الكهَّان والتبشير بالرسول

(١) الكهَّان في الجاهلية

حيثما نظرنا في سيرة النبي منذ الطفولة إلى الشباب نقع على أخبار كهان وكاهنات وأحبار وقسس، يتنبَّئون بمستقبل رسالته ويبشرون بالعجائب والمعجزات التي تتم له. وأولاهم تلك المرأة أو النسوة اللاتي عرضن أنفسهن على عبد الله بن عبد المطلب قبيل زفافه إلى آمنة؛ لأنهن رأين نور النبوة في وجهه يسطع مثل كوكبٍ دُرِّي. وآخرهم سطيح خاتم الكهان.

ويبدو لنا أن جانب الكهانة في تاريخ العرب وأخبارهم أشبه الأشياء بمعتقدات قدامى الإغريق في وحي الأرباب بدلف وغيرها.

ويكفي وصف الكاهن سطيح في أساطيرهم لنعلم أنه أقرب إلى مخلوقات الخيال منه إلى عالم الحقيقة؛ فقد كان — على زعمهم — جسدًا ملقًى لا جوارحَ له، لا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب، فإنه ساعتئذٍ ينتفخ فيجلس! وكان وجهه في صدره، ولا رأس له ولا عنق ولا عظم ولا عصب إلا الجمجمة والكفين! لا يتحرك فيه إلا اللسان؛ لأنه مخلوق من نطفة امرأة! وكان ميلاده ليلة موت طريفة الكاهنة اليمنية زوجة عمر مزيقية التي تكهنت بكارثة سد مأرب في اليمن، فأحضرته هو وشقًّا عند احتضارها وتَفَلَتْ في فمهما لتنقل إليهما علم الكهانة وقوة السحر فخلَفاها وحلَّا محلها!١

وكان شق هذا كاسمه، نصف إنسان، يدًا واحدة، ورجلًا وعينًا وأذنًا. وذكر بعضهم أن التي تفلت في فم سطيح كاهنة بني سعد بن هذيم بأعالي الشام، وهي التي احتكم إليها عبد المطلب وقريش في حفر زمزم. ولكن الرواة أجمعوا على أن الكاهنة اليمنية هي مربية سطيح وحاضنته ومعلمته إلى أن ماتت.

كان سطيح في غسان وله سرير من الجريد يشبه «العنجريب»، إذا أُريدَ نقله إلى مكان يُطوى من رجليه إلى ترقوته كما يُطوى الثوب، ويوضع على السرير ويُذهب به حيث يشاء! تذكرْ أنهم قالوا: لا رجلَ له! ولكنك لن تحصيَ هذه النقائض وإن حرصت!

وأبى الرواة إلا أن ينسبوه فسمَّوْه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب وأوصلوه إلى بني أزد في غسان!

وكل هذا بالطبع حبة من حقيقة في قبة من الخرافة فكيف يولد من غير أب ومن نطفة امرأة ثم يوجد له نسب؟!٢

وكذلك شق، جعلوه من بني صعب من باجلة.

لقد كانت كهانة سطيح واسعة النطاق؛ فمنها التحكيم والتوريث والاستخبار عن المغيبات وتفسير الأحلام!

والكهانة جاهلية قضى عليها الإسلام، وكان الكاهن من أهل العلم الغامض والمستور، ويعرف العرب الكهانة بأنها الإخبار عن الغيب وأنها من خواص النفس الإنسانية باستعدادها للانسلاخ من البشرية إلى الروحانية التي فوقها. والكاهن قبل كل شيء منجم يصاحب جنيًّا — اسمه التابع أو الرائي — ينقل إليه ما يسترقه بالسمع من أخبار السماء.

وأول مراتب الكهانة معرفة الطب والعلم بالأرباب والسحر، فهو الطبيب الروحاني. ونسبت الجاهلية إلى الكهان قوة خارقة في علم الغيب؛ لأنهم يرَوْن في الليل ما يكشفون به عن حقائق الحياة في النهار وينبِّئون بالمستقبل، ولا تأتيهم تلك القوة من فتوح رباني ولا من إشراف نفوسهم على المستقبل، ولكن من شياطين تنطق بألسنتهم، ولكل قبيلة كاهن كما كان لها شاعر وبطل، وقد يجمع الشاعر بين صفتَي الشعر والكهانة، وأحيانًا قيادة القبيلة في الحرب! ويطلق على كلامهم المسجوع وصف «الزمزمة».

وكان لهم شأن عظيم في الحياة العامة والخاصة فتستفتيهم القبائل في السلم والحرب قبل أن تخوض غمار المواقع والغزوات. وقد استخار عتبة كاهنًا يمنيًّا عند اتهام بنته هند زوجة أبي سفيان بالزنا فبرَّأها. وكانوا يفسرون الأحلام ويكشفون عن خفايا الجرائم فيخضع الناس لأحكامهم. وكانوا جميعًا من طبقة الأمراء والأشراف «أرستقراطية دينية»، وللكاهن العظيم سلطة تتعدى قبيلته، حتى إن الجاحظ قدَّمهم في البيان والتبيين على سائر الطبقات فقال: «أسماء الكهان والحكام والخطباء والعلماء من قحطان»٣ فجعلهم في الصف الأول!

ومن أشهر مشاهيرهم سطيح وشق خليفتا طريفة، والمأمور الحارثي، وعمرو بن دريد الأفكل سيد ربيعة، وسودة بنت زهرة القرشية، وزرقاء بنت زهير القضاعية.

فلما جاء الإسلام محا الكهانة ونسخها؛ لأن التوحيد قضى على الخرافات وعلى التنجيم ودعوى علم الغيب والإنباء بالمستقبل، ونُظمت الحياة الاجتماعية بأحكام الشريعة وحدودها فصار التوحيد والفقه بمثابة الحرز للنفس البشرية يحفظها من الأهواء ويسكنها إلى حاضرها ومستقبلها وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ويرفع عنها غمة الغموض والخفاء التي كانت تحيط في الجاهلية بالنفس المتطلعة للحياة في دياجير الوجود الإنساني لدى الجماعات المتأخرة عن الحضارة والثقافة.

لقد كان الكاهن عند عرب الجاهلية بمثابة المتنبئ؛ فتعددت وظائفه في شئون الدين والدنيا، وكان له حتمًا اتصال بعالم الخفاء والغموض؛ ولذا ترى بعض الرواة يصفون الكهان بأهل العلم الغامض ويعدون منهم مسيلمة الكذاب في بني حنيفة٤ وسجاحًا كاهنة بني تميم وغيرها في بني سعد. فكان الكاهن هو من تفزع إليه القبيلة جماعةً وأفرادًا في المُلمات لقراءة كتاب الحياة وتفسير ألغازه المستورة وحل المُشكِل والمعقَّد من صفحاته، وإن كان الإسلام قد قضى على الكهان إلا أن أخبارهم قد اتصلت بفجره، فإن ربيعة بن نضر اللخمي رأى رؤيا أزعجته فلجأ إلى سطيح ففسرها سطيح بأن الحبشان يهاجمون العرب ثم تسود الفرس حينًا ثم يظهر نبي عربي. فبادر ربيعة بن نضر بإرسال ابنه على رأس وفد إلى ملك الفرس فعيَّنه أميرًا من قِبله على الحيرة.

ولما حدثت في بلاد الفرس حوادث غريبة في ليلة ولادة محمد سأل كسرى منجِّميه عن تعليلها فعجزوا، أو لعلهم خَشُوا عاقبة تفسيرهم فامتنعوا؛ فأرسل كسرى إلى النعمان بن المنذر فسأل عبد المسيح بن بقيلة الغساني فعجز أيضًا، ولكن قصد إلى خاله (كذا) سطيح في الصحراء، وكان على وشك الموت فلم يُجِبْ، فخاطبه بالسجع وهو أسلوب الكهان في الكلام فأجابه! وهنا نُثبت كلام سطيح لأنه يدل على أسلوبه وينطوي على الحوادث التي قيل إنها حدثت بإيران: عبد المسيح، على جمل مشيح، إلى سطيح، وقد وافى على الضريح، بعثك ملك ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلًا صعابًا، تقود خيلًا عرابًا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها. يا عبد المسيح، إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليست بابل للفرس مقامًا، ولا الشام لسطيح شآمًا، يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آتٍ آت.

قضى سطيح مكانه ومات لساعته.

وزعم سطيح أنه تعلم من نفر الجن الذي استرق السمع من السماء وسرق الحديث الذي جرى بين الذات العلية وموسى الكليم في طور سينا. ويزعمون أن سطيحًا عاش سبعمائة سنة، وهم بذلك التقدير يزيدون على عمره مائة سنة؛ لأنه على زعمهم وُلد يوم وفاة طريفة التي تنبَّأت بكارثة سد مأرب، وفات بين ولادة النبي وبين الحادثتين ستمائة سنة لا سبعمائة. فما أعجبها أسطورة!

وإن الإنسان ليدهش لكثرة العلوم الخفية في بلاد العرب، فإنه بجانب الكاهن كان يوجد الحازي والعايف والزاجر والقايف والحازر والحزَّار؛ وكلهم يدَّعون استخراج المجهول من المعلوم.

(٢) الكهان والتبشير بمحمد عليه الصلاة والسلام

وإذا نظرنا إلى تاريخ طفولة محمد والفترة التي سبقتها نجد عددًا لا يُحصى من الكهان والعرافين يتنبَّئون عنه أو يبشرون به أو يحذِّرون قومهم من ظهوره.

فأولهم سودة بنت زهرة كاهنة قريش التي سبق ذكرها، وهي عمة وهب والد آمنة أم النبي، قالت يومًا لبني زهرة: «فيكم نذير، أو امرأة نذيرة، أو تلد نذيرًا، له شأن وبرهان منيرًا.» — كذا ليستقيم السجع — فاختار عبد المطلب آمنة لابنه لهذا السبب، وكان عبد المطلب في اليمن فرآه أحد أحبار اليهود وفحص منخريه وقال له: «أنا أشهد أن في إحدى يديك مُلكًا وفي الأخرى نبوة، وإنما نجد كلًّا من الملك والنبوة في بني زهرة فكيف ذاك؟» ونصحه بالتزوج منهم فعمل عبد المطلب بنصيحة الحبر وتزوج من هالة وزوَّج ابنه عبد الله من آمنة، وكلتاهما من بني زهرة.

ولما وُلد محمد كان في مكة يهودي اسمه يوسف، فقال في مجلس من قريش: هل وُلد فيكم الليلة مولود؟ فقال القوم: واللهِ ما نعلم. قال: احفظوا ما أقول لكم، وُلد هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، وهو منكم على كتفه شامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس، وتلك هي خاتم النبوة. فذهب الكل إلى بيت آمنة وقالوا لها: أخرجي إلينا ابنك. فأخرجته وكشفوا عن ظهره، فرأى تلك الشامة فخر مغشيًّا عليه، فلما أفاق قالوا: ويلك، ما لك؟! قال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل، أفرحتم به يا معشر قريش؟ أما والله ليسطون عليكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب! وهذه القصة تمثل اليهودي الحاقد على الإسلام الآسف على ضياع النبوة من بني إسرائيل والمحرِّض للوثنية على عقيدة التوحيد.

ولكن راهبًا مسيحيًّا اسمه عيص كان يترقب مولد النبي ، وقد تنبَّأ قبل ولادته وبعدها بكل حياته فقال: «تدين له العرب ويملك العجمَ أرضَها وبلادَها، هذا زمانه، فمن أدركه واتبعه أصاب حاجته، ومن خالفه أخطأ حاجته، وإن نجمه طلع البارحة.» فلما وُلد قال لعبد المطلب: احفظ لسانك؛ فإنه لن يُحسد حسده، ولن يبغى على أحدٍ كما يُبغى عليه، وإن طال عمره لا يبلغ السبعين يموت في إحدى وستين أو ثلاثٍ وستين.

وذهبت حليمة بمحمد وهو طفل إلى عرَّاف من هذيل يُريه الناس صبيانهم، فلما نظر إليه رأى حمرة في عينيه وخاتم النبوة في ظهره فصاح: يا معشر العرب، اقتلوا هذا الصبي؛ فليقتلن أهل دينكم، وليكسرن أصنامكم، وليظهرن أمره عليكم، إن هذا لينتظر أمرًا من السماء!

فما هذا التناقض في قول رجل يقرُّ بأن محمدًا ينتظر أمرًا من السماء ثم يحث على قتله أو يُغري به، فلم يلبث أن وَلِهَ العراف فذهب عقله حتى مات!

وروت حليمة بنت أبي ذؤيب — وهي المرضع السعدية — أن نفرًا من نصارى الحبش رأَوْه فنظروا إليه وقلبوه؛ أي رأَوْا خاتم النبوة بين كتفيه وحمرة في عينيه، فقالوا لها: هل يشتكي عينيه؟ قالت: لا، ولكن هذه الحمرة لا تفارقه. فعرضوا عليها أن يأخذوه إلى ملكهم وبلدهم (فإن هذا الغلام كائن له شأن نحن نعرف أمره)، فانفلتت لتنجوَ به من خطر اختطافه.

•••

ولم يقتصر التكهن عن رسالة النبي على الكهان والعرافين وأحبار اليهود والنصارى، بل تعداهم إلى الملوك؛ فقد دوَّنوا أن سيف بن ذي يزن اجتمع بعبد المطلب وقال له: «وُلد وَلدٌ اسمه محمد، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه، يخمد النيران (أي نار المجوس) ويكسر الأوثان، فاحتفظ بابنك واحذر عليه من اليهود؛ فإنهم أعداؤه، واطْوِ ما ذكرتُه لك عن قريش لئلا تدخلهم النفاسة فينصبون له الحبائل وهم فاعلون ذلك وأبناؤهم، ويثرب دار ملكه واستحكام أمره وموضع قبره … إلخ.»

فكيف نعلل ذلك أو نفسره؟ وهل نصدقه جملةً واحدةً أو ننكره جملةً واحدةً، ولا سيما أن جعبة البشائر لم تفرغ؟ فإن هناك شخصين مهمين سيرد ذكرهما ولهما وجود تاريخي؛ وهما ورقة بن نوفل خال خديجة بنت خويلد، وبحيرا الراهب، ولكلٍّ منهما وجود تاريخي، والحوادث التي تلت تؤيد اتصالهما بمحمد وإذا صدَّقنا أخبار ورقة وبحيرا فلماذا نكذب أخبار البقية من الأحبار والرهبان والكهنة والعرافين والملوك؟!

ولو أن المؤرخين أو الرواة اقتصروا على حادثة أو حادثتين، إذنْ لافترضنا صحتهما، ولكن تلك الأخبار المتواترة المدموغة بختم المبالغة تذهب بكثير من قيمة الرواية. وإذا دخل الشك في قصة واحدة تسرَّب الشك إلى الجميع على مذهب أصحاب الحديث الذين وضعوا أسس علم الرواية والإسناد ونقد الرجال والسلاسل.

ونحن نميل إلى الاعتقاد بأن أخبار التكهن بحياة النبي ومستقبله ترجع كلها إلى مصدر واحد، فلعل كاهنًا أو راهبًا أو حبرًا أخبر عنه بخبر من قبيل العرافة، فتواتر وانتشر وتحوَّر وحُرِّف وزادوا عليه وحسَّنوا فيه، وكل مؤلف يحلِّيه بجملة أو سجعة من عنده ويغريه التحمس لعقيدته، وهو واثق بأن معظم القارئين من الجهل بحيث يطمئنون لهذه الأخبار الخرافية التي تثبت في نفوسهم صدق الرسالة المحمدية، باعتقادهم أن شخص النبي ومولده وأقواله وفعاله مدوَّنة في كتب الأقدمين قبل ظهوره أو في علم الطوالع أو في صحف الكواكب، فتارة تكون التوراة والزبور مصدرًا، وطورًا في الكتاب الناطق والعلم السابق.

ولا شك أن جو اليهود والمتنسِّكين في بلاد العرب كان مشبَّعًا بالتطلع إلى منقذٍ عظيمٍ ينقذ أرواحهم وعقولهم.

(٣) بشرى الكاهن سطيح

وإذنْ كانت الكهانة وعلم الكهانة شائعَين في جزيرة العرب، فكانوا يهرعون إلى الكهان والكاهنات ويفزعون متشوقين إلى تعرُّف الحوادث ويتنافرون إليهم في الخصومة. ولم يكن تعلُّق العرب بالكهان والعرافة مقصورًا على البدو في خيامهم ومرابطهم ومراعيهم وحلهم وارتحالهم وانتجاعهم في سبيل القوت لأنفسهم ولأنعامهم، بل شمل المتحضرين الذين تذوَّقوا طعم المدنية الرومانية وخالطوا الفاتحين والمستعمرين في مشارف الشام وبني جنسهم العرب الذين استمرءوا ثقافة الفرس وحضارتهم في سواد العراق. فإذا حدث خلاف بين قبيلتين احتكمتا — والتحكيم قديم عند العرب — إلى كاهن أو كاهنة أو عراف.

ولم يشذ العرب في الميل إلى فض الخصومة أو رفع النقاب عن المستقبل عن جميع الأمم الفطرية؛ فلم يكن المصريون القدماء ولا البابليون واليونان والرومان بأقل ميلًا في تلك الناحية من العرب. وإننا لنجد تلك الميول تصاحب الأمم في بداوتها وحضارتها، حتى المصريين واليونان والرومان اتخذوا من هياكلهم في عين شمس ودلف ونينوى أماكنَ للإلهام وكشف الحجاب عن الغيب في حياة الأفراد والجماعات؛ فكان طبيعيًّا أن تروج الكهانة في العرب قبل الإسلام، وهم قوم لم يتأدبوا بآداب الدين المنزَّل ولم يطمئنوا إلا للغرائز والتقاليد والعادات الموروثة والنظم التي وجدوا عليها آباءهم. دع عنك ما ركز في فطرتهم ومازج دماءهم وسرى إليهم من طبيعة بلادهم القاسية الجافة، فكان للكاهن العربي وسادن الوثن الجاهلي في بيئته ما كان لأنبياء بني إسرائيل في أقوامهم وأسباطهم، فإن النبي الإسرائيلي كاهن تزيَّن بصورة وحي هابط من السماء. والكاهن الوثني وصل إلى علمه عن طريق الاستعداد الفطري والتلقي عن روح الكون بوسائلَ شتى؛ أهمها إيحاء الذات والتعمق بمحض الاجتهاد في وحدة الوجود، فيرتفع عن معاصريه في التفكير المجرد ويسطو على بعض الأسرار التي تؤهله إليها إرادته التي تصبح نافذة بعض النفوذ المحدود بفضل الصناعة.

ولا بد لسواد الأمة من الخضوع بحالٍ من الأحوال؛ فالأمة التي تُحرم من وحي السماء، أو ينقطع عنها بعد انحداره لا غنى لها عن الخضوع لوحي الفكر الإنساني الذي يحيط بالأشياء إحاطة لا تملكها الدهماء والبروفان (العلمانيون) ولم تخرج العرب عن قاعدة ذلك الخضوع، ولكن الإسلام أنقذ الأمم التي اعتنقته من ويلات ذلك الخضوع، وما زال اليونان والرومان مستسلمين إلى آخر دولتهم؛ لأن الراهب المسيحي الذي جاء مع النصرانية تسلَّم زمامهم بعد الكاهن الوثني بتعديل طفيف في المشارب، ولكن الإسلام قضى على الكهانة ولم يعقب وسطاء.

وعندما نتكلم عن خضوع الدهماء لا نقصد إلى سواد الأمة وحسب؛ فقد رأينا سطيحًا — وهو أعرق كهان عصره — تهافت عليه ملوك الشام والعراق واليمن ليستضيئوا في زعمهم بأنوار علمه، فكانت له في قصورهم من المنزلة الرفيعة والمكانة السامية ما كان له في قبائل العرب.

كان لسطيح شأن كبير، ومما يزيد في شأنه أنه بشَّر بالنبي العربي قبل مولده وقبل بعثته بعشرات السنين. وقد أجمع المستشرقون على حقيقة وجود هذا الكاهن وذكروا صفاته ومواهبه وفحصوا نظام الكهانة فحصًا عميقًا مسهبًا (انظر مادة كاهن في دائرة المعارف الإسلامية، طبع ليدن)، كما أجمع مِن قبلهم مؤرخو العرب وعلماء التاريخ (الأغاني، ج٣، ص١٨١، ١٨٣، وبلوغ الأرب للآلوسي، ج٣، ص٢٨٠، والطبري وابن هشام … إلخ).

وكان الحديث عن سطيح لمن لم يَرَهُ كفيلًا بأن يشغله الأيام واللياليَ بإحداث الهواجس التي تتنازع العقل والخيال، وقد تخلق الأثر الرائع في ذهن السامع لغرابتها وشدة وقْعها في نفسه، هل كان سطيح راهبًا في صومعة! أم كان مقيمًا في كهف من كهوف الجبال؟! هل أوى إلى خرائب النبط، أم كان كالطائر لا يحلق في أفق حتى ينزع إلى التحليق في آخر؟

قالوا إنه كان يبدو للناظرين شبحًا في الظلام، وأنه يظهر للوثني في مخدع للأصنام، وللمسيحي في كنيسة، كما ظهر لأمية بن أبي الصلت؛ فقد انبعث إلى الشام وكان معه نفر من قريش، فلما انحسر الليل صعد في كثيب فرفعت له كنيسة فانتهى أمية بن أبي الصلت إليها، فإذا شبح جالس، فقال له الشبح حين رآه: إنك لمتبوع، فمن أين يأتيك رائيك؟

فقال أمية: من شقي الأيسر.

قال سطيح: فأي الثياب أحب إليك؟

قال أمية: السواد.

قال سطيح: كدت تكون نبي العرب ولست به، وإن نبي العرب صاحب هذا الأمر يأتيه من شقه الأيمن، وأحب الثياب أن يلقاه فيها البياض (الأغاني، ج٢، ص٨١، وعبد ربه في العقد الفريد).

ماذا نرى في هذه القصة التي رواها الأديبان الكبيران؟! أنصدقها، أم نُلحقها بما جرى من الحديث بين أبي سفيان بن حرب وأمية بن أبي الصلت؟! … شبح في الظلام! في ظلال كنيسة في كثيب، مخلوق غريب له وجه وعينان ورأس ويدان وليس له قلب خافق في صدر مائل للعيان، بل له قدمان يحملانه من مكان إلى مكان!

ولكن هذا الكاهن العجيب كان ذا أثر في حياة العرب، فكان يبشرهم بالخصوبة والرخاء وهبوط الغيث وانهمار الأمطار، وكان إذا ظهر للجماعات ارتدُّوا على أعقابهم وغشيهم صمت عميق ولم يستروا وجوههم بأطراف ثيابهم كما يفعل اليونان في دلف، وإنما تعلَّقت حدجاتهم بباب الكهف الذي يُفتح على مصراعيه فينبعث منه رجلان بينهما محفة صغيرة في وسطها إنسان يوشك أن لا يبين للناظرين، ثم ينبعث وراءه أخوه وحواريوه شق بن أنمار بن نزار! وهو أغرب في تكوينه من صاحبه الكبير، وفي اسمه دليل على حقيقته المرعبة، عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة …! لو صدقنا رواية الرواة لرأينا سطيحًا ذلك المسيخ المتفوق كائنًا يدرج كما يدرج الثوب ولا عظم فيه إلا الجمجمة، وجهه في صدره ولا رأس له ولا عنق؛ فكان وشق يؤلفان منظرًا من أروع المشاهد وأَملَئِها رعبًا وفزعًا، ولكن ملوك البلاد وأمراءها كانوا يهرعون إليهما يسألونهما في لهف وحيرة عن المستقبل وحوادثه، فكانا يكشفان ويتكهنان بالتحديد لا بالتقريب، وبالتحقيق لا بالأوهام، ويرفعان اللثام عن حوادث لا تلبث أن تقع. كان شق فوق كهانته داعية سطيح والمشيد بقدرته فيصفه لسامعيه وصفًا خلابًا، وينعته بالرحمة والشفقة وأنه وسيط الخير بين عالم الحسِّ وعالم الأرواح، وأنه يريد لقاصديه نجاتهم من القنوط، ويبشرهم بأن الأرض التي أقحلت وأمحلت في الأعوام الماضية سوف تخصب وتجود وتؤتي أكلها … ساحر وكاهن وخطيب … فلما بشر سطيح بالنبي الجديد سألوه: ممن هذا النبي؟

قال: من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر.

فسأله سائل: وهل للدهر من آخر يا سطيح؟

قال: نعم، يوم يُجمع الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون.

وتشجع سائل ثالث: أحقٌّ ما تقول يا سطيح؟

قال: نعم، والشفق، والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أخبرتكم به لحق!

•••

هذه صورة نادرة من حياة القوم لا تزيد ولا تنقص عما رواه مؤرخو الأمم في فترة البداوة وفترة التطلع إلى المستقبل والشوق إلى تحقيق الأماني والأحلام.

الحق أن العالم القديم كان يريد أن ينقضَّ وينهار ليحل محله عالم جديد،٥ سوف تنهار صروح الإنسانية القديمة في جزيرة العرب وفي بلاد الرومان واليونان والفرس ومصر والعراق والهند والصين وبعض ممالك أوروبا. ستشتعل نار جديدة حامية لتحرق الخرق البالية وتطهر أعراق الحضارة من الشهوات والأوهام منبعثة من شرارة مستصغرة انطلق زنادها من أفقر بقعة في بيداء الجزيرة، فتنهار صروح الحضارات القديمة، وترتجف عظام المدنيات النخرة في بابل وآشور وصنعاء اليمن، وتشيَّد صروح جديدة قويمة على قواعد الحق ومكارم الأخلاق وفضائل النفوس المعذبة؛ فتعم المدنية تلك الأطلال التي وصفها لامارتين وفولني أفخم وصف ناعيَيْن ماضيها السحيق الغارق في ظلمات التاريخ. ومهما كانت قيمة الأسرار المقدسة التي احتوتها تلك الهياكل ذات العرصات الرحيبة والأفنية الواسعة والعمد الغليظة الرفيعة والأسقف الشاهقة، فإن النور الذي سينبثق من مكة سيخفت جميع الأنوار السابقة ويعلو عليها، كما يخمد النيران المشتعلة في مواقد الضلال القديم. لن يكون بعد الغد القريب المرتقب غموض ولا خناء، ولا سلطان للجن على نفوس البشر ولا قوة للسحر الأسود على القلوب البيضاء والأرواح العلوية الطاهرة؛ فقد طال أمد المهازل وآن ظهور الجد والحق على مسرح الحياة.

وأعجب العجيب أن موكب المستقبل السعيد الفخم يبدأ مسيره من تلك القرية الآثمة الخامدة الغامضة عاصمة ذلك الوادي المجدب التي صارت أم القرى — مكة المكرمة — وسوف يسير في مقدمة الموكب العظيم الذين لم يشهد الكون له مثيلًا هؤلاء البدو الرعاة الذين ساخت أقدامهم في رمال الصحراء عشرات ألوف السنين ومئات الأجيال، وخبت قرائحهم وخمدت أذهانهم في الجبال الجرداء والوديان السحيقة، وأوشكت الشمس القاسية أن تذيب عقولهم كما تذيب ذرات الراديوم اللحم والعظم! سينهضون نهوضًا مرعبًا بعد ذلك الرقاد الطويل الذي غشى على أعينهم وأفئدتهم وحجب عنهم آفاق الحياة.

سوف يفتح هؤلاء البدوُ والرعاةُ الحفاةُ العراةُ الجياعُ القساةُ أعينَهم لهذا الفجر الذي تمتد ظلاله من بادية الحجاز إلى بادية الشام فالعراق فمصر فالشرق فالجنوب فالغرب فالشمال، وتُفتح آذانهم فيطرقها صوت رنان لم يُسمع مثله في الماضي والحاضر، ولن يُسمع مثله في المستقبل ممزوجًا بأنغام اليقظة وتغريد أطيار الصباح المشرق بنور الآفاق، وسوف يبصرون في تورد الفجر ولمعانه وزخرف ألوانه طلائع زحف إنساني جديد إلى سهول فاتنة وحقول خضراء نضرة وبساتين فينانة وحواضر حالية بالنعيم، وأمصار باهرة زاهية آهلة عامرة غنية زاخرة لا تحجبها الظلمات ولا تغشاها الغيوم.

وسيكون هؤلاء البدو الرعاة أصحاب ذلك الزحف الميمون حين يرفلون في الأرض ويرثون العالم ويملكون ما احتواه من خير عميم وعزٍّ مقيم. إلى متى؟

إلى آخر الدهر يوم يُجمع الأولون والآخرون ويسعد فيه المحسنون ويشقى المسيئون. نعم، والشفق والغسق والفلق إذا اتسق إن ما أخبرتكم به لحق! لن تقتصر أقدار هؤلاء البدو الرعاة على تلك النعم، بل سوف يمعنون في الغلبة ويمعنون في الطلب فيصيرون أحرارًا كالنسيم المنسجم العذب، وتضاء قصورهم بالأنوار التي لا تخبو، لا يتحكم فيهم ظالم ولا فاتح غاشم ولا تُضرب عليهم الذلة والمسكنة كما ضُربت على غيرهم، ولن يستعبدهم الملوك ولا الأمم، ولن يُساقوا سَوق الأنعام إلى الاغتراب في هجرات مكرهين، ولن يذوقوا طعم السياط على ظهورهم خانعين، ولن يدفعوا لغاصب جزية عن يد وهم صاغرون، لن تتحكم فيهم ظلمات الليل كما تحكمت في خيامهم، ولن تتسلط ظلمات الجهل على عقولهم فيسجدوا لصنم من حجر أو تمثال من خشب كانوا له بأيديهم صانعين. وسوف يكون لهم في كل بقعة — مهما نَأَتْ — عَلَمٌ يرفرف وراية تخفق وحصن متين أو جيش حاشد وعرش وطيد وظل ممدود وملك مهما طال المدى لا يبيد.

أهذه بشرى سطيح؟ أم روح الكون الذي يتكلم؟ بل روح العالم المنبعث من تلك الصحراء المطمئنة إلى قيظها وهجيرها، الغارقة في صمت جبالها وسكون وديانها صمتًا وسكونًا أشد من الموت، الموت الذي لا يتلوه بعث ولا نشور. سوف تنحسر الصحراء عن أسمى روح تجلت للإنسانية تسير بهم إلى مسارح الحياة، فيكون لهم في البر والبحر الملك الضخم والدولة العظمى والمجد الذي لا يفنى والسلطان الذي لا يبلى والفضائل التي تطهر أعراق النفوس، وسيسير بهم روح الحق الأعلى إلى دين جديد يعرفون به إلهًا واحدًا رحيمًا عادلًا، تنقذهم عبادته من جحيم الشقاء الذي اصطلَوْا بنيرانه على مدى أجيال طويلة في ظل الأصنام، ثم يقودهم ذلك الروح الأسمى إلى آفاق الطمأنينة والراحة والرخاء؛ حيث يتسق لهم العقل والذكاء فيلمع ويضيء بعد انطفائه وخموده فتبدو لهم الطبيعة السائدة، فتسلس لهم قيادها في الأفلاك والأرضين بعد فهْم أسرارها ومقاصدها، سوف يفتح الأعراب أعينهم ليحدقوا في الصحراء، ليرَوْا ذلك الروح الأسمى يسير في موكب فخم من الجلال والرونق والعظمة والجلال والأبهة والجمال، بل إنه لَيمشي فوق رءوس العصور الغابرة ليطل من وراء شمسها الغاربة على فجر العصور الجديدة التي سيخلقها بقلبه وعقله ويده خلقًا. وإنه ليشرف على مصر التي باحت له بأسرارها وخفاياها، وبابل التي فتحت له أبواب هياكلها على مصراعَيْها فازدراها، وعلى تلك المدينة العريقة في القدم والحكمة، أثينا، فتنحني أمامه بطولتها وعبقريتها وشعرها وفلسفتها وحروبها ومنابر خطبائها. وتلك الأخرى التي حكمت العالم بمشيختها، وساسته بعد الفتوح والغلبة بقوانينها وشرائعها؛ تلك المدينة التي وصفوها برومة الخالدة!

وها هو حمورابي المشترع الأول وصولون وليكرجوس وسيسرون بعد فيثاغوراس وجحافل العلم والقانون تلقي أمامه قيادها وتسلمه زمامها؛ ذلك القادم من بعيد.

حتى آمون رع الذي شيد المصريون والفرس والإغريق الهياكل والمعابد باسمه، ذلك الإله المنفرد والذي مجَّده الإسكندر في لوبيا، وبطليموس في الأقصر والكرنك، ودارا في هيبيس: لقد أقمت هذا البناء تذكارًا لأبي آمون رع سيد مدينة هيبيت الإله الأعظم ولآلهة بلاد تمرا وإلاهاتها. أنا ملك مصر العليا والسفلى ابن رع من صلبه، دارا حبيب الإله آمون رع سيد مدينة هيب الإله الأعظم عاش إلى الأبد، عابد يدعو لمعبوده بطول العمر والخلود!

سوف يكون حظ آمون رع وأوزيريس وهورس وإيزيس ومئات مثلهن حظ تلك الأصنام السامية، يمنية وحضرمية وحبشية وكنعانية ويونانية ورومانية، حظ تلك الأصنام والأوثان التي خيل إلى تلك الأمم القديمة البائدة والباقية المعاصرة أنها تحمي أحياءهم وتتعهد موتاهم في قبورهم وأنها تمنحهم الصحة والشباب والمال والحب والمرح؛ ستنهار تحت قدميه لأنها لا تملك تلك القدرة التي نُسبت إليها ولا تملك حتى قوة الدفاع عن نفسها.

وسيمشي العالم تحت لوائه إلى عبادة نظيفة طاهرة لا تصدم العقل ولا تناقض المنطق ولا تتقهقر أمام العلم والتجربة. هذا النور سوف ينطلق فجره عما قريب في مكة، واسم صاحب هذا الموكب الفخم محمد بن عبد الله .

هل هذه كهانة سطيح، أم بشرى التاريخ على ألسنة الملهمين؟ وأي عجب منها وقد تحققت! وطالما كررها صاحب الشأن نفسه — عليه الصلاة والسلام — عندما دعا قومه إلى الإسلام ووعدهم بالسيادة على العرب والعجم فصدق وعده في عشرين عامًا. وقبل أن ينتهيَ القرن الأول امتد ظل سلطانهم من أقصى الصين شرقًا إلى أقصى أوروبا غربًا، ومن إيطاليا وسويسرا شمالًا إلى مجاهل أفريقيا جنوبًا.

١  لا يزال بعض مشيخة الطرق يتفلون في أفواه السالكين المرشحين للخلافة! وفي تقليد البوذيين ما يشبه ذلك!
٢  في إنجيل متَّى إصحاح ١ آية ١٦ نسبة لسيدنا عيسى تبدأ «ومتان ولد يعقوب ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي وُلد منها يسوع الذي يُدعى المسيح؛ فجميع الأجيال من إبراهيم إلى المسيح ٤٢ جيلًا.»
٣  البيان والتبيين، ج١، ص٦.
٤  معجزته أنه أدخل بيضة دجاجة في فوهة قِنِّينة دون أن تُكسر قشرتها!
٥  انظر انحدار شمس أوروبا للمغيب، للألماني أوزوالد شبرنجر، ترجمة إنجليزية في مجلد واحد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠