حيرة علماء الإفرنج في تعليل الوحي والنبوة

حاول بعض علماء الإفرنج تعليل الوحي والنبوة باتصال النبي بنصارى مكة ويهودها، والتلقي عن رهبانهم وأحبارهم.

وعلى هذه النظرية يجب أن يكون محمد قد تعلم شيئًا من أساتذة الأديان التي كانت معاصرة له. وقد نفى مرغليوث علم محمد بزردشت واستبعد اتصال العرب بكنفوشيوس وبوذا ولم يبقَ إلا النصارى واليهود، وكل ما قاله أعلامهم أن محمدًا أفاد معلوماته من محادثته لليهود والنصارى، وغاب عنهم أن ما جاء في القرآن وفي الحديث لا يمكن أن يكون نتيجة محادثات، إن كان جاء بطريقة الكسب من الأساتذة فلا بد أن يكون نتيجة دراسة طويلة وبحث طويل، ولم يقل أحد من خصوم النبي ومعاصريه الذين كانوا يتربصون به وينتهزون الفرص لنكايته إنه عاشر أحدًا من هؤلاء أو تلقى عنه.

قالوا بحيرا الراهب أستاذه! ومرغليوث نفسه ودرمنجهايم وديبيل لم يذكروا اسم بحيرا في كتبهم، ولو أنهم كانوا يعلقون على هذه الشبهة أتفه النتائج لطنطنوا بها.

كان بحيرا الراهب ناسكًا بمدينة بصرى بالشام، وكان نسطوريًّا من أتباع آريوس في التوحيد، وكان ينكر ألوهية المسيح وعقيدة التثليث، وأن محمدًا لا بد أن يكون علم منه عقيدته، وأن بحيرا كان يعتقد أن الله ظهر له وأنبأه بأن سيكون هاديًا لآل إسماعيل إلى الدين المسيحي. وقال بعض الرهبان إنه كان معلمًا لمحمد ومصاحبًا له بعد رسالته.

وهذا افتراء بيِّن؛ لأن بحيرا — إن صح ما جاء في كتب السير — لم يرَ النبي إلا وهو في سن المراهقة؛ أي ابن تسع أو اثني عشر عامًا. ومن الطبيعي أن ولدًا في هذه السن لا يمكنه أن يفقه المسائل الدينية، خصوصًا وأنه كان في صحبة عمه، ولم يكن عمه ليتركه طرفة عين حرصًا عليه، وخوفًا على حياته. وفي ظني أن العرب لم يذكروا بحيرا الذي يكاد يكون شخصًا خرافيًّا إلا ليؤيدوا البشرى بنبوة محمد؛ لأنهم زعموا أن هذا الراهب رأى سحابة تظلله من الشمس فقال لعمه إنه سيكون له شأنه، وحذره عليه من اليهود.

ويؤيد رأينا في ضعف قصة بحيرا الأستاذُ الشيخ رشيد رضا في كتابه «الوحي المحمدي»؛ إذ يقول إن الروايات الخاصة ببحيرا ضعيفة الإسناد إلا رواية الترمذي، وليس فيها اسم بحيرا، وفيها غلط في المتن، وليس في شيء منها أن محمدًا سمع من بحيرا شيئًا عن عقيدته أو دينه، ولم يكن بحيرا — إن وجد حقيقةً — أبلهَ إلى درجة أنه يفاتح صبيًّا صغيرًا بمثل هذه الأسرار العليا ما لم يكن الرجل قد خرف أو عاد لا يعلم من بعد علم شيئًا! وحينئذٍ لا ينفع قوله ولا يضر.

وإنني أظن أن أسطورة بحيرا نشأت من تحمس أصحاب السير في تلفيق أنباء البشارة بالنبي من صغره، وتحذيره من اليهود، فبنى عليها الجماعة ما بنوا.

ولمح بعض العرب لقينًا روميًّا — أي حدادًا — كان في مكة، وادعوا أنه كان يعلم محمدًا! ومن المضحك أن لا يجد النبي معلمًا إلا في شخص هذا الحداد! ولعل محمدًا كان يراه في السوق فيقف عليه ليرى صنعته، ولم يكن يفقه لغته، ولا يمكنهما التفاهم؛ ولذا جاء في القرآن: لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ.

وذكروا ورقة بن نوفل وقد استوفينا الكلام عليه وعلى عدَّاس النسطوري عند الكلام على أعمال خديجة بعد نزول الوحي، ويكفي أن نشير هنا إلى أن محمدًا لم يتصل بورقة إلا بعد نزول الوحي؛ فلقيه مصادفةً وهما يطوفان الكعبة فقبَّل ورقةُ رأسَه وطمأنه على نفسه وبشره بالناموس الأعظم وكان ورقة شيخًا فانيًا ولم يلبث أن دهمه الموت.

وذكروا قس بن ساعدة وأمية بن أبي الصلت، وكانا من علماء العرب وفصائحها، وقد مات قس قبل بعثة النبي، وسمعه محمد يخطب في عكاظ على جمل أورق ولم يعِ من كلامه إلا بعض ألفاظ مبهمة.

أما أمية فكان شاعرًا كبيرًا، وكان أشعر ثقيف، وكان متزهدًا، ولبس المسوح، وطمع في النبوة، ورجا أن يكون هو، فلما بُعث النبي حسده أمية ورثى قتلى بدر من قريش وحزن عليهم، ثم شق ثوبه وجدع أنف ناقته أسفًا على خيبة أمله؛ لأنه رأى في انتصار بدر نجاح محمد، ثم هاجر إلى الطائف هو وابنته غضبًا وغيظًا ومات هناك!

وبالجملة لم يجد النقاد شخصًا يليق في مكة بأن يكون أستاذًا لمحمد؛ لأن مكة كان بها يهود ونصارى من طبقة العبيد والرقيق لسادتهم العرب؛ لأن رؤساء قريش لم يكونوا يسمحون لأحد من ذوي الشأن من النصارى أو اليهود أن يقيموا في مكة وهي حرمهم المقدس الخاص بأوثانهم، وإن كانوا يتساهلون مع خدمهم وعبيدهم لأنهم في حاجة إليهم.

وهؤلاء كانوا من طبقة نازلة، وكلهم جهلاء، ولا يُتصور أن محمدًا يتنزل أو يتدلى إليهم ليتلمذ لهم أو يتلقى عنهم رسالته.

ولذا ترى هؤلاء النقاد والمؤرخين من الإفرنج في حيرة في تعليل ما جاء في القرآن من قصص الرسل؛ فتارةً يخترعون أنه تعلم من نصارى مكة ويهودها! وطورًا يدَّعون أنه تتلمذ لراهب البصرى أو سواه في أسفاره القصيرة إلى الشام! وغاب عنهم أو تجاهلوا أن هذه القوافل لم يكن لديها وقت تضيعه في البحوث الدينية والتاريخ القديم، ولم يُعلم عن تجارها أنهم كانوا يُعنون بلقاء أحبار النصارى ليباحثوهم في دينهم وكتبهم.

ولكن الغريق يتمسك بالقصبة المرضوضة والقشة الخاوية ظنًّا منه أنها تنقذه من الغرق.

فإذا أعوزهم الدليل على وسيلة التلقي عن معلم أو أستاذ، راحوا يفتشون في نفسية النبي، وأن نفسه كانت شغوفًا بأن ترى وأن تسمع وأن تعرف؛ لأن حرمانه من التعليم جعله أشد شوقًا إلى المعرفة من غيره، وأن نفسه العظيمة كانت تواقة إلى نور الحياة المتجلي من كل مظاهر الحياة لمن هداه الحق إليها لاستكناه ما تدل هذه المظاهر عليه وما تحدث الموهوبون به؛ أي إن هذا الشغف وهذا الشوق كانا سبب ما انبثق في نفسه بعد ذلك من الوحي.

وترى بعضهم يضيفون إلى ذلك «أن رؤية النجوم في ليالي صيف الصحراء وهي كثيرة العدد، شديدة البريق حتى ليحسب الإنسان أنه يسمع بصيص ضوئها كأنه نغم نار موقدة.

وهكذا كان محمد يحسب أنه يسمع ويرى ما وراء السماء من أصوات، وعدته في ذلك قلب خالص وفؤاد ملآن بالإيمان. وقد أحرجت صدره حياة قريش الخالية من الحق، والحاشدة بالفسوق والباطل؛ ففيها التسري، وشرب الخمر، ولعب الميسر، واستشارة الأزلام، وربا المرابين، ونهب البدو، ولهو الخلفاء، فما زال محمد يتأمل ابتغاء الحقيقة حتى لكان ينسى نفسه وينسى طعامه، وما عجز عن وجوده في كتب الرهبان وقصص الأحبار، حاول البحث عليه في جمال الكون وجلاله وفي كواكب السماء وأقمارها وشموسها، وهو يعتقد أن قومه على ضلال وأنهم عاكفون على عبادة أحجار لا تنفعهم ولا تضرهم، يؤمنون بالجن ويعتقدون بالأشباح والبوارح وقد أهملوا الحقيقة العليا، وقد آن أوان إنقاذهم وهديهم إلى الصراط المستقيم وقيادتهم إلى الحق الذي لا ريب فيه، وقد قويت عقيدة محمد في نفسه وفي حلول الوقت المناسب للقيام بأعباء هذه العقيدة الجليلة التي أبهظت عاتقه.

وعن هذه الطريقة — طريقة العزلة والبعد عن الناس والتأمل في خلق السموات والأرض والشعور بحاجة الأمة إلى دين جديد والخلاص من خرافات الجاهلية وخزعبلاتها — خلصت نفس محمد من كل الآراء التافهة القديمة وتغلبت على القوى التي تخضع لغيرها ومن كل كائن لم يكن مظهرًا للواحد الأحد؛ وهو الإله الأعلى.

فبعد العزلة وبعد التأمل وبعد تكوين العقيدة والنظر في الأديان القديمة وفي حاجة الشعوب إلى الإصلاح وتقويم الاعوجاج، بدأت حياة روحية قوية غاية في القوة تأخذ بالأبصار والألباب، ولكنها حياة تضحية خالصة لوجه الله والحق والإنسانية.»

وعلى هذه الصورة الفاتنة في ظاهرها البليغة في شعرها المنثور الخلابة بألوانها المختلفة، يحاول بعض مؤرخي الإفرنج أن يُدخلوا في روع المسلمين المتعلمين الذين يقرءون كتبهم ويقبلون عليها لأنها أقرب إلى عقولهم وإلى طريقة تعليمهم؛ أن محمدًا صنع نفسه، وسودها بالعزلة والتأمل، ورسم لها خطة البطولة، وحينئذٍ لا يكون هناك وحي ولا نبوة ولا ملك ولا رسالة! وأن النبوة سبقتها حال تشبه الجنون؛ لأن محمدًا غلب على عقله وغاب عن حسه وراح في غشية طويلة لم يفق إلا بحرارة الشمس وأشعة القمر وهبوب الرياح وحفيف الأشجار وتلاطم الأمواج … إلى آخر ما أَمْلَتْهُ عليهم أخيلتُهم السريعة الجريان الغنية بتصاويرِ الأوهام!

وحاول بعض علماء الإفرنج أيضًا تعليل الوحي والنبوة؛ فقالوا إن الوحي إلهام يفيض من نفس النبي الموحى إليه لا عن الخارج؛ وذلك أن نفسه، وسريرته، وقوة إيمانه بالله، وبغضه للوثنية، وخروجه على التقاليد الوراثية؛ كان لها من التأثير ما تجلى في ذهنه وأحدث في عقله الرؤى والأحوال الروحية، فتصور ما اعتقد وجوبه إرشادًا إلهيًّا نازلًا عليه من السماء بدون واسطة أو بواسطة رجل تمثل له ولقَّنه ذلك من عالم الغيب، فرأى وسمع ما اعتقده في اليقظة كما يرى ويسمع مثل ذلك في المنام، فهو خبر صادق عنده؛ أي إنه وصل إلى هذا بالإيحاء الذاتي ثم تمكن من تثبيت عقيدته في أذهان تابعيه بالإيحاء الشخصي فأثر فيهم بنفس التأثير الذي حدث له، فهم لا يشكُّون في صدقه عما رأى وسمع، وإنما يقولون إن منبع ذلك من نفسه، وليس فيه شيء جاء من عالم الغيب الذي وراء عالم المادة والطبيعة الذي يعرفه جميع الناس؛ لأنهم لم يثبت عندهم نفيه، وإنما هم يفسرون الظواهر الخارقة للعادة بما عرفوه وثبت عندهم دون ما لم يثبت.

•••

ومن مؤلفي الإفرنج إدوار مونتيه مدرس اللغات الشرقية في جامعة جنيف، فقد قال في مقدمة ترجمته للقرآن: كان محمد نبيًّا صادقًا كما كان أنبياء بني إسرائيل في القديم، كان مثلهم يؤتى رؤيا ويوحى إليه، وكانت العقيدة الدينية وفكرة وجود الألوهية متمكنتين في أولئك الأنبياء أسلافه، فتُحدث فيه كما كانت تُحدث فيهم ذلك الإلهام النفسي وهذا التضاعف في الشخصية اللذين يحدثان في العقل البشري المرائي والتجليات والوحي والأحوال الروحية التي من بابها. ا.ﻫ.

إن مسألة الوحي عقدة العقد، ولأجل هذا مهما أسهبنا في بيانها وتحليلها ففيه فائدة لنا وللأغيار، وها نحن قد ألممنا بجميع المقدمات التي استنبطوها من تاريخ محمد وحالته النفسية والعقلية وحالة قومه ووطنه، وما تصوروا أنه أفاده من حلِّه وترحاله في صحبة عمه وصحبة ميسرة رقيق زوجته، وما زعموه من مخالطته لليهود والنصارى والمتألهين والكهان والرهبان والفرس واليونان، وما كان من تأثير خلواته وتأمله في غار حراء بجبل أبي قبيس، وجعلوا تلك المقدمات في أسلوب طلي جذاب ليستنتجوا أن عقل محمد الهيولاني قد أدرك بنوره الذاتي فساد معتقدات قومه وبطلان عبادة الأصنام كما أدرك ذلك رجال غيره من قومه، وأن فطرته النقية قد ازدرت ما كانوا يتنافسون فيه من جمع الأموال بالربا والميسر، وأن فقره وفقر وليِّ أمره أبي طالب حالا دون انغماسه في الشهوات؛ أي إنه لم يكن عفيفًا بطبيعته بل على الرغم منه — ومن العفة أن لا تجد! — فلما اشتد ساعده وتمت مواهبه فكر في إنقاذهم من المعاصي وتطهيرهم من المنكرات، وأنه تعلم ممن لقيهم في مكة وفي غير مكة من اليهود والنصارى أخبار الأنبياء والمرسلين الذين بعثهم الله لبني إسرائيل وغيرهم، ولكنه قبل بعض المعلومات واستساغها ورفض البعض وأباه كألوهية المسيح وأمه البتول، وأنه سمع أن الله سيبعث في العرب نبيًّا قد بشر به عيسى وغيره من الأنبياء، فتعلق بنفسه الرجاء أن يكون هو هذا النبي، واشتد هذا الأمل حتى صار فكرة لازمة لعقله، وما زال يعمل لها بالعزلة وعبادة الله والتوجه إليه في خلواته حتى قوي إيمانه واتسعت دائرة فكره وازداد نور بصيرته؛ فاهتدى عقله الكبير إلى الآيات البينات في ملكوت السموات والأرض، الدالة على وحدانية واجب الوجود ومبدع الكون وخالقه، فلما «وصل» على هذه الطريقة وتأهل لها وصار كفؤًا لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وهو يفكر ويتأمل وينفعل ويتململ ويؤمل ويتألم ويتقلب على جوانب الضجر والملل في انتظار الغاية التي يرمي إليها، أيقن أنه هو النبي المنتظر الذي يبعثه الله لهداية البشر، فتجلى له هذا الاعتقاد في الرؤيا في النوم، ثم قوي حتى صار يتمثل له الملك يلقنه الوحي في اليقظة، ولكن المعلومات التي جاءته بهذا الوحي فهي مستمدة الأصل من تلك المعلومات التي تقدمت، ومما هداه إليه عقله وتفكيره في التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح، ولكنها كانت تتجلى له نازلةً من السماء وأنها خطاب الخالق — عز وجل — بواسطة الناموس الأكبر (وهو الاسم الذي أطلقه ورقة بن نوفل على ملك الوحي جبريل) الذي كان ينزل على موسى بن عمران وعيسى بن مريم.

هذه هي على التأكيد الصورة العقلية التي حاول رسمها كبار المعارضين للنبوة والذين هم أقل خصومة للنبي من غيرهم، فإن غيرهم لا يتورع عن أن يصفه بالدجل والاحتيال والأثَرة وجنون الفخامة والطمع في الملك، والعمل على اقتران اسمه باسم الله.

ونحن نعذر هؤلاء النقاد ونحترم رأيهم، ومن كان منهم ماديًّا أو ملحدًا أو حر الفكر فهو ثائر على كل الأديان ومن بينها دينه المسيحي؛ أمثال إرنست هيكل، وإرنست رينان، وسبنسر، فهم لا يعتقدون أصلًا بما وراء الطبيعة ولا بالأرواح. ومنهم من كال للمسيحية من صنوف النقد المر ما لا يعد هذا الكلام الهيِّن الليِّن بجانبه شيئًا! بل نراه يعد ثناءً ليس بعده ثناءٌ، ونوعًا من الأدب العالي واحترام دين غريب عنهم!

أما المتدينون منهم — سواء أكانوا يهودًا كمرغليوث، أو نصارى كديبيل ودرمنجهايم — فهم معذورون؛ لأنهم إذا أعلنوا إيمانهم بالوحي والنبوة صراحةً فلم يبقَ عليهم وهم علماء وعقلاء إلا أن يسلموا ويؤمنوا برب محمد وبعبده ورسوله.

ولعلهم في ضوء ما أظهرته العلوم الحديثة عن عالم الأرواح يعدلون آراءهم ويسلمون بما أصبح واضحًا كفلق الصبح.

غير أن هؤلاء الناس يوردون شبهاتٍ غليظةً اكتشفوها هم مما دوَّنه المسلمون أنفسهم وثبت في كتبهم، ومما كان بلا ريب معلومًا في عصر النبي، وهؤلاء خصومه من قريش وغيرهم كانوا يتربصون به الدوائر، فلو أنهم علموا بتلك الشبهات وجعلوا لها شأنًا لطبلوا بها وزمروا وطنطنوا بها وشنشنوا، ولاتخذه كبار المشركين شبهة يحتجون بها على أن ما يدعيه من الوحي قد تعلمه في الشام من النصارى؛ فإنهم كانوا يوردون عليه ما هو أضعف وأتفه وأسخف من هذه الشبه؛ ومنها ما ذكرناه من أنه كان في مكة حداد رومي يصنع السيوف في كير وأمامه سندان ومطرقة والشرر يتطاير من ناره وحديده، فكان النبي يقف عنده أحيانًا يشاهد صنعته كعادة النبهاء الذين يحفزهم الاستطلاع لرؤية الصناعات الغريبة، خصوصًا وأن محمدًا أظهر فيما بعدُ اهتمامًا عظيمًا بالسيوف، وكان لها شأن أي شأن في الحروب والغنائم التي يغنمها من الحروب، فزعموا أن محمدًا كان يتعلم وسط النار والحديد من ذلك القين الرومي أمور الدين وعلم اللاهوت والفلسفة العليا؛ كأن الحداد كان من رسل المسيح أو من كبار الكهنوت! فرد الله عليهم في وقتها بقوله: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (سورة النحل: آية ١٠٣).

ولو كان الأمر كذلك لاستلزم أن يكون محمد كاذبًا ومحتالًا ودجالًا ومموهًا وصاحب بهتان؛ لأن رذيلة الكذب وحدها لا تكفي، مع أن الثابت أنه كان الصادق الأمين، ولم يكذب على إنسان قط، فكيف يكذب على الله وقد شهد أبو جهل — وهو أعدى أعدائه — بصدقه؟ وقد جاء في القرآن أن محمدًا لم يكن يعرف شيئًا من أخبار الرسل وقصصهم قبل الوحي.

وأهم من ذلك كله لو كانت النبوة أمرًا كان يرجوه محمد ويتوقعه وكان قد أتم استعداده له باختلائه وتعبده حتى إذا كمل استعداده وتجلى رجاؤه واعتقاده بما تم لظهر عقب ذلك كل ما كانت تنطوي عليه نفسه الوثابة وفكرته الوقادة في سورة أو سور من أبلغ سور القرآن، خصوصًا وأنه في أول أمره وفي قمة قوته وعنفوان مظهره، وكذلك لم يكن لينحدر من الجبل مرتجفًا مرتعدًا محمومًا تصطك أسنانه وترتعد فرائصه ويسيل عرقه بعد أن رأى أو خُيِّل إليه أنه رأى الأمر الذي كان ينتظره، بل كان ينزل إلى أهله فرحًا طروبًا منتصرًا متشجعًا غير هيَّاب ولا وَجِلٍ مثل كل رجل يجد الأمر الذي كان يسعى إليه ويطلبه.

ولكن ماذا ترى؟ ترى محمدًا يحفظ سورة اقرأ باسم ربك وهي بضع آيات ثم ينقطع عنه الوحي ثلاث سنوات تباعًا وكان في هذه الأعوام الثلاثة وهي التي يسمونها فترة الانقطاع ساكتًا هادئًا لم يَتْلُ فيها على الناس سورةً ولا آيةً، ولم يَدْعُ أحدًا إلى شيء، ولا تحدث إلى أهله ولا إلى أصدقائه بشيء؛ لأنهم لم ينقلوا عنه شيئًا، فهذا السكوت وحده برهان قاطع على بطلان ما صوروا به استعداده للوحي الذاتي الذي زعموه، واستمداده لعلومه من التلقي والاختبار الذي توهموه.

ومَنْ مِنَ المصلحين أو المكتشفين أو من الشعراء أو الطامعين يضيع على نفسه وعلى قومه ثلاث سنين هي التي أتت مباشرةً بعد ظهور قوته وتكليل عمله بالنجاح؟!

•••

إن الذي ثبت في عقيدتي بعد معرفتي بالنصوص الخاصة بالوحي — بِغَضِّ الطرف عن تديني أو حرية فكري — أن محمدًا كان صادقًا الصدقَ كلَّه في كل ما يتعلق بالوحي والملك والرسالة، ولم تكن عقيدتي مجرد إيمان بالغيب، بل استندت إلى أدلة عقلية ومنطقية وتاريخية وذات ارتباط بعلوم النفس والاجتماع والأخلاق، فمما لا ريب فيه أنه كان يتيمًا وكان أميًّا، وقد قضى سن الصبا وسن الشباب هادئًا ساكنًا لا يُعْرَفُ عنه علمٌ ولا تخيل ولا شعر ولا خطابة، فأصلح — وهو الأمي، الفقير، البعيد عن الشهرة — أديانَ البشرِ مِنْ معتقداتٍ وشرائعَ وآدابٍ، وقَلَبَ نظامَ الأرض فدخلت بتعليمه في طور جديد.

وكان محمدٌ سليمَ الفطرة، كامل العقل، كريم الأخلاق، صادق الحديث، عفيف النفس قنوعًا بالقليل من الرزق، غيرَ طموع بالمال ولا جنوح إلى الملك، وكان يحتقر ما يتنافس فيه قومه من الشهوات؛ كالخمر والميسر، وقد ثبت أنه لم يحضر سمر أهل مكة ولهوهم إلا مرتين ألقى الله عليه النوم في كلٍّ منهما، حتى طلعت عليه الشمس فلم يَرَ ولم يسمع شيئًا.

ولم يظهر نبيٌّ قبلَه ولا بعدَه كانت ثماره الطيبة في هداية البشر كثماره .

وكان أول الناس إيمانًا به واهتداءً بنبوته أعلمهم بدخيلة أمره، وأولهم زوجته خديجة التي كانت مشهورة بالعقل والفضيلة، ومولاه زيد بن حارثة.

ثم آمن به رجال من أعظم العرب حريةً في الفكر، واستقلالًا في الرأي؛ كأبي بكر وعمر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠