تأسيس مكة وعبادتها وقيمة الأوثان فيها

يمكن تقدير الزمن الذي تأسست فيه مكة بالتقريب؛ وذلك بالنظر في أنظمة العرب الاقتصادية والاجتماعية ودرجة الثقافة البدائية التي وصلوا إليها. وفي اعتقاد البعض أن تأسيسها سابق على الإسلام بألف عامٍ على الأقل، وفي مدى هذه القرون العشرة تمكَّنت القبائل التي استقرت في وادي مكة من تكوين مظاهر حياتهم المادية؛ فجعلوا الكعبة معبدًا ومعرضًا لأصنامهم، أما كيف نشأت عبادة الأصنام في مكة، فالرأي العلمي المقطوع به أنهم قلَّدوا في ذلك بعض الأمم المجاورة، بل نقلوا إلى بلدهم بعض أوثانها،١ وكانت عبادة الأصنام شائعة في بابل وطن إبراهيم الذي بنى الكعبة وكان يقاوم عبادة الأصنام في بلده. ومن عجيب الأمور أن البناء الذي شيده لتمجيد الإله الواحد الذي هداه إليه الله لتوحيده بتفكيره وتضحيته صار بعده وبعد ولده وأحفاده موضعًا لتمجيد الأصنام! وفي تاريخ الإنسانية كثير من التناقض! وإذا كان من أصنام العرب اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أفلا ترى في هذا الثالوث المقدس أو في اجتماع هذه الأقانيم تقليدًا لثالوث المصريين القدماء إيزيس وأوزيريس وهورس، وفي الهند ثالوث كريشنا وسيفا وفيشنو، وفي المسيحية الآب والابن والروح القدس؟! ولكن كان هناك آلهة أخرى لكلٍّ منها اختصاص وامتياز، وكان للآلهة زعيم أكبر هو هُبل! فالكعبة كانت أشبه الأشياء بهيكل مصري أو معبد هندي، أو جبل أولمب٢ مصغرًا، والذي نراه من مظاهر العبادة الوثنية في مكة أن سدنة الكعبة تمكنوا من استغلال هذه الأصنام وجعلوها تدفع أجر إقامتها واحترامها بطريقة منقولة عن مصر وعن اليونان وبابل والهند؛ فكان على مَنْ يأتي ليستقسم بالأزلام أو يستشير الأوثان أن يدفع ضريبة من المال «لمحرك الوحي» كما كانت الحال في طيبة ودلف٣ فيدفع للكاهن مائة درهم ويقدم إليه جزورًا. وما كان السادن يقنع من الزائر المستفتي بهذا، بل كان يتقاضى منه رسمًا على الزيارة ويلزمه بأن يشتريَ طعامه وشرابه وثيابه من مكة نفسها، فكان الحاج يُخرج من ماله كل ما ادخره في سبيل هذا الاستفتاء الوثني الذي كان بمثابة تجارة لمكة كلها.
وكما صار الفلاح الروسي في العهد القيصري والمُزارع اللاتيني في كل العهود يشتري تماثيل العذراء والمسيح وجميع القديسين أو صورهم؛ لينزلها منزلًا محترمًا في داره استدرارًا للرحمة والبركة، كذلك كان الوثني العربي المقيم في خيام الصحراء يسعى للحصول على صنمٍ صغير لخيمته فلا يناله إلا في مكة وبها الصناع والمَثَّالون لنحتها!٤ وكانت حرفة والد إبراهيم صنعة التماثيل، وكان أهل مكة يبسطون حمايتهم على التجار المنفردين الذين يجوبون الصحراء لقاء أجر، فإذا لبس أحدهم شارة الحماية المكية الدالة على «جوار الله» وقَتْهُ شر المهاجمين وقطاع الطريق ممن يحترمون «الجوار» ويقدسون الأصنام القابعة في بناء الكعبة، ومن ألفاظهم المصطلح عليها «الجيرة والشفاعة»، وهما قرينتان.٥

وما كان أهل مكة يزرعون قمحًا ولا عدسًا ولا فولًا فكانوا في حاجة لخبزهم يحضرونه من اليمامة في الشمال الشرقي (اشتُهرت بزرقائها التي كانت بعيدة النظر)، فمن أراد إذلال مكة فليهاجم قوافلها وليُعق تجارتها وليتعرض لإبلها الرائحة الغادية بين الشمال والجنوب والشرق والغرب (أصل وقعة بدر مهاجمة التجارة المكية).

لم يقنع المكيون بجعل بلدهم معبدًا ومركزًا للمال والتجارة وتكويم الذهب والفضة، بل نقلوا عن الأمم الأخرى نظام الدرجات الاجتماعية والوظائف العامة ونظام الطبقات؛ فكانت الأرستقراطية مؤلفة ممن لهم جدود عظام اشتُهروا بالشجاعة في الحرب، أو بالشعر والخطابة، أو حازوا مالهم بالسرقات والجرائم، ويلوح لنا أن جنايات القتل والسرقة بالإكراه كالتي كان يقترفها تأبط شرًّا وسليك بن سلكة وغيرهما من طغاة القبائل وغربانها٦ لم تكن معيبة، بل كانت ترفع قدر هؤلاء الجناة في نظر القبيلة! كما هي الحال في الجماعات الفطرية أو القريبة من الوحشية؛ فإنه لا يزال في الشرق لعهدنا جماعات تمجد المجرمين، وتُعجَب بهم، وبعضهم يدفعون لهم الجزية ويحمونهم؛ إما لصداقتهم، وإما خوفًا منهم. (بلطجية!)
والناظر في حياة هذه الجماعة المكية يكاد يحكم بأن أهل مكة عاشوا تحت نظام الأبوة — أو سيادة الرجل — وهو المعروف لعلماء الاجتماع باسم «الباترياركا» يتلو عهد سيادة الأم أو «الماترياركا»، ولا يمكن أن تكون الفترة بين النظامين أقل من ألف سنة كما قلنا، ومع هذا فإن بعض بقايا عهد الأمومة «ماترياركا» كانت ظاهرة؛ فمنها احتفاظ المرأة بحق الطلاق (عصمتها بيدها)، كما جاء في قصة أم عبد المطلب التي سنرويها،٧ ومنها اتخاذ القبائل شمالًا وجنوبًا نساءً للكهانة، ومنها استقلال المرأة في تجارتها واستطاعتها استخدام الرجال وجلب المال لحظيرتها، حتى إذا استغنت واشتُهرت تزوجت ممن تختار من وكلائها كما حدث للسيدة خديجة — عليها رضوان الله — ومنها نفوذ المرأة في كثير من الأحيان على الرجل حتى في الحياة العامة، وفي أخبار هند وتزعمها بعض الوقائع وتُدخلها في الحرب والسياسة ما يدل على ذلك؛ وإذنْ فظهور المرأة بمظهر العامل المؤثر في حياة عرب الجاهلية لم يكن نتيجة لحرية المرأة التي شرعها العرف أو حصلت عليها المرأة بجهودها في الحياة الاجتماعية، بل كانت آثارًا باقية من نظام اجتماعي فطري؛ هو نظام سيادة المرأة أو عهد «الماترياركا». وشتان بين الأمرين؛ فإن هذه المرأة العربية الجاهلية التى تمتعت بهذه الامتيازات كانت مبذولة العرض في أحوالٍ كثيرة، وكان تعدد الزوجات شائعًا والتسري مباحًا وأنواع الزواج عند الجاهلية متعددة؛ مما يدل على سهولة الحصول على المرأة، وكانت محرومة من الميراث، في حين أن المرأة الأوروبية لم تصل إلى حريتها إلا في القرن العشرين للمسيح! وعند علماء الاجتماع فرق عظيم بين ما هو أثر باقٍ لحالة اجتماعية من عصور الهمجية، وبين ما ينال بالجهاد ويسجل في الحياة العامة ويصير حقًّا مكتسبًا ومعترفًا به؛ وإذنْ ثبت من البحث العلمي الاجتماعي ومن التاريخ أن حالة المرأة الأولى كانت آثارًا للماترياركا، فلما جاء الإسلام منحها الحرية وأعطاها الدستور وقرن تلك الحرية بالشرف والصيانة، وجعلها حقًّا لا أثرًا بعد عين من حالة اجتماعية قديمة، وهذا أحد أفضال الإسلام على العروبة والعالم.

نقول: كان أهل مكة قبل الإسلام بقليل يعيشون تحت نظام الأبوة؛ فكان لهؤلاء القوم زعيم كبير مسموع الكلمة يحكم القبيلة بإرادته وكلمته، وهذا النظام باقٍ من عهد إبراهيم الذي هو «الأب الأعظم» أو البطريرك. فكان قصي قبل عبد المطلب زعيم قريش غير منازع، ثم رأينا حفيده يحفر بئر زمزم، ويزين الكعبة بالذهب والسلاح، ويقابل القائد الحبشي في عام الفيل ويفاوضه في أمر الجلاء عن الأرض المقدسة، ونراه مسموع الكلمة في المسجد وفي المدينة لآخر حياته، ولما تُوفِّي وترك أبناءه حل أبو طالب محله في رياسة معنوية للقبيلة أو المدينة، وإن كان قليل المال كثير العيال ضعيف الحول والطول حيال فحول قريش، إلا أنه تمكَّن بكلمةٍ واحدة من حماية محمد ابن أخيه عبد الله من شر الأقوياء وحقدهم وضغنهم وانتقامهم، وأبى على قريش أن يسلمهم ابن أخيه الذي صار بعد ذلك ببضع سنين سيد العالم وخاتم النبيين ومصلح الإنسانية.

وفي الحق أن الترجيَ أو النصيحة والوعد أو الوعيد لم تكن كافية لحماية هذا الشاب ضد إجماع قريش إن لم تكن كلمة أبي طالب مسموعة في قومه، فإذنْ كان هو «بطريركهم» على فقره وضعف حوله وطوله، فلم يخرجوا عن طاعته، ولم يفضلوا مصلحة الجماعة التي كانت تقضي بتسليم محمد لقريش على مصلحة أبي طالب وابن أخيه.

وكان لأهل مكة ميزانية ودخل وخرج؛ فدخلهم من رسوم الحج وضرائب شبه جمركية، أو مكوس تفرض على الواردات. وكانت تلك الدولة البدائية تجمع بعض المال من السكان لتنفقه في ضيافة الحجيج أو في شراء كسوة الكعبة من الحرير والخز والديباج من صنع اليمن والشام والعراق ومصر، وكانت زعامة البلد تقتضي شيئًا من المال، وكثيرًا من الشجاعة في الحرب والفصاحة في الخطب.

وإلى جانب الزعيم والرئيس توجد وظيفة سادن أو خادم الكعبة وحامل مفتاحها، وهي وظيفة وراثية بلغ احترامها في النفوس مكانة عظمى، وكانت ضيافة الحجيج وظيفة كبرى، وهي التي قام بها عبد المطلب، وفيها إطعامهم وسقايتهم.

وكانوا في الحروب يخضعون لقائد، وفي السلم يخضعون للشورى وينظرون في أمورهم في دار الندوة؛ وهي جمعية شبه تشريعية مؤلفة من زعماء القبائل وأكابر البلد، والرأي فيها للكثرة من الشرفاء والأغنياء، وهي التي أسسها قصي، ولعلها أقرب إلى المجالس البلدية.

وقد سجل لنا التاريخ بعض مشاهد هذه الحياة النيابية في مناقشة قريش قبل وقعتَي أحد والخندق. وكانت هذه الجمعية التشريعية المكية تجتمع أحيانًا بصفة سرية؛ للتداول في أمر يقتضي الكتمان؛ كما اجتمعوا للتآمر على حياة محمد بعد أن استفحل أمره.

وإذا قام نزاع بين القبائل أو الأفراد يُطرح للتحكيم أولًا ثم على الكاهن أو الكاهنة ثم يُطرح على الأوثان لتفصل فيه، فكان هُبل هو الذي يحكم بقوله: «نعم»، أو «لا»، وكان المتخاصمان إذا وقع اختيارهما على رجل حكَّماه في الطريق كما يحدث الآن في بلاد الحبشة، فيعقد جلسة علنية وينظر في النزاع فورًا ويسعى لحله. وكان يُختار للتحكيم كلَّ من اشتُهر بالعدل والعلم والرحمة، وقد قضى بعضهم في الجاهلية بأحكام اجتهادية، وكان أهل مكة يرحلون أحيانًا إلى اليمن — ليفضوا نزاعهم — إذا اشتُهر في اليمن رجلٌ بالعدل. وكان اختصاص هؤلاء القضاة المتطوعين يشمل المدني والجنائي، وكانت أحكامهم الجنائية نافذة إذا حكموا بالإعدام، أو بقطع اليد؛ يُنفذ الحكم إذا كان المحكوم عليه صعلوكًا أو فقيرًا أو قليل الأنصار والعزوة! وإذا كان من قومٍ أقوياء يذودون عنه فقد يعطلون التنفيذ! إلا إذا كانت جريمته تتناول الأعراض وترى قبيلة المحكوم عليه أن بقاءه على قيد الحياة يسيء إلى مركزها بين القبائل ويورث الأحقاد والسخائم.

وكان الأفضل لهؤلاء القضاة أن يحكموا بالدية أو بالغرامة؛ لأن دفع المال أو تسليم الإبل أقل ضررًا مهما بلغ من القتل وبتر الأعضاء، وقد عرضوا على امرئ القيس دية أبيه فأبى، وقد أدَّت روح العدل إلى إنشاء الجماعات لحماية الأفراد الضعفاء، لحفظ النظام وحماية التجارة؛ كحلف الفضول الذي ألفه جماعة كلٌّ منهم اسمه فضل، ولهذا الحلف أخبار كثيرة في النثر والشعر، وقد حضره الرسول وافتخر به.٨

انفردت مكة بأن كانت بملتقى الطرق إلى الشام والعراق وإيران شمالًا، واليمن والحبشة ومصر جنوبًا. ومن يرد الرجوع إلى مصادر مطولة في تاريخ مكة وشأنها قبل الإسلام ومكانتها التاريخية، يجد غايته في مؤلفات كوسان دي برسيفال وموير والآلوسي والأزرقي.

وقد أفادت قبيلة قريش — التي أقامت في مكة — من أسفارها فاتصل رجالٌ منها بالحضارة اليونانية والرومانية في المدن الشامية وغيرها، وقد ارتفعوا بثقافتهم النسبية على مستوى الحياة البدوية قليلًا، وعلى أهل يثرب الذين ما زالوا في الطور الزراعي محتفظين بفضائلَ وغرائزَ تجرد عنها أهل مكة الذين ينتسبون إلى القبائل البدوية، إلا أنهم استقروا في بلدهم وعاشوا في بيئة شبه صناعية-تجارية، وتعودوا الأسفار ذات الشمال وذات الجنوب شرقًا وغربًا، واستخدموا إبلهم وهي سفائن الصحراء في نقل البضائع والمتاجر إلى سائر الجهات.

وكانت قلة منهم يقرءون ويكتبون وإن لم يخرجوا عن طور الأمية إلى طور التعليم الأوَّلي؛ ولذا وصفهم معاصروهم وجيرانهم من اليهود بأنهم أميون حكمًا على الكثرة الغالبية.

أما اليهود والنصارى فكانوا يقرءون التوراة والإنجيل وينقلون عنهما ما شاءوا كورقة بن نوفل أحد أصهار النبي، وكان راهبًا أو شبه راهب، يتعيش من نَسخ النصوص الدينية للكتابيين.

أما القرشيون٩ داخل أم القرى، فهم بنو كعب بن لؤي، وعلى مقربةٍ من المدينة بنو عامر بن لؤي، وأخص أهل البلد هم المطيبون والأحلاف. أما المطيبون فكانوا أقدم السكان أو أعيان البلدة، والأحلاف هم القادمون لعهدٍ قريب يريدون الإقامة، وكان اسم «المطيبون» يطلَق على الأصلاء في كل بلد، كالطائف والحيرة؛ تمييزًا لهم عن الأحلاف الذين لم تستقر أقدامهم، ولم يكسبوا حقوق المدينة أو حرية الإقامة فيها، وأصله أنهم طيبوا الكعبة بالعطور.
فالجامعة المكية كانت إيلافًا من الأسباط١٠ المتجاورة، كل سبط يقيم بحي من الأحياء، وكانت مقسمة في أول أمرها أرباعًا حسب ما صنع قصي، ولم يكن في مكة سلطة عامة تحكم البلدة ولا قضاة يقيمون العدل بين الناس؛ فمصدر السلطات الأسباط وشيوخها إذا ما اتحدوا في أمرٍ على عدوٍّ أجنبي، ويقع هذا الاتحاد وتلك الرابطة تطوعًا لا كرهًا، وباختيار الأسباط دون إرغام، بحكم المنفعة المشتركة، وتلبيةً لدعوة الشرف، ويطلقون عليه اسم العرض يؤيده الرأي العام الذي يمثله العقلاء في كل أسرة شريفة أو ظاهرة النفوذ بغناها أو صيتها، ولم تكن المكانة المعنوية بأقلَّ من قوة المال كما كانت الحال في بني هاشم بالنسبة لبني أمية.
وإنك لتعجب لما طرأ من العداوة بين بني هاشم وبني أمية، وهم بنو عبد شمس (وفي تسميتهم ما يدل على صابئيتهم؛ لأن الصابئين كانوا يتخذون أسماءهم بعبادة الأجرام السماوية والكواكب). وقد روى بعض المؤرخين أن هاشمًا وعبد شمس وُلدا توءمين، فخرج عبد شمس في الولادة قبل هاشم وقد لصقت أصبع أحدهما بجبهة الآخر، فلما نُزعت دمي المكان، فقيل على عادة عرب الجاهلية من الطيرة: «سيكون بينهما أو بين ولديهما دم.» فكانت المنافرة بين هاشم بن عبد مناف بن قصي وبين أخيه أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وسببها أن هاشمًا كانت إليه الرفادة — وهي إحدى وظائف السراة من قريش — يقوم بها في موسم الحج، وهي ضيافة الحجيج وإعانتهم وإكرامهم، وأضاف إليها السقاية لأنه مقيم بمكة. أما أخوه عبد شمس فكان أخا أسفار وجوَّاب آفاق. وأول العداوة أن أمية بن عبد شمس — وهو رأس بني أمية — اكتسب بجده مالًا لم يكتسبه أبوه، فتكلف أن يفعل عمه هاشم١١ من إطعام الحجيج والفقراء من قريش فعجز عن ذلك فشمت به ناس من قريش وعابوه، فغضب ونافر هاشمًا على خمسين ناقة سود الحدق تُنحر بمكة وعلى جلاء عشر سنين، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي جد عمرو بن الأحمق، وكانت إقامة الكاهن بعسفان، فتكهن بما يسر هاشمًا ويسوء أمية، فنحر هاشم الإبل وأطعم لحمها من حضر، وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين؛ نزولًا على شرط المراهنة أو المنافرة. (أصلها أنهم يسألون: أينا أعز نفرًا؟)

وفي استقراء أخبار أمية في الجاهلية ما يدل على قلة عفته؛ فقد عرض لامرأة من بني زهرة فضربه رجل منهم بالسيف، وصنع في الجاهلية ما لم يصنعه أحدٌ من العرب؛ وهو أنه زوج ابنه أبا عمرو من امرأته في حياةٍ منه! أي إنه مارس نكاح المقت لولده من زوجته. والمقتيون في الإسلام هم الذين أولدوا نساء آبائهم واستنكحوهن بعد موتهم. وأما أن يتزوجها الولد في حياة أبيه ويبني عليها وهو يراه، فإن هذا لم يكن قط! وأمية قد جاوز هذا المعنى ولم يرضَ بهذا المقدار حتى نزل عن زوجته وزوَّجها من ولده. وكان بنو أمية يوصفون ببني الزرقاء ويُشتمون بأنهم «ملوك ومن شر الملوك» (رواية سفينة عن أم سلمة في النزاع والتخاصم، للمقريزي، ص٢٢).

وفي تاريخ الأمويين ما يؤيد نظرية سيادة الأمومة؛ فإن الزرقاء هي أم بني أمية بن عبد شمس، واسمها أرنب، وكانت في الجاهلية من صواحب الرايات. ولا نحب أن نزيد في هذه العبارة شرحًا.

ومن بنات أمية غير أرنب «صاحبة الرايات» هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس التي استأجرت وحشيًّا وتآمرت معه على اغتيال حمزة بن عبد المطلب عم النبي في موقعة أحد، ثم لاكت كبد حمزة ثم لفظتها انتقامًا لمصرع أبيها عتبة الذي قتله حمزة في موقعة بدر، وهند هذه هي التي أمر رسول الله يوم فتح مكة بقتلها فأسلمت والسكين على رقبتها رهبةً لا رغبةً، ورعبًا لا إيمانًا.

ولما حضرت مع النساء لتبايع النبي بيعة الإسلام كان مما قال لهن الرسول: «ولا تقتلن أولادكن.» فقالت: «ربيناهم يا محمد صغارًا وقتلتهم كبارًا!»

ومن بنات أمية أم جميل بنت حرب بن أمية وزوجة أبي لهب، كانت تحمل أغصان العضاة والشوك فتطرحها على طريق النبي ، وقد أسماها القرآن حمالة الحطب، وفيها وفي زوجها أبي لهب نزلت سورة «المسد».

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ.

وفيها رد على كلمة أبي لهب لمحمد «تبًّا لك.»١٢

لا شك كانت طقوس العبادة في الكعبة أقدم من النصرانية والعبرانية؛ لأنها كانت عبادة الأوثان، ولا شك في أن تأسيس الكعبة يرجع إلى فترة متغلغلة في ظلام العصور السابقة للتاريخ، ونجد من المؤرخين من يحدد هذه الفترة بألفَيْ سنة قبل النبي ، ومنهم من يزيد على ذلك، ولكننا نحسب الفترة ألف عام. وكان الإقبال على الكعبة والطواف بها عامًّا من سائر الجهات، وبالغًا أقصى حد.

ومن المعلوم أن الفرق بين وثنية عبَّاد الكعبة وحجيجها وتعدُّد آلهتهم، وبين التوحيد الذي جاء به الدين الإسلامي عظيم جدًّا، ولكن الفكرة الإسلامية تقتضي أن نعلم يقينًا أن الوثنية المكية لم تكن إلا طارئًا عرضيًّا بين حنيفية إبراهيم وتوحيد محمد، وأن عبادة أصنام الكعبة كانت أشبه بعبادة العجل التي اتبعها اليهود في وادي التيه بسينا لغيبة موسى؛ فهي فترة جهالة وتردٍّ في حضيض الوثنية لم يلبثا أن زالا بعودة موسى بشريعته، وكذلك كان ظهورُ محمدٍ مُخْمِدًا لأنفاس الوثنية التي رفعت رأسها كالأفعى على يد حاويها عمرو بن لحي بعد أن انطمست معالم الحنيفية التي جاء بها إبراهيم وإسماعيل، ولكن متى تعطلت تلك الحنيفية، ومتى ظهرت الوثنية، وتعددت الآلهة، ونُصبت الأوثان في أركان الكعبة؟ هذه أسئلة نجيب عليها في مواضعها.

نعم، لقد عُني مؤرخو العرب بتاريخ الكعبة من أقدم الأزمنة ودوَّنوا عنها أخبارًا كثيرة غير معقولة، كقولهم: «ذِكر ما كانت الكعبة الشريفة عليه فوق الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض، وما جاء في ذلك.» وأن الكعبة كانت عثاء على الماء قبل أن تُخلق السماء والأرض بأربعين عامًا، ومنها دحيت الأرض، وفيه تشبيه الكعبة بعرش الله.

ثم ذِكر بناء الملائكةِ الكعبةَ قبل خلق آدم ومبتدأ الطواف كيف كان وزيارة الملائكة للكعبة … إلخ.

وكل هذه الأخبار المخالفة للمعقول وللتاريخ الصحيح لم يروِها إلا رواةٌ ضعاف الحجة مثل كعب الأحبار ومجاهد وأبي الوليد وابن عباس، وكلهم مطعون في روايتهم التي روَوْها بغير تبصر؛ لأنها ملفقة وموضوعة لتعظيم الشأن والإرهاص والمبالغة.

وقد ألف في تاريخ مكة بعض مشاهير الإفرنج أمثال كوسان دي برسيفال؛ وويلها وزن وسنوك هير جرونجيه الذي أقام فيها حوالي سبع عشرة سنة، وأفرد لها ليون كايتاني فصلًا قبل كلامه على أجداد النبي الأقربين، وهم: عبد المطلب، وهاشم، وعبد مناف، وكلاب، وقصي١٣ (ص٩٠، نبذة ٦٢) ويرى هؤلاء المؤلفون أن إله الكعبة الأعظم كان هُبل، ويتلو هذا الوثن في الشأن الحجر الأسود، وكان أحد أربعة من لونه، في كل زاوية من البناء حجر منها ولكنه وحده بقي محفوظًا «حجر الركن»، وهو الذي حلت به قداسة الأحجار الثلاثة. قال أبو الفداء: «هبل أعظم الأصنام كلها في بر الحجاز، وكانت صورته على ظهر الكعبة.» وقال روبرتسون سميث (ص٣٠٣-٣٠٤): إن الحجر الأسود والحجر اليماني (الركن اليماني) يمثلان هُبل والعُزَّى. ونسي أن هناك أربعة أركان: الركن الأسود، والركن الشامي، والركن اليماني، والركن الغربي.

وفي ابن إسحاق والأزرقي إن عمرو بن لحي هو أول من أدخل الأصنام، وأنه أحضر «هُبل» من مدينة حت أو هت من العراق. ويشك ويلهاوزن في هذه الرواية ونسبتها لابن إسحاق؛ لأن ابن هشام لم ينقلها عنه، ويرد عليه بأن الطبري نقل كثيرًا عن ابن إسحاق مما لم ينقله ابن هشام؛ لأنه انشغل من أخبار العرب بالسيرة النبوية، ولم يُعْنَ بما عداها مما ورد في ابن إسحاق من أخبار مكة والكعبة قبل الإسلام.

إن الذي بنى الكعبة وفقًا لنص القرآن هو إبراهيم وابنه إسماعيل، فقد قال: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ.

وتلقى إبراهيم مناسك الحج من ربه بالوحي الملكي عن جبريل١٤ وأهم هذه المناسك الطواف بالكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة والمزدلفة ووادي منًى. وتلك المناسك أثبتتها السنة وحفظها المسلمون؛ لأنهم يقومون بها في كل عام، وقد وصفها العرب والإفرنج؛ أمثال: بوركهارت (ألماني)، وشارل بيرتون (إنجليزي)، وبعض المؤرخين المصريين الذين ألَّفوا في وصف رحلتهم إلى الحجاز.

ولما ترعرع إسماعيل في كنف أمه تزوَّج من جرهم، وملك أولاده الكعبة من بعده، وما زالوا يعبدون الله على طريقة إبراهيم وإسماعيل حتى هلك، ومن بعده حل فيها الفساد وصارت موضعًا لمساوئَ خلقيةٍ نعف عن ذكرها (قصة إساف ونائلة وما يحيط بهما من الأساطير)، وتغلبت جرهم على بني إسماعيل وطردوهم. واستمرت حالة مكة على ما كانت عليه إلى أن تمكنت قبيلة خزاعة من التغلب على جرهم، وحاربتها حربًا شعواء سالت فيها الدماء على جدران الهيكل، وسلب عمرو بن ربيعة بن حارثة سيد جرهم غزالتين من ذهب وحليًّا أخرى وصفائح كانت زينة الكعبة، وألقى بها جميعها في بئر زمزم التي قيل إنها تفجرت إكرامًا لظمأ إسماعيل طفلًا، وهي الأعلاق التي عثر عليها عبد المطلب أثناء حفر زمزم.

وكان عمرو بن ربيعة آخر من حكم مكة من جرهم، ولم يحكم مكة لبني خزاعة كما توهم الطبري، وأصدق من الطبري في هذه النقطة رواية الأزرقي، وابن هشام أصدق؛ إذنْ خرج بنو إسماعيل طرداء مظالم جرهم التي اغتصبت الهيكل وأصنامه ووضعت يدها على خيراته. ولم يكن هذا الاستيلاء لغاية دينية، وإنما كان جلبًا لمنافع اقتصادية. وقد أفاض في هذه الروايات النصف تاريخية الأزرقي والطبري وياقوت وابن خلدون وغيرهم، على أنها وقعت بتفصيلها وعلى الصورة التي دُونت بها، ونحن تقبلنا هذه الرواية بصدرٍ رحب على ما فيها من المبالغة لنخرج منها لحقيقة تاريخية واحدة، وهي أن قبيلة قريش التي تغلبت على خزاعة لم تكن أصيلة في مكة؛ أي إنها لم تكن أولى القبائل التي قطنتها، بل إنها أقبلت عليها من مكانٍ بعيد وانتزعتها من أيدي قبائل كانت سائدة على مكة والكعبة. وبعبارةٍ أخرى: إن قريشًا احتلت مكة واستعمرتها، وهذا لا يمنع قوتها وشرفها ولا يطعن في شأنها لبداوتها، وهذا الفتح أو التغلب القرشي على القبائل التي كانت بجوار الحرم لم يكن سوى صورة مصغرة للنزوح والهجوم والغزوات السلمية والحربية التي كانت مستمرة في قلب الجزيرة، ومنها إلى الخارج، ومن الخارج إليها، وحينئذٍ لا بد أن تكون قبيلة قريش عربية قادمة من وديان العراق وضفاف دجلة والفرات التي كانت خزانة الأمم الفتية ومهد الحضارات، أو عائدة منها إلى وطنها كما عاد اليمنيون من بابل إلى الجنوب بقيادة الزعيم قصي — أي القادم من مكان بعيد — كما يدل اسم قضاعة على الانقطاع؛ أي التخلف.

وهذا الأمر نفسه يفسر لنا كثيرًا مما دونه المؤرخون من مناقب قريش الخاصة بها والتي لم تكن في عرب الجزيرة، كالتجارة والتشريع والتنظيم المدني وحماية الغريب وتأسيس دار الندوة وخلق الوظائف المدنية والدينية؛ فإن كافة هذه الأعمال والآراء لم تكن في ذهن القبائل المتوحشة المحاربة التي وصفنا حياتها في كثيرٍ من صفحاتنا. ويؤيد هذه الفكرة اسم «قصي» نفسه الذي معناه القادم من مكانٍ بعيد — كما ذكرنا — فقد كان بجسمه وفكره وتكوينه وعقله وخلقه قصيًّا عن كثيرٍ من أمورهم.

وقد بقيت في المناسك ألفاظ وأسماء تدل على أصول هذه العلاقات واقتسام الحقوق بين جرهم وخزاعة وتغلُّب إحدى القبيلتين على الأخرى، ومنها «الإجازة»، وكانت في بيت الغوث بن مر بن عدوان (ابن خلدون، ج٢، ص٣٣٣)، والنسي، وكانت في بيت القلماس (الطبري، ج١، ص١٣٤، والبيروني، ص١٣-١٤).

١  قصة عمرو بن لحي.
٢  هو الجبل الذي جعله اليونان مقرًّا لآلهتهم: زفس وهيرا وأتينا ومنرفا وتزيس ونبتون ومارس وأبولو … إلخ.
٣  مقر الوحي للإله أبولو والعرافة والكهنة.
٤  وكان العربي شديد الولوع باصطحاب الأصنام في انتجاعه فيحصل عليها من مكة، فإن فاته ذلك صنعها بنفسه من خشب، فإذا لم يتيسر له هذا خلا نفسه وجبل الرمل ببعض إفراز بدنه حتى يجعله طينًا فأخذ منه قبضة يشكلها صنمًا يعبده ولا يأنف أن يكون الإفراز بولًا. فما أغرب الجمع بين النجاسة والعبادة!
٥  انظر نظام الحمس وحلف الفضول.
٦  تعبير خاص عن شجعانها السود.
٧  زواج هاشم من سلمى بنت النجار بالمدينة، وهي أم عبد المطلب.
٨  قال عليه الصلاة والسلام: «لقد شهدت في بيت عبد الله بن جدعان حلفًا لو دُعيت به في الإسلام لأجبت.» عن محمد وعبد الرحمن ولدَيْ أبي بكر الصديق — رضي الله عنهم.
٩  كانت قريش فرعًا من بني كنانة أقاموا في مكة منحدرين من غالب وفهر ومضر.
١٠  لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ.
١١  زعموا أن اسمه عمرو، وقيل له هاشم؛ لهشمه الثريد بمكة (ابن سعد).
١٢  عندما أنذر الرسول عشيرته الأقربين وأسرته بأمر الله.
١٣  ومن أهم المصادر العربية الإسلامية الأزرقي «أخبار مكة».
١٤  وكان إبراهيم أول من أذن في الدنيا، قال له الله: أذِّن في الناس بالحج. قال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟! قال: عليك الأذان وعليَّ البلاغ. فصعد على الصفا، وعلَّمه جبريل، فقال: لبيك اللهم لبيك. فما بقي شيء سمع صوته إلا قال: لبيك اللهم لبيك (الإمام محمد الرازي).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠