صورة العالم السياسية والاجتماعية قبل البعثة المحمدية

لأجل أن يفهم الإنسان تمام الفهم أية دعوة من الدعوات، يلزمه أولًا الإلمام بحال الداعي في ذاته، ولأجل أن يقدر قدر دعوته يجب عليه أن يدرس الجهة البشرية التي وجَّه همته للتأثير عليها؛ هذا هو الغرض من النبذة الوجيزة التي خصصناها للمشترع العربي — عليه الصلاة والسلام — مؤسس ما يمكن تسميته بالجامعة الإسلامية.١
حوالي ميلاد محمد في القرن السادس الميلادي كان جو العالم متلبدًا بغيوم الاضطرابات والفتن؛ فكان شعب (الوزيغو) الآريين في إسبانيا وفرنسا الجنوبية يصاولون الملك كلوفيس وأولاده الكاثوليك، فكانوا من أجل ذلك يطلبون مساعدة إمبراطور مملكة الرومان الشرقية المدعو جستنيان، ثم أُجبروا على الدخول معه في حربٍ جديدة تخلصًا من سلطة القواد الذين جاءوهم بتلك المساعدة؛ فقد كانوا يزعمون أن لهم حق الفاتحين، لا مجرد ولاء المساعدين.٢

أما في فرنسا نفسها فكان أولاد «كلوفيس» هذا متغادرين متسافكين، وكانت الحروب التي شبت نيرانها بين الملكة الوزيقوتية «برونهو» والملكة الفرنكية «فريد يجوند» تهيئ للتاريخ أشد الصحائف إثارة للأسى والكمد.

وأما في إنجلترا فكان «الأنجلو» ينازعون «السكسونيين» الأرضَ التي احتلوها واستعبدوا فيها ذرية «كيمريس»؛ وهم أقدم المغيرين على تلك الجزيرة التي تتطلع اليوم للوقوف في مقدمة الأمم علمًا وصناعةً وقوةً؛ وهي التي كانت في ذلك الوقت مجالًا للقوة الوحشية السائدة في تلك الغياهب الحالكة.

أما في إيطاليا فكان اسم «الرومان» — وهو ذلك الاسم الشامخ — قد فقد خطورته القديمة، وكانت رومة — وهي الشظية الأخيرة أو رأس ذلك التمثال الكبير المهشم، يعني مملكة الرومان — في حالة تململها من استحالة أمرها إلى مركز ديني بسيط ترتج وتضطرب، كلما ألم بها طائف من ذكرى عظمتها القديمة أيام كانت مركزًا دينيًّا أصيلًا.

وكانت تهيئ نفسها لأن تكون مركزًا للبابوية — وهي تلك السلطة الزمني — كما اقتضت سياسة «شارلمان» أن تجعلها كذلك بعد قرنين من الزمان، ولكنها مع ذلك لم يسعها إلا حمل نير «الهيروليين» و«الأستروغوتيين» وبراطرة المملكة الرومانية واللومبارديين الذين تداولوا السلطة عليها تداولًا مستمرًّا.

أما مملكة اليونان التي كانت قد نسيت مجدها القديم، فكانت تابعة لمملكة الرومان الشرقية، مثلها منها كمثل الزينة ذات الضوضاء. وكان شرق أوروبا مقلقًا جنوبها من أول مصاب نهر الراين من جهة الشرق لغاية مصاب نهر الدانوب من جهة الشرق؛ فكان الإسكندنافيون (والنورفيجيون والدانماركيون) يتزاحمون في الطريق الذي سلكه الجوتيون والهورنيون الذين احتلوا تراقيا ومقدونيا ولومبارديا وإيطاليا سواء بالقوة أو بالخديعة … في ذلك الوقت بدأ ظهور الأتراك من أعماق آسيا الصغرى، وهي تلك الأمة التي قصرت فيما بعد مملكة اليونان على أسوار القسطنطينية.

التصوير البديع الذي جادت به قريحة المسيو «رينان» لبيان مركز الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول من التاريخ المسيحي لا علاقة له البتة بالتصوير الممكن عمله لتجلية حال أوروبا في القرن السادس؛ تلك كانت مفاسد قيصرية مختمرة. أما هذه فوحشية حربية تلعب بالأرواح وتتمرغ في الأوحال (كتاب درابر نزاع العلم والدين).

أما آسيا فلم تكن أهدأ بالًا من أوروبا في شيء؛ فمملكة «تبت» والهند التي اقتبست منها الأمم السائدة في أوروبا الآن قرائحها وأفكارها العامة ولغاتها، والصين التي تعد مسألتها أغرب المسائل السياسية والفلسفية، وبعبارةٍ أخصر أغرب المسائل الاجتماعية؛ كانت هذه الممالك كلها متمزقة الأحشاء بالحروب الداخلية والخارجية المتصلة بالمنازعات الدينية.

أما السفح الشمالي من الهضبة الآسيوية العالية التي في حوزة الروسيا الآن، فكانت غير معروفة على الإطلاق. وأما مملكة الفرس التي كانت أحوالها مرتبطة بأحوال العرب خصوصًا من لدن تجريدة الإسكندر المقدوني، فكانت مشتبكة في حروب مع اليونان الرومانيين في القسطنطينية الذين كانوا أصحاب السلطة على آسيا العربية.

وأما في أفريقيا فكان هؤلاء اليونان الرومانيون أنفسهم — وهم أخلاط من عساكر وتجار وحكام مجموعون من آفاق مختلفة — دائبين على امتصاص دم مصر، وعاملين على جعْلها — وهي المملكة العلمية ذات المجد القديم — كالجثة المصبرة عديمة الحس والحركة، وكان هذا شأنهم أيضًا في الأقاليم الخصبة وقتئذٍ الواقعة في الجهات الشمالية من أفريقيا التي انتزعوها من أيدي الفنداليين الذين اشتُهروا بالتخريب.

والخلاصة أن جو العالم الأرضي كان متلبدًا بسُحب الاضطرابات الوحشية في كل جهة، وكان اعتماد الناس على وسائل الشر أكثر من اعتمادهم على وسائل الخير، كأن الشيطان كان مستحوذًا عليهم.

وكان أجمع الرؤساء للثقة والطاعة أشدهم صيحةً في إصلاء نيران الحروب والمعارك، ولم يكن يأخذ بالقلوب ولا يؤثر عليها تأثيرًا حادًّا — وإن كان وقتيًّا — إلا شيء واحد وهو الغنيمة وسلب الأمم والشعوب والمدائن والأعيان ورجال الحرب وفقراء الحراثين وبسطاء المتسولين. ولولا شعاع ضئيل من الحكمة كان يتألق في بعض صوامع الكهنة وبعض الجراثيم الفلسفية، التي كانت بمعزلٍ عن أعاصير تلك المشاغب، وانتقلت من روحٍ إلى روحٍ أخرى بواسطة بعض أصحاب الجسارة من رسل الترقي في المستقبل، لكانت البربرية أسرعت في خطاها مقودة بغطرسة زعماء البهيمية، واستحالت إلى وحشيةٍ محضة.

مع هذا كله كان هناك ركن من أركان الأرض لم تصبه لفحة من هذه الحركة، ولكن لم يكن ذلك لحكمة أهله ورجاحة عقولهم، بل بسبب موقعهم الجغرافي البعيد عن مضطربات الأمم التي كان يقال إنها متمدينة؛ ذلك الركن هو شبه جزيرة العرب التي ما كانت تسمع انفجار أعاصير تلك الفتن الهائلة في أوروبا إلا عن بُعد، وما كان يصلها ذلك اللغط إلا غاية في الضعف والضئولة، وكانت تجهل وجود الهند والصين؛ فإن علاقاتها مع آسيا لم تكن تتعدى حدود بلاد الفرس، ولم تُعرف لديها الفرس إلا بواسطة أخبار الانتصارات أو الهزائم التي كان من ورائها رد بعض الوديان العربية القريبة من سوريا إلى تبعية إمبراطرة القسطنطينية تبعية اسمية أو رفع نير تلك التبعية الاسمية عنها.

على أن ذلك الواديَ الأخير كان يهم بلاد العرب جدًّا لأن أبناءها كانوا يذهبون إليه للتجارة، وكان لها فيه أبناء استعمروا الشاطئ الغربي من نهر الفرات، وصعدوا رويدًا رويدًا إلى بحر قزوين. ومما يشبه المساتير الدينية أنها بقيت منفصلةً عن القطر المصري الذي أغار على جنوبه العرب الرعاة، ولم ينجلوا عنه تمامًا إلى بعد أن انجلى عنه بعض إخوانهم المتأخرين وهم الإسرائيليون تحت قيادة موسى — عليه السلام — حينما استرد المصريون السلطة وعاملوهم معاملة البهائم. أما المملكة الوحيدة التي كان بينها وبين العرب صلة وعلاقة فهي بلاد الحبشة. أما الجهة الشمالية من أفريقيا التي أغاروا عليها مرتين، والتي كانت بجانبهم نقطة النزاع بين الرومانيين والقرطاجيين وبين يونان القسطنطينية والفنداليين، فكانوا لا يحلمون بوجودها.

ثم قال المسيو كوسان دي برسيفال في كتاب «تاريخ العرب»: «إن المتحضرين من عرب البحرين والعراق كانوا خاضعين للفارسيين، أما المتبدون منهم فكانوا في الحقيقة أحرارًا لا سلطة لأحدٍ عليهم، وكان عرب سوريا مذعنين للرومان، أما قبائل بلاد العرب الوسطى والحجاز الذين ساد عليهم التبابعة — وهم ملوك بني حمير — سيادةً وقتية فكانت تعتبر أنها تحت سيادة ملوك الفرس، ولكنها في الحقيقة كانت متمتعة بالاستقلال التام الذي لا غبار عليه.»

ثم قال جول لابوم: «ولم يكن العرب أحسن استعدادًا من غيرهم لقبول أي دين من الأديان.» قال المسيو دوزي في كتابه «تاريخ عرب إسبانيا»: كان يوجد على عهد محمد في بلاد العرب ثلاث ديانات: الموسوية والعيسوية والوثنية، فكان اليهود من بين أتباع هذه الأديان أشد الناس تمسكًا بدينهم وأكثرهم حقدًا على مخالفي ملتهم. نعم، يندر أن تصادف اضطهادات دينية في تاريخ العرب الأقدمين، ولكن ما وجد منه فمنسوب إلى اليهود وحدهم، أما النصرانية فلم يكن لها أتباعٌ كثيرون.

وكان المتمذهبون بها لا يعرفونها إلا معرفة سطحية، وكانت هذه الديانة تحتوي على كثير من الخوارق والأسرار، بحيث يعز أن تسود على شعب حسي كثير الاستهزاء بالمساتير Mysteres.

أما الوثنيون الذين كانوا السواد الأعظم من الأمة فكان لكل قبيلة — بل وأسرة — منهم آلهة خاصة، والذين كانوا يصدقون بوجود الله — تعالى — ويعتبرون تلك الآلهة شفعاء لديه فقد كانوا يحترمون كُهَّانهم وأصنامهم بعض الاحترام، ولكنهم مع ذلك كانوا يقتلون الكُهَّان متى لم تتحقق أخبارهم بالمغيبات، أو لو عولوا على فضحهم عند الأصنام إن قربوا لها ظبية بعد أن نذروا لها نعجة. وكان من العرب من يعبد الكواكب وخصوصًا الشمس؛ فكنانة كانت تدين القمر والدبران، وبنو لخم وجرهم كانوا يسجدون للمشتري، وكان الأطفال من بني عقد يدينون لعطارد، وبنو طيء يدعون سهيلًا، وكان بنو قيس عيلان يتوجهون للشعرى اليمانية، وكان علمهم بما وراء الطبيعة على نسبة أفكارهم الدينية. قال كوسان دي برسيفال في كتابه «تاريخ العرب قبل الإسلام» ثلاثة أجزاء: «وكان منهم من يعتقد بفناء الإنسان إذا رحل من هذا العالم، ومنهم من كان يعتقد بالنشور في حياةٍ بعد هذه الحياة، فكان هؤلاء إذا مات أحد أقربائهم يذبحون على قبره ناقة أو يربطونها ثم يدعونها تموت جوعًا، معتقدين أن الروح لما تنفصل من الجسد تتشكل بهيئة طير يسمونه الهامة أو الصدى؛ وهي نوع من البوم لا تبرح تطير بجانب قبر الميت نائحةً ساجعةً تأتيه بأخبار أولاده، فإذا كان الفقيد قتيلًا تصيح صداه قائلةً: اسقوني! ولا تزال تردد هذه اللفظة حتى ينتقم له أهله من قاتله بسفك دمه. وكانت طبائع العرب وأخلاقهم لا تدل الناظر إليها إلا على أنهم شعب لم يكادوا يجوزون العقبة الأولى من عقبات الاجتماع لو لم تكن الأسرة عندهم؛ بل والقبيلة أيضًا — وهي نقطة تلفت النظر — تهتم اهتمامًا عظيمًا بحفظ سلسلة نسبها، ولو لم يكن — وهو أمرٌ أغرب من سابقه — إدراكهم للقوانين وسعة لغتهم من جهةٍ أخرى داعيًا إلى الالتفات بنوعٍ أخص.»

ثم قال المؤلف المحقق الذي اقتبسنا منه أكثر هذه التفصيلات المتقدمة: «كان العرب مغرمين بشرب الراح، ويوجد من الشعر ما يدل على أنهم كانوا يفخرون ويعجبون به وبلعب الميسر، وكان من عاداتهم أنَّ للرجل أنْ يتزوج من النساء بقدر ما تسمح له به وسائله المعيشية، وكان له أن يطلقهن متى شاء هواه، وكانت الأرملة تعتبر من ضمن ميراث زوجها! ومن هنا نشأت تلك الارتباطات الزوجية بين أولاد الزوج ونساء الأب! وقد حرم ذلك الإسلام وعده زواجًا ممقوتًا.

وكان هنالك عادة أفظع من كل ما مرَّ وأشد معارضةً للطبيعة، وهي وأْد الأهل لبناتهم؛ أي دفنهن على قيد الحياة!»

كل هذا يشير إلى أن العرب لم يكن فيهم أي جرثومة خلقية صالحة يمكن تقويمها وتهذيبها؛ فقد كانوا يحبون الحرية حبًّا جمًّا، ويمارسون فضائل الكرم وبذل القِرى، والأفراد الذين كانوا تابعين لأممٍ أرقى من الأمة العربية، والذين كانوا مبعثرين هنا وهناك من جزيرة العرب كانوا قليلي العدد جدًّا، ولا يظهر أنهم كلفوا أنفسهم الدعوة إلى مللهم؛ فاليهود الذين كانوا متشبعين بالأثرة الشعبية — على مثال الصينيين واليابانيين والمصريين — لا يُرى منهم لليوم خاصية التأثير على غيرهم إلا بالخضوع لقوانين الأمة التي يشتغلون تحت ظل حمايتها بالأمور المالية، ولئن شوهد أنهم أدخلوا إلى ملتهم بعض العرب، فلم يكن ذلك إلا نتيجة بسيطة لاشتراكهم في الأساطير التاريخية؛ وهو اشتراك يدل على قرابة قريبة بين الأمتين؛ تلك القرابة يُستدل عليها أيضًا بتساويهم في حب الكسب وتآزيهم في الاستعداد لعدم الأنفة من سلوك أي طريق من الحيل والمكر لنَيل مالٍ أو حطام، ولا يُنتظر أن يكون من نتيجة الاجتماع بهذه الاعتبارات أدنى رقي أدبي.

أما المسيحيون فكانوا يفدون شيئًا فشيئًا إلى بلاد العرب هربًا من الاضطهادات الدينية التي كانت في مملكة الرومانيين، ولكن لم يكن في حالهم نور يلفت البصر تألُّقُه، وفي حالة مسيحيي الحبشة اليوم نموذج من ذلك؛ فإنه لا يمكن أن يتحلى الإنسان بمدركات العقائد السامية من دين بمجرد التسليم بنص تلك العقائد.

في عهد هذه الأحوال الحالكة، وفي وسط هذا الحيل الشديد الوطأة، وُلد محمد بن عبد الله في ٢٩ أغسطس سنة ٥٧٠م. ا.ﻫ. كلام جول لابوم، وكوسان دي برسيفال، ودوزي.

١  هذه الفذلكة من جهود أربعة من أعلام المستشرقين.
٢  الأسماء الإفرنجية تشمل الدول والشعوب والقبائل البربرية في أوروبا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠