غزوة أحد

هل كانت أحد ثأر بدر المرتقب؟ أم كانت وثبة اليأس من خطر المصادرة وقطع الطريق على عير قريش؟ فقد رأت قريش أن محمدًا لم تقف همته بعد بدر عن متابعة الجهاد، وقد اتسع نفوذه واتخذ من رقعة الأرض الممتدة من المدينة إلى مكة ميدان حرب فسيح، ولعله أول من أدرك أن الهجوم خير من الدفاع، فلا يكاد يعود إلى المدينة من غزوة أو سرية ناجمة أو صامتة ليستقر فيها بضعة أيام إلا ليعاود الخروج مستخلفًا عليها؛ ليسير قدمًا؛ فلوى أعناق القبائل المعادية له والموالية لقريش، وتألف قلوب المسالمين والمحايدين؛ وصار ظهور أعلامه المظفرة علامةً ونذيرًا للأعراب، فيلوذون بذرى الجبال، أو يتوارون في بطون الأودية ما لم يكونوا ممن يستحقون العطف والمعونة، فصارت الأعراب تأتي إلى جيشه من كل فج إذا كانت تنوي الحياد أو المسالمة، ويسير في ركابه زعماؤها ويلتمسون رفده وحمايته، وفقدت قريش ومكة أنصارهما لا تعففًا عن الأرزاق التي كانت تجريها قريش ومكة عليهم، ولكن خوفًا وفزعًا وإيثارًا لجانب السلامة على جانب المخاطرة، وأدرك أبو سفيان الذي وقع على كاهله عبء القيادة والسيادة والزعامة بعد موت صناديد قريش (العجائز الصلع)، ورأى أن لا بد له من البحث عن طريق أخرى وحلفاء آخرين؛ يسلكونها ويركنون إليهم، وليس شيء أصعب على تجارة سلكت سبيلًا معبدةً معروفة أن تتخلى عنها مرغمةً؛ لتبحث عن طريق آخر، فإنها ألفت علائم الطريق وعرفته إجمالًا وتفصيلًا، وقاسته قياسًا دقيقًا بالأيام والليالي والساعات والدقائق، وجعلت لها فيه محطات ومواقف ومبارك ومخازن، ودرسته دراسة حربية وعرفت نقط القوة والضعف فيه، وبالجملة تعودته وألفته وذللت صعوباته وهونت مشقاته وضمنت الراحة لها ولإبلها والأمان لمتاجرها وبضاعتها، وإنك ترى الفرد في الحضارة يألف البلد الواحد؛ فيألف فيه الفندق الذي به ينزل، والمطعم الذي فيه يطعم، والمقهى التي إليها يقصد والأشخاص والوجوه التي لا تتغير ولا تتبدل، فيلتمسها جميعًا ويطمئن إليها، فلا يكتمل سروره بغيرها، فما بالك بقوافل في الصحراء تحمل أرزاق المدن؟ ويغلي في قلب أبي سفيان أن المدينة قد انتعشت وأخذت تنمو وتكبر، وأن محمدًا لم يهمل الجيش بعد بدر، بل استمر يدربه ويعوده ويمرنه ويوجهه إلى مناورات متتابعة، وهكذا استفحل الخطر، فإن سلم أبو سفيان وقومه واستسلم وضعف وخاف العواقب فلا بد أن يتمكن محمد من محاصرة مكة وتضييق الخناق عليها واستئصال شأفة تجارتها ولو لبضع سنين، كما فعلت قريش مع بني هاشم وبني عبد المطلب في شعاب أبي طالب ثلاث سنوات طوال لم يترك فيها مجالًا للتضييق عليهم حتى سارت فيه وتذرعت به للقضاء عليهم، وتنبه أبو سفيان القصير الأصلع السمين إلى أن تارات محمد على قريش كثيرة وكبيرة وثقيلة وأنها تحتاج إلى الكفاح والنضال وإلا أخذوا على غرة، فرسم خطة في دار الندوة بعد أن عقد مجلسًا للشورى من أحلاس قريش والبقية الباقية من طغمة الشرك، ولا بد أن هندًا ومثيلات هند من المكيات ذوات العنف في الشهوات والهياج الدائم قد اشتركن في المداولات.

وأخيرًا استقر القرار وانجلى الرأي على أن تتخذ قريش طريقًا غير الطريق الأولى التي يُستهدفون فيها للخطر؛ فلم تعد نذور أبي سفيان أن لن يقرب الخمر والنساء حتى ينتقم لتكفي حيال هند المتعنتة، ولا سيما وأن هذه النذور قبل الوفاء بها لا تصلح لصاحبة النمارق، فأدى بهم البحث إلى اكتشاف رحلة شتوية إلى الشمال الشرقي تؤدي إلى الفرات يقتحمون فيها النفود التي لا تطاق صيفًا؛ لقلة الماء، وتهون شتاء؛ بفضل المطر، فأعد المكيون عيرًا كبيرًا واختاروا فصل الأمطار (يقع في ديسمبر)، وأقيمت حفلة في بني النضير أدبوا لها مأدبة أكلوا فيها وشربوا حتى لعبت الخمر بالرءوس، وكان اليهودي الذي أولم الوليمة ممن تحل الخمر عقدة من ألسنتهم، فباح بسر القافلة، فالتقطه مسلم دعي إلى العشاء وحضر الاحتفال وأسرع به إلى الرسول، ولعله كان عينًا وأذنًا للمسلمين؛ فأعد الرسول سرية قوية جعل عليها زيد بن حارثة الغلام الظريف الذي وهبته خديجة إياه فأعتقه وتبناه، وكان الرسول يحبه ويعطف عليه ويثق به، وقد وافقت هذه الحملة هلال جمادى الآخرة، وهو الشهر الرابع من السنة الثالثة الهجرية وسميت السرية باسمه، وكانت أول سرية خرج فيها زيد بن حارثة أميرًا، وكانت وظيفة السرية محددة وهي اعتراض عير قريش في القردة من أرض نجد بين الربذة والغمرة ناحية ذات عرق، وهذه العير فيها صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى وعبد الله بن أبي ربيعة، وفيها مال كثير نقد وآنية فضة، وكان دليل قريش رجلًا همامًا حذرًا عارفًا خبيرًا هو فرات بن حيان العجلي، فخرج بهم على ذات عرق طريق العراق كما أنبأ مخبر الرسول المكي الذي حضر وليمة اليهودي، وكان أبو سفيان نفسه مصاحبًا للعير كعادته، وقد شد أزره بالأعيان الذين اشتركوا معه في الرأي، ولم تكن سرية زيد تزيد عن مائة راكب كلهم دارع مستعد للقتال، فاعترضوا العير وأصابوه وأفلت أعيان قريش وكاد أبو سفيان نفسه يقع في الأسر، ويا ليته وقع؛ إذن لكفى المؤمنين موقعة أحد، ولكن أبا سفيان أحذق هارب وأمهر من يولي الأدبار. وفي رأيي العاجز أن قريشًا لم تكن تظن أن المسلمين يعلمون بأخبارهم، وطالما فروا وضللوا في طريقهم القديمة القريبة من المدينة، فكيف لا ينجون في طريق جديدة مجهولة لأهل المدينة؟ ونسي أبو سفيان أن المسلمين تدربوا وتمرنوا وكسبوا بالتجربة، فوق أنهم لم يعتمدوا في هذه المرة على سؤال القبائل التي كانت محالفة لقريش وتتعمد تضليلهم وإخفاء خطط العير عنهم، فبلغ ما أخذه زيد من عير قريش مائة ألف درهم، وعاد زيد بفرات بن حيان فأسلم وسلم من القتل.

وكان لوصول المال إلى المدينة فرحة، وأكبر منها فرحة النصر وخذلان قريش بدقة أحسن زيد تصويبها وأثبتت حسن فراسة الرسول فيه، وكان عثمان يرجو أن يعقد على أم كلثوم بنت النبي بعد وفاة أختها رقية التي توفيت أثناء موقعة بدر وعاق مرضها عثمان بن عفان عن شهود هذه المعركة الحاسمة، فأذِن الرسول، وسمي عثمان بذي النورين، وزاد الأفراح أن فاطمة الزهراء — رضي الله عنها — ولدت لعلي الحسن أحد حفدة الرسول وأحبهم مع الحسين إليه، وها هو قبل اكتمال العام الثالث قد أتم الله النعم على محمد والمؤمنين بالمال والخير وأفراح الأنجال، وزال الضيق الذي كان جاثمًا على بعض الصدور بسبب حداثة العهد بالإقامة وتقلقل الأحوال الاقتصادية الذي يصحب كل تغيير في السياسة والاقتصاد، وانطلق المؤمنون من عقالهم ونشطوا من قيودهم يفكرون في فتوح أفسح نطاقًا وأوسع آفاقًا، واتخذت خاصة الصحابة هيئة المجالس الحكومية التي تحل وتعقد وتأمر وتنهى مسترشدة بالوحي والرياسة الممتازة.

لو أن سرية زيد لم توفق هذا التوفيق التام، ولو أن أعيان قريش لم يُدهموا ولم يؤسر دليلهم ولم يؤخذ عيرهم حتى ينجحوا في رحلتهم ويطمئنوا إلى «السكة الجديدة»، لما فكر أبو سفيان تفكيرًا جديًّا للانتقام من بدر؛ فقد رأيناه نذر نذرًا ثم تحلل منه في غزوة السويق التي اكتفى فيها بالطعام والخمر والعربدة بعد بدر بخمسة أشهر؛ فقد رأى أبو سفيان إذ ذاك أن يمينه قد حلت.

ولكن نجاح زيد في غزوة طريق العراق أشعلت نفسه بالغيظ والقلق، فما مائة ألف درهم بقليل، فهي تزيد عن ستين أو سبعين ألف جنيه ذهبًا بنقدنا الحديث، يضاف إليه مذلة الفرار وخيبة المسعى من الوهلة الأولى، ولا بد أن بعض أعيان قريش «أكلوا» وجه أبي سفيان وعابوه ونسبوا إليه التسرع والعجلة، وعللوا نجاحه السابق في إنقاذ العير باستناده إلى آراء «الصناديد» الذي لقوا حتفهم ببدر وفي مقدمتهم أصحاب القليب، ورأى أبو سفيان أنه آن الأوان لزعامته ومخاطرته وذكر أنه كان في حرارة من الأسى على «أبطال بدر» قد فرض مال العير الناجي على يديه؛ ليكون نفقة لجيش الانتقام الذي يعده، وذكر أن كنانة وقبائل أخرى من سكان سواحل البحر الأحمر ما تزال على عهدها، ويزيدها تظاهرًا بالإخلاص إعداد حملة جديدة؛ لأنها كالذئاب والثعالب التي تسير في مؤخرة النمور والضباع، فلا بد من نفع يعود عليها؛ ليعوض عليها طول الإقامة في تلك الأودية المجدبة ويخفف عنها ضغط سرايا رسول الله التي تلجئها إلى الفرار إلى ذرى الجبال والاختفاء في بطون الوديان، وانضم إليه أبو عامر الراهب أحد شياطين الأوس الذين بقوا على ملة آبائهم، وقد اتحد الراهب وكعب بن الأشرف واجتهدا في إثارة كوامن الأحقاد في مكة، وكانت رحلة كعب إلى مكة عقيب جلاء بني قينقاع دليلًا على أنه جعل من نفسه «بعثة» سياسية لا ينوب فيها عن أحد؛ لأنه لم يندبه أحد، ولكنه يمثل روح الناقمين من أهل مكة، وقد ساءه أن بقية اليهود في يثرب لم يحركوا ساكنًا عندما رأوا إخوانهم «قينقاع» يُطردون أذلة ويجلون عن بلادهم جزاء ما قدمت أيديهم، فوجد هذا الشاعر آذانًا صاغية إلى شعره الجيد وآرائه التي وافقت أهواء في قلوب أعيان مكة، ولم يأتِ لهم بيد خالية بل حمل معه معونة أبي عامر الرهاب وكان من أشرس شيوخ الأوس وأخبثهم، وهو ختن عبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول، وكان ذا حيلة ومكيدة في الحرب وغرور بنفسه، يحسبها في مكانة الصدارة والزعامة من الأوس، حتى من آمن منهم بالله ورسوله، فلما عاد كعب إلى المدينة لقي حتفه على الصورة التي وصفناها، فلم يعش حتى يرى موقعة أحد. أما أبو عامر الراهب فقد كان غامضًا قبل هجرة النبي وبعدها، ولعله سمي بالراهب لانتحاله النصرانية وظهوره بالتحنث أو الاعتكاف أيامًا أو شهرًا يرجو أن يصلح دين قومه؛ ليكون رئيس الدين كما يكون حموه ابن سلول ملك المدينة، ولكن وصول النبي خيب آمال الزعيمين فحقدا على النبي ورضي عبد الله بالنفاق وعزم الراهب على النضال.

ولذا أحضر معه إلى مكة خمسين تابعًا من أتباعه جعلهم كتيبة لحرب المسلمين، فاستقبله المكيون استقبالًا حافلًا وأدبوا له ولرجاله وطافوا به الكعبة ومخادع الأوثان التي فضلها على النصرانية واليهودية والإسلام! وإنك تجد مثال هذا الرجل في أعيان عهد الالتزام، ذكاء فطري وخشونة في الطبع وعناد في العداء وقلة في الوفاء مع تعصب شديد لرأيه وحب مفرط لأهله وولده، وقد زادت هذه الصفات فيه بكهولته، وكان رجلًا قصيرًا دميمًا كبير الرأس أشيب متدلي اللحية ميالًا لقهر الدهماء واحتقار الجماهير، يصلح زعيمًا لحزب ذي قلة ضئيلة وقوة على النضال بل قد يصلح ليكون حزبًا وحده.

فعلم الرسول أن أبا سفيان يعد جيشه ولم ينسَ فرقة الموسيقى الحربية، ولكن لم يكن في أهل مكة إلا الملحنون والمغنون والمخنثون وهم لا يصلحوا لإشعال الحماسة في الصدور كما يصلحون للصبوح والغبوق، وكانت هند راكبة على صدر زوجها فاقترحت أن يجهزها ومثيلاتها بالدفوف والمزامير والطبول والصنوج؛ لتكون هي رئيسة هذا «التخت» المحارب، ونظمت الأشعار التي فيها الوعد بالنمارق والعناق، والوعيد بالهجر والفراق، يقول ويلهاوزن في كتابه «الزواج» (ص٤٥١): «لا وازع عن الفرار من الميدان عند العربي أشد من تأنيب النساء.» وهذا أمر مشهور معلوم، وهو يقابل خوف الصيني من فقد وجهه أي كرامته، ولعلهن اشتركن فعلًا في المعركة، وكُنَّ يعنين بالخيل المستريحة يقدمنها لمن يفقد جواده أو يضعف عن حمله، ويقمن بالإسعاف للجرحى وتضميد جروحهم والسقاية والنجدة، ولكن هندًا كانت مشتعلة الخيال شديدة الحقد على النبي وأهله، فأصرت على نبش قبر السيدة آمنة بنت وهب أم النبي المدفونة في الأبواء لتبقي جثتها رهينة! وهي سيدة توفيت منذ خمسين عامًا ولكنها ظنت أن جفاف الصحراء يحفظ الأجسام من البلى، ولو كانت هذه الجثة محنطة لآمنا ببقائها متحملين جريمة نبش قبر سيدة لها حرمتها قد توفيت قبل أن تولد وليس بينهما ضغينة، وإن تكن هند ممن لا يرعين الكرامة لأحد ولا نفسها، ولكن رجال قريش اعتذروا إلى هذه الميسالين المهتاجة بأنهم يخشون مقابلة الفعل بمثله وينتهي العرب بتبادل نبش القبور بدل الحرب والقتال! وتشجعت عمرة حليلة غراب فحملت اللواء عند سقوطه ودعت الجيش للالتفاف حولها وحوله فمثلت دورًا صغيرًا في بضع دقائق إلى أن حمله عنها رجل.

وسنرى في تفصيل المعركة أن بعضهن حاربن فعلًا وخضن غمار الوغى، ولكن رجال المسلمين لم يمدوا إليهن يدًا؛ خشية أن يلوثوا سيوفهم بدماء أنثى إذا لقوهن بمثل فعالهن، وقد اخترن لأنفسهن مؤخرة الجيش؛ ليكن رقيبات على الصفوف فيشجعن ذوي الإقدام ويعيرن الجبان إذا فكر في الفرار أو شرع فيه، وقد تعودت قريش أن تولي الأدبار منذ بدر.

وسيرى القارئ أن جيش المسلمين قد هُزم في أحد، هذا أمر لا ريب فيه، ولكن أمرين يلفتان النظر: الأول: أن محمدًا أحكم خطة هذه الموقعة إحكامًا بديعًا. والثاني: أنه بمحض صبره وشجاعته وفطنته وحضور بديهته تمكن من توليد النصر من الهزيمة. ونحن مجبرون أن نصدق سبب الهزيمة، وأن نؤمن به؛ لأنه ورد في القرآن والحديث، ولأن أهل قريش لم يكذبوا هذا السبب ولم ينقضوه.

وإن خالد بن الوليد نفسه وهو بطل المعركة الذي قلب موازينها أيد رواية القرآن والحديث، وإن لم يكونا في حاجة إلى تأييده، وأيدها عمرو بن العاص نفسه وهو قائد محنك، وغيره من صناديد قريش الذين أسلموا فيما بعد.

لقد زرنا ميدان أحد؛ لانشغالنا من سنوات طويلة بالوقوف على أسرار هذه الموقعة، وقرأنا أن المرحوم مصطفى كمال كان مهتمًّا بوضع كتاب في حروب النبي في ضوء العصر الحديث، وكان بعض خصوم النبي يزعمون أن أسباب الهزيمة التي وردت في الأثر وسير الأقدمين مصطنعة؛ لدرء التبعة عن الرسول؛ لأنه معصوم لا يخطئ، وفي الحديث: «أحد جبل يحبنا ونحبه.» وإذا ملنا إلى تصديق الخصوم المغرضين صح أن نصدق بعض القرآن ونكذب بعضه ونصدق بعض الحديث ونكذب بعضه! وإذن يختل ميزان عملنا، وإن في عصيان الرماة الذين كانوا يحمون ظهر الرسول وتكالبهم على الغنائم قبل نهاية المعركة ما يعقل حدوثه وإن لم يفعله أمثالهم في بدر وإن كانوا في بدر أفقر وأحوج إلى الطعام والشراب منهم في أحد، ولكن أبطال بدر على قلتهم كانوا أقل عناية بالمادة وأبعد ما يكون المجاهد عن الطمع وأميل إلى الاستشهاد منهم إلى النجاة والاستغناء بالأسلاب، ولا نخوض في التعليل النفساني والوعظي؛ كأن كانت هزيمة أحد درسًا للمسلمين وتحذيرًا وزيادة في استعدادهم، ولكنها هزيمة على كل حال لم نكن نريدها، ولكن الله أرادها ورسول الله قبلها وحول تيارها من انكسار فظيع إلى أمل أقوى وخطة حكيمة لم تقضِ على الروح المعنوية لا في الجيش ولا في المدينة، وزاده أدبًا أنه لم ينحُ باللائمة على أحد، ولم ينسب الخطأ إلى أحد، واتخذ الأمر على أنه لا يخرج عن قواعد الحرب وحظوظها، وأنها كانت دائمًا سجالًا بين سائر الأمم، وأن للنصر شرائطَ ومقدماتٍ ونتائجَ.

أما أن الرسول أحكم خطة الموقعة قبل حدوثها فلا ريب فيه؛ فقد ظهر جيش قريش غربي المدينة على جبل اسمه «عينين»، وبعثوا إبلهم وغنمهم ترعى في «عريد» كلأ لبعض أهل المدينة، وهذه مناوشة يعلم القصد منها، ولما سئل ابن سلول أجاب بما أجاب به في يوم بعاث؛ وهو أن لا يخرج أهل المدينة إلى الحرب حتى يهاجَموا، وأن جانب السلم خير وأكثر أمنًا، ولعل هذا الخبيث كان يرجو أن تتمكن قريش من اقتحام البلد ليعينهم من الداخل أو يتمكن من قتل من يشاء من المسلمين أثناء الفتنة التي تصحب هجوم عدو على بلد غير محصن؛ فقد كان مطمئنًّا إلى بني قريظة وإلى كتيبة الراهب، ولا ريب في أنه كان على نوع من التفاهم الخفي مع زعماء الحملة القرشية، وقد صار الآن مسلمًا ولكن قلبه لم يُشف من نفاقه، وسوف يصحبه النفاق إلى قبره لا يخرج من هذه الدنيا بغيره، ولعل النار تحرق قلبه ولا تصل إلى قميص الرسول الذي كفن فيه، وشرح للرسول خطته وهي أن قريشًا لن تقتحم المدينة، وإن اقتحمتها فلن يشق الدفاع عنها، وإن حاصروها فلا يطول حصارها. وإني أكاد أرى لونًا من خبث تاليران وزير نابوليون ومستشاره؛ كان يؤلب عليه ويتآمر ويشارك خصومه ويحرضهم ويقويهم، وإن يكن الفرق شاسعًا بين تاليران في ذكائه وفطنته، ولكن ابن أُبَيٍّ كان مثله لا يرعى ذمة للرسول ولا حرمة للمسلمين وهذا وجه الشبه بينهما، وكان كل ما يصيب نابوليون يثلج صدر تاليران، وكذلك كان عبد الله بن أُبَيٍّ يفرح لما يصيب المسلمين من سوء، غير أن تاليران دوَّن أخباره وأخبار مولاه في مذكراته وتاريخ حياته، أما ابن سلول فقد نزل في حقه وحق حزبه قرآن صريح: إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ، هل ترى من فرق بين الأمرين؟!

لما رأى النبي جيش قريش انتوى أن لا يخرج إليه، وتحمس أصحابه وألحوا عليه في الخروج؛ لأنهم تذكروا بدرًا وظنوا أنهم ملاقون نصرًا مؤزرًا، وطمع الذين لم يشهدوا بدرًا؛ وهم كثرة؛ أن يعوضوا عنها بهذه الموقعة، ولم يكن محمد يأبي الخروج تبعًا لنصيحة المنافقين، ولكن لأن عاملًا نفسانيًّا نهاه، وهذه الحالة هي إحدى الحالات التي يورط فيها الزعماء بتأثير الأتباع والتي يسير فيها الزعيم وراء أتباعه ليرضيهم، وكانت العادة من قبل أن يسيروا هم وراءه بهديه، فلا نعدُّها هفوة، ولكن نعدها قضاءً وقدرًا؛ لحكمة يعلمها الله، وأهم من ذلك أن تخلف الرسول وهو في عنفوان قوته الحربية عن الخروج إلى جيش مهاجِم سبق للرسول أن هزمه يضعف كثيرًا من قوة المسلمين ويشهِّر بهم في العرب ولا يدرك الناس مسلك دولة ناشئة تعتدي على الغير بالأمس ثم إذا جاءهم النفير يختفون وراء بيوتهم، وكانت المدينة بلدًا مفتوحًا يُنال من كل مكان، فلا يبعد أن اليهود والمنافقين يدفعون المشركين وحلفاءهم إلى أن يدهموا المسلمين في بيوتهم وفيها النساء والأطفال والشيوخ والمرضى فتكون كارثة! ولذا كانوا حيال معضلة وأمام شرَّين أهونهما المجازفة بالحرب، وتجمع لدى الرسول نحو من ألف مقاتل، واستعد الجيش للسير رغم رؤيا رآها الرسول وهو المعروف بالرؤيا الصادقة من قبل النبوة أبانت له ما سوف يحصل حتى مصرع عمه حمزة، فخرج مثقلًا بالهم كاسف البال موروطًا، ولكن هذه الحال لا تمنع من حضه جنوده على القتال؛ فقد أصبحوا جميعًا أمام الأمر الواقع، وكان المنافق ابن سلول قد وضع خطته في الحالين، فلما فشل في التخذيل وغلبت كلمة المحاربين، أضمر خطة أخرى، وهي أن يتظاهر بالخروج ثم ينسحب بجيشه في نصف الطريق بين المدينة وأحد، وكان أتباع المنافق ثلث الجيش، ونفذ هذه الخطة فأدخل الرعب في قلوب المترددين وهم من قبيلتي بني سلامة وبني الحارث اللتين اعتدى جيش قريش على كلأهما وأرضهما وأباح لأنعامه كلأها!

•••

يبلغ طول أحد أربعة أميال من الغرب إلى الشرق، ويربض هذا الجبل الشامخ حيال المدينة حجابًا من الصخر الصلد، يغلب عليه لون البياض وتعكس عليه أشعة الشمس فترتد ذات ألوان بهيجة، وهو كغيره من جبال الحجاز تُسَرُّ العين برؤيته، وله جمال وجلال وهيبة كأنه ملك بين الجبال الراسخة، وليس بجانبيه جبال أخرى؛ فهو معزول عنها ومرتكز على الوديان، تنساب تحت سفوحه مجاري السيول، وقد تغيرت مواضع الأرض الآن بفعل الزلازل والبراكين واتسعت مضايق وضاقت فسحات، فإن الأرض الصخرية النارية لا تبقى على حال واحدة في ألف سنة فيما عدا اللابتين المحيطتين بالمدينة فما تغيرتا ولا تبدلتا، فكانت الطريق من المدينة إلى أحد على قصرها تحتاج إلى دليل.

أراد الرسول أن يتخذ أحدًا وراء ظهره يرتد إليه عند الحاجة، وأن يخرج خفيةً فلا يراه ولا يرى جيشه أصحاب مكة؛ لئلا يقطعوا خط مواصلته، وأن يحصر جيش العدو بينه وبين المدينة، حتى إذا هُزموا وولوا الأدبار لم يجدوا غير المدينة ملجأ فيتلقاهم أهلها ليجهزوا عليهم فلا يكون لهم مفر، وقد نفذ هذه الخطة بحذافيرها ونجح في تنفيذها، فلم يمكِّن قريشًا من اعتراضه أو اللف حول مؤخرته عند خروجه، ولم يشعرهم بضرورة تغيير موقفهم، فكانت جبهة جيشه نحو أحد وبينهما وادٍ فسيح هو ميدان المعركة، وخير ما يحددها تمامًا أضرحة الشهداء السبعين وفي مقدمتهم قبر حمزة الذي ما يزال ماثلًا؛ لأن الصحيح الثابت على أنه وقع وصلوا عليه ودفن في مكان واحد، ولأجل أن يسلك الرسول طريق النجاة والتغمية، ساروا في حرة بني حارثة وخاض هو وجنوده أرضًا زراعيةً تحيط بالمدينة من الشمال وتحف بها بعد البقيع وينتشر نخيلها وكرومها مظللة كثيفة تبدو كسواد الغابة؛ لكثرة ما بها من أشجار، وقد حُجبوا عن قريش فلم يروهم إلا وهم مصطفون أمامهم، واتخذ كل منهم مكانه واتخذ الرسول لنفسه معسكرًا فوق هضبة عالية تشرف على الميدان وعلى الجيشين، وكان تقسيم الكتائب محكمًا طبقًا للخطة المرسومة، فلما رأى الرسول أن جبل عينين منال ينال منه المسلمون، وضع عليه خمسين من مهرة الرماة؛ ليحموا المضيق ويحولوا دون قطع الطريق، وأمرهم أمرًا صريحًا أن لا يتحركوا مهما طرأ على الجيش المحارب، وهذه قصة مشهورة يزعم بعض الخصوم أنها اصطُنعت فيما بعد؛ لتخفف من تبعة الهزيمة! وَلَكِنْ هؤلاء المرجفون لا يبالون، يختارون فيما لديهم من الأخبار فيصدقون ويكذبون، ولو كانت أحد حاسمة كبدر ولم تتلها وقعة الخندق وصلح الحديبية وفتح مكة ونصر حنين، إذن لكان للاختلاق والترقيع سبب قوي، أما أن أحدًا لم تكن سوى حادثة طارئة في تاريخ الجيوش والدول فلا مانع يمنع المسلمين من ذكر الحقيقة عنها! وأي شيء غريب في أن يوزِّع قائدٌ جيوشَه ويأمرها وينهاها؟! وهل عصيان الرماة أمره بدافع الطمع في الغنائم أو غيرها أو بدافع الخوف من فرسان خالد بن الوليد الذي دهمهم أعجب وأغرب مما وقع في بدر نفسها؟! كان جيش قريش في وادي قناة، وهو موضع أوطأ من موضع جيش المدينة، وهو الذي ما يزال بين أحد والمدينة، وإن يكن شكله الجيولوجي قد تغير بفعل الزلازل وفيضان الماء بسيول غيرت وجه السهول، وكان هذا التغيير مشاهدًا في زمن السمهودي فنص عليه (وفاء الوفا في تاريخ مدينة المصطفى).

ولذا لا يملك المعاصرون أن يتعرفوا على مدلولات تلك الأسماء بالدقة لولا حرص الحديث والمعاصرين على التوسع في الوصف والتعريف، حتى لكأن المواطن منقوشة محفورة لا موصوفة وصف اللسان، وما يصدق على أحد كذلك يصدق على الخندق الذي عفت آثاره وانمحت رسومه فلا ترى له اليوم شبحًا، ولا يمكنك أن تحقق من أصل موضعه شبرًا، ولكن الذي نجزم به أن موطن الجيش المحمدي كان أقوى من موطن الجيش القرشي، وأن تصرفه الذي سهل عليه حصر قريش بينه وبين المدينة كان تصرفًا سليمًا؛ لأن ظنه أن قريشًا لا تهاجم المدينة قد صح وصدق حتى في حالة انتصارها، فكل ما حسبه الرسول كان دقيقًا، وكل ما رسمه كان محكمًا محبوكًا، وكل الذي أسفرت عنه حيلة الراهب الأسود الأشمط أنه انتهز فرصة الظلام وجعل في الأرض حفرًا ومهاويَ وغطاها؛ لتكون مساقطَ لجنودنا، أي إنه ألغم بعض أرض الميدان بالقش وأوراق الشجر، فلم يكن أعلم ولا أفطن من إخوة يوسف الذين حفروا له حفرة، والذي أعان هذا الناقم معرفته بطبيعة أرض الضواحي في المدينة، وما هو إلا ابن بجدتها ومن سادة أوسها وأنصار يهودها ومنافقيها، فلم يأتِ بجديد ولم يتح نصرًا حاسمًا لحلفائه.

تاريخ الموقعة عقيب عيد الفطر مباشرةً (٧ شوال سنة ٣ﻫ الموافق ٢٤ مارس سنة ٦٢٥م).

سيرى القارئ أن جيش الرسول هزم جيش قريش، وأن الذعر دب في صفوف المشركين، وأن سبعة من حملة علَمِهم قتلوا واحدًا بعد آخر حتى وصل إلى يد امرأة، وكان السبعة من آل عبد الدار، (يسمون أحدهم عبدريًّا)، وبعد قتل فحول قريش وحملة ألويتهم ولت قريش أدبارها تاركين معسكرهم نهبًا لجيشنا الذي بدأ رجاله بالوقوع على الأسلاب، أما نساء قريش فقد أفلتن الطبول والدفوف ولجأ الشباب منهن إلى سفوح الجبال، أما الضعيفات فقد رضين الأسر فسلَّمن أنفسهن للأبطال الذين أبوا أن يمسوهن بسوء، وأوشك أبو سفيان نفسه أن يهلك كعادة الحظ معه أن ينجو طوال حياته بقيد شعرة من الخطر المحقق، وهنا أكلت حكة السلب بعض أيدي الرماة حماة مؤخر الجيش، ولمعت أعينهم ببريق الرغبة في الوقوع على الغنائم وظنوا إخوانهم الذين انتصروا يحرمونهم منها، وسرت العدوى من الفرد إلى الجماعة؛ فانحطوا كالسيل الجارف ونسوا أمر النبي، وكان يجب إعدامهم بعد ذلك شنقًا وصلبًا في ساحة المسجد بالمدينة! فانتهز ابن الوليد هذه الفرصة وهجم بخيله وفرسانه على الثغرة التي أحدثها العصيان، ووقع المسلمون بين نارين، ورأت قريش المدبرة بريق الأمل، فاستردت قوتها ونظامها كما حدث يوم بعاث الذي دارت فيه الدائرة أولًا على الأوس، فلما فرح الخزرج وضعفت قوتهم باعتقاد النصر القريب جمع حضير الكتائب صفوفهم بحيلة الجرح الذي أحدثه في فخذه بحربته.

اختلط الحابل بالنابل، وانفرط عقد النظام، وقتل بعض المسلمين إخوانهم يظنونهم أعداء، وأوشكت الدائرة أن تدور على صفوفنا، وظن خالد بن الوليد أن أكبر ضربة تصوب إلى المسلمين قتل النبي، فقصدوا إلى خبائه، وفطن أبطال المسلمين إلى هذا الخطر فأحاطوا بشخصه والتفوا حوله ورموا بأجسامهم عليه؛ ليقوه شر الرماح والسيوف والخناجر والسهام، وتقدم إليه رجل كان يسمن فرسه ويشحذ سلاحه؛ ليقتل النبي، فضربه الرسول برمح جرحه في عنقه جرحًا مكتومًا لم تسل منه نقطة دم، ولكن الرجل وثق أنه ميت لا محالة!

وكان من شهداء الموقعة بعد حمزة مصعب بن عمير الذي يشبه الرسول شبهًا شديدًا، فقتله ابن قمئة وأشاع أنه قتل محمدًا، فحمي وطيس المعركة بين رجال عاهدوا الله على الموت في سبيل دينهم، فاشتدت سواعدهم وتراخت قوة قريش؛ لأنهم ظنوا نجاحهم كاملًا بقتل النبي وقتل سبعين من أعدائهم بعدد الذين ماتوا في بدر من المشركين، فكانت تضحية مصعب وسكوت الصحابة عن تكذيب الشائعة سببًا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأكد ابن قمئة لأبي سفيان الذي عاد أدراجه متفائلًا أنه قتل النبي بيده، وهو يحسب مصعبًا هو محمد نفسه، ولكن أبا سفيان لما بحث في الميدان عن محمد الذي لن يلقاه بعد اليوم إلا وهو في موقف المذلة في المدينة أولًا، وفي فتح مكة ثانيًا، يوم جاءه يحبو على ركبتيه؛ ليعلن إسلامه، ويقدم خضوعه، وكان الباحث معه الراهب أبو عامر، فلم يجداه، فأسقط في يدهما وعادا بخفي ابن قمئة يلطمان بهما خدودهما الصفيقة، وذهبت جهودهما وجنودهما أدراج الرياح وخسرا أرباح العير وأهل النفير، فإن المشاهد الأولى من الفصل الأول من المعركة غيرت مواضع قريش وزحزحتهم بالقتل فيهم وفرارهم عن جهة المدينة، فتمكن المسلمون من السلوك إليها فكانت خط رجعة بديعًا أعدته المصادفة السعيدة لهم، ولو أن القرشيين ثبتوا ولم يغيروا مواضعهم لقضوا على الجيش كله ودخلوا المدينة ظافرين واحتلوها وعلى رأسهم أبو سفيان والراهب المنحوس طالعه، ولم تأخذ قريش أسرى ولا أسلابًا ورضيت من الغنيمة بالرجوع، وهذا يدلنا على جهل أبي سفيان بفنون الحرب وعزوفه عن الاحتلال الحربي أو التوسع في السيادة، وبقائه على فكرة الجاهلية، وهي الاكتفاء بأخذ الثأر، على نقيض الرسول الذي جعل للحروب ثمارًا سياسية، فانتفع من كل حرب بالتوسع في امتلاك الأرض وإخضاع القبائل إما بالحسنى والإسلام وإما بالحرب والقتال، وكان الظلام قد خيم على الميدان فاتجه أبو سفيان وجيشه نحو مكة، وعاد المسلمون إلى مدينتهم وقد أمنوا عودة قريش لفتح البلد، ولكنهم حرسوا البيت الذي كان الرسول يعالج فيه من جراحه.

وكان مسلك النبي بعد أحد مثيرًا للدهشة والإعجاب؛ فقد اعتلى صهوة جواده واقتفى أثر أعدائه إلى حمراء الأسد على بعد اثني عشر ميلًا، فلما بلغت قريش الروحاء عضت بنان الندم على أنها لم تتبع نصرها بالفتح، وقد نهاهم عنه صفوان بن أمية الذي مات أبوه في بدر، فأشار عليهم بأن لا يحرجوا صدور المسلمين فيحركوا فيهم شجاعة وعزمًا واستقتالًا قد تودي بجيش قريش. وأوهم رسل محمد أبا سفيان بأن للنبي جيشًا احتياطيًّا ضخمًا، وأمر الرسول بإشعال نيران هائلة على أبعاد شاسعة؛ ليؤيد هذا الخبر في أذهان قريش المنسحبة، وأقام الرسول في ضواحي المدينة على أهبة الاستعداد بجيشه خمسة أيام حتى وثق أن أهل مكة لن يعودوا أدراجهم، ثم دخل البلد يوم الجمعة، ولم تؤدِّ أُحد إلى شيء غير إقبال رجال من أقوى المشركين على الإسلام والدخول في حظيرة الإيمان وهم لا يعلمون الدافع لهم، ومنهم قواد كبار وأبطال اشتركوا في أحد، ولا بد أن هؤلاء كانوا يعتقدون أن نصر قريش كان نصرًا مفتعلًا، وأن الرسول ورجاله لم يفقدوا غريزة القتال ولم يجهلوا فنون الحرب، وآية أخرى أظهرتها أحد وهي اشتداد عداوة اليهود والمنافقين، وقد خسرت قريش خمسين ألف دينار، وهي الأموال التي أنفقوها على الحملة، وهي ربحهم من العير الذي أنقذه أبو سفيان قبيل بدر.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ.

وكانت أرباح قريش من تجارتهم مائة في المائة، يربحون في تجارتهم للدينار دينارًا.

(١) الموقعة

لما قتل أشراف مكة ببدر وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها ترأس فيهم أبو سفيان بن حرب؛ لذهاب أكابرهم، وكان أبو سفيان من أشد أعداء النبي ولم ينل ما في نفسه، فأخذ يؤلب عليه وعلى المسلمين ويجمع كلمة قريش بفكرة الثأر والانتقام من محمد.

وكان من جهة أخرى جماعة من أعيان قريش يرون رأي أبي سفيان ويسعون في إغراء العرب بمحمد ومن معه من المهاجرين والأنصار لغرضين: الانتقام منه ومن الذين تبعوه لأقاربهم الذين قتلوا في بدر، والغرض الثاني: محاولة القضاء عليه وعلى دعوته بعد أن شهدوا استفحال أمرها.

ويظهر أن ثلاثة من أعيان قريش كانوا أظهر من غيرهم في المطالبة بهذا الانتقام؛ وهؤلاء هم:
  • (١)

    عبد الله بن أبي ربيعة.

  • (٢)

    عكرمة بن أبي جهل.

  • (٣)

    صفوان بن أمية.

فألَّفوا وفدًا من بعض شرفاء قريش وقصدوا إلى أبي سفيان ودعوا إلى اجتماع يحضره من رجال قريش كلُّ من كانت له تجارة في العير التي سببت واقعة بدر.

وكانت تلك العير لا تزال موقوفة في دار الندوة، وهي مقر الحكم وقصر البلدية لجمهورية مكة، فلما انتظم الاجتماع قام عبد الله بن أبي ربيعة وألقى الكلمة الآتية: يا رجال قريش، ويا أصحاب الدم والمال في وقعة بدر! إن محمدًا قد وتركم! وقتل خياركم ولم تدركوا دماءهم. وها هي العير موقوفة لا ينتفع بها أحد، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرًا عمن أصاب منا.

فقام عكرمة بن أبي جهل وقال: تطيب نفوسنا إن جهزتم بربح هذه العير جيشًا إلى محمد.

فقال أبو سفيان: وأنا أول من يجيب هذه الدعوة، وبنو عبد مناف معي.

ونهض صفوان بن أمية وقال: نجعل لحرب محمد ربح المال، فأرى أن يسلم لأهل العير رءوس أموالهم وأن تخرج أرباحها لكل دينار نصفه.

ونظر في حساب الربح فإذا هو خمسون ألف دينار، وتعدل في زماننا هذا حوالي عشرين ألف جنيه، فكان هذا المال الذي أعان على معركة أحد، وهو مبلغ ضخم بنسبة الزمان والمكان، ولكن العرب كانوا يعلمون هم أيضًا أن المال عصب القتال، فكان اجتماعهم وخطبهم بمثابة اجتماع البرلمان للموافقة على ميزانية الحرب قبل الشروع فيها.

فكان القسم الأول بمثابة الخطب التي يلقيها وزراء الحربية قبل تقديم مشروع القانون بالمبلغ المطلوب.

ويظهر أن الموافقة في دار الندوة كانت عامة، ولذا بدءوا بتدبير المال قبل إنشاء الجيش أو الدعوة للتجنيد.

فإذا صح أن عدد جنودهم كان ٣٠٠٠ فيكون كل جندي قد تكلف سبعة جنيهات مصرية في ذهابه من مكة إلى المدينة وأوبته منها بعد المعركة.

وكل ما رويناه يعد تاريخًا صحيحًا؛ فقد ثبت بنص في القرآن الشريف، فإنه بمجرد أن جمع المشركون كلمتهم وشرعوا في جمع مالهم للحملة نزلت الآية الشريفة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ.

وإن مسلك زعماء قريش يدل على أنهم كانوا على جانب حسن من نظام الحكم وتدبير الحرب والسياسة، ولم يقتصر نظامهم على الاجتماع والخطابة وتدبير المال بل نظروا إلى الدعاية أو البروباجندا، ولم يكن لديهم ما يقوم مقام الصحف سوى الشعراء، وقد استعمل الحلفاء في الحرب العظمى ألفرد هارمز ورث لورد نورثكليف رئيسًا للبروباجندا واتخذت في حرب ١٩٣٩ نطاقًا واسعًا.

وكان صفوان بن أمية ذا حنكة في اختيار الرجال لهذا العمل؛ فقد قصد شاعرًا هو أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي وقد وقع أسيرًا في بدر، فلما مثل بين يدي رسول الله في الأسارى قال له: إني فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها فامنن عليَّ صلى الله عليك وسلم!

فأطلق النبي سراحه بعد أن أخذ عليه عهدًا أن لا يُظاهر عليه أحدًا.

فلما جاءه صفوان بن أمية قال له: يا أبا عزة، إنك رجل شاعر، فساعدنا بلسانك، ولك علي إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أجعل بناتك مع بناتي في السراء والضراء.

أبو عزة: إن محمدًا قد منَّ عليَّ وأطلقني وأخذ عليَّ أن لا أظاهر عليه أحدًا فلا أريد أن أظاهر عليه.

فقال له صفوان: بلى! فأعنا بلسانك!

ويظهر أن فقر الشاعر وعيلته التي كان يعرفها النبي وبسببها أطلقه — كانت لا تزال ملحة عليه، فوقع تحت تأثير المال والتهديد من جانب شرفاء قريش، فإنه كان طليقًا «بكلمة شرف» أعطاها النبي، وأراد المسكين أن يتمسك بها، لولا إلحاح صفوان وماله، أو المصاريف السرية التي نال منها نصيبًا فأرغمه ذلك على نقض عهده وخيانة كلمته، فكلفه ثمنه غاليًا.

وخرج أبو عزة يحرض تهامة ويدعو بني كنانة.

وتمكن صفوان من استئجار شاعر آخر هو مسافع بن عبد مناف، فخرج إلى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويدعوهم لمحاربة النبي.

وصار الشاعران المأجوران ينظمان الشعر ويحرضان العرب على الانضمام إلى قريش لمحاربة محمد في المدينة؛ انتقامًا لموقعة بدر.

وأخذ أشراف قريش من جانبهم يعملون أعمالًا فردية لإنجاح الحرب وقتل قادة الأنصار والمهاجرين، ومن هؤلاء رجل اسمه أبيُّ بن خلف أخو أمية بن خلف الذي أُسر ثم قُتل ببدر، أخذ يعلف فرسًا له اسمها «العود» في مكة ويقول: سأقتل عليها محمدًا! وهو الوحيد الذي قتله الرسول بيده.

وأخذ أبو عامر عبد عمرو بن صيفي الراهب (وصار اسمه الفاسق) الأوسي الذي وصفناه بعد أن خرج من المدينة وذهب إلى قريش يؤلبهم على محمد باسم حزب أعداء محمد في المدينة ويحضهم على قتاله، وأوهم قريشًا أن قومه وهم الأوس إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه، ففرح به أعيان قريش واستبقوه معهم وأعطوه في الجيش مكانة رفيعة تقرب من القيادة، ومنهم جبير بن مطعم بن عدي، وقد كان موتورًا في عمه طعيمة بن عدي؛ قتله حمزة في بدر، وكان لجبير هذا عبد حبشي منحوس يقال له «وحشي» كان وحشيًّا بالاسم والطبع، يحسن الرمي بالحربة على طريقة الحبش؛ قلما يخطئ بها، ولا يزال الحبشان يتقنون الرماية إلى يومنا هذا، فأحضره مولاه جبير وقال له: ثمن حريتك رأس حمزة قاتل عمي، فإن قتلته فأنت عتيق. ومالت إليه هند وحرضته على اغتيال حمزة، وهكذا تجمعت الأحقاد والسياسة والتعصب والمال والشعر والعَدد والعُدد ضد محمد، وصمم أهل مكة على محاربته حربَ استئصالٍ لا حربَ غنائمَ وأسلابٍ، وإن في اجتماع ٣٠٠٠ جندي في ذلك العهد من مدينة تجارية كمكة وإنفاق عشرين ألف جنيه عليهم لأجل معركة، لدليلًا على أن قريشًا أرادت أن تكون فاصلة حاسمة ماحية ساحقة لعار بدر، غاسلة لدماء صناديدها (العجائز الصلع).

أعدت قريش جيشها وجعلوا للنساء نصيبًا في الحملة؛ فقد خرجت من نساء الأشراف أو الأعيان خمس عشرة امرأة، كلٌّ منهن مع زوجها أو أبيها أو أخيها؛ فهند مع زوجها أبي سفيان، وأم حكيم بنت طارق مع زوجها عكرمة بن أبي جهل، وسلافة مع زوجها طلحة بن أبي طلحة، وأم مصعب بن عمير وعمرة بنت علقمة الحارثية، وقد أعوزتهم الموسيقى الحربية فأخرجوا معهم النساء بالدفوف وساروا بالقيان والطبول والمعازف والخمور والبغايا، وليس هذا غريبًا عليهم؛ فقد فعله أسلافهم في بدر منذ عام، وكانت مأمورية النساء أن يبكين قتلى بدر وينُحن عليهم ويحرضن جيش قريش على القتال وعدم الهزيمة والفرار.

كيف علم النبي بالحملة؟

علم العباس عم النبي بهذا الاستعداد الضخم وتقدم إليه أشراف قريش وطلبوا منه أن يخرج معهم، وكان العباس لا يزال وثنيًّا، ولكنه كان يضمر الحب لابن أخيه، ولعله كان ينتظر اليوم الذي يميل فيه ميزان القوة نحو ابن أخيه فينضم إليه؛ لأنه كان من أرباب الأموال وكان يخشى على ماله، كما كان يتكهن لابن أخيه بمستقبل عظيم، وقد رأى فعلًا بوادره، فلما طلب إليه أن يشترك مع قريش في الحرب ضد رسول الله اعتذر لهم بما أصابه يوم بدر، ولم يساعد قومه بشيء من ماله.

ثم استحضر العباس رجلًا من بني غفار وهي قبيلة أبي ذر الغفاري الصحابي الشهير وسلمه مكتوبًا سريًّا إلى النبي واستأجره في أن يحمله إليه وشرط عليه أن يأتي المدينة في ثلاثة أيام بلياليها، فقبل الرجل وأدى الأمانة خيرَ أداءٍ.

والذين علموا بالخطاب في أول الأمر من حاشية النبي أبي بن كعب الذي قرأه لمحمد، وسعد بن ربيع الذي فاتحه النبي في أمر المكتوب، وتسمعت امرأة سعد بن ربيع ما دار بين محمد وزوجها وأفضت به إلى زوجها فشكاها إلى رسول الله فلم يكترث.

وكان عمل العباس جميلًا بالنسبة للمسلمين ولابن أخيه ومن معه من المهاجرين والأنصار، ولكنه كان من جرائم الحرب وكان يستحق المحاكمة عليه؛ لأنه مكون لجريمة المخابرة مع الأعداء وإفشاء أسرار الدولة؛ فهو نوع من الخيانة العظمى.

وقد كان في وصول هذا الخطاب ليد النبي بقباء فائدة عظمى؛ لأنه كسب الفرق في الوقت بين وصول الرسول وبين وصول الجيش وهو بضعة أيام مكنته فعلًا من استشارة أصحابه والاستعداد للقاء العدو المهاجم.

الأعمال التي عملها النبي في المدينة

علم النبي بما في الخطاب فجمع أصحابه وشاورهم في الأمر، وكان رأيه ما يأتي: إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتتركوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلنا فيها ونحن أعلم بالمدينة منهم.

وكانت المدينة بعد هجرة النبي قد شبكت بالبنيان من كل ناحية حتى صارت كالحصن المنيع.

وكان هذا رأي أكابر المهاجرين والأنصار.

وأرسل النبي في طلب عبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول (الذي كان يسمى رأس المنافقين) واستشاره في الحرب، ولم يكن استشاره قبل هذه المرة، فقال عبد الله: يا رسول الله، أقم بالمدينة ولا تخرج! فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله؛ فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلناهم، الرجال منا يقاتلونهم في وجوههم والصبيان يرمونهم بالحجارة من ورائهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين.

وهذا هو الرأي الصائب، وادعى بعض المؤرخين ليثبتوا صفة النفاق على عبد الله أنه حرض النبي على الخروج، وهذا قول ظاهر الخطأ؛ لأن عبد الله لو أبدى رأيًا ضد رأي كبار الأنصار والمهاجرين، كان أمره ينكشف، فهو بالطبع يميل إلى الرأي الراجح الذي عليه الأغلبية، ولما كان النفاق دليل الذكاء، فكان عبد الله يعلم طبعًا أن محمدًا ليس من البساطة بحيث يوافق رأيه بغير تمحيص، فلو أنه خدعه وحرضه على الخروج، لكان ذلك سببًا في هتك ستره والقضاء على البقية الباقية من كرامته.

وإذن كانت الأغلبية في جانب البقاء في المدينة، ولكن طائفة من الشباب التي تغلي الدماء في عروقها أرادت لقاء العدو، أظهرت رغبة في الخروج لإحراز المجد أو لمجرد حب الحركة، وربما تغلبت الشبيبة في الحياة العامة على الكهول وفازت حرارة الفتوة على الآراء الناضجة، وقد يحدث ذلك كثيرًا فيرغم الرجال على طاعة الشباب والانقياد لهم ويتورطون وهم يعلمون نتيجة التساهل للشباب في مطالبهم، ولذا ترى بعض المؤرخين يقولون: «غالبهم أحداث أحبوا لقاء العدو.»

وكان في المدينة فريق آخر يميل إلى قتال العدو، وهم الرجال الذين لم يشهدوا بدرًا، فأرادوا أن يخوضوا غمار المعركة، وهم يظنون أنهم سيهزمون العدو فيفوزون بالغنائم ويُكتب لهم النصر أو الاستشهاد.

وقد أوفدوا واحدًا منهم يقول لرسول الله: اخرج بنا إلى الأعداء، لا يرونا أنا جبُنَّا عنهم وضعفنا، والله لا تطمع العرب أن تدخل علينا منازلنا!

وقال فريق من الأنصار: يا رسول الله، ما غلبَنا عدو لنا أتانا في دارنا؛ فكيف وأنت فينا؟

ولعمر الحق إن هذه مجادلة مقنعة، ومن شأنها أن تمس كرامة الزعيم؛ وهو رسول الله، وقد زاد في قوتها تَدَخُّلُ حمزةَ عمِّه وقوله: والذي أنزل عليك الكتاب لا أذوق طعامًا حتى أجادلهم بسيفي خارج المدينة!

فكانت أقلية متحمسة قد غلبت كثرة هادئة مفكرة، فإن هذه الأقلية التي صار على رأسها حمزة بن عبد المطلب لقضاءٍ سبق في علم الله ما زالت برسول الله حتى وافق على الخروج وهو كاره.

ونحن نعتقد أن نظرية كرهه للخروج صادقة في التاريخ، ولم تُنتحل بعد الهزيمة لتجعل رأيه الأعلى، ولتصوره لنا راغبًا عن القتال؛ لعلمه بما سوف يكون؛ وذلك لأن طبيعة النبي كانت تأبى الحرب وسفك الدماء في غير سبب قوي، وحتى خصومه شهدوا له بذلك، قال ديبل Dieble (ص٨٦):
Mohemed wisely confined his originality and his daring strictly to his mental activities and fought only when self preservation necessitated it.

وفي هذه الحالة لم تكن هناك ضرورة ملجئة، ولا سيما أن قوة النبي كانت في بحر السنة بين بدر وأحد في ازدياد ونمو، وهذه حالة لا تستدعي الحرب والمجازفة وهو المنتصر في بدر وليس لديه ثأر يطالب به أو يطالب به أنصاره، وقد خضعت له الشقة بين مكة والمدينة، حذاء الشاطئ، وقد أرغم قريشًا أن يشقوا لأنفسهم طريقًا شرقيًّا نحو وادي الفرات، وأعدوا قافلة عظيمة ليرسلوها في الشتاء فنقل خبرها إلى النبي فأعد حملة بقيادة زيد بن حارثة فهاجمت القافلة، وكاد أبو سفيان يقع أسيرًا، واستولى زيد على ثروة قدرها ١٠٠٠٠٠ درهم.

وفي الوقت نفسه ولدت فاطمة لعلي سيدنا الحسن حفيد رسول الله.

فكان لمحمد بعد هجرته بعامين مال كثير وأرض واسعة وأتباع وأنصار ذوو عدد وجاه، وكان في راحة وهناء، وكل ذلك لا يدعو للحرب ولا يجعله مقبولًا في نظر رجل سياسي، ولو أن النبي فكر في حرب، فكان الأولى أن يفكر في حروب فتح وانتصار، لا في حرب دفاع غير مأمونة العاقبة، ولا سيما وأنه علم بها فجأة وبطريقة سرية.

ولما اضطر النبي للخروج إلى الحرب استعمل على المدينة ابن أم مكتوم وكان ضريرًا ولكنه حازم.

(٢) جيش النبي

كان جيش النبي مؤلفًا من ألف رجل، فهو ثلث جيش قريش، وكانت أركان حربه مكونة من صحابته وقرابته أبي بكر وعمر وحمزة وعلي وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير ومصعب بن عمير والحباب بن المنذر وسعد بن عبادة وطلحة بن عبيد الله والنضر بن أنس وسعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف وكعب بن مالك والحارث بن الصمة وسعد بن أبي وقاص وحنظلة بن الراهب.

وقبل الخروج قال سعد بن معاذ لبعض أهل المدينة: استكرهتم رسول الله على الخروج فردوا الأمر إليه.

ومن النساء اللواتي ورد ذكرهن في جيش النبي أم أيمن وفاطمة بنت الرسول وأم عمارة المازنية وعائشة — رضي الله عنها.

(٣) كيف كان شخص النبي يوم المعركة؟

لبس النبي لَأْمَتَهُ ثم لبس درعه «ذات الفضول» وعليها درعه الأخرى «فضة» ولكلٍّ من الدرعين تاريخ، فإن «فضة» هي الدرع التي غنمها محمد من بني قينقاع.

وذات الفضول قدمها إليه سعد بن عبادة عندما خرج النبي إلى موقعة بدر، ومات عنها وهي مرهونة عند يهودي من المقرضين بالمدينة على دين شخصي دفعه أبو بكر بعد وفاة محمد وتسلم الدرع.

ولما لبس محمد درعه الثانية أظهرها وحزم وسطها بمنطقة من أدم من حمائل سيفه، وتقلد السيف وألقى الترس في ظهره.

وركب فرسه «السكب» وتقلد القوس وأخذ قناته بيده.

وهذا الوصف الذي أجمع عليه المؤرخون يدل على أن النبي قد جمع بين سائر الأسلحة الصالحة للقتال، وبدا لأعين أهل المدينة محاربًا كامل العدة مقبلًا على الموقعة بثبات وصدق عزيمة، وكان الناس قد اصطفوا ينتظرون خروجه من بيته بعد أن دخل إليه ومعه أبو بكر وعمر وهما اللذان عمماه وألبساه.

فلما رأى الناس تمام استعداده وكانوا سمعوا كلمة سعد بن معاذ وأسيد بن حضير: «استكرهتم رسول الله على الخروج.» فخشي بعض أهل المدينة عاقبة الخروج، وأرادوا أن يبرئوا ذمتهم من النتائج بعد أن علموا أن النبي أراد في أول الأمر أن لا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن دخلها أهل مكة قاتلهم المسلمون؛ أهل المدينة على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، والأولاد من خلفهم، فلما مر بهم النبي وهو مسلح على الصورة التي وصفنا ضج بعضهم قائلًا: «ما كان لنا أن نخالفك ولا نستكرهك على الخروج، فاصنع ما شئت، فإن شئت فاقعد ولا تخرج لهم!»

وعندما سمع النبي هذا الضجيج، عجب من تقلب الشعب والعامة، وعجب من ظنهم أنه يعود فيعدل عن الخروج بعد أن صمم عليه، فقال لهم: «قد دعوتكم إلى القعود فأبيتم، وما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه.» فأيقن أهل المدينة أنه من ذوي العزم وأنه إذا صمم على أمر لا ينقضه ولا يرجع عنه حتى يتم على الصورة التي يريدها له الله.

ولم تكن هذه الخطبة الوحيدة التي ألقاها النبي على أهل المدينة في هذا اليوم؛ فقد كان يوم الخروج يوم الجمعة فصلى النبي بالناس ثم وعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد، وأخبرهم أن لهم النصرة ما صبروا، وأمرهم بالاستعداد لعدوهم.

وكان خروجه بسلاحه وعدته بعد صلاة العصر من ذلك اليوم.

وقد قسم النبي جيشه إلى ثلاثة لواءات: واحد منها للأوس؛ وجعله بيد أسيد بن حضير، ولواء للمهاجرين؛ بيد علي بن أبي طالب، وقد حمله بعد ذلك مصعب بن عمير؛ لأن لواء الأعداء كان يحمله طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار، وهم أصحاب اللواء في الجاهلية كما فصلناه في وظائف أهل مكة عند الكلام على أبي المطلب، فأراد النبي أن يعقد لواءً لمصعب بن عمير وهو من الأنصار وأصله من بني عبد الدار؛ ليكون قرنًا لطلحة حامل لواء المكيين، وهكذا صار حملة ألوية المسلمين ثلاثة: أسيد بن حضير للأوس، مصعب بن عمير للمهاجرين، الحباب بن المنذر وسعد بن عبادة للخزرج.

وكان عدد جيش النبي في أول الخروج ألف مقاتل وسار الجيش وأمام النبي سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وهما متدرعان، وفي الجيش مائة جندي دارع مثلهما، وكان السعدان يعدوان على فرسيهما أمام النبي، فلما وصل الجيش رأس الثنية رأى النبي كتيبة كبيرة قوامها ثلاثمائة جندي فسأل عنها فقيل له: هؤلاء حلفاء عبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول وهم من اليهود!

فقال النبي: هل أسلموا؟

قالوا: لا.

قال: إنَّا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك. ثم استغنى عنهم وردهم.

وغير خافٍ أن محمدًا كان يعلم أن جيش أعدائه أكبر من جيشه ثلاث مرات، وكان في حاجة إلى جند، وكتيبة قوامها ٣٠٠ لا يستهان بها.

ولكن آثر القلة مع إخلاص المحاربين على الكثرة مع الاختلاط بعسكر قد لا تؤمن عاقبة الاستعانة بهم، ولا سيما وأنهم حلفاء رجل كان النبي يعرف أنه رأس المنافقين؛ وهو عبد الله بن أُبَيٍّ، وكان قد أشار بعدم الخروج، فما الذي دعاه إلى تجنيد حلفائه بهذه السرعة، حتى سارعوا وسبقوا جيش النبي إلى رأس الثنية؟!

على أنني أنظر إلى المسألة من جهة أخرى؛ وهي أن هؤلاء اليهود سواء أكانوا حلفاء عبد الله المنافق وخرجوا للحرب إجابة لدعوته أو أنهم وطنيون محبون لبلدهم يريدون الذود عنها، فمما لا شك فيه أن لهم حق الدفاع عن المدينة؛ لأنهم مقيمون فيها، ولم تثبت خيانتهم حتى يصح الحكم بحرمانهم من حق الدفاع عن أنفسهم وأموالهم وبيوتهم، وكان يمكن استخدامهم في أي عمل خاص بالحرب، وجعلهم تحت مراقبة فرسان بعض المسلمين.

غير أن كلمة النبي فوق رأينا، ويرى الحاضر ما لا يرى الغائب.

وقد حدثت في الهزيمة أمور فظيعة، فربما كان هؤلاء اليهود وعلى رأسهم عبد الله بن أُبَيٍّ ينضمون إلى أهل مكة فتكون كارثة، والخطوة الثانية بعد الاستغناء عن اليهود كانت عرض الجيش؛ فإن النبي عسكر في ظل جبلين وعرض الجند، فردَّ كلَّ من لم يبلغوا أربعة عشر عامًا، وكان بين المردودين عدد كبير من الشبان الذين صاروا في طليعة أبطال الإسلام؛ أمثال: عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وعرابة بن أوس.

وكان النبي لا يرد الشباب ردًّا قطعيًّا بل كان يقبل التظلم؛ فقد أجاز رافعَ بن خَدِيج لما قيل له: إنه يحسن الرماية، وكان النبي قد رد سمرة بن جندب؛ لصغر سنه، فاحتج بأنه أقوى من رافع وهو يغلبه إذا تصارعا، فأمر بمصارعتهما فتغلب سمرة على رافع فأجازه النبي.

وقد استغرق العرض والتظلم من رد الشباب والفصل في الطعون بقية اليوم وغابت الشمس ونام الجند في ظل الجبلين.

وكان رئيس الحرس محمد بن مسلمة وتحت إمرته خمسون جنديًّا يطوفون المعسكر، وقام ذكوان بن عبد قيس بحراسة النبي أثناء نومه، ولما كان الصباح، كان الجيش قد بلغ مكانًا اسمه الشوط وهو جدار بين المدينة وبين جبل أحد.

وفي هذا المكان انسحب عبد الله بن أُبَيٍّ ومعه ثلاثمائة رجل وهم محنقون يتميزون من الغيظ، ولم يستطع عبد الله أن يكظم غيظه فقال ينتقد النبي ويتوعده: «عصاني وأطاع الولدان ومن لا رأي له! سيعلم! ما ندري علام نقتل أنفسنا؟! ارجعوا أيها الناس!» فرجعوا.

يظهر أن عبد الله بن أُبَيٍّ كان يملك قياد ثلث الجيش، وكان يحالف ثلاثماية يهودي وهم الذين ردهم النبي عند رأس الثنية، ولما أيقن عبد الله بن أُبَيٍّ أن الحرب واقعة لا محالة، ولعله أيضًا تخيل أن الغلبة سوف تكون لقريش؛ لكثرة عددهم أو لأي سبب آخر، فإن رجلًا مثله لا يخلو من مصادر العلم بالتجسس، فوقف على عدد جيش مكة، فدخل قلبه الرعب، وأبى أن يجازف بحياته وحياة أصحابه المنافقين، وكان قد أشار على النبي بالقعود ووافقه النبي وخيرة الصحابة، ثم أرغم النبي على الخروج بتأثير الشباب وغيرهم من طلاب المجد أو الاستشهاد أو الغنائم.

انتهز عبد الله بن أُبَيٍّ هذه الفرصة لما ظنه انتقامًا، فلما بلغوا الشوط انسحب هو ومن معه.

فتبعه عبد الله بن عمرو بن حرام، وكانت مكانته في الخزرج تعدل مكانة عبد الله بن أبي، وأخذ ينصح الفارِّين الخاذلين، أو دعاة الهزيمة ويحذرهم ويذكرهم بدينهم؛ لأنهم كانوا مسلمين في الظاهر ويقول: يا قوم! أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم.

فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكن لا نرى أنه يكون قتال!

فقال لهم لما يئس من عودتهم: أبعدكم الله، أعداء الله! فسيغني الله تعالى عنكم نبيه.

وقد أوشكت الفتنة أن تقع في جيش المسلمين بسبب هذا الخذلان؛ لأن طائفتين من الأوس والخزرج اختلفتا في محاربة المنافقين الذين انسحبوا بزعامة عبد الله بن أُبَيٍّ، وقيل إن هاتين الفئتين؛ وهم بنو سلمة وبنو حارثة، لما رأتا انصراف المنافقين همَّتا بالرجوع. وفي هاتين المناسبتين نزلت آيتان: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُم، إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا.

ولم يكن في جيش النبي إلا فرسان: فرس النبي، وفرس لأبي بردة.

ولما رأى بقية الجند انسحاب المنافقين أو الذين اعتبروا أنفسهم عقلاء، عرضوا على النبي الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة، وكان لبعض الأنصار من الأوس حلفاء من اليهود كما كان للخزرج حلفاء منهم، فإن اليهود كانوا من المهارة أو اختلاف المصالح بحيث قسموا أنفسهم على الأحزاب، ولكن النبي الذي رفض معونة حلفاء عبد الله بن أُبَيٍّ، رفض أيضًا حلفاء الأنصار؛ لأنه أراد أن يكون جيشه مؤلفًا من المسلمين دون سواهم، ولا يكون فيه عنصر أجنبي.

وإذن كانت بداية هذه المعركة لا تبشر بخير كثير؛ فقد خرج النبي على غير رغبة منه، وانشق الرأي بين المسلمين وانقسموا على أنفسهم، وظهرت عداوة المنافقين، وانسحب ثلث الجيش، وكادت تدبُّ الفتنة في الصفوف، فإذا كان لإنسان أن يتفاءل أو يتشاءم فقد كانت تلك المقدمات كلها مما يدعو إلى التشاؤم، مع أنني ضربت صفحًا عن الرؤى التي قيل إن النبي رآها قبل الخروج من المدينة وفسَّرها بأن رجالًا من أصحابه يُقتلون، ورجلًا من أهل بيته يقتل؛ لأنني أحاول إبعاد العنصر الخفائي عن هذا المبحث، وأن النبي جعل أمر الحرب والسلم خاضعًا لقوانين الطبيعة الظاهرة، ولو أراد إخضاعها لسلطته النبوية ولعلمه الروحاني، إذن لأصر على القعود مهما ألح الشباب أو المتحمسون، خصوصًا وقد كان العقلاء في جانبه.

•••

إذن سار محمد ومعه ٧٠٠ رجل وفرسان ليلقى جيشًا مكونًا من ٣٠٠٠ رجل ومئات النساء من الشريفات وغير الشريفات عدا عن العُدد الكاملة والخيل المطهمة والإبل الضخمة.

وكان من الحكمة أن لا يدخل النبي في معركة في هذا اليوم؛ لأن الحالة المعنوية في صفوفه لم تكن على ما يرام، وكذلك كان يحب أن يستعد للأعداء براحة يوم وليلة، فإذا هو خرج عليهم فربما اشتبكوا في الموقعة، فطلب إلى رجل أن يخرج بالجيش على أهل قريش من طريق قريب ولا يمر عليهم، فتطوع أبو خيثمة للقيام بهذا العمل وسار بالجيش فنفذ به من حرة بني حارثة وخاض في أموالهم حتى دخل في حائط (بستان) لرجل أعمى منافق اسمه المربع بن قيظي، فلما علم الأعمى بمرور جيش المسلمين من أرضه، وهذه كانت بالطبع إحدى ضرورات الحرب وتبيحها القوانين الدولية العامة، ولكن الأعمى تهيج وقام يحثو التراب في وجوه الجند ويقول مخاطبًا النبي: إن كنت رسول الله، فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي.

كان هذا الأعمى يخلط في حديثه وفي يده حفنة من تراب وقال: والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك!

وحاول بعض المسلمين قتله فمنعهم رسول الله بلطفه المعهود وقال: لا تقتلوه؛ فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر.

وانتصر له بعض المنافقين في الجيش وهم من بني حارثة فهمَّ بهم أسيد بن حضير، فأومأ إليه رسول الله بالكف عن أذاهم، ولا أذكر إن كان هذا الأعمى قد نجا بجلده، بعد أن عاب في الذات النبوية؛ وهي جريمة فظيعة جديرة بالمحاكمة العسكرية والعقاب السريع، أم أن واحدًا شج رأسه وأبقى على حياته.

وقد تضيف هذه الحادثة نقطة قاتمة إلى صفحة تلك الحملة، وقديمًا عاتب الله تعالى نبيه على أنه عبس وتولى أن جاءه الأعمى، وها هو أعمى آخر جاء متعديًا متهجمًا متصديًا رسول الله، وبادر رجال من المخلصين للقضاء عليه فعفا النبي عنه وحمل هياجه ووقاحته على تبرمه بالدنيا، وحقده على الإنسانية، وقديمًا قالوا: كل ذي عاهة جبار.

•••

دنا النبي وجيشه من جبل أحد، فعسكر هناك واستقبل المدينة وجعل ظهر معسكره للجبل، وبات يوم السبت وليلة الأحد وهي الليلة الثانية من خروجه، فلما أصبحوا كانوا في مقابلة العدو، فخطب النبي خطبة وجيزة جاء فيها: ما أعلم من عمل يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، ولا أعلم من عمل يقربكم من النار إلا وقد نهيتكم عنه، وإنه قد نفث إليَّ الروح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفيَ أقصى رزقها لا ينقص منه شيء؛ وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله ربكم وأجملوا في طلب الرزق، لا يحملنكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية الله.

والمؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده، والسلام عليكم.

ثم نظر النبي إلى أرض الميدان، فرأى أن يحمي مؤخرة الجيش بشرذمة من الرماة الماهرين، فأمر بخمسين منهم بحماية ظهر الجيش وجعلهم تحت إمرة عبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس، وهو من أبطال العقبة وبدر، وأصدر لهم أمرًا صريحًا قائلًا: لا تبرحوا حتى أسمح لكم، ولا يقاتل أحد حتى آمره بالقتال، واثبتوا مكانكم إن كانت لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تتخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على القوم وواطأناهم فلا تبرحوا، وإذا رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل في معسكرهم فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تغيثونا ولا تدفعوا عنا.

وكان الأمر صريحًا إلى قائدهم: انضح الخيل عنا بالنبل، فارشقوهم بالنبل؛ لأن الخيل لا تقدم على النبل، إنَّا لن نزال غالبين ما مكثتم مكانكم، اللهم إني أشهدك عليهم.

وبعد أن فرغ النبي من حفظ خطة الرجعة رأى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل، فأمر الزبير بن العوام أن يكون بإزائه.

وقد مثَّل النبي دور القائد العام للجيش، فلم يخض غمارها، ولم يخاطر بنفسه على غير طائل؛ لأنه كان روح الجيش وقلبه ورأسه المدبر.

وأراد إظهار أبطال الموقعة؛ فأخرج سيفًا مكتوبًا على إحدى صفحتيه:

في الجبن عار وفي الإقبال مكرمة
والمرء بالجبن لا ينجو من القدر

وقال لأصحابه: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فتقدم لأخذه أبو دجانة وقال: ما حقه يا رسول الله؟ قال: تضرب به في وجه العدو حتى ينحني.

فقال: أنا آخذه بحقه.

فأخذ أبو دجانة السيف وأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه فقالت الأنصار: «أخرج أبو دجانة عصابة الموت.» وهكذا كانت تقول له إذا تعصب بها.

والعجيب في الأمر أن اللون الأحمر كان منذ القديم لون الموت وشعار الفدائيين، وقد اتخذه الاشتراكيون والفوضيون في العصور الحديثة رمزًا للثورة والدم والإقبال على الموت والاستهانة بالحياة، واتخذ الألمان فرقة تلبس خوذة عليها جمجمة وعظام وسموا أنفسهم «فرسان الردى»، وخوذتهم هذه أشبه الأشياء بعصابة أبي دجانة في معركة أحد.

ولما ربط أبو دجانة رأسه بعصابة الموت الحمراء وتقلد سيف النبي وكان شجاعًا، أخذ يختال ويمشي بين الصفوف مشية الإعجاب ويتبختر، قال محمد: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن.

وفي هذه المشية دليل على عدم الاكتراث بالعدو.

وفي تلك الساعة، وهي ضحى يوم الأحد سابع شوال سنة ٣ﻫ، بدأت موقعة أحد.

وكان جيش النبي مقسمًا إلى قلب وجناحين، وكان رسول الله في القلب ومعه مصعب بن عمير، والجناح الأيمن بقيادة الزبير، والأيسر بقيادة المنذر بن عمرو.

وكان جيش قريش ذا قلب وجناحين؛ القلب فيه أبو سفيان واليمين خالد بن الوليد واليسار عكرمة بن أبي جهل، وجعلوا بينهما مائتا فرس قد جنبوها.

وقد حدث في معسكر قريش نزاع على اللواء، فإن أصحاب اللواء من قديم هم بنو عبد الدار، وقد أراد أبو سفيان أن يحرضهم ويحفز همتهم فقال لهم: يا بني عبد الدار، إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم؛ إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه! فغضب بنو عبد الدار وهمُّوا بأبي سفيان ونالت منهم كلماته أعظم منال، وكانت هذه هي الغاية السامية التي يرمي إليها؛ فإنه لم يكن يرمي لأكثر من تحريضهم، وقد تحركوا وغضبوا وقال قائلهم: نحن نسلم إليك لواءنا؟! ستعلم غدًا إذا التقينا بأعدائنا كيف نصنع!

وهنا يجب علينا أن نقف موقف الإعجاب من أبي سفيان؛ فقد أظهر من الوطنية والحنكة وحسن التدبير ما يستحق الثناء في ذاته؛ فقد أصاب الإصابة كلها في وصف العلم والراية وقال بنص صريح: إن العلم رمز أماني الأمة، فإذا زالت زالت الأمة، وما أجدر الشرقيين باحترام هذه الكلمة!

وما كان للراية من الاحترام في تلك الجماعة المكية القريبة من البداوة منذ أربعة عشر قرنًا لا يزال موجودًا في أرقى ممالك أوروبا، ولكن بعض أمم الشرق لم تعرف قيمة الراية ولم تحترم رايتها؛ لانصرافها عن القتال في ميادين الحرب، فماتت قلوبهم واندثرت معالم الهمة من نفوسهم.

انظر إلى قول ذلك الوثني: «وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا!»

والمعلوم أن جيش الأوثان كان قد جلب النساء للتحريض، وجعل من ضرب الدفوف والعزف على بعض الآلات نوعًا من الموسيقى الحربية، ويدهشنا أن أبا سفيان سمح لهند أن تغني معهن تلك الأغنية الفظيعة:

وَيْهًا بني عبد الدار!
وَيْهًا حماة الأدبار!
ضربًا بكل بتَّار
إن تقبلوا نعانق!
ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق

ثم بدأت المعركة فتقدم أبو سفيان، وقال مخاطبًا أهل المدينة من الأنصار، وهم من الأوس والخزرج، وهي كلمة تعد كالبلاغ الأخير، ويرمي بها إلى تفريق الكلمة بين المهاجرين وأهل يثرب: يا معشر الأوس والخزرج، خلوا بيننا وبين بني عمنا وننصرف عنكم!

فشتموه وسبُّوه.

فتقدم أبو عامر الراهب وهو من بني ضبيعة وكان من أهل المدينة وخرج منها إلى مكة مباعدًا لرسول الله ومعه خمسون غلامًا من الأوس، فرحبت به قريش بالنكاية في النبي، فتوهم أن له مكانة في قومه، فأخذ يوهم قريشًا أنه لو قد لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، مثله كبعض الزعماء الخائبين الذين يفرون من أوطانهم؛ لعجزهم عن مكافحة البطل الفاتح أو المحالف، فهو قد عجز عن مكافحة النبي في المدينة ففر منها إلى مكة، ولكن عبد الله بن أُبَيٍّ كظم غيظه وأسلم وأقام، وعندنا أن معدن عبد عمرو بن صيفي وهو الراهب أرقى من معدن ابن أُبَيٍّ؛ لأنه لم يطق صبرًا فرحل وجاء محاربًا بشجاعة، ولكن المنافق أسلم وحقد وأخذ يدسُّ ويشمت، وشتَّان بين الرجلين.

نقول: تقدم هذا الرجل في الأحابيش وعبدان أهل مكة، ويظهر أنه ألف منهم حزبًا أو شرذمة فنادى في الأوس الذين هم قرابته وأهله وقومه من قبل أن يفر من وجه الرسول إلى مكة: «يا معشر الأوس أنا أبو عامر!»

فكان جوابهم: «لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق!»

فلما سمع جوابهم دهش وذعر وقال: «لقد أصاب قومي بعدي شرٌّ!»

قال مرغليوث في كلامه على أحد: «وكم خاب زعيم كان مخدوعًا في قومه كما خاب الراهب!»

وقد قاتل أبو عامر الراهب أو الفاسق قتالًا شديدًا ثم راضخ قومه بالحجارة.

ثم دارت رحى المعركة، ودارت حول لواء الوثنيين معركة حامية؛ فقد حمله طلحة بن أبي طلحة ثم أخوه وهو عثمان بن أبي طلحة فحمل عليه حمزة فأخذه أخو عثمان وأخو طلحة وهو أبو سعيد فرماه سعد بن أبي وقاص، فحمل اللواء بعده مسافع بن طلحة ثم الحارث بن طلحة أخو مسافع، وقد قُتل مسافع والحارث على مرأى ومسمع من أمهما سلافة، وقد ماتا في حجرها، ثم حمل اللواء كلاب بن طلحة ثم أخوه الجلاس بن طلحة.

وهكذا قتل سبعة أبطال من بني عبد الدار وهم أشد ما يكونون حرصًا على «الراية» التي عيرهم أبو سفيان بالتفريط فيها، وبعد أن هلك السبعة حمل العلم أرطأة بن شرحبيل ثم شريح بن قارظ ثم أبو زيد بن عمرو ثم ابن شرحبيل وكلهم من بني عبد الدار، إلى أن انتهى حمل العلم إلى غلامهم الحبشي وهو «صواب»، فقاتل عن العلم حتى قطعت يداه وقُتل، فحملت اللواء عمرة بنت علقمة الحارثية حتى اجتمعوا عليه.

وكانت المعركة ذاتها خليطًا من المبارزة والمناجزة، والهجوم بالسيف والرمح والرمي بالنبال.

وقد أبلى حمزة وعلي والزبير وأبو دجانة ومصعب وحنظلة والسعود الثلاثة أو الأربعة وغيرهم عشرات من أبطال المهاجرين بلاءً حسنًا.

ولما قتل أصحاب اللواء صار جيشُ قريش كتائبَ متفرقة فأمعن المسلمون فيهم ضربًا حتى أزالوهم عن أثقالهم، وكان شعار المسلمين يوم أحد «أمت! أمت!» وشعار قريش «يا للعزى ويا لهبل!»

وكان أبو بكر في الجيش، وكان ابنه عبد الرحمن مع أبي سفيان، فخرج عبد الرحمن يطلب مبارزًا فتأهب أبوه لنزاله، ولكن النبي منعه قائلًا: شم سيفك وارجع إلى مكانك ومتعنا بنفسك!

وكان أصحاب مكة قد انهزموا فعلًا وولوا الأدبار لا يلوون على شيء، وانقلب فرح النساء ترحًا بعد أن كن يضربن بالدفوف، وقد أجمع المؤرخون أن النصر قد صاحب المسلمين في أول المعركة على الرغم من شجاعة القرشيين واستبسالهم، وعلى الرغم من الدور العجيب الذي مثلته هند؛ فإن هذه المرأة العجيبة بعد أن قُتل أبوها عتبة في بدر أبت أن تبكي عليه حتى تأخذ بثأره، وقد عاهدت زوجها أنها لا تقربه في فراشه إلا إذا أخذ بثأر أبيها وقرابتها الذين قُتلوا في بدر، ولم يروِ التاريخ خبر امرأة حقود مثل هند؛ فقد كانت فاجرة فاسدة فاسقة قبل إسلامها، وكانت ذات فضائح وأخبار طوال، وكانت مصابة بالهيستريا، فإنها لما وصلت الأبواء أشارت هند على زوجها ومن معه من زعماء قريش بنبش قبر آمنة أم محمد التي مضى على دفنها نحو خمسين عامًا، وقالت لهم في ذلك: لو بحثتم قبر أم محمد فإن أسر منكم أحدًا فديتم كل إنسان بأرب من آرابها. أي بعضو من أعضائها!

فقال أحد عقلاء قريش: لا تعملوا برأي هذه المرأة، ولا يُفتح هذا الباب وإلا نبش بنو بكر قبور موتانا عند مجيئهم.

وفي رواية أن هذه المرأة كانت تحارب حرب الرجال؛ فقد روى أبو دجانة الذي كان يحمل سيف رسول الله ويقاتل به: رأيت إنسانًا يحمس الناس حمسًا شديدًا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله أن أضرب به امرأة.

(٤) مقتل حمزة

كان مقتل حمزة غيلة، بل كان نتيجة مؤامرة مدبرة، ولعله أول قتل سياسي في الإسلام، ولكنه حدث أثناء موقعة حربية، فإن الرجل الذي اسمه وحشي الذي استحق بغض الله والناس؛ لاغتياله حمزة؛ لم يكن محاربًا ولم يجئ ليستهدف للقتل كما يصنع الرجال، بل جاء ميدان الحرب بمأمورية محددة معينة؛ وهي اغتيال حمزة، وله مقابل ذلك العتق والمال وعدد من الإبل من مولاه جبير بن مطعم ومن هند بنت عتبة.

لقد أبلى حمزة يوم أحد بلاءً حسنًا، وقتل ثلاثة وعشرين من أهل قريش، ولكنني أشك في هذا العدد؛ لأن بعض المؤرخين يقصرون قتلى قريش على عشرين، والثابت في فكرنا أن حمزة حارب حتى قتل أرطأة بن شرحبيل أحد حملة لواء قريش، ثم مر به سباع بن عبد العزى الغيساني وكانت أمه ختانة للبنات في مكة، فدعاه حمزة بصنعة أمه فضربه حمزة فقتله، وقيل إن حمزة عثر فانكفأ أو انحنى ليأخذ درع سباع، وكان وحشي الفتاك المأجور عليه لعنة الله ينتظر هذه الفرصة؛ لأنه كان متربصًا ومترصدًا يلتمس هذه اللحظة؛ ليقترف جريمته، فيقبض ثمنها، فهز وحشي حربته، وكان يحسن القذف بالحربة على طريقة الحبشان ولا أعلم إن كان حبشيًّا أم عربيًّا، حتى إذا رضيها واعتقد أنها تصيب من البطل المنحني أو العاثر مقتلًا دفعها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه، فنهض حمزة وحاول الهجوم على الوحشي المأجور، فغلبه الألم والنزيف فوقع، وأمهله الوحشي حتى مات، فأخذ حربته ثم تنحى إلى المعسكر؛ لأنه لم يكن له بشخص غير حمزة حاجة.

يظهر أن المؤامرة على قتل حمزة كانت عميقة جدًّا، فإن هندًا دعت إليها وحشيًّا وحرضته على قتل حمزة، فلما قتله وبشرها بذلك أعطته ثيابها وحليها وتعرت أمامه، ووعدته إذا وصلت إلى مكة بالدنانير والإبل وما هو أعظم من الدنانير.

وكان تحريض هند قد بلغ أشده، حتى استغاث منها رسول الله بقوله: «اللهم بك أحول وبك أصول وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل.»

ولما قتل حمزة خرجت هند ومن معها، وصرن يمثلن بقتلى المسلمين يَجْدَعْنَ آذانهم وأنوفهم، واتخذن من ذلك قلائد، وبقرت هند المثلومة بطن حمزة الشهيد وأخرجت كبده فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها؛ لأنها كانت نذرت إن قدرت على حمزة لتأكلن من كبده، وقيل إنها قطعت مذاكيره وجعلت ذلك كالسوار في يديها وقلائد في عنقها! واستمرت كذلك حتى قدمت مكة، والتقت بوحشي، ووفت بنذرها السري له، وكل ذلك كان طبعًا قبل إسلامها، وهذه الأعمال الوحشية من تلك المرأة المصابة بداء الساديزم تدل على خلل في قواها العقلية.

أما أبو دجانة الذي تقلد سيف الرسول وتعصب بعصابة الموت الحمراء؛ فقد صار لا يلقى أحدًا من العدو إلا قتله، وكان إذا كلَّ السيف من القتل شحذه بالحجارة ولم يزل يضرب به العدو حتى انحنى وصار كأنه المنجل.

وكان رجل من الوثنيين لا يرى جريحًا من المسلمين حتى أجهز عليه؛ لشدة البغض والانتقام، فلقيه أبو دجانة وتبادلا ضربتين فقتل ذو العصابة الحمراء ذلك الاختصاصي في الإجهاز على الجرحى.

وعندما أحرز المسلمون النصر وانهزم جيش قريش وفر الرجال والنساء كاشفات عن سيقانهن، تبع المسلمون المشركين يضعون السلاح في أقفيتهم، وبدءوا للأسف ينتهبون الغنائم، وعندئذ طمع الرماة الخمسون حماة الأدبار في الغنيمة وظنوا النصر للمسلمين نهائيًّا، فخالفوا أمر الرسول وحاولوا الهجوم للاشتراك في الأسلاب، فنهاهم أميرهم عبد الله بن جبير وذكرهم بأمر رسول الله، فقالوا له: انهزم المشركون فما مقامنا ههنا؟! وانطلقوا ينتهبون، وثبت عبد الله بن جبير مكانه وثبت معه أقل من عشرة من الرماة وقالوا مع أميرهم: «لا نجاوز أمر رسول الله.»

وكان خالد بن الوليد يترقب هذه الفرصة هو وعكرمة والخيل، فلما رأى خلوَّ الجبل من الرماة وقلة من به منهم، كرَّ بالخيل فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم مع أميرهم عبد الله ومثلوا به وأخرجوا أحشاءه وأحاطوا بالمسلمين بحركة التفاف جميلة تدل على مهارة خالد بن الوليد الذي صار فيما بعد أكبر قواد الإسلام وفتح الشام وغيرها، وقد كان منذ حداثة سنه جنديًّا موهوبًا يعرف كيف ينتظر وكيف يتربص، ومتى يهجم في الوقت المناسب، وصدق عليه مَثَلُ: «الشجاعة صبر ساعة»؛ فقد صبر إلى أن حانت الفرصة التي كان يتوقعها؛ فهو بطل أحد، وهو الذي هزم المسلمين وغلبهم؛ لأنه رسم خطة واستعد لها، وحسب حسابًا صحيحًا وصدق استنتاجه وطابق الواقع، وهنا نظهر عبقرية الجندي.

وبينما كان المسلمون مشغولين بالنهب والأسر، دخلت خيول المشركين تنادي فرسانها بشعارها، ووضعوا السيوف في المسلمين وهم آمنون فتفرقوا في كل مكان، وتركوا ما نهبوا وخلوا من أسروا مرغمين، وانتقضت صفوفهم واختلطوا وصاروا يضربون بعضهم بعضًا من غير شعار، وهو اللفظ الذي كان يتعارفون به عند اختلاط الحابل بالنابل وهو «أمت أمت!»؛ وذلك لدهشتهم وحيرتهم.

وفي تلك اللحظة تقدمت امرأة من المشركين وهي عمرة بنت علقمة، وتناولت لواء قريش ورفعته فالتفوا حوله من جديد.

وسُمِعَ صوتٌ فظيع ينادي بكلمة مهولة مزعجة، هزت قلوب المشركين والمسلمين معًا وهي: «إن محمدًا قد مات!»

لقد كانت كلمة كبيرة ومزعجة تلك التي نادى بها منادي السوء، وكانت كلمة مباركة وسعيدة يحسب نتيجتها كما أثبتته الحوادث التالية.

كان خبرًا فظيعًا أن يُنعى محمدٌ في وسط المعركة، ولهذا نرى بعض مؤلفي السير يقولون: إن الذي أشاع إشاعة السوء هو إبليس نفسه. وقال ابن هشام: إن الصارخ هو أَزَبُّ العَقَبَةِ! يعني الشيطان بنفسه. وقال آخرون: إن المنادي هو إبليس تمثل في صورة جعيل بن سراقة وهو من أهل الصفة ومن أسبق العرب إلى الإسلام، ووثب فريق من المسلمين على جعيل؛ ليقتلوه فتبرأ من تهمة النداء بالنعي، وتمكن من تقديم شاهدي نفي؛ هما: خوات بن جبير، وأبو بردة، فشهدا بأنه كان عندهما وفي جوارهما حين صرخ ذلك الصارخ، وتوهم عبد الله بن الزبير أنه رأى رجلًا طوله شبران على رحله، وضربه عبد الله حتى هرب! ونحن نظن هذا من بحران حمى الحرب عندما حمي وطيسها، ولكن الذي أثق به، هو أن الذي نادى هو ابن قمئة؛ لأنه قتل مصعب بن عمير وظنه رسول الله؛ لأن مصعبًا كان فيه بعض الشبه من النبي، وقد ساعده الخيال فتوهم المجنون ما توهم.

ولكن هذه الصرخة كان لها في أول الأمر أثر سيئ، فانهزم المسلمون وأخذوا يضربون بعضهم بعضًا، وانهزمت طائفة منهم تقصد إلى المدينة؛ لأن وجوههم كانت نحوها بوضع الجيش؛ لأنه كان قد استقبلها واستدبر أحدًا.

وصاح بعضهم: يا عباد الله، أخراكم!

وصاح آخر: ارجعوا إلى قومكم يؤمِّنوكم، بعد أن قُتل الرسول!

وكلاهما من دعاة الهزيمة.

ونادى بعض المخلصين: إن كان رسول الله قد قُتل أفلا تقاتلون عن دين نبيكم وعلى ما كان عليه حتى تلقوا الله شهداء؟!

وقال بعضهم: يا معشر الأنصار، إن كان محمد قد قُتل فإن الله حي لا يموت، قاتلوا على دينكم فإن الله مظفركم وناصركم.

ولم يروِ هذه الرواية إلا المقريزي في «الإمتاع بما لرسول الله من الحفدة والمتاع.»

وهجم ثابت بن الدحداح، وهو المنسوبة إليه هذه الكلمة الجليلة، على خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب، فتغلب فريق الأوثان وفيه هؤلاء الأبطال العظماء على فريق الدحداح.

وكم يأسف الإنسان كلما قرأ عن هؤلاء العظماء الذين حاربوا الإسلام في أول الأمر وكانوا حزبًا عليه ثم أسلموا فخدموه أجل خدمة، وأنت مضطر لكرههم والحقد عليهم في وثنيتهم بقدر ما تُسرُّ بهم وتترضى عليهم بعد إسلامهم … ولكن المنصف يُعجب بهم في الحالتين؛ فقد كانوا وهم وثنيون يعتقدون صدق ما يدافعون عنه بإيمان وقوة يدلان على ثبات الرأي وقوة الإرادة، فلما تبين لهم الرشد من الغي طلقوا آلهتهم القديمة، إلا نفرًا لا تهضمهم النفس أمثال وحشي قاتل حمزة وهند آكلة الأكباد، فإن النفس تعاف أن تترضى عليهم … ولكن هذا الأسف وهذا الندم يزيدان النفس حرقةً وألمًا، فكم تفوتنا في الحياة على قصرها صداقات وفرص، نأسف معها على ما مضى من أعمارنا بدونها، وهكذا دأب الحياة، وفي ظني أن إعجابي بالمشركين لتمسكهم بما كانوا يعتقدونه حقًّا إلى أن دخلوا في الإسلام بعد أن اعتقدوه حقًّا، قليل جدًّا في جانب الأسبقين، أمثال علي بن أبي طالب وأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، فهؤلاء لم يهدهم الله فحسب، ولم تؤثر فيهم شخصية محمد فقط، بل كانوا أيضًا أسلم عقلًا وأبعد نظرًا وأصدق منطقًا وأحسن حظًّا من سواهم.

فهؤلاء الثلاثة خالد وعمرو وعكرمة كانوا من أكبر العناصر في إحداث هزيمة أحد وهم لا يعلمون أنهم يؤخرون نصرة دينهم ويوشكون أن يقضوا على مجدهم الذي كان لهم بعد بضع سنين، ولا يعلم إلا الله وحده مصير الإسلام لو تمت الهزيمة والعياذ بالله!

ويُدهشك أن بعض فضلاء الصحابة كانوا في مقدمة المنهزمين الذين فروا إلى المدينة؛ ليفوزوا بجلدهم، ومنهم أحد الخلفاء الراشدين وهو عثمان بن عفان صهر النبي وصديقه، والوليد بن عقبة وخارجة بن زيد ورفاعة بن معلى.

فقد فر هؤلاء السادة وأقاموا في حالة اختفاء ثلاثة أيام، ثم رجعوا لما اطمأنوا، فكان عتاب محمد لهم قوله: ذهبتم فيها عريضة.

وفي حقهم نزلت آية: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ … إلخ، وكانت أم أيمن جارية النبي قد رأت بعض المنهزمين فجعلت تحثو التراب في وجوههم وتقول لهم: هاك المغزل فاغزل به وهلم سيفك!

تعيرهم بأنهم كالنساء!

ولم تعش حتى ترى المغزل تقاوم به الدول المستعمرة!

وقيل إنها كانت في الميدان تسقي الجرحى والعطشانين.

ولما كان المنهزمون يفرون أمام النبي ويمرون به وكلهم من أصحابه كان يقول لهم: إليَّ يا فلان! إليَّ يا فلان! أنا رسول الله! أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، فلا يعرج عليه أحد، والنبل يأتي إليه من كل ناحية، والله يعصمه منه.

وفي وصف موقعة وترلو، كان الحرس الإمبراطوري يسير إلى موت مؤكد؛ ليقع في الهاوية التي تكدست فيها الجثث، وكل جندي يحيِّي بونابرت: يحيا الإمبراطور!

ولا شك أن نفسية هؤلاء الجنود كانت أرقى من نفسية هؤلاء المنهزمين من العرب الذين أسلموا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم.

وفي لحظة واحدة تجلت بطولة بعض الأفراد من أصحابه بطولة خالدة؛ فقد ثبت مع النبي رجال هم بحق منقذو الإسلام؛ منهم أبو طلحة — رضي الله عنه وأرضاه — وسعد بن أبي وقاص، وأم عمارة المازنية، ومصعب بن عمير، وأبو عبيدة بن الجراح، وكعب بن مالك، وأبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، والحارث بن الصمة، وأبو دجانة، وسهيل بن حنيف؛ فإن المحاربين من قريش بعد أن هزموا المسلمين وكشفوهم خلصوا إلى رسول الله فدثوه بالحجارة حتى وقع، وأصيبت رباعيته وشُجَّ في وجهه وكُلِمَتْ شفتُه، والذي أصابه عتبة بن أبي وقاص، وسال دمه الزكي الطاهر على وجهه الجميل الشريف، وجعل يمسحه وهو يقول محنقًا، وقد غضب وحق له أن يغضب: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟!

وفي ذلك جاءت آية: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وفي رواية أن الآية نزلت لاشتداد غضب النبي على أعدائه عندما سالت دماؤه على وجهه، فلعن زعماء قريش واحدًا واحدًا.

وعتبة بن أبي وقاص هو الذي رمى محمدًا فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى، وعبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته، وابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حِلَقِ المِغْفَرِ في وجنته، وسقط رسول الله في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر في الميدان؛ ليقع فيها المسلمون.

لقد وصل النبي إلى حال سيئة عند هجوم القوم عليه؛ لأنهم كانوا يقصدون إليه بالذات، وكانوا يريدون أن يصيبوا أعز وأفضل شيء في الرجل؛ وهو الوجه والرأس، واستغاث محمد قائلًا عندما غشيه القوم: من رجل يشري لنا نفسه؟!

فلبى هذا النداء غير من ذكرت من أبطال الساعة الأخيرة زياد بن السكن ومعه خمسة من الأنصار، فقاتلوا دون محمد حتى قُتلوا واحدًا إثر آخر، وكان آخر من قُتل منهم زياد نفسه.

وكان بين المحاربين من قريش رجلان يقصدان إلى قتل النبي بالذات؛ وهما: قمئة، وأبيُّ بن خلف.

أما قمئة فقد أقبل يقول لإخوانه من قريش في وسط معسكر المسلمين: «دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا.»

فاعترضه مصعب بن عمير والسيدة نسيبة المازنية، فقتل مصعبًا وضرب السيدة على عاتقها فأحدث لها جرحًا أجوف له غورٌ لم يزل أثره بها إلى أن ماتت.

وهذه المرأة النبيلة كانت زوجًا لزيد بن عاصم وأمًّا لخبيب وعبد الله، وقد جُرحت اثني عشر جرحًا وقال النبي عنها: ما التفتُّ يمينًا ولا شمالًا يوم أحد، إلا ورأيتها تقاتل دوني.

والثاني أبيُّ بن خلف أدرك النبي بعد أن نهض من الحفرة وهو يقول كقول ابن قمئة: أين محمد؟ لا نجوتُ إن نجوتَ! وكان تهديده وجهًا لوجه، والنبي مجروح ومنهوك القوى وناهض من الحفرة.

وكان هذا الرجل يلقى محمدًا في مكة قبل الهجرة فيقول له: يا محمد، إن عندي فرسًا اسمه «العود» أعلفه كل يوم فرقًا من ذرة، أقتلك عليه.

فكان النبي يقول له: أنا أقتلك إن شاء الله.

وكان الخلف في يوم أحد ممتطيًا صهوة جواده العود، وجاء ليفي بنذره ويقتل محمدًا على فرسه المعلوف بالذرة، فلما دنا أبيٌّ من محمد قال من حوله من الصحابة: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا؟

فقال محمد: دعوه.

وتناول النبي الحربة من الحارث بن الصمة واستقبل المعتدي وطعنه في عنقه طعنة تقلب بها أبيٌّ عن فرسه العود فجعل يتدحرج.

وكان الجرح صغيرًا ولكن دم الرجل احتقن فمات في الطريق بين المدينة ومكة.

وكان هذا الرجل قويًّا، حتى كان إذا أصيب بسهام في أضلاعه أخرجها ورمى بها! ولكن يظهر أن طعنة محمد النجلاء والرعب الذي دخل في نفس أُبَيٍّ من وعيد محمد: «أنا قاتلك إن شاء الله.» كان لهما الأثر في القضاء عليه وإن يكن الجرح صغيرًا، فمات قتيلَ وهمٍ وطِيرة، وقد يفعلان بالعقل أكثر من جراح السنان.

وكانت الطعنة نجلاء حقًّا؛ لأن محمدًا أبصر ترقوة الرجل من فرجة من سابغة الدرع وهي غطاء العنق فأصابه في تلك الفرجة.

ولم يقتل النبي بيده أحدًا سوى أبيَّ بن خلف؛ لا قبل أُحد ولا بعدها.

وهذا القتل فضلًا عن أنه حدث في الحرب، إلا أن رسول الله كان في حالة دفاع عن نفس؛ فإن المعتدي كان يتوعده من قديم، وقد سبق إصراره إلى قبل الهجرة، وفي مكة نفسها، واتخذ لتنفيذ وعيده عدته من فرس وسلاح، وجاء قاصدًا قتل محمد متعمدًا القضاء عليه بعد أصحابه، ونحن نعلم أن هذا الأمر كان شديدًا على نفس محمد؛ لأنه مأمور باللطف والشفقة على عباد الله ولم يحمله على قتل أُبَيٍّ إلا تيقنه من قصده.

ذكرنا أبا طلحة بين المدافعين بأشخاصهم عن النبي الذين كانوا له يوم أحد دروعًا، وكان من أمهر الرماة، وصار يقول لمحمد وهو ينثر كنانته ويستنفد ذخيرته: نفسي لنفسك الفداء، ووجهي لوجهك الوقاء، ونحري دون نحرك.

وكان فعلًا يقف ببدنه؛ ليتلقى عن النبي نبل الأعداء.

وكان النبي وهو مهاجَمٌ شخصيًّا أعظم ما يكون الرجل العظيم شجاعةً؛ فإنه كان يشرئب بعنقه؛ لينظر إلى القوم، ويرى مواضع النبل، فيخشى عليه طلحة وينهاه عن تعريض شخصه للخطر قائلًا: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا تُشرف يصبك سهم من سهام القوم! ويتطاول أبو طلحة بصدره ليقي محمدًا، ولم يأنف النبي أن يناول السهام لمن دافعوا عنه ومنهم سعد بن أبي وقاص، وفي ذلك اليوم قال محمد لسعد: فداك أبي وأمي!

لم يقلها لأحد سواه؛ لما رآه من إخلاصه في أشد الأوقات خطرًا، ولا عجب؛ فإن سعدًا من بني زهرة وهم خئولة محمد.

أما عبد الله بن شهاب الزهري الذي شج وجه الرسول وكسر خوذته على رأسه بضربة سيف فقد أسلم، وقد روى عن نفسه أنه قال هو أيضًا: دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا!

وكان النبي واقفًا بجواره وليس معه أحد فجاوزه عبد الله الزهري، فعاتبه صفوان وقال له أثناء الهجوم على النبي: ألا ترى محمدًا الذي تريد قتله؟!

فأجابه: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع.

وقد لقي عتبة حتفه في اليوم نفسه، قتله حاطب بن أبي بلتعة وأحضر سيفه وفرسه لرسول الله فرآهما ولم يرَ رأسه؛ لأنه كان ينفر بطبعه من رؤية الدماء والأشلاء والأعضاء الممزقة أو المفصولة عن مجموع البدن؛ لرقة إحساسه وشدة شعوره.

أما أبو دجانة فقد تترس دون النبي، فصار النبل يقع على ظهره وهو منحنٍ حتى أثخنته الجراح.

ولما قتل ابن قمئة مصعبًا ظنه رسول الله فعاد إلى قريش وهو يصرخ: قتلت محمدًا!

وهذا النداء هو أصل الشائعة الكاذبة.

ولكن أبا قمئة كاد يقتل النبي فعلًا؛ فقد علاه بالسيف فلم يؤثر فيه السيف، إلا أن ثقله أثر في عاتقه واشتكى منه شهرًا.

وكانت ضربة ابن قمئة هي التي جرحت وجنتيه بدخول حلقتين من المغفر فيهما.

بل إن فرص قتله في يوم أحد كانت كثيرة جدًّا فنجا منها وانتهى الأمر بالهزيمة، وفيها درس وموعظة.

ويحاول بعض المتصوفين تعليلًا آخر؛ فيقول محيي الدين بن عربي: لا يخفى أن أجر كل نبي في التبليغ يكون على قدر ما ناله من المشقة الحاصلة له من المخالفين له على قدر ما يقاسيه منهم، وله أجر الهداية لمن أطاعه ولا أحد أكثر أجرًا من محمد .

وقد دهش المسلمون مما أصاب النبي من الجراح والألم، والتعريض للخطر وأخذوا يتساءلون: كيف هذا مع قوله تعالى: وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ؟!

وأراد بعض المفسرين حسن التعليل فادَّعوا أنها نزلت بعد أحد، وهذا تعليل مردود؛ لأنها لو كانت نزلت بعد أحد ما وجد المعترضون وجهًا للاحتجاج بها، أي بأن الله لم يفِ بوعده لنبيه لعصمته!

ولكن الصحيح هو أنها نزلت قبل أحد، وقد وفَّى الله بوعده حقًّا وأنقذ حياة محمد؛ لأن هذه الجراح مهما كبرت لا تبلغ قيمة الحياة.

وكان الدم الذي نزف من وجهه ورأسه غزيرًا حتى أضعفه؛ فقد أراد أن يعلو صخرة يشرف منها على الوادي، فلم يستطع، فحمله طلحة بن عبيد الله حتى استوى على الصخرة.

وبلغ حب الصحابة له درجةً عظيمة، فإنهم عندما رأوا دمه يسيل على وجهه ضنوا به فامتصه مالك بن سنان وازدرده.

وقد قام أصحابه بالإسعاف، فنزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجنة الرسول بأسنانه فسقطت ثنية أبي عبيدة، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى.

وملأ علي بن أبي طالب درقته ماءً وغسل به آثار الدم على وجهه الشريف، وتقدمت فاطمة بنت الرسول واعتنقت أباها وجعلت تغسل جراحه وعليٌّ يسكب الماء، فزاد الدم فكمدته برماد من بردي محروق فانكتم الدم.

وعطش رسول الله عطشًا شديدًا ولم يشرب من الماء الذي جاء به علي في درقته؛ لأنه وجد له رائحة غير طيبة فعافه، فخرج محمد بن مسلمة وجلب للرسول ماءً عذبًا فشرب حتى روي.

وما زال القوم يظنون محمدًا قد قُتل إلى أن رآه كعب بن مالك فكان أول من رآه وعرفه بعد الهزيمة؛ فقد عرف عينيه المضيئتين المتقدتين من تحت المغفر، فلم يملك نفسه من شدة السرور بعد اليأس فصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أبشروا؛ هذا رسول الله .

فأشار النبي عليه بالصمت.

ولما عرف المسلمون رسول الله ناجيًا ورأوه يمشي متكئًا إلى السعدين وعرفوا تكفيه في مشيته، فرحوا به وعادت إليهم القوة المعنوية ونهضوا به نحو الشعب، وحتى فوق الصخرة التي علا إليها محمد لم يتركه جيش قريش؛ فقد تتبعتهم كتيبة فيها خالد بن الوليد فقاتلهم عمر بن الخطاب وجماعة من المهاجرين حتى أهبطوهم.

ويظهر أن المعركة كلها لم تستغرق أكثر من بضع ساعات؛ فقد بدأت صباحًا مع البكور أو عند شروق الشمس وانتهت قبل الظهر؛ لأن النبي صلى ظهر ذلك اليوم وهو جالس من الجراح التي أصابته وصلى المسلمون خلفه قعودًا، ولا تكون الصلاة إلا بعد انصراف العدو، ولو أن الظهر أدركهم أثناء الموقعة لنص المؤرخون على أنهم صلوا صلاة الخائف، ولكن هذا لم يرد.

وإذا عددنا جراح النبي وقد كان بمثابة الشغاف من القلب، فما بالك بجراح صحابته ورجاله المقربين الذين دافعوا عنه بأنفسهم وأبدانهم؟! فقد رووا أن طلحة جُرح في سبعين موضعًا، وقد قطعت أنامله وشُلَّت يده حتى وقى بها رسول الله من سهم أصاب أعصاب الذراع فمنع حركتها طول حياته.

وأصيب عبد الرحمن بن عوف بعشرين جرحًا، وكعب بن مالك بمثل ذلك، وأصيبت عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته فردها النبي بيديه إلى مقلته.

وإن تعجب فاعجب لأخوين كسعد وعتبة ابني أبي وقاص؛ فقد كانا في صفين مختلفين؛ أحدهما يحاول تهشيم رأس الرسول، والثاني يذود عنه ويفديه بحياته، كما كان آباؤه وأبناؤه في الصفين المختلفين، وكلٌّ يدافع عن عقيدته ويعتقدها صحيحة.

وكان الراهب هو وعبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول من رءوس أهل المدينة وعظمائها المتوجين للرياسة على أهلها والمرشحين للسيادة المطلقة، أبو عامر من الأوس وعبد الله من الخزرج، عبد الله أظهر الإسلام وأبو عامر أصر على الكفر.

وعبد الله تنحى عن جيش النبي وعاد إلى المدينة متخلفًا واستقبل النبي شامتًا، وأبو عامر هو الذي حفر الحفائر وأول من افتتح المعركة وضرب بأسهم في وجوه المسلمين، وطلب حنظلة من رسول الله أن يقتل أباه؛ فنهاه.

وكان ابن عبد الله مخلصًا لمحمد بقدر ما كان أبوه منافقًا، وكاد حنظلة أن يقتل أبا سفيان.

وقد مثَّلت قريش بجميع القتلى من المسلمين وأجهزوا على جرحاهم، ما عدا حنظلة بن أبي عامر الراهب؛ إكرامًا لأبيه؛ لأنه كان معهم.

وقد تقدم أبو قتادة يحث النبي على التمثيل بقتلى قريش فقال له محمد: يا أبا قتادة إن قريشًا أهل أمانة، من بغاهم العواثر أكبه الله تعالى إلى فيه، وعسى إن طالت بك مدة أن تحقر عملك مع أعمالهم وفعالك مع فعالهم، لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله.

قتادة: والله يا رسول الله ما غضبت إلا لله ورسوله.

محمد: صدقت! بئس القوم كانوا لنبيهم.

(٥) الشخصيات المهمة في أحد

ومن أغرب الشخصيات التي ظهرت في موقعة أحد، رجل غريب كان اسمه قزمان يظهر الإسلام ولا يعرف أصله، وكان ذا بأس وقوة فقاتل قتالًا شديدًا، وكان أول من رمى من المسلمين بسهم، وكان يرمي النبال كالرمل، ثم فعل بالسيف الأعاجيب فجرح إلى أن شارف على الهلاك، فأخذ المسلمون يبشرونه بالجنة والاستشهاد فقال لهم وهو في آخر رمق من الحياة: بماذا أبشر؟! فوالله ما قاتلت إلا على أحساب قومي! ولولا ذلك ما قاتلت! أتسير قريش إلينا حتى تطأ أرضنا؟!

ولما اشتدت به الجراح ولم يعالجه أحد، أو عالجوه ولم ينفع معه علاج مات ميتة أبطال الرومان؛ فقد أخذ سهمًا من كنانته فقتل به نفسه بأن قطع عروقًا في باطن الذراع.

وظاهر أن الرجل كان يحارب دفاعًا عن الوطن والشرف، فأرض الوطن وأحساب الأجداد هي التي ذكرها ومات في سبيلها!

ولكن هذا المثل الأعلى وهو حب الوطن كان غريبًا في فجر الإسلام، بل كان مكروهًا؛ لأنه قد يزاحم الفكرة الجديدة؛ وهي الجهاد في سبيل الله، وكان الإسلام يحب أن يقضي على فكرة العصبية للقبيلة والجماعة والوطن؛ لأنها فكرة جاهلية؛ لتحل محلها فكرة الله ورسوله، ولذا ترى النبي يقول: من يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.

وكان النبي يستبيح كل شيء من الرجل الذي يحارب للفكرة الدينية، ولا يقبل الرجل الذي يحارب للفكرة الوطنية؛ خوفًا من رجوع المسلمين لعصبية الجاهلية.

ولذا ترى المؤرخين يمثلون قزمان هذا، وهو الوطني الوحيد من أهل المدينة بأنه من أهل النار؛ لأنه انتحر.

وكانت عائشة وأم سليم تسقيان الناس، تفرغان من القرب في أفواه القوم.

ولم ينتهِ دور هند بعد أن زينت نحرها وأذنيها ومعصميها بتلك الزينة المقبرية؛ فقد صعدت على صخرة مشرفة وصرخت بأعلى صوتها وأنشدت أبياتًا.

ولما هبطت صعد بعلها الذي كان أضعف منها وكان منقادًا لها وقال: أنعمت فعال، إن الحرب سجال، يوم أحد بيوم بدر.

وعلى هذا جاءت آية: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ … واستمر: إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسرني، أما إنه إن كان كذلك لم نكرهه.

ويظهر أن أبا سفيان اشترك أيضًا في التمثيل بحمزة، فرآه الحليس فاحتج لدى بني كنانة، فرجاه أبو سفيان أن يكتمها عنها واعترف بأنها زلة.

وختم أبو سفيان خطبته الوجيزة بقوله: اعْلُ هُبَلُ!

كما كان يقول لو كان ملكيًّا أو جمهوريًّا: يحيا الملك أو الجمهورية! ولما سمع المسلمون خطاب أبي سفيان غضبوا له، وانبرى عمر طاعةً لأمر النبي وقال: الله أعلى وأجلُّ لا سواه! قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.

فقال أبو سفيان: إنكم تزعمون ذلك! وإن لنا العزى ولا عزى لكم!

فأجابه النبي: الله مولانا ولا مولى لكم.

ثم دعا أبو سفيان ابن الخطاب إليه فأذن له النبي بالدنو منه، فلما دنا عمر من أبي سفيان سأله: أنشدك الله يا عمرُ؛ أقتلنا محمدًا؟

فأجابه عمر: لا، وإنه ليسمع كلامك الآن.

أبو سفيان: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر! إن موعدكم بدر العام المقبل.

فأجاب الرسول على لسان أحد أصحابه: نعم؛ بيننا وبينكم موعد.

وتركت قريش الميدان وقصدوا مكة، ودلوا على ذلك بركوب إبلهم وتجنيب الخيل، وكانوا قد تداولوا في نهب المدينة فمنعهم صفوان بن أمية قائلًا: لا تفعلوا؛ فإنكم لا تدرون ما يغشاكم.

وكان مركز المسلمين خطرًا للغاية عند نهاية الموقعة؛ فقد تحطم الجيش وفرَّ منه الكثير، وقُتلت أغلبية الأبطال وعلى رأسهم حمزة، وجُرح النبي وهذا أكبر البلاء، ولم تُجدِ البشرى بحياة النبي في رد القوة المعنوية للجيش، ولم يكن هناك مجال للتفكير في الاستفادة من النداء بحياة الرسول بعد النداء بقتله، وقد انصرف جيش العدو بعد أن تواعدوا على اللقاء ببدر في العام المقبل.

وكان النبي وأصحابه المخلصون وبقية المحاربين من المسلمين بين خطرين كبيرين: الأول: خطر جيش أبي سفيان الذي لم يُقتل منه أكثر من سبعين محاربًا، وقيل إنهم عشرون. فإذا افترضناهم خمسين كانوا جزءًا من ثلاثين من الجيش، في حين أن عُشر المسلمين قُتلوا وربعهم جرحوا وعدد غير قليل انهزموا وفروا إلى المدينة، فكانت البقية الباقية لا تصلح للقتال، وبشق النفس تكاد تلم شعثها وتستجمع من ضعفها قوة؛ لتعود أدراجها إلى المدينة، ولم يكن الحظ بالمدينة بأفضلَ منه في ظلال أحد؛ فقد كان فيها اليهود المناوئون والمسلمون المنافقون، ولم يكن المسلمون يعلمون بعد أن خسروا اليوم كيف يقابلهم الفريقان من الأعداء لو عادوا على هذه الحال بعد أن سبقتهم أنباء الهزيمة وشائعة قتل النبي.

وكان محمد، وهو قائد محنك وسياسي مفطور على تدبير الأمور، يظن أن المشركين لن يتخلوا عن انتصارهم بعد أن أحرزوه، ولن يتركوا الغنيمة تفر من أيديهم، وما الفريسة إلا المدينة بأهلها، لا سيما وأن كثيرين من الفارين والمترددين أشاروا على بعضهم بالتوبة والرجوع إلى قريش لاستعطافهم، وطلب الأمان منهم!

ولأجل هذا كان النبي يحسب حساب استمرار جيش مكة في السير حتى المدينة؛ ليفتحوها وينهبوها، وقد أشار بعض قريش بذلك فعلًا ونهاهم البعض الآخر، فكانت الغلبة لرأي العدول عن المدينة والعودة إلى مكة، والنبي لا يعلم شيئًا من ذلك، ولم يأمن خطة أبي سفيان حتى بعد أن واعدهم على بدر وانصرف، فخشي أن ينتهزوا فرصة تحطيم القوة المدافعة عن المدينة فيقصدوها ويقضوا على البقية الباقية، ولذا بعث بعلي وقال له: اخرج في أثر القوم فانظر ماذا يصنعون، وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده إن أرادوها لأسيرنَّ إليهم فيها ثم لأناجزنَّهم.

وكانت هذه الخطة محتمة على النبي؛ وفاءً للأنصار، وحفاظًا لمن بالبلد من شيوخ ونساء وأطفال، وهي إذ ذاك معقل الإسلام وقلعته، ولكن نتيجة مثل هذه المعركة التي تدور حول المدينة أو في شوارعها لم يكن يعلمها إلا الله، وقد كفى الله المؤمنين القتالَ.

ولما اطمأن المسلمون من ناحية العدو، أخذوا يدورون في الميدان؛ لينظروا في الجرحى من لا يزال على قيد الحياة؛ ليسعفوه، وليواروا التراب شهداءهم الذين بينهم حمزة ومصعب وسعد بن الربيع، وكان المسكين قد أصابه ثمانون جرحًا، ومات وهو يقول لبقية الجيش: لا عذر لكم عند الله إن يُخْلَص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف.

ولما رأى النبي جثة عمه حمزة التي فعلت بها هند ما فعلت، شعر بأنه لم ينظر إلى شيء قط أوجع لقلبه منها، فرثاه قائلًا: لن أصاب بمثلك! ما وقفت موقفًا أغيظ لي من هذا، رحمة الله عليك؛ فإنك كنت ما علِمتك؛ فعولًا للخيرات وَصولًا للرحم، والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك! وجزع النبي على عمه جزعًا شديدًا وانتحب حتى شهق.

وقد حدث أمران لهما دلالتهما؛ الأول: أن محمدًا عندما جاءته آية: وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ الآية، عفا وصبر عن الانتقام ونهى عن التمثيل بالسبعين من قريش الذين أقسم عليهم، وكفَّر عن يمينه الذي صحب وعيده.

والأمر الثاني أن الفوضوي المنحوس المأجور وحشي الذي اغتال حمزة؛ ليبرد حرقة هند وغيرها، ضاقت به السبل، فأشار عليه رجل بالإسلام وقال له: ويحك، إنه والله ما يَقْتُلُ أحدًا من الناس دخل في دينه وتشهد شهادة الحق.

ومن غرائب أمور هؤلاء الشهداء من الصحابة أنهم كانوا فقراء، فلما قُتلوا لم يوجد لكثير منهم ما يكفن فيه إلا بردة إن غُطي رأسه بدت منها رجلاه، وإن غُطيت رجلاه بدت رأسه.

وقال أنس يصف حالة القتلى في الموقعة وحاجتهم إلى الأكفان: «كثرت القتلى وقلت الثياب، فكُفِّن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد ثم يدفنون في قبر واحد.»

وحدث أن وثنيًّا واحدًا قتل بضعة نفر من المجاهدين؛ فإن صفوان بن أمية قتل خارجة بن زيد وأوس بن أرقم وأبا نوفل.

ومن بطولة النساء في موقعة أحد أن امرأة من بني دينار قُتل زوجها وأخوها وأبوها وابنها في المعركة، فلما نُعوا إليها قالت: ماذا فعل رسول الله؟

فأجابوها: خيرًا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين.

قالت: أرونيه.

فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك صغيرة، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذ سلمتَ مَنْ عطبَ!

•••

وممن دفنوا مصعب بن عمير الذي دافع عن النبي وقتله ابن قمئة وهو يظنه رسول الله؛ لأنه كان يشبهه بعضَ الشَّبَهِ، وكان قبل الإسلام فتى مكة؛ شبابًا وجمالًا ولباسًا وعطرًا، فلما أسلم تقشف وتزهد حتى تشعث، وكان زوجًا لحمنة بنت جحش بنت عمة النبي وأخت زينب إحدى زوجات النبي وهي مطلقة زيد، فلما نُعي إليها زوجها مصعب صاحت وولولت لما تذكرت يُتم أولادها، وقيل إنها لم ترزق منه إلا بنتًا سميت باسم خالتها، وكانت شائعة موت الرسول من النعم على المسلمين في المعركة؛ لأنها حمَّست المؤمنين للانتقام وأضعفت همة قريش الذين ظنوا أنهم نالوا بُغيتهم بقتله، فإن كان الشيطان هو الذي صرخ بها فقد أدى إبليس في ذلك اليوم خدمة نافعة للمسلمين!

وكان معظم القتلى من الأنصار؛ فقد قُتل أربعة من المهاجرين، وستة وستون رجلًا من الأنصار.

وعلى الرغم من الجراح التي أصابت النبي وهي كثيرة؛ فقد شُجَّ وجهه وكُسرت رباعيته وجُرحت وجنتاه وشفته السفلى من باطنها ووهى منكبه بضربة سيف وجُحشت ركبته، وأبى بعد هذا كله إلا أن يقول في قومه خيرًا فقال: اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون!

(٦) العودة إلى المدينة بعد أحد

ولم يحنق النبي ولم يغضب، بل قابل الهزيمة بالرضا والحمد لله؛ لأنه كان يعلم سببها ويعتبرها درسًا للمسلمين الذين لم يطيعوه وأطاعوا هواهم في الأسلاب والغنيمة.

ولما أراد أن يعود إلى المدينة ركب فرسه وسار المسلمون حوله ومعظمهم جرحى ومعه أربع عشرة امرأة، فلما بلغوا سفح جبل أحد قال لفلول جيشه: اصطفوا حتى أثني على ربي عز وجل، فلما اصطفوا نظر إلى الأفق وبدا في عينيه لمعان كالبرق الخاطف ثم تملكه خشوع سرى تياره في نفوس الواقفين، وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب.

ونطق النبي بتلك التحية الهادئة الجميلة، التي يتجلى فيها التسليم والإيمان ويتخللها الاطمئنان لقضاء الله، قال: «اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت.»

ولا يمكن أن يكون ثناء على الله أكثر موافقةً لمقتضى الحال من هذا الثناء؛ لأن موقعة أحد أسفرت عن هزيمة لكافة المسلمين بسبب فعل جماعة منهم خالفوا أمر أميرهم وقائدهم ونبيهم.

ولما وصل النبي المدينة بادر بتعزية النساء وقد أظهرن من الثبات والصبر والفرح بنجاة النبي ما يدعو إلى الإعجاب.

ولم يكن النبي ليغفل في وسط هذه المأساة من فحص الأخلاق ودرس النفوس وإبداء الرأي صراحةً، فإنه لما نعى إلى حمنة بنت جحش خالها حمزة أسد الله وأخاها عبد الله بن جحش كانت تهنئهما بالشهادة وتترحم عليهما، فلما نعى إليها زوجها الشاب الجميل مصعب بن عمير فصوتت وندبت، نظر إليها محمد وقال: إن زوج المرأة لبمكان ما هو لأحد!

وكان يعامل المرأة معاملة الاحترام والتكريم؛ فقد تقدمت إليه أم سعد بن معاذ تعدو وهو على فرسه، فقال له سعد بمثابة التعريف: أمي يا رسول الله!

فوقف لها محمد وقال: مرحبًا بها، وعزاها في ابنها عمرو بن معاذ، فدنت منه وتأملته وقالت: أما إذا رأيتك سالمًا فقد هانت المصيبة!

ولما ظهر النبي في المدينة أظهر المنافقون واليهود الشماتة والسرور وصاروا يقولون أقبح القول، مثل: ما محمد إلا طالب ملك.

– ما أصيب بمثل هذا نبي قط.

– أصيب في بدنه وأصيب في أصحابه.

– لو كان من قتل منكم عندنا ما قُتل.

أما عبد الله بن أُبَيٍّ فقد عاد إلى المدينة قبل الموقعة، فلما رجع ابنه جريحًا أخذ يؤنبه والولد يرد عليه تأنيبه بالحسنى.

وأراد عمر بن الخطاب أن ينتقم من المنافقين بالقتل فمنعه النبي.

وكانت عادة عبد الله بن أُبَيٍّ إذا جلس النبي يوم الجمعة على المنبر أن يقوم فيقول: أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم أكرمكم الله تعالى به وأعزكم فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا!

وفي الجمعة التالية لأُحد أراد أن يفعل ذلك، فلما قام أخذ المسلمون بثوبه من نواحيه وقالوا له: اجلس عدو الله! والله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت!

فنهض وخرج وهو يتخطى الرقاب ويقول: كأني قتلت هجرًا.

وقال له بعضهم: ارجع يستغفر لك ربه. فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر له!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠