الحالة التي كانت عليها العرب في الدين أثناء الدعوة المحمدية

كان ما تسرب إلى بلاد العرب من اليهودية والنصرانية قبل الإسلام قد نضحت عليه الوثنية الضاربة هناك يومئذ أطنابها، ولم يكن المجوس والصابئة أهل توحيد خالص وإن أُلحقوا بأهل الكتاب.

أما النصارى فقد كانوا أقوياء في نجران، وكان قس بن ساعدة الإيادي بطريركهم، وكان مبشرًا كبيرًا لم تذهب عنه النزعة البدوية، فطاف يخطب في الأسواق الكبرى ومحافل الأدب على ناقته الحمراء، وقد سمعه النبي وأبو بكر في عكاظ قبل الإسلام وحفلا بخطبته، ولكن أبا بكر ذكر بعضها؛ لأنه درج على استظهار الأنساب وحفظ النوادر وتفسير الرؤى، وكانت النصرانية في اليمن ومن كبارها أبرهة الأشرم الذي حاول فتح مكة وهدم الكعبة قبل مولد الرسول بأربعين عامًا.

وكان اليهود في يثرب ولهم حَوْل وطَوْل، وكانت مكة لا تخلو من يهود ونصارى وبعضهم متستر منزوٍ؛ كورقة بن نوفل وأخته قتيلة بنت نوفل، وهم من أقارب خديجة بنت خويلد — رضي الله عنها.

أما الأديان الأخرى فكانت كثيرة؛ بعضها ملحق بأهل الكتاب كالمجوس والصابئة، وبعضها وثني محض كأهل مكة والمدينة والطائف، وهؤلاء كانوا يعبدون أصنامًا شتى، ورد ذكرها في القرآن الكريم، وبعضها في الكتب المدونة مثل كتاب الأصنام لابن الكلبي، وبعضها جلب من بلاد بعيدة كهبل، والبعض صنع في بلاد العرب نفسها، وكانت لكل أسرة أصنام تعبدها في بيتها كما كان لعائلات الإغريق في بيوتهم آلهة تعرف بإله البيت.

وثبت لنا وجود هذه الأوثان البيتية من أن هندًا يوم فتح مكة وإرغامها على الإسلام بعد زوجها أبي سفيان أنها كسرت صنمها بعد أن لطمته وسبته وأنكرت قدرته التي كانت تتوهمها، فألفته بعد الامتحان لا ينفعها ولا يدفع عنها أذًى، ولا يعوق جيش محمد الظافر المنتصر.

ولكن غير هؤلاء وأولئك كان الدهريون أو عباد الدهر والطبيعة والزمان، وهم جماعة سجلت الكتب أخبارهم.

وبقيت مدينة حرَّان في بلاد ما بين النهرين وثنية، فاجتمع فيها آلهة اليونان وآلهة الرومان إلى آلهة الساميين، فاجتمعت العزى بأفروديت في الدلالة على معبودة واحدة، كما جمع العرب في الكعبة وغيرها من الهياكل عدة عديدة من الأرباب، وسواء أكان هبل كبير الآلهة عندهم هو بنفسه زفس أو أبولو أو ياهو-بعل، ففيه ما يؤكد استراق الآلهة أو اقتراضها والإجماع على عبادتها في مكان واحد أو أماكنَ متعددةٍ.

فهؤلاء الوثنيون كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به الله ونصبوا بأيديهم حجارة وخشبًا وصورًا استحسنوها ونبزوا أسماء افتعلوها ودعوها آلهة عبدوها، فإذا استحسنوا غير ما عبدوا منها ألقوه ونصبوا بأيديهم غيره فعبدوه، هؤلاء هم العرب.

وسلكت طائفة من العجم سبيلهم في هذا وفي عبادة ما استحسنوا من حوت ودابة ونجم وغيره، فذكر الله لنبيه جوابًا من جواب بعض من عُبد غيره من هذا الصنف، فحكى جل ثناؤه عنهم قولهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ.

وحكى أنهم قالوا: لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا.

ومن أشهر أصنام العرب العزى (هي أفروديت) وهي وهي التي كانت تذكر مقرونة باللات (نيكولسون تاريخ الأدب العربي).

وقيل إن النبي وكل إلى المغيرة بن شعبة (أحد دهاة العرب) في العام التاسع الهجري بعد دخول المغيرة في الإسلام أن يتوجه إلى الطائف ويهدم وثن العزى فأنجز المغيرة مهمته، وخالف هذا القول الفريق طه الهاشمي في كتابه «خالد بن الوليد» فروى أنه بعد الفتح بأيام أمر النبي خالدًا أن يسير إلى «نخلة»؛ ليهدم العزى الصنم الأكبر الذي كانت تعظمه مضر فهدم خالد الوثن وبيته، ثم قال يشيع العزى إلى مقرها الأخير:

يا عز كفرانك لا سبحانك
إني رأيت الله قد أهانك

وهذه الرواية الأخيرة أرجح من الأولى وعليها معظم المؤرخين.

أما المغيرة فتاريخه أنه نشأ بالطائف وقتل أحد أهلها وفر إلى المدينة؛ خشية الثأر في العام الثامن للهجرة، فلم يجد من يحميه وينصره، فانتحل الإسلام فقبل النبي إسلامه ووجد فيه رجلًا يعوَّل عليه في مهام الأمور.

كان الدهري لا يرى في الأرض دينًا أو نحلة أو شريعة أو ملة، ولا يرى للحلال حرمة ولا يعرفه، ولا للحرام نهاية ولا يعرفه، ولا يتوقع العقاب على الإساءة، ولا يتوخى الثواب على الإحسان، وإنما الصواب عنده والحق في حكمه أنه والبهيمة سيان وأنه والسبع سيان، ليس القبيح عنده إلا ما خالف هواه وأن مدار الأمر على الإخفاق والدرك (النجاح والخيبة) وعلى اللذة والألم، وإنما الصواب فيما نال من المنفعة وإن قتل ألف إنسان صالح؛ لنالة الدرهم الرديء!

والدهري الذي يريد من أصحاب العبادات والرسل ما يريد من الدهري الصرف الذي لا يقر إلا بما أوجده العيان وما يجري مجرى العيان فقد ظلم، وكل ما له علاقة بالألوهية والنبوة مستنكر عنده، وقد تولى السيد الأفغاني الرد على الدهريين في الكتاب الوحيد الذي ألفه وطبعه؛ وذلك لقرب ما كانوا يعتقدونه وبين المذهب المادي الذي بدأ يتفشى في أوروبا في القرن التاسع عشر وأدركه السيد الأفغاني وحاول محاربته، وكان من أقوى أنصار المذهب المادي بنتام وستوارت ميل وهربرت سبنسر في إنجلترا، وكتب هؤلاء الثلاثة تؤيده، ولعل الشيخ خشي على الشرق انتشار هذا المذهب فحاول صد التيار بكتابه، ولو نظرنا إلى المذهب الدهري على حقيقته رأينا — للأسف — أن خوف الشيخ الأفغاني قد تحقق وسرت مبادئ هذا المذهب في الغرب والشرق سريان النار في الحطب.

فإن الكثرة الغالبة في أوروبا وأمريكا وفي كثير من بلاد الشرق الإسلامي وغيره دهريون في الحقيقة وإن كانوا من أهل الكتاب بالاسم والخيال، فهم ينكرون كل شيء لا يقره العيان والمشاهدة ويعبدون المال والمادة ولا يقرون إلا القوة، وقالوا بأن الحق يصحبها ويلازمها، والفرق بين الدهريين وبينهم أن الدهريين قدامى لم يعرض لهم دين ولا رسالة ولا كتاب ولم ينتحلوا دينًا ثم خلعوه، ولم ينافقوا فيقولوا: إنهم يهود أو نصارى أو مسلمون ثم نزعوا إلى دهريتهم، أما هؤلاء المحدثون صرعى المذهب المادي؛ فقد عرضت لهم نبوة ورسالة وكتب ودُعوا إلى دين من الأديان المنزلة، ولكنهم اعتبروا هذا كله مخالفًا للعقل فنفوه ورفضوه، وترقَّوا عليه إلى الرجعى، وهي الدهرية القديمة في ثياب جديدة سواء أكانت اليهودية أم النصرانية أم الإسلام.

وكان من أهل المذاهب المغايرة للإسلام أتباع مزدك أحد زعماء الأديان القديمة، وكانت تعاليمه اشتراكية، اتسع نطاق دعوتها وتغلغلت بين العامة في فارس حتى انتهى الأمر بأن اعتنقها الملك قباذ نفسه، وقد قتل أنوشروان كثيرين من أتباع مزدك، وكان يُنسب إليهم كثير من الدهاء والحذق، يعتمدون في انتشار دينهم على قوة العرش واستدراج الملك إلى عقيدتهم بأنواع من الشعوذة والخداع؛ ليصلوا إلى سيادة العامة من أقرب الطرق، ولهم كتب معروفة وأسانيد مدونة أخضعوا بها الشعب وقضوا على تردده، وهؤلاء بطبيعة الحال أعداء للإسلام؛ لأنه لا يركن إلى ملك أو سلطان، ولا يلجأ إلى الحيلة والشعوذة، ولا يجعل الشعب بين حاكم ومحكوم وسيد ومسود.

ومنهم أصحاب ماني الذين يدعون الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة ثم تخرجها إلى تحريم اللحم ومس الماء الطهور وترك قتل الهوام؛ تحرُّجًا وتحوُّبًا، ثم تخرجها من ذلك إلى عبادة اثنين: (النور والظلمة) ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الأطفال من طرق تنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور، وقد وصفهم وصفًا حسنًا الخليفة العباسي المهدي لابنه موسى الهادي.

وهذه الفرقة القديمة تعد من أتباع الأديان الأولى التي ظهرت في آسيا قبل بزوغ الأديان المنزلة، وما زالت تتفرع منها شيع باطنية وجمعيات سرِّية لها مبادئ وخصوصيات توجه العقل البشري توجيهات خطرة ولكنها منطوية على الحكمة الظاهرة، ثم إنها كانت تزعم أن العالم بما فيه من عشرة أجناس: خمسة منها خير ونور، وخمسة منها شر وظلمة، وكلها حاسة وحارة، وأن الإنسان مركب من جميعها على قدر ما تكون في كل إنسان من رجحان أجناس الخير على أجناس الشر، أو رجحان الشر على أجناس الخير، وأن الإنسان وإن كان ذا حواس خمسة فإن في كل حاسة فنونًا من ضده من الأجناس الخمسة، فنظرة الرحمة من النور ومن الخير، ونظرة الوعيد من الظلمة والشر، وكذلك جميع الحواس، وأن حاسة السمع جنس على حدة، وأن الذي في حاسة البصر من الخير والنور لا يعين الذي في حاسة السمع من الخير ولكنه لا يضاره ولا يمنعه، وأجناس الخير يخالف بعضها بعضًا وكذلك أجناس الشر، وأن التعاون والتأذي بين أجناس الخير يقع بين متفقها.

ومن الملحقين بأهل الكتابِ المجوسُ، وقد جاء على لسان أحدهم في كلام الجاحظ قوله: «لعل أيضًا صاحبكم (أي محمدًا ) إنما توعد أصحابه بالنار؛ لأن بلادهم ليست ببلاد ثلج ولا دهن، وإنما هي ناحية الحرور والوهج والسموم؛ لأن ذلك المكروه أزجر لهم.»

فرد الجاحظ عليه بحجتين قويتين:
  • (١)

    أن أكثر بلاد العرب موصوفة بشدة الحر في الصيف وشدة البرد في الشتاء؛ لأنها بلاد صخور وجبال، والصخر يقبل البرد والحر، والحالتان سواء عندهم في الشدة.

  • (٢)
    أن محمدًا لو كان قال: لم أبعث إلا إلى أهل مكة! لكان له متعلق من جهة هذه المعارضة، ولكنه مبعوث إلى الأحمر والأسود وإلى الناس كافة؛ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، ونذيرًا للبشر؛ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ.

وهذه العبادة المجوسية؛ وهي عبادة النار وتقديسها؛ دليل على أحقادهم على الإسلام ونبيه، وبعد أن كان العقل العربي لاصقًا بصورة المادة لا يحيط إلا بما تعاينه الحواس انسلخ بفضل البعثة المحمدية والقرآن من هذه المادة بعض الشيء وتعلق بالأمور المجردة فتغلغل في باطنه، ففكك أجزاء النفس وقُواها وحسها وتفكيرها وأخلاقها، وطمح إلى ما فوق البشر وإلى ما فوق العالم، فنظر في المبادئ والنتائج ونظر في العلل والقوانين، فلما دخلته هذه العناصر التي لا عهد له بها، قبلها ولم يعجز عن تمثيلها، وقد ساعد البيان العربي واللغة العربية على هذه الحياة الجديدة، ولكن معاول الهدم لم تقف حركتها في أيدي المشركين الذين استعانوا بأصحاب هذه الأديان في محاجة الرسول والكيد له، فنصره الله على أيدي قوم منهم؛ أمثال: سلمان الفارسي، وعدَّاس النينوي.

أما عن أهل الكتاب حقًّا الذين سبقوا الدعوة وعاصروها في بلاد العرب؛ وهم اليهود والنصارى؛ فقد قال الإمام الشافعي الحجازي فالعراقي فالمصري صاحب المذهب الفقهي المشهور: بعث الله محمدًا والناس صنفان: أحدهما: أهل كتاب بدلوا من أحكامه وكفروا بالله فافتعلوا كذبًا صاغوه بألسنتهم فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم، فذكر تبارك وتعالى لنبيه من كفرهم فقال: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (سورة آل عمران). وقال: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ (سورة البقرة).

وقال: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (سورة التوبة).

وقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (سورة النساء).

فهؤلاء دينهم يقوم على الوحي الذي لا يأتي بغير توحيد لكنهم انحرفوا عن سبيل الوحي فأصابهم شوب من الشرك، فجاء النبي يدعو الناس كافةً إلى الإيمان بالله وحده لا يميز في الدعوة بين مشركين وأهل كتاب.

ولعل دعوته لأهل الكتاب أحر وأقوى؛ لأنهم أحق باتباع الهدى فيتبعهم المشركون تقليدًا واقتناعًا بمن سبق لهم علم، فناداهم القرآن: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (سورة آل عمران).

وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (سورة البقرة).

ولكن على شدة لوم الدعوة لأهل الكتاب؛ لأن تبعتهم أكبر من تبعة الذين جهلوا أصلًا؛ وهم الوثنيون، فإنها لا تتفاوت حين توجه إلى الصابئة والمجوس؛ لأن الحق واحد لا يتغير بتغير الأنبياء، وإنما هذا لا يمنع أن يعتبر محمد أتباع الوحي القديم ممن لهم كتاب أو شبه كتاب أدنى إلى دعوته وإن حرَّفوا في دينهم، وأرجى أن يتوبوا إلى ما في أصول ملتهم من إخلاص العقيدة لله وحده.

ولم يرَ الله بأسًا في رفع أهل الكتاب درجة على المشركين؛ فكان يأذن الله للمسلمين بأكل ذبائح أهل الكتاب ومصاهرتهم في النساء وأخذ الجزية منهم إذا هُزموا في الحرب وتركهم في دينهم إصرارًا، وعليهم أن يحموهم مما يحمون منهم أنفسهم، أما المجوس والصابئة فيعاملون بالاجتهاد فإن قربوا من أهل الكتاب عوملوا به وإن دنوا من أهل الشرك كان نصيبهم كذلك إلى أهل الشرك أميل.

فالمشركون منحرفون عن فطرة الله، وأهل الكتاب أقرب إلى طريقه المستقيم يرجى تمام صلاحهم.

والإسلام نفسه في كلمتين قالهما الرسول لمن سأله: «قل آمنت ثم استقم.»

•••

إذن كان معظم العرب وثنيين ليس لهم حظ من الرقي والحضارة، وكانت قبائلهم وممالكهم الفطرية التي أسسوها منطوية على البغضاء والتنافس وتحكيم الأهواء والمطامع، وقد خضعوا لأنواع الذل وألوان المظالم سواء أكان مصدرها زعيم القبيلة أو ملك غشوم مجنون، وقد سجل لنا التاريخ والأدب صورًا من هذه الحياة المنكودة؛ فإن حياة امرئ القيس أكبر شعراء الجاهلية وقصائده لتحمل طابع الكراهية الموروثة التي تأصلت جذورها بين لخم وكندة، وقضى ملوك الحيرة وغسَّان، وهما من تلك الممالك الفطرية، أعوامًا طويلة في الإغارة بعضهم على أقاليم بعض، وما تلك الإغارات إلا غزوات القبائل مضاعفة ومكبرة.

وغلبت النصرانية على ملوك العرب وقبائلها؛ على لخم وغسان والحارث بن كعب بنجران وقضاعة وطي في قبائلَ كثيرةٍ، ثم ظهرت ربيعة فغلبت على تغلب وعبد القيس وأحياء بكر، ثم في آل ذي الجدين خاصة، إلا مُضَر فلم تغلب عليها يهودية ولا مجوسية، ولم تَفْشُ فيها النصرانية إلا من نزلوا الحيرة يُسمَّون العُبَّاد، كانوا نصارى وهم مغمورون، مع نبذ يسير في بعض القبائل، ولم تعرف مضر إلا دين العرب ثم الإسلام.

وجاء الإسلام وليست اليهودية بغالبة على قبيلة إلا ما كان من ناس من اليمانية ونبذ يسير من جميع أياد وربيعة، ومعظم اليهود إنما كان بيثرب وحمير وتيماء ووادي القرى وفي ولد هارون دون العرب.

كان اليهودُ جيرانَ المسلمين بيثربَ وغيرِها، وعداوة الجيران شبيهة بعداوة الأقارب في شدة التمكن وثبات الحقد، وإنما يعادي الإنسان من يعرف، ويبدو له عيوب من يخالط.

فلما صار المهاجرون لليهود جيرانًا وقد كانت الأنصار متقدمة الجوار مشاركة في الدار، حسدتهم اليهود على نعمة الدين، والاجتماع بعد الافتراق، والتواصل بعد التقاطع، فشبهوا على العوام واستمالوا الضعفاء ومالئوا الأعداء والحسدة ثم جاوزوا الطعن وإدخال الشبهة إلى المناجزة والمنابذة بالعداوة فجمعوا كيدهم وبذلوا أنفسهم وأموالهم في قتالهم وإخراجهم من ديارهم، وطال ذلك واستفاض فيهم وظهر وترادف لذلك الغيظ وتضاعف البغض وتمكن الحقد.

فكان هذا أول أسباب ما غلظ القلوب على اليهود، وكلما لانت القلوب لقوم غلظت على أعدائهم، وبقدر ما نقص من بغض النصارى زاد في بغض اليهود، أما النصارى فكانوا؛ لبعد ديارهم من مبعث النبي ومُهاجَره؛ لا يتكلفون طعنًا، ولا يثيرون كيدًا، ولا يجمعون على حرب.

وكانت العرب تهاجر إلى الحبشة وتأتي باب النجاشي وافدة فيحبوهم بالجزيل ويعرف لهم الأقدار، وكذلك كان حال قيصر، وقيصر والنجاشي نصرانيان، فكان ذلك أيضًا للنصارى دون اليهود، ثم كانت الهجرة إلى الحبشة واعتمادهم على تلك الجهة ما حببهم إلى عوام المسلمين.

هذا ما كان من مقدار نظر المسلمين إلى أهل الكتاب، فكان المسلمون على النصارى أعطف وإليهم أميل.

وكان من النصارى قسيسون ورهبان وعلماء وأطباء وملوك وشرفاء، ولم يكن اليهودي إلا مرابيًا أو تاجرًا أو قصابًا أو حجامًا.

وفي رسائل الجاحظ (ص١٧٠): بلغ من استصغار شأن اليهود أن الصبيان كانوا يصيحون بالفهد إذا رأوه: يهودي! وكانت العامة تزعم أن الفأرة يهودية سحارة، والأرضة يهودية أيضًا عندهم، والضب يهودي! حتى قال بعض القصاص لرجل أكل ضبًّا: اعلم أنك أكلت شيخًا من بني إسرائيل!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠