الإسلام ثورة كبرى

كانت العرب في جاهليتها على إرث من إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم، فلما جاء الله تعالى بالإسلام حالت أحوال ونسخت ديانات وأبطلت أمور ونقلت من اللغة ألفاظ عن مواضعَ إلى مواضعَ أُخرَ بزيادات زيدت وشرائعَ شُرعت وشرائطَ شُرطت فعفى الآخر الأول، ولأجل تقريب هذه الحقيقة إلى ذهن القارئ نضرب له مثلًا من الحركات العنيفة التي هزت أركان المجتمع الإنساني في مختلف البلاد والعصور؛ كظهور السيد المسيح، والثورة الفرنسية، والثورة الروسية، وما أعقبها من التغيير والتبديل في القرنين: التاسع عشر والعشرين، والحروب العظمى التي وقعت في العالم؛ فجاء تاريخ الإسلام ببرهان بليغ على صلاح المسلمين بأخلاقهم ولغتهم للحياة وعلى استعدادهم لقبول ما يندمج فيهم من صور الفن والعلم، واستعدادهم للدخول في كل طور من أطوار الحياة؛ لأن التطور من علامات القدرة على البقاء وقد فعلت الثقافة اليونانية فعلها في ميراث الأدب عندهم فألفوا في آفاقهم أول يقظتهم مستودعًا لآثار عقول اليونانيين، فأخذوا منه ما قدروا عليه، وسايروا الحضارة الحديثة على وهن واستخذاء؛ لأنهم فرطوا في الجوهر واللب واستناموا للترف والرفاهية والشهوات، فعصفت رياح القوة بالبقية الباقية من ثورتهم التي شهدها القرن السابع المسيحي وما تلاه.

رأينا في الثورة الفرنسية ظواهرَ كبرى؛ كنبوغ العظماء، وانقلاب الطبقات، وإبدال تقاليد بأخرى، وتغيير في موازينِ النظم المدنية والشرائع الوضعية، وتغيير الأشهر، وقد سبقها الإسلام إلى تلك جميعها بثورته على الجاهلية فمحوا الأسماء القديمة وتولد غيرها عفَّت على ما قبلها (المزهر، ج١، ص١٠٨) وأصبحت ألفاظ تدل على غير مدلولها السابق؛ من ذلك ما اعترى تقسيم الزمان في الأشهر والأيام، فأسماء الشهور في الجاهلية كانت:
  • المؤتمر فصار المحرم.

  • وناجر حل محله صفر.

  • وخُوَّان تحلى باسم ربيع الأول.

  • وبُصان أضحى ربيع الآخر.

  • والحنين أمسى جمادى الأولى.

  • ودُبَّى بات جمادى الأخرى … إلخ.

وجاء في كلام النبي ما نهى عن الطيرة وما إليها من الرذائل القائمة على الوهم وسوء الظن بالأشخاص والأشياء: ثلاث لا يسلم منهم أحد: الطيرة، والظن، والحسد، إذا تطيَّرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تُحَقق، وإذا حسدت فلا تَبْغِ.

وكانوا يفتخرون بالكنية، وهي كألقاب الشرف يقصدون بها التعظيم لصاحب الكنية عن التسمية باسمه (نوع من «لا مساس» للاسم)، وقد يجعلون للرجل كنيتين أو ثلاثًا على مقدار جلالته في النفوس، وانتقلت هذه العادة من الجاهلية إلى الإسلام؛ لأنها لا تضر في الدين وقد تنفع في الدنيا، فكان السلطان إذا شرف وزيرًا من وزرائه أو واليًا من ولاته كَنَّاه، وممن كان كُنِّي من أبطال الإسلام الإمام علي، فكان يكنى بأبي الحسن وأبي تراب، وحمزة عم النبي كان يكنى بأبي عمارة وأبي يعلى وهما ولداه.

ومما جاء في الإسلام ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق، وأن العرب إنما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق، ثم زادت الشريعةُ شرائطَ وأوصافًا بها سمي المؤمن بالإطلاق مؤمنًا، وكذلك الإسلام والمسلم إنما عرفت منه إسلام الشيء، ثم جاء في الشرع من أوصافه ما جاء، وكذلك كانت لا تعرف من الكفر إلا الغطاء والستر، ويزعم مستشرق مراوغ أن الإسلام أصله تسليم الرجل لأعدائه، فصار تسليم الإنسان نفسه لله ورسوله؛ وهو الأصح.

أما المنافق فاسم جاء به الإسلام لقوم أبطنوا غير ما أظهروه، وكان الأصل من نافقاء اليربوع، ولم يعرفوا في الفسق إلا قولهم فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وجاء الشرع بأن الفسق الإفحاش في الخروج عن طاعة الله — تعالى — ولأجل خروج الألفاظ عن معانيها وتناسخ المقاصد في الكلمات يُرجع إلى كتب اللغة وفنون الفقه اللفظي وفيها كثير يقنع.

وبلغ من تأثير القرآن في قلوب المسلمين في كل عصر مبلغًا أقنع الأغيار بعجزهم عن أن يردوا مسلمًا واحدًا عن دينه على مدى مئات الأعوام، واستنتج أحد ناقلي القرآن إلى اللغة الفرنسية١ أن الكلمة إذا وضعت مواضعها وأنزلت منازلها كانت سحرًا حلالًا ينزل على سامعيه نزول الماء الزلال على الكبد الحري، وليس تعلق المسلمين بدينهم راجعًا إلى خوفهم من عقوبة الردة؛ وهي القتل كما زعم مرغليوث في كلامه على أسرار دار الأرقم عندما أدركه العجز عن تعليل فشل المبشرين في أنحاء العالم.
١  بادولوسكي تعليقًا على ترجمة القرآن بالفرنسية بقلم ماردروس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠