تناقض الكتاب الإفرنج في تفسير الوحي والنبوة

ومن الكتب الحديثة عن محمد كتاب وضعه المؤرخ ر. ف. ديبيل (طبع هتشينسون في لندن سنة ١٩٣٨) وقد جعل شعاره كلمة جيبون مؤلف «انحلال دولة الرومان»: لو أنني كنت معاصرًا لمحمد بن عبد الله ومعاشرًا له ومختلطًا به اختلاطًا كليًّا، وحاولت بعد ذلك ترجمته وتفسير حياته، كنت بلا ريب أجد صعوبات لا تعد، وألقى الفشل التام في الوصول إلى نتيجة مُرضية في تأليف حياة زاهد حراء وخطيب مكة وفاتح جزيرة العرب.

وهذه حيرة جديدة ندوِّنها لمؤرخ من أشهر مؤرخي العالم.

وقد أحسن مستر ديبيل في اقتباس هذه النبذة؛ لأنها كانت أصدق شعار لكتابه، فهو الآخر يمثل الحيرة والذهول والعجز عن تفسير معجزة النبوة.

والذي يهمنا من كتاب ديبيل درس الفترة اللاحقة للزواج والسابقة للوحي من سن ٢٥ إلى ٤٠، فيقول ديبيل: «إن محمدًا في تلك الفترة عاش عيشة هادئة، ولم يكن يفكر في شيء (ص٤١)؛ لأن مستقبل المادي كان مضمونًا؛ لأن خديجة صممت على استمرار أعمالها التجارية فازدهرت جهودها وأثمرت ثروة حسنة، وكان الزواج سعيدًا ومنتجًا، وكانت خديجةُ ولَّادةً؛ فقد دخلت له بثلاثة أولاد من زواج سابق، ورُزقت منه بأربع بنات، وعدد غير معين من الأولاد (يشير إلى القاسم والطيب). ولما كان محمد لا يحب أن يبقى عاطلًا فقد توفق إلى شريك وافتتح معه متجرًا في مكة، وفي سنة ٦١٠م عندما كان محمد في الأربعين لم يكن له شأن يُذكر سوى أنه تاجر غير معروف لم يحدث له حادث يميزه عن قرنائه، ولم يؤْثَر عنه كلمٌ يدل على مستقبله وكانت كل المظاهر تدل على أنه سيستمر رجلًا عاديًّا لا قيمة له ولا يؤبه به، ولكنه ظهر فجأة بصفات مدهشة؛ منها: حب الاستشهاد، والبساطة الصادقة، والإخلاص الذي لا حدَّ له (ص٤٤)، وكان فوق كل شيء معتقدًا تمامَ الاعتقادِ برسالته الإلهية (ص٤٥)، وجاء القرآن بآيات ونبذ لا تُجارَى في جمال الانفعال الذي تُحدثه في نفس سامعها، وقد قَدَّمَ اللهَ وجعله كلَّ شيء، وعمل على ملاشاة شخصه، وأقر لله بكل قدرة وإرادة، فهل كان محمد مجنونًا فظيعًا، أم كان عبقريًّا لا مثيل له في الوجود؟»

ثم حاول المؤلف أن يعلل ظهور النبوة، ويشرح الدوافع التي اقتضتها وشجعت محمدًا على تنفيذ فكرتها؛ فقال: «إن الرومان انتهوا يهزءون بآلهتهم، وكان أتباع كنفز وبوذا وزردشت بعيدين عن بلاد العرب فلا يهمه أمرهم، وكان يهود التلمود ونصارى الشرق يحتقرون الأصنام، يعبدون إلهًا واحدًا هو ياهو (جيوفا) وقد اختلفوا فيما بينهم في صفات هذا الإله ووحدته وتعدده.

فكانت فكرة التوحيد في مثل هذه الظروف أفضل من تعدد الآلهة ومن عبادة الأصنام، وأقرب إلى النجاح في نظر رجل يريد أن يعتبر نفسه نبيًّا» ا.ﻫ. (ص٥٠).

هذا التعليل جميل جدًّا وصادق ومقبول ومنطقي، ولكن غاب عن ذهن صاحبنا ديبيل شيء واحد، وهو حجر الزاوية في هذا البناء، وهو أنه لم يثبت لنا أن محمدًا كان عارفًا بأخبار الرومان وسخريتهم من أربابهم، ولا بما كان واقعًا بين النصارى واليهود من أوجه الخلاف، وخصوصًا أنه قال إن محمدًا كان زوجًا مطمئنًّا وتاجرًا عاديًّا في أحد حوانيت مكة، وكان أميًّا، وكان مشغولًا بحياته المنزلية، ولم يؤْثَر عنه قول جليل أو فعل عظيم في تلك الفترة التي هي فترة التكوين والاستعداد؛ فمن أين له أن يدرس الحالات الدينية والمعتقدات ليقارن بينها، ثم يخرج بهذه النتيجة المدهشة؛ وهي أفضلية التوحيد على التعدد؟! وقد غاب عن ذهن ديبيل أنه هو الآن يرسم هذه الصورة الدينية؛ لأنه يعرف التاريخ، ولأنه يرى الحوادث على بُعد أربعة عشر قرنًا، فتخيل أن محمدًا كان يرى بعينه ويدرك بعقله ويعلم بعلمه، فهو يكوِّن النظرية في عقل نفسه ويضعها في عقل محمد بطريقة تعسفية، وهذا يدل على ضعف استنتاجه، ثم نراه يتناقض مع مرغليوث بخط مستقيم فيقول (في ص٥١): إن بلاد العرب كانت محطمة وغير منظمة ومقهورة ووثنية، ومن الواضح أن بلاد العرب كانت محتاجة (كذا) إلى كائن مفرد وواحد أحد يكون تأثيره ونفوذه أعظم من تأثير جميع المعبودات؛ وعليه كانت بلاد العرب محتاجة (كذا) إلى رسول يستثمر سيادة هذا الرب الأوحد ا.ﻫ. بنصه (ص٥١).

أترى الآن أيها القارئ كيف يتناقض مؤرخان أوروبيان في نقطة واحدة تعد جوهرية في تعليل ظهور النبوة؟ فمرغليوث يجزم بأن العرب لم يكونوا محتاجين لإله ولا لنبي، بل كانوا راضين وقانعين ومستمتعين بمعتقداتهم وشرائعهم وحياتهم الاجتماعية؛ فحاربوا النبي وقاوموه، وتآمروا عليه وشرعوا في قتله، وعذبوه واضطهدوه، ورموه بالحجارة وهزءوه، وحبسوه في الشِّعْبِ ثلاث سنين، وقاطعوه وقاطعوا كلَّ من تقرب إليه، دع عنك القذف والسب الذي كالوه له في المسجد والأسواق، والهجو شعرًا والشتم المقذع؛ كل هذا يؤيد نظرية مرغليوث، ويدل على أن العرب لم يكونوا في حاجة إلى نبي، فلما جاء الرجل وفرض ربه ونفسه وعقيدته عليهم فرضًا حاربوه وقاوموه بكل قوتهم، وحشدوا له الرجال والمال واستنفروا عليه العرب واليهود والنصارى، ووضعوا لرأسه ثمنًا يدفعونه لمن يأتي به قتيلًا.

وديبيل يقول على العكس؛ إنهم كانوا قد مَلُّوا عبادة الأوثان وشعروا بحاجة إلى التوحيد، ولما رأى هذا المؤرخ أن هذه المقدمة لا تتفق مع النتيجة قال في خنوع: «أنا لا أقول إن هذه الأفكار دخلت في رأس محمد بوضوح، ولكن كل سلوكه في بقية حياته يدل على أن هذه الأفكار أو ما يشبهها كانت تفرخ في عقله.» وهنا نقف قليلًا ونبسم لقوله إن هذه الأفكار — وهي أساس الرسالة — «لم تدخل رأس محمد بوضوح»، فهل كان محمد من الأشخاص الذين تدخل رءوسهم أفكار غير واضحة وقد وصفه مرغليوث باللوذعية وطول الصبر وهدوء الأعصاب والحرص على الأفكار فلا يبرزها إلا ناضجة؟!

وقد رأينا أن المعتقدات والأحكام والعبادات والآداب التي جاء بها محمد لم يكن من الممكن أن يصل إليها عقله وفكره ولا علومه ومعارفه الكسبية، فيتعين أن يكون ذلك بوحي من الله، ثم إن ما جاء به من هداية الناس وصلاح أمورهم في دينهم ودنياهم كان أعلى في نفسه من معارف البشر في عصره، فيتعين أن يكون وحيًا.

ومن المسلَّم به من الجميع أن محمدًا كان أميًّا، وأن قومه الذين نشأ فيهم كانوا أميين وثنيين جاهلين بعقائد الملل وتواريخ الأمم ومبادئ التشريع وعلوم الفلسفة، وأن مكة عاصمة دولتهم وقاعدة دينهم ومقر كعبتهم ومثوى زعمائهم ورؤسائهم وملتقى الشعوب والقبائل للتجارة والحج والمفاخرة بالفصاحة والبلاغة والشعر والخطب؛ لم يكن بها مدرسة ولا مكتب، ولم يوجد بها كتاب مخطوط، فكيف يهيأ لرجل مثله وفي مثل هذه البيئة الجهالة أن يجيء بدين تام وكامل وشرع عادل عام؟ في حين أن موسى الذي جاء بالتوراة وشرع اليهود نشأ في أعظم بيوت الملك لأعظم شعب في الأرض وأرقاه تشريعًا وعلمًا وحكمةً وفنًّا وصناعةً، وهو بيت فرعون مصر، ثم عاش بضع سنين في بيت حميه في مدين وكان نبيًّا أو كاهنًا، وكان موسى نفسه رجلًا كبير العقل عظيم الهمة شديد الأسر ظاهر الشجاعة عالمًا بفنون السحر والحكمة والسياسة، وواقعًا على أسرار الكهنوت المصري التي تلقاها أو شهدها في معابدهم.

ثم كان بنشأته وتكوينه زعيمًا حربيًّا تمكنه قيادة شعب بأسره والسير به من بلاد العدو بسلسلة من الحيل وأنواع الدهاء السياسي والحربي، ثم إن شعبه الذي كان مظلومًا ومضطهدًا أطاعه في هجرته وسار تحت علمه رجالًا ونساءً وأطفالًا بخيلهم ورجلهم وأموالهم وأموال المصريين التي حصلوا عليها بطرق احتيالية قبل خروجهم، وكان معظمها من مصوغ الذهب، وكانوا كلهم كأنهم رجل واحد، فأين هذا الاتحاد والطاعة والرغبة في الخلاص من محاربة قريش لمحمد ؟

وكذلك كان سيدنا عيسى عليه السلام صاحب الدين المسيحي، فإنه على جلالة قدره وعلوِّ ذكره وعظيم مكانته لم يأتِ بشرع ولا بنبأ غيبي ولا بأحكام اجتماعية، بل كان تابعًا لشريعة التوراة مع نسخ قليل من أحكامها وإصلاح روحي أدبي يعالج جمود قومه اليهود؛ ذلك الجمود المادي الذي كان ظاهرًا للعيان ومع أنه كان تحت حكم الرومان وكانت رومة ظالمة وفاجرة ووثنية وفاسقة، فلم نَرَ المسيح يوجه رسالة إلى رومة أو إلى أثينا، بل نراه يتخلص بمهارة من المأزق السياسي بقوله: «دعوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.»

وهذا السيد المسيح نفسه كان عند نبوته أو رسالته في عنفوان شبابه، ولم تَطُلْ تلك الرسالة سوى عام أو بعض عام، ثم سلمه تلاميذه وأقرب الناس إليه إلى بيلاطوس (المندوب السامي الروماني) عدوه وعدوهم وحتموا عليه صلبه وإعدامه.

وبعد هذا فقد كان عيسى شابًّا زكيَّ الفطرة راجح العقل، وقد نشأ في حجر الشريعة اليهودية، وتلقى أسرار الدين في هياكلها، وقيل إنه حفظ الاسم الأعظم وتمكن بواسطته من عمل العجائب (روى لي ذلك أحد أحبارهم نقلًا عن كتبهم السرية المدونة بالعبرية)، واحتك بالمدنية الرومانية، بل كان عائشًا هو وأسرته المطهرة في وسطها، وعرف الحكمة الهندية واليونانية، ثم غلب عليه الزهد والروحانية، ثم سافر إلى مصر وأقام بها مدة طويلة، وشجرة الميتاريا (الأمومة) التي لا تزال في المطرية إحدى ضواحي القاهرة — قد أطلق الاسم مشوهًا على الضاحية — لا تزال شاهدًا ماديًّا على تلك الهجرة، فلا يبعد بعد هذا أن يأتيَ بتلك الوصايا الأدبية أو بالبرنامج الاشتراكي الذي تضمنته خطبة الجبل.

فلو أننا جمعنا كل ما في التوراة وفي الأناجيل الأربعة ورسائل الرسل وغيرها من آثار هذين الدينين المجيدين، وهو ما جاء به موسى وهارون وعيسى وحواريوه، وقارناه بما جاء في شريعة محمد من توحيد الله والاستدلال على قدرته وإرادته وكماله وتنزيهه بالأدلة العقلية والعلمية والمشاهدات الكونية؛ لوجدنا ذلك أرقى مما جاء في الكتب السابقة، ويشهد بهذا علماء الإفرنج أنفسهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠