ثارات العرب في الجاهلية

قد ساقنا حديث الديمقراطية العربية وخلو الجاهلية من آثارها ورائحتها وذكرها إلى ذكر الغزل الجاهلي وماديته وانغماس ذويه في تمجيد الجسد، كما يسوقنا ذكر تنازع القبائل وتناحرهم إلى ثارات العرب قبل الإسلام، ومن أشهرها عهد المهلهل وحرب البسوس ومقتل كليب، فإنه لما قتل التغلبي أرسل بنو تغلب وفدًا إلى بني عمهم شيبان يطلبون منهم أن يسلموا إليهم جساسًا قاتله ليقتلوه به، فلم يرضَ أبوه مُرة أن يسلمه إليهم ولم يرضَ كذلك أن يعطيَهم ولده همامًا، ولا أن يسلم إليهم نفسه ليقتل في ثأر كليب١ فرأت قبائل بكر الأخرى أن في ذلك بغيًا من شيبان، فاعتزل الحارث بن عباد بطل بني بكر الحرب ومالت قبائل أخرى من بكر والنمر بن قاسط إلى نصرة تغلب فأصبحت قبائل ربيعة كلها يدًا واحدة على شيبان تحت لواء مهلهل بن ربيعة للانتقام من شيبان قتلة كليب؛ لأنهم لم يرضوا بالإنصاف ولم يسلموا أحد الأكفاء منهم ليُقتل في ثأر كليب، وهُزمت شيبان مرة بعد الأخرى، حتى اضطُرت إلى النزوح إلى أطراف القفر عند «عين واردات» وذهب المهلهل إليها هناك في جيش كبير من تغلب وحلفائها ليقضوا عليها القضاء الأخير، وحدثت هناك موقعة قُتل فيها همام بن مرة صديق مهلهل، وهُزمت شيبان بعد ذلك هزيمة منكرة، وقُتل بعد همام، جساس من طعنة ابن أخته الهجرس بن كليب. وتوسط الحارث بن عباد بين شيبان وتغلب وأرسل ابنه بجيرًا إلى المهلهل يستعطفه ويستلين قلبه للصلح بين القبيلتين ولكن المهلهل قتل بجيرًا (وهو رسول سلام!) وقال: إنه قتله في ثأر شراك نعل كليب!٢ فلما علم الحارث بن عباد بمصرع ولده ووقاحة المهلهل وغشومته ثار وغضب وشارك شيبان في محاربة تغلب، وغضبت قبائل بكر الأخرى من اعتداء المهلهل فانضمت إلى شيبان وأصبحت تغلب وحدها تحارب قبائل بكر كلها متحدة، وانتصرت بكر على تغلب ففرت إلى حدود بادية العراق عند قضة فتعقبتها بكر ودحرتها وأُسر المهلهل، أخذه الحارث بن عباد وهو لا يعرفه، فخدعه المهلهل ونجا بنفسه بعد أن وشى بامرئ القيس بن أبان فقتله الحارث في ثأر ولده بجير، ولما عاد المهلهل بعد الموقعة إلى قومه، وجدهم قد تغيروا عليه وكرهوا سيادته فيهم ولا سيما بعد أن ذاع نبأ خيانته امرأ القيس بن أبان.

وهكذا انتهت حلقة من حلقات الحروب في الجاهلية، وهي صورة مصغرة لما كانت عليه تلك القبائل من الفوضى والوحشية وحب الانتقام والتطاحن في سبيل الدماء، فلم يطهرها من أدرانها إلا الإسلام، فلم يكن لهم في الجاهلية إلا أن يسجلوا تلك المجازر البشرية فينظم تأبط شرًّا تلك القصيدة المرعبة التي تقطر دمًا في وصف الثأر:

إن بالشعب الذي دون سلع
لقتيلًا، دمه ما يُطَلُّ
خلَّف العبء عليَّ وولى
أنا بالعبء له مستقل
ووراء الثأر منِّي ابن أختٍ
مُصع عُقدته ما تحل
مطرق يرشح سمًّا كما أطـ
ـرق أفعى ينفث السمَّ صِل

•••

فادَّركنا الثأر منهم ولما
ينج ملحيين إلا الأقل
فاحتسوا أنفاس نوم فلما
هوموا رُعتهم فاشمعلوا
فلئن فلت هذيل شباه
لبما كان هذيلًا يفل
وبما صبحها في ذراها
منه بعد القتل نهب وشل
صليت مني هذيل بخرق
لا يمل الشر حتى يملوا
ينهل الصعدة حتى إذا ما
نهلت كان لها منه عل
حلت الخمر وكانت حرامًا
وبلأي ما ألمت تحل
فاسقنيها يا سواد بن عمرو
إن جسمي بعد خالي خل
تضحك الضبع لقتلى هذيل
وترى الذئب لها يستهل
وعتاق الطير تغدوا بطانًا
تتخطاهم فما تستقل٣
ويقول سعد بن ناشب من بني عمرو بن تميم وكان من «شياطين العرب» — وهم غير الغربان، وغير الصعاليك:٤
تفندني فيما ترى من شراستي
وشدة نفسي أم سعد وما تدري
وفي اللين ضعف والشراسة هيبة
ومن لم يُهَبْ يُحْمَلْ على مركب وعر

وقال الشداخ بن يعمر الكناني، وهو الذي حكم بين خزاعة وقصي في أمر الكعبة، وقد كثر بينهما القتل، فشدخ دماء خزاعة تحت قدمه وأبطلها وقضى بالبيت لقصي، كان من حكام العرب وفحول شعرائهم، يحث خزاعة على الحرب:

قاتلي القوم يا خزاع ولا
يدخلكم من قتالهم فشل
القوم أمثالكم لهم شعر
في الرأس لا ينشرون إن قتلوا

وكانت نفسه جبارة وحكمه صارمًا كما كان نابغًا في التهكم والتعريض (ص٧٠، ج١، أسرار الحماسة للمرحوم «محب اللغة والأدب» الأستاذ سيد علي المرصفي).

وقالت امرأة من بني عامر (ص٨١ من المرجع نفسه):

وحرب يضج القوم من نفيانها
ضجيج الجمال الجلة الدبرات
سيتركها قوم ويصلى بحرها
بنو نسوة للثكل مصطبرات
فإن يك ظني صادقًا (وهو صادقي)
بكم وبأحلام لكم صفرات
تعد فيكم جزر جزورًا رماحنا
ويمسكن بالأكباد منكسرات

وقال عمرو بن شأس من بني سعد وهو يذكر الدم حتى في وصف الخمر:

وأترك ندماني يجر ثيابه
وأوحاله من غير جرح ولا سقم
ولكنها من رية بعد رية
معتقة صهباء راووقها رذم
من العانيات من مدام كأنها
مذابح غزلان يطيب بها الشم

وقال أحد شياطينهم يصف حياته وفشله في زواج امرأة كان خطبها فخوفوها منه لكثرة جرائمه وطلاب دمه:

وقالوا لها لا تنكحيه فإنه
لأول نصل أن يلاقي مَجمعا
فلم ترَ من رأي فتيلًا وحاذرت
تأيمها من لابس الليل أروعا
قليل غرار النوم أكبر همه
دم الثأر أو يلقى كميًّا مسفعا
يماصعه كل يشجع قومه
وما ضربه هام العدا ليشجعا
قليل ادخار الزاد إلا تعلة
فقد نشز الشُّرْسُوفُ والتصق المعَى
يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنه
ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا
على غرةٍ أو نهزةٍ من مكانس
أطال نزال القوم حتى تسعسعا
ومن يغر بالأعداء لا بد أنه
سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا٥

حتى إنهم إذا ذكروا احتمال مكارم العشق، لا يخلو شعرهم من ذكر القتل! قال حجر بن محمود من بني بكر بن وائل — وهو كمن سلفوا شاعر جاهلي:

كلبية علق الفؤاد بذكرها
ما إن تزال ترى بها أهوالا
فاقني حياءك لا أبا لك إنني
في أرض فارس موثق أحوالا
وإذا هلكت فلا تريدي عاجزًا
غسًّا ولا برمًا ولا مغزالا
واستبدلي ختنًا لأهلك مثله
يعطي الجزيل ويقتل الأبطالا

حتى عبد الله بن معمر بن الحارث المشهور بجميل بثينة، وإليه يُنسب الهوى العذري، يقول لحبيبته باذلًا دمه:

فليت رجالًا فيك قد نذروا دمي
وهموا بقتلي يا بثين لقوني
إذا ما رأوني طالعًا من ثنيةٍ
يقولون من هذا؟ وقد عرفوني
وكيف ولا توفي دماؤهم دمي
ولا مالهم ذو ندهة فيدوني
وإن المجال ليطول بنا لو شئنا أن نستشهد على انغماس هؤلاء الجاهلين في القتل والخمر والشهوات، وقد لا ينكر إلا الجاهلون جمال بعض هذا الشعر، وقوته، ولكن الناقد ينكر ما حفزهم إليه من دوافع الجفاء والقسوة وحب الاستمتاع، ولا نزاع في أنه لون من الأدب وإن كان قاتمًا غشومًا، ولكن المرحلة الأولى في طريق نجاح الأمم هي للأدب دون غيره.٦
وذلك لأن الأدب هو ثقاف النفس وصقال الهمة ومثار كوامن العزائم، وهو المشتمل على نواحي الحياة الروحية كلها؛ فالنفس لا تتوق إلى المعالي إلا بالأدب، وهو المهماز الأعظم الذي يبعث النفس على الخبب في ميدان المجد. ومتى أوجد الأدب هذا الشوق إلى المجد نشدت الأنفس ضواله المتعددة أينما وجدتها ومن أي نوعٍ كان؛ فكانت العلوم الكونية والمعارف الطبيعية وجميع الأسباب التي لا تترقى الأمم إلا بها، النظم والنثر والزجل والأمثال والحكم والقصص والتاريخ والأساطير وكل ما يهز النفس ويروقها ويثير فيها الوجد ويشوقها؛ هي ألوان الأدب الذي لا مناص للأمم التي تبغي العلاء وتتقي الفناء من استيفاء شروطه واستكمال أدواته حتى ترقى معارج المدنية وتتسق لها السعادة في الداخل والسيادة في الخارج، كما حدث في حضارة اليونان والرومان.٧

وقد بقي الشعر في العرب يرفع ويخفض وينصر ويخذل، وهو أدب العرب في الجاهلية إلى أن نزل الوحي على محمد بن عبد الله فنسخ الأدب الإلهي كل أدبٍ قبله وأقرض الأخلاق ما كان مستحسنًا وأبطل ما كان من حمية الجاهلية الجهلاء، فأصبح الأدب مقيدًا بالشرع فاعتدل مائله، ودجن نافره، وسلكت به المحجة الوسطى وعدل عن شعاب الانحراف، وترهات الإسراف، فسار الدين مع الدنيا رفيقين، وتجلَّت الأولى والعقبى توءمين. وبديهي أن أدبًا أثمره الوحي وثقافًا أنجبه القرآن وفصاحةً غذتها فصاحة التنزيل، لمما يفوق كل أدب آخر علمًا وعملًا (جواب أعشى قيس لعمر بن الخطاب).

وقد شهد التاريخ العام للأدب القرآني بخوارق العادة في أسلوبه وتأثيره، ولم تكن هذه الفتوحات التي دُهش لها المؤرخون ومكَّنت الإسلام من نصف المعمورة في نصف قرنٍ لا غيره، إلا ثمرة هذا الأدب المحمدي العالي الذي كان يفعل بالألباب فعل الشراب، وناهيك بآداب رسول الله وآله وأصحابه حملة ألويتها وعمار أنديتها:

من ذا يطاول في البلاغة أحمدًا
وصحابه وأبا تراب حيدرا
المعربين إذا أرادوا خاطرًا
عنه بأعذب ما يكون وأقصرا
والمانعين المسكرات وقولهم
ما خامر الألباب إلا أسكرا

نعم، إن فتوحات الصحابة لم تكن كلها بجوامع الكلم وأوابد الشعر، وكان العامل الأعظم فيها الصارم البتار، وقد يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ولكن كم من كتابةٍ أغنت عن كتيبة، وكم من قولٍ أغنى عن صول، وكم من معركةٍ كادت تدور الدائرة فيها على المسلمين لولا شعراؤهم وخطباؤهم وشواعرهم وأديباتهم وفرسان البيان منهم، وقد طالما لعب الشعر الحماسي أدوارًا في هذه الفتوحات التي قلبت وجه العالم، وطالما منع عنهم خوف العار واتقاء الأشعار هزيمة شنعاء وداهية دهياء.

ولم تكن فائدة الشعر ومساجلات الشعراء ومحاضرات القصاصين والأدباء منحصرة في إثارة نخوة المقاتلة وتهوين الموت على الغزاة في سبيل الله، بل كان الأدب متغلغلًا في كل ناحيةٍ من نواحي الحياة الإسلامية، لا يتحرك فيها متحرك ولا يسكن ساكن إلا وللشعر والخطابة والبيان هناك الأثر البليغ والعمل العميق. وما كانت نهضة العرب العلمية في القرنين الثاني والثالث بعد الهجرة وتطاولهم إلى الفنون والآداب والحكمة التي كانت للأعاجم، إلا من نتائج انتشار الأدب العربي، لا سيما الأدب القرآني الذي فيه قوله العزيز: وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (سورة البقرة).

ولم تعول الدولة العباسية على ترجمة فلسفة يونان ونقل حكم فارس والهند والتبحر في العلوم العقلية والعددية والطب، وغير ذلك من الأسباب التي أسست بها هاتيك الحضارة الباهرة التي كانت الأولى من نوعها طوال القرون الوسطى، إلا بعد أن امتلأ حوضها بشعر أبي العتاهية وأبي نواس ومروان بن أبي حفصة وبشار بن برد وأبي تمام والبحتري وابن الرومي، ثم المتنبي والمعري وغيرهم من فحول الشعراء الذين كانوا يقظة في أبصار الدولة ولقاحًا لخواطر الأمة وكهرباء في أعصابها، وبعد أن تدفق بحر ابن بحر الجاحظ وبهر سحر بيان ابن المقفع والصابي وابن العميد وأمثالهم من كُتاب العهد العباسي.٨

ومما لا مشاحة فيه أن المدنية الراقية لا بد لها من التحقق بالعلوم الصحيحة والعمل بها والاعتماد على الحقائق الكونية والتجارب الراهنة، مما يعبر عنه اليوم بالمذهب الواقعي، ولكن الأدب هو الذي يصقل الأذهان ويشحذ القرائح، وينبه نائم العزائم ويملأ الحياة نشوةً وسرورًا، ويجعل للمجتمع الإنساني رونقًا وبهاءً، ويشق الطريق إلى المجد ويحمل وسائل الترقي والتوقي. وما كثر في الدنيا شيء إلا ابتذل، إلا الأدب، فإنه كلما كثر علا، وهو الذي يحلي صاحبه بحلية الكياسة، وهو الذي يؤمن له طريق الرياسة.

وحسبك في فضل الأدب وشرفه قول الرسول : «أدبني ربي فأحسن تأديبي، ثم أمرني بمكارم الأخلاق.» فأنت ترى أن مكارم الأخلاق هي من نتائج الأدب، وكفى بذلك للأدب تكريمًا وتعظيمًا.

١  كانت قريش أظلم من بني تغلب؛ إذ طلبوا من أبي طالب أن يسلمهم رسول الله ؛ ليقتلوه ويدفعوا له بدله بعمارة بن الوليد! راجع كتاب الأغاني، صفحة ٥٦، الجزء التاسع.
٢  كان الغدر من أبرز رذائل الجاهلية، فلم يعرفوا الوفاء والمروءة ومكارم الأخلاق إلا بعد الإسلام.
٣  الحماسة لأبي تمام، ص٢٤٧–٢٤٩، ج١، وقد نقلها جوته شاعر ألمانيا الحكيم الأشهر إلى لغته الألمانية في «ديوان الشرق والغرب».
٤  كان زعيم الصعاليك عروة بن الورد، وشعره في «أسرار الحماسة»، ص٢٥، ج١، للمرحوم سيد علي المرصفي.
٥  ص٨٣، ديوان الحماسة لأبي تمام.
٦  نهضة الأدب وإحياء العلوم حدثتا في أوروبا بعد الدين المسيحي بثلاثة عشر قرنًا، ولكن الإسلام أحدثهما في بلاد العرب بمجرد ظهوره (تاريخ إحياء العلوم في إيطاليا Symonds).
٧  كانت حضارة الإغريق أدبية فلسفية تلاشت المعتقدات الدينية في ثناياها، وحضارة الرومان مادية حربية، أما حضارة الإسلام فقد اتحد فيها النبوغ بالأدب.
٨  انظر محاضرة لعطوفة الأمير شكيب أرسلان ألقاها في شهر تموز ١٩٣٩ بالإسكندرية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠