بلاغة القرآن وكلام الرسول

أحب أن أوضح قصدي قبل الدخول في هذا الباب؛ فلا أزعم أنني أندب نفسي لأظهر محاسن القرآن أو أدافع عنه، أو أقارن بينه وبين البلاغة المحمدية؛ فقد قام بهذه الفروض قبلي أئمة؛ أمثال: سيدنا عبد القاهر الجرجاني، وابن سلام، والجاحظ، وأبي قدامة بن جعفر، وابن الأثير، وعشرات غيرهم من فحول النقد الأدبي في النثر العربي، وأتوا بنظريات جليلة في بحوثهم القيمة، وفي العهد الأخير تقدم المرحوم مصطفى صادق الرافعي بكتاب «إعجاز القرآن» مستعرضًا فيه آراء الأئمة ورأيه، فكان آية في الفهم والإخلاص والوفاء للغته ومعتقده، ولكن الذي أرمي إليه وأحاوله وأحسب أنني بلغته فيما بيني وبين نفسي حتى أحببت أن يكون بيني وبين قراء العربية: هو إثبات الفوارق بين كلام الله وكلام رسوله؛ وإن كانا من نبع واحد؛ فإنهما كالنهرين الذين يصدران عن عين واحدة ثم ينشقان ويفترقان ليصيب الخير منهما أرضًا جدباء كانت محرومة، وطوبى للأرض التي تستقي منهما وتروى بمائهما وتغمر بفيض خيرهما! وإذن يكون من المستحيل على محمد أو غير محمد أن يأتي بشيء من القرآن من عنده؛ دفعًا لشبهة الذين قالوا وكرروا وماروا في الحق أن الوحي لم يكن إلا تكامل الملكة المحمدية، فالقرآن من عند الله، ومحمد لم يكن حياله إلا بشرًا ناطقًا بما يوحى إليه من كلام الله — تبارك وتعالى. وأقدِّم بين أيدي القراء أنني لم أرضَ لنفسي أن تتأثر بما سبق الكتاب إليه، لأنظر: هل يصل الفرد بمجرد جهده الشخصي للاقتناع بهذه النظرية؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب، أنتقل إلى النقطة الثانية؛ وهي: هل يمكنني أن أنقل هذا الاعتقاد الذي ثبت في نفسي بالدرس والتقرير والاستقراء والاستنباط إلى غيري؟ فإنه لا يخلو الأمر من أن يسأل المرء نفسه كيف يكون رجل واحد فينطق بكلام فيقول: إنه قرآن من عند الله، ثم ينطق بكلام آخر فيقول: إنه كلامه من عند نفسه؟ وكيف يمكن التمييز والتفريق في نفس واحدة وعقل واحد ووعي واحد وإدراك واحد تغذيها حواس محدودة معلومة بين نوعين من الكلام الحكيم البليغ؟ وقد كان أول ما لفت نظري إلى تلك الفوارق المهولة بين القرآن والحديث اختلاف الأسلوب واختلاف المناحي واختلاف الألفاظ والمعاني، اختلافًا لا يتهيأ لمصدر واحد مهما كان المتكلم صناعًا أو حذورًا.

•••

ولا شك أن العرب قد بلغوا لعهد القرآن مبلغهم من تهذيب اللغة وكمال الفطرة ودقة الحس حتى أوشكوا أن يصيروا في هذه المواهب قبيلًا واحدًا باجتماعهم على بلاغة الكلمة ودقة المعنى وفصاحة المنطق، ولم تظهر هذه المواهب في أمة قديمة ظهورها في جاهلية العرب، فجاء القرآنُ أفصحَ كلامٍ، وأبلغه لفظًا وأحكمه معنًى وأعجبه أسلوبًا، وقد فاز الجرجاني في كتابه «دلائل الإعجاز» بأن أثبت إعجاز القرآن فنقض نظريتين قديمتين: إحداهما تجعل جمال الكلام في اللفظ، والأخرى تجعله في المعنى، وانتهى به البحث إلى أن الجمال ليس في اللفظ ولا في المعنى، وإنما هو في الأسلوب، وبيَّن جمال أسلوب القرآن وروعته أجلى بيانٍ، وقد وُفِّق فيما عرض له توفيقًا يدعو إلى الإعجاب، وخلد اسمه على وجه الدهور والأحقاب.

وكان من جمال أسلوب القرآن أن وجد السبيل إلى امتلاك الوحدة العربية التي كانت معقودة يومئذ بالألسنة، ومن الأدلة المنطقية أن القرآن ينتهي إلى هذه الوحدة ولا يستولي عليها إلا إذا كان أقوى منها، فيما هي قوية به بحيث يشعر أهلها بالعجز والضعف شعورًا لا حيلة لهم فيه، فخذلت الوحدة العربية من قبله ما كانت تعده أكبر فخرها وأجمل صنعها وأعظم مواهبها، وكان العرب كالحصى عددًا وكثرةً وليس لمحمد سوى نفسه وسوى نفر قليل معه استجابوا له وبذلوه مقادتهم ونصرتهم بعد أن سمعوا القرآن وأحسوا منه ما استهواهم وغلبهم على أنفسهم (إسلام عمر بن الخطاب).

لهذا قام كل فرد من هؤلاء النخبة من الرجال في نصرته، وكأنه في نفسه قبيلة بمقدار حميتها وحفاظها ونجدتها ووثبتها وثباتها وتضحيتها.

نزل القرآن فظنه العرب أول وهلة من كلام النبي وروحوا عن قلوبهم بانتظار ما أملوا أن يطلعوا عليه في آياته البينات كما يعتري الطبع الإنساني من الفترة بعد الاستمرار، والتراجع بعد الاستقرار، ومن اضطراب القوة البيانية بعد إمعانها، وجماحها الذي لا بد منه بعد إذعانها، ثم ما هو في فطرة كل بليغ من الاختلاف في درجات البلاغة؛ ارتفاعًا وهبوطًا، وعلوًّا ونزولًا، على حسب ما لا بد منه من اختلاف المعاني وتباين الأحوال النفسية، ومرُّوا ينتظرون وهم معدون له التكذيب ومتربصون به حالة من تلك الأحوال، فذهب صبرهم عبثًا، وولى تربصهم ضياعًا، وخابت آمالهم في انتظار فرصة الانتقام؛ لأن القرآن استمر ينزل في ديباجة كالسماء في استوائها؛ لا وَهَى ولا صَدَعَ.

وكان من عادة العرب أن يتحدى بعضهم بعضًا في المساجلة والمقارضة بالشعر والخطب، فتحداهم القرآن في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله أو بعضه، وسلك إلى ذلك سبيل الترقي كأنها قضية في منطق التاريخ لتسجيل الإعجاز تسجيلًا ثابتًا بالتدريج، وكانوا أفصح الناس وأبلغهم، فلو كان فيهم قادر على معارضته ما تردد، ولكنهم عجزوا وجمدوا وكمدوا، فلا قرآن مثله، ولا عشر سور، ولا سورة، ولا آيات معدودات، ولا آية واحدة، فلما ظهر الفوز في جانبه، قرن التحدي بالتأنيب والتقريع والاستفزاز: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ.

فلما فشلوا توقحوا وقذفوا واختلقوا؛ ليطفئوا نيران حقدهم وحسدهم، وليبرروا موقفهم من الشك والخذلان؛ فقالوا: شاعر، ومجنون، وساحر، ومؤلف أساطير الأولين يعيدها في قالب جديد، وإنما يعلمه بشر؛ زعموا أن هذا البشر الذي يعلمه هو سلمان الفارسي الذي لم يره النبي إلا في المدينة بعد الهجرة، وبعد نزول القرآن! وزعموا أنه رومي اسمه بلعام! وكان بلعام هذا قد أسلم ويقرأ على النبي؛ فهو تلميذه لا معلمه! وقالوا: اسمه جبر أو يسار.

وظاهر أنهم ما داموا ذكروا اسمًا فقد عرفوا صاحبه، وكان بين أظهرهم يكلمونه مدى أعمارهم، فهل سمعوا منه شيئًا مما ادعى أنه علَّمه النبيَّ؟ وهل حُكي عن واحد من هؤلاء الفرس أو الروم شيء من مثل ما كان يجيء به محمد؟ وهل عرف واحد منهم بمعرفة شيء من ذلك؟ وما منع العدو حينئذ على كثرة عدده ودؤب طلبه وقوة حسده وبغضه أن يجلس إلى هذا المعلم الفارسي أو الرومي فيأخذ عنه ما يعارض به؟! وقد أجمل الجاحظ هذه القضية التاريخية بقوله: «دعاهم بالحجة، فلما قطع العذر، وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف، فقتل من عليتهم وأعلامهم، وهو في ذلك يحتج بالقرآن ويدعوهم صباحًا ومساءً لمعارضته، فكلما ازداد تحديًا لهم وتقريعًا لعجزهم تكشَّف نقصهم، مع كثرة من هجاه كأبي لهب؛ لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله وأفسد لأمره من بذل النفوس والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال، وهذا لا يخفى على قريش، ثم تحدى أقصاهم بعد أن عجز أدناهم، فمحال أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر والخطأ المكشوف مع التقريع بالنقص والعجز، وهم أشد الخلق أنفةً وأكثرهم مفاخرةً، والكلام سيد عملهم وقد احتاجوا إليه.

وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثًا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه.»

وقال المعري في رسالة الغفران: «أجمع ملحد ومهتدٍ، وناكب عن المحجة ومغتدٍ، أن هذا الكتاب الذي جاء به محمد كتاب بهر بالإعجاز، ولقي عدوه بالإرجاز، ما حُذِي على مثال، ولا أشبه غريب الأمثال، ما هو من القصيد الموزون، ولا في الرجز من سهل وحزون، ولا شاكل خطابة العرب، ولا سجع الكهنة ذوي الأرب، وإن الآية منه أو بعض الآية لتعترض في أفصح كلمٍ يقدر عليه المخلوقون، فتكون فيه كالشهاب المتلألئ في جنح غسق، والزهرة البادية في جدوب ذات نسق.»

•••

إني أتخذ من الاختلاف في الأسلوب بين القرآن والحديث دليلًا علميًّا وعقليًّا وأدبيًّا على صحة الوحي، وإن كنت في غِنى عنه، ولكنني أحببت أن لا أترك ثغرة ولا صدعًا ولا منفذًا لولوج الحجة الباطلة والفتنة الحاقدة والدسيسة الحاسدة، وإن هذا الاختلاف ظاهر ظهور الشمس، وقال به أشد خصوم النبي أثناء معاصرته، ولذا كانت حيرتهم شديدة؛ فإن الرجل لا يمكن أن يكون له أسلوبان في الكلام، وكذلك لا يملكون تعليل هذه الخطة التي ظنوا ظلمًا أنه سلكها بنظم الآيات وينسبها إلى الله، ثم يترسل في الحديث ترسلًا سائلًا ومجيبًا، ناقدًا أو مقرظًا، مستحسنًا أم مستهجنًا، متنبئًا من قريب أو بعيد ببشرى أو بوعيد، ثم يضيف هذا القول كله إلى نفسه؟! وأية غاية له في ذلك التفريق؟! وما هو المرمى الذي يصوب إليه هدفه؟! وما على الناس إذا كان هذا هو كلام الله، وهذا هو كلامه؟!

لا شك أن هذا السؤال ليجول بخاطر المعترض والخصيم لو أن محمدًا انتحل القرآن لنفسه، وادعاه من دون الله، ونسي وحيه لصدقه الناس، وكان هذا أدعى إلى الفخر والمباهاة والشهرة وذيوع الصيت؛ لدلالته على القدرة الباهرة في نظم الكلام وتأليفه والاطلاع على علوم الأولين والآخرين، والوقوف على أسرار الكون والعالم بما لم يسبق لأحد من الحكماء والمشترعين من قبل، ولكن هذا الكذب لا تقبله نفس محمد ولا ترضاه سريرته ولا يتحمله ضميره فضلًا عن أنه لو كان القرآن هو كلامه، ما تمكن من التفكير في أسلوب آخر ينطق به في أوقات أخرى، خصوصًا وأن القرآن كان يؤاتيه ويهبط عليه في أحوال شاذة من كرب وضيق وعرق ورجفة، وقد تواتر الصدق في رواية صفته عندما كان يجيء الوحي على هذه الحال، وهي حال استثنائية لا يمكن فيها للكاتب أو المفكر أو الشاعر الذي أحوج ما هو إليه، أن يملك زمام نفسه واعتدال مزاجه، في حين أن حديثه وجوامع كلمه ومواعظه ونصحه كان ينطق بها وهو على أشد ما يكون راحةً وهدوءًا وسلامةَ بدنٍ وسكون بالٍ، ومع هذا الفرق كان لكلام رسول الله نمط خاص وديباجة شخصية وأسلوب بعينه، لم ينهج إليه نهج التقليد، ولم يتقيد فيه بقيد من صنعته، بل تبعًا لفطرته وسجيته، وإن كان استمع حينًا إلى بعض الفصحاء، فلم يكن لكلامهم تأثير على نفسه، إلا بقدر ما يتأثر السامع للألفاظ، الواعي لمعانيها دون أن تترك في ذهنه أثرًا مرهونًا بوقته؛ فقد ذكر — عليه الصلاة والسلام — أنه نظر إلى قس بن ساعدة بعكاظ على جملٍ أحمرَ وأنصت إليه وهو يقول: «أيها الناس، اجتمعوا ثم اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آتٍ، يا معشر أياد، أين ثمود وعاد؟! وأين الآباء والأجداد؟! وأين المعروف الذي لم يشكر؟! وأين الظلم الذي لم ينكر؟! أقسم قس قسمًا حقًّا أن لله دينًا هو أرضى عنده من دينكم، ثم أنشد شعرًا فهل من يحفظه؟»

انتهت رواية رسول الله، فقال بعضهم: أنا أحفظه. فقال الرسول: «هاته» فأنشد:

في الذاهبين الأولين
من القرون لنا بصائر

إلى آخر الأبيات الخمسة.

ويفاد من هذه الرواية أن محمدًا كان يغشى الأسواق، ويقف على الخطباء، ويعي أقوالهم، ولكنه لا يحفظ الشعر ولا يرويه، ولم يعِ من الخطبة إلا ما كانت له علاقة بالدين الذي كانت أخيلته تتمثل لأذهان أهل الذكاء والأخلاق الكريمة ممن أسخطتهم الوثنية، فهذا قس يقسم حقًّا «أن لله لدينًا هو أرضى عنده من دين الجاهلية.» لقد حفظ النبي هذه النبذة؛ لأن قسًّا قد بشر به دون أن يعرفه، بل كان محمد نفسه؛ وهو يصغي إلى هذه الخطبة، لا يعلم أنه سيكون بعد بضع سنين بشيرَ هذا الدين ونذيره ورسوله وحامل لوائه، وكانت كلمات قس على إيجازها تقرر مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يدل على أن تلك المبادئ كانت تحوم في رءوس الخطباء والناقمين على المجتمع القرشي، ولم يجئ في الشعر الذي أنشده بغير موعظة الموت التي أقنعته بأنه لا محالة صائر إليه ما دام قانون الفناء يشمل الأصاغر والأكابر من قومه؛ فهي حيرة ولغز كان يتطلع نوابغ العرب إلى حلها، ولكن محمدًا عندما بلغ دور الوعظ والخطابة العامة وتناول موضوع الموت نفسه، لم يَسْرِ إلى نفسه شيءٌ من كلام قس ولا أسلوبه فقال: «أيها الناس، كأن الموت في الدنيا على غيرنا كُتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب، وكأن الذين نشيِّع من الأموات سَفْرٌ عما قليل إلينا راجعون، نبوِّئهم أجداثهم ونأكل تراثهم، كأننا مخلدون بعدهم، قد نسينا كل واعظة وأمِنَّا كل جائحة، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأنفق من مالٍ اكتسبه من غير معصية، ورحم أهل الذل، وخالط أهل الفقه والحكمة! طوبى لمن أذلَّ نفسه وحسنت خليقته وصحَّت سريرته وعزل عن الناس شرَّه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنَّة ولم يَعْدُها إلى البدعة.»

وتتجلى بلاغة النبي الفطرية في بعض رسائله القصيرة الآتية على المعاني الكثيرة، ومنها رسالته إلى مسيلمة لما كتب إليه: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد، فإن الله — عز وجل — قسم الأرض بيننا، ولكنْ قريشٌ قومٌ غُدْرٌ!

فكتب إليه: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.

وسأله العباس في عرفة: ما الجمال يا رسول الله؟ فقال: «اللسان» وقال: «وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟» وقال: «ما أوتي امرؤ شرًّا من طلاقة اللسان.»

وسمع قومًا يقولون: فلان علَّامة. فقال: وما هو علَّامة؟

فقيل يعلم أيام العرب وأشعارها وأنسابها ووقائعها.

فقال: «ذلك علم لا ينفع مَنْ عَلِمَهُ ولا يضر من جهله، وإنما العلم آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمة، وما خلاهن فهو فضل.»

وقال: «إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها.»

وبلغ به بغض السجع أنه أجاب من سأله: يا رسول الله، أرأيت من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهلَّ، أليس مثل ذلك يُطَلُّ؟

– «أسجعٌّ كسجع الجاهلية؟!»

ومن دستوره في الخطاب: «إنَّا أُمرنا معشر الأنبياء بأن نكلم الناس على مقادير عقولهم.»

•••

وغير خافٍ أن اختصاص النبي بأسلوب خاص وحكمة خاصة وبصيرة قائمة بذاتها فرع من أصل التشريع؛ لأن الله — عز وجل — قد شرع على لسان رسوله شرائعَ لم يثبتها في كتابه؛ فمنها: رجم الزاني المحصن، واليمين مع الشاهد، وتحريم كل ذي ناب ومخلب، وأشباه لأولئك.

ولذا قال الرسول: «أوتيت الكتاب ومثله معه.» أي من السنن التي شرعها الله على يديه، فقال ينبه الأذهان إلى هذه السنن ويقرع حجة المكابرين: «لا ألفينَّ أحدكم متكئًا على أريكة يأتيه الأمر من أمري؛ فيقول: لا أدري. ما وجدت في كتاب الله عملت به.»

ومن هذا التشريع ما كان ابن وقته ووليد ساعته؛ فقد روي أن رسول الله سمع بعض القافة وقد رأى رجل أسامة بن زيد ورجل أبيه يقول: «هذه أقدام بعضها من بعض.» فَسُرَّ بذلك، وحكم أهل الحجاز بقول القافة في الولد من الأَمَةِ إذا جحده أبوه أو شكَّ فيه.

إن من أقوى الحجج على صدق الوحي المحمدي وأوضحها، وأجلاها وأظهرها أن حديث النبي الصحيح وجوامع كلمه وحكمه الوجيزة الصائبة، وأجوبته المقنعة، وقد سارت كلها مسير المثل وقيلت بجملتها عفو الساعة، دالة على حضور بديهته، وصفاء نفسه، وقوة ذهنه، كانت جميعها تختلف اختلافًا بينًا عن ألفاظ القرآن ومعانيه، وكانت تختلف بنصوصها وأسلوبها ومراميها عن آيات الكتاب الكريم اختلافًا كبيرًا، ولا تزال على علو نفسها وجمال تركيبها وروعة معانيها في درجةٍ أقلَّ من درجة الآيات القرآنية، وكانت هذه الحالة الماثلة أمام أسرته وصحابته والوافدين عليه دليلًا ناصعًا على صدق النبوة؛ فإن الوحي كانت تسبقه حالات خاصة موصوفة بالتفصيل في حديث عائشة وأبي بكر وعمر وعلي وغيرهم، ولكن الحديث والحكم والنصائح والفُتيا والأوامر والنواهي في تدبير الحروب وتوطيد الأمن — كانت تصدر عنه — عليه الصلاة والسلام — تبعًا لمقتضى الأحوال، وعلى أن عرب الجاهلية كان بينهم الخطيب الأريب والشاعر الفحل والحكيم الراسخ فإن كلامه — عليه الصلاة والسلام — لم يسبقه إليه عربي، ولم يشاركه فيه عجمي، ولم يدَّع لأحد، ولا ادعاه أحد مما صار مستعملًا ومثلًا سائرًا.

ويحدث في أغلب الأحيان أنك تسمع حكمة عربية أو أعجمية أو مثلًا غريبًا بأية لغة من اللغات فتحس لكلٍّ منها في نفسك صدى ووهمًا بأنك سبق لك سمعها أو قراءتها، كمن يرى رجلًا يكون قد رآه ونسي اسمه وعفى النسيان على صورته، ولكن أثرًا ضئيلًا في النظرة أو الصوت أو اللفتة يدل عليه ويعيد تاريخه إلى ذهنك، فتقول: إني وقع بصري عليه، كذلك تقول: إني سمعت هذه الحكمة أو قرأت هذا المثل، وفي الحق أن كثيرًا من جوامع الكلم متوارث أو منقول، ولكن كلام محمد كان جديدًا قشيبًا فريدًا في أبوابه.

ولكن هذا الكلام السامي بمعانيه، البليغ بمبانيه؛ قد جلَّ عن الصنعة، ونزه عن التكلف، وكان كما قال الله تبارك وتعالى: قل (يا محمد): وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ، وهذه الآية البديعة تدلنا على أنه هو لم يقلها عن نفسه، بل أمر أن يقولها بلسان صدق، كما ركب في فطرته بغض التشديق ومجانبة التقعير، وقد هداه الله وأرشدته سجيته السليمة وغريزته البريئة إلى استعمال المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، كما أنه هجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي وإن كان يعرفها جميعًا ويلم بها إلمامًا تامًّا، كما حدث في جوابه على سؤال أعراب من الأقحاح الذين وردوا عليه وخاطبوه بكلامهم ليظهر الله علمه، فلم ينطق إلا عن حكمة، ولم يتكلم إلا بعصمة، وإنك بعد أولئك تجد لكلامه حلاوة وعذوبة وروعة؛ لأن الله ألقى عليه المحبة، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والجمال، وبين حسن الإفهام وقلة عدد الألفاظ، فاستغنى عن الإعادة والتكرار؛ لعدم حاجة السامع إلى معاودته؛ لأن كلماته تصل إلى القلوب والأذهان والأسماع، فما سقطت له كلمة ولا زلت له قدم ولا بارت له حجة، ولم يقم في وجهه خصم ولا تمكن من إفحامه خطيب، ولم يعلم عنه أنه التمس إسكات خصم أو مجادل إلا بما يعرفه الخصم ويسلم به ويكون من قبل مقتنعًا بصحته، وما كان محمد يحتج مع استيفاء هذا الشرط إلا بالصدق، ومن أظهرِ خلاله في الجدل أنه لا يستعين بالخلابة ولا يستعمل المواربة، ويكره الخلابة والمواربة في من يتكلم بهما لديه، ولا سيما في التقاضي؛ فقد قال يحذر الخصوم الذين يرفعون قضاياهم بين يديه: إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته؛ فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق من أخيه شيئًا فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من نار.

وكان من طبعه في الكلام أنه لا يهمز ولا يلمز، مع أن القرآن الشريف استعمل الهمز واللمز في مواضعهما عند الحاجة إليهما؛ لأن المتكلم هو الله — تبارك وتعالى — أما محمد فكان بشرًا مثلنا.

فلم يسمع من النبي أحد من معاصريه ولا وعى أخلافهم منذ بعثته إلى عصرنا هذا كلامًا أعمَّ نفعًا ولا أصدق لهجةً ولا أعدل وزنًا وأحسن موقعًا ولا أبين من كلامه.

قال يونس بن حبيب: ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول الله.

ولعل بعض من لم يتسع اطلاعه في العلم والأدب ولم يعرف مقادير الكلام يظن أن تكلفنا له من الامتداح والتشريف ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده ولا يبلغه قدره! فلا يظن هذا إلا من ضلَّ سعيه وقصر إدراكه وركد تفكيره.

وإليك نماذج من هذا الكلام الرائع الذي يعد بحق في الطبقة الثانية بعد آيات الكتاب الكريم، وفي طبقة أعلى مما تطلع إليه أبلغ البلغاء في سائر الدهور وفي جميع اللغات.

قال يصف الأنصار: أما والله ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع.

لا خير في صحبة من لا يرى لك ما يرى لنفسه.

المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم.

لو أن لابن آدم واديين من ذهب لسأل إليهما ثالثًا.

أوصاني ربي بتسع: أوصاني بالإخلاص في السر والعلانية، وبالعدل في الرضا والغضب، وبالقصد في الغنى والفقر، وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وأن يكون صمتي فكرًا، ونطقي ذكرًا، ونظري عبرًا.

الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم.

ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم.

إذا ساد القبيلَ فاسقُهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكْرِمَ الرجل اتقاء شره؛ فلينتظروا البلاء.

ستحرصون على الإمارة؛ فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة.

لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان.

إن قومًا ركبوا سفينة في البحر فاقتسموا، فصار لكل رجل منهم موضع، فنقر رجل منهم موضعه بفأس، فقالوا له: ما تصنع؟! فقال: هو مكاني؛ أصنع فيه ما شئت! فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا.

ارحموا عزيزًا ذلَّ، ارحموا غنيًّا افتقر، ارحموا عالمًا ضاع بين جُهَّالٍ.

لا يزال المسروق منه في تهمة من هو بريء حتى يكون أعظم جرمًا من السارق.

كل قوم على رقبة من أمرهم، ومفلحة عند أنفسهم، يردون على من سواهم.

الإيمان عقد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان.

ومن جوامع كلمه: يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق تداعي الأكلة إلى قصعتها. قيل يا رسول الله، أمن قلة منا نحن يومئذ؟

قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب من قلوب عدوكم بحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت.

لا تزال أمتي صالحًا أمرها ما لم تَرَ الأمانة مغنمًا، والصدقة مغرمًا.

ومن صور الكلام الطريفة المستحدثة، ومجالي البيان البليغة المبتدعة، ومنها ما سار مثلًا: كل الصيد في جوف الفرا.

هدنة على دَخن وجماعة على أقذاء.

لا يلسع المؤمن من جحر مرتين.

اتقوا الفتنة؛ فإنها تقبل بشبهة، وتدبر ببيان.

إياكم وخضراء الدمن.

اتقوا الله في الضعيفين.

لقد صدق رسول الله حين قال: «أعطيت جوامع الكلم.» وصدق كبار المؤرخين وفحول الناقدين كالجاحظ ومحمد بن سلام ويونس بن حبيب حين قالوا: محمد أفصح العرب والعجم.

•••

فإذا رجعنا إلى أسلوب محمد في الحديث أو الخطابة أو الإجابة على أسئلة صحابته أو أهل بيته أو القادمين عليه لقيناه قد برع في الإيجاز والإطالة، فسلم في الإيجاز من التقصير، وفي الإطالة من الإسهاب والكثير، وتقدم الناس جميعًا في ذلك لتقدمه في سائر فضائله.

وكان في جميع ألفاظه ومعانيه جاريًا على سجيته، غير مستكره لطبيعته ولا متكلف ما ليس في وسعه قُلْ … وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ.

والخلة التي لازمته في كلامه أن لفظه كان يتساوى ومعناه، فلا يكون اللفظ أسبق إلى قلب سامعه من المعنى، ولا المعنى أسبق إلى القلب من اللفظ.

وكان يكلم أهل البادية بما في سجيتها علمه، كما يكلم ذوي الأدب بما في مقدار أدبهم فهمه؛ جاء طخفةُ بن زهير النهدي رسولَ الله عام ٩ للهجرة فقال له: لنا نعمٌ هَمَلٌ أغفال ما تبضُّ ببلالٍ، ووقير قليل الرِّسْل، كثير الرَّسَل، أصابتها سنة حمراء مؤْزِلة ليس لها علل ولا نهل. فأجابه الرسول: اللهم بارك في محضها ونحضها ومذقها، واحبس راعيها في الدثر بيانع الثمر، وافجر له الثمد، وبارك له المال والولد.

شكا طخفة أو طهفة النهدي للرسول سوء الحال فدعا له بخير بلغته الغريبة.

وسأله آخر: أيُدالِك الرجل امرأته يا رسول الله؟

قال: «نعم، إذا كان مفلِجًا.»

والمدالكة المماطلة في شراء ما تحتاج إليه المرأة، وقد أباحها الرسول في حالة ثقل الدين على الزوج، فهنا وغيره كلام من السائل والمسئول، والقائل والمجيب، حسن مأثور؛ لأنه مفهوم بين من يخاطب به.

وعندنا أن الذين لجئوا إلى استعمال الغريب في الألفاظ فاقتضى الأمر أن يجيبهم على طريقتهم، لم يكونوا يقصدون التعمية أو الامتحان أو الفكاهة، ولكن لعلهم أرادوا أن يخاطبوه في مجالسَ تجمع رجالًا، لا يحبون أن يطلعوهم على دخيلتهم أو يقفوهم على حقيقة حالهم، فأجاب النبي سؤلهم وكتم سرهم وستر عيبهم، ولا سيما أن الملاحن كانت معروفة عند العرب وورد ذكرها في القرآن: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ (سورة محمد).

وكان العرب يستعملون اللحن لدى الاستحياء والاحتراس، وكان الرسول يبغض السجع؛ لأنه أسلوب الكهان، ولكنه كان يقوله في بعض كلامه وخطبه وأمثاله وجوامع كلمه، ولم تكن القوافي مختلقة ولا متكلفة ولا متمحلة ولا مستكرهة، وكان ذلك على سجيته وطبعه كقوله في عبارة: ويقول العبد: مالي مالي! وما له من ماله إلا ما أكل فأفنى!

ولم يكن يستعمل في الأمر الكبير إلا القول الذي تلهمه سجيته وفطرته بدون استعداد ولا تجهيز.

•••

كل هذه البلاغة المحمدية وتلك الفصاحة النبوية، لم تَعْدُ أن تكون إنشائية من النوع الذي كان يتقنه عرب قريش بالسليقة والصناعة، بفارق واحد؛ وهي أنها كانت على لسان محمد غير مصنوعة وغير متكلفة ولا متعملة، ولم يكن محمد في حاجة قبل أن ينطق بجوامع الكلم إلى قليل ولا كثير من الدرس والتفكير؛ لأنه كان يسأل ويجيب، وكان إذا رأى شيئًا أو سمع كلامًا مما تتأثر به نفسه الحساسة ينطق على الفور بما ينطبع في ذهنه من المعاني بسرعة البرق الخلاب، ولكنه لم يحاول أن يحكي من تقدَّموه؛ لأن الذين تقدموه أو عاصروه في هذا المضمار كانوا إما كهَّانًا، وإما محترفين، أما الكهان فكان يرتجف هلعًا من مشابهتهم ويَفْرَقُ الفَرَقَ كله ويفزع إلى الله أن لا يكون قد أراده كاهنًا، والرجل الذي يمقت طائفة من الناس لا يعمل على محاكاتها، أما المحترفون كالشعراء والخطباء فلم يلتقِ بواحد منهم إلا مصادفة وفي عرض الطريق، كما حدث له في الاستماع إلى خطبة قس في سوق عكاظ، وقد اتخذ من ظهر راحلته منبرًا، فكانت بلاغته مرتجلة طبيعية كأنها الماء يتفجر من ينبوعه، فكان يتكلم عن يقين ثابت وكلمة راسخة وحماسة متقدة صادقة في الانتصار للحق ومكارم الأخلاق، ولكن هذا الرجل الذي لم يتتلمذ على أحد غير ربه ووحيه، قد فطر على قواعد البلاغة فكان إذا تكلم يصحح الأقسام ويختار الكلام ويحسن الاقتضاب عند البداهة١ كما يحسن الغزارة يوم الإطالة (خطبة الوداع) مع وضوح في الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن التعبير، كل ذلك دون أن يتعلم أو يعالج صناعة الكلام أو الخطابة.

وكما أن محمدًا لا يدين لأحد من علماء العرب أو بلغائهم بفصاحته وأسلوبه وطرائق كلامه، فأولى وأصدق وأثبت أنه لم يفد شيئًا من علوم الأجانب؛ فلم يكن له علم بصناعة البلاغة عند الفرس أو الروم أو الهنود، وفي الأمم ذات الحضارة المعاصرة؛ فقد ثبت أنه بعد القرن الثالث لم يكن العرب قد أخذوا بأي نصيب من آداب هذه الأمم؛ فالجاحظ وهو إمام البيان العربي ومؤسس أركانه بلغ عدم اتصاله بهم أن قال: «لم يظهر في اليونان من يستحق أن يسمى خطيبًا، وإن إمامهم أرسطو مؤلف كتاب الخطابة وعلم الحكمة عندهم والمعلم الأول في عرف العرب، وصف نفسه بأنه بكيء اللسان غير موصوف البيان مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه وخصائصه.»

وكذلك الفرس، لم يعرف العرب عنهم شيئًا يستحق المعرفة إلا بعد أن دالت واندمجت في الفتوح الإسلامية، وكانوا بعد ذلك يصفونهم بالتصنع والتعمُّل وكثرة الاستعداد قبل الإلقاء، وكذلك الهنود لم يقف على أدبهم عن طريق السماع أحدٌ قبل معمر أبي الأشعث في عهد الدولة العباسية، فقالوا: لهم معاني مدونة وكتب مجلدة متوارثة سائرة على وجه الدهر، لا يُعرف مؤلفها ولا يُذكر واضعها … لكن ما هي، وما مادتها؟ … لا يعرف العرب حتى عهد الرشيد شيئًا عنها، والذي عرفوه كان عن طريق أديب طلعة هو معمر أبو الأشعث الذي انتهز فرصة لقائه بطبيب هندي اسمه بهلة في بلاط الرشيد كان أحد أعضاء بعثة استقدمها يحيى بن خالد البرمكي، فعلوم الأعاجم وبلاغتهم كانت مجهولة عند العرب بعد الإسلام بثلاثة قرون؛ ومع هذا فإنه عندما حاول الجاحظ تعريفها في ختام حياته حوالي ٢٦٠ﻫ، لم يستطع أن يخرج منها إلا بصورة غامضة غير جلية ولا دقيقة وإنما عرف إرشاداتٍ لا قواعدَ، وشذراتٍ لا كتبًا.

فإذا كان العلماء والأدباء أمثال الجاحظ لم يصلوا إلى شيء من آداب هذه الأمم بعد قهرها وفتح بعضها واندماجها في ملتهم، فلشدَّ ما كان جهلهم بها في الجاهلية وفي أثناء حياة النبي قبل الرسالة وبعدها! وإذن يكون أدب محمد وبلاغته وفصاحته شخصية فطرية لم تستند إلى علم أجنبي، ولا إلى مثال عربي، ومع ذلك نجد أن الفوارق التي كانت بين لغة القرآن وبين كلام محمد كانت من الجسامة بحيث يستحيل معها مجرد التوفيق بين الأسلوبين، كما أن الفوارق التي كانت بين لغة القرآن وبين اللغات الأعجمية ذوات الثقافة لذلك العهد كانت من الجسامة بحيث يستحيل معها مجرد التوفيق بين اللغة العربية وبين أي بيان أعجمي.

ومع ذلك فقد كانت أفكار محمد عربية خالصة، احتفظت بعربيتها كاملة غير منقوصة، ولكنها مصبوغة بصبغة جديدة لا عهد للعرب بها؛ يتضح الفرق بينها وبين كل ما سبقها، فكان نسيجَ وحده بين الناطقين بالضاد، كما كان القرآن نسيجَ وحده بين الكتب، فراع كلامُ النبي معاصريه بما أتى به من حكمة وبيان وصواب رأي، ولم يفرغ الناس من الجدل في محاسن كلمه وجمال نثره وصدق فراسته وسرعة بديهته واستكمال مواهبه.

ولولا القرآن والحديث ما وُجد البيان العربي الذي صار بفضلهما علمًا عربيًّا من ناحية الروح وناحية المادة، ولا توجد صلة بينه وبين أي بيان آخر، وليس مدينًا للأعاجم في شيء، كما أن القرآن والنبي لم يدينا لأحد بشيء من جهة الفكر أو اللفظ أو الأسلوب، وإن هذا الفضل يزداد ويرو ويعظم إذا علمنا أن القرآن والحديث ظهرا في بلاد اشتهرت بالفصاحة والبداهة والبلاغة على الفطرة؛ فإن البدوي البادي، سواء أكان راعيًا، أم صعلوكًا، كان يأتي بدون تعليم ولا تفقيه ولا درس بالسحر الحلال إن قال شعرًا أو نطق نثرًا. وهذه النعمة في الطبع والفطرة قد اختصتهم بها العناية، وما زالت تلك المواهب ملازمة للعرب لاصقة بهم قائمة بوجدانهم حتى بعد أن هجروا البادية وتحضروا ومدنوا المدن وأسسوا الدواوين وسكنوا البيوت والقصور ولم يروا الصحراء ولا اتصلوا بها، إلى هؤلاء كلهم وبين ظهرانيهم وتحت سمعهم وبصرهم تكلم محمد وخطب، فكان أعلاهم كعبًا وأربحهم قدحًا وأقواهم بديهةً وأقدرهم بيانًا وأفصحهم لسانًا وأعمقهم حكمةً وأوقعهم لفظًا وأوسعهم فهمًا وأحوطهم إدراكًا.

•••

ينقسم نقاد القرآن إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أعداء النبي من عرب الجاهلية، وهم المعاصرون له والعارفون بتاريخ حياته، الواقفون على أخلاقه والملمُّون بأخباره، وهؤلاء هم الذين ناهضوه وحاربوه وشتموه وكادوا له ونعتوه بالسحر والجنون والشعر والحيلة وإخفاء العلم الذي زعموا أنه تلقنه عن أساتذة مجهولين لهم، وبالجملة؛ إنهم اتهموه بادعاء النبوة بالباطل في سبيل السيادة والسيطرة على قريتهم، وكان أحب شيء إلى هؤلاء عيبه والتسرع إلى تهجينه وإنكار محاسنه وابتكار مساوئ ينسبونها بالبهتان إليه؛ وذلك لمنافرته إياهم وبعد شكله من أشكالهم، فبحثوا عن عيب له فلم يجدوا، وفحصوا عن عثرة فعدموها، وكانوا يبطنون له العداء والحسد وهم شاعرون بالقصور عن إدراك شأوه، ويبطنون الخوف من انتصاره؛ لظنهم أنه جاء يهدم حياتهم وينقض مجتمعهم ويمحو آلهتهم ويخرب تجارتهم ويقلب نظام حكمهم ويسقط هيبتهم؛ وليس يبعد على هؤلاء أن يلجئوا إلى كل سلاح في محاربة خصمهم، فكانت حرب اللسان؛ من غيبة ونميمة وانتقاص، ثم حرب السخرية والهزؤ وعدم الاكتراث، ثم المفاوضة والتودد والترغيب في المال والملك، ثم التآمر على الاغتيال، ولكن كل خطوة من خطاهم في سبيل أذاه والنيل منه والحط من قدره وإضعاف شوكته كانت تقابلها خطوات لانتصاره واندحارهم، وقد تكلمنا بما فيه الكفاية عن تحديهم في القرآن، بأن ينظموا سورًا أو آياتٍ مفترياتٍ، فكانت هذه الحجة ضدهم خالدة على وجه الدهر؛ لأنها مدعومة بالمعاصرة، ولو كان محمد قد استطاع نظم الآيات من تلقاء نفسه وتجاسر على نسبتها إلى وحي الله، فما كان في مقدوره أن يستمر ثلاثًا وعشرين سنة على إبراز تلك الآيات البينات في مختلف الأحوال، دون أن تدركه هنة أو يعتريه فتور أو اختلاف في درجات الأسلوب وطرائق التفكير؛ لأن الحكيم والفيلسوف والمصلح والمؤلف والأديب والشاعر، إنما يبدي كلٌّ منهم صفحة عقل، ويبين عن مقدار علمه وجهله، ويتأثر في كل حال بلبوسها، وهذا القرآن فضلًا عن أنه خلق البيان العربي، وأتى بأصول البلاغة والفصاحة، أحاط بجماهير المسائل في الكون والحياة بحيث يستغني الناظر فيه عن كل ما عداه، وألم بكل صغيرة وكبيرة في تاريخ الأمم ومواعظ الوجود وقوانين الطبيعة وتكوين الأخلاق والاجتماع، حتى العلوم القديمة والحديثة لم يغفل شيئًا منها، وحتى آداب الاجتماع وعلوم النفس ومسائل الجنس وقواعد الحرب والسلم وأسباب الحضارة والرقي ودواعي التدهور والانحطاط في الأفراد والجماعات، وأقام الدليل على ذلك بقوله: مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ، فأنى لهذا الرجل — الذي وصفوه بالجنون والفقر وقلة الجاه؛ لأنه لم يكن من عظماء القريتين، ولم يكن يملك بيتًا ذا زخرف! — هذا المحيط الفياض من روائع الفكر وعجائب القول وابتكار التعبير وقوة الأسلوب وحكمة النظم ودقة الوضع؟ فإن كان محمد عاقلًا صح عقله وتمييزه؛ فهو عاجز عن أن يأتي بمثله كعجزكم إن لم يزد عليه لما علمتموه من فقره ووحدته وأميته، وإن كان مجنونًا فالذي يفقد عقله لا يُحكم التأليف.

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ.

وإن كان ساحرًا، فإن لكل سحر أمدًا لا يطول بعده، بيد أن السحر إن صح وسيلة لبلوغ هذه المرتبة فما لكم لا تلجئون إليه وهو ليس بعيد المنال عليكم؟ وكما ناله تنالونه على كهانكم وسحرتكم من يهود أو نصارى أو عرافين، وإن كان شاعرًا فأين معلقاتكم وحولياتكم وقصائد فصحائكم من بعض هذا القرآن، لا كله؟!

وقد صبر محمد على هؤلاء الناس راجيًا استنارتهم، محسنًا الظن بعقولهم، ومعللًا نفسه بأن الأشياء تبين للناظر المتوسم والعاقل المتفكر بذواتها وبعجيب تركيب الله فيها وآثار صنعته في ظاهرها، وفيهم نشأ الشعراء الذين استنطقوا الرَّبْعَ وخاطبوا الطَّلَلَ ونطقوا عنهما بالجواب على سبيل الاستعارات في الخطاب، فلِمَ أصابهم العمى والصمم ورمتهم الأحقاد بالبكم؟ وهؤلاء التجار في مكة وأصحاب رحلة الشتاء ورحلة الصيف؛ ألم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم؟! أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور؟!

وقد وصل القرآن في ذم الغافلين من الجاهلية إلى درك أحط من درك الأنعام فقال في الأعراف: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ.

ولم يكن لله حجة على العباد إلا بالنبي، أما فيما بين العباد وبين الله فحجتان: ظاهرة وباطنة؛ فأما الظاهرة فالرسول، وأما الباطنة فالعقل، ولذا جعل القرآن للعقل ذلك المقام الأول في مخاطبة الخلق، ولم يكن جميع الفلاسفة قديمًا وحديثًا إلا تابعين لهذا في دراسة الإنسان، فمن سقراط إلى أرسطو، ومن أرسطو إلى ديكارت وسبينوزا وهيجيل ومالبرانش، ومن هؤلاء إلى شوبنهور وسبنسر وجيمس وبرجسون، كل هؤلاء جعلوا مركز دائرة بحوثهم عقل الإنسان، حتى فرويد أحدث المتكلمين وتلاميذه وأنداده وناقدوه الذين طموا الوادي على القرى؛ فقد جعلوا للإنسان عقلين: عقلًا واعيًا، وعقلًا باطنًا، وما تكريم الله لبني آدم إلا بالعقل الذي يفرق بين الخير والشر، والنفع والضر، ولذا لم يخاطب القرآن إلا من صح عقله واعتدل تمييزه، فتراه أبدًا يخاطب أولي الألباب وأولي الأبصار والتفكير: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا، لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ، إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ، وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ.

ولكن أين كانت عقول أعداء النبي من جاهلية قريش؟ ولِمَ صمتوا عندما تحداهم وقال لهم: ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ؟

وهو لم يقصر آياته وعلمه وبيانه على الشاهد دون الغائب، أو على الحاضر دون الغابر، بل أراد أن يعم بالنفع والهداية والنور جميع أصناف العباد وسائر آفاق الأمم، وأن يساوي فيها بين الماضين من خلقه؛ والآتين والأولين والآخرين، فمن هم أهل مكة بالقياس إلى العالمين! وما تكون تجارتهم وأرباحهم في ميزان متاجر وشعوب في الشرق والغرب! وما أحقر آلهتهم حيال آلهة الهند والفرس والمصريين واليونان والرومان والصين والأمريكتين! وما أصغر معابدهم إذا قورنت بمعابد تلك الأمم وهياكلها! وما نظمهم في الحكم بالقياس إلى حكومات الأمم التي جاء القرآن لهدايتها؟ وإن هذه المخلوقات لم يصيروا ناسًا إلا بعد أن دخلوا في الإسلام، واستضاءوا بنور القرآن، أما لماذا اختارهم الله؟ فإننا بحثناه في ناحية أخرى من هذا الكتاب.

١  بعض خطبه — عليه الصلاة والسلام — في «البيان والتبيين»، وفي «نقد النثر».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠