تقدير الوحي عند الإفرنج

ولننظر الآن في تقدير الوحي عند الإفرنج؛ فقد جاء في قاموس لاروس في تفسير كلمة Inspiration ص٥٣٧، ما نصه: حقيقته فعل يدخل به الهواء في الرئتين، ومجازًا نصيحة أو إيحاء، أو حالة نفسية يوجد عليها الروح عندما يكون مباشرةً تحت تأثير قوة فوق الطبيعة؛ كوحي موسى والأنبياء.

وهو التحمس عند نظم الشعراء، ويقال وحي العباقرة وصفًا على ما يصل إليهم من الأفكار الخارقة للعادة التي تؤدي للأعمال الجليلة.

وجاء في تفسير كلمة وحي من قاموس الكتاب المقدس ما نصه: تُستعمل هذه الكلمة للدلالة على نبوة خاصة بمدينة أو شعب، وجاء (في حز ١٢: ١): «هذا الوحي هو الرئيس»؛ أي إنه آية الشعب، وعلى العموم يراد بالوحي الإلهام، وعليه يقال «إن الكتاب موحًى به من الله.» والوحي بهذا المعنى هو حلول روح الله في روح الكتَّاب الملهمين، وذلك على أنواع:
  • (١)

    إفادتهم بحقائقَ روحيةٍ أو حوادثَ مستقبلةٍ لا يمكنهم الوصول إليها إلا به.

  • (٢)

    إرشادهم إلى تأليف حوادث معروفة أو حقائق مقررة والتَّفوُّه بها شفاهًا أو تدوينها كتابةً بحيث يعصمون من الخطأ، فيقال «تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس.»

وهنا لا يفقد المتكلم أو الكاتب شيئًا من شخصيته، وإنما يؤثر فيه الروح الإلهي بحيث يستعمل ما عنده من القوى والصفات وفق إرشاده تعالى؛ ولهذا نرى في كل مؤلِّف من الكتَّاب الكرام ما تميز به من المواهب الطبيعية ونمط التأليف وما شابه ذلك، وفي شرح هذا التعليم دقة.

وقد اختلف العلماء فيما أوردوه من شرحه، غير أن جميع المسيحيين يتفقون على أن الله قد أوحى لأولئك الكتَّاب ليدوِّنوا إرادته، ويفيدوا الإنسان ما يجب من الإيمان والعمل لكي ينال الخلاص الأبدي.

وجاء في قاموس الكتاب المقدس في تفسير ألفاظ: (نبي، نبوة، أنبياء) ما نصه: النبوة لفظة تفيد معنى الإخبار عن الله وعن الأمور الدينية، ولا سيما عما سيحدث فيما بعد. وسُمي هارون نبيًّا لأنه كان المخبر والمتكلم عن موسى؛ نظرًا لفصاحته وفهاهة أخيه. أما أنبياء العهد القديم فكانوا ينادون بالشريعة الموسوية وينبئون بمجيء المسيح.

وبعض الأنبياء الملهمين كان يختصهم الله بوحيه ولم يتعلموا من قبلُ ولا دخلوا مدارسَ، وكان بعضهم كعاموس راعيًا وجاني جميز.

أما النبوة فكانت على أنواع مختلفة؛ كالأحلام، والرؤى، والتبليغ، وأحيانًا كثيرة كان الأنبياءُ يَرَوْنَ الأمور المستقبلة بدون تمييز أزمنتها، فكانت تقترن في رؤاهم الحوادث القريبة العهد مع البعيدة كاقتران نجاة اليهود من الآشوريين بخلاص العالم بواسطة المسيح.

وقد أرسل الله الأنبياء الملهمين ليعلنوا مشيئته وليصلحوا الشئون الدينية، وعلى الأخص ليخبروا بالمسيح الآتي ليخلص العالم.

وكانوا القوة العظمى الفعالة في تعليم الشعب وتنبيهه وإرشاده إلى سبيل الحق، وكان لهم دخل عظيم في الأمور السياسية. ا.ﻫ. بنصه.

فلننظر الآن فيما قاله نقاد الإفرنج، وقبل ذلك أريد أن أُذَكِّرَ مَنْ يعلمون وأؤكد لمن لا يعلمون أن الكثرة من هؤلاء النقاد في جانب تصديق النبي في كل ما رواه عن الوحي ولكن الخلاف بينهم في تعليله، وبعضهم يستنبط حقائقَ تؤيد صدق النبي وإن كان هذا ضد نزعتهم؛ فقد قال مرغليوث في ترجمته (ص٧٢): إن محمدًا كان بعد زواجه تاجرًا خاملًا غير متميز على أقرانه بشيء، وكلُّ ما يؤْثَر عنه من الأقوال في تلك الفترة كان عاديًّا أو تافهًا ولا يستحق التدوين؛ ومن ذلك ما اقترحه النبي محمد على عرفجة بن الأسعد الذي جُدع أنفه في إحدى معارك الجاهلية فصنعوا له أنفًا من الفضة، فلما رآه محمد اقترح عليه صياغة أنف من ذهب (المسند، ج٥، ص٢٥). ويقول مرغليوث: إن معظم أبطال الأمم ظهروا لدى الحوادث الجسيمة التي تهيئ لهم ظروف الظهور فتسنح لهم فرصة العمل والشهرة؛ فالأزمة أو الموقف الحرج يدعوهم فيلبون نداءه، وهكذا يشيدون مجدهم بأعمالٍ جليلة تنقذ أوطانهم أو تخلصها من خطرٍ داهم. يقول مرغليوث: أما محمد فلم توجد له هذه الفرصة ولم تحدث لوطنه أزمة تدعوه؛ فهو ليس مدينًا بظهوره لأزمة قومية من الأزمات التي تُظهر الأبطال في الأمم، ومن المستحيل أن نجد ظرفًا قويًّا يحفزه إلى الظهور بمظهر النبوة والرسالة، وإذنْ لا يكون للظروف فضل في ظهوره، ولم يستغل من موقف أمته شيئًا ولكنه على الرغم من عدم استناده إلى هذا الظرف الذي استند إلى مثله كل العظماء، ظهر فجأة على قمة الأربعين على رأس جمعية سرية (هكذا يصف مرغليوث جماعة المسلمين الأولى متأثرًا بالأفكار الثورية الحديثة) غايتها إحداث انقلاب لهدم الكيان الاجتماعي وإعادة بنائه من جديد.

وإذنْ لم يكن محمد في أثناء شبابه وكهولته — أي في الفترة من عمره التي سبقت الوحي — يفكر في مشروع إصلاح، ولم يكن يدبر خطة مرسومة للقضاء على معتقدات قومه وشريعتهم. هذا قول مرغليوث، فلو أنه كان يفكر في شيءٍ من هذا القبيل — أي إنه لو كان في فترة شبابه يدبر خطة الثورة ليحدث الانقلاب، ويظهر زعيمًا — كان الأفضل له أن ينتظر فرصة الدخول في دار الندوة — وهي مجلس النواب المكي ومجلسها التشريعي — وهناك كان يمكنه أن يهيئ وسائل العمل والنجاح لمشروعه، وقد كانت تلك الفرصة متاحة له في سن الأربعين، وكان نسبه ومركزه الاجتماعي وشهرته تعينه على أن يكون من أشهر أعضاء دار الندوة، ولكنه لم ينتظر ذلك، وحينئذٍ لم يكن سياسيًّا ولم يخطر بباله أن يصلح قومه من هذا السبيل! فمرغليوث يبرئ محمدًا من التدبير السابق وينفي عنه الخطة المرسومة السابقة على الوحي.

ويقول مرغليوث: إنه على افتراض وجود هذه الخطة عند محمد والاستعداد لها بطريقة البرلمان المكي، فلم يكن لينجح كثيرًا؛ لأن محمدًا لم يكن قبل النبوة فصيحًا ولا حاضر البديهة ولا قادرًا على المناقشة والحوار وسرعة الجواب للوقوف أمام فحول قريش، أمثال أبي جهل الذي كان يُسمى فرعون قريش، وغيره عشرات من الدهاة وجبابرة العقول وخطباء المنابر وشعراء المحافل الذين خضعوا فيما بعدُ للإسلام.

ويقول مرغليوث: إنه مع هذا العجز اللفظي كانت طريقة دار الندوة أسهل للنبي، وأكثر انطباقًا على مزاجه؛ لأنه كان يميل إلى الطرق الودية العادية ويفضل الخطط المألوفة، أما طريقة الثورة والانقلاب والهدم التي لجأ محمد إليها وهي تخالف طبعه ومزاجه، فلا ريب أنه أقدم عليها مرغمًا، أي إنه لم يكن لديه مجال بين المسلكين، ولو أنه كان مدبرًا ومتصنعًا، إذن لاختار خطة دار الندوة.

فإذن يكون التجاؤه إلى ما سمَّاه مرغليوث بالجمعية السرية اضطراريًّا وخارجًا عن إرادته، وليست هذه حال الذي يقضي عشرات السنين في رسم الخطط السياسية والتشريعية والاجتماعية؛ إذن يكون مرغليوث مقرًّا بأن محمدًا قد خضع لدافع خارجي من غير تدبيره.

ويقول ستار بوك في تفسير علمي نفساني للوحي: «إن الإرادة التي تتم هي بلا ريب دليل على أن ازدهار (نشوء) اتصالات عصبية جديدة، وعلى أن قناة جديدة للنشاط الذهني قد فتحت، وفي الوقت المناسب تتم بتركيز القوة في الاتجاه المعين، وبواسطة ازدياد الدورة وتعلية التغذية لهذه النقطة نفسها معونة على تكوين اتصالات الأعصاب الجديدة، والتي بواسطتها تتسع القوة الكامنة المدخرة بنفسها، وهذه القوة الكامنة تتفق مع الإدراك الجديد.»

ويريد ستار بوك أن يعلل بهذه النبذة الحالة النفسية التي يكون عليها الأشخاص الذين يطلِّقون دينهم، وينتحلون دينًا جديدًا.

وترى مرغليوث يحاول تعليل التطور الذي طرأ على نفسية محمد، ولكنه يتردد، ثم يقلع عن المقارنة بين محمد والأشخاص الذين ذكرهم ستار بوك، ثم يبحث عن تفسير حالة النبي في سورة «الشرح».

أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب.

فيقول مرغليوث: لقد أضاف القرآن إلى شرح الصدر ورفع الذكر وضعَ الوزرِ أي غفران الذنب.

وفي الحالات العادية التي تصحب تغيير العقيدة لا يشعر الذي يعتنق الدين الجديد إلا بشعور الغفران وهو الذي يطمئن له ويفرح به. أما شرح الصدر ورفعة الذكر فلا يوجدان إلا في الحالات التي يكون المغيِّر لعقيدته شخصًا ذا مواهبَ خارقةٍ للعادة.

وإذنْ يصل مرغليوث إلى نتيجة عظيمة جدًّا؛ وهي أن الذي حدث لمحمد بالوحي لم يكن من الحالات العادية التي تحدث للأشخاص الذين يرتدُّون عن أديانهم، ولا يمكن أن تنطبق عليه نظرية ستار بوك ولا تفسيره، وهو الذي انقطع لدرس نفسيات الذين غيَّروا أديانهم وتحليلها؛ لأن محمدًا لم يكن همه غفران ذنوبه، ولكنه كان مقصودًا بسعة الصدر وكبر القلب ليتمكن من جلائل الأعمال التي بها تتم رفعة الذكر، ومثل هذا لا يكون إلا لنبي مرسل.

وترى مرغليوث حائرًا في تفسير الوحي والرسالة، ولكنه قبل كل شيء ينفي عن محمد تقليدَ موسى أو عيسى، وينفي عنه علمَه بزردشت، ويثبت حدوث الكوارث في إيوان كسرى عند مولد النبي، ويهزأ بالأشخاص الذين حاولوا الظهور بالنبوة في جزيرة العرب، أمثال خالد بن سنان، وحنظلة بن صفوان، ويصف مسيلمة بأنه كان مشعوذًا؛ لأنه أدخل بيضة سليمة في فم قنينة!

وعندما يضيق مرغليوث ذرعًا يقول: إننا عاجزون (ص٨٠) عن افتراض أي تعليل لقيام ذلك العربي بالنبوة، ولا يمكننا أن نعلل كيف نشأت فكرة النبوة في عقل هذا الرجل، ولا نعلم كيف اتفق له أن يكون متحليًا بالصبر وصدق العزيمة واللوذعية التي أدت به إلى النجاح. وصدق كارليل الذي قال: إن الحديد والماء المغلي موجودان من عهد قابيل، ولكن على مدى هذه الألوف من السنين لم يخترع أحد الآلة البخارية، فإما أن الرجال كانت تنقصهم المهارة والفطنة، وإما أنهم لم يُمنحوا خلة الصبر التي تُثمر النجاح.

وهكذا في حالة محمد؛ لو أن الأمر كان محتاجًا إلى النطق بالتوحيد والدعوة لاستطاع رجال كثيرون قبله أو في عصره أن يكونوا رسلًا وأنبياءَ.

ويسخر مرغليوث من سخافة هند بنت أبي جهل التي قالت: لو شاء أبي أن يكون نبيًّا لكان، ولكنه كان يأبى الفتنة …

فمرغليوث — وهو من غلاة الناقدين للنبي — يتكلم كما لو كان في فمه ماء، يريد أن يعترف بالوحي والنبوة والرسالة اعترافًا صريحًا، ويقدم لذلك المقدمات، ويؤدي بالحقائق والوقائع التي تقود القارئ إلى هذه النتيجة، ولكنه يعود فيتذكر أنه لم يكن في صف خصومه ومنكري وحيه، فهو على الأقل على الحياد؛ فيعطينا مواد البحث، ويرتعد عند الاستنتاج، ولكن الذي يقرأ الفصل الثاني من كتابه — ولا سيما من صفحة ٧١ إلى ٨٢ — ويحكم بإنصاف، لا يسعه إلا الاعتقاد بتسليم مرغليوث بصدق الوحي:

من الثابت أن محمدًا كان رجلًا سليمَ البنية، خاليًا من الأمراض العضوية والعصبية؛ فقد عاش إلى نصف العقد السابع بعد أن قضى الثلاثين عامًا الأخيرة من عمره في جهاد وكفاح وحرب وجلاد، وقد تحمَّلت بنيته من الجهود والمتاعب المادية والمعنوية ما لا يمكن أن تتحمله بنية الرجل المريض، ولا يُعلم عنه أنه أصيب أثناء حياته بمرض ذي خطورة كالحميات الفتاكة التي تترك أثرًا في الذهن أو الأعصاب أو الحواس. وكانت طفولته سليمة؛ فقد قضاها في البادية، وقضى شبيبته في مكة وفي الأسفار القريبة والبعيدة، وعند زواجه بالسيدة خديجة في نصف العقد الثالث كان رجلًا محفوظ الشباب، بل كان بكرًا، فلم يعرف قبل زواجه شيئًا مما يعرفه شبان وطنه وزمانه، وقضى فترة الزواج السابقة على الوحي في حالة عادية، ولم يكن به ما يعوقه عن النسل، فرُزق الذكور والإناث، ومات ولده إبراهيم المرزوق له من مارية القبطية، وهذه الأعمار محدودة، ولكل أجل كتاب، ولو أردنا مجاراة العلم الحديث لأمكننا تعليل ضعف الصغير باغتراب أمه وكونها من عنصر أجنبي، ولعل حياة الجزيرة العربية ومناخها وملابسات تلك الحياة البدوية الجديدة في جزيرة معظمها صحراوية الأرض موصوفة بأنها وادٍ غير ذي زرع؛ تخالف طبيعة فتاة نشأت على ضفاف النيل في وادٍ ليس ذا زرع فحسب؛ بل شديد الخصوبة والرطوبة.

أقول هذا لتعليل موت الصغير قبل أن يبلغ العاشرة؛ لأن بعض علماء الطب الحديث ينسبون ضعف الصبيان الذين يموتون دون البلوغ إلى علة موروثة عن آبائهم. وأنا أعتقد — والتاريخ يؤيدني — أن محمدًا كان سليمًا من كل ناحية من ناحيات البدن والعقل والأعصاب، فصفات جسمه التي وصلت إلينا تدل كلها على أننا حيال رجل صحيح الجسم والفكر، مفتول العضل، حديد البصر، قوي السمع، دقيق الإحساس، قادر على تحمُّل الشدائد.

وكل المظاهر العقلية والخلقية التي أثبتها علماء المشرقيات من المؤرخين وغيرهم تدل على شدة الذكاء وثبات الرأي وبُعد النظر، وطول الأناة والصبر وسعة الصدر، وبغض العجلة، واللوذعية وسعة الحيلة، وحضور البديهة وسرعة الخاطر في أحرج المواقف وأشد الأزمات، وحينئذ لم تكن عبقريته أو نبوغه الخارق للعادة نتيجة مرض عصبي؛ فإن المدرسة الحديثة في علم النفس والأمراض العصبية تعزو العبقرية إلى نوع من الجنون الذي يرفع مستوى المواهب العقلية، وفي ذلك ألَّف أرسطو فقال: إن العظماء يظهرون غالبًا بأعراض مرض العقل، وقسَّم أفلاطون البحران إلى قسمين، وهما: بحران الجنون العادي، وبحران ينتج عن سمو العقل، وقال أفلاطون: إن هذا البحران النافع أو السمو العقلي هو الذي ينتج الشعراء والمخترعين والأنبياء (كذا)، وهو ليس شرًّا ولكنه نعمة من الأرباب. وقال «سنيكا»: إن الذكاء والجنون قريبان. ووصف لامارتين العبقرية بأنها مرض عقلي! وقال باسكال: نهاية العقل في سموه قريبة من الجنون.

وفي العصور الحديثة أيَّد هذا الرأي ليلوت ومورو (من مدينة تور) ولومبروزو. أما ليلوت فقد أحدث ضجة في سنة ١٨٣٧ عندما وضع كتابين؛ الأول اسمه «شيطان سقراط»، والثاني عن باسكال اسمه «حجاب أو تعويذة باسكال»، وقال في الأول: إن مؤسس الفلسفة في العالم لم يكن مجنونًا بالمجاز، بل كان مجنونًا جنونًا حقيقيًّا. وبنى المؤلف رأيه على بحوث فيزيولوجية.

ومثل هذا قاله مورو في كتابه «البسيكولوجية المرضية»، وفي فرنسا ريبو قال بالرأي نفسه، وفي ألمانيا هاجن ورادستوك، وفي إيطاليا لامبروزو.

وظاهر من هذا البيان أن المدرسة اللاتينية والمدرسة الألمانية تميلان إلى تعليل العبقرية بالجنون. أما الإنجليز فقد عارضوا الفكرة، وكان أشهر الكتَّاب المعارضين لوك، وهلفتيوس، ودكتور جونسون الشهير، وشارلز لام، فقال جونسون: إن العبقرية تصدر عن عقل كبير يتجه إلى ناحية معينة، ويحصر قوته فيها. وقال «لام»: إن أكبر العباقرة هم أعقل الكتَّاب، وإن العبقرية نتيجة اتزان المواهب العقلية، في حين أن الجنون يسبب اختلال المواهب. ولا يمكن أن نتصور شاعرًا مثل شكسبير في حالة جنون. وشذ عن المدرسة الألمانية الفيلسوف الأشهر جوته؛ فقد قال: إن العبقري يجمع في شخصه أسمى الفضائل، وأرقى الخصال، وأعلى المواهب التي تكون في أسرته أو في قومه.

وجاء إلى نجدة هؤلاء المعارضين الفرنسي فلورنس (١٨٦١) فنقد نظرية مورو، وهزأ من شيطان سقراط وتعويذة باسكال، وقال: «إن العبقرية هي القدرة على صدق النظر وسلامة الرأي في أرقى مظاهرها، وإن العبقري هو الذي يشق الطريق إلى الحق.» وكان لكتابه «عن العقل والعبقرية والجنون» شأن عظيم.

وأيده الإنجليزي جالتون فعلل العبقرية بوراثة المواهب العقلية والشعرية والفنية.

وأخيرًا جاء مودزلي العالم الإنجليزي العظيم فخطَّأ مورو القائل بجنون العبقرية وهدم نظريته.

ورأْي مودزلي جدير بالنظر؛ فقد قال: «صحيح أنه عندما توجد عاهة وراثية في إحدى الأسر قد يحدث في بعض الأحيان أن أحد أفراد تلك الأسرة الملوثة يُظهر عبقرية عظيمة، حالما يكون عضو آخر من هذه الأسرة مجنونًا أو مصروعًا، ولكن حدوث هذا الأمر لا يُثبت شيئًا أكثر من أنه كانت هناك حساسية طبيعية كبيرة في الجهاز العصبي، فتبدو هذه الحساسية بتأثير الظروف الخارجية بمظاهر مختلفة؛ فتارة تكون نبوغًا وتارةً تكون جنونًا، ومع ذلك فإن هذه الحالة لا تنطبق على العبقرية العليا؛ لأن كلَّ من تنطبق عليه، يكون شديد الإحساس العصبي، فيفقد بسبب شدة حساسيته العصبية الصفات اللازمة للعبقرية العليا، وهي قوة الهدوء والقدرة على تمثيل الأفكار، فلا يصل صاحبها إلى درجة الشاعر العظيم أو الفيلسوف الكبير، وقدرة الاستنتاج التي تكاد تكون فطرية أو إلهامية، وقد يكون النابغ من أصل مرضي بعيد النظر إلى درجة عظيمة أو صادق الفراسة، ولكنه لا يكون سليمًا ولا ملمًّا الإلمام الكامل. قد نعجب بشاعرية النابغ من أصل مرضي، ولكننا لا نستطيع أن نصف عبقرية شكسبير أو جوته بأنها صادرة عن الجنون.

قد تكون أعمال العبقري جديدة ولكنها منطوية على خطة مرسومة متقنة، سواء أكان هذا الإتقان نتيجة الوعي أو ضده، في حين أن النابع المرضي يكون مضطربًا ولا يقصد بعمله إلى رغبة الخير. ففي حالة العبقري السليم يظهر التنظيم والترتيب في أساس القوة العقلية، أما في حالة النابغ المرضي فتوجد ثورة طائشة هووية متقلبة الأطوار كدليل على الخلاف الميئس بين العقل والمرض (ا.ﻫ. بحروفه عن كتاب باثولوجية العقل لمودزلي).»

•••

وبعد عهد مودزلي جاء كتَّاب وعلماء أخضعوا العبقرية لحكم البيئة والوراثة فقال هربرت سبنسر: إن العبقري هو ثمرة مؤثرات وتيارات اجتماعية متفقة ليس للعبقري عليها سلطان.

وظهر في أمريكا وليم جيمس رأس علماء النفس في العالم الجديد فقال: إن العبقري نتيجة الاختيار والانتقاء الطبيعي؛ فهو نوع قائم بذاته كالأنواع التي تنشأ في عالم النبات والحيوان فجأة ومن تلقاء نفسها. وقد عجز علماء النشوء والارتقاء عن تعليل أصلها. ويليم جيمس يقف أمامها مكتوف الأيدي كما وقف داروين أمام الأنواع المتفاوتة تفاوتًا ذاتيًّا.

وهنا لا يسعنا إلا أن نقارن بين هذا التعليل للعبقرية المطلقة، أي بدون تعيين أشخاص العباقرة؛ لأن ويليم جيمس لم يذكر منهم واحدًا معينًا، بل تكلم على الجنس بصفة عامة، وندهش كيف أنه التقى مع مرغليوث في تعليل عبقرية معينة، وهي عبقرية محمد، عندما حار هو أيضًا في تعليلها؛ فقال (ص٨٠): كيف ولماذا نشأت فكرة القيام بأعباء النبوة في عقل هذا العربي المعين بذاته؟ أو كيف ولماذا أن هذه الفكرة (أي فكرة القيام بأعباء النبوة) وجدت رجلًا له الصبر والعزم واللوذعية التي أدت إلى النجاح؟ إننا لا نحير جوابًا ولا يمكننا أن نخاطر بجواب على هذين السؤالين حتى ولو كان الجواب من قبيل الظن والتخمين (ا.ﻫ. كلام مرغليوث).

يعني أن مرغليوث عجز في التعليل الخاص على شخص معين، وهو محمد، كما عجز ويليام جيمس في التعليل العام على العباقرة بصفة عامة.

وقد انبرى للرد على سبنسر وأتباعه — القائلين بأن العبقري ثمرة وسطه، ونهاية ما وصلت إليه الطبيعة في تكوين قومه — الأستاذ نيزبيت؛ فقال: إن هذا القول مخالف للعقل والمشاهدة، وعنده أن العبقري حائز لجميع مواهبه المتميزة في شخصه، وأن رأسه يحتوي على كل صفاته، ولا تخرج عبقريته عن أركان مخه؛ فهو الكل في الكل بغير حاجة إلى معونة خارجية كالوسط والبيئة والملابسات الاجتماعية أو القومية. وضرب مثلًا بشكسبير فقال: لماذا نبغ هذا الشاعر ولم تكن في قرية سترافورد على نهر آفون في أبريل ١٥٦٤ عوامل ولا تيارات اجتماعية تستلزم ظهوره؟ ولو فرضنا أن إنجلترا كانت محتاجة في القرن السادس عشر المسيحي لشاعر درامي عظيم، فلماذا وقع الاختيار على وليم شكسبير الابن الثالث لأبيه دون أخيه جيلبرت الذي كان تاجر جوارب وأقمصة أو أخيه أدمون الذي كان ممثلًا خاملًا (كتاب العبقرية والجنون، ص١٤).

وهنا يلتقي نيزبيت في تعليل نبوغ شكسبير بمرغليوث في تعليل ظهور محمد في جزيرة العرب.

وقد استجد على البحث ظهور العلم بتحديد مناطق الإدراك في المخ مما يعين على دراسة العقل الإنساني، ولكن هذا الاكتشاف الجديد لم يساعد في تعليل العبقرية قيد أنملة، واستجد اليقين بأن العبقرية ظاهرة من ظواهر النشاط العصبي، وأن مجال المواهب الإنسانية محكوم بالتدبير الفيزيولوجي، وهو نظام قاهر ليس للإنسان عليه أي تأثير أو سلطة.

وانتهى العالم بالاعتراف بأن العبقرية تدخل تحت أحكام القضاء والقدر؛ أي إن الباحثين تناقضوا واختلفوا ثم عجزوا عن الوصول إلى نتيجة حاسمة، أو كما نقول نحن: علمها عند ربي وربهم.

وقالوا أيضًا: إن محمدًا ظهر بالنبوة لأن بلاد العرب كانت محتاجة لنبي يصلحها وينقذها ويسرع لها ويخرجها من غمرة الجاهلية وظلامها إلى نور العلم والمدنية، وأنهم كانوا متلهفين ينتظرون هذا النبي الجديد، وحينئذٍ يكون ظهور هذا النبي أمرًا منتظمًا في طبيعة الأشياء؛ لأن أمته وصلت إلى أزمة لا يفرجها إلا بروزه. ويترتب على هذه الفكرة أن محمدًا شعر بهذه الحاجة ووجد في نفسه الباطنة تلك المؤهلات التي تكفل له النجاح فنفذ فكرته.

ولكن مرغليوث يرد على هذا الرأي ويستدل على ذلك بحالة العرب في حروب الفجار وفي أثناء بناء الكعبة فيقول مرغليوث (ص٧٦): إن العرب لم يكونوا بحال من الأحوال متشوقين إلى ظهور نبي، ولم يشعروا بالحاجة إليه، بل كانوا قانعين بحياتهم الوثنية، ومستمتعين بشئونهم الاجتماعية ولا يرضَوْن بها بديلًا ولا يلتمسونه، وحتى عندما خرجوا لحرب بدر ذهبوا في سرور وطرب، وقد أنفقوا المال بسخاء ونثروا النضار على النساء والخمر وآلات الطرب، وذبحوا الذبائح وأولموا الولائم ونصبوا القصاع والجفان وأطعموا المحاربين وغير المحاربين، وحاربوا بنفوس راضية وطبائع هادئة فأظهروا شجاعتهم، ولكنهم لم يكونوا حاقدين على أعدائهم.

ويريد مرغليوث أن يقول: إن العرب لو كانوا يشعرون بحاجة إلى نبي أو مصلح لرحبوا بمحمد وهو من خيرة رجالهم، ولكنهم على العكس حاربوه وقاوموه بكل قوتهم، في حين أن الأمم التي تنتظر منقذًا وتشعر بالحاجة إليه ترحب به وتخضع له وتحني له الرءوس وتكاد تعبده كما وقع للفرنسيين عند ظهور نابوليون بونابرت، والرومان عند بزوغ أنوار قادتهم وأمرائهم، بل وما نراه في عصرنا الحاضر من الإيطاليين نحو بندتيو موسوليني، والألمان نحو أدولف هيتلر، واليونان حيال اليفتريوس فينيزيلوس وأمريكا حيال وشنطون ولينكولن وويلسون وروزفلت، فإن هذه الأمم تسلم زمامها لقادتها وتعينهم على رسالة الخير والإصلاح أو ما يعتقدونه كذلك. وقد بلغت عبادة الأبطال في أوروبا والشرق أبعد مدًى حتى ولو كانت رسالتهم أضأل وأقل من رسالة أي نبي.

وبهذا ينهار كل ما كتبه نقاد النبوة وقدموه من شُبَهٍ في تعليل ظهور محمد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠