كفالة عبد المطلب للرسول عليه الصلاة والسلام

لنعد إلى سياحة النبي وهو طفل في حراسة جاريته أم أيمن من الأبواء إلى مكة بعد أن وُورِيَتْ أمُّه الترابَ.

كانت أم أيمن حبشية، وولدها أيمن من عبدٍ حبشي اسمه عبيد، وسمَّاها النبي بركة، وتزوجها بعده زيد بن حارثة، فولدت له أسامة، وكان زواجها الأخير بأمر النبي وهي في بيت خديجة.

وكان محمد شديد البر بها لمكانتها عنده، وبعد وفاة خديجة كانت أم أيمن في بيت محمد فقالت له: يا رسول الله، اسقني! وكانت تشارف على السبعين.

فقالت لها عائشة: ألرسول الله تقولين هذا؟!

قالت أم أيمن: ما خدمته أكثر!

قال النبي : صدقتِ! فسقاها.

وهذه الحادثة تلقي شعاعًا على عواطف السيدة عائشة أم المؤمنين نحو أحباب النبي الأقدمين، وكان أَولى بها أن تسقيَها من أن تُؤنِّبَها! وقد جعل رسول الله الحق في جاريته التي حضرت ولادته ووفاة أمه وعُنيت بحراسته من المدينة إلى مكة وخدمته في بيت أمه كما خدمت أولاده في بيت خديجة وتزوجت بأمره رجلًا من أحب الناس إليه، ولدت له بطلًا من أبطال الإسلام هو أسامة بن زيد؛ فهي من أقرب الناس إلى آل البيت.

فلما بلغت أم أيمن مكة، بعد وفاة آمنة ودفْنها بخمسة أيام، دخلت على عبد المطلب وروت له ما وقع فضمَّ الطفل إلى صدره ورقَّ عليه رقة لم يَرقَّها على ولده، وكفله من تلك الساعة.

•••

وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه أحد من أهل بيته ولا من أشراف قريش إجلالًا له، فكان محمد يأتي وهو غلام صغير حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه؛ ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب — إذا علم ذلك لأنه كان ضريرًا: دعوا ابني! ويمسح ظهره، ويسرُّه ما يراه يصنع.

وحدث مرة أن جذبه رجل، فبكى محمد — عليه الصلاة والسلام — وكان عبد المطلب كفيفًا فسأل: ما لابني يبكي؟!

قالوا: أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه.

فأنب الرجل ولامه، فكانوا بعد ذلك لا يردونه عنه.

وكان عبد المطلب إذا أتي بطعامٍ أجلس محمدًا إلى جنبه وربما أقعده على فخذه فيؤثره بأطيب طعامه، وكان يصطحبه في الحفلات العامة وفي الطواف والدعاء للاستسقاء.

•••

ولما شاخ عبد المطلب فقَد بصره، ولكن تلك الكارثة لم تقلل من مكارم أخلاقه؛ فإن ركبًا من جذام فقدوا رجلًا منهم غالته بيوت مكة، فلقوا حذافة بن غانم فربطوه وأخذوه أسيرًا بدلًا من رجلهم المفقود، فالتقى الركب بعبد المطلب وهو شيخ ضرير يقوده ابنه أبو لهب، فلما بصر به حذافة هتف به، فقال عبد المطلب لابنه: ويلك! ما هذا؟!

أبو لهب: هذا حذافة بن غانم مربوطًا مع ركب!

عبد المطلب: الحقهم واسالهم ما شأنهم.

فلحقهم وسألهم وعاد وأخبره فقال له: الحقهم — لا أم لك — وأعطِهم ما بيدك من مال وأطلق الرجل.

فلحقهم ورهن رداءه ووعدهم بفدية حسنة فأطلقوا حذافة، وسمع عبد المطلب صوته وقال له: ها أنا ذا بأبي أنت يا ساقيَ الحجيج، أردفني.

فأردفه خلفه حتى دخل مكة، وكافأه حذافة بقصيدة مطلعها:

بنو شيبة الحمد الذي كان وجهه
يضيء ظلامَ الليل كالقمر البدر

وبعد عامين من وفاة أمه — عليه الصلاة والسلام — مات جده عبد المطلب في الثمانين من عمره، وكان محمد في الثامنة. وفي هذه المرة أدرك محمد معنى الموت، وشعر بالحزن الشديد على جده، فسار في الجنازة خلف النعش وهو يبكي إلى أن دُفن عبد المطلب بالحجون عند جده قصي، وقد بكته بناته الست: صفية أم الزبير بن العوام، وبرة، وعاتكة، وأم حكيم البيضاء جدة عثمان بن عفان لأمه، وأميمة، وأروى.

•••

وكان عبد المطلب حين حضرته الوفاة أوصى ابنه أبا طالب بحفيده، فكان لا ينام إلا إلى جنبه، وكان يخصه بأحسن الطعام، وكان أبو طالب يشفق عليه ويحبه في حياة جده.

وكان العم مقلًّا من المال؛ فكان عياله إذا أكلوا جميعًا أو فرادى لم يشبعوا، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغديَهم أو يعشيَهم يقول لهم: كما أنتم حتى يأتيَ محمد. فيأكل معهم.

وكان أبو طالب يقرب إلى الصبيان يصبحهم أول البكرة للإفطار فيجلسون وينتهبون فيكف محمد يده لا ينتهب معهم تعففًا وحياءً، وكانت هذه خلته منذ الطفولة، فلما رأى ذلك أبو طالب عزل له طعامه على حدة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠