بيت النبي عليه الصلاة والسلام في مكة والمدينة

هدانا الله — سبحانه — إلى تدوين القليل من الكثير في هذا البحث الجليل عن زواج الرسول بالسيدة خديجة ووصف حياته العائلية، وقد قدمنا النظر في زيجة خديجة بسبب شأنها الكبير في البعثة والدعوة والتمهيد للرسالة وحسب سياق حوادث التاريخ.

أما وقد بنى الرسول بعد وفاتها بغيرها من كل مختلِف القبائل والأجناس، فوجب أن نتناول البحث من ناحية الأسرة العربية من قديم الزمان.

لم يخفَ علينا ونحن نشير إلى عهد الكفالة وسيادة المرأة أمًّا وزوجًا أنَّ بلاد العرب لم تكن في الجاهلية على نسق واحد في النظم الاجتماعية؛ فقد كان الخلاف والمفارقة والتفاوت ظاهرة جلية بحسب فترات التاريخ الجاهلي القديم؛ فلكل فترة منه نظام وعرف وعادات تتبع التطور وتلاحقه وتعين على حدوثه، وبحسب اختلاف الأماكن في الجزيرة العربية وتبايُن البقاع خصوبةً وجدبًا، وسهولةً ونجدًا، ودْيانًا وجبالًا، شرقًا وغربًا، جنوبًا وشمالًا، وتبايُن القبائل والأمم التي سكنت في كل بقعة وما طرأ عليها من التحوُّل والنزوح والعَوْد إلى مهادها؛ فهذا كاختلاف الأزمنة كان له أثره. ثم في كل بقعة وشعب وقبيل كان اختلاف الطبقات وتنوع درجات المجتمع؛ فمن الأقيال والأشراف والزعماء إلى أوساط الناس ثم الطبقات النازلة، ومن أهل الحصون والآطام والقصور وسكان الدور الثابتة البناء (الجدار) في الحواضر والمدن الآهلة العامرة إلى سكان الشعر والخيام. فلا عجب والحال هذه أن كانت حالة المرأة والزواج والمصاهرة والحب والغيرة وعلاقة الجنسين تختلف بحسب الوقت والبيئة والدرجة الاجتماعية.

جاء الإسلام ثورة على هذا التباين والتقاطع، وقضى على شذوذ الجاهلية ورمى أول ما رمى إلى الوحدة والتوحيد في العبادة والتوحيد في اللغة والتوحيد في الجنس والتوحيد في الغايات، وربما كانت بلاد العرب الأولى في نوعها من حيث اجتماع النقائض فيها؛ فبينا كانت في عزلة عن العالم عشرات ألوف السنين، فقد كانت على جدبها وجفافها سوق العالم القديم ومركز حركة النقل والانتقال فيه، وفي تلك الصحراء المقحلة اجتمعت حضارات العالم القديم كلها؛ فهذا إسماعيل قد انتقل إليها مع أبيه وأمه من الشمال، وهنا بلقيس ملكة سبأ التي رحلت إلى سليمان في فلسطين، ثم مجوس الفرس يجوسون خلال الديار للتجارة وحمل الأحجار الكريمة وبيع نفائس الطنافس للملوك والمترفين والأمراء، فيجتمعون في الطرق والأسواق على ظهور الإبل بفرسان الأحباش وسياح مصر؛ فالجزيرة مهجورة لجدبها، آهلة لمواصلاتها، فقيرة بعقم أرضها وجفاف ودْيانها، غنية بتجاراتها، قانعة بواحاتها.

ومن قديم الزمان لم تكن علاقة الرجل بالمرأة فوضى ولا منكرًا كما نرى في حياة الأمم المتوحشة وقبائل الهمج، بل نرى الأسرة العربية وحدة ظاهرة مستقلة في حضن القبيلة.

لا جرم أن الحجارة وودْيان مكة كانت مهد العروبة ومنبت الجنس العربي غرس بذوره إبراهيم وإسماعيل، وأن إسماعيل بن إبراهيم من هاجر كان جد ذلك الجنس ومؤسسه، وقد وصف المسعودي (في مروج الذهب، ج٣، ص٩٧) مصاهرته للقبيلة التي نزلت بعين زمزم بجوار البيت الذي شاده هو وأبوه. وفي الأساطير القديمة التي تصوِّر تلك الأسرة العربية الأولى نبأ إبراهيم وقد جاء يزور ولده إسماعيل فلم يجده ولقي زوجته فسألها عنه فأجابت أنه في الصيد وضنت عليه بالطعام والشراب، فأوصى ولده على لسانها برمزٍ بينهما أن يطلقها قائلًا: صفيني له وقولي غَيِّرْ عتبةَ دارِك. ولما عاد وألفى الزوجة الجديدة مذاذ بنت الزعيم الجرهمي فأكرمته وقدمت له الحليب واللحم والتمر فأكل وشرب واستراح من وعثاء السفر، ثم دعا لهم بالبركة فيما قدمت له، وأوصى ولده على لسانها باستبقاء عتبته وتثبيتها، فأبقى إسماعيل عليها ورُزق منها النسل الذي ملأ الجزيرة بأبنائه وأحفاده.

فهذه سلطة الوالد نافذة على ولده في غيبته، ووصيته يعمل بها الولد ولا يحيد عنها، وهذه بركة الوالد الراضي تصيب أهل الوادي بعد أن أطاعه ابنه وأكرمته زوجته، وهذه سلطة الوالد يزوج ابنه وابنته، والرجل رب الأسرة وسيدها المطاع، ولكن هذه السلطة الوالدية التي اختص بها الرجل نفسه لم تكن قاضية على المرأة؛ فها هي تشاركه في الحرب (طبقات ابن سعد، ج٨، ص ٢٣٧–٣٠١، وكذلك مقدمة البستاني في ترجمة الإلياذة، ص٣١٢) فللمرأة الحق أن تنتحل الدين الذي تشاء دون اعتراض أهلها أو إكراه عليها من بعلها، ولها أن تتصرف في مالها فتتَّجر به أصالةً لنفسها وتعامل الرجال، وبالوكالة عن ذاتها فتبعث الرجال؛ فهي المتكلمة المفكرة العاملة المدبرة في دارها.

بل كانت المرأة في عهد الرسول أرقى وأفضل وأعف وأهنأ بالًا مما وصلت إليه في عهود الإسلام الأخيرة (أرنست رينان، مجلة العالمين، سنة ١٨٥١، ص١٠٩٥، من مقال له بعنوان محمد ونشأة الإسلام)؛ فقد كانت المرأة في صدر الإسلام ذات حياء وعقل وخلق ولسان مما لم يكن لها بعدَ ذلك بألف عام عندما ذلت وهانت وصارت متاعًا إلى حين في مخادع الملوك وقصور الأمراء والأغنياء؛ فالذنب في تدهورها ليس عليها ولكن على الذين جعلوا منها أداةً لشهواتهم، وإذنْ كل ما كتبناه عن شخصية خديجة كان حقًّا وصدقًا لا مبالغة فيه. ولم يكتب مؤرخو العرب عنها وعن زوجات النبي تحسينًا وتنميقًا بعد الإسلام إعلاءً لشأنها ومجاملةً أو تعصبًا، بل هو الحق الذي شهد به كبار العلماء أمثال رينان؛ فالله أوحى إلى محمد كرامة المرأة، ولكن مظالم الرجال طغت فتحكمت فيها وأخضعتها وأفسدتها، فلما تحررت أخذت بثأرها وطغت في عنفوانها وأعانت على هدم الأسرة وتسخير الرجال، وما زالت المرأة في الجاهلية تنظر إلى أهلها نظرة إعزاز واستنجاد عند الضرورة، وهو ما كان ينفخ في روحها ويُبقي على بقية من شخصيتها وعدم اتكالها تكلانًا مطلقًا على زوجها، وفي هذا لون وأثر من عهد الكفالة، فكانت تقول في انتياب الشدة القول المشهور: «الزوج موجود والابن مولود والأخ مفقود.» أي إنه لا يعوض ولا يقوم مقامه مخلوق؛ لأن فيه ضمانًا إذا جار الزمان أو تجنَّى الزوج، وفيه معزة إذا قسا قريب أو غريب أو جنح إلى الظلم ابن أو ربيب؛ فالمرأة الجاهلية قد تخذل زوجها لتُنقذ عشيرتها الأقربين كما فعلت سلمى والدة عبد المطلب مع زوجها أحيحة لتنذر قومها بحربه (انظر الأغاني، ج١٣، ص١٠٢، أخبار المتدلية). وقسا الرجل على بنته حتى بلغت تلك القسوة جريمة الوأد التي نعاها عليهم القرآن الكريم. وقد أراد الرجل أن يتصرف في المرأة إلى أقصى حدود الاستبداد في التصرف؛ فجعل حياتها نفسها معرضة لخطر الدفن بالحياة، ويردون أصل هذه الخلة الجاهلية إلى رجل من يشكر سبا فتاة تميمية فذهب خالها يفتديها بماله فخيرها الذي خطفها بينه وبين خالها وكانت فُتنت به ففضلته على خالها وأبت العَوْد إلى ظلال الأسرة فعاد التميمي حاقدًا على جنس النساء؛ فوأد بنتين له وأقسم بأربابه أن يئد كل بنت تولد له! فهذا المصاب الذي أدَّى إلى وأْد البنات لم يكن خاليًا من الخير؛ فقد أعان على تقلص نفوذ أسرة الزوجة وانحيازها شيئًا فشيئًا إلى أكناف زوجها كما كان افتداء إسماعيل بالكبش السماوي قضاءً على عهد الضحية البشرية. وهكذا كل إصلاح اجتماعي إنساني لا يصل الإنسان إليه إلا بإهراق الدم وطول الألم وبذل أعمار. وإنك تلمس تقلص ظل النفوذ الوالدي في زواج البنت بما رأيته من أساطير أحاطت بزواج خديجة؛ فقد زعموا أن أباها كان مخالفًا، فأسكرته لتنال رضاه وهو مخمور. وهكذا نجد قصة زواج رقاش أخت جذيمة من نديمه وخادمه عدي، نالته رقاش بإسكار أخيها حتى رضي بمصاهرة من لم يكن كفؤًا لها. وقد بقيت في الشريعة الإسلامية آثار من تلك السلطة الوالدية تبيح للوالد المغلوب على أمره في زيجة لا تُرضيه أن يطلب التفريق لعدم الكفاءة، وهو سيف مسلط على أعناق كل بنت تخرج على إرادة أبيها وكل طامع في شرف مصاهرة لا تنبغي له أن يتطلع إليها، ومنذ أربعين عامًا قامت ضجة حول زواجٍ قيل فيه بعدم الكفاءة بين الزوجين فانبرى الأدباء يسمُّونه عام الكفء، ونثروا ونظموا ما شاء لهم النثر والنظم، فقال محمد حافظ إبراهيم:

وقالوا لصيق ببيت الرسول
أغار على النسب الأنجب
وزكَّى أبو خطوة قولَهم
بحكمٍ أحدَّ من المضرب

وهؤلاء الشعراء المحدثون ساروا على نهج القدامى الذين تمسكوا بفوارق الطبقات حتى صموا وعموا وتوهموا أن خويلدًا والد خديجة أبى زواجها من محمد بن عبد الله فأسكرته لتنال رضاه بعد الإفاقة. ومعنى هذا أن آثار الجاهلية ما زالت متحكمة في بعض بلاد الإسلام كمصر والعراق والشام إلى ما بعد النبوة بثلاثة عشر قرنًا وبعد أن نال النبيَّ رذاذٌ من شرها، وهذا كله أثرٌ من سلطة الوالد على نسله حتى بعد بلوغهم سن الرشد، ولا مجال للإفاضة في هذا البحث إلا من ناحية التاريخ؛ فإن هذه السلطة قد زالت وتقلصت في العصر الحديث وأصبحت أثرًا من بعد عين، ولم تكن كلها شرًّا؛ فإن الشرور التي حلت محلها بتقلصها أكبر وأدهى وأمرُّ.

وهكذا في كل أدوار الحياة الجاهلية نعثر على آثار من نظم وعهود متناقضة؛ فبينا كانت سلطة الزوج في نمو نلقى للمرأة حق طلاق نفسها منه واحتفاظها بعصمتها، ولها في عنفوان قوتها أن تختار من يحلو لها من الأزواج كما فعلت خديجة نفسها مع سيد المرسلين ، ولم يكن حجاب المرأة عامًّا «ولا إلزامًا»، وإنما كان للشريفة والجميلة، أما الدميمة والوضيعة فمبذولة، وقد تضرب المرأة خمارها إذا كان زوجها غيورًا وتتخذه المرأة تحريضًا للرجل وإغراقًا في اجتذابه عن طريق الغموض الذي يستهويه، كما فعلت المرأة أسيازيا في أثينا وبعض نساء اليهود كيهوديت عندما عزمت على قتل هلفرن؛ فالمرأة العربية في الجاهلية والإسلام هي المرأة في كل جنس وزمن ووطن، والحب هو الحب، والكيد هو الكيد. وإن كان القرآن الكريم قد ذم التبرج الجاهلي وحتم الحجاب على زوجات النبي لأنهن لسن كغيرهن من النساء، ولكنه لم يسايرهن في اتخاذ الحلي والحلل؛ حدًّا من طغيان المرأة ومبالغتها في اتخاذ الزينة، وفي عرفي أن كل تشريع وكل إصلاح خاص بالمرأة لا ينال منها إلا بقدر ما تريد أن ينالها، ولا حكم لأحد عليها إلا بحكم قلبها وحاجتها الاقتصادية. وكانت المرأة في الأجيال الأولى عرضة للسبي؛ فجهد الرجل نفسه في حمايتها والذود عنها، ولعل الحجاب كان من بعض وسائل التغمية ليخفيَها عن خاطفيها أو ليصرف أنظارهم عنها إن كانت ذات جمال وشباب وحسب. وكان في السبي إذلال للمرأة ما لم تكن ذات جمال وشباب وحسب؛ فكنَّ عندهم في جملة المتاع، ولا يقول فارس ظفر بسبية إنها خير من زوجه الحليلة. ولم يرفع قدر السبيات عند العرب إلا في صدر الإسلام بعد أن كثر السبي من الروم والفرس وكان منهن نساء محمودات ولدن أولادًا نبغوا في الإسلام كالفارسيَّتَين اللتين ولدتا لولدي أبي بكر وعمر، وكالتي ولدت للمهدي ولده إبراهيم، وللرشيد ولده المأمون، وقبلهما تزوج الحسين إحدى بنات كسرى أُخذت سبية.

وإذنْ لم تكن غيرة الذكر على الأنثى سبب الحجاب، ولكن خوف الرجل على المرأة وشهامته ومروءته أدَّت إلى ابتكاره، ولا سيما لمن صحبن الرجال في الحروب، ولا نظن امرأة كهند زوجة أبي سفيان رضيت بالحجاب ولو كان فيه نجاتها من السبي، وكانت المرأة اليهودية متحجبة في أول أمرها تقليدًا للعربية (المشناة ٢٤ حرف ا–١–٢٤). ولم يقلَّ النصارى عن العرب في اتخاذ الحجاب غير أنهن اتخذنه لأن رجالهم كرهوا أن يرَوْهن سافرات لسببين دينيين؛ الأول: أن حواء كانت أصل البلاء والمحنة لآدم وذريته. والثاني: اتقاء الاستهواء الذي جعلته الطبيعة قرين المرأة؛ فكلما أبدت محاسنها اهتاجت شهوة الرجل فانتشرت فرق الرهبان وبالغ أهل الأديرة في الابتعاد عن الإناث.

•••

إن سرد أسماء الأزواج وتواريخ عقد النبي عليهن وتراجم أمهات المؤمنين وأنسابهن والإلمام ببعض واقعات الحياة التي مررن بها؛ لا يدل على شيء سوى تسجيل أمور مادية تسجيلًا سبقَنا إليه مئات المؤرخين من العرب والإفرنج، ولكن غايتنا الأصيلة أن نحاول جهد طاقتنا إبراز صورة يترقرق فيها ماء الحياة لهذا الرسول العظيم وبيئته. وإن الشئون الأخرى إن حف بها الجفاف عند من قرأنا كتبهم، فلا يجوز أن تكون حياة البيت جافة أو خشنة، خصوصًا إذا انتقل القارئ بذهنه إلى البيئة العربية قبل الإسلام وبعده؛ فأول ما يبدو لنا أن زوجات النبي اللاتي يُلقي عليهن القرآن أشعة مضيئة في كثير من آياته كانت أولاهن خديجة بنت خويلد — رضي الله عنها — وقد أوفيناها بعض حقها، وأقر العالم بفضلها على البعثة، وقد قضى الرسول في عشرتها خمسًا وعشرين سنة كاملة، منها ثلاث سنين في شعاب أبي طالب ذاقت فيها هذه المحسنة الجليلة أم المؤمنين بحقٍّ مرارةَ العيش حتى تأثرت صحتها كما تأثرت صحة أبي طالب؛ فقضيا نحبهما في عام واحد هو العاشر من البعثة قبل الهجرة بثلاث سنين.

وكان للنبي من حق بدنه ودينه وكرامته أن يتزوج؛ فبدأت سلسلة التعدد بعد مضي عشر سنوات في الحياة العامة وبعد وفاة اثنين من أهم شخصيات الإسلام هما خديجة وأبو طالب، وقد أقبلت أعوام أشد مما مضى؛ لأن قريشًا كلما علا شأن الرسول واتسع نطاق دعوته ضاعفت أذاها؛ فكان لا بد لهذا الرجل من حياة خاصة يطمئن إليها، خصوصًا وقد تزوج كل بناته ومات له ولدان وأصبح بيته خاليًا إلا من الخدم؛ فكان عليه أن يتزوج ليُخدم في بيته الخدمة التي تطلع عليها الحليلة لا الخادم والجارية، وكان شديد العناية بشخصه، وهذه العناية بالثياب والطعام والشراب واليقظة والنوم لا تعرفها إلا امرأة سبق لها خدمة الرجال في الزواج، وكان عليه أن يتخذ أصهاره الجدد — إن وُجدوا — أعوانًا يقللون بعزوتهم أو شأنهم من غلظ الاضطهاد، خصوصًا وأن المكيين المشركين لا يتعففون أن يكمنوا له في داره أو يلقوا عليه الأذى، وكانوا يضعون روث البهائم على عتبته، فما يقول إلا ما هذا الجوار يا بني عبد مناف؟! لأن بلاءه كان في جيرانه وأقاربه وفي طغاة مكة وأقويائها، وهؤلاء قوم وإن امتنعوا عن القتل فخوفًا من إهراق الدماء ولكنهم تجرَّءُوا في النهاية عليه في المسجد وتآمروا على قتله في فراشه. والزوجة بحبها واحترامها تكون أشد يقظة من الخادم والجارية؛ فهي ترعى وتحرس وتتسمع وتصل إليها ثرثرة الرجال والنساء، وإذنْ كان واجبًا على الرسول أن يبنيَ بامرأة تقوم بهذه الواجبات، وقد أثبتت تجارب الرجال أن من كان ذا بيت وماتت زوجه أو طلقها، لا يستطيع أن يعيش بدون امرأة مهما كانت محبته للسابقة قوية؛ فإن حكم العادة أقوى من الغريزة، ومهما تكن محبة محمد لخديجة، فقد تُوفِّيت والذكرى في القلب لا في الأعمال، وقد وصل إلى الخمسين وليست قوته واحتماله قوة العشرين والثلاثين، وقد فعل به الغم والكدر والنضال فعلها، ولولا نبوته وقدرة الله والغاية التي يعمل لها لظهر ضعفه.

فماذا يصنع الرسول؟ لم يتقدم إليه في خطبته زوجة سوى اثنتين ثيِّب وبكر، أما الثيب فهي سودة بنت زمعة. وقد بادر بعض المستشرقين إلى لومه على أنه تزوج ولما يمضِ على خديجة عام! ولكن هؤلاء لا نلتفت إليهم ونعلم سبب أحقادهم، وقد خطفوا واختلقوا المعاذير عليه لا له من هبوب الرياح ومن فروض الخيال وتحدثوا إلى قرائهم عن محمد كما يتحدثون عن شارلمان أو بونابرت أو يوليوس قيصر! وإن كان أعظم منهم، إلا أنه لم يكن له بلاط ولا حاشية ولا قصر، وتكلموا عنه كما لو عاش في لندن وباريس في القرن التاسع عشر، فدلوا بذلك على ضيق أعطانهم وحماقتهم؛ فقد ضللوا القارئ وخدعوه في الزمان والمكان والشخصية، وتعمدوا إغفال الفوارق بل أعدموها إعدامًا.

تزوج بعد شهر يا لعدم الوفاء! يا لحزن خديجة في قبرها! زهٍ زهٍ، نحن لا نعرض لحياة سادتكم تنزيهًا لمحمد عن المقارنة.

وممن تزوج؟ من سودة التي صبر على عشرتها ثلاث سنين لأنه لم يدخل بعائشة إلا في المدينة، وإذنْ كانت له زوجة واحدة من سنة ١٠ إلى سنة ١٣ من البعثة.

وحلت سودة بنت زمعة محل خديجة في الدار لا في القلب، وتمتعت بقرب الرسول وخدمته. فقال مستشرق إنها أرملة حسناء بادنة مكتنزة لحمًا وشحمًا، خبيرة بإدخال السرور على قلوب الرجال! قالها ولم يخجل! وقال آخر حثا أخوها التراب على رأسه عندما سمع الخبر؛ لأن سادتنا العرب كابن الأثير أثبتوها في كتبهم، فليس شيء أسهل من أن يحثوَ الرجال ترابًا على رءوسهم، حتى إن ابن الأثير نفسه في أسد الغابة نسب هذا الفعل النسوي إلى عمر بن الخطاب عندما طلق ابنته حفصة طلقة واحدة مرتجعة! ولكن المؤرخ العربي ذكرها؛ ليبالغ في وصف كُفر شقيق سودة وجحود قلبه وخوفه من سادة قريش، وإلا فما هو هذا الأحمق المكي الذي لا يفرح بمصاهرة الرسول حتى ولو كان مشركًا؟! وهذا المؤلف نفسه (ابن الأثير) يذكر أن أبا سفيان لما علم بزواج النبي من ابنته رملة أم حبيبة قال إن محمدًا لفحل لا يقدع أنفه! وهو زعيم الأعداء في الحرب والسلم، فكيف لا يقبل أخو سودة واسمه عبد بن زمعة بن قيس بن عبد شمس مصاهرة الرسول؟! وقد ندم بعد أن أسلم وقال: «إني لسفيهٌ يوم أحثو التراب على رأسي أن تزوج رسول الله سودة.» هذا الندم والاستدراك والتوبة لا يذكرها المستشرق «الصادق المخلص الأمين»، ولكن ينقل نصف الخبر عن المسند ويترك النصف الآخر، ولكن ما يضرنا لو حثا ألف عبد بن زمعة بن عبد شمس تراب أرض مكة على رأسه؟! إنما ننظر إلى صبر الرسول على سودة وهي الثيب المسنة التي طاقها ولم تكن على شيء مما كانت عليه خديجة.

زعموا أن الرسول تزوج من نساء عدة لأنه كان يحب النساء، ولو أنهم صدقوا وزادت حقيقة حاله عما صدقوا فيه مائة ضعف فلا يقام لكلامهم وزن؛ فهذه حياته الخاصة وهؤلاء زوجاته بالشرع لم يسطُ على امرأة رجل ولم يرغم ولم يطمع في مال ثالثة ولم يُفتن بجمالها. وقد رأينا الرسول يرقُّ لرجاء سودة أن لا يطلقها فأبقى عليها، ورأيناه يبشرها بأن تحسب من آل البيت بقوله «إن شاء الله» جبرًا لخاطرها (وقد عمرت بعده ثلاثين أو أربعين سنة)، مع أنه أراد أن يعين أهل بيته بالحصر؛ أي الذين من دمه ولحمه لا اللواتي دخلن عصمته، وإلا لكانت عائشة وأم حبيبة وأم سلمة أحق بهذا الحسبان، دع عنك خديجة — رضي الله عنها.

ولكن هكذا كان دأب محمد ، وإن ظن أحدنا أن الرسول لم يجد أنسًا ولا سلوى في عِشرة هذه الأرملة الناضجة التي وصفها أحد كُتَّاب الإنجليز وصفًا ينطبق على «كارمن» أو «كلوبطرا» من نساء التمثيل لَيزيد من أضغان القارئ، ويبالغ في شهوة الرسول للنساء؛ فقد قامت بحقٍّ بواجبها نحو زوجها العظيم خير قيام، فحرست حياته وبيته وكانت يقظة، وسارت في خطوات سالفتها العظمى خديجة وقضت السنين الثلاث الأخيرة من حياتها في مكة كما تقضيها عاقلة أريبة حسنة التفكير عارفة قدر رجلها ورجل الإنسانية، وكافأها الله ببقائها في خدرها ورفع درجتها، واستمرت طوال خلافة أبي بكر وعمر تقبض اثني عشر ألف درهم؛ وهي التي جعلها أمير المؤمنين لكلٍّ من زوجات النبي، فوصل إلى يدها خمسة عشر ألف درهم؛ أي ستة آلاف جنيه بتقدير هذا العصر وهي تعدل أضعافها، وإن قتر الخلفاء الراشدون على أنفسهم فقد أغدقوا على أمهات المؤمنين ليشعروهن بالمعزة بعد الرسول، خصوصًا وأنه لم تكن له تركة تُورَّث، ولأن القرآن منعهن من الزواج بعده، ونحن لا نعتقد أنها تمسكت برابطة الزواج طمعًا في المال الذي تقبضه، فإنها لم تكن تعلم أن النبوة ستورث خدامها هذه المقادير من المال، غير أنها تمسكت بنعمة الصلة وشرف الرابطة فكافأها الله.

أما بقية نساء النبي فإما بنت ملك أو زعيم كبير كجويرية وصفية، وإما بنت صحابي جليل كعائشة وحفصة، وإما أرملة مكرَّمة أسلمت قديمًا وهاجرت الهجرتين واستُشهد زوجها في الجهاد كأم سلمة وأم حبيبة، وقد اتخذهن الرسول ليقيَهن شر العوز ونفقة الصبية من فراش سابق، ولله على كلٍّ منهن فضل، وللرسول على كلٍّ منهن يد. وقد كن جملة وفرادى ذوات فضيلةٍ ووفاءٍ وعفةٍ وإخلاصٍ وشرفٍ، وقد امتاز بعضهن بكثرة الخير والصدقة وصلة الأرحام كزينب بنت جحش، وحتى الحسناء اليهودية — بحسب ما كانت — أسلمت وحسن إسلامها وكانت مثال الرفعة والشرف.

وفي العهد الأخير اعتدل ميزان التقدير في أذهان بعض المستشرقين بعد أن مال عن جانب الحق قرونًا طويلة؛ فقال مرغليوث وهو من ألد الخصام: «نسب كثير من كُتاب أوروبا تعدُّد زوجات محمد بعد وفاة خديجة إلى ضخامة شهوته للنساء! ولكن ظهر أن التعدد كان لأسباب بعيدة عن هذه الغاية؛ فإن كثيرًا من مصاهراته كان سياسيًّا لأنه أراد أن يرتبط بأتباعه ارتباطًا قويًّا؛ فكان هذا بلا أقل شك الدافع له على زواج عائشة بنت أبي بكر، كما أنه ارتبط لأسباب سياسية من نوع آخر ببنات أعدائه «أم حبيبة بنت أبي سفيان» وجويرية بنت بني المصطلق وصفية بنت حيي اليهودي؛ فمن ناحيةٍ يتم له النصر على عدوه المنهزم، ومن ناحيةٍ أخرى يضمن عدم قيامه، وقد يكون عقد على واحدة أو اثنتين ليولد له منها ولد ذكر؛ فقد كانت ذرية الذكور من أهم النعم التي يسعى إليها العربي ذو المكانة» (ص١٧٧، حياة الرسول باللغة الإنجليزية). وهذه الكلمة التي جرى بها قلم مرغليوث رغم أنفه لكثرة ما حمل على النبي بغير حق؛ تُغنينا عن صفحات، لا لأننا نكتب لندافع عنه حيال مثله، ولكن لنُظهر الحق المطلق.

إذن كانت حياة الرسول في مكة في السنوات الثلاث الأخيرة لا تطاق، وقد وصفناها بالتفصيل، فوجب أن تكون سودة بطلة في الصبر وفي المواساة حتى أخرج الله رسوله من تلك البلدة الجاهلية الفاسقة الجاحدة قديمًا التي لم يشرِّفها الله إلا بالبيت الحرام ومولد الرسول وزوجاته وأولاده وأحفاده.

ومن عجبٍ أنك تجد لدى الفحص لكل زوجة نبوية رسالة أدتها لتدعم بها رسالته؛ فخديجة وعائشة وأم سلمة وسودة وبنت جحش أمرُهن معلوم، أما ميمونة فلم تلبث أن دخل بها حتى تُوفِّيت في قبة كانت لها بسرف، وهي زوجة العمرة والطواف اللذين سمح بهما المكيون، ولعل وظيفتها لم تتم لأن الرسول كان ينوي أن يُطيل الإقامة في مكة ويولم طعامًا يدعو إليه كبارها بعد صُلح الحديبية بعام، ولعله فكَّر في تأليف قلوبهم وسل أحقادهم من قلوبهم فيدخلها بفتح هذه القلوب لا بفتح الحروب، ولعله أراد أن يمكِّن للمسلمين من لقاء المشركين فينالوا منهم بالدعاية والتخذيل فيكفي الله المؤمنين القتال؛ ولذا غيَّر اسم عروسه وسماها ميمونة تفاؤلًا، وقد كان في السنة ٧ بعد الهجرة، ولم يبقَ على الفتح الأكبر إلا عام واحد، وكان دخول النبي لهذه العمرة المنصوص على السماح بها في عهد الحديبية دخول الفاتحين، وقد اتفق الطرفان على إخلاء مكة ثلاثة أيام لمحمد يحظى هو ومن معه خلالها بالكعبة بغير عاذلين، ولعل طرفَي المعاهدة لم يكن أحدهما آمنًا جانب الآخر، وها نحن في هذا العصر نكاد نرى أن دافعًا سياسيًّا قد يُغري المسلمين باحتلال مكة بعد الوصول إليها، وكان يحف بالرسول مئتا فارس احتياطًا للطوارئ، ويتقدمهم الهدي ولم يقل عن ستين بعيرًا، وكانت هذه العمرة مظهرًا للمال والقوة وشدة البأس وشباب الرسول الذي لم يمنعه اعتذار المكيين عن حضور الوليمة متمسكين بنص المعاهدة في عدد الأيام التي يقيمها؛ فاضطُر للدخول على ميمونة بسرف، وهو مكان يبعد عن مكة بخمسة أميال.

وكانت ميمونة آخر زوجاته، وهي خالة خالد بن الوليد فارس العرب وقائدهم الأمهر في الجاهلية والإسلام.

وقال اثنان من الصحابة إنها هي التي وهبت نفسها للنبي فأنزل الله — تعالى: وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ.

وبعد وفاة الرسول عادت إلى مكة وعاشت بسرف؛ حيث دخل بها الرسول في الثلث الأخير من القرن الأول الهجري.

وكان زفاف عائشة مقترنًا بموقعة بدر التي انتصر فيها الإسلام وكانت حاسمة في تاريخ الإنسانية.

جعل الرسول لكل زوجة بيتًا على حدةٍ يُفتح على المسجد، وما تزال أبواب هذه البيوت ماثلة في الحرم المدني يمثِّل كل باب منها لوح من المرمر. أما عائشة فكانت في البناء الذي يضم آل البيت عليًّا وفاطمة وأولادهما.

وكانت عائشة تتيه وتفخر بعناية الرسول بها وتزهو بزوجها ووالدها وتعجب بمكانتهما، وهي إن أمنت غيرة الضرائر — لأنهن بشر لا ملائكة — فلا تأمن غيظ الأغيار، وقد وقعت الواقعة التي وُصفت بحديث الإفك بُعيد غزوة بني المصطلق وزفاف جويرية إلى الرسول، ولم تكن المدينة تخلو من المنافقين والخصوم من المشركين واليهود والدخلاء والحاسدين والأصدقاء في ثياب الأعداء وشياطين الإنس، وما أكثر هؤلاء!

فقد اصطحب الرسول عائشة في إحدى غزواته بدورها الذي حكم به الاقتراع، ولدى العودة إلى المدينة تخلفت عائشة لتلتقط حبات عقد كان في عنقها وانفرط على غرَّة في الظلام، وكل سيدة شديدة التعلق بزينتها وإن هانت! فقام الركب وهي ساهية لاهية تبحث في الرمال، وهيهات أن تردَّ الرمالُ ما دفنت، فعثر عليها صفوان بن المعطل فاصطحبها إلى المعسكر يقود جملها من خطامه، كما فعل طلحة بن عثمان مع أم سلمة عند هجرتها إلى المدينة، وكما يفعل كل مسلم في عروقه دماء عربية وفي قلبه نخوة إسلامية مع أية سيدة، دع عنك أم المؤمنين وبنت الصديق.

وكل المستشرقين (وهذا موقف يُحمدون عليه) بالإجماع يُحسنون الظن ويقيمون الأدلة على براءة عائشة وشرفها، وفي مقدمتها موير ومرغليوث، وكانوا أعقل وآدب وأعف من بعض المعاصرين والمعاصرات من أهل النميمة والفتنة ونهش الأعراض والمنافقين، وفي مقدمتهم حسان بن ثابت الشاعر الجبان الذي لم يخلُ من عداوة عائشة وتعييره بأنوثته في حرب اليهود، ولعل بعضهم حاول شفاء غلة ضرة ظنها تشمت بعائشة، والبعض أراد أن يخلق أزمة سياسية تشفيًا في الرسول، وأولهم رأس النفاق عبد الله بن أُبي.

وقد أتقنوا حساب العواقب فافترضوا أن النبي يقسو على عائشة فيغضب والدها أكبر سند له وأخلص أصحابه وأوفى أصدقائه من الساعة الأولى؛ فتحدث ثغرة في جبهة الإسلام، فإذا صمت الرسول عرَّض نفسه للعيب في حقه وأطلق ألسنة السوء لشاعر بذيء أو مأجور، وكانوا في حسابهم موفَّقين مثل أهل الشر في كل زمان ومكان، وأخذ الشيطان بيدهم فترة قصيرة انطلقت فيها نيران الفتنة والوقيعة، وأطلت النميمة والغيبة والإفك بقرونها، وخيَّم الغسق على المدينة قبل أن تندلع نار حرب أهلية، فلم يكن في العرب أشرف من العِرض، فما بالك بعِرض رسول الله ووزيره وصديقه أبي بكر؟! وكان البادئ بالهمس الجارح حمنة أخت زينب بنت جحش؛ وهذه السيدة زوج مصعب بن عمير من خيار المسلمين، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة الرسول، وقيل إنها تكلمت؛ حمية لأختها زينب، إلا أن زينب لم تقل في عائشة شيئًا، وقد أثنت عائشة على زينب ثناءً مستطابًا؛ فكانت حمنة متجنية بغير علم وهي لم ترَ شيئًا ولا تصح شهادتها، ولكن سوء طالعها زجَّ بها في هذه الفتنة وهي بنت عمة الرسول وأخت زوجته وسيرتها من قبل حسنة؛ فقد كانت في أُحد تسقي العطشى وتحمل الجرحى وتداويهم، وللنبي عليها يد يوم شفاها الله بنصيحته من نزيفٍ كانت تثج فيه ثجًّا، فلم تحمد له قرابته ومصاهرته وعلاجه إياها. ولعل اقتحامها هذا البلاء كان لعيب خفي في خلقها، أو نتيجة استحاضتها الشديدة فجفَّ دمها وضعف عقلها. وقد شد أزرها حسان بن ثابت وعبد الله بن أُبَيٍّ. ومن سوء الطالع أبدى علي بن أبي طالب رأيًا بالطلاق لما رآه من حزن النبي مع انشغاله بعائشة وهي في دار أبيها نحوًا من ثلاثة أشهر.

ولكن أشراف المهاجرين والأنصار — وخاصةً الأوس — دافعوا عن عائشة دفاع الأحرار الأطهار، وقد شهدوا في صفوان بن المعطل خيرًا وما علموا عليه من سوء؛ فاضطُر الرسول قبل نزول الوحي أن يتخذ لنفسه موقفًا؛ فخطب في المسجد وقال: أيها الناس، ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت منهم إلا خيرًا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت عنه إلا خيرًا، وما يدخل بيتًا من بيوتي إلا معي.

وهذه الكلمة على قلتها كبيرة الدلالة؛ ففيها شهد الرسول مقسمًا بالله مرتين — وهو الصادق الأمين — بطهارة عائشة ونقاوة صفوان.

فنهض أسيد بن حضير من سادة الأوس وقال: «يا رسول الله، إن يكونوا من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك، فوالله إنهم لَأهلٌ أن تُضرب أعناقهم.» (يقصد أصحاب الإفك)، ورسول الله أبعد الناس عن الأمر بالقتل.

أما عائشة فكانت في بيت أبيها مريضة وهي بريئة متهمة حزينة لحزن بعلها وأبيها، ولا تملك من الأمر شيئًا؛ فكانت أمها تراها باكية فتنصحها بالتخفيف: «لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها.» وهي نصيحة أم خبيرة بالحياة، واستشار النبي عليًّا وأسامة بن زيد في دار أبي بكر فنفى أسامة السوء عن عائشة وقال: إنه الكذب والباطل. وقال علي: يا رسول الله، إن النساء كثير.

وسئلت جاريتها. وسئلت عائشة نفسها فقالت: «صبر جميل والله المستعان على ما تصنعون.»

فكانت حيرة ومحنة ودرسًا لعائشة لعلها تكفُّ عن التنافر والمباهاة، فجاءت آية البراءة من حديث الإفك، وجُلد مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش كلٌّ ثمانين جلدة.

قال سير جون موير الإنجليزي في ترجمة محمد: «إن حياة عائشة قبل الفتنة وبعدها تدعونا إلى القطع ببراءتها وعدم التردد في دحض أية شبهة أُثيرت حولها.»

ومن أجمل ما كتبه الكاتبون السيد عبد القادر الجيلاني قال: «حركت الإرادة الأزلية، العذبة المحمدية، للخروج في بعض أسفارها؛ فأصبحت الدرة اليتيمة معه في قرارها. ووكل بخدمتها ورفع قبتها حين أمسى وأصبح عبده مسطح. فنزل القوم منزلًا لإصلاح عيشهم، وسكَّن النوم حركات بطشهم، واستولت على العبد في السرى، سنة الكرى؛ فأثارت المشيئة الأحدية، حركات عائشة الصفية، للخروج من حصارها، إلى بعض أوطارها، ونزلت من قبتها، لقضاء حاجتها؛ فحلت يد القدر عقدها، وانتثرت قلادتها من جيدها؛ فاشتغلت بنظم نثرها، إلى صدرها. فنادى القدر يا جبريل إنها فقدت من قلادتها جزعًا، فاجعل مكانه جزعًا. فانتبه مسطح وساق جمله، ولا علم له بمن حمله. فلما وصل المدينة ولم يرَها عاد يطلب أثرها، والقدر يثير دفين الأسرار، ويقدح شرار إفك الأشرار. فلما بلغ ذلك رضيع ثدي الوحي، وحامل سر الأزل، وحافظ ودائع الغيب، ورافع لواء الحمد، فطن لرموز عيون إفكهم، وتراءت له إشارات شركهم؛ فألم قلبه، وجرح نصل الكآبة لبه، وانصدعت زجاجة سره، وانقسمت مجتمعات أمره. فقال لها بلطف شفقته قولًا معنويًّا، ولوح لها برمز محبته تلميحًا خفيًّا: انصرفي إلى بيت أبيك، فسيأتي الخبر فيك. فأظلم نهار فرحها، واسودَّ ليل ترحها، وانحبست عبراتها، واستولت عليها زفراتها، وتصاعدت أنفاس وجدها، وعدم الصبر من عندها. فقالت: علام أُهجر وما تعديت، وأُبعد وما جنيت؟ أمن جهة شكوى الضرائر، أم من دلائل الحبيب الهاجر؟ قيل لها أيتها الصِّدِّيقة، والسيدة على الحقيقة، البلاء بقدر الولاء، والنصر في ضمن الصبر. فلما علمت القصة، وتبينت الغصة، محق بدر صبرها، لشياع أمرها، وهوت أنجم حواسها، بتصاعد أنفاسها، وانحنى ألف قامتها، على لوح انكسارها، وطالت عليها مدة هجر محبوبها، وعدم رضاع ثدي مطلوبها، وانتثرت عبرات عيونها، وانتظمت حرقة شجونها، فقالت: إلهي، بك يستنصر الذليل، وإلى جناب عزك يلجأ المظلوم، ومَن سواك يجيب دعاء المضطر المكئوب، ومَن غيرك ينفس خناق كرب المكروب؟ أنت أخبر بطهارة عصمتي، وأعلم مني بمسألتي. فاتخذت قبة يعقوبية، وجعلت الفرقة لها حالة يوسفية، فصارت ظلمة قبتها، سجن يوسف حزنها، مر بها من جانب الحبيب هبوب نسم، كيف تيكم؟ فقالت أنا ربيبة خدر الفصاحة، وقرينة أفصح من نطق بالضاد؛ التاء مخاطب القريب، والكاف للغائب البعيد، أين تاء أنت من كاف ذاك؟ وأين هاء هذا من تاء تيكم؟ ميم الجمع لا توجب اختصاص أحدٍ من المذكورين، لما كنت سواد عين الهاجر وسويداء قلب الغائب، وريحانة أنسي المعرض، ولكن للزمان أحوال تحول، وفصول تصول، يا ربي، يَمُّ همي أغرقني، وحَرُّ حزني أحرقني، وتحوُّل حالي أنحلني، وتبلبل بالي بلبلني، فضجت الملائكة في الصفيح الأعلى، واختلفت تسابيح سكان حضائر القدس، وانزعجت صوامع رهبان النور، فقالت الأشباح النورانية، والأرواح الروحانية: إلهنا، طاهرة فراش النبوة قد تكدر صفاء قلبها، درة بحر الشرف قد تشظى جوهر لبها، ريحانة مشم الرسالة، قد ذبلت بإفك الفاسقين، رضيعة ثدي الوحي قد فطمت بكذب المنافقين.

قيل لبريد المملكة، ومقدم عساكر الملائكة: يا جبريل، خذ من لوح غيب الأزل سبع عشرة آية براءة من العيب، بألسنة الغيب، فإني تكلمت بها في الأزل، وقديم القدم، وجعلتها طرازًا لِكُمِّ ثوب عائشة إلى يوم القيامة، فهبط بريد الأزل على السيد المفضل، بآيات السرور، في سورة «النور»، فلما سمعت الصِّدِّيقة منها الآيات، ولاح حولها إشارات البشارات، قالت سبحان من يجبر الكسير، وينصف المظلوم، ويصرف الغموم، والله ما كنت أظن أن ربي — عز وجل — يُنزل فيَّ قرآنًا ولا يذكرني لنبيه فيما يوحى إليه، وإني رجوت أن يرى المصطفى في منامه ما يقضي ببراءة ذمتي، وطهارة عصمتي، فلا ييأس المظلوم من الانتصار، ولا يعول المقهور إلا على الاصطبار، فإن في مطاوي الأقدار، تقليب ما في الليل والنهار.»

ولكن أجل من هذا وأكمل وأغلى وأعلى وأفضل وأخلد على الدهر وأبقى وأجلى من بلاغة الإنسان وأنقى بما لا يقاس وتنقطع دونه الألسن وتذهب الأنفاس؛ آيات سورة «النور»، سبحان موحيها وتعالى شأنه وجل جلاله! وهي من بركات عائشة فليتلُها من يشاء؛ وقد جاءت فيها آية من أمهات القرآن وهي آية: اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وتخللتها أحكام ربانية سداها العدل ولُحمتها الرحمة؛ فسبحان الخلاق العظيم والغفور الرحيم جل شأنه وتعالت كلماته وفوق كل ذي علم عليم.

ومن أهم الأمور عند كاتب هذه الأسطر أنه وُفِّق إلى كتابة هذا الكلام العاجز الضئيل حيال ما كتبه الأجلاء المتقدمون وهو على يقين وبصيرة بما يكتب، وثقة تامة واقتناع عقلي؛ فالضمير والوجدان والمنطق ودليل التاريخ كلها ماثلة أمامي، وقد حماني الله أن أخط حرفًا في فترة جهالة أو ريب أو حماقة طائشة قد أكون تلوثت بها من قراءة كاتب مأفون أو سمعتها من ملحد ملعون؛ فالحمد لله الذي هدانا إلى هذا وما كنا لنهتديَ لولا أن هدانا الله، فما أجمل انطباق ما يخطه اليراع على ما يردده القلب والعقل! وما أصدق ما ينطق به اللسان موافقًا لما يجول في الفؤاد والوجدان.

ولو نظرنا إلى الحادث نظر رجال القانون إلى المتهمين في هذا العصر، وهو عصر الحضارة، لرأينا التهمة باطلة لا مشكوكًا فيها وحسب؛ لأنه لم يبرز أحد من الأفاكين بدليلٍ أو قرينةٍ واكتفَوْا بالهمس، وكما تكون خطورة التهمة كذلك تكون قوة الدليل على ثبوتها؛ فلو أن قضية كهذه قُدمت لمحكمة لَمَا وسع قضاتها إلا الحكم فيها بتهمة البلاغ الكاذب على الأفاكين، وكيف تُقدَّم وليس فيها دليل؟

وقد زعم بعض المستشرقين أن آيات الإفك (من ١٠–٢٧ سورة النور) جاءت لتسدل ستارًا على عائشة، وهذا باطل لأن في إحداها ضرورة سماع أربعة شهود إثبات، وهذه القضية ليس فيها شاهد واحد؛ فلو كان فيها شاهد واحد وحتم القرآن أربعة لفهمنا أساس فكرة المنكر، وكل الذين همسوا مجرِّحون لضغائنَ ثابتةٍ كحمنة بنت جحش وعبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول، أما مسطح خادم عائشة فلا يخلو من حقد؛ لأنه من أقارب أبي بكر الأبعدين، وفي إحدى الآيات وصف لأبي بكر بالفضل ونهْي له عن الانتقام من أي مجرم نفذت فيه العقوبة، وقد أنعم الرسول على حسان في آخر حياته بقصر منيف ولم يجعل لماضيه حسابًا.

لا يسعني قبل أن أختم الحديث عن السيدة عائشة أن أغفل بيان أمر ذي شأن أوجز فيه، دون إخلال بحق التاريخ وحق هذه السيدة العظمى.

معلوم أن الرسول خطبها بمكة في السنة العاشرة للبعثة وهي بنت ست سنين، وزُفت إليه بالمدينة بعد الخطبة بثلاث سنين وعمرها تسع سنين، وقيل في تفسير ذلك إنها كانت فارعة نامية تبدو أكبر من سنها، وتُوفِّي النبي بعد ذلك بعشر سنين، فتأيَّمت أم المؤمنين (وإن لم تلد ولدًا) في التاسعة عشرة من عمرها ومدة عشرتها الرسول ومصاحبتها إياه لم تتجاوز عقدًا من السنين، ولكن الذي جاءت به من الحديث والسنة والتاريخ الخاص والعام وروته من القرآن والحديث والنثر والشعر والأخبار لا يعدلها فيه عشرات الرجال من الصحابة ومئات من التابعين، ولم تكن تروي أو تتحدث رواية المشاهد البسيط التفكير أو ناقل القول على عواهنه، كما يُظن في بنت التسع عشرة سنة، ولكن رواية الحصيف اللبق العاقل المدرك الحازم الصادق من الرجال، ولها في ذلك حوادث وواقعات مع الصحابة والرواة في إكمال حديثٍ أو وصف سُنة أو تصحيح خبر خرجت منها عائشة دائمًا فائزة، فكيف تهيأ لهذه الفتاة في هذه السن المبكرة أن تُلم هذا الإلمام كله في بحر عشر سنين، وأن تكون بجوار الرسول في أهم فترة في حياته وهي فترة المدينة التي انطوت على أعظم أحداث الإسلام، ولم تقصر ولم تهن ولم تهف ولم تخطئ؛ فكانت وعاء علم وأخلاق وإيمان وهداية وصبر على مكارهَ كثيرةٍ ينوء بحملها الرجال الأشداء الخلق، الأقوياء التكوين؟

إن هذا الأمر يلفت نظر المؤرخ حقًّا، ولكن قليلًا ما يفيض فيه أحد خشية الوقوع في هفوة تمس العقيدة أو تخرج على العرف، وفي نظرنا أن هذا التحقيق والفحص لب التاريخ وفلسفته.

لقد فجئت بالخطبة في السادسة وبالزفاف في التاسعة، وبوقعة أُحد في الحادية عشرة وبحديث الإفك في الخامسة عشرة، وبغيرة النساء من تكرار زواج الرسول في كل مرة عقد فيها على امرأة، ولا سيما الجميلات منهن مثل صفية وجويرية وزينب بنت جحش، وعند مولد إبراهيم بن محمد بن عبد الله من مارية القبطية، وفجئت بمرض الرسول ووفاته في حِجرها، وبما حدث من الجدال والنقاش العنيف وجثمانه الطاهر ما يزال بحجرتها، وبوفاة والدها بعد ذلك بسنتين، مع هذه الأحداث كلها لم تهن ولم تضعف ولم تغب بديهتها ولم يختلط عليها أمر بأمر ولم يعترِها اضطراب وارتباك يحجب صدق نظرها في الحوادث، بل كانت أبدًا يقظة متحفزة مستعدة شاعرة بمقامها ومكانتها من العشيرة والأمة، مساوية بخلقها وحسن تصرفها شرفة الرفعة التي اختارها القدر لها بأن تكون زوج النبي وأم المؤمنين، وهي في أثناء هذه الأحوال تحتفظ بأمرين في أعلى درجة من الأهمية؛ الأول: عبادتها حتى كانت لها أسطوانة (عمود) تجلس بجوارها في المسجد — ما تزال حتى اليوم تحمل اسمها — لتخلو وتعبد. والأمر الثاني: حفظ كل ما سمعته وشهدته من أقوال الرسول وأفعاله، وسواء أكان حديث: «خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء» صحيحًا أو ركيكًا، فإنه يدل على الحقيقة، ولعل عائشة وَعَتْ أكثر من النصف، وإنما المقصود المحفوظ بنصه كما قيل، والموصوف بعضه كما تم. وقد عاشت بعد زوجها العظيم سبعًا وأربعين سنة هجرية؛ لأنها تُوفِّيت في السادسة والستين وما عُرف عنها أنها حادت قيد أنملة عن تلك الصفات وما انحرفت قيد شعرة عن المثل الأعلى.

وقد جرت عادة المؤرخين أن يعتمدوا على الدليل التاريخي في تفسير الحوادث، فإن أُبهم عليهم لجَئوا إلى التعليل العقلي والنفساني، وفي حالة عائشة لدينا المصدران: أدلة التاريخ، والتعليل العقلي. والحقيقة المطروحة أمامنا هي أن عائشة احتلت أكبر مكان في تاريخ الإسلام من الناحيتين الدينية والسياسية. ولا ننسى مطلقًا مكانة خديجة التي ما نزال نعتبرها صاحبة الفضل الأول والدرجة الرفيعة، حتى إن مشيئة الله بظهور هذا الدين اقترنت بأمرين؛ الأول: استعداد النبي، بل إعداده. والثاني: زواجه من خديجة. فقد كانت خديجة أمينة الله عليه من الزواج إلى البعثة وبعدها بعشر سنين وخلَفتها عائشة في عشر سنين أخرى هي أهم أعوام هذا الدين.

جوابنا على السؤال الخاص بنجاح عائشة وتوفيقها ينصبُّ أولًا على وراثتها؛ فأبوها أبو بكر كان أول مصدِّق بالرسول بعد خديجة وعلي وزيد بن ثابت، وكان ثقته بالرسول لا تُحَدُّ، وقد تجاوز المعقول أحيانًا، وكان على هذا الخلق الذي يحسبه الغافلون بساطة أو سلامة نية داهيةً في التفكير والتدبير وبُعد النظر وقوة الإرادة وحضور البديهة والفطنة وقوة الذاكرة؛ فورَّث ابنته هذه الصفات، وها هي الذخيرة الأولى، والذخيرة الثانية عشرتها الرسول نفسه؛ فإننا نضرب صفحًا عن الخير والبركة التي تُصيب معاشر النبي ونعتبر محمدًا بشرًا، فلا شك عند ألدِّ أعدائه في عظمته الضخمة، وكان هذا العظيم الضخم شديد الحب لعائشة؛ فهذا الاتصال وهذا الحب الفياض إذا انتفع به فدم أو جاهل، فلا بد أن يترك فيه أثرًا كبيرًا، فما بالنا بفتاة ذات ذكاء خارق واستعداد عجيب، ولها أكبر نصيب من حياة النبي في بيته ومسجده وحروبه، فوق أن سنها تواتي سعة المدارك وسهولة انطباع المرئيات، وهي أفضل سن تنمو فيها المواهب في عقلٍ خصبٍ يشهد صاحبه المقدمات والنتائج ويشعر بالتبعة في كل خطوة من الخطوات. ولا عبرة بأنها عند وفاة الرسول كانت لم تبلغ درجة الأنوثة الكاملة في عرف العصور الحديثة؛ فإن بيئة العرب غير بيئة العصور الحديثة، ومكة التي وُلدت فيها كانت مدينة متحضرة وسوقًا دولية وعاصمة حاوية كل عناصر الحياة.

لقد شُبهت عائشة بكبريات ملكات أوروبا في كل العصور؛ فقال أحدهم إنها لا تقل عقلًا وتفكيرًا وسعة حيلة عن أجربين وإليزابث، وهن من بانيات مجد دولهن وممن اشتُهرن بالاستقامة، ونحن لا نتخذ من هذا التشبيه إلا رغبة المؤرخ الذي ذكره في أعظم وصف يمكن أن يخلعه على سيدة المدينة، وعندنا أنه لا يقصد سوءًا؛ لعلمنا بمكانة هاتين الملكتين؛ فالأولى كانت زوجة إمبراطور وأم إمبراطور في رومة، والثانية أسست مجد دولة بريطانيا في البر والبحر، وعاشت وماتت بكرًا بتولًا، وكان عقل كلٍّ منهما كعقل عشرة رجال. ولم تَفُزِ امرأة من زوجات النبي أثناء حياته بزعزعة مكانة عائشة، ولم يَفُزْ رجل أو عصبة رجال بعد وفاته بالتقليل من شأنها، ولا ننسَ أن فاطمة بنت الرسول وزينب بنت جحش حاولتا التدخل بين النبي وزوجه، وأن عليَّ بن أبي طالب لشدة حبه محمدًا وإشفاقه عليه في حديث الإفك قال كلمة لم تنسَها عائشة، ولكن هذا وذاك لم يؤدِّ إلى شيء سوى ازدياد مكانة عائشة عند الرسول؛ فإنه كان ممن لم تجد لديه السعايات والوشايات حتى ولو صدرت من أحبِّ أحبابه في حق ألدِّ أعدائه.

فنصح رسول الله لفاطمة أن تحب عائشة لأنها أحب زوجاته إليه، وردَّ زينب بنت جحش على أعقابها بعد أن حجها بأن عائشة أحسن الناس رأيًا فيها وأبقاهم على مودتها، وظاهر سعي السيدتين أن يعطف الرسول على بقية زوجاته عطفه على عائشة، وهو لو سمع إليهما أو وافقهما لكان اعترافًا منه بأنه لا يعدل بين زوجاته وهو رسول الله! ولم تمتلك عائشة قلب رسول الله؛ فقد كان هذا القلب مشغولًا بغير هذا، وإنما حركت عطفه بصباها وذكائها ونالت إعجابه لدى نضجها بحسن تدبيرها ولم تبذل شيئًا مما يبذله النساء كالتمليق والرياء، أو النميمة والغيبة؛ فكان هذا الاعتدال منها أدعى إلى تقديرها.

وسوف يرد اسمها مقترنًا بالحوادث التي ساهمت فيها بحسب ترتيب الوقائع، ولكن يحضرنا حادث واحد أُعجبنا به وحرنا في تحليله كحيرتنا في واقعة الجمل التي دعت إليها السيدة عائشة، وهو أنه لما اشتد المرض على الرسول نصحت عائشة (ابنة التسعة عشر) لأبيها أن يكف عن الصلاة بالمسلمين مكان الرسول وأن يبتعد عن المدينة لئلا يتطير به المسلمون (تعني — وإن لم تقل — في حالة وفاته عليه الصلاة والسلام) وهي تخشى بلا ريب أن مثل هذه الطيرة إذا حدثت تقف حجر عثرة في سبيل خلافته التي كانت بلا ريب تجول في خاطرها أو قد علمت بها من أحاديث الرسول أو مناجاته؛ فعمل الصديق برأيها حتى لقد قُبض الرسول وهو خارج المدينة ولم يحضر إلا وصديقه وسيده وزعيمه وحبيبه مسجًّى على الفراش.

•••

كانت عائشة جميلة الوجه والجسم دقيقة الخلقة حسنة التقسيم وسيمة الطلعة قوية النظرات ذات عينين براقتين خارقتين، تدل سيماها على الرفاهية والرقة والنعومة، تشبه الغزلان في تركيب بدنها عالية الجبين بسامة، سريعة النطق تحسن السماع والإصغاء، حادة اللسان في غير غلظة، سريعة الغضب أحيانًا، سريعة الرضا دائمًا، تغفر لخصومها إلا رأيًا واحدًا لم تغفره لصاحبه. وكانت شديدة الغيرة على الرسول، ولكنها لا تتحكم فيه ولا تتسلط على إرادته ولا تسعى في تقليل مكانته كما تفعل أية امرأة غيور، وكانت صائبة النظر دائمًا فيما له مساس برضاه أو بالحياة العامة أو بنشر لواء الطمأنينة على بيته وحياته. والحادثة التالية تؤيد ما ذهبنا إليه بعد تمحيص التاريخ والتدقيق فيه؛ فإنه لما نصر الله — تعالى — رسوله وردَّ عنه الأحزاب وفتح على يديه قريظة والنضير في آخر سنة ٥ﻫ، وكانت قريظة والنضير قبيلتين من أقوى قبائل اليهود وأغناها تحتلان حيَّين من أكبر أحياء المدينة المنورة، تحدث بعض أزواجه تبعًا للظنون والشائعات التي تجري على ألسنة الخدم والأتباع وبعض المنافقين أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم من جوهر وذهب وفضة وأعلاق وعروض! وكن في تلك الفترة تسع نسوة: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة، وسودة بنت زمعة (التي عاشرها الثلاث سنوات الأخيرة في مكة)، وأم سلمة (صاحبة هجرة الحبشة والرأي الصائب)، وصفية بنت حيي اليهودي، وميمونة (التي عقد عليها بمكة وبنى بها بسرف في عام العمرة التالي لمعاهدة الحديبية)، وجويرية بنت ملك بني المصطلق (وهي الغزوة التي حدث في طريق الرجوع منها حديثُ الإفك)، فقعدن حوله وقالت إحداهن — ولعلها زينب بنت جحش: «يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل والإماء والخول ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق!» يعني المؤرخ أنهن قد تدبرن فيما بينهن وعقدن مجلسًا عائليًّا واتحدن في خطتهن وصمَّمن على أن يقدمن إليه شكوى ظنتها كل واحدة منهن عادلة معقولة، وهي أنهن يشبهن أنفسهن بزوجات الملوك؛ لأن الهمس قد دار على أن محمدًا ملك عظيم وإن لم يدَّعِ الملك ولم يقبل أن يدعى به، وأنهن صبرن على الفاقة والضيق أثناء الجهاد والصبر على الفتح، فلما وافى النجاح وحلت البحبوحة وجاء اليسار وأمطرته السماء ذهبًا وفضةً فلا مجال للصبر على الفاقة والرِّضَى بالضيق! وإن كان الرجال يقتسمون الغنائم بعد النصر في الحروب فما أحراهن أن يطلبن بأنصبتهن مما أفاء الله وأغدق على رسوله من أموال أعدائه وأعداء الله اليهود، فآلمن قلبه بمطالبتهن له بتوسعة الحال وأن يعاملهن بما تعامل به الملوك وأبناء الدنيا وعباد المال أزواجهم، ففطن الرسول إلى أنهن قد أخطأن فهم الرسالة وأنها لم تكن بسبيل الكسب المادي ولا تحلية النساء حتى ولا توسيع نطاق العيش، وأنه لو فعل ذلك لخالف أوامر الله وخرج عن حدود وظيفته، دع عنك تحريك الأحقاد وتصديق أقوال الأعداء المتربصين الذين يتلهفون على هفوة كهذه فيزعمون أن محمدًا قد اتخذ النبوة والفتح تجارة، والمؤمنون يبيعون أرواحهم ليشتروا الجنة، والرسول يضحي بهم لا في سبيل الله وحده بل في سبيل الغنى وتحلية النساء بالعقود والأساور والأقراط والخلاخيل! فأمره الله — تعالى — أن يتلوَ عليهن ما نزل في أمرهن من تخييرهن في فراقه، وذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا.

لم تكن عائشة زعيمة هذا التدبير ولا الناطقة به، ولكنها كانت أحب نسائه إليه وكان بقية الزوجات يحسبن أنه لا يردُّ لها طلبًا وأنها أكثرهن دلالًا عليه ولو أنتج حوارها ما تريده، عمم الرسول الإجابة؛ عملًا بمبدأ العدل ولم يختصها، ولو كان رسول الله يريد حيلة أو مكرًا أو تفريقًا لصفهن المتراص لبدأ بأضعفهن أو أحوجهن إلى العيش في كنفه التي سبق لها تهديد بالطلاق وهي سودة بنت زمعة، ولكنه أخذ الثور بقرنيه وجابه المسألة مجابهة الرجل الذي وُصف في شبابه بأنه الفحل الذي لا يُقدع أنفه، وبدأ بعائشة نفسها سيدة الحريم وقائدته إلى الجنة فقال لها: إني ذاكر لك أمرًا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك.

قالت: ما هو؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك أستأمر أبويَّ؟! بل أختار الله — تعالى — ورسوله. ثم تتابعن كلهن على ذلك فسماهن الله أمهات المؤمنين؛ تعظيمًا لحقهن، وتأكيدًا لحرمتهن، وتفضيلًا لهن على سائر النساء.

كانت هذه الحادثة واحدة من اثنين أو ثلاث، وقد أظهرت كلٌّ منها فضل عائشة وحبها الرسول وشدة تعلقها به ورضاها بأحكام الله وحسن فهمها المواقف كلها بلا تعنُّت أو ضعف، وكانت الأخريات يعلمن أن تهديد القرآن بالطلاق قول جد لا مزاح فيه وأنه متى وصل الأمر إلى الوحي فلا مناص من الرضوخ، فإن الله ينفذ أمره بلا هوادة. وقد سبق أن غضب الرسول لأمرٍ فنزلت آية: عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (سورة التحريم).

كانت حفصة سيدة شديدة الخلق سريعة الغضب كأبيها سيدنا عمر بن الخطاب، وكانت شديدة الغيرة كعائشة، ولكن لم يكن لها عقل بنت الصديق ولا تدبيرها ولا كبر قلبها وسعة فكرها وبُعد نظرها؛ فجادلت حفصة رسول الله في زوجته مارية القبطية كما كانت عائشة وزينب تجادلان في صفية اليهودية، وظنت حفصة أن جدالها يغير من خلق النبي أو يبدل من معاملته مريم، والنبي لم تكن له محظيات ولا سراري ولا ملك يمين؛ فمريم زوجة وأم مؤمنين كغيرها، بل كانت والدة ولد هو إبراهيم بن محمد بن عبد الله؛ فهي الثانية التي ولدت له بعد خديجة. فماذا تعني حفصة بوصفها بالقبطية كما كانت أم سلمة وزينب تصفان السيدة صفية باليهودية؟! وماذا تقصد هذه أو تلك بتحريم اتصال الرسول بهذه أو تلك من زوجاته؟! (ومن هنا اسم سورة التحريم) ولذا عاتبه الله في أول هذه السورة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، فلما غضب رسول الله هجر نساءه كلهن ولزم بيتًا بعيدًا، وعلم أبو بكر وعمر بما جرى بعد أن طال هذا الهجر شهرًا؛ فبادرا إليه وروى عمر للرسول تأديبه لزوجته أم حفصة، وقال أبو بكر إنه لا يألو جهدًا في تأديب عائشة إن لزمها. ولكن عائشة كانت بريئة كعادتها.

والمخطئة حفصة التي لم تذكر أن الرسول أخذها إكرامًا لوالدها بعد أن فقدت زوجها في بدر على عادته في جبر خاطر أيامى الجهاد الكبرى. حقًّا لقد كان في خلق النبي أن يعدل بين زوجاته وأن لا يفرق بين تلك التي كانت قبطية أو يهودية وبين بنات الصحابة.

فإن أغلظت إحداهن عليه فما عليه إلا أن يطلب العوض من الله فيبدله منهن هؤلاء النسوة اللاتي وصفهن القرآن، كذلك لو تمسكن بالمال والزينة لكان عليه أن يسرحهن سراحًا جميلًا. لقد زعم الأغيار أن محمدًا استكثر من النساء لأهواء نفسية محضة وشهوات كالشهوات، ولو كان الأمر على ذلك لما كانت هذه القصة التي أساسها نفي الزينة وتجريد نسائه جميعًا منها، وتصحيح النية بينه وبينهن على حياة لا تحيا فيها معاني المرأة المطلوبة للشهوة، وفي جو لا يكون أبدًا جو الزهو والمباهاة، وأمره من قبل ربه أن يخيرهن جميعًا بين الطلاق فيصرن كالنساء ويجدن ما شئن من دنيا النساء وبين بقائهن فيعشن معه في طبيعة أخرى تبدأ حيث تنتهي الدنيا وزينتها.

عائشة! لقد أدركت فور الساعة جلال الموقف ولم تندم على مشاركة زوجات النبي؛ فلعلها لم توافقهن من أول الأمر على هذه المطالبة، وعلى أي افتراض فقد بادرت بالبراءة من الاستمساك بالطلب المرهق المتلف لأمر النبوة الموجد ثغرة في جوهر الرسالة. لقد كان جواب الرسول هو نص القرآن؛ فإرادة النبي هي إرادة القرآن؛ فانظر إلى النص وأمعن وأصغِ إلى نصح النبي عائشة باستشارة والدها قبل أن تقدم على الخطاب. كيف يكلم الله ورسوله زوجات النبي في هذه المفاوضة، لا تمليق ولا إطراء ولا نعومة ولا حرص على لذة ولا تعبير بلغة الخواص. لم يكتفِ بنفي الدنيا والزينة عنهن، بل نفى الأمل في ذلك إلى آخر الدهر، ولم يَبقَ لهن إلا ثلاث: الله في أمره ونهيه، والرسول في شدائده ومكابدته وجهاده، والدار الآخرة في تكاليفها ومكارهها. ثم تخيير صريح رنان طنان بين ضدين ونقيضين لا ثالث لهما ولا وسط ولا مصالحة، ثم هو عام شامل لجميع زوجاته لا يستثني منهن واحدة. ولو كان النبي غير محمد ، ولو كان ما يقوله القرآن غير ما يقوله الله، ولو كان الأمر يحتمل وجهين ورأيين؛ لكان الجواب على طلب النساء التسع مشبعًا بالأخيلة والتوكيد والرجاء والوعود وتقريب الزمن والمداورة والاعتذار إلى حينٍ هو أقرب من شروق الشمس بعد الفجر، ولكن النبي لم يتزوج نساءه ليلهوَ بهن وليجعلهن عرائس الخيال وأشباح الشهوات، ولم يكن بيته «حريمًا» بالمعنى البغدادي أو الأندلسي أو التركي كما يريد بعض المستشرقين أن يصموه به، ولو كان ذلك كما زعموا أو وهموا لكان هو المبادر إليهن بالزينة والنعومة في الثياب والمصوغ فيمشين كالممثلات في هذا العصر، أو كنسوة الملوك وسراريهم، ومحظيات «خلفاء الشؤم» الذين أضاعوا دولة الإسلام، أو خواجات السلاطين الذين بددوا ملك آل عثمان.

هنا مسألة جوهرية؛ لم يكن الرسول ليضن بالمال والحلي لأنه شحيح أو لأن بيت مال المسلمين في حاجة إليها؛ فطالما رأينا ملوكًا وزعماء يفضلون أن يبددوا أموالهم وأموال شعوبهم في مرضاة نسائهم حتى ولو كانت الأمم في أشد الضيق، فإن مطالب بيت الإمبراطور أو الملك أو الأمير لا تقل ولا تختصر، وكذلك المال الذي ينفق على أبعد الأشياء عن الضرورة كتنسيق بستان أو تأثيث بيت للخلوة أو شراء جواهر بأفحش الأثمان لتوضع على عنقٍ مآله التراب، ولكنه يبرق ويلمع لحظات في حضرة المنافقين والمنافقات والداعرين والداعرات من رجال البلاط ونسوته! وهذا الإسراف وأقل منه صرف للمرأة إلى حياة الأحلام والأخيلة والأماني والطيش والبطر والفراغ والفساد حتى الخيانة، ألم نقرأ أن امرأة تبتز مال رجل في زينتها لتغريَ بها رجلًا آخر؟ لأن اندفاع المرأة في هذا السبيل يفسد طبعها ويشوه عاطفتها ويُخضعها للتصنع فتضعف في نفسها المقاومة للرذيلة؛ فلا تقنع بإبداع الجمال من حقيقتها وعملها وتلتمسه في مظهرها وشكلها، فلا تتحقق الفائدة من شخصيتها وهي التي تهز المهد وتحوط الفرش بيدها، إلا أن رسول الله علم أن حيف الغريزة على العقل إفساد للعقل، وتعدي الشهوة على الإرادة هلاك للإرادة وضياع لمبادئ الشرف والاستقامة، وهما دعامتا المجتمع. فإذا أعطى الرجل المرأة حظ الغريزة فقد استجاب لجنونها ونفخ في ناره الكامنة فاستطار اللهب. إلا أن حياة المرأة ليست كلها حرمانًا وصبرًا واحتمالًا، ولكنها الإيثار والفضيلة وحسن المعونة في حمل أعباء الحياة. فما بالنا بمن يغير هذه المكارم بحب الذات والغرور والبطر والضجر والتبرم والإلحاح والإزعاج، كما نشاهد في النسوة اللواتي يبدلن مصوغهن في كل عام مرتين وثيابهن في كل عام اثنتي عشرة مرة، وسيارتهن ثلاث مرات في كل سنة، ويعلنَّ عن فقد عقود وفصوص وأقراط ودبابيس من الماس والزمرد والياقوت عقيب كل ليلة راقصة أو مأدبة فادحة حتى أصبحت تلك الحلي الثمينة في أيديهن وأعناقهن وآذانهن وأصابعهن كأقلام الرصاص في أيدي صغار التلاميذ! وهن بلا ريب لجنون الرجال قد ذهب حياؤهن وإخلاصهن وكثر طمعهن!

لقد سبق الرسول ملوك أوروبا بألف وثلاثماية سنة؛ فقد أرغم الملوك على أن تُنزِل نساءهن في أبسط الثياب إلى شوارع المدن وأزقة الأحياء الفقيرة ومصانع العمال وأكواخهم لتراهن نساء الطبقات المتعسرة عن قرب؛ لتطمئن إلى حياتها كل امرأة شريفة قائمة حياتها على الصبر والمجاهدة والإخلاص والعفة والقناعة، ثم تنشر صحفهم أن كريمة الإمبراطور فلان تجيد الطبخ الرخيص، وزوجته ذات التاج والصولجان ترقع بعض ثيابها البيتية، وتغير غلالتها بقماش جديد احتفظت به، وتخيط زرايرها بيدها، وتعد وجبة الإفطار لأولادها وزوجها بيدها. كذلك صنع الرسول في ذلك المجلس العائلي؛ فقد أراد أن تكون زوجاته جميعًا كفقراء المؤمنين؛ ليكون منهن المثل الأعلى للمرأة المؤمنة العاملة الشريفة التي برعت البراعة كلها في الصبر والمجاهدة والحياء والقناعة، فلا تكون امرأة زينة وحلي وحلل، ولكن امرأة إنسانية وزوجة النبي لتتم إنسانيتها ويُتم النبي رسالته. ولأجل هذا المعنى الدقيق السامي أسماهن الله عُقيب المجلس بأمهات المؤمنين، لأجل هذا وفي ضوء هذا نفهم زهد النبي وظهوره بالعجز أمام ربه وفرط قناعته وإعراضه عن الدنيا وهو يلعب بها، ولأجل هذا وفي ضوء هذا وعلى أساس هذا نفهم أخبار جوعه واكتفائه بخبز الشعير وقول عائشة إنها لم توقد النار في بيتها ثلاثة أشهر مكتفية هي وزوجها بالتمر والحليب، لأجل هذا وفي ضوء هذا وعلى أساس هذا ندرك معنى حديث عمر بن الخطاب وهو من انطبع على هذا الغرار نفسه، وكانت حياته في الخلافة مضرب الأمثال في العدل والشرف ومجانبة السرف والتفريط في حقوق الله والمسلمين، ولكنه كان يشفق على الرسول؛ فقد دخل عليه فإذا هو على حصيرٍ وعليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، قال عمر: «وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وإذا إهاب معلق فابتدرت عيناي.» فقال النبي: «ما يبكيك يابن الخطاب؟!»

قال عمر: «يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزائنك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزائنك!»

أترى إلى عمر بن الخطاب وهو الرجل الشديد القوي الجبار العنيد في الحق المؤمن الخالص الإيمان، لقد ذكر هو الآخر كسرى وقيصر كما ذكرت بنته وصواحبها زوجات الرسول نساء كسرى وقيصر؛ فقد كانت محبتهم للرسول ومشاهدتهم لما قد يناله ويتمتع به لو طلبه، وخوفهم على حياته من المبالغة في التقشف وهو القائل إن لبدنك عليك حقًّا؛ تُخفي عنهم حقيقة ذاته وتكاليف وظيفته وواجبات رسالته، لم يكن محمد يقول: «واحشرني في زمرة المساكين» تواضعًا ولا رياءً، ولكن صدقًا وحقًّا؛ لغاية عليا يفهمها ويعمل لتحقيقها.

هذا محمد «الشلبي» المدلل الشديد العناية بشخصه في شبابه، ومن بذلت خديجة حياتها ومالها في تنظيم حياته قبل البعثة بخمس عشرة سنة، وعُنيت به عناية أطوع الخدم بأبناء الملوك في ثيابه وطعامه وفراشه وعطوره وكل ما يقع عليه نظره وشمه وسمعه، ها هو ينام في إزارٍ على حصير ولم يذكر عمر أنه هزل أو ضعف بدنه، ولكن محمدًا الذي رضي بهذا كله وأقبل عليه حتى ليظن الناظر إليه أنه من أقل الناس مكانةً إذا حُكم بظواهر الأمور المادية، كان في أعلى درجات الجمال والكمال وكانت رسالة قد شارفت على التمام.

دخل على فاطمة فرأى على بابها سترًا وفي يديها قُلْبين من فضة (غويشات) فرجع، فدخل عليها أبو رافع فوجدها تبكي فسأل أباها، فقال الرسول من أجل الستر والسوارين، فأخبرها فهتكت الستر ونزعت السوارين فباعها بلال وتصدق بثمنها على أهل الصفة، والستر والسواران لا يبلغان ثمنها جميعًا عشرين قرشًا بعملة هذا الزمان!

فلم يكن النبي مازحًا ولا هازلًا ولا متظاهرًا، ولكن هذه طبيعته وخلقه، فإن كان فعل مع زوجاته ما فعل بسبب الزينة وأموال اليهود فَلِمَ فعل هذا مع ابنته فاطمة وهي زوجة في عصمة رجل وله الحرية والحق في أن تأخذ سترًا وسوارًا (كثرت قيمتهما أم قلت) إن لم يكن له غرض ومبدأ يخشى من نقضهما على ابنته وهي التي قاست في الحياة ما قاست في مكة والمدينة.

تعالوا أيها الاشتراكيون فاعرفوا نبيكم الأعظم!

تعالوا أيها المنادون بالإخاء والمساواة ومحاربة التضخم والتكاثر فاركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم الذي أرسل هذه الرسالة بالحق والحب والإخاء والمساواة.

تعالوا أيها الصارخون من العصر المادي، المنذرون بالويلات والثبور، المهولون بفناء الحضارة وتهدُّم أركان المدنية بسبب ما انبث فيها من أسباب المظالم والمغارم ومجِّدوا شخص محمد وسبحوا بحمده وإن لم تكونوا من أهل دينه وملته؛ فقد جاء للإنسانية كلها.

تعالوا أيها المطالبون بالتشريع وسن القوانين لتُرجعوا الحق إلى نصابه؛ لتعلموا أن الأمم لا تصلح بالقوانين والشرائع والأوامر والنواهي، ولكن بعمل عظمائها وقدوتهم، وأن حكامكم وممثليكم ونوابكم ووزراءكم فشلوا وسيفشلون ويخيبون ويتخبطون؛ لأنهم حكموا وهم يحسون في أنفسهم فتنة الدنيا إحساس الخاضع لا المتسلط، والمغلوب لا الفائز، والمحكوم لا الحاكم.

فليس أمر الرسول فقرًا ولا زهدًا ولا تقشفًا، ولكنه جرأة الروح الكبرى في تقرير حقيقتها الفعلية.

أنا أكتب هذا وأعلم أن الملايين تناقضني وترد قولي إذا علمته وسمعته، وأنها تحجني بالتمسك بالأوهام والأخيلة، وأن هذا الزمن قد تولى وذهب، وأنني وأمثالي نعيش في الأجيال الماضية، وأننا على الأقل نصلح لحياة الريف لا لحياة العواصم، وأن جمودنا خليق بأن تُضرب به الأمثال ما دُمنا نرى ونسمع ولا نخضع لقوانين تطوُّر الزمان، ولكنا نرى الحق في جانبنا وفي صفنا، ولا نريد أن ندلل عليه ارتكانًا على حياة النبي؛ لأن حياة الأنبياء ليست كحياة غيرهم من الرجال، ولأن لهذا البحث مجالًا آخر بل أي مجال.

•••

بقيت حادثة تافهة كنا نحب أن نُعرض عن ذكرها كما أعرض القدماء عن بعض الحوادث، ولكن هذا العصر عصر تحليل وتنقيب وفحص وتدقيق، ونحن لا ينقصنا الدليل التاريخي، وليس في سرد هذه الحادثة ما يعيب أحدًا غير الطبيعة الإنسانية التي لا تتغير بالزمان والمكان، وإن أدركتها حسنات تلطف من حيوانيتها فلا تبدل غرائزها.

تعود رسول الله أن يطوف ببيوت نسائه عقب صلاة العصر من كل يوم، وتلك البيوت متقاربة متداركة تُفتح كلها بأبواب كالخوخات على مسجده الكبير، فغاب الرسول يومًا في بيت زينب، وتعودت زينب وهي كريمة وغنية وفخورة بزواجها أن تسقيَ الرسول عسلًا حادَّ الطعم والرائحة، فاتفقن على أن يُظهرن تضررهن من رائحة العسل إذا زارهن الرسول، فتقول إحداهن إني أشم ريح مغافير! وهو طعام حلو حاد الرائحة كريهها كان مألوفًا عند العرب، وكل واحدة منهن تعلم مبلغ حرص محمد على النظافة وطيب نكهة فمه وشدة عنايته بالسواك وجلاء الأسنان وتعطير الجسم والشعر وطهارة الثوب بنص القرآن، بل إن الإسلام كله قائم على النظافة والطهر. فَلِمَ لا يتخذن هذه الناحية سبيلًا إلى مقاومة زينب فلا تطيل غيابه عنهن بعد اليوم؟! فلما طاف بالبيوت سمع اسم المغافير من كل لسان فحرَّمه على نفسه، ثم اكتشف السر فابتسم واعتصم بمكارم الأخلاق.

وحدث أن مريم القبطية ولدت إبراهيم، وهو ولد ذكر كان يترقبه الرسول ويتمناه من الله، وكانت مريم تعيش في بيتٍ بعيد فأدناها إلى بيتٍ يجاور بيوتهن؛ ليغدوَ ويروح وطفله على ذراعه يُدلِّلُـه ويناغيه، فلم يَرَ ولدًا ذكرًا منذ دفن القاسم والطيب والطاهر في معلاة مكة. وكانت كل زوجة منهن تتمنى أن تكون أم هذا الغلام، ولكن شاءت الأقدار أن لا تلد واحدة منهن أبدًا غير ما ولدت من زوج سابق إن كانت ثيبًا، وإن كانت بكرًا؛ فقد نُهيت عن الزواج بعد الرسول. وهؤلاء نساء من الإنس لسن من الملائكة ولا من الجن، وليس لهن صبر أيوب؛ فغيرتهن مؤكدة محتمة مهما حاولن كتمانها. وشاء الله أن يموت إبراهيم طفلًا مختلفًا في سنه، وقد زرنا قبره في البقيع. وكان لوفاته رنة أسًى في قلب أبيه، فقال كلمته المشهورة: «إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإننا لمحزونون لفقدك يا إبراهيم.» وحاول منافق أو مخلص أبله أن يعلل كسوف الشمس يوم وفاة إبراهيم بالحزن عليه! فأفهمه الرسول أن السماء لا تبكي والشمس لا تنكسف والقمر لا يحزن على أحد من خلق الله؛ لأنها تتبع خططًا رسمها الله لها من قديم الأزل إلى الأبد لا تتبدل ولا تتغير.

وإن في ميلاد إبراهيم وموته لموعظةً كبرى؛ فقد محا الله عنه تهمة أبي لهب الذي وصمه بأنه أبتر لا عقب له! وأدخل على قلبه وقلب أم الغلام سرورًا مؤقتًا ولو إلى حين، قال تنيسون شاعر الإنجليز في العصر الحديث: «خير لنا أن نحب ونفقد المحبوب من أن لا نحب أبدًا.»

وأوجد الله من نسل إبراهيم الخليل ابنَ نبيٍّ اتَّخذ اسمه بعد ألوف السنين، ولا عبرة بالموت في الطفولة، فإن الأطفال يتمون أعمارهم في النعيم.

(انظر كتاب سويدنبورج المتنبئ الإسكندنافي في الجنة والنار.)

وإن في وفاته ووفاة الذكور من نسل الرسول لَنعمةً على الإسلام؛ فقد اتقى الله بها شرور الفتنة في التوريث أو ظن ولاية العهد أو حق المطالبة بالخلافة للصبي؛ فقد طالبوا بدم عثمان وطالبت فاطمة بحق آل البيت، ونُسب إليها على قول ضعيف في التاريخ أنها قالت: «إن الأمر أمرنا نحن آل البيت.» ولم يكن لديها إلا ولداها وهما حفيدا الرسول، فما بالنا لو طالب شاب من صلب النبي بحقه في خلافة أبيه ظنًّا أن الأمر ملك ودولة لا نبوة ورسالة؟! وأوجد ميلاد إبراهيم من مريم آصرة نسب وقرابة بين النبوة وبين أهل مصر جميعًا؛ فأوصى الرسول بهم خيرًا.

أما السر الذي أذاعته حفصة فلا يتجاوز مراجعته لمريم بعد أن وعد بمقاطعتها فعاتبه الله في سورة «التحريم»، وهذا ليس بشيء في حياته الخاصة وحقوق الزوجية، ولا يعدل تزويج الله إياه زينب بنت جحش وعتابه؛ لأنه خجل من الناس وأخفى حبه والله يعلمه.

ولو نظرنا إجمالًا وتفصيلًا في حياة بيت النبي وجدنا أنه كان موفقًا أحسن توفيق إذا راعينا أمورًا كثيرة لا يجوز إغفالها:
  • أولًا: عاش النبي مع زوجة واحدة من سن ٢٥ إلى ٥٣، ماتت خديجة وهو في الخمسين وحلت محلها سودة ثلاث سنين، وهذه خير أعوام الفرد في هذه الدنيا من ناحية الشباب والقوة وحب النساء.
  • ثانيًا: كانت فترة المدينة فترة تشريع جديد وطور انتقال وحروب وغزوات وهجوم ودفاع واستهداف للأخطار من أعداء أقوياء.
  • ثالثًا: كان توفيق النبي في إدارة شئون بيته كتوفيقه في الحروب والسياسة؛ فلم يوجد في داره امرأة كزوجة نوح أو زوجة لوط وهما نبيان مرسلان، ولم يفشل في زواج ولم يطلق كما فشل وطلق أباطرة الرومان ونابوليون ومصطفى كمال، ولم يقتل إحدى زوجاته كما قتل هنري الثامن بضع نساء، ولم تفجر واحدة تنتمي إلى دينه كما فجرت كريستيانيا وكاترين وبنات مديتشي وهن ملكات وزوجات ملوك وأمهات ملوك وأخوات ملوك.
  • رابعًا: كان سقف بيت الرسول يظل أمشاجًا من السيدات تفصلهن عنه فوارق بعيدة المدى، كما تفصل بعضهن عن بعض أمثال تلك الفوارق، فبينهن مَن كانت تصغره بأربعين عامًا وهي عائشة، ومنهن ثيبات كن لأزواج غيره قبله كأم حبيبة وأم سلمة، ومنهن الجميلات كأم حبيبة والدميمات المسنات كسودة، ومنهن المغايرات لدينه أصلًا كصفية ومريم، ومنهن بنات الملوك كجويرية وبنات وزيرَيه وصاحبَيه أبي بكر وعمر وابنة أعدى أعدائه أبي سفيان (أم حبيبة!)

وقد نُرجع نجاحه في حياته الخاصة إلى رسالته وإيمانه ومكارم أخلاقه، ولأنه كان في بيته مثال الدعة والأريحية يُكثر من تدليل نسائه ومداعبتهن، وكان يلاعب عائشة وهي صغيرة ويسابقها فيسبقها، ويتسامح إذا اجترأن عليه، فبينا عمر ينتهر زوجته كانت حفصة بنته تراجع رسول الله حتى يظل يومه غضبان ثم يعفو ويصفح؛ فهو في بيته مَلَك من السماء، حتى إنه لَيصلي فيتسلق ظهره الحسن بن علي فيطيل السجود حتى يترجل الغلام من تلقاء نفسه، وإذا كن في رحلة وغذَّ قائد الجمل سيره فيلحظ النبي ذلك ويقول للقائد الحبشي: «رفقًا أنجشة بالقوارير»؛ تشبيهًا للمرأة بآنية الزجاج في سرعة العطب أو بالقلب الرقيق لا يُجبر بعد كسره.

وهذا التوفيق وتلك السعادة وذلك الكفاح في سبيل التوفيق بين الأخلاق المتناقضة والنفوس التي لا يبرئها من الغيرة إلا الله؛ إنما نعمة منه سبحانه وتعالى أفاءها على نبيه وحبيبه.

ولم يُخفِ الرسول تفضيله لعائشة حتى اللحظة الأخيرة؛ فقد مرض عند غيرها فمرَّضته في بيتها ومات في حجرها ودُفن في حجرتها؛ فعاشت سبعًا وأربعين سنة بجوار ضريحه وهو يضم جثة والدها وعمر بن الخطاب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠