قباء لغاية دينية؛ وهي تأسيس المسجد، ولا لتمكين أصحابه وأنصاره من إعداد استقباله، ولم يخطر بباله أن يتخذ من قباء متكأً ومستقرًّا يحلُّ به إذا أرغمته الظروف على الخروج من المدينة، فإنه ليس بالرجل الذي يقنع بالإقامة في القرى، ولا بالذي يبني مسجدًا ليقيم فيه كما يقيم غيره في الصوامع والبِيَعِ، وإلا ففي ضواحي مكة متسع، ولكن وقت الخلوة والاعتكاف والتحنث قد انتهى وسمع صيحة: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ.

وبقدر فرح الرسول ببلوغه أمد هجرته على أبواب المدينة كان ينازعه إلى مكة حب الوطن ويؤلمه غدر مواطنيه وعمى بصائرهم وأبصارهم ويشفق عليهم والله يواسيه ويوحي إليه أن هذا البلد الذي أخرجه لا شأن له بين البلدان التي هلكت بغضب الله واضطهاد الرسول: وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ.

وكان الله كلما حنَّ إلى وطنه يطمئنه بالعود منصورًا ظافرًا، فأنزل عليه أثناء الهجرة قوله: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ.

وليس في القرآن غير هاتين الآيتين نزل أثناء الهجرة في الطريق، وإنهما على جانب من الأهمية، فالأولى في سورة «محمد» ينبه الله فيها الرسول إلى أن المدن مهما كبرت وعزَّت وضخمت فليس هلاكها على الله بعزيز، ولا يكون الهلاك دائمًا بالصعق أو التدمير كما حدث في سدوم وعمورة وبومبئي وهيركولانيوم وعواصم الأزتيك والإنكاس والمابا بالمكسيك وبابل وتَدْمُرَ والبتراء ومدن عاد وثمود، ولكن الهلاك قد يكون بزوال القوة وانحلال الشخصية وانهزام المجتمع على صورته التي يعاند بها الحق، فمكة الوثنية هلكت يوم الفتح؛ أي إن روحها الوثني زهق وحل بها روح جديد هو روح الإيمان المحمدي، وفي الحق لم تكن مكة بالقياس إلى تلك المدن شيئًا مذكورًا؛ فأين هي من طيبة ومن رومة ومن إسبارطة وأثينا وقد هلكت جميعًا وطارت من بروجها جوارح القوة التي حلقت في سماء المجد قرونًا، وتقوضت أركان هياكلها فخوت على عروشها وانثلت عروش ملوكها وسادتها، وتدحرجت تيجانها المزدوجة والمنفردة، وتقلصت ظلال الجاه والعظمة التي عاشت الأمم في أكنافها، ولكن القرية التي هو قادم عليها وإن تكن أصغر من مكة وأقل شأنًا وأخفض صوتًا وأصغر صيتًا، إلا أنها ستكون أعظم وأقوى من مكة حتى ترد غائلتها أولًا ثم تفتحها وتغتصبها وتسودها وتجعلها تابعة.

ولكن هذا الاستصغار لشأن مكة كان مصحوبًا بوعد من الله بالعود إليها تحت راية الظفر والنصر: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ. هذا المعاد بأمر الله قد فرضه على نفسه وكتبه كما فرض عليك القرآن الكريم:

دع ما يقول النصارى في نبيهمُ
وفي الكمالات قل ما شئت واتَّسم

ومن هذه الكمالات التي يشير إليها البوصيري في بردته الباقية بقاء أصدق الشعر وأبلغه وأروعه، اهتمامه بمجرد وصوله بتشييد المسجد في المدينة، وهو أبلغ من رفع راية أو علم أو بناء حصن وأطم؛ لأنه بناء مكان يقطنه روح البلد الذي حل به بحلول محمد، والآطام والحصون تحل بها الأجساد لا الأرواح والمباني لا المعاني.

•••

لقد قطع الرسول هذه الطريق؛ ليصل إلى المدينة وقد دخلها على صورة إنسانية يكاد من يراه لا يعرفه ولا يميزه عن أبي بكر رديفه، نزل الرسول في بني عمرو بن عوف عشيرة من الأوس أسبوعين، فلما أراد الانتقال إلى عشيرته وأخواله جاء ملأ من بني النجار متقلدين سيوفهم، وقد رآهم شاهد عيان صادق الرواية هو أنس بن مالك، فساروا بموكب من ديار بني عمرو بن عوف إلى فناء أبي أيوب؛ وهي ما تزال حتى اليوم مجاورة للمسجد يفصلها زقاق البدور أو الرصاع، وقد مر الرسول في طريقه بعبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول الذي قلنا: إننا سنلتقي به كثيرًا في فترة المدينة، بل في عصرها الذهبي، فهو يمثل دور «خائن القصة» أو «وغد الرواية» الذي يبغضه القارئ أو المشاهد ويستثقل ظله، ولا يعجب به إلا الكاتب أو المؤلف؛ لأنه خلقه من فتات الشر ولوَّن شخصيته من عناصر اللؤم والخبث والنفاق، ومع ذلك فلم يكن عبد الله دميمًا ولا ثقيل الظل ولا سيئ الهيئة، بل كان جميل الصورة ممتلئ الجسم حسن التقاطيع فصيح اللسان أرستقراطي المظهر وهو الذي عناه القرآن الكريم بقوله: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ….

لقد مر الرسول يصحبه سعد بن عبادة وأراد الرسول أن ينزل به؛ تأليفًا لقلبه، واستلالًا للعداء من صدره، وكان ابن سلول جالسًا مختبئًا فقال للرسول في جفاف وجفوة: «اذهب إلى الذين دعوك وانزل عليهم.» وروي أنه قال للرسول: «إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك.» وأنه ستر أنفه بطرف ردائه ثم قال: «لا تغبروا علينا.» لأن بعض الغبار ثار من مشي الحمار الذي يركبه الرسول. والعبارتان شديدتان وهما تصوران كبرياء ابن سلول وبغضه وعداوته التي لم يملك أن يخفيها، ولكنهما لا تعدان شيئًا في جنب ما تكبده في بلده مكة من الأهل والغرباء، ولا يجعل لهما شأنًا إلا أنهما علامة سيئة عند القدوم على المدينة، فهما علامة غضب وغيظ، وهما كذلك في نظرنا الآن، فما بالهما في بيئة عربية منذ أربعة عشر قرنًا مشهورة بالكرم، تقالان لضيف عظيم له حزب كثير في البلد من أعضائه عبد الله بن رواحة وسعد بن عبادة، وفيهم كبار المهاجرين؟! فإذا شاعت هذه المعاملة وانتشرت كانت دعاية سيئة للإسلام، وتعبيرًا كريهًا للرأي العام المدني ينطق به أحد زعمائه.

لقد عرج الرسول على هذا المنافق تأليفًا له رجاءَ أن يكون ذلك التودد سببًا لإسلامه وإسلام من تخلف من قومه، وليزول من قلبه ما تراكم من نفاق وعداء لذلك القادم الذي ظن قدومه مقدمة لضياع سلطته، وكان أشد من ذلك أن الرسول حين مر بابن سلول كان متصدرًا مجلسًا جمع أخلاطًا من المسلمين واليهود والمشركين وهو مجلس يغشاه أهل المدينة إخوانًا في المواطنة؛ لا في العقيدة، ولم تكن بينهم فوارقُ في الاجتماع ولا يُظهر أحد منهم عداوة لأحد لاختلاف دينه؛ لأن الدعوة ما تزال في فجرها، وقد تحمل الرسول ما قاله ابن سلول عن مثار الغبار أو عن نتن المطية ولم يبالِ به، فنزل وسلم عليهم ثم دعاهم إلى الله وقرأ عليهم بعض آيات القرآن، فأنصت منهم من أنصت؛ كسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة، وصبر اليهود على ضيم، ولكنهم لم يكرهوا أن يستمعوا وقد سمعوا من قبل من المهاجرين الذين يقيمون في البلد ويقيمون الصلوات الخمس؛ لأن الرسول بعث إليهم مصعب بن عمير؛ ليفقه الأنصار في دينهم، وليكون رقيبًا على العناصر المعادية.

أما المشركون فكانوا بين بين، فلا هم مبالغون في البغضاء ولا ميالون كل الميل؛ فقد أسلم فريق كبير من إخوانهم وفيهم أهل لهم وذوو قربى، ولو لم يكونوا سوى مستطلعين؛ لكفى ذلك سببًا لصمتهم، أما ابن سلول فكان محنقًا مغيظًا لا يسرُّه أن يسمع القرآن ولا يسرُّه أن يرى وجه الرسول ولا وجوه المحيطين به من صحابته، ويقتله غمًّا أن يرى له نفوذًا أو هيئة تنبئ بمستقبله، فأطرق قليلًا يُعِدُّ سُمًّا قاسيًا لينفثه، فقال: «أيها المرء (كذا)، إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقًّا، فلا تؤذنا به في مجالسنا! ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه.»

يا له من رد جارح! ويا له من رد صادق الانطباق على كلِّ منافق! ويا له من سهم مسمم لو لم يُرَدَّ إلى نحر قائله! هذا الجبان الذي كاد يموت فرَقًا يوم بعاث بعد هزيمة قومه، ويفر من أطم إلى أطم، ويختفي وراء شجر الغرقد تبعًا لأسطورة يهودية من أن هذا الشجر الخبيث لا يدل على اليهود يوم عودة المسيح إلى الأرض … ويصرخ من أعلى قصره متلجلجًا بالاعتذار والدفاع عن نفسه، هذا الرجل المعروف بالنفاق في كل أوساط المدينة قد صار اليوم فصيحًا ينطق بجوامع الكلم في الباطل والقحة! وكان من الطبيعي أن يغضب المسلمون الجالسون؛ ولو كانوا قلة، وأن يردوا هذا الطعن الدنيء بتشجيع الرسول، فيقول ابن رواحة: «بلى يا رسول الله؛ فاغشَنا؛ فإنَّا نحب ذلك.» وهذا انقسام في المجلس، فابن رواحة ومن جعل نفسه لسان حالهم يعارضون ابن سلول ولا يتركونه يستأثر بالقول والطَول، فما جاء محمد ليرجع إلى رحله، ولكنه لم يأتِ أيضًا ليُحدث شقاقًا وحربًا بين العناصر التي يفكر في تربيتها وإعدادها لمحاربة أعدائه ومناصرة الحق، ولكن على الرغم من مسالمة الرسول؛ فقد تبادلوا السباب في هذا المجلس وتراشقوا بالألفاظ الجارحة، فقال ابن سلول: هذا ابن أبي كبشة قد عثا في هذه البلاد، وقال الرسول لسعد بن عبادة: ألم تسمع ما قال أبو حباب؟

وقال أنصاري لابن سلول: والله لَحمار رسول الله أطيب ريحًا منك! وقال غيره كلامًا أشد حتى تضاربوا بالجريد والأيدي والنعال، وهذا الشجار يخالف مبدأ الرسول، فما زال يخفض من غضبهم ويهدئ من رَوعهم حتى سكنوا، فغادر المجلس وركب، وفي هذا الشجار نزلت آية: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا (في البخاري).

وإني أتساءل في احترام لأحد الصحيحين: هل كان طائفتان من المؤمنين، أم طائفة من المؤمنين وأخرى من المشركين واليهود، ما لم يكن المؤمنون في المجلس قد انشقوا وانضم فريق منهم إلى فريق من المشركين واليهود؟!

ولا أستبعد ذلك؛ فإن سعد بن عبادة وهو من خيار الأنصار توسل إلى الرسول أن يعفو عن ابن سلول ويصفح عنه قائلًا: فوالله الذي أنزل عليك الكتاب بالحق قد اصطلح أهل هذه البحيرة (أي الناحية) على أن يتوِّجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما رُدَّ بالحق الذي أعطاك الله شرق؛ فذلك الذي فعل به ما رأيت. أي الغيرة والغيظ من خيبة الأمل ووجود مزاحم غير منتظَر؛ كأن ألقت به السماء. فعفا عنه الرسول، ولن تكون هذه الأولى أو الأخيرة؛ فإن النار التي أشعلتها الغيرة والغيظ في قلب ابن سلول لن تنطفئ إلا بموته، وعقارب صدره لن تختنق أو تخمد ما دام على قيد الحياة، يرى رفعة عدوه وسعوده، وقرحة صدره لن يجف نزيزها ما دام نجم محمد في سعود وعلو، ولذا قلت: إننا لن نفارقه إلا لنلقاه بعد برهة يمثِّل دورًا جديدًا في حياة المدينة.

وسعد بن عبادة غير مطعون في حبه الرسول أو غيرته على كرامته، وغير منسوب إلى شيء من النفاق أو مجاراة ابن سلول، ولكنه كان حليمًا وكان عليمًا بما يجب أن يسير عليه المسلمون في هذه «البحيرة» إن لم يكن واقفًا على خطة النبي.

وإن مسلك أبي حباب (ولكأنه كنية من كنى الشيطان!) لا يثني الرسول عن عزمه ولا يفت في عضده ولا يصب ماءً باردًا على العقيدة.

فأين تهكم ابن سلول من تهكم أبي جهل وأبي لهب وسخرية عقبة بن أبي معيط، وهم أهل مكة الذين حذقوا كياسة السادة وسفالة الأوشاب، وأتقنوا حسن الكلام كما وعوا خطاب الدواعر؟! ولذا شرع الرسول في بناء مسجده.

كثير من الرواة الثقات على أن الناقة بركت أمام الأرض التي صارت فيما بعد مسجد المدينة كما بركت في قباء، وإن هي فعلت فلا غرابة؛ فإن الأرض كانت مربدًا للإبل، وقد يكون فيها من ريح الإبل ما تشمه الناقة وتطمئن إليه، ولكن بعض الثقات الذين يروقنا قولهم على أن المكان كان يصلي فيه أسعد بن زرارة صلاة الجمعة بأصحابه قبل قدوم الرسول، فلما جاء الرسول أقرَّه على اختيار الأرض واشتراها من يتيمين اسمهما سهل وسهيل من بني النجار ودفع ثمنها عشرة دنانير من مال الصدِّيق، ولعلها من أواخر الدنانير التي حملها من ماله من مكة، وقيل إن المكان كان بيدرًا لتجفيف التمر كالجرين الذي يدرس فيه القمح في ريف مصر، وإن مصعب بن عمير عندما قدم المدينة مبعوثًا من الرسول؛ ليوافيه بأخبارها قبل الهجرة يفقِّه الأنصار، خلف ابن زرارة على الإمامة وصلاة الجماعة في نفس هذه البقعة التي هي الآن الحرم المدني، وجاء أنها كانت مقبرة قديمة للجاهلية، ونحن نرجح ذلك؛ لقربها من البقيع مقبرة المدينة حتى الآن، فنقلت عظامهم بموافقة أهل البلد من الوثنيين إلى المكان الذي يقال عنه: إنه مقبرة المشركين القديمة «أو البقيع القديم»، وقيل كان به مستبحل؛ أي مستنقع، فعملوا على تجفيفه وتخليص البلد من أذاه، ولا تخلو المدينة من هذا النشع؛ لرطوبة أرضها، وكثرة المياه والآبار في نواحيها، وعندما شرع النبي في البناء عمل عملًا يدل على علو كعبه وإشرافه على معاني الرياسة الإنسانية؛ فقد وضع لبنة أو حجرًا بيده أولًا كما فعل الملوك والرؤساء بعد ذلك ببناء حجر الأساس بأيديهم، ودعا أبا بكر وعمر وعثمان ففعلوا بعده مثل فعله؛ لأنهم أكابر الصحابة المهاجرين، وزعم المبالغون أنه قال هذا ترتيب خلافتهم أو ترتيب وفاتهم! وهذا كله موضوع ومنتحل، فلا الرسول يُنذر بالوفاة في بداية عصر ذهبي سعيد ولا يكشف الحجاب عن نظام السيادة في البلدة، وإن كان كثير من هذا يحدث بالمصادفات في كل عصر؛ ولا غرابة أن يقول لكلٍّ منهم: ضع حجرك جنب حجري؛ ليثبت لهم والملأ من المهاجرين والأنصار أنهم كالبنيان المرصوص وأن لكلٍّ منهم لبنة أو لبنات يضعها بيده؛ ليشترك في بناء المسجد الأول بعاصمة الإسلام الجديدة؛ لأنه دعا الناس بعد ذلك إلى وضع الحجارة قريبًا من ثلاثة أذرع؛ لتكون بمثابة الأساس، ثم بنى بقية المداميك باللَّبِنِ، وجعل عضادتيه (أي جانبيه) بالحجارة وسقفه بجريد النخل، وجُعلت عمده من جذوع النخل، وارتفاع الجدار قامة أي سبعة أذرع، حتى إذا قام مصليًا أو رفع يده أصابتا السقف، وجعلت قبلته إلى بيت المقدس وثلاثة أبواب في مؤخره وباب عاتكة وباب جبريل (وهو الذي يخرج منه الآن إلى البقيع).

ومن العبرانيات أن الرسول أراد عريشًا كعريش موسى أو كظلة موسى، مع أن العرب كانوا يقيمون مثل هذا البناء في كل مكان قبل أن يشيدوا البيوت بالحجارة وهي كثيرة في المدن؛ لقربها من الجبال، وما تزال الفنادق والمقاهي في الطريق بين جدة ومكة وبين مكة والمدينة على الساحل وفي الداخل مبنية على هذه الصورة.

وكذلك القرى كرابغ وآبار الشيخ والمسيجيد وآبار علي وغيرها، وظلة موسى اتُّخذت في عيد مخصوص لا في بناء مسجد للعبادة الدائمة، وقد اشترك المهاجرون والأنصار في البناء، وعمل فيه الرسول بنفسه؛ ليرغِّب المسلمين في العمل، ويخفف عنهم مشقته، وكان يقول أحيانًا: «اللهم إن الأجر أجر الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة.» وفي البخاري: «فاغفر للأنصار والمهاجرة.» والرسول لا يقول الشعر ولم يتمثل ببيت موزون أبدًا، وقالت عائشة: كان أبغض الحديث إليه الشعر، غير أنه كان يتمثل به «ويجعل أوله آخره وآخره أوله» فيقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار، وكفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا، وقال له أبو بكر: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما أنت بشاعر ولا راوية.» وهذا لا ينفي أن كثيرًا من آيات القرآن جاءت موزونة؛ لأنه كلام الله، ولا دخل للرسول فيه؛ فقد جاء نص صريح: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ولا ينفي أنه كان يستحسن شعر حسان وكعب بن زهير والخنساء، فهذه الفطرة العربية السليمة، وهذه السليقة المغموسة في الأدب الأرفع، وهذا الموصوف بأنه أفصح العرب والعجم، وهذا الوليد في قريش وحفيد عبد المطلب رئيس وفد المفاوضة مع أبرهة الأشرم ومربي علي بن أبي طالب ومبدع فن الخطابة المنبرية وصاحب خطبة الوداع، لا يمكن إلا أن يكون معجبًا بالشعر الذي لا يعبث بالأخلاق ولا يمجد الشهوات، وعجزه عن الوزن لا يطعن في ذوقه واستساغته واستيعابه.

وعلى كل حال فإن حداء النبي أو كلماته الشبيهة بالنظم كانت تبث روح الشجاعة والدأب في نفوس المسلمين وتنبئ عن فكرة التعاون التي يُبنى بها المسجد، فكان الكل عمالًا بغير تمييز بين من سوف يصيرون أمراء المؤمنين وبين الكاسبين بعرق جبينهم وبين أهل الصفة الذين لا مأوى لهم وهم يبنون المسجد الذي تصير إحدى ناحياته مأواهم إلى أن ينتقلوا إلى المناصب العليا كأبي هريرة، أو إلى رحمة الله، وكانت الحماسة تبلغ بأحد هؤلاء الكرام فينقل بدل اللبنة لبنتين أو ثلاثًا حتى تتعفر ثيابه ويعلو وجهه التراب وهو لا يبالي بذلك، كعمار بن ياسر، وكان رجلًا رشيدًا محبوبًا من رسول الله، ولعله بتكليف نفسه حمل اللبنات الزائدة أراد أن يقوم بنصيب الرسول في البناء ويحصل على الأجر، وهو نفسه عمار ابن سمية الذي كان ما يعرض عليه أمران إلا اختار الأرشد منهما، فلما رأى الرسول التراب مسح على ظهره ورأسه؛ ليزيل عنهما الغبار.

ولم يشذ أحد من الصحابة عن المعونة، حتى عثمان بن مظعون الذي آمن بالدعوة في مكة منذ اثنتي عشرة سنة، وكان قبل إيمانه متحنفًا، وما زال حياته متنظفًا متأنقًا مترفهًا كأن النظافة شملت باطنه وظاهره؛ فقد فر من أرجاس الجاهلية قبل ظهور الإسلام وحرم على نفسه الخمر والزنا والقمار والأزلام والأوثان، وكره أن يُرى على ثوبه قذر أو غبار، فكان في أثناء بناء المسجد إذا حمل اللبنة يجافي بها عن ثوبه؛ لئلا يصيبه التراب، فإن أصابه شيء من التراب نفضه، فأراد علي بن أبي طالب مداعبته؛ والفرق في السن بينهما كبير؛ فقد كان علي في منتصف العقد الثالث، وكان ابن مظعون قد تعدى حدود الأربعين، قال علي:

لا يستوي من يعمر المساجدا
يدأب فيها قائمًا وقاعدًا
ومن يُرى من التراب حائدًا

إن صحت هذه الرواية الأدبية فقد كان روح المرح المكي ما زال سائدًا في وسط المهاجرين، ولا يأنف علي بن أبي طالب أن يصوغ النقد الظريف في قوالب الشعر، ولا يغضب منه ابن مظعون؛ فقد كان رجلًا متزنًا راجح العقل، وله كلمة في تحريم الخمر على نفسه قبل أن يحرمها الوحي: «لا أشرب شرابًا يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني.» قيل إن عليًّا لم ينكره، فالتقطه عمار بن ياسر، فصار يرتجزه، وهو لسلامة نيته لا يدرك معناه خصوصًا إذا سمعه ابن مظعون فيظن أنه يعرض به، فقال له: يا ابن سمية، لا أعرف بمن تعرِّض! فإن لم تكفَّ فإني أعترض بهذه الحديدة (أو هذه العصا) وجهك، فسمع الرسول هذا الوعيد فغضب، وقال: إن عمار بن ياسر جلدة ما بين عيني. ووضع يده بين عينيه، فلما رأى عمار غضبه أراد أن يصرفه عنه ويرضيه، لقد غضب محمد لعمار العامل الدائب ولم يبالِ بابن مظعون الذي له فضائل؛ منها: مبادرته بالإسلام، وسابق تحنُّفه، وهجرته، وجهاده، ولكن الرسول غضب لعمار؛ لأنه كان مستضعفًا، فقال عمار: إن أصحابك يقتلونني بتحميلي ما لا أطيق من اللبنات عددًا، فأخذ الرسول بيده وطاف به المسجد وهو يمسح ذفرته من التراب ويقول: ليسوا بالذين يقتلونك!

ولم يغضب الرسول لعمار في هذه المرة فحسب، بل غضب له بعد ذلك مرات؛ فقد كان عمار روميًّا إغريقيًّا، وهو صديق صهيب الرومي وزميله في العبودية وفي الفرار منها إلى دار الأرقم، فالتقيا عند عتبته وهو من مؤمني الساعة الأولى، ولذا كان بعض شرفاء قريش يتعالون عليه، كما فعل ابن مظعون، وكما فعل بعد ذلك خالد بن الوليد، والنبي يعتقد في إيمانه كاعتقاده في إيمان عبد الله بن مسعود وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري وصهيب، وكلهم غرباء عن مكة موطنًا ودينًا، وكان من خيار الصحابة، فاختلف خالد مع عمار، وخالد رئيسه في إحدى الغزوات، فقال خالد للرسول: أيسرُّك أن هذا العبد الأجدع (كذا) يشتمني؟! فلم يسأل رسول الله عن مخالفة عمار؛ بل قال لخالد: يا خالد لا تسبَّ عمارًا؛ فإن من سب عمارًا سب الله (كذا)، ومن أبغض عمارًا أبغضه الله، ومن لعن عمارًا لعنه الله، ثم إن عمارًا قام مغضبًا فقام خالد فتبعه حتى أخذ بثوبه واعتذر إليه، فرضي عنه.

وقال النبي: «الحقُّ مع عمار ما لم يغلبه دلهه.» وهذه الحادثة لاحقة بأعوام بعد بناء المسجد، والكلام على عمار يدخل في باب الصحابة، ولكني تعرضت لها للدلالة على سياسة النبي وخططه المحمودة في الأخذ بيد الضعفاء من المسلمين؛ لإثبات حق المساواة، بل التفضيل أحيانًا للذين لبَّوا دعوة الله في الساعة الأولى، فإن خالدًا مع قرابته وشرفه قد حارب الرسول في أُحُد وكان العامل الثاني في الهزيمة، وأسلم بعد ذلك، رفع سيفه في وجه المسلمين في وقت قوة قريش ولم يسلم إلا مع عمرو بن العاص عندما رأيا الغلبة والرجحان في كفة النبي. وهذا الدين لنصرة الضعفاء وإزالة أسباب التفاوت والتفاخر بالأصول والثروات، وكان عمارٌ عدا عن ذكائه واستقامته وتفانيه مؤمنًا حقًّا حتى قال الرسول: «إن عمارًا مُلئ إيمانًا من فوقه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه، وحُشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنيه إيمانًا.» فاسمع إلى هذه الدقة في التعبير ولا مبالغة فيها عن رجل فني في الإيمان، فهو من أعلام الصحابة ولا يحق لابن مظعون ولا لابن الوليد أن يتعاظما عليه أو يذكراه بالعبودية؛ ولا يبالي الرسول أن يغضب خالد إذا رضي عمارٌ، وقد كان عمار حكيمًا بعيد النظر، فرأى في عهد عثمان ما قد يسوقه عهده إلى ما يسوء، فوقع بينه وبين عثمان وهو أمير المؤمنين شحناء وأشيع عنه أنه يريد أن يخلع عثمان فاستدعاه سعد بن أبي وقاص وقال له: ويحك يا أبا اليقظان (كنية عمار)، أمعك عقلك أم لا؟! (مشيرًا إلى تحفظ الرسول في حديثه أن الرجل مع الحق ما لم يخرف) فغضب عمار ونزع عمامته وقال: «خلعت عثمان كما خلعت عمامتي هذه! وأعوذ بربي من فتنة سعد!» وظن سعد بن أبي وقاص أن نبوَّةَ الرسول تحققت، وأن عقل الرجل قد ضعف بكبر سنه ورقة عظمه ونفاذ عمره، ولكن الأيام أثبتت أن هذه النبوة وإن صحَّت لم يؤن أوانها، وأن أبا اليقظان كان على حقٍّ في أمر عثمان، وقد رأى بوار الفتنة التي انتهت بفاجعة الإسلام في ابن عفان وفي نظام الحكم، ولم يمت عمار بن ياسر إلا في موقعة صفين، ولم يثبت لنا التاريخ إن كان دَلِهَ أو لم يدله، وكان عمره يوم مات ثلاثًا وستين سنة، وهو يحارب ويده ترتعش على الرمح، ومن أعجب ما حدث أن عثمان عزل بعد ذلك سعد بن أبي وقاص عن الكوفة وولى أخاه لأبيه الوليد بن عقبة بن أبي معيط الذي سماه الله فاسقًا: أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا … الآية.

كان من أبرز صفات الرسول صدق نظره في الرجال؛ فإنه لم يخطئ فيهم قط، سواء أكانوا عبيدًا أم سادة، ومؤمنين أم مشركين، وهاك عمارًا قد صار من السياسة وعلو المكانة في عهد الخلفاء أن يرى مستقبل الحوادث ويتجرأ بمفرده على خلع عثمان بن عفان صهر الرسول وثالث الخلفاء، ولو أن سعد بن أبي وقاص تبع رأي عمار في هذا الحين أو نظر في أسباب غضبه وشحنائه فربما اتقى المسلمون أسباب الانحدار الذي انزلقت فيه أقدامهم.

غير أن هذا التقدير ومثله لا يفيد في أقدار الأمم شيئًا ولا يغير من أخلاق الرجال وتطوُّر الطباع، وهو ما يكون الأسباب ولا يعطل الأقدار التي تسير في خططها سير الكواكب في أفلاكها، والأقدار عامل مهم في حياة الأمم.

•••

وغني عن البيان أن البيئة المدنية كانت بيئة تقشفية، لا تشبه بيئة مكة في قليل أو كثير، وإن يكن أصحاب الآطام قد افتنُّوا في ألوان الترف والرفاهية، إلا أن المهاجرين كانوا في حاجة ملحة، وثروة الأنصار قسمت بين الفريقين، فما كان لواحد أو اثنين صار بحكم الضرورة يكفي ثلاثة أو أربعة، إلى أن اعتدل ميزان الزمان وعمل بعض المهاجرين الحاذقين في الاقتصاد، فحسنت أحوالهم، وكان تقشفهم أظهر ما يكون في عبادتهم؛ فقد كانوا يأبون أن يكون بينهم وبين الأرض حائل أثناء الصلاة؛ فلم يفرشوا أرض المسجد إلا بالحصباء، ولا يزال جزء من فنائه محصوبًا إلى الآن وهو الذي في وسطه البئر أو المزولة، وبقيته فرشت بالسجاجيد والبسط الرقيقة، وكان هذا منكرًا في عصر الرسول والصحابة، ولكن توسعة المسجد كانت مستحبة، فانظر الأرض التي دفع فيها الرسول عشرة دنانير ارتفعت قيمة المثل لديها ارتفاعًا كبيرا، حتى إن عثمان اشترى في حياة الرسول مربدًا مجاورًا لمربد يتيمي بني النجار بخمسة وعشرين ألف درهم وأهداها إلى الرسول، وهذا التحوُّل الاقتصادي نحو الصعود في ثمن العقار بجوار المسجد دلَّ على اتجاه جديد واعتقاد قاطع بنجاح الإسلام والشأن الذي سوف يكون لمسجد النبي في مدينته، ولا يخلو الأمر من فطنة رجال المال؛ فإن الذي باع هم الأنصار، والذي اشترى عثمان بن عفان، ولا نظنُّ أن هذا المربد أو ذاك هما كل ما اشتراه المهاجرون من الأنصار، ولا نميل إلى تصديق قصص الفقر المدقع الذي وقع فيه المهاجرون ما دام بينهم رجال كابن عفان وابن عوف، وقد اشترى عثمان أيضًا نصف بئر رومة باثني عشر ألف درهم في حياة النبي أيضًا، فبعيد عن التصديق تناثر هذه العشرات ألوف في وقت يبيت فيه مهاجر على الطوى وهو ما هاجر إلا في سبيل الله ونصرة رسوله، ولكن لعل المؤرخين بالغوا قليلًا في الوصف؛ ليحيطوا المؤمنين الأُول بهالة من شرف التضحية والصبر على المكاره.

•••

بنى الرسول وأصحابه مسجد المدينة، واعتزم على أن يتخذ ناحية منه مسكنًا لأهله ولنفسه؛ ليجمع بين الحياة العامة والخاصة في مكان، وليكون ضيف الله في بيته لا ضيفًا على أحد؛ فإن المسجد مقر العبادة ومقر الخدمة الشعبية، خدمة المسلمين؛ فهو ديوان الحكم وليس عليه سيما الدواوين، ومقر الدولة الناشئة وإن لم يكن عليه طابع الدولة؛ لأنه عنه تصدر ومن أركانه تنبثق أشعة السلطة الدنيوية التي جمعها الله إلى الإيمان في يد رسوله.

فأمر النبي ببناء حجرتين لعائشة بنت أبي بكر وسودة بنت زمعة، وجعلهما ملاصقتين للمسجد على طرز بنائه من لبن، وجعل سقفهما من جذوع النخل والجريد، ولم يخْلُ العمل في المسجد والدار من مهندس معمار اسمه طلق من بني حنيفة كان النبي يثني عليه ويقول: «الزم أنت هذا الشغل؛ فإني أراك تحسنه.»

فلما تم البناء وطالت ضيافة النبي في بيت أبي أيوب وهو مجاور للمسجد لا يفصلهما إلا زقاق الرصاع إلى الآن، فكر في جلب أهله من مكة؛ فبعث بزيد بن حارثة غلام خديجة الذي تبنَّاه وزوَّجه من زينب بنت جحش، وكان ظريفًا أديبًا مطيعًا مؤمنًا، وأبا رافع، وأعطاهما خمسماية درهم؛ لينقلا أهل بيته من مكة، وسيَّر معهما أبو بكر عبدَ الله بن الأريقط دليلًا، فعاد الرسولان بفاطمة وأم كلثوم بنتي الرسول وسودة زوجته وأم أيمن حاضنته التي زوَّجها من زيد بن حارثة، وابنها أسامة بن زيد وكان من أحب الناس إلى الرسول، واحتجز أبو العاص بن الربيع زوجته زينب بنت الرسول وهو ابن خالتها الذي زوجتها منه أمها خديجة بنت خويلد، فمنعها من الهجرة إلى الله ورسوله وهو والدها، وكانت رقية سبقت إلى الهجرة مع زوجها ابن عفان، وجاء في هذا الركب مع أسرة النبي أسرة أبي بكر؛ عبد الله ابنه ومعه أم رومان والدة عائشة وأختها أسماء زوجة الزبير بن العوام، وولد لأسماء أخت محمد بن أبي بكر مولود بِكْرٌ هو عبد الله بن الزبير، وفي حياة هذا الطفل حادثة لطيفة تُجري الدمع في العين؛ فقد ولد في السنة الأولى للهجرة وصحبه النجاح من الساعة الأولى، فلما بلغ السابعة أو الثامنة أمره والده الزبير أن يبايع الرسول فذهب إليه وهو الذي احتضنه طفلًا وهنَّأ أباه وأمه بمولده فتبسَّم وبايعه.٢ وقد كانت أسرة أبي بكر من أخلص المؤمنين وأنفعهم، فاشتركوا جميعًا في خدمة الدين ونصرته؛ فالصديق هو الصديق وكذلك ابنته عائشة، وأعانت أسماء الرسول وأباها على الهجرة، وكان محمد أبو بكر وعبد الرحمن أبو بكر بعد إسلامه والزبير بن العوام صهر أبي بكر وعبد الله بن الزبير من أكبر خدام الإسلام. كانت علاقة القربى من أقوى العلاقات في نظر الرسول، والقرآن الكريم حافل بالأمر بصلة ذوي القربى، ولم يحرم على النبي إلا الاستغفار لهم، وجمع بينهم وبين المنافقين (كابن سلول) في تحريم الاستغفار لهم بعد موتهم.

ولما كانت قرابة الإسلام أقوى من رابطة الدم فقد قبل ذلك، إلا أن الرسول كان يتعطف على أقارب المسلمين من المشركين؛ فقد تلطف في إجارة زوج بنته زينب قبل أن يُسلم، ولما قدمت أم أسماء بنت أبي بكر المدينة وهي مشركة على بنتها بهدية حجبتها أسماء وردَّت عليها هديتها، فتكلمت عائشة للرسول في ذلك وفي طلب أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر (وما زال مشركًا مقيمًا بمكة) نفقة من أبيه، أنزل الله الإذن في الإنفاق على الكفار وأمر أسماء أن تئوي أمها وتقبل هديتها.

كان التواضع من أجمل أخلاق النبي؛ فإنه لما نزل في بيت أبي أيوب الأنصاري لزم سكنى الدور الأرضي وترك الدور العلوي لصاحب الدار، فألح عليه أبو أيوب أن يحل محله فأبى مقدرًا بأن الدور الأرضي أرفق به وبزائريه؛ لقربه من باب الدار، وفي الحقيقة أن سلالم منازل المدينة شاقة على الصاعد والهابط، وأهل الحضارة الغربية يرون الدور الأرضي Rez De Chaussée أغلى في الأجر وأوفر كرامة، فما رأينا في أخلاق الرسول وأعماله وأقواله إلا ما أثبتت الحياة والمدنية بعده بقرون وأجيال أنه كان على حق وأن ذوقه وعرفه أرقى ذوق وعرف وأعلى قانون إنساني، ولكن الأنصاري وزوجته كانا يشفقان أن يسيرا على سقف تحته رسول الله ويخشيان أن يقطر ماء من مسكنهم إلى مسكنه أو ينتثر عفار، ولا يد لهما في ذلك، ولكن النبي أبى أن يغير المكان الذي اتخذه.

وكان النبي يقيم بغير أهله قبل أن تصل زوجته سودة بنت زمعة من مكة، وما عنده من يخدمه أو يعد له الطعام، فصارت تصل إليه مائدة سعد بن عبادة وأخرى من أسعد بن زرارة، وهما من كبار الأنصار، وما كان من ليلة إلا وعلى باب الرسول الثلاثة والأربعة يحملون الطعام، حتى تحول الرسول من منزل أبي أيوب بعد ضيافة دامت تسعة أشهر، وكان طعام الرسول ثريدًا عليه لحم وخبز ولبن وسمن وعسلًا وزبيبًا وخلًّا، وهذا أحب ما يأكله.

فلما بنى الرسول مسجده تذكر فقراء المهاجرين ممن ليس لهم مأوى ولا مائدة، فجعل إلى يسار الداخل من باب جبريل محلًّا مظللًا وهو الصفة الشهيرة، يأوي هؤلاء المنقطعين، فلما سكن داره التي بالمسجد جعل يدعوهم إلى طعامه ويفرق بعضهم على أصحابه ويجالسهم ويأنس بهم، ولم يغفل أمرهم يومًا، ولم يشعرهم هو ولا أحد من المسلمين بأنهم طبقة فقيرة أو منعزلة عن المجتمع أو عالة عليه، فلم تضعف قوتهم الروحية ولم ييأس أحدهم ولم يندموا على إسلامهم ولم يرغموا على التسول، وقد أيد النبي أفعاله بحديث مشهور: «اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين.»

وكان المسجد يضاء ليلًا بسعف النخل إلى أن قدم تميم الداري المدينة فصحب معه قناديلَ وحبالًا وزيتًا، وعلق تلك القناديل بسواري المسجد موقدة، فدعا له الرسول: «نورت مسجدنا نور الله عليك.»

كانت أرض المدينة عند قدوم الرسول وقبل قدومه بأجيال موبوءة بالحمى؛ لأنها كثيرة المستنقعات وفيها ينمو البعوض الذي يحدث الحمى المتقطعة والملاريا والراجعة كبعض ناحيات السودان، ومن أسبابها أكل الثمار غير الناضجة، ولذا كان أهلها صفر الوجوه ضعاف الأبدان عاجزين عن المقاومة بالقوة، وربما كان اليهود أقوى بنية من الأوس والخزرج؛ لاتخاذهم أدوية يخفونها عن غيرهم ويحتكرونها؛ كعادتهم في احتكار الأدوية والأغذية.

وقد مرض بالحمى كثير من المهاجرين حتى كانوا يصلون قعودًا، وأصيب بها كبار الصحابة كأبي بكر وعائشة وبلال، وكان بعضهم إذا ألحت عليه الحمى برعشتها الخبيثة وبحرانها وآلام العظام التي تصحبها ظن منيَّته قد دنت وحنَّ إلى وطنه قبل الهجرة في البلد الحرام؛ فإن مكة وإن لم تكن مختنقة بين الجبال من نواحيها وعلى الرغم من شدة الحر في موسم القيظ والبرد في الشتاء، إلا أنها تكاد تكون مبرأة من الأمراض فيما عدا موسم الحج؛ فإن بعض الوافدين ينقلون عدوى أمراضهم.

كان بعضهم يلعن شيبة بن ربيعة بن أمية وأمية بن خلف؛ لأنهما أخرجاهم من بلدهم إلى الوباء (كذا)، ولكن الشريعة نهت عن لعن الشخص المعين إلا إذا ثبت موته على الشرك كأبي جهل وأبي لهب، أما من كان منهم حيًّا فلا يُلعن؛ أملًا في إسلامه.

وكانت وطأة الحمى شديدة على ثلاثة منهم يعيشون في بيت واحد قبل أن يصل أهلوهم؛ وهم أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال، حتى خارت قواهم وغابت عقولهم، فكان من المنتظر أنهم إذا أفاقوا أو أبلوا حنوا إلى وطنهم، وحتى الأصحاء يحنون إلى موطنهم إذا أخرجوا منه بالقوة ومُنعوا العَود إليه، حتى إن رجلًا قدم من مكة فسألته عائشة في حضرة الرسول: كيف تركت مكة؟ فذكر من أوصافها الحسنة ما غرغرت منه عينا الرسول وقال للقادم: لا تشوقنا ودَع القلوب تقر، ودعا: «اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشد، وبارك لنا في مُدِّها وصاعها وصححها لنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك دعاك لمكة، وإني عبدك ونبيك أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه.»

وليس من العجب أن يجاب دعاء الرسول؛ فإنني وجدت المدينة من أصح البلاد هواءً وأبهاها منظرًا وأخفها ظلًّا وأطيبها عيشًا وأكثرها بركةً.٣

وقد أنعم الله عليها فجعلها أعظم موطن للإسلام وأكبر عاصمة تمت منها فتوحه الكبرى، فكانت قوية فتحت الممالك ودوخت الدول وألقت نورًا عظيمًا على العالم والإنسانية، وكان النبي — عليه الصلاة والسلام — يبادر إلى زيارة صحابته المرضى، يدخل دارًا دارًا وبيتًا بيتًا؛ يعودهم، ويدعو لهم بالعافية.

وهذه الأخبار تدلك على أن الرسول لم يُبح لأحد بخططه في المدينة ولا بسر هجرته إليها ما عدا أبا بكر وأمثاله؛ وهم قليل، وأما بلال فكان يحن إلى مكة؛ لأنه لا يعلم الفكرة المحمدية؛ وهي أن الإسلام لا تقوم له قائمة إلا إذا أنشأ الرسول جيلًا جديدًا في بلد بعيد يعينه على تنفيذ فكرته بالقوة المادية، وكانت الحمى مما ينفر المهاجرين، ولذا دعا بمحبة المدينة ونهى القادم المتحدث بمحاسنِ مكةَ عن الاسترسال؛ حتى تقر القلوب، وكانت الحمى لحسن الحظ في المدينة غير قاتلة ولا مفنية وإلا هلك المهاجرون، فاتخذوا لعلاجها ما كان أهل البلد يألفونه، وكذلك عيادة الرسول وإيحائه لهم فكرة البرء بقوة روحه، وماذا تكون الحمى مع النجاح حيال الشفاء والعافية مع تأكيد الخيبة والفشل؟! ولست أعلم ما استجد على المدينة من أسباب التطهير الصحي، ولكني سافرت إليها وأنا أسمع من كل ناحية وعيدًا بأخطار الحمى فلم أتخذ وقاية ولم أجد بها مرضًا، وقد حذرونا من البعوض فلم أجد منه شيئًا، بل وجدت جفافًا وصحوًا وصحةً وقوةَ مقاومةٍ، ووجدت أن الله استجاب دعوة نبيه بالبركة في المد والصاع، وتصحيح البلد لساكنيها، ولم يدهشني إلا حنين بلال وأبي بكر إلى مكة، ولكن عذرهما ظاهر حيال غرغرة عيني الرسول بالدموع عندما سمع وصف مكة على لسان القادم الجديد.

ليس المقصود بالدعاء للمدينة وأهلها بالخير والبركة أن تنجو من كل سوء مما يصيب المدن من فاقة وجوع ووباء وحرب، إن المطالبة بهذه المناعة تعد تحديًا وعصمةً لمكان معين من الأرض، وهذا لا يجوز؛ فإن المدن والبلاد بساكنيها معرضة لحوادث الأقدار كتعرض الأفراد لها، وخاضعة لنوائب الدهر خضوع الدول والأمم، والحضارات والمدنية تبعًا لقوانين وسنن وضعها الله واستنَّها منذ الأزل وإلى الأبد لا تتغير ولا تتبدل كنظم الأفلاك والكواكب وبقية الأجرام السماوية، فليس في الحوادث ما يشعر بعدم العناية الإلهية، وليس في مجهود بشر مهما علت مكانته أن يحول دون تنفيذ الأقدار أو تنفيذ تلك السنن الأزلية، وإن ما يدعو به الرسول ويستجاب كله أو بعضه إن هو إلا توجه روحاني عظيم إلى الذات العلية بشمول الرحمة واللطف في القضاء؛ فنفاذ بعضه وتأجيل بعضه وتعديل بعضه لا يدل على عدم الفلاح؛ لأن النبي ليس إلا بشرًا، ورسول الله وقد جاء «رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» لا شريكًا للعناية، ولا محتمًا شيئًا غير ما يريده الله.

وقد استجاب الله فعلًا دعوة إبراهيم لمكة فجعل أفئدةً تهوي إليهم ورزقهم من الثمرات، ولكن هذا لا يمنع وجود فقر أو مرض أو كارثة، وكذلك وقع في السنة السادسة من الهجرة طاعون في المدينة أفنى كثيرًا من الخلق؛ وهو أول طاعون وقع في الإسلام.

وهذا هو النقص في الأموال والأنفس الذي يشير إليه القرآن بآيته الكريمة؛٤ ابتلاءً وامتحانًا للمؤمنين، وبمناسبة هذا الطاعون وضع الرسول تلك القاعدة الذهبية؛ قاعدة الحجر الصحي التي أقرتها الحضارة الغربية فقال: «إذا وقع بأرض (أي الطاعون) فلا تخرجوا منها، وإن سمعتم به في أرض فلا تقربوها.» وقد عمل عمر بن الخطاب بهذه القاعدة، فلما قدم على الشام في المرة الثانية وعلم بالطاعون فيها لم يدخل إليها، وهو ممن يؤمنون بآية الله: قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا، ولكنه تبع النص المحدد في حالة معينة، وحدثت في المدينة حروب فظيعة، ولا سيما موقعة الحرة التي أباح فيها يزيدُ المدينةَ ثلاثة أيام، ووقعت فيها حرائقُ منها حريقة أو حريقتان وصلت فيها النار إلى جدار الحرم النبوي وظاهر المسجد، وحاول لصوص من الغرباء الوصول إلى المقصورة الشريفة بحفر نفق أرضي، وأصيبت المدينة بالمجاعة والأوبئة في الحروب الأخيرة وضُربت بالقنابل من جيوش تركية وأجنبية، كما ضُربت الكعبة بالمنجنيق، وهدمت أجزاء منها في زمن القرامطة وزمن الحجاج، وكل هذا لا يضير أماكن العبادة ولا يقلل من أقدار النبوة ولا يمس كرامة الرسول؛ لأن شخص الرسول أو النبي نفسه خاضع للأقدار تجوز عليه الهزيمة كما يُكتب له النصر والنجاح وضده وهكذا.

•••

ليس كل التاريخ يعيد نفسه، وليست كل الحوادث تتكرر، ولكن أشياء تحدث وتعود على أيدي أشخاص آخرين في أماكنَ أخرى في ملابسات متشابهة، فمن تلك الأشياء التي تعيد نفسها تحكُّم الغرباء في بعض البلاد وسيادتهم في أرض غير أرضهم ووطن غير وطنهم ونجاحهم في تلك الأرض أو الوطن.

ففي القديم حكم قصي مكة نفسها، وقد دللنا على أن اسمه يثبت أنه قادم من مكان بعيد قَصِيٍّ، والأندلس وهي جزء من أرض إسبانيا حكمها أمير عربي، وملوك إنجلترا قدموا عليها من مقاطعة ألمانية (هانوفر)، وساد نابوليون في فرنسا وهو كورسيكي مولود في مدينة أجاكسيو، وفي العصور الحديثة قذفت جزيرة أقريطش (كريت) باليفتريوس فنزيولس، فحكم اليونان فترة من الزمن لم يصحبه التوفيق في آخرها، وهتلر نمسوي الوطن والمولد، وكان بيلسوديسكي ديكتاتور بولونيا من أهل ليتوانيا وليس بولونديًّا، وجوزيف ستالين موطنه جيورجيا يتكلم بلسانه، ومصطفى كمال (أتاتُرك) من مواليد سالونيكا (يونان)، وولد شنشنج بمدينة ريفا بإيطاليا، ومحمد علي جنتمكان حاكم مصر من بلدة كافالا اليونانية، وإدمون دي فاليرا محرر أيرلاندا أمريكي مولود بالولايات المتحدة.

وكان محمد بن عبد الله النبي والرسول مكيًّا مولدًا ونشأةً وموطنًا وأهلًا، قرشيًّا عشيرةً وقبيلةً وقومًا، وقد قضى ثلاثًا وخمسين سنة في بلده وقومه وقبيلته قبل أن ينزح إلى يثرب مهاجرًا، فاتخذها موطنًا وأسس بها دولة وقوة محاربة، وجعل منها عاصمة لدولة من أعظم دول العالم إن لم تكن أعظمها وأطولها عمرًا، وأنشأ فيها دينًا وشريعةً وسنةً ما تزال سائدة على ثلث سكان العالم المعمور.

وقد رأينا خطواته الأولى في تلك المدينة التي هاجر منها بعد أن اقتنع بعدم التوفيق فيها؛ لصلابة أهلها واحتجاب أبصارهم وبصائرهم عن نور الحقيقة، فآلى الرسول على نفسه أن يقصد إلى ذلك البلد الجديد؛ ليؤسس قوة وليبعث روحًا وليكوِّن أخلاقًا يستطيع بها أن يهاجم القوة المعاكسة فيُخضعها لمبدئه، رأيناه يبني مسجده ويبني حجرتين لزوجتيه ورأيناه يصبر على مرارة العيش في مجالس المنافقين ويتلقى الكلم الجارح بصدر رحب؛ ليصفح عن قائله، رأينا إحسانه إلى المهاجرين وعطفه عليهم ومواساتهم في فاقتهم وفي مرضهم والتخلي عن مظاهر العظمة الصادقة؛ قتلًا للغيرة والحسد، وتفاديًا للشقاق في قبائل ما تزال بعيدة عن الإيمان الصحيح وعن الحضارة الحقة، وقد وجه ذهنه إلى النظم يضعها أو يعدلها أو يقضي عليها، فمما وضع نظام المؤاخاة، ومما قاوم نظام النقباء أو زعامة الأحزاب التي أساسها السيادة القبلية؛ فقد مات في السنة الأولى من الهجرة أسعد بن زرارة، وكان نقيب بني النجار، وهي العشيرة التي ينتمي إليها الرسول من ناحية الخئولة، وكان ابن زرارة من أوائل الأنصار الذين بايعوه في مكة، ولما وصل النبي إلى المدينة وجده يقيم الصلاة للمهاجرين والأنصار الذين سبقوه، وكان يبعث إلى الرسول بالجفان والموائد على مدى تسعة أشهر أثناء إقامته في دار أبي أيوب الأنصاري، فلما مات هذا الصحابي الأنصاري الجليل، حزن النبي عليه ووجد، ولكنه ألغى وظيفته ولم يجعلها في أحد من أولاده أو أقاربه؛ فقد جاءه بنو النجار وقالوا له: اجعل لنا يا رسول الله نقيبًا بعده يقيم من أمرنا ما كان ابن زرارة يقيم، فقال لهم: أنتم أخوالي وأنا نقيبكم. وكانت النقابة من مفاخرهم، فلم يشأ أن يخص بذلك بعضهم دون بعض، ولم يشأ أن يجعل لأحد من السادة شأنًا في المدينة يمكنه من جمع كلمة فئة من الفئات أو حزب من الأحزاب، ولم يتعرض الرسول للنقابات القائمة كنقابة سعد بن عبادة في بني ساعدة، فهذا النظام — نظام النقابات — كان جاهليًّا، وقد صبر عليه الرسول بقدر ما عاش كل نقيب؛ فإذا مات ماتت معه الوظيفة، فإن نقابة سعد بن عبادة قضت معه بعد أن حكم في بني قريظة حكمه المشهور، وكان ابن عبادة مسموع الكلمة عند اليهود.

•••

وكان إلغاء النقابات مقدمة لنظام الصحيفة أو دستور المدينة الذي أسهبنا عليه الكلام في بداية هذا الكتاب، وقد حللنا هذه الصحيفة وذكرنا أن المؤرخين لم يعنوا بها العناية الجديرة بقيمتها؛ لأنها لم تُرْوَ لهم عن أحد كبقية الأخبار، وهم لم يفهموا عنها إلا أنها كتاب بين المهاجرين والأنصار وادَعَ فيها الرسولُ يهودَ (أي بني إسرائيل)؛ أي بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير، فصالحهم على ترك الحرب والأذى (وصالح هنا بمعنى اتفق معهم أو حالفهم وعاهدهم)، فلا يحاربهم ولا يؤذيهم، على أن لا يعينوا عليه أحدًا، وأنه إن دهمه بالمدينة عدو ينصروه، وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم (انظر الواقدي وابن إسحاق والسيرة الحلبية)، وهكذا يلخص هؤلاء السادة المؤرخون ذلك الدستور المحمدي الأول دون أن يدركوا مراميه، وفي تحليله الذي أوردناه كفاية، وإنما ذكرناه هنا ملخصًا في سبيل عرض النظم السياسية التي أدخلها وطبقها تطبيقًا عمليًّا.

أما المؤاخاة فقد ابتكرها في دار الأرقم بمكة قبل الهجرة بعشر سنوات، ونظن أصلها نص القرآن إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فأراد أن يطبق المبدأ تطبيقًا عمليًّا، وكانت المؤاخاة نافعة في مكة؛ لأنها حلت محل إخاء القرابة، لأن الدين محا قرابة الدم وفرق بين الأهل، وكان بين المسلمين المقيمين في مكة والذين ربط بينهم التوحيد والاضطهاد، أما في المدينة فبيئة جديدة تقوى فيها رابطة الإخاء؛ لأن المهاجرين أحوج ما يكونون إلى المعونة والعاطفة والشعور بالمحبة، وقد توثقت وبُنيت على المؤاساة والحق والتوارث بعد الموت دون ذوي الأرحام من المشركين، فقال محمد: «تآخوا في الله أخوين أخوين.» وقد أقام الرسول احتفالًا للمؤاخاة في المسجد، فجعل يقول: أين فلان؟ أين فلان؟ ولم يزل يتفقدهم ويبعث في طلبهم حتى اجتمعوا بين يديه فقال: إني محدثكم بحديث فاحفظوه وعوه وحدثوا به من بعدكم، إن الله تعالى اصطفى من خلقه خلقًا اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ، وإني أصطفي منكم مَنْ أُحِبُّ أن أصطفيه، وأؤاخي بينكم كما آخى الله تعالى بين ملائكته — قم يا أبا بكر، (فقام فجثا بين يديه) فقال: إن لك عندي يدًا اللهُ يجزيك بها، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذتك خليلًا، فأنت مني بمنزلة قميصي من جسدي، (وحرَّك قميصه بيده) ثم قال: ادنُ يا عمر، (فدنا) فقال: قد كنت شديد البأس علينا يا أبا حفص، فدعوت الله أن يعز بك الدين أو بأبي جهل ففعل الله ذلك بك وكنتَ أحبَّهما إلى الله فأنت معي في الجنة ثالث ثلاثة من هذه الأمة (وآخى بينه وبين أبي بكر).

وكانوا خمسين من المهاجرين وخمسين من الأنصار، وممن آخى بينهم في هذا الاحتفال شخصه وعلي بن أبي طالب، ثم عتبان بن مالك وأبو رويم الخثعمي، وبلال وأسيد بن خضير (أحد مشاهير الأوس)، وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع؛ فقاسمه ماله فاعتذر ابن عوف وتوكل على الله وعلى اجتهاده، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين جعفر بن أبي طالب (وهو بالحبشة) ومعاذ بن جبل، وأبي ذر الغفاري والمنذر بن عمرو، وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر، ومصعب بن عمير وأبي أيوب، وسلمان الفارسي وأبي الدرداء.

وقد أعان الرسولَ في عمله كرمُ وفادة الأنصار، فأحسنوا المواساة وأكثروا البذل وأشركوا في المئونة.

ونظام المؤاخاة لم يُسبق إليه الرسول في ملة أخرى أو في بلدة أخرى، وهو عمل دنيوي قائم على عاطفة دينية، ولكنه عظيم النفع والخير بالغ الأثر في نفوس أصحابه، فلم يعد المهاجرون يشعرون بالوحشة، ولا الأنصار يفكرون في منَّة على أحد، وأراد الرسول أن يؤاخي بين عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص، وكانا محبوسين في مكة منعهما المشركون من الهجرة فأنقذهما الوليد بن الوليد بن المغيرة وهو أخو خالد بن الوليد القائد الشهير، فنشأ في وسط المجتمع المدني مجتمع جديد ناشئ هو نواة الجهاد الإسلامي ونواة الحياة المحمدية المقبلة وخميرة ينضج بها العجين، وهو أصل الحزب الجديد الذي سينشر لواءه على السكان ويضيق الخناق على المشركين والمنافقين، وهو الحزب الذي سوف يضع يده على السلطات كلها، وبدونه لا يتمُّ شيء؛ فمكانه المسجد، ورئيسه النبي، ومجلس إدارته خاصة الصحابة، وأعضاؤه هؤلاء الإخوان، وما زالوا يتوارثون بذلك الإخاء دون القرابات إلى أن نزل قوله تعالى في وقعة بدر.

وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ.

فنسخت هذه الآية سنة التوريث بالمؤاخاة؛ لأن موقعة بدر غيَّرت وجه الحياة في المدينة؛ فقد خرج المسلمون ظافرين وغنموا ما غنموا ودحروا قريشًا، فأمنوا جانب الهجوم الخارجي، وضعفت شوكة اليهود والمشركين في المدينة، ولم تعد بالنبي حاجة إلى موادعتهم أو محالفتهم؛ لأنهم أصبحوا خاضعين لقانونه اضطرارًا وإرغامًا، وقد صار أولو الأرحام للأنصار والمهاجرين مسلمين، فلا داعي لحرمانهم من ميراث أقاربهم، وبهذا قدم الرسول دليلًا على أن كل قانون يتمسك به بعد ذهاب وقت ضرورته لا تقوم له قائمة، وأن لكل وقت قانونًا يعمل به في وقته، ولكن نفي التوريث لا ينفي الإخاء نفسه، فإن هذه العاطفة قويت بمرافقة الميدان، أي بالمشاركة في الحروب وعظمت في نظر المسلمين بما كسبه الإسلام في موقعة بدر الحاسمة، وصارت المدينة محط أنظار القبائل والممالك المجاورة؛ فقد طلعت شمس جديدة في أفقها، خليقة بأن تكسف كل الشموس السابقة، وصار كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار بمثابة الكواكب السيارة المضيئة حول محمد تضيء بانعكاس نوره عليها؛ إذ لولاها ما تجلى شعاع واحد من ضوئها، وهذا النص الناسخ لحق التوريث بالإخاء أشبه بالنص الناسخ للبنوة والأمر بدعوة الناس إلى آبائهم: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ … الآية.

•••

قد رأينا الرسول يبتكر في المدينة نظمًا يظنها الذي يراها أو يقرأ عنها مرتجلة ارتجالًا عفو الساعة، والحق أن بعضها نتيجة تفكير طويل مر بهذا التكوين المحمدي الضخم المصطفى؛ ليكون وعاء لتلقي الحكمة العليا في حكومة الجنس الإنساني وتنفيذها على أهون سبيل.

وقد رأينا هذه الشخصية العظمى تلين ولا تنكسر، وتطأطئ للعاصفة؛ لتنجو من الأمواج العالية، وهي مع هذا وذاك تفيض حبًّا وعطفًا وحدبًا، تنثني لتغطي بثوبها الفضفاض عمار بن ياسر من اعتداء عثمان بن مظعون وهو أخو الرسول من الرضاع، وتتخشَّن لخالد بن الوليد؛ دفاعًا عن عمار بن ياسر الذي أصله رقيق رومي وتقول: «الحق مع ابن مظعون دائمًا.»

قلنا: إن بعض هذه النظم نتيجة تفكير، وبعضها مرتجل تمليه العبقرية النادرة، وبعضها يمليه الاجتهاد وحب الخير، وبعضها يحتاج إلى عقد مؤتمر ومشورة، كما حدث في مسألة الأذان والدعوة إلى الصلاة.

كان في مكة صلاة، وقد شهد أحد القادمين على مكة محمدًا وخديجة وعليًّا يصلون بالمسجد الحرام، وصلى المسلمون جماعة في دار الأرقم، ولكن هذه الصلاة وإن كانت معدودة ومحدودة بأوقاتها وعدد ركعاتها وأوضاع القيام والركوع والسجود بعد النية، إلا أنها لم تتخذ صورتها النهائية إلا في المدينة، ففي المدينة نُقلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وقد رأينا مسجد القبلتين وما يزال على حالته، وفي أثناء الصلاة فيه بدلت القبلة فاتجه المصلون من المدينة إلى الجنوب بعد اتجاههم إلى الشمال.

وفي المدينة لم يشرع الأذان من عند الله ولكن سنه الرسول باتفاق آراء الصحابة، وصاحب الفضل الأكبر فيه بعد رسول الله عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، وهو رجل غريب الأطوار، لا يُعرف له عن النبي شيء يصح حديثًا إلا الحديث الواحد في الأذان.

وقد وُفق الرسول واهتدى إلى نظام الصلاة والأذان والوضوء توفيقًا كبيرًا؛ لما فيها من النظافة والجمال وحسن التنبيه والامتياز، وكلٌّ منها من خصائص الأمة المحمدية؛ فالركوع والسجود والقيام والجماعة وافتتاح الصلاة بالتكبير؛ بدون بخور ولا عطور ولا ترتيل؛ وهي من آثار الوثنية؛ كلها متناسقة تُشعر بعقيدة التوحيد، وبحكمة اتجاه الفرد العابد إلى المعبود بغير واسطة ولا تحريض بزينة أو زخرف أو ميل إلى السماع، وصلوات الأمم الغابرة كانت لا ركوع فيها ولا وضوء وبعضها يصحبه تهليل وتكبير وضوضاء وجلبة، وقد تسبقه خطبة أو موعظة، وكانت الأمم السالفة تتخذ الركوع والسجود للملوك والطغاة ولا تتجه إلى الله بهما؛ لتعدد الآلهة وكثرتها، فكانت صلاتها قربانها أو انطواءها على نفسها في همهمة ودمدمة لا معنى لها، وأول ما ذكر الركوع والسجود في القرآن أمرًا لمريم: وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ.

وكانت صلاة الأنبياء ابتهالًا أو بكاءً على أنغام الموسيقى والآلات ذات الأوتار؛ كمزامير داود الذي كان يفلق قلوب شعبه بالبكاء، وكان في المدينة قوم مشركون لا معبد لهم ولا عبادة إلا أن يضعوا أصنامًا في بيوتهم من الحجر أو الخشب أو الطين، وكان اليهود يتعبدون على طريقتهم التي نقلوها عن وطنهم الأصيل في معابدَ اتخذوها في آطامهم فلا يطلع عليها أحد غير العرب الذين تهوَّدوا واشتروا إيمانهم بعقيدة موسى بثمن بخس؛ وهو عبادة الأوثان.

ففي السنة الأولى من الهجرة بعد أن اتخذ النبي للمسلمين مسجدًا، وكان المسلمون يجتمعون للصلاة في دخول أوقاتها من غير دعوة؛ أي باجتهاد كل مصلٍّ في الحضور إلى المسجد، وكان النبي يصلي بغير أذان، وكل ما روي عن أذان بلال في دار الأرقم بعد إسلام عمر غير صحيح، وإن الأذان لم يشرع إلا في المدينة؛ لأنه نظام من النظم التي وضعها الرسول للحياة الجديدة لتنظيم العبادة، والدليل من القرآن الكريم: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا الآية.

فإنها وإن نزلت في مكة إلا أن حكمها لم ينفذ بالأذان إلا في المدينة؛ لأن إطلاق الأصوات بالأذان في مكة كان يهيج غيظ المشركين ويحثهم على الفتك بالمؤمنين، فاجتمع النبي بأصحابه وطرح عليهم مسألة الدعوة ليجتمع الناس إلى الصلاة؛ فعرضوا عليه بوق اليهود، ويقال بالعبري: «شبور»؛ وهو قرن ينفخون به فيسمع صوتهم، فلم يعجب الرسول وكرهه؛ لأنه تقليد لليهود؛ وهم قوم أصحاب مَنٍّ ودعوة وتعيير، ولم نسلم منهم ولم نتخذ منهم، فكيف لو اتخذناه؟! بل إن الأمر يختلط بيننا وبينهم، وقد يحتجون؛ لأنهم قد يظنون الشبور يدعوهم إلينا، فقال آخر: الناقوس الذي يدعو به النصارى إلى كنائسهم، فأبى الرسول؛ للعلة نفسها، وإن لم يكن في المدينة من النصارى إلا قليل، فاقترحوا رفع الراية فإذا رآها الناس أقبلوا، قال: هذه للمجوس، ففكروا في المناداة بأصوات الرجال في أوقات الصلاة، وقال النبي: لقد هممت أن آمر رجالًا تقوم على الآطام ينادون المسلمين بحين الصلاة.

وهنا تتجلى مكرمة عبد الله بن زيد بن عبد ربه؛ فقد تخيل في عقله الباطن أنه سمع أذانًا بنصه: «الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح.» والذي يؤذن به قائم على سقف المسجد، فلما سمع الرسول هذه الرواية قال لصاحبها: قم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فليؤذن به؛ فإنه أندى صوتًا منك. فصار عبد الله بن زيد بن عبد ربه أول مؤذن في المدينة، ثم بلال، ثم ابن أم مكتوم (الذي نزلت بسببه سورة عبس وتولى).

وفي الصباح أذَّن بلال، وكان عمر بن الخطاب في بيته، فخرج يجر رداءه، فلما بلغ المسجد علم بالقصة؛ لأنه لم يكن ممن دُعوا إلى تمحيص مسألة الأذان.

وكان بلال يدعو الرسول إلى الصلاة، فدعاه مرة إلى الفجر فقيل له: إن رسول الله نائم، فصرخ بأعلى صوته: «الصلاة خير من النوم.» وما تزال هذه العبارة وهي التثويب تقال، ولكن أعجب ما فيها أن أول من قيلت له كان الرسول صاحب الشريعة نفسه، وكان بلال حبشيًّا لا يجيد نطق الشين فيقول: «أَسْهَدُ» بدلًا من «أشهد»، وكان ابن أم مكتوم ضريرًا قد لا يرى الخيط الأبيض من الخيط الأسود فيؤذن قبل دخول الوقت، وكان بعض الأولاد يسخرون من بلال بتقليده، فسمع رسول الله ولدًا يحكي صوت بلال بلغته فأعجبه، واسمع الآن إلى قصة ابن محذورة الذي صار من أكبر مؤذني الإسلام بتأثير شخصية الرسول تأثيرًا مباشرًا قال: «سمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون عن الطريق فصرنا نحكيه (نقلده) ونستهزئ به، فسمع النبي فأرسل إلينا، إلى أن وقفنا بين يديه، فقال: أيُّكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إليَّ، فأبقاني وأرسلهم، وقال: قُمْ فَأَذِّنْ، فقمت ولا شيء أكره إليَّ من النبي ولا مما يأمرني به (انظر واسمع!) فألقى عليَّ التأذين هو بنفسه، ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ثم وضع يده على ناصيتي ومرَّ بها على وجهي ثم بين يدي ثم على كبدي حتى بلغت يده سرتي، ثم قال: بارك الله فيك وبارك عليك. فقلت يا رسول الله: مرني بالتأذين بمكة. فقال: قد أمرتك به. وذهب كل شيء كان عندي من كراهته وعاد كله محبة.»

أي شيء نقرأ في هذه النبذة؟

أصِدق فراسة وحكمة ونور من الله؟ أم دهاء السياسي الذي يستصلح الفاسد ويقوِّم المعوجَّ ويجعل من الأعداء أحبابًا، ومن الساخرين أتقياء نادمين مقرِّين بعجزهم حيال هذه العظمة؟!

١  يعني: الطائف.
٢  لما توفي معاوية الثاني بعد أربعة أشهر من خلافته دعا عبد الله بن الزبير من أسماء بنت أبي بكر وبايعته مصر والعراق وغيرها واستمر سبع سنوات أميرًا للمؤمنين في مكة إلى أن أوقع به الحجاج.
٣  كان المؤلف قد أدى فريضة الحج سنة ١٩٤١.
٤  وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ (سورة البقرة).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠