نزول الوحي

لا شك عند أحدٍ من المؤرخين وكُتَّاب السير — سواءٌ أكانوا من العرب أم من الإفرنج — أن النبي وصل سن الأربعين دون أن يظهر بأي مظهر عقلي أو علمي يدل على مستقبله، ولم تكن لديه مواهب أدبية ظاهرة ولم يَنْبُغْ في شيء من الصناعات أو الفنون، اللهم إلا رعاية الغنم وبعض التجارة حينًا لزوجته وحينًا لنفسه، ولم يتولَّ شيئًا من أعمال قريش في دينها ولا دنياها ولا كان يعبد عبادتهم على طريقةٍ منتظمة ولا يحضر سامرهم ولا ندوتهم التي كان الدخول إليها معلقًا على شرط بلوغ الأربعين، وخصوصًا وأهم من كل شيء أنه لم ينظم الشعر كما كانوا ينظمون، ولا عُنِيَ بالخطابة كما كانوا يُعنَوْن، ولم يؤثَر عنه قول ولا عمل يدل على النبوغ أو حب الرياسة أو الشهرة أو البحث في شئون السياسة، ولم يشارك قومه في الاعتقاد بشيء من أساطير الجاهلية ومثيولوجيتها، ولا سعى إلى أمر من أمور الفخر وأسباب الغزو والحرب، بل كان منذ طفولته أليف الوحدة وسمير العزلة، غير أنه تميز في نشأته على أترابه وأقرانه بالتزام الصدق والأمانة وسمو الأدب في المعاشرة الاجتماعية، ولا نزاع في أنه اشتُهر بهذه الخلال فلقبوه بالأمين.

ولما كانت مسألة الوحي على أعظم جانب من الأهمية، فقد أردت أن أعالجها من جميع ناحياتها بالتفصيل التام لإقناع القارئين — لا سيما أحرار الفكر والمرتابين — بحقيقة هذه الظاهرة الروحانية النفسانية وتعليلها بالأسباب العلمية الصحيحة المنطبقة على البحوث الحديثة بعد استيفاء المصادر القديمة ونقدها نقدًا كاملًا في ضوء العلم الحديث.

فقد أجمعت المصادر العربية والإفرنجية على أن أول ما بُدئ به محمد من الوحي الرؤيا الصادقة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح واضحة، ثم حُبِّبَتْ إليه الخلوة والانفراد فكان يخلو بغار حراء وهو نقب في الجبل المعروف بهذا الاسم، وهو أحد الجبال المحيطة بمكة على شمال الذاهب منها إلى مِنًى. وكان هذا الغار في أعلى الجبل يشرف على مكة وترى منه الكعبة كما يشرف على ما دونه من البقاع؛ فهو حسن الموقع جيد الهواء يتسع فيه مجال التفكير والتأمل وإشباع العاطفة الدينية الكامنة والشعور بالجمال والجلال وعظمة الكون وقدرة خالقه.

فكان محمد يخلو بهذا الغار اللياليَ ذوات العدد، وكانت هذه الخلوة نوعًا من التحنث؛ وهو التعبد، فإذا فرغ زادُه يرجع إلى بيته في مكة فيتزود، وما زال كذلك حتى جاءه الحق وهو على هذه الحالة فتمثل له المَلَك جبريل ولقنه عن ربه آيات التنزيل فقال له: «اقرأ.» فقال: «ما أنا بقارئ.» وقد كرر ذلك ثلاث مرات. وكان المَلَك بعد كل جواب يضمه إلى صدره ويعصره حتى يبلغ منه الجهد مبلغه، وكأنه بهذا الضم والعصر يوصل إليه قوة تجعل الروحانية فيه أقوى من البشرية ليستعد إلى تلقِّي الآيات الإلهية ليكون واسطة بين الخالق والخلق ومنتهى الحاضر ومبدأ الغائب، كما كان الملك أو الروح الأمين واسطة بين الخالق ومحمد.

فلما تركه في المرة الثالثة قال له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.

وهذه السورة تفسر لمحمد وظيفة جبريل وتبيِّن له الغاية من هذا الاتصال الأول من نوعه بالعالم الأعلى، وهي تتضمن أمرًا صريحًا لمحمد بأن يكون قارئًا — بعد أن كان أميًّا — باسم ربه الذي خلق الإنسان من نطفة تحمل الحيوان المنوي الذي يلتقي ببويضات الأنثى فيتم التلقيح والحمل في الرحم، وهذا الأمر ليس باسمي ولا باسمك ولا بحولي وقوتي ولا بحولك وقوتك، بل بإرادة الله وقدرته؛ لأنه القادر على جعلك قارئًا لآيات ربك التي يرسمها بالوحي في قلبك، وقادر على تعليمك الكتاب والحكمة وما لم تكن تعلم، وهو الذي علَّم الإنسان بالقلم ما لم يعلم وغير القلم، فرجع محمد بهذه الآيات إلى بيته وفؤاده يرجف وبدنه يرتعد، ولكنه محفوظ الرشاد، فقال لزوجته خديجة: زملوني زملوني. فلفته خديجة ودثرته بثيابها وصبرت حتى زالت رعدته واطمأن رَوعه فقال لخديجة: محمد: لقد خشيت على نفسي من الهلاك والضرر.

خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتُكْسِبُ المعدومَ، وتَقْرِي الضيفَ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ.

ثم فتر الوحي ثلاث سنين، قوي أثناءها استعداد محمد للتلقي، واشتد إليه شوقه وحنينه.

وبعد هذه الفترة بينما كان يمشي سمع صوتًا من السماء فرفع بصره فإذا المَلَك الذي جاءه بالغار فرعب منه ولكن دون الرعبة الأولى، فرجع إلى أهله وتزمل وتدثر فأنزل الله عليه: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ.

ثم حمي الوحي وتتابع فبلَّغ النبي دعوة ربه.

فكان ظهور المَلَك له ونزول أولى السور في سن الأربعين، وكان الأمر بتبليغ الرسالة في الثالثة والأربعين من عمره.

هذا ملخص وجيز جدًّا لحقيقة الوحي قد أردنا به أن يكون أصلًا وأساسًا للبحث المستفيض المقنع.

•••

ثابت من هذا الموجز في وصف الوحي أن أول ما بُدئ به الرسول من النبوة الرؤيا الصادقة أو الصالحة، فما كان يرى رؤيا إلا جاءت واضحة كفلق الصبح (عن عائشة)؛ أي إن ما كان يراه في المنام يتم على حقيقته في اليقظة. وللرؤى أو الأحلام شأن كبير في التاريخ والأديان وعلم النفس؛ لأنه لا يوجد إنسان لا يرى الرؤى في نومه، ولكن اختلف العلماء في تعليلها. وفي الإسلام علماء تخصصوا لتفسير الأحلام واشتُهروا بذلك وألفوا فيه كتبًا، وأشهرهم ابن سيرين. وقد تكون الرؤيا حقيقية كما تكون مجازية؛ فالحقيقية هي التي يرى فيها النائم أنه لقي شخصًا معينًا أو سار في طريق خاصة أو سمع قولًا بذاته فيصبح فيلقى الشخص أو يسير في الطريق أو يسمع القول نفسه، وقد تطول المدة أو تقصر بين الرؤيا المنامية وبين التفسير في اليقظة. وكان الملوك الأقدمون يتخذون في حاشيتهم ويصطحبون في أسفارهم وغزواتهم رجالًا وظيفتهم التنجيم وتفسير الأحلام! ومن هؤلاء كسرى والإسكندر الأكبر الذي رأى وهو يحاصر مدينة صور رؤيا فسرها المفسر المرافق له بأنه سيفتح المدينة وما لبث أن تم له ذلك كما ذكره العلامة سيجموند فرويد في كتابه مقدمة التحليل النفساني، طبع بايو بباريس، سنة ١٩٢٥، ص٩٨.

وكذلك رأى يوسف وهو يافع رؤيا رمزية وحكاها لوالده فنهاه عن روايتها لإخوته: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ….

ولم ينفع نهي يعقوب وتمت محنة يوسف وبيعه وسجنه، وكان كل ذلك وسيلة لتحقيق رؤياه فصار، سيد قومه وعشيرته، بل إن يوسف نفسه قد منحه الله علم تفسير الرؤى: وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ.

ولما سُجن يوسف دخل معه السجن فتيان رأى كلٌّ منهما رؤيا رمزية؛ فالأول رأى أنه يعصر خمرًا ورأى الآخر أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه، ففسرهما لهما (آية ٤١ سورة يوسف) فقال إن أحدهما يُطلَق سراحه ويعود إلى عمله في القصر فيسقي ربه خمرًا، وأما الثاني فيُصلب وتأكل الطير من رأسه.

ثم رأى عزيز مصر رؤيا البقرات السمان والعجاف وحارَ في تفسيرها ففسرها يوسف وكان ذلك سببًا في تعيينه وزيرًا لمالية مصر.

وهذه القصة بحذافيرها في التوراة؛ أي إن اليهود والمسلمين يؤمنون بالرؤى كما يؤمن بها العلم الحديث، وقد أفرد لها فرويد — أعظم علماء التحليل النفسي — نحو مائتَي صفحة في كتابه السابق الذكر، ص٩٦–٢٦٠، وفرويد يعلل الرؤى بالرغبات المكبوتة.

وممَّن عُنُوا بدرس الأحلام وتعليلها وتفسيرها رجال المجمع الروحاني الدولي برياسة الأستاذ ريشيه، وهم يعللون الرؤى تعليلًا روحيًّا يخالف تعليل فرويد ومدرسته (راجع مجلتهم الصادرة في باريس سنة ١٩٢٠باسم Bulletin de l’Institut Metapsychique International).

وقد نقل المرحوم محمد حافظ إبراهيم عن المرحوم الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده تعليلًا للأحلام لا أوافق عليه وأظنه من قبيل جواب الحكيم وتجاهل العارف؛ فقد روى حافظ أن الشيخ كان يعلل الرؤيا بتصاعد أبخرة الطعام إلى المخ واختلاط المرئيات التي تمر بالمخيلة في فترة اليقظة! ولعل الشيخ رأى أمة متعلقة بأهداب الخرافات فأراد أن يصرفها بمثل هذا التعليل.

كانت رؤيا النبي صادقة سواءٌ أكانت سارَّة أو شاقَّة؛ فمنها رؤياه قبل معركة أُحد (وقد تكلمنا عليها في وصف تلك الوقعة).

ورأى النبي في منامه كأن كلبًا أبقع يلغ في دمه، وقد تفسرت هذه الرؤيا بأن شمرًا الأبرص قتل الحسين فكان بين الرؤيا وتفسيرها خمسون عامًا، وقد تحققت بعد وفاة النبي بعشرات السنين.

فالرؤيا الصادقة تكون مبشرة بخير عاجل أو آجل كما تكون منذرة بشر.

ومن العجيب أن النبي نفسه يعلل صدق الرؤيا بتنبُّه العقل الباطن الذي يعبر عنه بالقلب أو الفؤاد في قوله: نحن — معاشر الأنبياء — تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا.

وهذا الكلام صريح في وصف العقل الباطن؛ لأن النبي كان ينام كما ينام كل الناس، ولكن عقله الباطن كان يقظًا لقوته وكمال استعداده؛ فنحن نقرأ قولهم إن قلوب الأنبياء نورانية؛ أي إن عقولهم الباطنة كاملة ومستعدة، فجميع ما ينطبع في عالم مثالهم لا يكون إلا حقًّا.

ولنا أن نتساءل: هل لجأ محمد للخلوة والتحنث بحراء بدافعٍ من نفسه أم أن حادثًا حدث له فحفَّزه إلى الخلوة؟ لأن الخلوة حال تحتاج إلى دافع وموجب، والجواب عندنا أنه شعر من نفسه بحاجةٍ إلى العزلة بعد أن قضى خمس عشرة سنة في الحياة الزوجية وبعد أن ختم الحلقة الرابعة من عمره، فأحس بأن هذه الحياة المادية العادية لا تكفي مطالب روحه، فزهد فيها وطلب ما هو أرقى منها؛ فهو بخلوته كان يحب أن يقضيَ حاجة في نفسه، وهو لا يعلم ما وراءها ولكنه بلا ريب شعر أن الخلوة تنقذه من مشاغل الحياة وخمولها وسيرتها على وتيرة واحدة، وقد صمد لها أربعين عامًا، وقد ذهب من العمر أكثره وإن يكن بقي أنفعه، فأدرك بروحه السامي أن لا يتم له ما تتوق إليه نفسه إلا بالخلوة التي يكون بها فراغ القلب والانقطاع عن الخلق، ولعل في ذلك صفاء النفس وإشراق أنوار المعرفة وتجلِّي الحقائق الأزلية، وكان محمد في تلك الخطوة الأولى موفقًا.

ويبدو لنا من السير أنه لم يكن البادئ بهذه الطريقة؛ فقد سبقه إلى التحنث والخلوة في غار حراء بعض المتألهين من قريش؛ أي الذين مثل جده عبد المطلب وورقة بن نوفل وأبي أمية بن المغيرة.

وكانت عبادة هؤلاء تشمل إطعام المساكين ممن يَلجَئون إلى الغار؛ لأنه كان من نسك قريش في الجاهلية أن يطعم الرجل من جاءه من المساكين في هذا المكان؛ لأن اشتهاره بالتجاء المتعبدين إليه جعله مقصودًا من المساكين كما نشاهد بأبواب المساجد والهياكل في عصرنا هذا.

فماذا كان يعمل محمد في الغار؟

في اعتقادي أنه لم يكن يعمل شيئًا ظاهرًا ولم يكن يتكلم بشيء، ولا أميل إلى القول بأنه كان يتعبد بشريعة إبراهيم؛ لأن مقصده من الخلوة لم يكن التعبد، ولكن مقصده كان الخلوة في ذاتها؛ لأنه كان يريد أن ينسى المألوف من مخالطة الناس التي تؤثر في النفس أسوأ الأثر؛ فهو كان يريد أن يزيد نفسه صفاءً على صفائها، ولعله كان يكتفي بالتفكير والتأمل.

ولست أحب أن أقول إنه كان يحب أن ينظر في ملكوت الله ويعجب بالسماء والكواكب والشمس والقمر والنور والظلام، بل أقول إنه كان ينظر في نفسه وفي روحه وفي فؤاده، ولعلها المحاولة الأولى في تاريخ العرب من رجل يريد أن يعرف نفسه فعرف ربه. لقد كان محمد منطويًا على ذاته يبغي معرفتها وترقيتها وتخليصها، يريد أن يسيطر عليها وينفذ بها بسلطان من الله.

ونحن لا نعلم ولا المؤرخون يعلمون ولا أحد يعلم ما حدث بين محمد وبين نفسه، ولا ما هي صور الجمال والجلال التي مرت به، ولا العوالم العلوية التي جاس خلالها واخترقها، ولا يبلغ العقل البشري مدى السمو الذي وصل إليه في تلك الخلوة المحوطة في نظرنا بالخفاء والغموض، والتي لا يمكن اختراق حجبها إلا لمن أوتي شعاعًا من نور يعينه معرفة كنهها واستشفاف أسرارها العليا، وصدق من قال: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ.

والدليل عندنا على أن محمدًا لم تكن له خطة مرسومة في عقله الظاهر وأنه لم يكن يتوخى غاية معينة وأنه لم ينتظر ما لقيه، أنه بُغت واضطرب وارتعب، وهذه حال الرجل الذي يفاجأ بأمر لم يكن في حسبانه، سواءٌ أكان صوتًا يسمعه ولا يرى صاحبه أو صورة يبصرها ولا يعرفها، ولم يكن هذا الرعب نقصًا في الشجاعة؛ فقد كان محمد شجاعًا في جميع أطوار حياته، وطالما قابل الموت وجهًا لوجه ولم يحسب له حسابًا ولم يفقد رشاده، وكفانا دليلًا على شجاعته خلوته في رأس الجبل في وحدة النهار وظلمة الليل في مكان لا يخلو من الأخطار، ولا نظن أنه كان يُشعل فتيلًا أو يستضيء بمصباح؛ إذ لا حاجة له به ولا سبيل إليه، ولا نعلم إن كانت عينه تغمض أو يبقى ساهرًا ليله؛ وإذنْ تكون خلوة محمد في الغار سرًّا غامضًا من حيث جوهرها وخطوة جريئة معلومة له بمقدمتها ومجهولة بنتيجتها؛ إذ لو كان يعلم النتيجة وهو يوطد النفس على ظهور المَلَك أو نزول الوحي لاطمأن إليها واغتبط، ونزل إلى أهله فرحًا طروبًا مفاخرًا بثمرة عبادته، ولكنه على النقيض نزل مضطربًا مرتعبًا مرتعدًا محمومًا يلتمس الدثار والغطاء ويخشى على نفسه الهلاك والمرض والجنون. وكان في كل مرة يخلو ويفرغ زاده — الذي كان كعكًا وزيتًا كعادة المتزهدين والنساك — يعود إلى أهله. وكانت مرات الخلوة تطغى أحيانًا على الأيام، فقالوا كان يتحنث الليالي ذوات العدد؛ أي مع أيامها، وكانت هذه الأيام تتراوح بين ثلاثة وسبعة، وتبلغ أحيانًا شهرًا بطوله، وهي بلا ريب مدة طويلة على من لم يكن قوي الإرادة صادق العزيمة ذا عاطفة دينية وثابة تملك عليه مشاعره.

وكان في فترات الخلوة العادية إذا أخذ نصيبه من العزلة ينصرف قبل أن يدخل بيته إلى الكعبة فيطوف بها سبعًا ثم يرجع إلى بيته، وهذا الطواف بالكعبة من عبادة قريش كما لا يخفى، وكانت الأصنام لا تزال منصوبة بها ومعبودة من قومه، ولعله كان يطوف بها لأنها البيت الذي رفع قوائمه إبراهيم وإسماعيل، وإبراهيم صاحب الشريعة الحنيفة التي وصل النبي بها دينه الجديد وجعلها أساسًا له واعتبرها أصلًا ومنشأً.

ووردت أخبار أن خديجة كانت تصحبه أحيانًا إلى الغار ولعلها كانت ترافقه لتعلم مكانه؛ لأنها كانت طول حياتها شديدة الحرص عليه ولا تطمئن إذا لم تعلم مكانه، ولا شك أنها كانت تتألم من تلك الخلوة، ولكنها لم تنازعه ولم تُعِقْه ولم تقف في طريقه، بل كانت تعينه عليها تنفيذًا لرغبته، ونزولًا على إرادته؛ لأنها كانت ترى الصواب فيما يفعل بَعْلُهَا وحبيبُها.

ولم تدم مدةُ التحنثِ إلا عامًا أو بعض العام الذي نزل فيه الوحي. وقد يُشعر هذا بأن محمدًا أحس بقدومه على شيء عظيم فأخذ يستعد له، وكل نفس زكية — لا سيما إذا كانت في درجة نفس محمد التي هي أرقى النفوس البشرية — لها إشراف على المستقبل، ولا يمكن أن يبهم عليها الأمر جملةً، ولكن الشعور المبهم بقدوم شيء عظيم غير تصوره قبل حدوثه والاستعداد له. هل كان محمد يريد بخلوته أن يدفع قلقًا ويشفي نفسه من ضجر، أم كان بغير علم منه يستعد لجنْي الثمار التي طال أمد زرعها ونمائها ونضجها في نفسه واستحقت أن تدنوَ وتقطف بعناية الله؟ لقد كان لمحمد شغف بالوحدة منذ الصغر، ولكن وحدته طفلًا وفتًى ويافعًا وصبيًّا مراهقًا كانت وحدة الانكسار والحزن والألم، ولكن وحدته في غار حراء بجبل أبي قبيس كانت من نوع آخر، إنه كان في خفاء وغموض حتى عن نفسه وبالخصوص عن نفسه، ينشد المعرفة بطريق الإشراق، ويستلهم ما في الكون من أسبابها.

وهنا تعرض لنا مسألة ذات خطورة: هل الوحي إلهام يفيض من نفس النبي الموحى إليه، أم أن الوحي شيء جاء من عالم الغيب الذي وراء عالم المادة والطبيعة؟

هذا ما نحاول البحث فيه وتحليله، ولأجل الوصول إلى نتيجة مقنعة نستورد سائر النصوص المقطوع بصحتها؛ سواء في القرآن، أم الحديث والسير؛ ففي سورة البقرة: قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (سورة البقرة، آية ٩٧).

وسورة الشعراء: وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (سورة الشعراء، آية ١٩١ وما بعدها).

وفي سورة النحل: يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.

وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.

قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (سورة النحل).

وإننا لنشهد بالقرآن لأن نصوصه لا تقبل الشك، لا من علماء الإفرنج ولا سواهم، وهذه الآيات تؤيد الحديث والسير وتدل كلها على أن الوحي جاء من الله بواسطة روح أمين أو ملك كريم.

ولكن محمدًا الذي فوجئ بالأمر وصفه أدق وصف، فقال إن المَلَك جاءه وهو نائم بنمطٍ من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ! فجعل المَلَك ذلك النمط على فمه وأنفه؛ أي كتم أنفاسه حتى ظن محمد أنه الموت، ثم تركه وقال له: اقرأ من غير هذا المكتوب. فقال محمد ماذا أقرأ؟! وما قال ذلك إلا افتداءً منه وتخلصًا لئلا يعود المَلَك لكتم أنفاسه بالنمط الذي فيه الكتابة، ولم يجرؤ أن يقول للملك ما أنا بقارئ، إنما استفهم منه: ماذا أقرأ. لأنه خشي إن هو نفى عن نفسه القراءة وقال له ما أنا بقارئ، يعود فيكتم أنفاسه بالنمط، وعند ذلك قال له المَلَك: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.

فقرأها محمد بالتلقين، فانصرف المَلَك.

وفي سورة المزمل: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا.

إشارة لشدة الوحي وعدم طاقة محمد إياه في أول الأمر، سواءٌ أكان أثناء التلقي أو في التبليغ والقيام بأعباء الرسالة.

وثابت من حديث النبي أن هذا كله وقع أثناء النوم، فإنه قال: فانصرف عني وهببت — أي استيقظت — من نومي فكأنه كتب في قلبي كتابًا (السيرة الحلبية، ص٢٦١، ج١).

وعلى هذه الرواية يكون الوحي جاء محمدًا في منامه ولقنه في منامه وتركه بعد أن حفظ السورة الأولى وبعد ذلك كله صحا النبي من نومه.

غير أن هذه الرؤيا لم تكن أول عهد محمد بالمَلَك، بل كان من قبل الرؤيا سمع صوته فقال: «خرجت (من الغار) حتى إذا كنت في شط من الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول: «يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل» فوقفت أنظر إليه، فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحيةٍ منها إلا رأيته.»

ويظهر أن زوجته خديجة كانت في تلك اللحظة تنتظره، فلما أبطأ تفقدته فأرسلت رسلها يبحثون عنه فلم يجدوه فرجعوا إليها، وهو واقف في مكانه ولم ينصرف حتى انصرف المَلَك.

فرجع محمد إلى أهله، فلما رأته خديجة سألته وهي مروعة: يا أبا القاسم، أين كنت؟! فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إليَّ. فروى لها ما وقع له.

وبهذه الرواية يكون النبي قد رأى في إحدى حالات اليقظة المَلَك رؤية عِيان وسمع صوته بأذنه. ولم تكن هاتان الحالتان وحدهما اللتين يأتي عليهما الوحي؛ فقد سأله الحارث بن هشام كيف يأتيه الوحي، فقال (نقلًا عن البخاري): أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده، فينفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي المَلَك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول.

وقالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا.

وعن ابن عباس: كان رسول الله يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه. فقال ابن عباس: فأنا أحركهما كما كان الرسول يحركهما، فأنزل الله: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ قال: جمعه لك في صدرك وتقرؤه … فكان الرسول إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي كما قرأه.

فكأن المَلَك كان يأتي للنبي على صورٍ شتى، وفي بعضها يأنس له وفي بعضها يرتعد ويفرَق ويجد ثقلًا عند نزوله ويعرق، وربما يغط كغطيط البكر محمرة عيناه، ومرة وقع فخذ النبي على فخذ زيد بن ثابت عند نزول الوحي، قال زيد: «فوالله ما وجدت شيئًا أثقل من فخذ رسول الله!» أي إن الثقل كان معنويًّا وماديًّا حتى يتعدى نفس محمد إلى بدنه فيثقل.

وكان يوحى إليه وهو على راحلته فترعد حتى يظن أن ذراعها ينفصم وربما بركت، ولما نزلت سورة المائدة كان على ناقته فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها.

أي إن هذا الثقل الجثماني لم يكن يشعر به الإنسان وحده كما حدث لزيد، بل كان يشعر به الحيوان أيضًا كما شعرت راحلته العضباء فاندق كتفها.

وكان شعور محمد في كل مرة عند نزول الوحي أن نفسه ستُقبض، وكان في الغالب يُغشى عليه أو يصير كهيئة السكران (عن أسماء بنت عميس) لتغيره عن حالته المعهودة تغيرًا شديدًا!

وأسماء بنت عميس أسلمت قديمًا وهاجرت إلى الحبشة، وتزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر فمات عنها، ثم تزوجها علي بن أبي طالب فولدت له يحيى، وهي أخت ميمونة بنت الحارث إحدى زوجات النبي، وكانت نسيبة للعباس وحمزة؛ فهي أكرم الناس أصهارًا، وروى عنها عمر بن الخطاب نفسه، وكانت لها هجرتان إلى الحبشة، وهجرة إلى المدينة (ص٣٩٦، ج٥، من أسد الغابة) فهي ثقة في حديث وصفها للوحي.

وتكون النتيجة إجماع شهود الرؤية على أن ما كان يجري من البرحاء على محمد حين نزول الوحي يغيره تغييرًا شديدًا حتى يؤخذ عن الدنيا فيصير كالمغمى عليه أو كالسكران أو كالمحموم، ويشعر في كل حال أنه سيلفظ آخر أنفاسه، وهذه حالات كلها تؤثر على الإدراك والوعي، ولكن الكل مجمعون على أنه كان يستبقي عقله وتمييزه، وإن كان الوحي يملك عليه نفسه ويستحوذ على مشاعره فلا يستطيع أن يرفع طرفه إليه حتى ينقضيَ الوحي وهو في ذلك يستقبل الرعدة والكرب، فيتربَّد وجهه وتغمض عيناه ويخرج منه صوت كصوت الجمل، ويسمع عند وجهه صوت كدوي النحل (عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت).

فهذه وقائع مادية ومشاهدات مؤكدة، ولم تكن دائمًا تحدث في الخفاء بين محمد والمَلَك بل كانت تحدث أحيانًا بمرأًى ومسمعٍ من هؤلاء الشهود العدول والرواة الثقات من خيرة الرجال والنساء.

فإذن الوحي هو طريقة اتصال محمد وغيره من الأنبياء بالعالم الأعلى، وفي القرآن: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا.

والمقصود بالرسولِ المَلَكُ، وقد وُصف جبريل بأنه رسول في سورة التكوير: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ.

وعلى هذا التفسير أغلب المفسرين؛ لأن آية: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ تشير إلى رؤيةِ النبيِّ جبريلَ في السماء.

•••

ولم يكن النبي يخاف الوحي على حياته فحسب، بل كان يخشى أن يكون علامة على كونه كاهنًا من كهنة الجاهلية وهو يكره ذلك ويخشاه، فقال لخديجة لما سمع نداء: يا محمد، يا محمد: وقد خشيت أن يكون والله لهذا أمر، والله ما أبغضت شيئًا بغضي هذه الأصنام شيئًا قط ولا الكهان، وإني لأخشى أن أكون كاهنًا وأخشى أن يكون بي جنون.

وهذه الرواية تدل على أنه في عزلته وقبل سماع الأصوات أو رؤية المَلَك كان خاليَ الذهن مما سوف يتم له، وظن الهتاف باسمه نوعًا مما كان يسمعه كهان الجاهلية فخشي هذه العاقبة.

ولم يكن محمد مقلدًا في روايته؛ لأنه لم ينقل عن أحدٍ من الأنبياء أنه جرى له عند ابتداء الوحي مثل ذلك ولم يقل بسماع الأصوات من السماء إلا جان دارك بعد بعثة النبي بستة أو سبعة قرون فصدقوها، ولم يقل عيسى — عليه السلام — بأنه تلقَّى وحيًا؛ لأنه كان كلمة الله، ونزلت على موسى ألواح حجرية فيها شريعته وخاطبه الرحمن مباشرةً ولذلك سُمي كليم الله. وإذنْ فالوحي المحمدي جاء على طريقةٍ مبتكرة غير مسبوقة وغير منتظرة وخالية من التصنع والتدبير؛ ولهذا فهي صادقة؛ لأنه لا يُعقل أن رجلًا يدَّعي أنه جاءه مَلَك وعلمه سورة من القرآن وهو مع ذلك يرجع إلى بيته ترجف بوادره وترتعش فرائصه من الفزع، ولا يمكن لأحد مهما كان متصنعًا أن يخلق أعراض الفزع؛ فإن ارتجاف البوادر وهي الجزء من البدن بين المنكب والعنق عرض جثماني يصحب حالة الخوف المعنوية، كالرعدة التي وصفها ويليم جيمس وقال إنها تصيب الخائف بعد دخول الرعب في نفسه.

وغني عن البيان أنه لم ينظر الملكَ ولم يسمعه أحد من أهله أو صحابته سواه، ولكنهم كانوا جميعًا يرَوْن آثار الوحي في شخص النبي كالرعدة والعرق والإغماء وتَرَبُّدِ الوجهِ وثقل البدن؛ ولهذا اضطُرت خديجة لعمل التجارب المادية برفع خمارها لتعلم إن كان الملك يظهر له في حالة رفع حجابها، على ما سيأتي بيانه.

•••

كانت جان دارك — التي قدستها الكنيسة الكاثوليكية، والتي قالت إنها سمعت أصواتًا ورأت رؤًى تدعوها لتخليص بلادها وتتويج ملكها — فتاة ذات وجدان شريف هاجه شعور الدين وحركته مزعجات السياسة فتحرك ونفر، فصادف مساعدة من الحكومة واستعدادًا من الأمة للخروج من الذل الذي كانت فيه، وكان التحمس الذي حركته سببًا للحملة الصادقة على العدو وخذلانه.

وكانت قبل نبوتها متعودة الشغل خارج البيت كرعي الماشية وركوب الخيل إلى العين ومنها إلى البيت.

وقد صدقها قومها واعتقدوا برسالتها! ولم يبحثوا إن كان ما وقع لها وحيًا إلهيًّا أو نوبة عصبية قصيرة الأجل لا دعوة فيها إلى علم ولا إصلاح اجتماعي عام من دعوة الأنبياء التي هي حاجة طبيعية من حاجات الاجتماع البشري، كما أثبت ذلك الأستاذ الإمام محمد عبده في رسالة التوحيد. وأين دليل جان دارك من أدلة النبوة؟ وأين أثرها من آثار النبوة؟ فإن جان دارك جمعت جيشًا صغيرًا وغلبت به العدو ثم خذلها قومها فوقعت في يد أعدائها فتواطئوا مع رجال الكنيسة واتهموها بالسحر وألقَوْها في النار وهي على قيد الحياة، فماتت شهيدة الوطن!

لقد كان محمد أكثر الأنبياء توفيقًا، وبهذا وصفه ج. ﻫ. وِلز في كتابه تاريخ العالم الذي يعد حجة في التاريخ القديم والحديث؛ لتضافر فريق من أكابر المؤرخين على تأليفه وتحقيق مسائله.

وقبل ذلك بأربعة عشر قرنًا قالها محمد عن نفسه وقد تمت نبوته، قال في حديث متفق عليه نقلًا عن أبي هريرة: «ما من نبي إلا وقد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠