في دلالة اللغات على الأجناس الإنسانية

(١) الغاية من دراسة اللغات

يجب على كل كاتب بالعربية في هذا العصر أن يلم بسائر ما كشف عنه علماء أوروبا من البحوث الحديثة في أصول الأجناس البشرية ونُظم الاجتماع الإنساني، فإن لم يكن لنا فضل الاهتداء بأنفسنا إلى ما وصل إليه بعض علماء المشرقيات المنزهين عن الأغراض، بما هيَّأتْه لهم الحياة المنظمة والجهود المتواصلة من المصادر والمراجع الغنية، ومن الوقت والمال والأسفار، فلا أقلَّ من أن ندرس كتبهم ونجنيَ ثمار أعمالهم، ونحاول على قدْر طاقتنا أن ننتفع بثروتهم العقلية، وأن نتوصل بتفكيرنا ومعارفنا إلى تمحيص الحقائق التي وصلوا إليها على مدى الأعوام بل الأجيال، وينبغي لنا أن نتحرَّى في كل ما نصدره من تاريخ شعوبنا العربية والشرقية أمرين؛ الأول: أن نتبع طرق الدرس الحديثة بالرجوع إلى المصادر الأصلية، وأن نطبق عليها قواعد النقد العلمي الحديث التي ازدهرت في ألمانيا والنمسا قبل ظهور النظم الديكتاتورية التي هي منافية بطبعها لخدمة العلوم الشرقية وفرنسا وإنجلترا وهولاندا والسويد والدانمارك من القرن ١٧–٢٠ في كل ما يتعلق بدرس اللغات القديمة والمعتقدات والاجتماع وتقسيم الأجناس البشرية.

والثاني: أن نردَّ نسبة كل رأْي إلى صاحبه، وأن نذكر المراجع بالتفصيل حتى يتمكَّن القارئ من الرجوع إليها في أصولها إن شاء؛ لأن الاستشهاد برأْي عالم والاعتراف بفضله أجدى على الكاتب والعلم من اختلاس الرأي وانتحاله ولو كان فيه إيهام القارئ والناقد بعلم الكاتب؛ لأن الاستشهاد الصادق يدل على التبحُّر وسعة الاطلاع والثقافة، وانتحال الكلام وسرقته يدلان على الجهل الموشي بالخيانة. وباتباع هاتين الطريقتين يمكننا أن نتطلع لأن يكون منا في الحاضر علماء ومؤرخون، يحققون في المستقبل القريب إن شاء الله أمل الشرق ونبوءة بعض كُتاب أوروبا في تقدُّمنا. اسمع إلى قول الفاضل ﻫ. ج. وِلز، في ص٨٠، من «تاريخ العالم»: «لقد دنونا من الوقت الذي سوف يتمكَّن فيه علماء لغويون١ من اليابان والصين والعرب والهنود، من مساعدتنا في رفع القناع عن خفايا اللغات الشرقية — السامية منها وغير السامية — التي لقينا في بحث أصولها ما لقينا من الصعاب والعقبات.» والشرقيون لم يساهموا فيها مطلقًا.
فهل لنا أن نحقق آمال الشرق ورجاء هذا الكاتب النزيه؛٢ فنتقدم إلى ميدان البحث والاستقراء في لغاتنا وآدابنا وتاريخنا ومعتقداتنا التي لا تزال يتيمة وثكلى في آن؛ ذلك الميدان الذي جلى فيه عشرات، بل مئات، من العلماء الأعلام، فبلغوا في مجال العلم الغاية القصوى وأنالوا شعوبهم ما شاءت لهم العقول الخصيبة المنتجة المستندة إلى قوة الإرادة وإرادة القوة؟
لقد ألَّف بعض علماء العرب في أصول بعض اللغات وأبلَوْا أحسن البلاء، ولكن جُلَّ جهودهم كانت منصرفة إلى خدمة نظريات قديمة وتحقيق أغراض مفروغ منها، فبدءوا يتساءلون: هل اللغات الإنسانية متواطَأ عليها بين أئمتها الذين وضعوها للتفاهم بها، أم أنها توقيف؟ أي منزَّلة من السماء.٣ وأفاضوا في ذلك ما شاء علمهم ومصادرهم وتواريخهم وأساطيرهم، ولكنهم لم ينتفعوا بدرس هذه اللغات في تحقيق أصول الأمم التي كانت تتكلم بها، بل تراهم يمجدون بعض اللغات لأسباب يحسبونها دينية، ولم يَبْدُ لواحدٍ صادق العزيمة منهم أن يتغلغل في نشأة تلك اللغات وأصول الشعوب التي تكلمت بها، ولعل لهم العذر في ذلك؛ فإن دائرة بحوثهم كانت ضيقة، كما أن معارفهم لم تتسع وراء بضع لغات سامية ولغتين آريتين هما الفارسية واليونانية. ولو أن مؤلف «المزهر» ألفى أفق البحث متسِعًا، فلعله كان يصل إلى شيء مما ننشده ونتأوَّه عليه.
لقد أجمع علماء المشرقيات من الغربيين على أن أصول الشعوب تعلم بأصول اللغات؛ لأن رابطة اللغة بين الأمم أقوى من رابطة المعتقدات، ولأن درجات القرابة بين القبائل والأمم لا تدل على شيء دلالة اللغات، قال روبرتسون سميث٤ في كتاب «ديانة الساميين» (ص٧): «إن تقسيم الجنس الإنساني بحسب اللغات إذا طبقناه على الجماعات الكبيرة، يدنينا من التقسيم الطبيعي دُنوًّا يقارب الدقة المرغوبة، ويمكننا أن نعتبر هذا التقسيم طبيعيًّا لا مصطنعًا، وهذا يصدق غالبًا بالتخصيص على الأزمنة القديمة السابقة لوجود آداب اللغات والكتب الدينية؛ لأن اللغات الدخيلة على الأمم لا يمكن أن تستقر في واحدة منها بدون هذين العاملين المؤثرين، وهما الأدب والكتب المنزَّلة؛ وحينئذٍ يكون تفاهم أُمة من الأمم القديمة، بلُغة من اللغات دليلًا على أنها لغتها الفطرية الطبيعية، فإذا ما اشتركت أُمتان في لغةٍ واحدةٍ دلَّ هذا على وحدة الأصل. وإن أهل مصر في عصرنا الحاضر٥ يتكلمون كلهم باللغة العربية ويكتبونها، واللغة العربية سامية، مع أن الشعب المصري بعيد عن الاندماج في صورة الشعب العربي، ولا يزال حتى هذا العصر محتفظًا بملامح الجنس الحامي، ولكن تأصل العربية في مصر وانتشارها في ناحيات الحياة المصرية يرجعان إلى أن العربية لغة القرآن، وأن الإسلام دين المصريين، ولولا هذا الدين وتلك اللغة لبقيت مصر تتكلم اللغة التي تنطبق على أصلها الإتنولوجي.»٦ هل يقصد إلى اللغة المصرية القديمة؟
ويُرجع الباحثون سائر اللغات السامية إلى أصلٍ واحد؛ هو اللغة السامية الأولى، أو أم اللغات السامية، أو جذع شجرة اللغات السامية التي اندثرت معالمها كما اندثرت معالم اللسان الآري بعد تفرُّع اللغات الآرية الثانوية، ولكن الشبه بين الفروع السامية شديد، حتى إن من لم يكن دقيق الملاحظة ولم يتعود براعة المقارنة يدرك للوهلة الأولى شدة الشبه بين الفروع المذكورة.٧
«وبمقارنة اللغات السامية مقارنةً لفظية اتضح للباحثين فيها أن أصول كلماتها واحدة ومشتركة، وكثيرًا ما تكون معاني هذه الكلمات الأصلية لا تغير فيها بمعنى كذا في العربية مثلًا، وبه نفسه في العبرية أو السريانية أو أي لغة سامية أخرى، وفي بعض الكلمات ترى الاشتراك اللفظي مع التحوير في المعنى بأن تكون الكلمة من هذا النوع في اللغة العربية وهي بلفظها في العبرية أو السريانية أو أية لغة سامية أخرى، ولكنها تدل على معنًى غير الذي تدل عليه العربية، إلا أنك على الدوام ترى بالبحث السهل العلاقة القائمة بين المعنيين.»٨

يرجِّح علماء الشعوب وعلماء اللغات أن اللغات الإنسانية ترجع إلى تسعة أصول: السامية، والآرية، والحامية، والزنجية، والأورال الطية، والصينية، واليابانية، والهندية الأمريكية، والإسكيمية.

ولا يهمنا من هذه الأصول التسعة سوى اللغة السامية التي تفرعت عنها البابلية والآشورية والفينيقية والعبرية والسورية والعربية والحبشية، وهذا التقسيم هو أحدث التقاسيم؛ فلا نحب أن نضيف إليه أو نطرح منه، وإن كنا قرأنا في كتب بعض هؤلاء العلماء ما يدل على انتساب الآرامية والكنعانية والنبطية والسريانية إلى الأصل السامي، ولكننا لا نميل للأخذ بتقسيم غير هذا التقسيم الذي ارتضيناه بعد الفحص والتمحيص؛ لأن من العلماء من يقول بأن الكنعانية كانت شعبًا قائمًا بذاته وله لغته وحضارته ويقدمون الأدلة القوية على ذلك٩ وسنأتي على هذه النظرية بالتفصيل.

ويهمنا أن نذكر الأصل الحامي الذي تفرعت عنه اللغات المصرية القديمة وحفيدتها القبطية ولغات بحر إبجيه ولغتا البربر اللتان يتكلمهما سكان الجبال في شمال أفريقيا والإثيوبية المنتشرة في الصومال.

وترجع رغبتنا في ذلك الاستطراد إلى أمرين؛ الأول: أن يثبت في ذهن القارئ أن اللغة المصرية الأولى القديمة لم تكن سامية، وإذنْ يكون المصريون القدماء من أصل غير أصل العرب، والثاني: أن عالمًا مصريًّا موقرًا انتقل إلى رحمة الله بعد أن قضى شطرًا من عمره في خطأ جسيم بِنِية سليمة؛ وذلك لعدم إلمامه بعلوم اللغات الحديثة.

فقد صرف عشرات السنين في تأليف قاموس هيروغليفي، ليُثبت للملأ أن اللغة الهيروغليفية الحامية ترجع إلى اللغة العربية السامية، ولو اكتفى بتأليف القاموس لتفسير اللغة الهيروغليفية بالعربية إذنْ كان عمله من أنفع الأعمال، والذي استدرجه إلى هذا الرأي وجود مشابهة بين بعض الألفاظ من اللغتين وانتحال كثير من الألفاظ الهيروغليفية١٠ باللغة العامية المصرية، التي هي خليط من لغاتٍ شتى من أصول سامية وحامية وآرية؛ لأن مصر بوتقة للأمم ولغاتها من قديم الزمان وسالف العصر، ولكن اللغات السامية آسيوية، واللغات الحامية أفريقية.

ونحب أن تتضح غايتنا من هذا الدرس، وهي الوصول إلى حقائق علمية ثابتة عن الشعب العربي واللغة العربية والحضارة العربية والمعتقدات العربية قبل الإسلام؛ لاعتقادنا أن درس الحاضر دون الوقوف على الماضي يؤدي إلى التخبُّط والاضطراب، ولأن درس أُمة من الأمم يتناول إنتاجها العقلي والأدبي في التفكير الديني أو تكوين العقيدة، وما إليها من طقوس العبادات وأنواع المعاملات والتفكير الفني المكوِّن للحضارة، والنظر العلمي المنتج للمدنية الإنسانية، والنظر الفلسفي الباحث في أسرار الوجود ونواميسه، والمجهود العقلي التاريخي المدون لحوادث الأمة في الحرب والسلم، وفي الحكم والسلطان والمسجل للتطورات التاريخية عن طريق الرواية والأساطير، أو من ناحية الوثائق والنقوش والآثار والعاديات والحفريات.

(٢) البحوث اللغوية في القرن التاسع عشر

جاء القرن التاسع عشر بثمار علمية نافعة، منها إزاحة الستار عن الخط المسماري واللغة الآشورية البابلية، وبعض لغات سامية أخرى تركت آثارًا قديمة قيِّمة قد دوِّنت بالخط المسماري.

ثم جاء دور المقارنة اللفظية الفنية والمقارنة المعنوية الأدبية.

فقام بالأولى عالم ألماني علا في العلم كعبُه وذاع في العالم فضله، هو بروكلمان الذي قام بالمقارنة اللفظية باستيعاب كبير.

وسبقه إلى المقارنة الأدبية المعنوية نولدكه الهولندي ورينان الفرنسي. وكان نولدكه عالمًا مخلصًا مستقل الرأي بعيدًا عن الغايات، بعيدًا عن التعصب لفكرة أو عقيدة أو رأْي سياسي.

أما رينان المستشرق الفرنسي العظيم، فقد ألَّف كتابه في المقارنة المعنوية الأدبية ولم يكن خاليًا من الغرض؛ فإنه عمد فيه إلى الجدل والسفسطة، واستنتج بِناءً عليها ما حكم به على الساميين من الأحكام الجائرة القاسية البعيدة عن الصدق والصواب.

وبالمقارنة اللفظية التي نهض بها بروكلمان في اللغات السامية ثبت أن جميع اللغات السامية الداخلة في مجموعةٍ واحدةٍ هي لهجات متقاربة جدًّا ترجع إلى لغةٍ واحدة أولى؛ هي أم هذه اللهجات، وأن جميع الشعوب التي تتكلم بها هي فروع جنس واحد يرجع إلى جماعة سامية أولى؛ هي أصل هذه الفروع، وأن الأمة العربية قديمًا وحديثًا هي الجنس السامي بأكمله، ومنزلة جميع الوحدات السامية من العرب منزلة الشعوب المتفرعة عن أمةٍ واحدةٍ مع دوام اتصال الفرع بالأصل واستمرار المرد من الأصل إلى الفرع، ومنزلة اللهجات السامية من اللغة العربية منزلة الفروع الدانية من الأصل.

١  فلولوج من فيلولوجيا، انظر تاريخها ومعناها بالتفصيل في كتاب الأساس للدكتور علي العناني أستاذ الفلسفة بدار العلوم.
٢  وصفناه بالنزاهة لما كتبه عن الإسلام وصاحب الشريعة.
٣  كتاب المزهر، جزآن، للسيوطي.
٤  Smith. “The Religion of the Semites”.
٥  كتب المؤلف هذا الكلام في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ولا تزال نظريته صحيحة.
٦  لم يذكر المؤلف اللغة التي كان يمكن مصر أن تتكلمها، ولعله يقصد إلى الهيروغليفية أو الديموطيقية؛ أي القبطية القديمة.
٧  إن هذا يدل على بقاء الأصل لا اندثاره كما زعم سميث؛ وذلك لأن اللغات لو تفرَّعت عن بعضها وتأقلمت تصير كائنات خاصة بنفسها لا علاقة لها بالأصول إلا بآثار تاريخية، وأما إذا بقيت متصلة بالأصل فإن هذا الاتصال ينميها في دائرة قواعده وصقله وهو ما نجده حاصلًا بين اللغات السامية والعربية الآن؛ مثل: لخم لحم، سفرجل سبرجل، سما شما، شمس شمش، فليُقَسْ عليه. والذي تأقلم علامات التعريف وما يشبهها.
٨  ص٤٣ من كتاب الأساس للدكتور علي العناني.
٩  ليتمان وغيره، كما لخص آراءهم مؤلف تاريخ اللغات السامية.
١٠  برقح في اللغتين — ولعل المرحوم أحمد كمال باشا حاول أن يدلل بالقاموس على وحدة أصل اللغتين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠