التجارة والزواج

قلنا في الكلام على زواج هاشم من سلمى إنه تم على عهد الكفالة أو سيادة المرأة في عصر الأمومة ماترياركا، وإن هذا العهد كان متحكمًا إلى ما قبل ظهور الإسلام بمائة وسبعين عامًا، وقد أخذ نظام الأسرة يتحول في حواضر الحجاز عامة ومكة خاصة إلى النحو الذي أقره الإسلام فيما بعد؛ فقد كانت سلمى النجارية نفسها زوج هاشم وأم عبد المطلب تتجر في أسواق المدينة، فرآها هاشم وأُعجب بها وخطبها وهي الشاردة من أطم حليلها أحيحة. وقد بدأت تتلاشى ضروب الزواج القديمة التي اعتبرها الإسلام سِفاحًا، ويحل محلها نظام الزواج القائم على التراضي والتعاقد. ومن علائم عهد الأمومة أو الكفالة حق التملك للمرأة وحق الإرث، فأصبحت في ظل عهد الأمومة تملك وترث وتتصرف في مالها، وتفارق زوجها عند رغبتها وتضم أولادها من رجال مختلفين تحت سقفها؛ فصارت عاملًا فعالًا في الحياة المكية قبل الإسلام وفي عصر النبوة. ومن تلك العلائم بل أظهرها قدرة المرأة الحسناء النبيلة الغنية أن تختار الزوج الذي تشاء، كما فعلت خديجة بنت خويلد مع محمد بن عبد الله. وإن كان الإسلام قد حد نوعًا من حرية المرأة بفكرة الحجاب وضرب الخمار على الجيوب.

وُلدت السيدة خديجة بمكة حوالي منتصف القرن السادس المسيحي؛ فهي من مواليد عصر الإحياء أو النهضة المحمدية، من والدين من الطبقة الراقية؛ فأبوها خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي (وهنا تلتقي بالنبي في الجدود)، وكان خويلد ممن قادوا قريشًا في حرب الفجار؛ فهو رفيق سلاح لبني هاشم، ولعل محمدًا حارب تحت لوائه في أحد الأيام، وأمها فاطمة بنت زائدة بنت الأصم من بني عامر بن لؤي (وهو أحد أجداد النبي)، وكان جد فاطمة عمرو بن خنثر أحد أبطال الجاهلية؛ فخديجة تنتمي إلى بيتٍ من أعز بيوت قريش هو بيت عبد العزى بن قصي، وإلى قبيلة من أمجد قبائل مضر هي قبيلة عامر بن لؤي، وعمها عمرو بن أسد وأبناء أعمامها حكيم بن حزام وورقة بن نوفل وقتيلة بنت نوفل، وأخو خديجة العوام بن خويلد والد الزبير بن العوام حواري رسول الله، وثلاثة من هؤلاء العشيرة الأقربين أدَّوْا للإسلام خدمة جليلة أولهم ورقة الذي بشر خديجة بنبوة بعلها وطمأنها وهنَّأها، وكان في مقدمة العصبة المنورة من شيوخ قريش، ترك الوثنية وتحنف وتنصر وقرأ التوراة والإنجيل وكتب العبرانية، وحكيم بن حزام كان صاحب مروءة وعاطفة كريمة تجلَّت في صنيعه لبني هاشم والمطلب عندما حصرتهم قريش في الشعب، والزبير كان من أنصار الرسول وأبطال الإسلام. وهذا الزواج نفسه رد مفحم على من ادَّعَوْا وضاعة أصل النبي وضآلة شأن بني هاشم! فلو كان الأمر كما زعموا لما أقدمت خديجة على محمد في حياة عشيرتها؛ فقد كانت من أوسط نساء قريش نسبًا؛ أي من أعلاهن؛ فالتوسط هنا بمعنى واسطة العقد ودرته اليتيمة وجوهرته الفريدة، فورثت عن والديها مزايا السؤدد العربي من نبل وكرم خلق ووفاء وشجاعة وحزم وصبر على الشدائد وتدبير وحصافة رأي، كما تلقت عن أعمامها تلك الاستنارة العقلية وذلك السمو الروحاني الذي أعدها لتقدير الدعوة الإسلامية وقبولها عن طيب نفس وبذلها ما تملك في سبيل الدين الجديد.

كانت خديجة أرملَ وأيِّمًا، تزوجت في فجر شبابها من عتيق بن عائد بن عبد الله بن مخزوم، فلما تُوفِّي تزوجت من أبي هالة هند بن زرارة التميمي؛ فورثت من زوجها ومن والدَيها ميراثًا حسنًا، فقامت على استغلاله في التجارة التي كانت مرتزق قريش في زمنها وكل زمان؛ فكانت تستأجر الرجال في الاتِّجار لها بمالها لقاء نصيب تسهمه لهم من الربح وتجعل معهم خادمها الأمين ميسرة.

لقد أخطأ من قال إنها بلغت الأربعين وإنها تُوفِّيت في الخامسة والستين. كانت تكبر محمدًا بضع سنين لا نظنها تزيد على الثماني أو العشر، وكانت وسيمة ذات جمال وروعة وملاحة وفطنة، وخطبها كثير من كبار قريش حبًّا في جمالها ومالها ونسبها، ولكنها كانت تعتذر إليهم لا رغبةً في العزوبة ولكن رغبةً عن ذل الرجال! ولم يكن أحد يعجبها لأن عادة من يتقدمون إلى الأرامل الثريات كهول ذوو مطامع وأبناء وبنات وأصهار، وكانت خديجة سيدة ذات عقل ناضج وقلب كبير في مجتمع خشن كثيف غليظ، ولا بد لها من شاب في ربيع حياته يُخرجها من ظلام هذه التقاليد الجاهلية وفوضى البداوة؛ فهي إذنْ كانت في أزمة نفسية بين قلب شاب وجمال نضر وبين احتمال الحياة الجديدة في صبر وعفة.

وبينما هي في هذه الحيرة إذا بقلبها قد أخذت تنطبع فيه شيئًا فشيئًا صورة نجم شارق في أفق الحياة المكية الكثيفة الغليظة الخشنة لا شك أن يتكشف عن كوكب وقَّاد يملأ الكون نورًا وهديًا؛ فقادتها غريزتها وفطنتها ونجم حظها وسعد طالعها إليه.

كان المجتمع المكي ينحدر إلى الحضيض وكانت برودة الموت تمتد إلى أطرافه، ولا حرارة تبعث فيه الحياة إلا حياة اللهو والفسوق والأغاني والخمر والسمر والميسر، وهذه حرارة لا تلبث أن تشتعل حتى تخبوَ وتنطفئ؛ لأنها غير حرارة الحياة والقوة التي تصهر وتنضج وتعدُّ الشعوب للحياة العالية. ولم تَخفَ تلك الحقيقة عن بصيرة خديجة والدة اليتامى وصاحبة المتاجر في البلاد البعيدة، ولا بدَّ أن عشرتها لسيدات البيوت الكريمة وأحاديثها مع جيرانها ووكلائها زادتها نورًا وعلمًا بالحوادث، فلم تكن بمكة صحف ولا مجلات ولا برقيات ولا مقالات، ولكن لا ريب كان فيها قاعات استقبال ومضايف تدور فيها كئوس الأحاديث على نقيع التمر المعطَّر بماء الورد أو أطباق الحلوى المفعمة بالأفاويه، ولا بد أنْ ورَد على بعض الألسنة وصف ذلك الشاب الذي ما يزال مغمورًا مطمورًا ولكن مخايله كانت تؤذن في سمع خديجة ونظرها بعد أن رأته بأنه سوف يأخذ بزمام تلك الحياة المنحدرة فيوجهها توجيهًا جديدًا. وغريزة المرأة قلَّ أن تخيب في مثل هذه المواقف؛ فإن لها في الرجال نظرة فاحصة مدققة وفراسة يندر أن تخطئ، فلا تسلم قلبها ويدها ومالها إلا واثقة من الدقة الناجحة والصفقة الرابحة، وإن ضاربت المرأة بكل مالها في التجارة فلا تخاطر بقلبها في الحب والزواج.

ذلك الشاب الذي وقعت عليه عين خديجة واختيارها كان محمدَ بن عبد الله ؛ فكانت أوفر حظًّا ممن تربح الجائزة الأولى في أغلى سباق.

كانت خديجة تعيش في بيت ابن أخيها حكيم بن حزام في شارع الحزامية؛ نسبةً إلى أخيها، وما تزال أرض هذا البيت معروضة للأنظار في محلة الشامية بعد هدم القبة التي كانت عليه، وقد رأيتها بعيني وما شعرت بحكمة الشعراء في بكاء الدار والجدار ودار مي وهند بمثل ما شعرت به حياله! وكان للدار مدخل مظلل بأغصان الشجر وحديقة تنفتح منها خوخة إلى بيت العوَّام زوج إحدى عمات النبي.

كان قلب خديجة يخفق خفقانًا شديدًا عندما تلمح هذا الشاب العجيب يروح ويغدو في طرق مكة وأسواقها، وأدركت بعد تكرار اللقاء ومحمد لا يدري من أمرها شيئًا لفرط حيائه وانشغاله بنفسه أنه حاجة قلبها ومهوى فؤادها، ولكن كيف تُفضي إليه بدخيلة نفسها وتبثه لواعج حبها! إن الحسب والنسب والخفر والحياء كل هذه تمنعها أن تكون هي البادية بالخطوة الأولى التي تكلف صاحبها فوق طاقته.

لِمَ لا تستأجر محمدًا وتضاعف له الجُعل الذي كانت تجعله لسواه؟ فوسطت إليه من عرض عليه رغبتها فقبل محمد ما عُرض عليه وسافر إلى الشام في صيف ٥٩٥م متَّجرًا في مال السيدة، وسافر معه غلامها ميسرة ليرقبه عن كثب، ويُنهي إليها عند عودته جملة حاله في سفره؛ فتقف على حقيقة حاله في الحل والارتحال. وباع محمد واشترى ولقي التجار والراحلين ولقي من لقي في بادية الشام من حكامٍ ومحكومين وخاصةٍ وسوقةٍ، كما يرى كل تاجر عربي يشد رحاله إلى الشمال والجنوب، ثم عاد وقد ربحت التجارة ربحًا وفيرًا، «وقدَّم ميسرة تقريره» بما رأى من محمد في السفر من الرجولة والصبر والجدِّ إلى رقة الشمائل وسهولة الخُلق وصدق المعاملة وأمانة الأخذ والعطاء؛ فاطمأن قلبها أو علمت أن فراستها لم تكذبها. وقد جاز محمد عقبة الاختبار ونجح في الامتحان؛ فقطعت كل تردد وأجمعت أن تخطوَ الخطوة الأولى؛ فمالت إلى نفيسة بنت منية إحدى صواحبها التي تثق بها وتأمنها على سرها، وأفضت إليها برغبتها، وجرى بينهما الحديث المعروف المدوَّن في كتب السير، فدعته إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة فأجاب الدعوة بعد أن أصبح يشعر نحو خديجة بمثل شعورها نحوه، ولم يجعل لفرق السن حسابًا بالقياس إلى محاسنها وفضائها، ووافق الأعمام على الزواج وأصدقها عشرين بكرة ولم يكن هذا الصداق في الواقع إلا رمزًا؛ لأن خديجة لم تكن بحاجة إليها وهي مهما كثرت لا تُعدُّ شيئًا بالنسبة لقدرها.

•••

كان هذا الزواج أهم حادث في حياة النبي قبل البعثة، والخمس عشرة سنةً التالية، وهي فترة الاستعداد للوحي، أعظم فترة في حياة محمد، ولا يعدلها في ميزان التاريخ إلا العشر سنوات التي قضاها في المدينة، وكانت خديجة أعظم إنسان في تاريخ الإسلام قبل أبي بكر وعمر.

كان هذا الزواج ضرورة محتمة وسعدًا وتوفيقًا وخيرًا جاءت في وقتها، وخطا محمد الخطوة الأولى في سبيل الرسالة؛ فقد كان يعوزه الاطمئنان والراحة والفراغ وضمان الرزق وكفاية مئونة الدنيا التي بدون توافرها لا يتم عمل عقلي أو روحاني منتج؛ فإن الهلع والجزع والعناء بسبب السعي كلها تعطل المواهب وتقيدها بسلاسل الاضطرار وتشغل النفس عن الصعود إلى العلا. فلم يكن زواج محمد وخديجة فاتحة حياة زوجية هادئة وادعة هنيئة وحسب، بل كان فاتحة الاستعداد للدعوة المحمدية. وإن أعظم أعمال الرجال حتى الأنبياء منهم لا تقوم إلى على كاهل امرأة حنون، سواء أكانت أمًّا أم زوجًا أم أختًا أم بنتًا، وهذه المرأة الحنون لا تغذي الرجل إلا إذا كان بينهما حب متبادَل وإخلاص واحترام وتقدير، وقد اجتمعت هذه الشروط كلها وذاق محمد طعم السعادة البيتية من ليلة الزفاف إلى أن ماتت خديجة — رضي الله عنها — بعد ذلك بخمسٍ وعشرين سنة، حتى على ما عانياه معًا في العشر السنوات الأولى للبعثة من المتاعب والمشقة؛ فإن كل ألم يهون وكل عذاب يعذُب إذا تمت الشروط السالفة.

كانت خديجة تقدِّر في محمد كرم الخُلق وشباب السن وقوة البنية وسلامة البدن وروحانية النفس وجمال الرجولة وكمال المواهب، وكان يقدِّر فيها رجاحة العقل والجمال وكثرة عطفها عليه وإعجابها به وتوفير أسباب راحته في داره وموافقته فيما يحب وما لا يحب ومطابقته على ما يروقه وما لا يروقه.

ولم يكن محمد كغيره من الرجال يعيش كما اتفق؛ فقد كان كثير العناية بأمر نفسه، ليس كل الطعام يطعم ولا كل الشراب يشرب ولا كل الثياب يلبس ولا بكل الزينة يزدان، ثم هو ميال بطبعه إلى العزلة مؤثر للصمت مطيل للفكر؛ فعلى جليسه وعشيره أن يعرف فيه كل ذلك ويرعاه له، وقد عرفت خديجة ذلك ورعته له أتمَّ رعايةٍ.

فكانت تعد له ما يستطيبه من الدباء والعسل والتمر المنقوع في الحليب أو المخلوط بالقثاء، ولا شك أنها كانت تقل في طعام من البصل والثوم اللذين كانت تعاف كثرتَهما نفسُه، كما كانت تُعنَى بنظافة ثيابه وأدوات طيبه وأدهانه، فكان يحب أن يبرز للناس عَطِرَ الجسم نظيف الثياب.

ولا شك أنها كانت توفر له الهدوء في المنزل، وإذا جنح إلى الخلوة أو التحنث في الغار لم تقطع عليه سكونه، بل أعانته على ذلك بإعداد الزاد الذي يحتاج إليه، فإذا طالت غيبته افتقدته في غير إزعاج ولا تكدير لصفو نفسه.

هذه هي في الواقع صفات الزوجة التي تنضج في ظلالها العبقرية، ويتم فيها تخريج الرجال المختارين من العناية لخدمة الإنسانية، وهذه الحياة السعيدة اللينة هي مدة الحضانة والحصانة اللازمتين لظهور البعثة المحمدية.

إن التشجيع وتوافر الاطمئنان أعظم ما يحتاج إليه الرجل المخلوق لجلائل الأعمال، وهما لا يوجدان إلا حيث يوجد الحب الصحيح. وأهل هذا الزمان من النساء خاصةً يستغلون الرجال؛ فالمرأة تُظهر الحب وتوقع الرجل الذي تظن فيه الخير في حبائلها لتستثمره! وهذا يقود إلى خراب الاثنين معًا. وكان في قريش وفي مكة نساء من هذا القبيل، وفي مقدمتهم هند زوجة أبي سفيان، وقد لعبت بزوجها الأكر وسخرته في الانتقام لأبيها وأقاربها الذين قُتلوا في بدر. وهؤلاء النساء شبيهات بمغامرات هذا الزمان.

ولكن خديجة كانت فريدة في خُلقها ونُبلها، ولكن هذا لا يمنع أن تكون قد ظنت كل الخير بمستقبل محمد على صورة مبهمة؛ لأنها رأت أنه مخلوق لأعاظم الأمور، ولكن صورة العظمة التي تواتيه لم تكن واضحة في ذهنها، وهذا الزواج كان موفَّقًا حقًّا، حتى لكأنه مراد العناية الإلهية وغاية الرغبة الربانية وليس توفيقًا سعيدًا ولا حسن حظ لمحمد أو خديجة. نعم كانت خديجة تجتمع وإياه في قصي ولعلها أقرب زوجاته لحمًا ودمًا، ولا يشاركها هذا الفخر إلا أم حبيبة، أما غيرهما من أمهات المؤمنين فمن غير عشيرته. أما مؤرخو العرب الذين لديهم مراجع تاريخية حسنة فلم يُعنَوْا بجانب الجد من الحياة ولم يصفوا خديجة إلا بأنها «امرأة حازمة جلدة شريفة النسب.» مع أن حياتها من مولدها إلى وفاتها كانت على مرأًى ومسمعٍ منهم؛ فلم يدوِّنوا منها شيئًا ولم يفهموا هذا الزواج المبارك إلا أنه تم بدسيس من نفيسة بنت منية وأن خديجة أسكرت أباها خويلد بن أسد وألقت عليه حلة وضمخته بطيبٍ خلوق على عادة تزيين آباء الزوجات ليلة الزفاف؛ لأنها استشعرت من أبيها أنه يرغب عن زواجها من محمد (كذا!) كما فعلت رقاش مع أخيها جذيمة عند زواجها من عدي نديم أخيها في قصة الزباء! فكل زواج في عُرف هؤلاء المؤرخين السالفين بين امرأة ذات قدر وشاب أصغر منها سنًّا أو أقل مالًا لا يتم إلا بالحيلة والدسيسة!

ولو كلف هؤلاء المؤرخون أنفسهم قليل عناء، لعلموا أن خويلدًا مات قبل زواج ابنته وابنه! وأنه لو كان على قيد الحياة لقبل هذه المصاهرة مسرورًا؛ فلم يكن محمد نديمًا له ولم يكن ممن يختلسون النساء الثريات ولم يكن ليرضى الدخول بها على أنقاض الخمر والحلتين والطيب المزعفر، وهو الذي من قبلُ أبى أن يتزوج من ابنة عمه أم هانئ وهي التي عرضت نفسها عليه. ولكن ما الحيلة في هذه الآراء العبرانية التي سرت إلى كُتَّاب السيرة من التوراة؟! فإن صورة ابنتَي لوط اللتين أسكرتا والدهما لا تبرح أذهانهم. ويستمر هؤلاء المؤرخون المختلقون فيزعمون أن خويلدًا لما أفاق من خماره قال: ما هذا؟! قالت له خديجة: زوَّجتني من محمد بن عبد الله! قال: أنا أزوِّج يتيم أبي طالب؟! لا لعمري! فقالت له خديجة: ألا تستحي؟! تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخبرهم أنك كنت مخمورًا! فلم تزل به حتى رضي.

وفي هذه الرواية الآفنة ما فيها من الباطل والتلفيق، وقد عرضنا له لنُظهر القارئ الحديث على لونٍ من تدوين التاريخ الأبله، فإن وصف محمد بيتيم أبي طالب أو يتيم قريش غير معقول ولا مقبول بعد أن صار رجلًا رشيدًا! واليتم لا يمتد إلى ما بعد بلوغ الرشد، واليتم ليس معرة، وكان محمد إذ ذاك تاجرًا يربح وفتًى من فتيان قريش ذوي المكانة والقدْر والنسب والعقل، فمن يكون هذا الشيخ الهرم حتى يعترض على مصاهرته ولم يعترض عليها أعمام خديجة وهم حكيم والعوام وورقة، ولأجل أن يقيموا لوصفه بيتيم قريش وزنًا جعلوا خديجة أيم قريش كأن لم يكن في قريش ولا في مكة يتيم ولا أيم سواهما! وهذا المؤرخ نفسه الذي يورد خبر السكر والحلة والخلوق (الطِّيب المخلوط بالزعفران) هو الذي يثبت بعد بضعة أسطر ما نصه: «خطب ورقة بن نوفل فقال: نحن وأنتم سادة العرب وقادتها (مخاطبًا أبا طالب وإخوته ومحمدًا وعشيرته) لا ينكر العرب فضلكم ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم، ورغبتنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا عليَّ معشر قريش أني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله. وأمرت خديجة جواريَها أن يرقصن ويضربن الدفوف، وهذه أول وليمة أولمها رسول الله … إلخ.»

وأردنا أن نثبت من كلام ورقة ما أثبته المؤرخ «ورغبتنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم»، وهو الذي يقتضيه سياق التاريخ من أن خديجة كانت الراغبة، والراغبون لا يختلسون رِضَى الآباء بالسكر والعربدة!

وأحب أن أقرر هنا أن كل مؤرخي الإفرنج لم ينازعوا في شرف محمد وعظمته وجدارته وحذق خديجة في انتقائه بعلًا، وكانوا أكثر عدلًا ومنطقًا وتحقيقًا من أسلافهم العرب الذين كان تعرُّضهم للسيرة المحمدية بلاءً على الثقافة العربية والتاريخ الإسلامي!

•••

بُعيد الزفاف شعر محمد بأن عبئًا ثقيلًا قد انحط عن كاهله، فلم تعد به حاجة إلى أسفار الشام واليمن، وعادت خديجة إلى تأجير الرجال على تجارتها في صحبة ميسرة. ولم يبقَ محمد عاطلًا، بل شرع في تجارةٍ بمشاركة قيس بن الصائب، وكان شريكًا موافقًا شاد النبي بفضله بعد الإسلام ولم ينسَه قط، وكان النبي يبيع ويشتري وأكثر ما رُئِيَ شاريًا.

وإنك إذ تسير في طرق مكة الحديثة ليخفق قلبك إذا تحسب أنك تطوف بالحانوت الذي اتخذه الرسول لتجارته، وتكاد تراه بعين الخيال بمحاسنه ومكارم أخلاقه واقفًا أو جالسًا يساوم أو يجتهد أو يأمر بالقسط أو يفض نزاعًا أو يحل معضلًا. فهذه مكة ما تزال على حالها لولا تهدُّم بعض المباني وحلول غيرها محلها لضيق رقعتها وحاجة أهلها إلى كل ذراع من فضائها، وهذه لذة السير في طرق مكة، فإنك توشك أن تلتقيَ بمسلم من الصدر الأول أو بمضطهد من كفار قريش أو بشاعر يشتري الخمر ويغذ السير ليدرك موعدَ لقاءٍ أو مجلسَ أميرٍ ليمدحه، أو قافلة تسير على مهل ثم تقف لتستدير وتلتوي في طريقها إلى محلة القرارة أو جرول أو المسفلة أو المدعى لتنيخ جمالها وتحط رحالها، فليس هناك كبير فرق بين مكة الوثنية ولا مكة الإسلامية إلا في قلوب المؤمنين الذي يلقَوْنك ويحيُّونك بتحية الإسلام، وفي اتساع رقعة المسجد الحرام ودعوة المؤمنين إلى الصلاة في أوقاتها وخلو بيت الله المعظم من الأصنام والأوثان. أما الديار والحوانيت والتجار والبضائع والأعراض فلا فرق بين اليوم وأمس، وهؤلاء الغرباء يطلعون عليك من كل فج.

ولكن محمدًا كان بلا ريبٍ ممتازًا على غيره من أهل بلده؛ فلا هيئته هيئتهم، ولا حديثه حديثهم، ولا عقيدته عقيدتهم، ولا ميله من ميولهم، وها هم الآن يتطلعون إليه بعد زواجه وفيهم الحاسد والناقد والمهنئ الجهير والحاقد المنافق، وفيهم من ينظر إليه طمعًا في ما سوف يكسبه غدًا من المجد فيشركه فيه سواء أكان مالًا أو شهرةً، ولكنهم لا يعلمون على التحديد نوع هذا المجد ولا يخطر ببالهم أنه سوف يقلب كيان مجتمعهم وسوف يقوض أركان حياتهم ليبنيَ لهم بأمر الله وإذنه بناءً جديدًا. إنهم لا يرَوْن فيه إلا شابًّا نشطًا وعرسًا جديدًا وتاجرًا أمينًا وسيدًا حسيبًا يتسلسل من أعرق الأصلاب، وسوف يستمر نظرهم إليه على هذه الصورة وبهذا التقدير خمس عشرة سنة. وما كان محمد نفسه يدري ماذا تخبئ له الأقدار، ولكنه كان بلا شكٍّ فرحًا بما أصاب من خير راجيًا أن يوفَّق إلى رِضَى هذه التي كانت مثال الزوجة الحفية بزوجها؛ فكانت مثال الأم المعنية بأولادها؛ فقد رُزق منها محمد كلَّ أولاده ذكورًا وإناثًا غير إبراهيم؛ فولدت له القاسم، وكان به يكنى، ثم ولدت له زينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم، وقد وُلدوا جميعًا في الفترة السابقة على البعثة، ثم وُلد له في الإسلام عبد الله الذي عُرف بالطيب والطاهر. ومما يؤكد قولنا أن خديجة لم تبلغ الأربعين عند زواجها أنها ولدت بعد الإسلام أي بعد خمس عشرة سنة من زواجها، فلو كانت سنها عند الزواج أربعين لأربت عند مولد عبد الله على الخامسة والخمسين، وهي سن لا تلد فيها المرأة، وهي تبلغ سن اليأس في الخمسين، ولا عبرة بما يقول مخرفو المؤرخين من أن نساء قريش يلدن بعد الستين ويحتفظن بجمالهن ونضارتهن إلى المائة!

وقد انضم إلى هؤلاء علي بن أبي طالب.

أما الدار التي جمعت تحت سقفها هذه الأسرة الطيبة الطاهرة في حارة الحزامية، والتي رأينا أرضها فضاءً في آخر سنة ١٣٥٩ هجرية؛ أي بعد الزفاف بألف وثلاثماية وثمانين وسبع سنوات؛ (لأن الزواج تم سنة ٢٨ قبل الهجرة)، فكان بابها يوصل إلى طرقةٍ على يسارها شبه مصطبة مرتفعة عن الأرض بنحو ثلاثين سنتيمترًا، وهي عبارة عن عشرة أمتار طولًا في أربعة عرضًا، وعلى يمينها باب صغير يُصعد إليه بدرجتين يُدخل منه إلى طرقةٍ ضيقة عرضها متران وفيها ثلاثة أبواب؛ الذي على اليسار لغرفة صغيرة يبلغ سطحها ثلاثة أمتار طولًا في أقل منها عرضًا، وهذا المكان كان معدًّا لعبادته ، وفيه كان ينزل الوحي عليه، وعلى يمين الداخل إليه مكان منخفض عن الأرض يقولون إنه كان محل وضوئه. والباب الذي في قبالة الداخل إلى الطرقة فيه مكان واسع يبلغ طوله ستة أمتار في عرض أربعة، وهو الذي كان يسكنه مع زوجته. أما الباب الذي على اليمين فيوصل إلى غرفة مستطيلة ٤ × ٧٫٥ أمتار وفي وسطها مقصورة صغيرة أقيمت على المكان الذي وُلدت فيه السيدة فاطمة — رضي الله عنها — أكثر بناته نجاحًا وأعظمهن شهرةً، وفي جدار هذه الغرفة رف موضوع عليه قطعة من رحًى قديمة يدَّعون أنها من رحى السيدة فاطمة، وعلى طول هذا المسكن والطرقة الخارجة والمصطبة من جهة الشمال فضاء مرتفع بنحو متر ونصف يبلغ طوله نحو ستة عشر مترًا وعرضه نحو سبعة أمتار ويُظن أنه المكان الذي كانت خديجة تخزن فيه تجارتها.

وهذه الدار التي كان يغدو منها ويروح إليها على مدى خمس عشرة سنة، وينتظره ساكنوها بفارغ الصبر ليأنسوا إليه ويفرحوا بلقائه، وكانت مثابته ومستقره الأمين وركنه الركين ومبعثه إلى الخلق ورحمة للعالمين، إذا أنعم الزائر بها نظره وفكره لا يرى إلا البساطة والقناعة، تحتوي على أربع غرف؛ ثلاث داخلية منها واحدة لبناته والثانية له ولزوجه والثالثة لربه وله، والرابعة بمعزل عنها له ولأضيافه وعموم الناس. هذا بيت النبي وبيت الأمة الذي شهد أفراح محمد وأتراحه، وشهد زفافه ووفاة ولديه وتعذيبه وتشريده وخروجه لهجرته ومرض خديجة ووفاتها بعد أن حط الحصار في شعاب مكة قواها — يا لله! ما هذا الترتيب الجميل وهذا النظام البديع والآداب العليا والكمال الإنساني صيغت في بساطة متناهية وقناعة وزهادة لا مثيل لها ولا تكونان إلا لنبي! — تأملْ تَرَهُ النظام بنفسه الذي قضت به الحضارة الحديثة لولا أنه يتم الآن بصورةٍ تعدَّدت ألوانها وكثرت أنواعها، هذه دار الرسول الأمي المبعوث لكافة الأمم وهذا النظام في بيته، فهو مجردٌ من مظاهر العظمة وخلوٌ من خلابة الفخفخة والفخامة؛ فقد اكتسى بحلل الجمال والكمال وتحلَّى بحلى الفضيلة والكرامة.

وعلى هذه الصورة أو قريب منها كانت حياته وداره في المدينة بعد أن صار نبيًّا وسيد المرسلين، فلم يتخذ دينه ورسالته ومكانته عند الله والناس وسيلة إلى عيش الأغنياء وحياة العظماء، بل كان حسبه من عيشه ما كان يقوم بحياته، وكلها خير وبركة ويمن وسعادة للناس أجمعين. أين هذه اليقظة وهذا المجد الروحي من سخافة أبي سفيان في داره التي ما تزال قائمة كأنها هيكل وثني تكشف عن بوابتها وعمدها كالمرأة الغانية التي لا تستحي أن تظهر آثار محاسنها الزائلة، إنها مسبة ومفجرة وفضيحة صامتة في عرض الطريق. لقد كانت مصدر المظالم والمغارم والجرائم وبؤرة المؤامرة ومباءة الفتن ومسقط رأس الفجار من الرجال والنساء ومهبط وحي الشيطان ومجلس إبليس، ولكنها لم تندثر كما اندثرت دار خديجة ولم تتهدم كما تهدمت جدران البيت الذي شُيد على التقوى وصدرت عنه أنوار الهدى.

أرجع إلى دار خديجة فإنه بعد الهجرة سنة ١٣ من البعثة استولى عليها عقيل بن أبي طالب؛ لأن الرسول كان وهبه إياها، وقيل أخذها عَنْوَةً وليس وارثًا فيها، ولكن كفار قريش — ومنهم عقيل الذي أسلم بعد الفتح — نهبوا ديار المهاجرين وسلبوا أموالهم ولم يخجلوا أن ينكبوهم في حريتهم ووطنهم ثم في عقارهم ومنقولهم وأثاثهم! واشتراها منه معاوية المشهور ابن هند فجعلتها مسجدًا وعمرت في زمن الناصر العباسي، ثم عمرها الأشرف شعبان ملك مصر، ثم المظفر صاحب اليمن.

هذه هي الدار المباركة التي درج فيها أولاد محمد وبناته من خديجة التي كانت تعولهم وتنشئهم خير تنشئة. وكل ما ورد من الأخبار على لسان أم أيمن أو فاطمة أو علي بن أبي طالب يدل على عقل خديجة ونظامها وتدبيرها؛ فقد كانت قابلتها سلمى مولاة صفية بنت عبد المطلب، فإذا ولدت غلامًا عقت عنه بشاتين وعن البنت بشاة واحدة. وكانت ولودًا بين كل ولدين لها سنة، وكانت على عادة أشراف مكة تسترضع لهم وتعد ذلك قبل وضعها، وقد تُوفِّي الوالدان، وتزوج البنات من خير الأزواج؛ فعثمان بن عفان تزوج من رقية فلما تُوفِّيت ورأى النبي تفجُّعه عليها زوَّجه من أم كلثوم؛١ ولذا كان يُسمَّى ابن عفان بذي النورين؛ لأنه استمتع ببنتين من بنات رسول الله، وعُقد لفاطمة على علي بن أبي طالب، وزوَّجت خديجة بنتها الرابعة زينب من سعد بن الربيع، ولهما قصة تدخل في باب الروايات الممتعة ليس هذا مكانها.

ولسنا نعلم عبادة أهل الدار قبل البعثة ولا نصدق أن أحدًا منهم عبد الأوثان، ولم يروِ أحد إن كان في بيت خديجة وثن كما كان في بيت سادة قريش، ولكن محمدًا ضاف في داره بعض المتحنفين، زيد بن عامر وورقة بن نوفل، فبغَّضاه في أكل اللحوم التي ذُبحت على الأنصاب أو ضُحِّيَ بها للأوثان. وقد روى البعض أن خديجة كان لها ولد من أحد الفراشين الفارطين في التاريخ. وها قد رأينا عطف خديجة وحدبها على زوجها وأولادها.

أما محمد نفسه فكان شديد الحب لبناته، وكان لا يملك أن يُخفيَ حنانه؛ فقلبه أبدًا فياض بالحب لا يأنف أن يُقبِّلهن ويدللهن ويداعبهن ويُدخل السرور على أنفسهن، ولا يضن بشيء من ذلك على ربيبه وابن عمه علي ولا على مولاه زيد بن ثابت، وكان يبغض أن لا يقبِّلَ الرجلُ أولادَه وإن كثروا؛ فكرِه أن رجلًا رُزق عشرة أولاد لم يحتضن أحدهم ولم يقبِّله (الترمذي، ص٣٤٥). وقد أبى أن يُشعر زيدًا بذل الولاء فتبنَّاه وزوَّجه من زينب بنت جحش إحدى قريباته، كما زوج أم أيمن جاريته، وما زال يعطف على أولاده وأحفاده إلى أن كبر، فكان يضع الحسن والحسين على كاهله حين يصلي، ويسجد فلا يقوم حتى يأخذا قسطهما من اللعب على كتفيه، فإن إدخال السرور على قلوب الأطفال عبادة، وقد يحتضنهما قائمًا ويركع بهما (النسفي، ج١، ص١٣٢) وفي المدينة سلم قياده لطفلة تسير به حيث شاءت (مسند أحمد ٣ :  ١٧٤). أما أولاد زوجاته اللواتي عقد عليهن ولهن ذرية، فقد ألقى عليهم محبةً لا تقل عن محبة أولاده، وقيل إن أحد ولدَي خديجة من زوجَيها السابقَين نافح عن النبي في جدال عنيف حتى ناله السوء.

وهكذا درجت الأعوام على بيت محمد وخديجة في هدوء وعمل واستعداد، واشتُهر محمد بالأمانة والفضيلة ونال احترام كلِّ من عرفه، ولكنه لم ينجح في التجارة نجاحًا باهرًا، ولم يُعلَم له رأي خاص في العبادة، ولم يتجه بذهنه إلى دعوة أو رسالة.

١  كانت من قبلُ زوجًا لابن أبي لهب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠