زواج هاشم القرشي من سلمى النجارية بيثرب

كان هاشم بن عبد مناف — وهو الذي قال فيه حفيده أبو طالب:

إذا افتخرت يومًا قريش بمفخر
فعبد مناف أصلها وصميمها

فتًى من فتيان قريش، وكان لا يدانيه في الفتوة والمروءة سوى أخيه المطلب، وكان المطلب متآلفًا مع أخيه هاشم، وقد سرت هذه الخلة إلى الأبناء والأحفاد بحكم الوراثة، ومن الكلام المأثور: «لم يفترق هاشم والمطلب في جاهلية ولا إسلام.» كان هاشم ابن عبد مناف وأخا المطلب واسمه عمرو سيدًا كريمًا، وكان يهشم الثريد في إحدى المجاعات التي حصلت بمكة في عام من أعوام القحط، فلما قام هاشم بواجب الإسعاف والإغاثة، فأطعم من أطعم من الفقراء والمعوزين قيل فيه شعر غفل لا يُعرف صاحبه إلا ظنًّا:

عمرو الذي هشم الثريد لقومه
ورجال مكة مسلتون عجاف

وبهذا الكرم وهذه النخوة انتهت إلى هاشم سيادة قومه. وكان هاشم يحب أن يرحل في سبيل التجارة، ولا بأس بالمغامرات والمطوحات إذا اقترنت بالسعي على الرزق، وهو بعدُ شاب طروب في العقد الثالث، وغني كريم لا يكترث للمال كيف أنفقه، وكان خروجه حينًا إلى الشام، فاتخذ ما شاءت له الأحوال من الإبل والأعراض، وشد رحاله إلى غزة — وهي مقصد كل حجازي — لأول عهده بالتجارة؛ لأن الشام أقرب من اليمن ولأن طريقها مأمونة وآهلة بقبائلَ متقاربة متعارفة متجانسة، فلما بلغ هاشم يثرب نزل على بني عدي بن النجار وكانوا من أشرف أهل المدينة وأعرقهم أصلًا وأطيبهم منبتًا، فرأى هاشم سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن حداس، تزوج منها أحيحة بن الحلاج وخلف منها عمرو بن أحيحة، فعلمت أنه يستعد لمحاربة قومها فجأة فاحتالت حتى أرقته، ولما نام ربطته بحبل ونزلت من الحصن إلى أهلها وحذرتهم، فلما جاءت أهلها استعدوا لمحاربة أحيحة وسمَّوْها «المتدلية»، ونسبوا إلى أحيحة قوله شعرًا في وصف أخلاقها والتحذير من النساء:

تفهَّم أيها الرجل الجهول
ولا يذهب بك الرأي الوبيل
إذا أعصابها باتت فنامت
عليَّ مكانها الحمى الشمول
لعل عصابها يبغيك حربًا
ويأتيهم بعورتك الدليل
في الأغاني، ج١٣، ص١١٤–١٢٠، يجد القارئ القصة مفصلة، فأحبها هاشم وخطبها وكانت من قبل أن يخطبها زوجًا لأحيحة بن الحلاج، فلما رأته يعد العدة لمحاربة قومها فرَّت إليهم وحذرتهم؛ فكانت وفيَّة لأهلها بأكثرَ من وفائها لزوجها بعد أن تبيَّنت عداوته لقومها، ولعلها لم تكن تحبه فوق أنه أبعدها عن أهلها ودارها ووطنها، ولما كان فرارها من بيت أحيحة اقتضى تدليها بحبل في سواد الليل سُميت «المتدلية». ولم يكن هاشم متعجلًا في زواجه؛ فإنه بعد الخطبة ترك دار عروسه قبل أن يدخل بها،١ وراح يتم رحلته ويقضي واجبه في التجارة، ولعله نذر جزءًا من ربحه لزفافها؛ فجعل لحظ عروسه نصيبًا في نجاحه، ووسيلة للتفاؤل بحياته الزوجية.

مؤرخو العرب يطلقون عنان الخيال

وهنا يتبسط مؤرخو العرب فيخلقون حول هذا الزواج هالة من الجمال الخيالي فيقولون: إن سلمى لم تكن زوجًا شموسًا لم يفتنها جمال هاشم وشبابه وماله، وإن احتفاظها باستقلالها أعظم من ذلك في نظرها، فاشترطت قبل العقد أن تلد في بيت أهلها فقبل هذا الشرط ثم مضى، ولما قفل بنى بها في بيت أبيها ثم سافر العروسان إلى مكة موطن الزوج، فلما دنا وضعها خرج هاشم إلى يثرب وتركها حتى تلد، ومضى إلى الشام في تجارته ورجا أن يعود فيجدها قد وضعت، كما رجا حفيده عبد الله والد محمد بعد ذلك، ولكن الحياة لم تصدقهما؛ فقضى هاشم نحبه في غزة وما زال في العقد الثالث، وولدت سلمى «شيبة الحمد» الذي سُمي بعد ذلك «عبد المطلب» جد النبي — عليه الصلاة والسلام. ولا نعلم عن سلمى شيئًا سوى أن ولدها عبد المطلب تربَّى في حجرها ومكث في المدينة سبع سنين، وكان يعرف اسم أبيه ويذكره لأترابه مفاخرًا أثناء اللعب.

وكان الطفل «شيبة الحمد» لأنه وُلد وفي شعره خصلة بيضاء، يلعب مع غلمان بني النجار، فكلما أصاب قال: «أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف» فسمعه رجل من أهل مكة، فلقي المطلب أخا هاشم وقصها عليه؛ فتحرك قلب المطلب لابن أخيه وهو يعلم أنه تربى في حجر سلمى بنت عمرو، ولعله صبر حتى يبلغ الطفل سبعة أعوام فيضمه إليه. ولعلها علة تحديد أجل الحضانة، ثم لا نعلم عن سلمى شيئًا. تجشم المطلب مشقة السفر إلى يثرب وبادر إلى رؤية الطفل فوجده يلعب، فعرف فيه شبه أخيه هاشم، ففاضت عيناه وضمَّه إلى صدره وقال له: يا شيبة! أنا عمك، شقيق أبيك الذي مات دون أن تراه وهو من تذكُر مفاخرًا فتقول «أنا شيبة بن هاشم.» فهيا بنا يا ولداه إلى قومك في مكة، فبكى الطفل وأبى أن يترك أمه دون أن تأذن له، وعلمت سلمى بمقدم المطلب فرحَّبت به وضافته في دارها ثلاثة أيام.

وحاول ابن إسحاق وعشرات بعده أن يعللوا الشروط التي تم بها عقد هاشم وسلمى، فقالوا إنها كانت تأبى الزواج لشرفها في قومها إلى أن يشرطوا لها أن أمرها بيدها، حتى إذا كرهت رجلًا أو قضت منه وطرًا فارقته باختيارها! وأنها لا تلد ولدًا إلا في أهلها، فاحتفظت بولدها شيبة الحمد، وتشددت في أمره في حوار عنيف دار بينها وبين المطلب: الأم: «لست بمرسلته معك.» العم: «إني غير منصرف حتى أخرج به! إن ابن أخي بلغ غريبًا، ونحن أهل بيت شرف في قومنا.» فأذنت له في ضمه، وأخذه المطلب ولم يتمكن من تجهيزه وكسوته، وأردفه وعاد عَجِلًا ليجمله في مكة، فبدا الطفل في حالة رثة لوَّحته الشمس ولم تكن السمرة مما يستحب في مكة، فظنه كلُّ من رآه رقيقًا اشتراه المطلب ولم يعلموا أنه ابن أخيه هاشم، فسمَّوْه «عبد المطلب»، وفي رواية أن المطلب كان يقول لمن يسأله هذا عبدي حياءً. ولنُلقِ الآن نظرة على هذه الرواية؛ أما عن موت هاشم فقيل إنه مات بغزة، فيظهر ضعف رواية صاحب المواهب اللدنية أن هاشمًا قال لأخيه وهو يحتضر بمكة: «أدرك عبدك٢ شيبة الحمد بيثرب.» فإن ثبت موت هاشم بمكة فتكفي الوصية ولا حاجة إلى رواية المكي الذي رأى الطفل شيبة الحمد بيثرب.

وإن كان هاشم قد مات بغزة، فقد يبعث إلى أخيه بكتاب أو وصية.

كان ابن إسحاق مؤرخًا ولم يكن ناقدًا، ولم يكن البحث في أصول الاجتماع قد خلق بعد؛ فله العذر إن أخطأ التعليل، ولم يكن الأمر بحاجة لتعليل؛ فإن هذا النوع من عقود الزواج كان معروفًا في الجاهلية ومباحًا؛ لأن حياتهم كانت تتسع لمثله، وإن كان بعض التفصيل يحتمل المبالغة أو التجميل. ويحملنا على قبول الرواية سابقة سلمى في الزواج وفرارها من بيت بعلها أحيحة واشتغالها بالتجارة قبل زواجها من هاشم وورود شيبة على مكة بهيئة رثة وثياب خلقة.

روى بعض المؤرخين قصة مولد عبد المطلب شيبة الحمد بن هاشم بشيء من الحذر وادَّعى أن «المطلب» كان اسمًا لوثن، فإن صح فلا يكون لهاشم أخ اسمه المطلب ولا تكون الوصية ولا كلمة «هذا عبدي»، ولكن لم يكن في مكة معبود باسم المطلب، وكانت سلمى النجارية امرأة ذكية حسناء زاهدة في الرجال، متمسكة بحقها، رآها هاشم تتجر في السوق فعلقها وكانت تشترط أن تبقى عصمتها بيدها وأن تلد في بيت أبيها، فوجدت من يقبل شروطها، ولما علمت بنعي زوجها لم تفرط في ولدها ولم ترسل به إلى أهل أبيه، بل تمتعت بحق الحضانة التي يبيحها هذا النظام، ولم تُخفِ عن الطفل اسم أبيه ونسبه.

ولا نميل إلى ما افترضه مؤرخ عربي أن عبد المطلب وُلد في مكة وبُعث به للرضاع في البادية كما كانت عادة أشراف قريش ثم رُدَّ إلى وطنه، وأن قصة سفر عمه لتعليل اسمه ومحو انتساب جد النبي إلى صنم جاهلي! وهذا بعيد الاحتمال؛ لأن يثرب لا تصلح لرضاع أطفال أهل مكة لبُعدها، وإنما كانوا يبعثون بهم إلى ضواحي مكة أو بطحائها.

يرجع زواج هاشم من سلمى النجارية ومولد ابنهما عبد المطلب إلى مائة وسبعين عامًا قبل الإسلام؛ فقد عاش عبد المطلب مائة وأربعين عامًا وتُوفِّي ومحمد في الثامنة، فبين وفاة الجد وبين النبوة اثنتان وثلاثون سنة فيكون زواج هاشم بسلمى قد وقع في أواسط القرن الثاني قبل النبوة، وهو عصر غارق في الجاهلية من حيث عادات الزواج والطلاق والمعاشرة والمتعة والمخادنة والهجر ووأْد البنات.

روى روبرتسون سميث أستاذ اللغة العربية في جامعة كمبردج سابقًا في كتابه «أواصر القربى والنسب في بلاد العرب القديمة» (ص٨٥) أن زواج هاشم القرشي بسلمى النجارية كان من زواج المتعة الجاهلية وقد محاه الإسلام، وأخذ يؤيد رأيه بكتب الأدب العربي كالأغاني والكامل وغيرهما، ولكنه زعْم خاطئ في اعتقادنا.

وفي بعض الكتب أخبار زواج السيد الحميري وأم خارجة une messaline arabe وغيرهما ممن عرفوا زواج المتعة. لو صح افتراض هذا المستشرق فقد وقع في الجاهلية وكان مباحًا للشرفاء وبنات البيوتات فلا يمس عرض عبد المطلب. بَيْدَ أننا نجزم بأنه لم يكن من زواج المتعة المعروف، بل كان زواجًا مشروعًا تترتب عليه حقوق وتبعات في الجماعات الخاضعة لسيادة المرأة «عهد الكفالة والأمومة» وهو يسبق في سلم الحضارة سيادة الرجل، وقد يجيء عصر خليط من العهدين.

وفي عصرنا هذا تعيش بعض الشعوب الشرقية في أفريقيا وآسيا تحت لواء الأمومة أو سيادة المرأة (انظر قرار المؤتمر العشرين لحزب شركة إسلام إندنوسيا المنعقد من ١٦ إلى ٢١ مايو سنة ١٩٣٤بمدينة بنجر نقارا برياسة الحاج عمر سعيد (شكروا مينوتوا) في حضرة ثمانية آلاف عضو أثناء خمسة أيام)، فاستنكر المؤتمر بعض التقاليد القومية وقال بالنص منقولًا عن لسان الملايو ترجمة عبد القاهر مذكر الجاوي:

النظر من حيث التناسل واتصال الأسرة النسبي؛ فبعض الأسر الإسلامية بجاوى (عنصر الملايو) تعتمد على الاتصال النسبي من جهة الأم لا من جهة الأب، ويترتب على ما تقدم أن الرجل إذا تزوج من امرأة من هذه الأسر المتمسكة بهذه التقاليد العتيقة أن يبقى بمعزل عنها فلا يتصل بها اتصال زوجية كما هو المعهود، بل تبقى المرأة لدى أهلها وينفرد الزوج في بيت لنفسه ولا يزور زوجته إلا وقت حاجته ليلًا أو نهارًا، ولا يتولى الزوج تربية أولاده، بل تنتقل ولايته عليهم إلى أقارب زوجته،٣ ويعمل في المواريث بالقاعدة المذكورة آنفًا؛ فالذين يرثون الميت هم المتصلون به من جهة المرأة، فإذا ماتت المرأة فالذي يرثها أبناؤها، فإذا لم يكن لها أبناء فإخوتها وأخواتها، فإذا فُقدوا فأبناء أخواتها لا أبناء إخوتها، وإذا مات الرجل فأول من يرثه إخوته وأخواته ثم أبناء أخواته. ا.ﻫ. قرار المؤتمر.

وقد وصف مؤتمر «شركة إسلام» هذه العادات بأنها عادات جاهلية جهلاء، لا تليق بأمة تعيش في هذا العصر متصلة بالعالم المتحضر ودينها دين الإسلام والمؤتمرون يعلمون صلتها بالجاهلية.

وما هذه الظواهر الاجتماعية عادات مستنكرة ولا تقاليد قديمة، كما يقول المؤتمرون، إنما هي آثار النظام الاجتماعي الذي خضعت له الشعوب الإندنوسية في القرون السالفة، وتخلفها في جاوى دليل على انتشاره في العالم؛ لأنه حلقة من حلقات السلسلة الاجتماعية ودرجة من درجات التطور الإنساني. وما رآه ابن إسحاق وغيره في زواج سلمى وظنَّه دليلًا على شرفها وعفتها وما رآه روبرتسون سميث وظنه زواج متعة؛ لم يكن سوى مظاهر عهد الأمومة في جزيرة العرب باقيًا في التناسل لوسط القرن الثاني قبل البعثة.

أما رواية روبرتسون سميث، في ص٨٥ من كتابه، فنصها:

ومن أمثلة زواج المتعة قبل الإسلام علاقة سلمى بنت عمرو النجاري بيثرب وهاشم بن عبد مناف المكي؛ فقد تزوَّج منها وعاشرها أثناء إقامته في المدينة فولدت له ولدًا علا بعد ذلك صيته وارتفع ذكره باسم عبد المطلب، وبقي في أهل أمه ثماني سنين، وهو جد النبي.

وقد حاول عمومته وأهل أبيه ضمه إليهم فكان لهم بعد عناء، ولما ترعرع في مكة ظلمته عشيرة أبيه من قريش فاستنجد خئولته من بني النجار بالمدينة وما زالت صلته بهم للغوث عند اللهفة والملمات، وكانت الحال الاجتماعية في العرب تطابق حوادث هذا الزواج. ا.ﻫ.

كلام روبرتسون سميث يصف زواجًا يتفق ومبدأ «الأمومة» ويضربه مثلًا لزواج المتعة. إن كانت المتعة من لزوم عهد الأمومة فحبًّا وكرامة، وإن يكن زواج المتعة من أنواع الزواج المباحة في جزيرة العرب فوجب تقريره بلا مواربة، والذي عليه المعول هو أن زواج هاشم من سلمى تابع لنظم الأمومة وسيادة المرأة ولم يكن زواج متعة، ولا يزال سائدًا في بعض شعوب آسيا وأفريقيا.

١  قال بعض علماء المشرقيات غير ذلك (ص٨٥): «القرابة والزواج في بلاد العرب القديمة» لروبرتسون سميث صاحب نظرية الطوطم.
٢  قالها هاشم جلبًا لعطف أخيه على ولده الذي سيكون يتيمًا بعد حين.
٣  انظر نظام المواريث البديع في الكتاب المجيد في سورة النساء آيات ٧ و١١ وما بعدهما.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠