دار الأرقم المخزومي موئل الإسلام بعد حراء وبيت الرسول

هذه الدار تعرف أيضًا باسم دار الخيزران، وهي في زقاق على يسار الصاعد إلى الصفا، وهو الجبل الذي ينتهي إليه أول شوط من أشواط المسعى، وتعرف عند المؤرخين بأنها الدار التي كان يختبئ فيها رسول الله في صدر بعثته هو ومن آمن معه، وكانوا يصلون بها سرًّا حتى أسلم عمر — رضي الله عنه — فقويت عصبيتهم وجهروا بالإسلام والصلاة.

وباب هذه الدار يفتح إلى الشرق ويدخل منه إلى فسحة سماوية طولها نحو ثمانية أمتار في عرض أربعة، وعلى يسارها ليوان مسقوف على عرض نحو من ثلاثة أمتار، وفي وسط الحائط التي على يمينها باب يدخل منه إلى غرفة طولها ثمانية أمتار في عرض نحو نصف ذلك، كانت مفروشة بالحصر، وفي زاويتها الشرقية الجنوبية حجران من الصوان موضوعان أحدهما فوق الآخر، مكتوب في أعلاهما بالحرف البارز: «بسم الله الرحمن الرحيم، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، هذا مُختبأ رسول الله ودار الخيزران، وفيها مبتدأ الإسلام، أمر بتجديده الفقير إلى مولاه أمين الملك مصلح ابتغاء ثواب الله ورسوله ولا يضيع أجر المحسنين.»

ومكتوب في الثاني بعد البسملة: «هذا مُختبأ رسول الله المعروف بدار الخيزران أمر بعمله وإنشائه العبد الفقير جمال الدين شرف الإسلام أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني وزير الشام والموصل في سنة ٥٥٥.»

فهذه أدلة تاريخية غير التواتر تثبت حقيقة هذا البناء الذي كان له شأن جليل في تأليف الجماعة المحمدية الأولى سرًّا في قلب مكة المكرمة.

وكانت مدة ما أخفى المسلمون أمرهم ثلاث سنين.

وسبب هذا الاختفاء واللجوء إلى دار الأرقم أن سعد بن أبي وقاص وبعض أصحاب الرسول كانوا يصلون مستخفين في شعب من شعاب مكة ففجأهم جماعة من المشركين فناكروهم وعابوا عليهم وسخروا منهم ما يصنعون، حتى تقاتلوا فضرب سعد رجلًا منه بِلَحْيِ بعير فشج رأسه، فاضطروا بعد ذلك للاختفاء في تلك الدار؛ ليصلوا فيها بأمان، ولتكون مقرًّا لاجتماعهم، ومحفلًا لمشورتهم وحديثهم وتدبيرهم، ومكمنًا موقوتًا إلى أن يشتد ساعدهم ويكثر عديدهم ويجمعوا كلمتهم ويلموا شعثهم فيظهر الأمر وتُعلن الدعوة.

وكان أول من دخل الدار أبو بكر، وكان صديقًا لرسول الله قبل الدعوة يكثر غشيان مجلسه في بيته ومتجره ويحادثه، وكان الصديق صاحبًا لأصحاب الرسول وأقاربه وأصهاره، ومنهم الحكيم بن حزام ابن أخي خديجة، فجاءت فتاة من بيت خديجة وقالت لحكيم: إن عمتك خديجة تقول: إن زوجها نبي مرسل مثل موسى وكان أبو بكر سمع همسًا بهذا المعنى من ورقة بن نوفل، فلم يصبر على جواب حكيم وانسلَّ حتى أتى رسول الله فسأله عن خبره فقص عليه قصته المتضمنة مجيء الوحي بالرسالة فقال: صدقت بأبي أنت وأمي، وأهلُ الصدق أنت وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ وسمعت خديجة هذا الحديث وهي مؤمنة بالله ورسالته إلى زوجها، وهي جِدُّ عليمة بأبي بكر ومكانته وثرائه وخلقه وفصاحته وذراية لسانه وعلمه وأدبه، فخرجت وعليها خمار أحمر وقالت لأبي بكر: الحمد لله الذي هداك يا ابن أبي قحافة. واسمه بالكامل في الجاهلية عبد الكعبة عتيق أبو بكر بن أبي قحافة، وقد فرحت خديجة به فرحًا عظيمًا، ولا عجب إذا فرحت خديجة بإسلام أبي بكر؛ فقد كان لها الفضل الأكبر والفخر الخالد على وجه الدهر بموقفها من زوجها عندما جاءته الرسالة ووجهت إليه الدعوة وأتته البعثة بعد خمس عشرة سنة من زواجه بخديجة.

فقد أصبح محمد بعد زواجه منها هادئ السرب ناعم البال، وأصبح له منزل وأهل يسكن إليهم، فانصرف إلى ما كانت تصبو نفسه من الخلوة وإطالة الفكر دون أن يعلم ما هو قادم عليه؛ لأن الله وإن كان يعده لرسالته، إلا أنه لم يجعل له نصيبًا من التدبير أو التفكير فيها، ولكنها رسالة تحتاج إلى الفصاحة والإبانة والجلد والصبر وحضور البديهة والحذر والحلم وسعة الصدر ومكارم الأخلاق وعدم المبالاة بالناس، دون الجفوة أو خشونة الطبع، أو فظاظة وغلظة، وعدم الاكتراث بشيء ما عدا الله — سبحانه وتعالى، فهذه بعض المناقب التي تحتاج إليها النبوة، ولا سبيل لنبي مفلح بدونها، ولا بد أن الله يعده ويسلحه بها؛ ليقوى على مواجهة الأحداث والمعارك المقبلة، معارك القلب والعقل والأجسام، تلك المعارك التي تبذل فيها المهج، وتهان الكرامات، وتراق الدماء، وتنهك الحرمات، وهذه أشياء سوف تتكشف عنها الأيام، ولكن لا علم لمحمد بشيء منها، فهو يخلو بنفسه مُسيَّرًا، ويعتزل الناس والأهل مُسيَّرًا، ويصعد إلى الغار مُسيَّرًا، ولا يحسب حسابًا لنفسه، ولا يترسم خطة موضوعة، ولا يقتفي سبيلًا متبعًا، ولا يتخذ وسيلة، ولكن نفسه كانت تصبو إلى الخلوة وإطالة الفكر، فكانت خديجة تعينه على ذلك دون أن ترى في مسلكه بأسًا، ودون أن تسأله سببًا أو تحاسبه أو تشاركه أو تنازعه، فهذه خمس عشرة سنة قضتها في السعادة في ظله وكنفه ورعايته، وسوف يمد الله في أجلها عشرًا ولم ترَ منه إلا الخير والوفاء والصدق والقناعة والشرف والاستقامة والكرامة في قومه، فماذا هناك لو أنها أسعدته بترك حبله على غاربه في خلوته وتحنثه وتأمله، وهو ذلك النبيل في العشيرة، والكبير في أم القرى، والأمين في الشهرة على ألسنة قومه، والمقدم في المسجد والمرشح لدار الندوة إذا بلغ الأربعين، وهي السن المحددة لانتخاب أعضائها، وقد سبقه إليها أبو جهل في الثلاثين؛ استثناءً من القاعدة؛ لفرط ذكائه، ولكن محمدًا الذي كان أذكى منه وأقوى بِنْيَةً لم يتقدم ولم يزاحم، وقد زحم أبا جهل يومًا على جفان عبد الله بن جدعان فصرعه فسقط أبو جهل على ركبته فصكها وجرحت، وما زال بها أثر طوال حياته من يوم وقعته تحت القصاع إلى يوم مصرعه في ميدان بدر.

كانت خديجة تعلم هذا كله وهي بعد لا تغار عليه، لا لوهن في حبها أو ضعف في شغفها، ولكن لأمنها وثقتها به؛ فما محمد زير نساء، ولا أليف سمر، ولا خليف مجال، ولا حليف سهر، قد يحب الموسيقى ويطرب للصوت الجميل ويرى الحسن فيعجب به في النبات والحيوان والجماد، وقد يسرُّه النظر إلى القمر والكواكب والأزهار والماء، ولكنه لا يتعدى النظر والتأمل والاستغراق في معاني الجمال.

لقد كانت مكة أسوأ مكان يعاش فيه في أواخر القرن السادس المسيحي، ومثلها — مع الفوارق — في الحضارة والغنى والسعة باريس وفينا في عام ١٨٩٠، فهذه المدينة الوثنية قد جمعت كل الشرور ووفد عليها العصاة من كل فج بمالهم وسوابقهم ومخزياتهم؛ ليتاجروا ويحجوا ويطوفوا بالكعبة؛ ليتوبوا ويتطهروا وينفقوا المال عن سعة، ولا بد لهم قبل أن يتوبوا من أن يدعوا سوالف عهودهم في الفساد والشهوات كما يواري الشبان سوءة عزوبتهم قبل الزفاف، وإنهم لملاقون من وسطاء السوء ورفقاء الهوى في دور مكة ومغانيها من يهيئون لهم ذلك لقاء المال.

ولكن خديجة تعرف أصدقاء محمد وعشراء محمد وأقاربه وأصهاره، فليس بينهم خليع ولا رقيع ولا عربيد ولا غاوٍ ولا شاعر مفتون ولا مدمن خمر ولا صريع ميسر فلتتركه وشأنه يذهب أنى شاء في أي وقت شاء، وربما قلقت عليه أو اعتراها خوف على حياته إذا أحست أنه يخرج في ظلام الليل، ولكنها كانت تحس بشعورها الباطن أنه في أمان وحراسة وحرز مكين، دع عنك ما تعلمه من شجاعته وثبات قلبه، ثم إنه لا عدو له ولا ثأر عنده لأحد، فلا يخشى الخنجر اللامع في سواد الليل، ولا يخاف الخصم المتربص ولا وثبة المغتال المأجور، ولا انتقام امرأة مهجورة، ولا عشيقة فاجرة.

ولكن يؤتى الحذِر من مأمنه.

لم يكن خطر من هذه الأخطار يتهددها.

وإن أمرًا آخر غير كل ما يخطر بالبال قد وقع له ولها.

فقد جاء الوحي محمدًا على غرة وعلى غير استعداد؛ لأن الله لا ينتظر ولا ينبه عبده المختار، إنما يأخذه على غير تيقظ، كما فعل بموسى في طور سينا فأسمعه صوته فجأة، لذلك أصاب محمدًا ما أصابه من الذهول والحيرة، ورجع إلى منزله رعبًا حائرًا وقال لها: لقد خشيت أن يكون بي جنن.

هذه ناحية لم تكن خديجة تتوقع منها شرًّا، وهذا خوف شديد من نوع جديد، ولعله أشد المخاوف خطرًا.

ولكنها امرأة قوية العقل والخلق ثابتة القلب، لديها علاج لكل داء وجواب على كل سؤال وحل لكل معضلة.

فلم تضعف ولم تضطرب ولم يصفر لونها أو تصطك أسنانها وهي ترى الرعب في وجه زوجها الحبيب، فتقول له: «والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتُكسب المعدوم، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق.»

وإن المسلمين مهما صنعوا لخديجة فمقصرون؛ فهي صِدِّيقة وصحابية كريمة، بل أم الصحابة والمؤمنين جميعًا، وأين منها نساء أخريات بلغن المجد بأمومتهن لأنبياء أو معونتهن للرسل؟ بل إن الإنسانية بأسرها مدينة لها بما قدمت من تيسير أمور هذا الدين في طفولته وما والته به من العناية والخدمة والمعاناة في سبيله، فكانت أول مؤمنة به، وكانت أول من حُصِر في شعب أبي طالب، وأول من بذل ماله في الدعوة، وأول من ضحى براحته وسعادته لإعلاء كلمة الله.

فكيف لا تفرح بابن أبي قحافة عندما جاء مؤمنًا في بيتها وهو أحد الصدور العظام في مكة، على سعة من المال والمكارم وعلم الأنساب وأدب السلوك والعشرة وحلاوة المنطق وجمال الوجه وكمال العقل ونفوذ الكلمة ورجاحة الرأي وكان الخليفة لعبد الله بن جدعان في إنفاق المال؛ فكانت له بمكة ضيافات لا يفعلها أحد؟!

ولم يكن أبو بكر في ذلك اليوم بالغِرِّ أو طيش الشباب استهواه محمد فقد كان يقِلُّ عن الرسول بسنتين اثنتين، وقد آمن به بسماع ما قالته الفتاة مولاة خديجة لحكيم؛ لفرط ثقته بالرسول؛ لسابق صحبته، فرأى أن الأمر ليس كثيرًا عليه، وأنه لا يكون أبدًا إلا صادقًا، فآمن بالغيب بغير دعوة على رواية مؤرخي العرب، ولو لم يكن الأمر كذلك فلعله لم يحتج لكثير كلام؛ فقد أخذ دعوة الرسول قضية مسلمًا بها سلفًا كأنه كان ينتظرها؛ لبعد نظره وفرط ذكائه وحبه الرسول وتحققه بطولته وصلاحيته للقيام بهذا الأمر الجليل، ولا يقال إنه آمن حبًّا بمحمد وحده، أو إعجابًا بجلاله، فالرجل في مكانة أبي بكر وشرفه وماله ونسبه وشهرته وإقبال الدنيا عليه لا يفرط في دين آبائه كرامةً لصديق، أو رضاء الحبيب.

ولا يقال إنها عبادة الأبطال وتمجيد العظماء خلة من خلال أبي بكر وخليقة من خلائقه، فلم يكن لمحمد عظمة معروفة ولا كلمة مسموعة بين الخاص والعام حتى ينقاد إليه طوعًا رجال كأبي بكر.

ولم يكن إيمان أبي بكر طمعًا في مال أو جاه؛ فقد كان ذا مال كثير وتجارة واسعة وكان رب أسرة كبيرة، فأبو قحافة والده «بصير» في حاجة إلى من يتولى أموره ولا يجد خيرًا من ولده، وقد حذق أبو بكر فنون الأعمال والكسب وله زوج وولد، وله من مجلس الفضلاء — وإن قلُّوا في مكة — ما يكفيه، ومسرات الحديث والسمر في قصور مكة ما يلهيه؛ فقد كان متبوعًا من كرائم السيدات المُخَدَّرَاتِ، يملن إلى سماع حديثه والتفكه بنوادره وذكر محاسن السالفين والمعاصرين في أخباره.

وقد مضت على صداقة محمد وأبي بكر سنة بطولها قبل أن يُبعث رسولًا.

وقد قام أبو بكر للإسلام ورسوله بما لم يقم به أحد غير خديجة وعمر، ولم يكن الإسلام في حاجة إلى أبي بكر بذاته؛ فهو مؤمن مأمون العاقبة، بقدر ما كان محتاجًا إليه؛ ليدعو الآخرين إليه؛ فقد كان البشير بعد الرسول في الدرجة، ولعمري إنه لأحبُّ وأخف على النفس أن يدعو الناس مؤمن إلى الإيمان، ولا سيما في مكانة أبي بكر، من أن يدعوهم صاحب الرسالة نفسه، فإن للشخصية النبوية كرامة وللرسول حياء يعوقه أحيانًا عن الاندفاع في القول، ما لم يكن مرغمًا أو محرجًا أو آمنًا جانب المستمع، فيملك أبو بكر أن يُزكِّي الرسول في غيبته ولا يمكن الرسول أن يثني على نفسه أو يتصف بالصدق على لسان نفسه أو يدافع عن نفسه، وقد لا يحب أن يدعو إلى دينه بسيف الحياء فيمنع أحدًا من أن يبدي نقدًا أو اعتراضًا ولكن الناقد والمعترض يملك أن يفضي بما يشاء لأبي بكر نفسه، أما جلوس محمد للعامة والخاصة وقبول كل ما يقال وإجابة كل سؤال فلما يأتِ أوانها، وعندما يئون أوانُها سوف يكون الرسول قد أمر بالدعوة والإنذار والتبشير والجهاد فلا يبالي، وقد صار رجل الوقت وبطل العصر، ومن دواعي هذه الحال أن لا يعرض سواه لخطر الاصطدام بالغير بل يبرز هو لنفسه لحومة الوغى في الحرب والسلم.

ولم يكن يعلم أكثر مما يعلم محمد من شأن الدعوة؛ فقد كانت مفاجئة يسير فيها الرسول بأمر الله من ساعة إلى ساعة ومن يوم إلى يوم، لا يسأل في عشيته عن رزق غداته من تعليم ربه أو آيات وحيه، وربما كان أبو بكر هارون هذه الأمة، وإن لم يكن أفصح من رسول الله ولكنه كان يشد أزره ويعينه على أمور الدنيا، ويبذل له مهجته وماله ولا يسأله شيئًا ولا يتعدى حدود التابع نحو المتبوع ولا يشاركه في أمر غير المشورة الحسنة في ظاهر الأمر دون أن يعلم من باطنه شيئًا.

ولكن محبة أبي بكر وثقته وتصديقه وإخلاصه لم تكن لتستمر لو لم يثق بقلبه وعقله بصدق الرسالة، ولو أنه رأى عين إبرة من حيلة أو رياء أو صناعة أو مأرب ذاتي لنأى وتنحى، فلم يكن أبو بكر ممن تنطلي عليهم الحيل أو يتآمر على باطل أو يبذل ما بذل ليجرَّ مغنمًا لذاته وهو في غِنًى، ولم تكن صداقة محمد عامًا وبعضَ عامٍ لتغنيه عن أربعين عامًا قضاها في دين آبائه وعشرة أهله وأصدقائه متقلبًا في مناعم الترف والمال الكثير، والأمر بعدُ مبهم خافٍ، وإن كانت خديجة وعلي وزيد بن حارثة مسيرين في إسلامهم؛ لارتباطهم بمصلحة المعاشرة والخضوع لرب الأسرة والثقة التي يبعثها طول العشرة وحسن الظن والميل لموافقة السيد الآمر في منزله، والأولى زوجة مخلصة، والثاني ربيب في العاشرة من عمره، والثالث مولى مملوك، لو افترضنا هذا الافتراض الخيالي في حقهم لمصلحة الجدل، ولعلهم اطلعوا من أحوال النبي على أمور خاصة أقنعتهم ولم يطلع عليها أحد غيرهم، فأي مصلحة لأبي بكر أن يجاري محمدًا على باطل أو حيلة أو مزامرة على دين الآباء وسؤدد الأبناء وسعادة القرية الراهنة واطمئنانها في اجتماعها واقتصادها وسياستها وليس له سابقة في ثورة إصلاح ولا في دمه عنصر كفاح، ولعله لم يحضر حربًا ولا قتالًا ولم يحمل سلاحًا؛ فقد كان إلى حمل المال ومفاتيح المخازن وصكوك التجارة أقرب؟

وإذن تكون كل مظنة سوء في إسلام أبي بكر باطلة وإن لم يقل بها قط أحد، ولكن قلناها لنقفل كل باب ولنسد كل ثغرة ولنقضي على كل فتنة عقلية أو تاريخية تطل بقرنها من كتاب مستشرق أو مقال مستهتر أو حديث مبشر، فإن هؤلاء لا يخجلون ولا يتورعون أن يخترعوا ويبتدعوا التهم والظنون والشكوك.

ولا يقتصر حديث أبي بكر مع خديجة يوم إسلامه على مجرد الإخبار به، فإن لقيته خديجة بخمارٍ أحمرَ فقد دعته إلى قاعة الجلوس التي سبق له أن جلس فيها إلى الرسول وزوجه وغيرها من الأقارب والجيران، ولا بد أنه رأى حبيبه وصديقه وسمع منه حديث الوحي للمرة الأولى وسمع سورتي «المدثر» و«المزمل» كما سمع: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، فكان لذلك كله دهشة وروعة وإعجاب وفرحة، وقد أحس أبو بكر بخطورة الحوادث التي بدأت وصمم في نفسه على الوفاء لله ورسوله إلى النهاية القصوى، ولعله لم يحتسب لمستقبل الأيام حسابًا، ولم يرَ في لوح المستقبل شيئًا مما ينتظر أمثال نبيه الجديد، فلم يُعلم عنه أنه قرأ أخبار موسى وعيسى، ولعله سمع بشيء من أخبار إبراهيم وإسماعيل ونوح وهود وصالح وهؤلاء أنبياء لم يفلحوا الفلاحَ كله ولم يجاهدوا أممهم إلا قليلًا ولم يهرق في سبيل دعوتهم إلا دم ناقة، وكان البلاء الهابط من السماء من نصيب الأمم التي بعثوا إليها فقاومتهم، حتى سدوم وعمورة اللتين بعث إليهما لوط ابن أخي الخليل قد صعقتا وتهدمتا ولم ينجُ منهما إلا نبيهما وأهله.

ولم يَجُلْ بخاطر أبي بكر وهو جالس في دار خديجة في تلك الليلة الهانئة الهادئة أن وراء البعثة ما وراءها من التبعات، وأن جبالًا من الهم والأذى والاضطهاد والفاقة والجهاد تنتظره وصاحبه وسائر المسلمين الذين يؤمنون بهذه الرسالة.

نقول: ولو أن الله أطلع أبا بكر على كل هذا وهو المترف الناعم الميسور ذو الرخاء والسخاء ورفع له طرفًا من حجاب الغيب؛ ليطل على المستقبل فيرى جهاد الرسول اثنتين وعشرين سنة متصلة لما خشيه وما تردد ولا ضَعُف عن السير في الطريق لنهايتها — رضي الله عنه وأرضاه — فقد كان بجانب لين عريكته وظرفه وحلاوة لسانه قوي الإرادة شديد العزم إذا صحت نيته على أمر فلا يتردد ولا يتقهقر، وإن شبهناه بهارون أخي موسى فإنه لم يهن للمسلمين كما وهن هارون لليهود، وقد ظهرت فضيلة الاستمساك وصدق العزيمة طوال حياته، وناهيك بموقفه من أهل الردة وعزمه على محاربتهم بمفرده وتأثيره القوي في عمر بن الخطاب حتى أقنعه، وكذلك موقفه يوم وفاة النبي وسقيفة بني ساعدة؛ فقد أنقذ المسلمين من الارتباك والشقاق، وقبض على زمام الأمر بيد من حديد.

ولا يمكن تقدير مثل هذه الأخلاق البكرية حقَّ قدرِها، ويعجز المؤرخ عن إيفاء أبي بكر حقَّه من الثناء، جزاه الله عن الحق والخير خير الجزاء، ويمكن القول أن الله أعده لمساندة الرسول ومعاضدته بعد خديجة — رضي الله عنها — وقد جاءت معونته في وقتها المحدد؛ فإن خديجة العظيمة عملت ما استطاعت في بيتها وفي مصاحبة الرسول إلى الغار وفي استشارة ورقة بن نوفل وعدَّاس، وآمنت أول من آمن وقدمت ولديها من أبي هالة لخدمة الرسول، دع عنك مالها وصحتها وعقلها وقلبها، ولكنها لم تكن تستطيع أن تدعو إلى الإسلام جهارًا؛ لأنها لا تغشى مجالس الرجال، فبذلت جهودها إلى النسوة الشريفات من ذوات قرباها وجاراتها وصواحبها اللواتي كن يزرنها ويتحدثن إليها في قاعة جلوسها واللواتي كانت تزورهن في بيوتهن.

فجاء أبو بكر مدركًا حقيقة واجبه؛ فليس الإسلام وقفًا على الرسول وأهل بيته وعلى أبي بكر، لقد اعتقد أنه حقيقة كبرى جاءت للعالم وللإنسانية، تبدأ في مكة وقريش وتمتد إلى الأمم، فلا بد من الدعوة إليه، نعم؛ أمر النبي بدعوة عشيرته الأقربين فأولم لهم وخطبهم وأنذرهم، ولكن أبا لهب قاوم هذه الدعوة بما قدر عليه من الشر والخبث والضغينة والحسد، فوجب أن يتولى الدعوة لأقيال قريش وسادتها رجل غريب عن النبي ليس من دمه وذوي قرابته يضيف إلى دعوة الله ورسوله دعوة رجل كان إلى الأمس القريب بعيدًا عن هذه العقيدة؛ يقويها انضمامه إليها وشدة إيمانه بها وتصديق الداعي إليها، وفي مناصرة أبي بكر إيناس للنبي وتشجيع ودفع إلى الأمام، وقد رأى الرسول وأبو بكر أن الجهر في أول الأمر قد لا يجدي بقدر ما يجدي الكتمان، لا يجدي الجهر في الفترة الأولى ما دام هناك أعداء متربصون وكثرة غالبة من الخصوم، كذلك لا تجدي العجلة وقد جاء في القرآن آيات كثيرة تصف الإنسان بحب العجلة وتذمها، وأخرى بينات توصي بالصبر وتمتدحه، وعلامَ العجلة وقد آذن الله بالبعثة بعد أربعين سنة من حياة النبي؟! وعلامَ العجلة وقد فتر الوحي ثلاث سنين كاملة؟! ولو أراد الله لبعث نبيه في العشرين أو الثلاثين من عمره كما بعث عيسى ويوسف ويحيى بن زكريا، وما دامت الدعوة لدين الله فما كان يدخره لها سنة ٦١٠ للمسيح عند بلوغ النبي أربعين عامًا كان يقدمه قبل ذلك لو شاء، وهذه المسألة قد أدركها الرسول ولم يقصر أبو بكر على فهمها؛ فالعبرة في الثمرة والغايات على قدر النتائج، ولذا فرح النبي وأبو بكر، وكان من طبيعة الأشياء أن الطبقة الميسورة تفكر في الإسلام تفكيرًا جديًّا بعد انضمام أبي بكر من الساعة الأولى، وقد تلاه عثمان بن عفان وهو لا يقل عنه مكانةً، ولا ثراءً؛ فوق أنه كان من فتيان قريش المعدودين جمالًا وغنًى، كذلك نساء قريش وقد اتخذت من قبل خديجة قدوة في محاسن الأخلاق وحزم التدبير وحسن التصرف، وإن تكن النبوة قد صدرت عن دارها، إلا أن هذا لا يضيرها ولا يدل على أنها آمنت كرهًا أو مجاملة، وقد كان في إيمان بلال الحبشي وسيلة لدعوة الضعفاء والغرباء والأرِقَّاء حتى ولو كانوا من أهل دين منزل وسببًا لإقبال هذه الطبقات النازلة من أهل مكة، كما كان الحال في أورشليم ورومة ومصر قبل ذلك بألوف السنين، وأي الناس أحوج إلى دين يؤدي إلى المساواة وتفريج الكروب والإحسان وشعور الإخاء وإزالة الفوارق وتحرير الإنسان والقضاء على مظالم السيادة والتحكم وكسر قيود الذل والفقر من هذه الطبقة التي هي الكثرة في كل زمان ومكان وا أسفاه! فَوَصَفَهَا سادةُ قريشٍ المتنطعون المنفوخون بالكبرياء والطغيان أنها طبقة السفهاء؟!

قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ (سورة البقرة آية ١٣).

والسفه في الواقع ليس مسبة وإن يكن اللفظ تطور بالاصطلاح، وأصل معناه ضد الحلم والخفة والحركة، وعلى هذا يطلق في الفقه على من يستحق الحجر عليه؛ لتبديد ماله، وسوء تصرفه، فوجب الحجر عليه بمن يكف يده ويقوم على تدبيره، فتطور وصار مدلوله في العصر الحديث من ينطق بالقول الجافي ويبالغ في ذلك، والعامة في مصر كانت تطلقه على من يقيم الدعوى العامة فتقول: «سفيه النيابة» وهو ينطوي على بغض المتهم ومشايعيه لمن يتسبب في الحكم عليه، ويظهر أن هذا كان بعض مدلوله في الجاهلية؛ لأن أصل اللفظ لا ينصب على السفلة أو الفقراء Racaille كما في فرنسا، بل ينصب على غني يسيء التدبير أو طائش خفيف فقالوا: سفيه لا يجد مسافهًا، أي من يرد عليه بطيشه وخفته، وعلى كل حال فإن القرآن قد جارى المشركين في هذا المعنى بدليل أنه رد اللفظ عليهم وأضاف أنهم سفهاء ولا يعلمون سفههم؛ وهو أحق مَن يُسفه ويُعلم.

ولا عجب؛ فإن الطبقة الكثيرة تشايع دائمًا الحركات الجديدة لرفع ظلم أو لجلب منفعة، وهذا مشاهد في شئون السياسة، وهذا لا يمنع أن تكون الحركة الجديدة على خير وحق، والطبقة القليلة — وفيها الحفاظ على القديم — تنفر من الجديد؛ خشية على مصالحها، وتكبرًا وأنفةً حتى ولو اعتقدوا الحق في الجديد، ولكنهم لا يودون مخالطة المشايعين وهم أقل منهم في نظرهم، ويقينًا لم يكن أبو بكر وعثمان بن عفان من السفهاء، ولكن الأرِقَّاء والغرباء اللاجئين والمكروبين والمستضعفين كانوا في نظر أئمة الشرك والطغيان من السفهاء، وكثيرًا ما يكون هؤلاء المستضعفون أنفعَ وأخلصَ وأثبتَ من غيرهم، فما كان للرسول أن يصدهم أو يتهاون في أمرهم؛ جلبًا لرضا السادة المتنطعين، فجاء في القرآن: عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ ….

وهذا أشد عتاب للرسول ورد في القرآن.

وهذه السورة من أوليات الوحي عندما كان النبي ما يزال متصلًا بكبار مكة، وقد جلس يجادلهم وهو يظن أنهم يقتنعون، فإذا اقتنعوا وآمنوا تبعهم أهل طبقتهم فيكفيه الله الجدال والنضال، وبينا هم كذلك إذ دخل عبد الله بن شريح بن أم مكتوم الضرير وطلب التعريف بالوحي فظن النبي أن الرد عليه يقطع مفاوضة العظماء أو يصرفهم فأعرض عنه، وفي هذه السورة دليل قاطع على أن القرآن من الله؛ لأنه لو كان من عند البشر، لما حسن أن يؤنب الإنسان نفسه على فعل أتاه! ولا مكان لافتراض الندم والتوبة عند الرسول؛ لأنه في الواقع لم يسئ إلى ابن أم مكتوم؛ لأنه ضرير لا يرى العبوس ولا الإعراض، ولكنه لم يسمع جوابًا على سؤاله، والنبي ما يزال يتحدث إلى كبار قريش، فلو انتظر الرجل ولم يقاطع لأجابه بإسهاب كعادته، وإذن لم تسبق إساءة حتى يعقبها ندم وتوبة، ولو افترضنا الندم والتوبة وكان مصدر القرآن بشريًّا لا يعقل أن يخلد التأنيب على مثل هذا الأمر على وجه الدهر ما دام القرآن قائمًا يحفظه ويتوله ويكرره ويعيده ملايين البشر في الترتيل والصلاة والعبادة، وإن هذه السورة بقيت ولم تمسسها يد، وهذا دليل على تكذيب من زعموا أن القرآن طرأ عليه تعديل وتبديل، وكانت هذه السورة مما ينطبق عليه ضرورة النسخ أو المحو لو كان الأمر موكولًا لإرادة البشر المغرضين! بل تراها بجانب سواها مما فيها مدح للنبي أو عتاب خفيف؛ كقوله سبحانه: عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ.

انظر أيها القارئ إلى عظمة الله التي لاحقت الرسول بالعتاب والمحاسبة الشديدة، وإلى عظمة الرسول الذي لم يغضب؛ بل أصدر الآيات العشر ونشرها في وقتها وفيها ما فيها، وهذا يدل على عدله وخشية الله، ولم يكن إعراض النبي عن ابن أم مكتوم لفقره ولا عاهته؛ أما الفقر فكان الرسول محبًّا للفقراء من صغره، وقد شهدت له خديجة يوم الوحي بحديثها: «والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتُكسب المعدوم، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق.» وتوجيه الحديث بالفعل المضارع بصيغة الحاضر دليل على أن هذه هي أخلاقه، أما العاهة فليس محمد ممن يحقرون أحدًا أو يستصغرون شأنه لعلة ظاهرة أو خفية؛ فقد كان قلبه كبيرًا ورحمته على قدر قلبه: حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ.

ولكنه أعرض احتجاجًا على المقاطعة؛ وهي خرق لحرمة المجالس ومخالفة لآداب السلوك، والله يعلم ذلك من عبده ورسوله ولا شك، ولكنه أراد أن يظهر فرط حرصه على الفقراء والضعفاء واستغنائه عن الأغنياء والكبراء، خصوصًا أن الكبراء لو لم يؤمنوا فليس على الرسول لَوْمٌ ولا يؤاخذ بسبب عصيانهم، ولكنه يثاب على أنه سبب هداية هذا الضعيف ابن أم مكتوم الذي سأله، أضف إليه أن محمدًا سعى إلى الكبراء في مجلسهم وهو في قوته وصحته وعنفوان دعوته، أما الضرير فقد سعى إليه على عجزه وحاجته إلى من يسحبه ويدله.

هذا لنثبت أن هؤلاء الذين دخلوا في حظيرة الإسلام لم يكونوا سفهاء ولا سوقة ولا حفاة ولا جناة يهربون من الفقر أو العقاب أو النفي، ولكنهم كانوا في حال من الحياة تجعل قلوبهم أكثر انفتاحًا للحق ونفوسهم أكثر إقبالًا على منابع الرحمة، وأنهم على أبعد الافتراض كانوا يلتمسون ويتلمسون تغييرًا وتبديلًا لهذا الجو الخانق في مكة الذي لا يلائم النفوس الطيبة، ومثلهم في ذلك مثل أي كثرة في أي مجتمع قديم أو حديث قد أدركهم الملل من أمور قد رأى الله نفسه أن يظهر غضبه عليها وعلى ذويها، فأي سفهٍ في ذلك: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ صدق الله العظيم.

ولكن هذه العادة من تسفيه أتباع الأنبياء كانت دأب المعارضين والمحافظين والمنكرين لسهولة توجيهها إلى الخصوم وصعوبة الرد عليها إلا إذا تعرضنا للحياة الشخصية لكل فرد من طرفي الخصومة.

فها هم قوم نوح يقولون له: فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ.

فلم يكن توجيه هذه التهمة مقصورًا على كفار مكة وقريش بل على كفار كل ملة وفي كل زمن، وأتباع عيسى ابن مريم كانوا كذلك مرذولين في نظر اليهود والرومان، واليوم ترى الأغنياء والمتسلطين يذمون الاشتراكيين والوطنيين وهكذا، فليس في هذا غرابة؛ فإنها خصومة سياسية أو دينية أو اقتصادية تتهدد من يملكون ويتصرفون بفقد النفوذ وضعفه وانتقال محور السلطان إلى أيدٍ غيرِ أيديهم.

وإذن كان الالتجاء إلى دار الأرقم ضرورة من ضرورات الدعوة، والتكتم ضرورة أخرى، وانتقاء المؤمنين ضرورة ثالثة.

وفي وقت كان فيه ورود دار الأرقم مجازفة ومخاطرة محاطتين بالخوف وسوء العاقبة لم يكن أحد من أغنياء قريش يحسب أنه سوف يعض بنان الندم على أنه لم يكن الأول أو الثاني أو الثالث أو على الأقل من العشرة الأول؛ فقد حُفَّت المسابقة لورود هذه الدار بالمكارم والمغانم والتشريف والتمجيد، وإن دلت على شيء فعلى صدق القلب وسلامة الفطرة وحسن الظن بالله ورسوله وصديقه، أو على الأقل على بعض النظر ونفاذ البصيرة وصدق الفراسة.

ولننظر الآن نظرة تبجيل واحترام وحب لمن دخلوا دار الأرقم أولًا؛ ولنفحص قليلًا الدوافع التي دفعتهم إلى دخولها بدعوة أبي بكر أو بسبب آخر.

فإن خالد بن سعيد رابع المؤمنين أو خامسهم وقد رأى فيما يرى النائم أن أباه يدفعه إلى بؤرة نار ملتهبة وأن رجلًا لا يعرفه دافع عنه واجتذبه بعيدًا عنها، فقصد إلى أبي بكر يسأله تفسير الرؤيا.

وكان الصديق معروفًا بحفظ الأنساب وتفسير الرؤى في الجاهلية، وكان النبي في أجياد قرب الصفا، فأخذه أبو بكر إليه، فلما وقع بصر خالد عليه ولم يكن يعرفه تأكد أنه الذي أنقذه في الرؤيا من قبضة أبيه ومن الوقوع في النار فآمن وأسلم، وقد أثبت العلم الحديث أن الرؤى الصادقة لا شك فيها، تقع للإنسان في كل أطوار حياته، ومن العلماء الذين أكدوا ذلك وأثبتوه وسجلوا أحلامًا كثيرة صدقت بتفسيرها كاميل فلاماريون ومايرز وفرويد وموريس فترلنك وعشرات من العلماء الأعلام في أوروبا وأمريكا، ولا نريد أن نستشهد بصدق الرؤيا في القرآن؛ فقد كان لها نبي اختص بها؛ وهو يوسف الصديق، وفي قصته أحلام كثيرة جاءت كفلق الصبح؛ لأننا في معرض إثبات صحة القرآن والدعوة إليه والاستشهاد بما وقع بعده، وثبتت صحته على أيدي الأغيار ومن ليسوا أهل الدعوة ولا يمتُّون للإسلام بصلة أمثال من ذكرنا، أوقع في الأذهان وأنصع.

وتلا خالدًا عبدُ الله بن مسعود، وكان راعيًا لقطيع من غنم عقبة بن أبي معيط (من أعدى أعداء النبي)، رأى في الصحو أمرًا خارقًا للعادة وهو يحلب شاة ليسقي الرسول وصاحبه أبا بكر، فآمن وصار خادم الرسول ومن أكبر الصحابة والفقهاء، وولي المال والإدارة في العراق، وقد أسهبنا في ترجمته في مكان آخر من هذا الكتاب، ثم عثمان بن مظعون وكان متزهدًا (مسند أحمد، ج١، ص٤٦٢)، وكان لفيف من أوائل المؤمنين غير من ذكرنا ممن تذمَّروا من حياة الشرك ففزعوا إلى الرسول عندما دعاهم أبو بكر إليه، ولا نشك في أن أبا بكر كان في تلك الفترة مرهف الحس والسمع يتلقف أخبار الناقمين على الشرك والفساد؛ فإنهم أسهل انقيادًا إلى الخير وأقرب إلى الهداية وأسرع إلى تلبية دعوة الداعي إلى التوحيد والاستقامة من سواهم.

وقد ساعد أبا بكر في هذا الميدان معرفتُه بأهل بلده وإلمامه بأخبارهم، ومن هؤلاء المسارعين سعيد بن زيد بن عامر، وكان أبوه زيد بن عامر من المتحنفين ففر من الشرك قبل البعثة ولم يتنصر أو يتهود، بل قنع بالاستقامة والكفر بالأصنام ومجانبة قومه بمفاسدهم، ويلوح لنا أن سعيدًا أقبل على الرسول من تلقاء نفسه لم ينتظر دعوة أبي بكر، ومن قبيل سعيد رجل آخر سيكون له شأن عظيم في الإسلام؛ وهو عبد الكعبة بن عوف الذي سماه النبي عبد الرحمن الصحابي الجليل؛ لأن الرسول رأى الانتساب إلى أسماء الله خيرًا من الانتساب إلى الكعبة وهي بعدُ مليئةٌ بالأوثان ولم تصِر قبلة المسلمين، وكان ابن عوف تاجرًا غنيًّا من قبيل أبي بكر وعثمان، مشهورًا بالأمانة والمهارة الفائقة في كسب المال بالطرق المشروعة، كما اشتهر بالسخاء والبذل، وأفاد منه كلُّ من عرفه ولا سيما شريكه رباح، فلما فقد ماله في الهجرة وألفى نفسه في المدينة مُعدمًا لم يطلب معونة ولم يمد يده لأحد، فطلب أن يهدى إلى سوق المدينة وليس بيده رأس مال غير رأسه وتدبيره وتوفيق الله، فلم يلبث أن أثرى وتضخم ماله حتى صار أغنى أغنياء المهاجرين، وكان في الجاهلية عزوفًا عن الخمر والمقامرة، ولما أسلم رأى أن لا يكون للسيف دخل في الدعوة، ولكن عندما حزب الأمر ونفخ في نفير الحرب ظهر للملأ ما كمن من شجاعته وإقدامه واستبساله، فلم يكن حبه السلم خوفًا من الوغى، وإنما بغضًا لإهراق الدماء.

هذه عينات من «السفهاء» الذين أبت «كرامة» المشركين من قريش أن ينضموا إليهم تحت لواء واحد، واشترطوا على الرسول أن يُقصيهم قبل أن يقبلوا على مفاوضته، أي أن يبعد الرسول من حظيرة الإسلام، هؤلاء الذين دخلوا راغبين ليفسحوا المجال للعازمين على المفاوضة؛ ليروا لهم رأيًا فيما «يزعم» محمد من أنه رسول الله وأن دينه حق … وما يدرينا أنها حيلة بعيدة الغور دبرها دواهي قريش؛ ليبعد محمد خاصة المبادرين إليه، فإذا رأى طُغْمة قريش منه ذلك ولوه ظهورهم وأقفيتهم واتهموه بالاستغناء بهم عن أوائل المؤمنين؛ لمآربَ في نفسه، ولم يكن في طبع محمد شيء من هذا، ولم يكن من حسن السياسة في شيء، بل يمكن في رغبة الله بدليل سورة العتاب؛ فنجاه الله من حيلة خبيثة ودسيسةٍ سوداءَ دفينةٍ.

ومن هؤلاء الأوائل مقداد بن الأسود زوج بنت الزبير عم الرسول وعتبة بن غزوان والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، وكلهم كبار في الجاهلية وكرام في الإسلام، وكان طلحة من أبذل العرب وأجودهم كفًّا، ولم يسلم عن طريق أبي بكر ولكن دله على الإسلام راهب لقيه في أسفاره في الشام.

لقد عددنا خالد بن سعيد رابع المسلمين في دور دخوله وترتيب إيمانه، والثالث سعد بن أبي وقاص، ولعله أول من اهتدى على يد أبي بكر، وكان صانع سهام؛ وهو أول من أهرق دمًا في سبيل دينه، وقد روينا حديث دفاعه عن نفسه في أحد شعاب مكة عندما هاجمه المشركون وسخروا منه فشج أحدَهم بِلَحْيِ بعير، وكان تسرعه سببًا في التجاء المسلمين إلى دار الأرقم؛ فقد خشي الرسول أن يتعقبوهم ويُفنوهم لقلتهم، فتبرع الأرقم بداره وأخفى «الثائرين» عن أعين خصومهم، وهذا يدلنا على أن مكة لم يكن بها شرطة ولا خفية ولا بوليس سري، وكل مجني عليه يتولى أخذ حقه بيده عن طريق الثأر.

لقد ظن بعض المتعنتين وأهل الظن السيئ أن التجاء المسلمين إلى دار الأرقم واتخاذها مخبأ جعل الإسلام «جمعية سرية» كالجمعيات التي يكتنفها الغموض واتخاذ الرموز واغتصاب الوعود والمواثيق والأقسام والتهديد بالقتل في حالة الخيانة والخروج على الولاء، وما يصحب ذلك كله من الدرجات والألقاب والرياسات والتحكم في الإرادات، إلى آخر ما هنالك مما هو معروف وما هو مجهول، كتلقين بعض الإشارات والعلوم الباطنية … إلخ، وقد أكد هذا الظن في أذهان أربابه أن النبي اشترط صدق الإخاء بين المؤمنين؛ بل آخى فعلًا بين كل اثنين منهم، وما زالت هذه خطته التي سار عليها في المدينة، فآخى بين المهاجرين والأنصار، ولكن الأسرار المزعومة وقفت عند هذا الحد وعند تلقين أركان الإسلام؛ وهي: الشهادة، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، وكلها من أسهل الأمور، ولا سيما الحج الذي كانوا هم أصحابه وولاته ولا تبعد عنهم أهم مناسكه؛ وهو الوقوف بعرفة أكثر من مسيرة نصف يوم للمجدِّ.

وكان الإخاء ضروريًّا؛ ليحل محل أواصر القرابة التي تفكك بعضها بين المؤمنين وأقاربهم الذين ما زالوا على الشرك، فكيف تستقيم الحال بين أبي قحافة وأبي بكر، وبين خالد بن سعيد وأبيه سعيد الذي كان يلقي به في النار ويدفعه إليها دفعًا؟ ولكن ما تقول في المتعنتين من الخصوم الذين تعمقوا في العداء حتى فسروا بأن فاتحة الكتاب، وهي لازمة كل صلاة، احتوت على الطعن على أهل الكتاب في قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.

بأن المغضوب عليهم هم بنو إسرائيل والضالين هم النصارى.

ومن الأسرار المزعومة صلاة الجماعة التي كان المؤمنون يصلونها في دار الأرقم، ولا ريب كانت لها روعتها وجلالها؛ لحداثتها ومخالفتها لسنن الجاهلية واتجاه المصلي فيها إلى الله وهو روح الكون ومظهره الأسمى وخالقه، وليس حجرًا ولا صخرًا ولا معدنًا ولا نباتًا.

ولا ريب في أن الكعبة لم تكن في تلك الفترة خارجة عن عقيدة الإسلام؛ فما زال الطواف بها جائزًا للمسلمين ومرغوبًا فيه ومفروضًا في العمرة والحج ما داموا يتجنبون الأوثان، وكان القرآن يوحى في كل يوم وليلة؛ فهي فترة نشاط نبوي وعناية ربانية، ولذا تجد كثرة السور المكية التي لا تقل قوة ولا نفاذًا عن السور المدنية، وفيها من أمهات الآيات ما فيها، وإن كانت نزعته إلى الوعيد والترهيب أقوى، وكان عبء الوحي على الرسول شديدًا، فرحًا بما آتاه الله، مدركًا عظمة الرسالة التي اختاره الله لها، فما كان يسحب يده من يد مصافحه ولا يعرض عمن ينظر إليه، ولم يقصر في مظهره الذي شب عليه من نظافة الثياب وطهارتها وحسن الهندام والتزين المباح للرجال؛ كالكحل والطيب وترجيل الشعر وإرساله إلى الكتفين وخضابه عندما بدأ الشيب يدبُّ فيه على عادة جدِّه عبد المطلب الذي قيل إنه أول من اختضب، ولم يعطل تجارته بل ثابر عليها؛ في أوقات العمل يروح ويغدو بين داره ودار الأرقم والمسجد ومتجره، وهذه كلها متقاربة لا تقتضيه بضع دقائق، وما زال يقبل دعوة من يضيفه، ويزور من يتودد إليه، ويعود المرضى من عشيرته وأصدقائه وتابعيه، ويختلف إلى دار أبي طالب التي نشأ فيها وشب بين جدرانها، ويخرج إلى النزهة في الجبال القريبة من مكة كأجياد وأبي قبيس، ويتفقد بناته في دور أزواجهن ويحمل إليهن الهدايا، فما تجرأ أحد من المشركين على مقاطعته أو قطع الطريق عليه أو التعرض له، ولعلهم لم يروا في الإسلام خطرًا يصل بعدُ إلى حد الخصومة.

أما دار الأرقم فكانت مجعولة لإقامة الشعائر واستقبال المستجدين من المسلمين، ولم تكن معقلًا ولا حصنًا ولا مكانًا مخالفًا للقانون، وحتى لو كانت كذلك، وهو ما لم تكنه، فلم يكن في مكة قانون يحرِّم الاجتماع على هذه الصورة ولا قاضٍ يقضي بالغلق أو المصادرة ولا قوة تنفيذية تنفذ الحكم إذا صدر، وكل ما قيل غير ذلك هراء وخلط وجهل بما كان.

ولم يكن من طبيعة الأشياء أن يتخذ النبي لنفسه حجابًا يخاطب الناس من ورائه أو يتكبر على قاصديه، وقد أخطأ الجاحظ حين زعم (البيان والتبيين، ج٢، ص٧٩ و٨٤) أن الرسول اتخذ نقابًا، وربما رؤي النقاب كغطاء للوجه عند الوحي؛ لشدة ما يصيبه من الاحتقان وانتفاخ الأوداج وتصبب العرق، ولكن لا ليخفي معالمه؛ ليحدث الرهبة أو الرعب كما صنع المقنَّعون من زعماء الباطنية!

ولكن كان من الضرورة أن لا يغشى مجلس الرسول بدار الأرقم ولا يخلو إليه إلا كلُّ من سبقت له ثقة عند أبي بكر وكبار المؤمنين، فلا يكون دسيسة ولا رسول فتنة ولا مغتالًا مأجورًا ولا مستهترًا، هذا حق من حقوق شيخ قبيلة في بيت من الشَّعر في جوف الصحراء، فما بالك برسول الله ولم يكن من قبل بالضعيف ولا الصغير الذي تأخذ به الأعين في غير استحياء أو توقير، فكان إذا تقدم إليه المسلم ألقى عليه الرسول نظرة ثم بشَّره أو ذكَّره أو أخبره بما يلهمه الله، فيحدث أن يكون أمرٌ يطمئن إليه قلب الرجل أو يخشى عواقبه أو يبطنه ويظهر سواه فيتعظ ويتئد ويأخذ حذره، ولكن هذا لم يكن تنبؤًا بالغيب ولا تبكيتًا ولا إبهامًا ولا تنجيمًا ولا يقصد به إلى الإعجاز، إنما هي الكلمة الأولى التي يُنطقه الله بها عند اللقاء الأول، وهذه خلة قد تعثر عليها عند بعض المنورين من الرجال ذوي القلوب الطاهرة، فما عليك إذا قال لك رئيسك الجديد: استقم يا أخي، أو ثابر على جدك، أو لا تفعل كالذي فعله فلان من ذوي قرباك، أو إن الله ليجعل منك بطلًا تذود عن دينه، إلخ، هذه الكلمة الأولى للقاء مسجلة في كل مجتمع متحضر، ولم تكن مكة سوى بلد متحضر بل متهتك في الحضارة.

قلنا: كانت سنوات دار الأرقم الثلاث سنوات عناية ربانية ونشاط محمدي، وكان أبو بكر الشخصية البارزة في الدعوة إلى الإسلام، وكانت آيات القرآن وسوره تترى وتنهمر كالغيث، وكان الرسول خالي الذهن من تواريخ الأمم القديمة وقواعد الأديان الأخرى، حتى إن عين ورقة بن نوفل وعدَّاس لم تقعا عليه قبل أن أخذته لهما خديجة، ولو كان ممن يغشون مجالس أهل الكتاب لعرفهم من قبل، ولكن كل ما ورد في القرآن من قصص وأخبار كان منطبقًا على الحقيقة الواردة في الكتب القديمة وأحيانًا يزيد عليها، فكان ذلك سببًا لإقبال بعض اليهود والنصارى على دار الأرقم. كان جبر مولى بني عبد الدار يهوديًّا، وكان حدادًا في مكة يجلس وصديقه يسار في المصنع يقرآن في فراغهما بعض أسفار التوراة، وكان الرسول يمر بهما فما هالهما إلا أن سمعاه يتلو سورة يوسف فوجداه كما يجدانه عندهما في الكتاب فآمنا برسالته، ولو أنهما ظناه اطلع أو قرأ أو انتحل عنهما شيئًا لكانا في صف أعدائه لا في صفوف أوليائه وأتباعه، وكل ما جاء في أقوال الأغيار والمخادعين أنه تلقى علمًا عن أحد باطل، وقد ردَّ القرآن عليه من قبل في آية: لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ.

ولو أن محمدًا أراد أن يتعلم التوراة والإنجيل ليتخذ منهما مادة للقرآن لبادر إلى ذلك من صغره بعد لقاء بحيرا المزعوم أو بعد زواجه مباشرةً وهو في عنفوانه، أو لاغترب في طلب اللغات وأسرار العلوم كما فعل غيره، ولا غبار على نبوتهم (عيسى وموسى)، ولكنه أقام في بلده وعُرف عند أهله كما يعرفون أبناءهم.

وقد قدَّم الناقدون لنا أدلة على كذب دعوى الانتحال أو النقل عن التوراة، فقال مرغليوث (في ص١٠٧): «لم يتلقن النبي شيئًا من التوراة عن أحد؛ لأن بعض أسماء الأنبياء العبرانيين التي وردت في القرآن مغلوط، فجاء طالوت بدلًا من شاول، وجالوت فكان جوليات، وكذلك اسم جيديون، ونجزم بعدم الملقن لمحمد؛ لأنه لا يوجد مسيحي أو يهودي يخطئ في أسماء أشخاص التوراة هذا الخطأ الجسيم، إلخ.»

ثم ما حاجة القرآن إلى النقل عن التوراة والإنجيل، وهذه القصص القديمة لا يقصد بها إلى سرد التاريخ، ولكن يقصد بها إلى تدعيم النبوات والرسالات السابقة وانسجام البعثة المحمدية وسالفاتها؟! والمقصد الأكبر للدعوة المحمدية عقيدة التوحيد وتحويل الأذهان من الشرك إلى الوحدة، ومن حصر الذهن في الصغائر إلى كبار الأمور والنظر في جلال الخليقة وتوجيه النفوس إلى الروحيات والمعقولات وإصلاح الأخلاق وتقويم اعوجاج المجتمع.

•••

وقد فكر بعض المسلمين بعد فترة في إعلان الإسلام نهارًا جهارًا كعمرو بن عباسة الذي رفض الأصنام من قديم وأحب إلى الرسول أن يدعو إلى التوحيد، فرجاه الرسول أن يعود إلى مسقط رأسه بالشام؛ ليدعو إليه كما يفعل أبو بكر في مكة، وكذلك طالب أبو ذر الغفاري بحرية الكلام في الإسلام وإعلان الدين الجديد في المسجد الحرام.

ولكن الرسول وخلاصة أتباعه ما زالوا يفضلون الاختفاء في دار الأرقم المخزومي الذي كان سابع المؤمنين أو عاشرهم، وقد جاد بداره الرَّحبة التي وصفناها؛ لتكون منجاة لإخوانه، فكان يلتقي ببابها كل راغب في الإسلام من كل نوع من رجال الجاهلية؛ فالعربي القرشي المكي الناقم على الأصنام ورفيقه المظلوم العاجز عن الجأر بشكواه الذي هداه الله على يد أبي بكر والذي هداه قلبه للنور الجديد، والغريب المنقطع عن وطنه كصهيب وعمار بن ياسر، وذليل الرق ذو اللون البغيض إلى العرب كبلال الحبشي، فإذا وردوا العتبة ودخلوا إلى الرحبة وتغلبوا على العقبة وأفضوا إلى الرسول بما انطوت عليه صدورهم تسللوا في الظلام إلى سربهم آمنين تعقُّبَ المستعقبين أو اقتفاء أثر الجواسيس؛ فإن قريشًا ما كانت بعدُ قد بَثَّتِ الأعينَ ولا الأرصادَ ولا جعلت على المسلمين آذانًا تلتقط أسرارهم، وقد كانت دار الأرقم محلًّا وسطًا؛ فلا هي في قلب البلد بين أسواقه ومتاجره، ولا هي في أقصى الأرض على سفوح الجبال الموحشة، ولكنها بمكان يملك بلوغه كل إنسان في أمن وراحة ووقت وجيز.

وكما كان روَّاد دار الأرقم مختلفين نزعةً وميلًا وخلقًا ومالًا وحرفةً ولونًا وجنسًا، كذلك كانوا مختلفين سنًّا وثقافةً، ففيهم الشيخ الذي يكبر أبا بكر بعشر سنين، وفيهم أبناء العقد الخامس ونصفه والرابع والثالث والثاني، وبعضهم في سن المراهقة ممن علت نفوسهم وصعد نجم سعدهم وهم لا يعلمون ولا يبالون فألقوا بأنفسهم في أحضان هذه العصبة الطاهرة في ذلك البيت المبارك.

وكان حظ الأرِقَّاء سعيدًا؛ فقد كان العتق من أحب الأشياء إلى الله ورسوله، فأعتقهم سادتهم إن كانوا آمنوا مثلهم، أو اشتراهم أغنياء المؤمنين وأعتقوهم كما صنع أبو بكر الذي أنقذ بلالًا وغيره من الرِّقِّ والتعذيب.

فلما نمت العصبة الطاهرة وقويت، أخذ الناس يدخلون في دين الله جماعات وزُمرًا، الأسرة بأسرها، والأخ الواحد يجلب الأخين والأختين، والابن يحبب إلى والديه، والأم تحبب إلى أولادها وزوجها، وربما كان أفراد بيت أبي طالب أكثر الناس تلكؤًا؛ لأن أحدًا لم يوجه إليهم دعوة؛ فقد أسلم في أول الأمر علي بن أبي طالب مندفعًا بنور الإيمان وحبه للرسول وإعجابه بشخصه وتعلقًا بخديجة التي تبنته وأعزته كأبنائها وزوَّجته من كبرى بناتها، وتلاه جعفر بن أبي طالب وكان عظيمًا جدًّا فيما يأتي من الأيام، وتلكأ حمزة والعباس وقد كان لكلٍّ منهما شأن يلهيه، ولكنهما قاما بأجلِّ الأعمال لدعوة ابن أخيهم، وقام العباس خصوصًا بدور كبير لم ينتهِ بإنقاذ أبي سفيان وقد كان رأس الضلال (رضي الله عنه؛ لأنه أسلم فيما بعد وحسن إسلامه …) وأسس حفدته دولة من أعظم الدول في التاريخ، ونبغ نجله عبد الله في الفقه والحديث فكان ثقةً وحجةً ثبتًا، كما كان عبد الله بن عمر والزبير بن العوام وعبد الله بن أسماء بنت أبي بكر.

ولم يكن لدى محمد رتب ولا أوسمة ولا نياشين، وكان لا بد أن يتعطف الله على من نصروه ونصروا رسوله، فأنعم عليهم بألقاب الصديق لأبي بكر، والحواري للزبير، والأمين لعبد الله بن الجراح، والمنقذ لعمر بن الخطاب الذي كان إسلامه سببًا في إعلان الدين وإعلاء كلمته والخروج من دار الأرقم. والمتأمل في هذه الألقاب يجد أنها لم تكن مما يُنال بالتملق والزلفى أو تحصل بالرشوة والنفاق والمعونة على المظالم كما كان الأمر قبل ذلك وبعده في دول الإسلام وغيرها؛ حيث كانت تباع الألقاب، حتى نظم الشاعر البيت المشهور:

ألقاب مملكة في غير موضعها
كالقط يحكي انتفاخًا صولة الأسد

وما زالت تلك الألقاب قرحة تنز في صدور الأمم ومدرجة للفساد والكبرياء ومباءة للتفاوت وحبالة لصيد أصحاب الصَّغار من ذوي النفوس الوضيعة، وهي تكثر وتتعدد وتتلون وتتمدد وتستطيل وتتضخم كلما انحلت الأمم ودنت من الحضيض، ولذا بادرت كبريات الأمم إلى محوها وطمسها وردمها تحت أنقاض العهود البائدة، وحتى تنزل عنها أفراد أفذاذ وأبوا وهم واهبوها أن يتحلوا بها، واضطروا إلى أن يخترعوا وسام الكفاية أو فرقة الشرف، دون ألقاب طنانة تربط الرجل الفخم بالأرض والبلد كأنه مالكها ووارثها إلى يوم القيامة!

أما الأمين الذي كان لقب محمد قبل الإسلام، وأما الصديق لأبي بكر، والحواري للزبير، وغيرها، فقد كانت ألقابًا تنطق بالحق وتنطبق عليه، ولا يصحبها شيء من الفخفخة الكاذبة.

كان المسلمون في أول أمرهم وهم قلة ضئيلة لا يتجاوزون العشرات يخافون أن يجاهروا بكفر الأوثان، وربما كان بعضهم يتردد على المسجد؛ ليرى الكعبة أو يلقى صديقًا لعله يجتذبه أو يسر إليه حقيقة أمره، ولذا كان المشركون ولا سيما كبارهم لاهين عنهم مشغولين بحياتهم ولهوهم، ولكن عبادة الأوثان لم تكن تسلية ولا طقوسًا، بل كانت كذلك مصدرًا خصبًا ومعينًا فياضًا بالمال لسدنة الأصنام، وكانت مظهرًا لتضحية الإبل والغنم ومسقطًا لأموال النذور والاستقسام بالأزلام، فإن ضربنا صفحًا عن غضب هبل واللات والعزَّى ومناة وإساف ونائلة ويغوث ونسر إلى آخر هذه السلسلة المضحكة من الحجارة، ونحن نعلم أنها لا تغضب ولا ترضى، ولا تضحك ولا تبكي، ولا تضر ولا تنفع، وليس لعبادتها أسرار ولا أستار ولا غموض، لو ضربنا صفحًا عن غضبها وسخطها على الذين أعرضوا عنها وأعطوها ظهورهم؛ لينظروا إلى النور الجديد الذي أشع من حراء، ومن دار حكيم بن حزام ودار الأرقم، فإن سدنتها يغضبون إذا نضب معين النذور والأضاحي، وإذا أجدبت مصادر الرزق على الكهنة بعد خصوبتها.

وقد أشار الأزرقي في تاريخ مكة (ص٨١) إلى أن عابديها كانوا يعكفون عليها أيامًا بلياليها يذبحون ويطبخون ويأكلون ويطربون ويتصدقون، ولكن هذه الطقوس قد أَفِنَت وتعفنت وضجر الناس منها ولم يفهموا لها معنى، فما معنى تقديم الزبدة واللبن المخضوض للَّات، فتلعقه الكلاب ثم تلوث وعاءه وتبول فيه؟! وما معنى الرقص حول شجرة كذات أنواط؟! وما معنى سؤال الجماد عن الغيب واستخارة الصخر في مهمات الأمور؟! أمور يضحك السفهاء منها ويبكي من عواقبها اللبيب! وهذه الأصنام المقدسة ألم تجد من يحطم أسلافها في بابل وأور الكلدانيين؟ ألم يرِد في الأخبار أن إبراهيم والد إسماعيل جدِّ عرب الحجاز وأول من أسس مكة هذه البلدة التي يعتزون بها قد حطَّم الأصنام في غيبة أهلها، ولما سألوه قال: حطمها كبيرهم هذا فاسألوه! وهو يعلم أنه لا يُحير جوابًا، ولا ينطق ببنت شفة؟!

لقد بارك الله في دار الأرقم؛ فقد حمت الإسلام من اعتداء خصومه في طفولته فيقضون عليه جنينًا قبل أن يكبر ويقدر على الظهور، وحمته من السخرية والمحاربة بلسان التهزئة والإضحاك عليه؛ وهو سلاح حاد حذقه المكيون والقرشيون؛ فهم أهل نكتة لاذعة وجواب مُسْكِتٍ، ورد جارح، وذوو خيال واسع قوي يعينه على الأذى ألسنة ذربة، طاف أصحابها أقطار المشرق وبعض المغرب، وعادوا بأقوال الأمم الأخرى وصور أفكارهم، فهم هنا لا يجدون أهدافًا؛ لأن المسلمين قابعون أطراف النهار في دار الأرقم. ولو أن الرسول قوبل بالأذى فوراءه اليوم مائة شخص يدفعون عنه وينافحون ويلقون سفاهة السفهاء بالعصي أو بلحي البعير كما صنع سعد بن أبي وقاص. ووقتْ دار الأرقم شخص النبي من الظهور بمظهر الشذوذ والتفرد كما كانت حال ورقة بن نوفل! فإن المجتمع قد يحترم الرجل الفريد لعلمه أو حكمته، ولكنه لا يملك أن لا يودعه بابتسامة السخرية؛ لانفراده وعجزه عن تكوين فرقة أو جماعة توافقه في الرأي وتتلقى عنه إن كان حقًّا على شيء كما كان الحكماء في كل العصور، كسقراط وأفلاطون، وحتى موسى طلب إلى الله أن يجعل له رفيقًا وشريكًا ووزيرًا، والخير مثل الشر لا يقدم عليه رجل إلا إذا كان مؤيدًا بأشياع ومنصورًا برجال، والتحزب نظام قديم في الأرض، فلو أن النبي ظهر بمفرده ما زاد صوته على صوت المنفردين، وأنه لم يعرض نفسه على القبائل منفردًا إلا بأمر من الله صريح، وكان حزبه وأنصاره في مأمن من كيد الكائدين، فبعضهم في الحبشة، وبعضهم مستعد للدفاع عنه والتنكيل بخصومه، ومكنت دار الأرقم رسول الله من مكابدة فنون الحكم والتنظيم، وتوجيه الأفراد والجماعة، وهذا خير تدريب وتمرين لما سوف يكابده في المدينة بعد ذلك بعشر سنوات، وها هو الرسول يأنس إلى شخصيات سوف يكون لها القِدْح المعلَّى في الإسلام؛ كعثمان بن مظعون، وقد قنع كلُّ من خطا عتبة هذا الباب أنه إنما جاء ليربح لا ليخسر، ويأخذ لا ليعطي؛ ففقراؤهم ومحدثو العهد بالعتق من الأرِقَّاء وأصحاب الحاجة يجدون الطعام مبذولًا والمال مكفولًا، ومن بين أصابع الرسول سال الذهب والفضة للنفقة على المسلمين، وسوف تسيل بأغزرَ وأوفر عندما يُضرب عليهم الحصار في شعب أبي طالب فلا ينفق على الأفراد وحدهم بل على الأسر والعيلات. وهنا وهناك ذهبت ثروات خديجة وأبي بكر وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وعشرات غيرهم، وهذا تجديد في الدعوة الدينية؛ فقد كان قسس النصارى يلتمسون الصدقات من أتباع ملتهم، وكذلك اليهود، أما المسلمون فقد أغدق نبيهم وصحابته المال على المقبلين على الدين وأغرقوهم في خيراتهم، ولا عجب؛ فإن الزكاة والصدقة والبر بالفقير والضيف واليتيم من أركان الإسلام، وقد خالف النبي هذه القواعد التي تُشعر بالصَّغار؛ فحرَّم الصدقة على نفسه وعلى أهل بيته، وحلَّل الهدية له ولهم، وكان تحريم الصدقة على نفسه من العلامات التي عرفه بها سلمان الفارسي عندما أقبل ليلقاه في المسجد بالمدينة.

ولكن لم يكن المال ولا الطمع في منصب أو لقب بدافع لأحد على اعتناق الإسلام، إنما شخصية الرسول وهداية الله وكرامة السابقين إليه ممن ذكرنا، فلم يكونوا سفهاء ولا أراذلَ كما زعم الجاهليون في عهد نوح وعهد محمد؛ بل كانوا من خيرة الرجال، وكانوا فخر الشباب وزينة المجتمع المكي، واختار الله لهم اسم المسلمين، وجعل تحيتهم: السلام عليكم ورحمة الله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠