كيف فكر عمرو بن لحي في عبادة الأوثان للتجارة

كان عمرو بن لحي — وهو ربيعة بن حارثة كما قدمنا — شريفًا سيدًا مطاعًا، بل كان ملك مكة؛ لأنه كان يطعم الطعام ويحمل المغرم، وما يقوله لأهل بلده هو الدين المتبع الذي لا يُعصى، وكان ما يستحسنه ويعمل به يعمله أهل الجاهلية، وهو الذي غض عن دين الحنيفية دين إبراهيم وجاء بهُبَلَ من أرض الجزيرة فجعله في الكعبة وجعل عنده سبعة قداح، في كل قدحٍ منها كتاب يعملون بما يخرج فيه! ومنها ما فيه: «أمرني ربي، أو نهاني.» لنية السفر، أو الرغبة في أمر، فإذا أرادوا أن يختنوا غلامًا أو ينكحوا أيِّمًا أو يدفنوا ميتًا ذهبوا إلى هبل بمائة درهم وجزور، ثم قالوا لغاضرة بن حبشية بن سلول بن كعب — وهو صاحب القداح: هذه مائة درهم والجزور، فاضرب لنا على فلان وقد أردنا كذا وكذا! فيفعل ما كان يفعله الكهنة في طيبة بمصر ودلف باليونان بعد أن يقبض ضريبة الإنباء بالغيب. ومما فعله عمرو بن لحي أنه غيَّر التلبية التي أُوحِيَ بها إلى إبراهيم وصرفها فجعلها:

لبيك اللهم لبيك! لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك!

إلى أن جاء الإسلام فردها إلى أصلها، وهي تلبية سيدنا إبراهيم الخليل — عليه السلام — المتواترة من عهده:

لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

هكذا تخيل عمرو بن لحي أو اعتقد عن حسن نية لجهله وانحطاط عقله، وكان قول عمرو في قومه «دينًا مطاعًا لا يخالَف»، فغض عن الحنيفية دين إبراهيم ونصب الأصنام حول الكعبة وجاء بهُبل من هيت من أرض الجزيرة فنصبه في بطن الكعبة، فكانت قريش والعرب تستقسم عنده بالأزلام،١ ولم يحتجَّ على هذا التغيير الغريب سوى رجل واحد من جرهم قيل إنه كان باقيًا على دين الخليل، فقال مقطوعة من الشعر السقيم مطلعها:
يا عمرو لا تظلم بمكـ
ـة إنها بلد حرام

فنفاه عمرو من مكة إلى ضواحي يثرب، فاكتفى بشعرٍ جديدٍ يندب فيه وطنه ودينه، ولم يذكر التاريخ اسم هذا الشاعر الوفي.

ولكن هذا التغيير الديني الذي اعتبره عمرو بن لحي إصلاحًا لم يُسخط أحدًا عليه؛ مما دلنا على أن العاطفة الدينية كانت في مكة ضعيفة ضعف النعرة الوطنية؛ فلم يغضب أحد للحنيفية! وقد نجحت حكومة عمرو نجاحًا مدهشًا؛ فولي البيت هو وأسرته وولده من بعده خمسة قرون حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب، وقد تزوجت حبى بنت حليل المذكور من قصي الجد الأعلى لمحمد بن عبد الله .

وإذنْ كانت أسرة عمرو بن لحي في نظر مؤرخي العرب من أقوى الأسر المالكة وأطولها عهدًا وأقدرها على الحكم وسياسة الملك «وقد قضَوْا خمسمائة سنة وهم حُجَّاب البيت العتيق والقوَّام به وولاة الحكم بمكة، وحافظوا عليه فبقي عامرًا لم يخرب فيه خراب ولم يُبنَ فيه بناء ولم تُسرق منه خشبة، بل ترافدوا على تعظيمه والذب عنه.»

وفي نظرنا أن كل هذا يشير إلى أن القرية المكية انتظمت من عهد عمرو بن لحي، وقد دخلت في طور النظام الاجتماعي، وأن ما قبل ذلك كان طور مخاض واستعداد لميلاد البلدة الجديدة؛ فكانت حروب ورحلات وغزوات وتناحر على الماء والمرعى وقتال على السيادة. وقد استمر النظام الحكومي خمسة قرون قبل قصي، ولكن الوظائف الاجتماعية كانت لا تزال في حالة أولية، وبقي على قصي أن يكمل التشريع الذي بدأه عمرٌو وولده، ويخلق الوظائف الحكومية ويشيد دار الندوة ويميز بين الحمس والدخيل والضيف واللاجئ. ومنذ كانت خزاعة حاكمة على مكة كانت قريش في بني كنانة متفرقة، وقد قدم على مكة حاج قضاعة في أواخر عهد خزاعة فكان فيهم ربيعة بن حرام، وكان زوجًا لفاطمة بنت عمرو بن سعد بعد أن ترملت لموت زوجها الأول كلاب، وقد رُزقت منه زهرة وقصيًّا، فعاشا مع أمهما على مبدأ الكفالة وسيادة الأم الذي كان شائعًا في تلك الفترة.

وكانت السيدة فاطمة المذكورة تكفل الولدين، وأحدهما زهرة بالغًا وثانيهما قصي وهو فطيم، فلما تزوجت من ربيعة بن حرام تركت زهرة في قومه واحتضنت قصيًّا، وعاشرت ربيعة فولدت له زراح بن ربيعة أخا قصي لأمه.

١  هذا دليل على انحطاط عقول الجاهلية وأنهم لم يكونوا على شيءٍ من العلم والفطنة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠