ديمقراطية محمد

المقصود بهذا اللفظ الأعجمي حب المساواة والتواضع وقلة الطمع وتفضيل الروح على المادة والأخذ بمكارم الأخلاق والعدل والنصفة والإحسان. وقد كان محمد أستاذًا للفضائل؛ فلم يُرْوَ عنه حديث ولم تُنسب إليه خلة إلا كان دليلًا على تأصل هذه الخصال النبيلة في نفسه الكريمة؛ فقد كان حليمًا شفوقًا محسنًا، وقد سُئلت عائشة أم المؤمنين عن خُلقه فقالت: خلقه القرآن. وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ.

ومعنى هذا أن الله أدَّبه بأحسن الآداب فقالها: «أدَّبني ربي فأحسن تأديبي.» وأمره بقوله: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ. فلما وعى رسول الله تأديب ربه واستحقَّ تمام الوظيفة وأحسن القيام بهام متكملًا متجملًا ناضجًا راسخًا، فوثق بتهذيب نفسه ثقته بجلال رسالته، أطلق الله يده في تعليم الأمة وتثقيفها، فصار جديرًا بتلك المهمة مستحقًّا إياها لا يقدر أحد من عباد الله على مكافحته أو منافحته ومدافعته، قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللهَ.

وإن تلك الأخلاق العالية لتبدو في الأفعال والأقوال؛ أي في الرأي والقدوة. وقد كان محمد بعقله وقلبه وخلقه خير جامعة تخرَّج فيها فطاحل الرجال؛ فقد رسم لهم خطط المجد والعظمة وشق لهم دروبًا أبكارًا في السياسة والشجاعة والفضائل، وأضاء لهم سبلًا كانت من قبل مظلمة فاحمة، وعلَّمهم الصدق والأمانة والعفة والقناعة، وأثبت لهم بحياته وجهاده وكفاحه وصبره وعفته أنها أجدى وأكرم وأدوم وأنفع. وهو لم يكن مخدوعًا في طبيعة البشر ولا جاهلًا بحماقتهم وأطماعهم وقلة الصالح بين سوادهم، فقال: «الناس كالإبل المائة لا تجد فيها راحلة.» مدللًا على عمق معرفته بهم فلم يَخْفَ عليه أن المرضي المنتجب من الناس في عزة وجوده كالنجيب من الإبل النادر الذي لا يوجد في كثيرٍ منها.

فقد عانى ما عانى في سبيل دعوتهم، واختبرهم قديمهم وجديدهم، قريبهم وبعيدهم، ولكن هذا النبي الذي يكاد يبحث عن الرجل في دياجير الجاهلية بمصباح ديوجين وينتزع تشبيهًا من صميم الحياة البدوية باستعارة الإبل — وهي عماد حياة الصحراء — التي يفهمها العربي شاكيًا قلة النابغ النابه والمخلص الأريب، تراه يشبه الناس عند ذكر المساواة بأسنان المشط، ويحكم بينهم بالعدل؛ فلا فضل لعربي على عجمي ولا أبيض على أسود، وهو يصفهم بالإخاء حين يقول المؤمنون إخوة، وقد آخى بينهم فعلًا حين هاجر إلى المدينة، فإذا قُتلوا تكافأت دماؤهم.

ولم تَغِبْ عنه الناحية المادية من شئون الحياة؛ فأوصى بثلاث أدوات من النبات والحيوان والجماد، أوصى بالنخل حتى لقد ربط بينها وبين البدوي برابطة القرابة مبالغةً في تقدير قيمتها وتكبير نعمتها: «نعمت العمة لكم النخلة، المطعمات في المحل.»

وأوصى بالخيل؛ بطونها كنز، وظهورها حرز، ومعقودة في نواصيها الخير. وأوصى بالسيف فقال: الخير في السيف، والخير مع السيف، والخير للسيف.

والْتفت إلى التجارة فلما دخل عليه السائب بن أبي صيفي — وكان شريكه في تجارة الجلود بعد زواجه من خديجة وركونه إلى حياة الهدوء قبل الرسالة — قال له: أتعرفني يا رسول الله؟ ظنًّا منه أن محمدًا قد كبر وتعالى فنسي صحبته وشركته كما يحدث للعظماء الذين يجهلون إخوان الصِّبا أو يتجاهلونهم، أو أن ذاكرة الرسول قد تخونه؛ لطول الزمن! فقال محمد: كيف لا أعرف شريكي الذي كان يشاريني ولا يماريني؟! وقال: ما أملق تاجر صدوق. وقال: ثلاثة أرباع الرزق في التجارة.

وكان يعتبر الإنسان وكيلًا أمينًا على نعمة الحياة، ترعاه عين الأصيل ورب المال ويترقبه المالك بعين ساهرة فقال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستعملكم فيها فناظر كيف تعملون.»

فهو بين التحذير والتعذير والوعد والوعيد وضرب الأمثال من قريب أو بعيد، يحاول الهداية ولا يغفل عن طبيعة الإنسان ولا يجهل ما ركب في فطرته من الأهواء والشهوات، ولكن نقائص البشرية لا تُيئسه ولا تَثني من عزيمته؛ فيخاطب المؤمنين الذين يحبونه في الحياة ويودون أن يكونوا في صحبته في الآخرة: «أَحبُّكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا الذين يَألفون ويُؤلفون.» ويريد أن يطهر نفوسهم من الأدواء والعلل التي قضت على أخلاق الأمم القديمة، فيقول: «دب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء، حالقة الدين.» ويصف الدواء سريعًا فعَّالًا نفَّاذًا بقوله: «لا تؤمنون حتى تحابوا، أفشوا السلام بينكم، إذا فعلتموه تحاببتم.»

وماذا أدل على علم النفس وقواعد التطور وتغير الطباع والعادات بتحوُّل الأزمان من تغليبه تطور الزمان وخضوع الإنسان لتغير الأجيال بأقوى من قانون الوراثة فيقول: الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم. وانظر إلى كرمه وشرفه وعطفه وإنسانيته وحسن ذوقه عندما يقول: «من لم يقبل عذرًا من متنصل صادقًا كان أو كاذبًا لم يرد على الحوض.»

•••

اشتُهر بعض الملوك والزعماء وقلة من الأقيال العباهلة بشيء من التواضع والعدل والزهد في نعيم هذه الدنيا والرأفة بالرعايا؛ فخلد ذكرهم على كر الدهور وأحبتهم الأمم؛ فضُرب المثل بعدل كسرى، وإيمان أخناتون بالتوحيد إيمانًا ملأ قلبه بالرحمة على قومه، وعدل عمر بن الخطاب وورع مارك أوريل وبساطة الرشيد وحلمه. وفي هذا العصر يأبى بعض الزعماء أن يتقاضَوْا مرتبًا من بيت مال الدولة أو خزانة الحكومة مبالغةً في العفة؛ فيرتزق بعضهم من التأليف والتحرير. ولكنك إذا رأيتهم في بلادهم أو سمعت خطبهم وقرأت مقالاتهم، فلا تجد أمامك سوى جبابرة تتكلم، ورعدًا يقصف، ونفوسًا طاغيةً تريد أن تتحكم في مقدرات الأمم وتخضع الشعوب والحكومات لصولتها! فهم الملوك والقياصرة يسيرون في الجحافل وتلتف حولهم المحافل وتعنو لهم الرقاب ويخشى جانبهم الأعداء والأصحاب لا يأنفون أن يقتلوا رفاق الأمس، أو يقضوا عليهم بالسجن المؤبد أو النفي الذي ليس بعده عود أحمد في سبيل الاستئثار بالسلطة، تارةً باسم المبادئ المريبة، وطورًا بحجة نهضة الشعب ويقظة الأمة.

وقد اتخذوا من مظاهر العفة وقصة الزهد قناعًا للنفاق وستارًا للرياء، كما فعل قيصر وهو يرفض التاج ونفسه تطير إليه شعاعًا! يحيون للظُّلَم القديمة والرسوم الوثنية والمذاهب البائدة باسم التجديد والشخصية والوحدة! وحتى الذين اتخذوا الحكم وسيلة للإباحية والمشاعية لم يقلوا عن أشباههم ظمأً للدماء ولا ولوغًا في حمأة القسوة وتشبثًا بالمظالم وتقتيلًا في الخلائق باسم حماية الوطن واستمساكًا بالمثل العليا، وقد جعلوا من ورائهم خونة وأوغادًا ووسطاء سوء يدفعون عنهم بأقلامهم في صحف سوداء قد ألبسوها ثوب الحرية!

فأين هؤلاء وأولئك جميعًا من محمد الذي لم يكن ملكًا ولم يقبل سطوة الملك؟ وقد أجمعت الأخبار الصحيحة على أنه كان يأكل على الأرض ويجلس على الأرض ويجالس المساكين ويدعو الله أن يحييه مسكينًا ويميته مسكينًا ويحشره في زمرتهم يوم القيامة! وهو الذي مات ودرعه مرهونة، ولكنه أوصى الناس بالادِّخار لأولادهم حتى لا يتكففوا الناس بعد موت عائلهم. وكان يمشي في الأسواق ولا حرس له، ويتوسد يده، ويوصف في القرآن بأنه عبد: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.

ثم يقولها عن نفسه مباهيًا: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأشرب كما يشرب العبد.» وكأنه يتلذذ بذكر العبودية، ولم يأكل قط وحده، ولا ضرب عبده، ولا أنَّب خادمه، ولا أساء إلى امرأة قط، وهو القائل: «اتقوا الله في النساء.» وكان يكره البغي: «إياك والبغي؛ فإن الله قد قضى أنه من بُغي عليه لينصرنه الله.» ولم يأنف أن يُطمئن المقبل عليه المتهيب لعظمته بقوله: «أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد.»

أما شرار الناس عنده فهم العلماء إذا فسدوا والثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون والذين لا يدارون الناس، والولاة الذين يعاقبون فوق ما أمر الله ومَن لا يقبلون أعذار الناس، والذين يمنعون الرفد ويعذِّبون الرقيق والبخلاء على الضعفاء بأفضال الجاه وفصاحة اللسان والقوة والعلم لمن أوتيها.

وانظر بساطته وسلامة فطرته عندما يقول للسائب بن أبي صيفي: «كيف لا أعرف شريكي؟» ولمعاذ بن جبل فقد رآه ساهمًا بعد أن أفضى إليه ببعض حوادث التاريخ المترتبة بعضها على بعض؛ فإنه ضرب بيده الشريفة على فخذ معاذ أو منكبه ثم قال: «إن هذا لحق كما أنك ها هنا …» أرأيت البساطة في العظم والكرامة في رفع التكليف، وتنبيه السامع المدهوش، كأن محمدًا ملمٌّ بعادات هذا العصر الذي نحن فيه، فإن أحدنا يقول لصاحبه: «صدقني يا فلان، فإني واثق مما أقول ثقتي بأني أراك وأسمعك.»

وهذا الذي يقول كيف لا أعرف شريكي ويضرب على منكب سامعه أو فخذه؛ إنسان لبق ظريف، يقظ خبير بالحالة النفسية، واقف على دقائق العقليات، وهو الذي يغري الأمة بالحسنات من باب دفع الأذى: «حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة واستقبِلوا البلاء بالدعاء.» وهو الذي يكره قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ويندد بالإنسان الطامع الحريص في غفلته، فيعظه ويردعه ويزعه: «تقول مالي مالي! وإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو وهبت فأمضيت.»

ولم يأنف أن يتسلى بسباق الخيل؛ فلما جاء فرسه الأدهم سابقًا، جثا على ركبتيه وقال: ما هو إلا البحر. فأراد إظهار حب الخيل وتعظيم شأنها؛ لأنه وإن شارك العرب في عادة المسابقة — وقد دلت الحوادث على أنها متعة العظماء والكبراء في أنحاء العالم وفي هذه الحضارة، وما زالت مصدر كسب وخير لأصحابها ووسيلة لتحسين نتاجها وترقية أجناسها — فإنه لم يستفز بسبق جواده، وإن استفز فلا حرج فقد كان بشرًا مثلنا يسرُّه النصر، وإن كان لا يخرجه عن ثباته ورزانته ويسوءه ضده ولا يفسد عليه صبره وحلمه وتجمُّله بالرِّضَى.

وقد خرج الحطيئة عن حدود البشرية حين قال مفتخرًا، مدعيًا هدوء الأعصاب إلى أقصى درجة:

وإن جياد الخيل لا تستفزنا
ولا جاعلات العاج فوق المعاصم

كان — عليه الصلاة والسلام — صادق الفراسة في الرجال، لا عن طريق النبوة بل عن طريق الفطنة؛ فقد جاء إليه قيس بن عاصم المنقري فلما نظر إليه محمد ولم يكن قد رآه من قبل قال: هذا سيد أهل الوبر. جاء يسأله تحديد الثروة لأمثاله وهو استفتاء شديد الصعوبة، ومسئوليته على الشارع ثقيلة، وكل ما يقوله النبي يفرض أن يطاع ويتبع، وقد جاء الرجل مفاجئًا ووجب على محمد أن يجيبه مرتجلًا، وكان لا يبطئ في الجواب ولا يعجل ولا يسهب ولا يحصر، وهو الأمي الذي ليس لديه مراجع يطلب الإمهال ليرجع إليها ولا نصوص يتأملها ويستشيرها؛ فهو المفتي الذي يفتي السائل فورًا، فاسمع ما أجاب به سيد أهل الوبر: قيس — يا رسول الله، خبِّرني عن المال الذي لا تكون عليَّ فيه تبعة من ضيف ضافني، أو عيال إن كثروا عليَّ.

محمد — نعم، المال الأربعون والأكثر الستون وويل لأصحاب المئين، إلا من أعطى في رسلها ونجدتها وأطرق فحلها وأقفر ظهرها ونحر سمينها وأطعم القانع والمعتر. فقال السائل: يا رسول الله، ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها!

ولم تتجلَّ مكارم الأخلاق في محمد بأبهى وأجمل من العفو عند المقدرة؛ فقد ظهر في فتح مكة من كرمه ورجاحة حلمه ما يغطي على فضائل الفاتحين في تاريخ العالم مهما أوتوا من السياسة والعقل وبُعد النظر؛ فقد كان الغزاة يبطشون بالمغلوبين أي بطش، يستبيحون دماءهم وأعراضهم وأموالهم ولو لم يكن بينهم ثأر، وليس إلا مطامع الجند ونشوة الانتصار. إلا محمدًا فإنه لما سمع صارخًا من جيشه يقول: «اليوم يوم الملحمة.» قال: «كلا! بل اليوم يوم المرحمة.» وفي الحقيقة لم يكن داخلًا برضاهم، بل دخلها عَنْوَة وله كل حقوق الفتح وعليهم كل واجبه وخضوعه. عدا ما سبق للوثنيين منهم من السيئات؛ فقد قتلوا أعمامه وأولياءه وقادة أنصاره بعد أن حصروه في الشعاب وعذبوا أصحابه بأنواع العذاب وجرحوه في بدنه وآذَوْه في نفسه وسفهوا عليه وأجمعوا على كيده ودبروا مقتله في فرشه وتآمروا عليه عائدًا من غزواته، فلما دخلها بغير حمدهم، وظهر عليهم على صغرٍ منهم، قام فيهم خطيبًا، فقال مستشهدًا بالقرآن: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

وذلك معنًى لم يجئ به ملوك المدائن الإغريقية حين فتحوا إسبرطة وأثينا وغلبوا أهلها على أمرهم وهم جيران وأقارب، ولا الإسكندر الأكبر في مصر وفلسطين، والفرس والهند، ولا غزاة الرومان عند فتح قرطاجنة (القرية الحديثة)، ولا قياصرة الرومان في غزوة إنجلترا وبلاد الغال، ولا قمبيز وقورش ولا غليوم الفاتح، ولا هنري الرابع ولا نابوليون بونابرت، بل إنه حادث مفرد في تاريخ الفتوح الحربي في العالم منذ فجر التاريخ إلى يومنا هذا. كان الفاتح مرهوب الجانب من المغلوب المهيض الجناح، حتى لقد دبر اليهود مقتل هولفرن، ودعَوْا على سنخريب ونبوخذ نصر.

وقد يقال إن محمدًا رعى حقوق القرابة والجوار وهي لعمرك لم يرعَها أوغاد قريش من الوثنيين في قوتهم وضعفه وجماعتهم ووحدته، فكان أحرى به أن لا يرعاها، فلم يقدموا بين يديه جميلًا يردُّه، ولم يُسدوا إليه معروفًا يقابله بمثله. وكانت بين جدران مكة وفي أحد قصورها المشيدة تلك المرأة القاسية هند التي اغتالت حمزة عم النبي واستأجرت على قتله في موقعة أُحد، ولم تكتف بمصرعه بل مثلت به وأكلت من كبده! فاحتلبت به دمًا لا تطير رغوته ولا تسكن فورته ولا يموت ثائره ولا يكلُّ طالبه، وهو أحد أبطال الإسلام ومن أعظم شهدائه، ولم يُسلم زوجها أبو سفيان إلا منذ هنيهة وهو في الرمق الأخير من الكفر واليأس والخوف على عمره.

والسر في ذلك أن محمدًا لم يكن ملكًا وإن كان غازيًا، ولم يكن فاتحًا وإن كان هاديًا، ولم يكن منتقمًا وإن كان قادرًا، ولم يكن جبارًا وإن كان قويًّا، ولم يكن موتورًا وإن كان مظلومًا، ولم يكن قاسيًا وإن كان فيما مضى مقهورًا.

بل كان نبيًّا وكان حليمًا وحكيمًا، ومن كان كذلك لا يهرق الدماء، ولا يفضح النساء ولا يسمح باستباحة الأموال والديار، بل إنه جعل من دار ألدِّ خصومِهِ أبي سفيان وهند، مأمنًا للاجئين وموئلًا للخائفين، فها هو يشرِّف أعداءه ويجعل بيتهم — وقد كان وما زال عش زنابير — حصنًا منيعًا لمن يريد التسليم في ستر وكرامة.

الملوك

كان المسلمون يحبون الخلافة ويبغضون الملوك؛ الخلافة بالمعاني التي خلعها عليها النبي والخلفاء الراشدون، ويبغضون الملوك الظالمين. وقد وردت آيات من أمهات القرآن وبينات الأحكام في ذمهم والتحذير منهم، وقد حذر الرسول من الطغيان ووصف الإمارة بسوء الخاتمة كما حذر من السلطان.١ وقال سعد بن جمهان لسفينة: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم. فقال: كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك من أشد الملوك؛ وأول الملوك معاوية. وذِكر معاوية يفسر المعنى المقصود بالملك في نظر الصحابة الذين تخرجوا في مدرسة القرآن ومحمد . لقد فهمنا من ذكر معاوية المعنى المقصود وذكرنا العام الذي سمَّوْه عام الجماعة، وهو الذي تحولت فيه الإمامة ملكًا كسرويًّا، والخلافة غصبًا قيصريًّا.

وقال إبراهيم الأنصاري: الخلفاء والأئمة وأمراء المؤمنين ملوك، وليس كل ملك يكون خليفة وإمامًا. وقال أبو بكر — رضي الله عنه: إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك! وكان يخطب فلما نطق بهذه الكلمة رفع الناس رءوسهم دهشةً، فأدرك أبو بكر ما اعتراهم من الذهول بسبب العجلة فقال: ما بالكم أيها الناس؟! إنكم لطعانون عَجِلون، إن من الملوك من إذا ملك زهَّده الله فيما عنده ورغَّبه فيما في يدَي غيره، وانتقصه شطر أجله وأشرب قلبه الإشفاق، فهو يحسد على القليل وينسخط الكثير ويسأم الرخاء وتنقطع عنه لذة الباءة، لا يستعمل العبرة ولا يسكن إلى الثقة؛ فهو كالدرهم القسي والشراب الخادع، جذل الظاهر حزين الباطن، فإذا وجبت نفسه ونضب عمره وضحى ظله حاسبه الله فأشد حسابه، وأقل عفوه.

وخير الملوك من آمن بالله وحكم بكتابه وسنة نبيه.

فأي كلام في وصف الظالمين من الملوك أبلغ وأقوى وأصدق من كلام أبي بكر تلميذ محمد وصديقه وخليفته؟ ومن أي نبع فياض بالحكمة والمعرفة استقى هذا الرجل غير القرآن والسنة؟ وأي التاريخ قرأ ودرس سوى الآيات المحكمات والسور الملأى بالحكمة الإلهية المضيئة بالنور المحمدي صاحب وحيها ووسيلة تبليغها؟

بل ماذا قال بعده بمئات السنين فلاسفة الشرق والغرب والمؤرخون والشعراء؟ إنهم لم يأتوا بعُشر بديهته ولا بظل من دقة وصفه، وعميق فهمه؛ لقد وصفهم كأنه يراهم وكأنه عاشرهم وابتلاهم وجرَّبهم واختبرهم وذاق مرارة ظلمهم، وقد خطب أبو بكر هذه الخطبة وهو أمير المؤمنين ويخشى أن يخلط الناس بين الملك والخلافة، فأراد أن يضع الأشياء في مواضعها ويبين الحدود للرعية، فأسهب في وصف الشرار من الطغاة، وأوجز في صفة الخيال من الملوك.

•••

كان في الجاهلية ملوك من العرب، كملوك الحيرة وغسان واللخميين، وكان حول الجزيرة قياصرة في الروم والفرس ومصر والحبشة واليمن، وكانت التوراة تعج بأسماء الملوك حتى أفرد لهم سفر خاص بهم، ودعا النبي على الظالمين من ملوك العرب فقال: اللهم أذهب ملك غسان وضع مهور كندة. ولكنه لم ينسَ أنه وُلد في عهد الملك العادل كسرى أنوشروان، فلما بُعث ووعى خاطبهم بأقدارهم، فكتب لكلٍّ منهم بما يليق به ويؤثر عليه ويجتذبه للإسلام.

حتى أمراء العرب خاطبهم على قدر عقولهم مفتتحًا دعوته بتطمينهم وتأمينهم، فكتب لوائل بن حجر الحضري ولقومه: «الأقيال العباهلة» أي المقرون على ملكهم فلم يزالوا عنه.

١  لا يؤمن ذو سلطان في سلطانه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠