الفصل الحادي والثلاثون

السلطان الغازي عبد المجيد خان

وتولى بعده ابنه عبد المجيد. وكانت مدة خلافة السلطان محمود إحدى وثلاثين سنة وعشرة شهور، ومات عن أربع وخمسين سنة تقريبًا، وكانت ولادة السلطان عبد المجيد في ١٤ شعبان سنة ١٢٣٧، وكان إذ ذاك سنه ١٧ سنة، فتولى الخلافة ولم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، وكانت الحكومة في غاية الاضطراب بسبب انتصار جيوش محمد علي باشا بنصيبين كما مرَّ واحتلال جيوشه لمدائن عين تاب وقيصرية وملطية.

ومما زاد أحوال الدولة ارتباكًا، وشغل الخواطر بأوروبا أن أحمد باشا — القبودان العام للدونانمة التركية — خرج بجميع مراكبه الحربية وأتى بها إلى ثغر الإسكندرية، وسلمها إلى محمد علي باشا في ٢ جمادى الأولى سنة ١٢٥٥ (الموافق ١٤ يوليو سنة ١٨٣٩)، وكان فعل أحمد باشا القبودان مسبَّبًا عن توجيه منصب الصدارة العظمى إلى خسرو باشا الذي كان قد سبق تعيينه واليًا على مصر، وخرج منها بناءً على رغبة الأهالي في تعيين محمد علي باشا واليًا عليها، وخوفه من الإيقاع به بسبب ما كان بينه وبين محمد علي باشا من علائق الارتباط والمحبة.

لما علم قناصل الدول بالآستانة بتسليم الدونانمة التركية إلى محمد علي باشا خشوا زحف إبراهيم باشا على القسطنطينية فترسل الروسيا جيوشها لمحاربته بناءً على معاهدة «خونكار أسكله سي»، لا سيما وقد فقدت الدولة جميع جيوشها البرية وسفنها الحربية، فأرسلوا إلى الباب العالي لائحة اشتراكية بتاريخ ١٦ جمادى الأولى سنة ١٢٥٥ (الموافق ٢٨ يوليو سنة ١٨٣٩) ممضاة من سفراء فرنسا وإنكلترا والروسيا والنمسا والبروسيا يطلبون منه أن لا يقرر شيئًا في أمر المسألة المصرية إلا باطلاعهم واتحادهم، وأنهم مستعدون للتوسط بينه وبين محمد علي باشا لحل هذه المسألة المهمة؛ فقبل الباب العالي هذه اللائحة.

واجتمع السفراء عند الصدر الأعظم في ١٨ جمادى الأولى (الموافق ٣٠ من الشهر المذكور)، وتداولوا فيما يجب إعطاؤه لمحمد علي باشا، فأبدى سفيرا إنكلترا والنمسا ضرورة إرجاع الشام للدولة العلية، وعارضهم في هذا الرأي سفيرا فرنسا والروسيا، وطلبا أن يُمنَح محمد علي باشا ملك مصر وولايات الشام الأربع، لكن انحاز سفير البروسيا إلى الرأي الأوَّل فتقرر بالأغلبية، ثم طلب المسيو «دي مترنيخ»١ — أكبر وزراء النمسا — أن يعقد مؤتمر دولي في مدينة «فيينا» أو «لوندرة» لإتمام المداولات بشأن المسألة المصرية فلم يقبل منه ذلك عند الكل، سيما فرنسا وإنكلترا، فلم يقبلا ذلك ولم يميلا لهذا الطلب؛ لعدم ثقتهم بالمسيو «دي مترنيخ»، وكذلك الروسيا لم تقبل تخويل مؤتمر دولي حقَّ تحديد علاقاتها مع الباب العالي، بل أعلنت أنها مصرَّة على التمسك بنصوص معاهدة «خونكار أسكله سي»، وهي حماية الدولة بعساكرها ومراكبها، وبالتالي احتلال معظم أملاكها بدون حرب لو تعدى إبراهيم باشا حدود الشام.

فعند ذلك طلبت كل من فرنسا وإنكلترا من الباب العالي التصريح لمراكبهما بالمرور من بوغاز الدردنيل لحمايته عند الضرورة من الروسيا ومن العساكر المصرية، وجاء الأميرال «ستوبفورد» بنفسه إلى القسطنطينية للحصول على هذا التصريح، ولما علم باقي السفراء بهذا الطلب اضطربوا وخشوا حصول شقاق بين الدول المتوسطة، وأعلن سفير الروسيا بأنه إذا دخلت المراكب الفرنساوية والإنكليزية البوغاز يقطع علاقاته السياسية مع الباب العالي ويسافر في الحال. وكانت حكومته أرسلت له مركبًا حربيًّا ليسافر عليه إذا اقتضى الحال ذلك، وكتبت النمسا إلى وزارتيْ لوندرة وباريس بأن طلبهما هذا مخل بسلم أوروبا، وأنهما لو أصرَّا عليه تخرج من التحالف وتحفظ لنفسها حرية العمل. فلما علم الباب العالي بذلك خاف من تفاقم الخطب، ورفض طلب حكومتيْ فرنسا وإنكلترا، وطلب منهما إبعاد مراكبهما عن مدخل البوغاز، فلهذه الأسباب وعدم الاتفاق بين وزراء الدول توقفت المخابرات إلى أوائل شهر رجب سنة ١٢٥٥ (الموافق سبتمبر سنة ١٨٣٩) حتى عرض اللورد «بونسونبي» — سفير إنكلترا — على الباب العالي أن دولته مستعدَّة لإكراه محمد علي باشا على ردِّ الدونانمة التركية بشرط أن يكون لها حق إدخال مراكبها في خليج إسلامبول لصدِّ الروسيا عند الضرورة، فلما علمت بذلك حكومة فرنسا أرسلت إلى الأميرال «لالاند» — قائد أسطولها في مياه تركيا — أمرًا بتاريخ ١٨ دسمبر سنة ١٨٣٩ أنه لا يشترك مع مراكب إنكلترا في أي حركة عدوانية ضدَّ حكومة محمد علي باشا، فعلم الكل أنه لا بد من حصول خلاف بين فرنسا وإنكلترا بخصوص المسألة المصرية.

وأخذت الدول حذرها مما عساه يحصل من الأمور التي تنشأ بسبب هذا الخلاف، فأعلنت النمسا بأنها لا ترغب التداخل لعدم نجاح طلبها المختص بانعقاد مؤتمر دولي في فيينا أو برلين، وأعلنت بروسيا والروسيا بأنهما يقبلان كل ما تقرره الدول في هذا الشأن بشرط أن يكون موافقًا لرغبة الباب العالي وأن يكون قبوله لهذا القرار صادرًا عن كمال الحرية، فكأن الدول قبلت ما اتفقت عليه فرنسا وإنكلترا بالاتحاد مع الباب العالي، ولكن لم يتمَّ الاتفاق بين هاتين الدولتين لسعي إنكلترا في إرجاع المصريين إلى حدودهم الأصلية وعدم قبول فرنسا ذلك ورغبتها في مساعدة محمد علي باشا؛ وذلك أن فرنسا كانت تودُّ أن تكون ولايتا مصر والشام له ولذريته وإقليما أطنه وطرسوس له مدة حياته، وأما إنكلترا فكانت لا تريد أن يعطى إلا ولاية مصر، لكن رغبةً في إرضاء فرنسا قبلت أن يعطى مدة حياته نصف بلاد الشام الجنوبي، بشرط أن لا تكون مدينة عكا من هذا النصف، فرفضت فرنسا هذا الاقتراح وقالت: كيف نحرمه من كل فتوحاته خصوصًا بعد أن قهر الجيوش العثمانية في واقعة نصيبين؟! وإننا لو جردناه منها لتركنا له بابًا للحرب مرة أخرى، وهو أمر لا تكون عاقبته حسنة؛ لأنه يوجب تداخل حكومة الروسيا في أمر الدولة العلية بمقتضى العهود، ولا تكون نتيجة ذلك الا حربًا عامة، فالأولى منعًا لسفك دماء العباد أن تعطى لمحمد علي باشا البلاد التي فتحها؛ لأنه أقوم بإدارتها وأحقُّ بها لما تكبده في فتحها من المشاقِّ الصعبة والمصاريف الزائدة وبذل الأرواح.

ولما علمت الدول بوقوع الخلاف بين فرنسا وإنكلترا أعلنت النمسا وبروسيا رسميًّا أنهما ينحازان إلى إحدى الدولتين التي لا تحرم الدولة من أملاكها، وبعبارة أخرى إلى إنكلترا.

وأما الروسيا فأرادت أن تنتهز فرصة عدم اتحاد الدولتين لتقرير نفوذها في الشرق وحق حمايتها على الدولة العلية دون غيرها، وأرسلت إلى لوندرة البارون «دي برونو» بصفة سفير فوق العادة، فوصلها في أواخر سبتمبر سنة ١٨٣٩، وعرض على حكومتها بالنيابة عن قيصره أن الروسيا مستعدة لأن تترك لإنكلترا حرية العمل في مصر وتساعدها على إذلال محمد علي باشا بشرط أن تسمح لها بإنزال جيش بالقرب من إسلامبول في مدينة «سينوب» الواقعة على شاطئ البحر الأسود ببر الأناطول؛ لكي يتيسَّر لها إسعاف الباب العالي لو أراد إبرهيم باشا الزحف على القسطنطينية، فصغى اللورد بالمرستون٢ إلى كلام سفير الروسيا، ومال إلى هذا الرأي ميلًا شديدًا، ولولا استقباح الرأي العام له لقبله كلَّ القبول وسلم به كلَّ التسليم.

لكنه لما رأى عدم موافقة الرأي العام لهذا المشروع اقترح على الروسيا أن تعلن أولًا بتنازلها عما تخوله لها معاهدة «خونكار أسكله سي» من حق حماية الدولة العلية، فرفضت الروسيا ذلك، وأجَّلت المخابرات بشأن تسوية المسألة المصرية إلى شهر يوليو سنة ١٨٤٠ لعدم اتفاق الدول على حالة مرضية للكل وافية بغرض الجميع لتباينهم في الغايات والمقاصد. وفي خلال هذه المدة أرسلت الروسيا المسيو «برونو» ثانية إلى لوندرة ليطلب تعديل المشروع الأول بأن يخول لكل من إنكلترا وفرنسا الحق في إرسال ثلاث سفن حربية في بحر «مرمرة» للاشتراك مع الجيش الروسي في حماية إسلامبول لو هاجمها إبراهيم باشا، فلم تفز الروسيا بمرامها في هذه المرة أيضًا.

هذا؛ ولما علم محمد علي باشا بهذه المخابرات، وتحقق أن الدول الأوروباوية عمومًا وإنكلترا خصوصًا ساعية في إرجاع جيوشه إلى مصر وجبره على رد كل ما فتحه من البلاد، وأن فرنسا لا يمكنها مساعدته، فضلًا عن تعصب باقي أوروبا ومضادتها بأجمعها له، أخذ في الاستعداد لصد القوة بالقوة بحيث لا يسلم شبرًا من الأرض التي صرف ماله ورجاله في فتحها إلا مضطرًّا، وكلف سليمان باشا بتفقد سواحل الشام وتحصينها بقدر الإمكان، سيما مدينتا عكا وبيروت، وأمر بتعليم كافة الأهالي جميع الحركات العسكرية وحمل السلاح لكي يسهل له حفظ الأرض الداخلي بواسطتهم وصدُّ المهاجمين بواسطة الجيش المتدرب على الحرب. ولزيادة جيشه استدعى من الأقطار الحجازية والنجدية الجيوش المصرية المحتلة لها، وأخذ أيضًا في توفير الأموال من بعض وجوه مصاريفها، وأطلق سراح محمد بن عون — شريف مكة — الذي كان قد ألزمه الإقامة بمصر من مدَّة.

وبالجملة تخلى عن بلاد العرب وتركها هملًا كما كانت لاحتياجه إلى المال والرجال؛ لأنها كانت تكلفه سنويًّا مبلغًا قدره سبعمائة ألف جنيه مصري تقريبًا بلا فائدة، ثم أرسل إلى ولده إبراهيم باشا الأوامر المشددة بأن يجتهد في إطفاء كل ثورة جزئية يُبدِيها سكان الجبل من أي طائفة خوفًا من اشتداد الخطب في الداخل حين الاحتياج للانتباه لما يأتي من الخارج.

ثم في أوائل سنة ١٨٤٠ عاودت النمسا الكرة، وطلبت من الدول اجتماع مؤتمر في مدينة فيينا لتسوية هذه المسألة التي أقلقت بال الجميع، فقبلت الدول عقده في مدينة لوندرة لا فيينا، وطلبت فرنسا أن يكون للباب العالي مندوب خصوصي في هذا المؤتمر مراعاة له؛ لما له من السيادة العظمى على البلاد المتنازع بخصوصها.

فلما اجتمع هذا المؤتمر طلبت فرنسا إبقاء الشام كلها تحت يد محمد علي باشا، فعارضتها الحكومة الإنكليزية في ذلك وأصرَّت على ما طلبته أوَّلًا؛ وهو أنه لا يعطى له إلا النصف الجنوبي منها، لكنها قبلت أخيرًا بناءً على إلحاح فرنسا إدخالَ عكا ضمن هذا القسم، بشرط أن يكون له مدَّة حياته فقط ولا ينتقل إلى ورثته، بل يعود إلى الدولة العلية، وقبلت الروسيا والنمسا والبروسيا ذلك، لكن لم تقبله فرنسا بحجة أن حرمان ورثة محمد علي باشا من بلاد صرف السنين الطوال في فتحها ليتركها لهم بعد موته مما يزيد في حنقه على دول أوروبا، وربما لم يقبل هذا القرار المجحف؛ فتلتزم الدول بإكراهه وسفك دماء العباد ظلمًا؛ الأمر الذي لم تجرِ هذه المخابرات إلا لمنعه.

فشددت إنكلترا وخصوصًا اللورد بالمرستون — وزيرها الأوَّل — وأبت إلا رجوع ما يعطى لمحمد علي باشا من البلاد الشامية إلى الدولة العلية بعد موته، فمن عدم الاتفاق وتشتت الآراء وبعد الوفاق لم ينجح هذا المؤتمر، وبقيت الحالة على ما هي عليه، ثم لما تولى المسيو «تيرس»٣ رئاسة الوزارة الفرنساوية في أوَّل مارس سنة ١٨٤٠ لم يتبع خطة أسلافه في إنهاء المسألة المصرية بالاتحاد مع إنكلترا، بل أراد أن يضع لها حدًّا باتفاقه رأسًا مع الباب العالي ومحمد علي باشا بأن يلزم الباب العالي أن يترك لمحمد علي باشا ولايات مصر والشام له ولذريته، ويهدده بمساعدة فرنسا لوالي مصر إن لم يذعن الباب العالي لهذه المطالب.

فأرسل لمحمد علي باشا يخبره بأن لا يقبل مطالب إنكلترا، بل يقوِّي مركزه في الشام ويتأهَّب للكفاح، وأن فرنسا مستعدة لنجدته لو عارضته إنكلترا.

(١) معاهدة ١٥ يوليو سنة ١٨٤٠

فلما علم اللورد بالمرستون بهذه المخابرات حنق على الحكومة الفرنساوية، وبذل جهده في الاتفاق مع الروسيا وبروسيا والنمسا لإرجاع محمد علي باشا إلى حدود مصر، وإلزامه بالقوة إن لم يطع. ولقد نجح بالمرستون في مسعاه، وأمضى بتاريخ ١٥ يوليو سنة ١٨٤٠ مع من ذكر من الدول معاهدة صدَّق عليها مندوب الدولة العلية مقتضاها:
  • أولًا: أن يلزم محمد علي باشا بإرجاع ما فتحه للدولة العلية، ويحفظ لنفسه الجزء الجنوبي من الشام مع عدم دخول مدينة عكا في هذا القسم.
  • ثانيًا: أن يكون لإنكلترا الحق بالاتفاق مع النمسا في محاصرة فرض الشام ومساعدة كل من أراد من سكان بلاد الشام خلع طاعة المصريين والرجوع إلى الدولة العلية. وبعبارة أخرى تحريضهم على العصيان لإشغال الجيوش المصرية في الداخل؛ كي لا تقوى على مقاومة المراكب النمساوية والإنكليزية.
  • ثالثًا: أن يكون لمراكب الروسيا والنمسا وإنكلترا معًا حق الدخول في البوسفور لوقاية القسطنطينية لو تقدمت الجيوش المصرية نحوها.
  • رابعًا: أن لا يكون لأحد الحق في الدخول في مياه البوسفور ما دامت القسطنطينية غير مهددة.
  • خامسًا: يجب على الدول الموقع مندوبوها على هذا الاتفاق أن تصدِّق عليه في مدة لا تزيد عن شهرين بحيث يكون التصديق في مدينة لوندرة.
وشفعت هذه المعاهدة بملحق مصدَّق عليه من مندوب الدولة العلية مبين فيه الحقوق والامتيازات التي يمكن منحها لمحمد علي باشا، وقبل إمضاء هذه المعاهدة ابتدأت إنكلترا في تحريض سكان لبنان من دروز ومارونية ونصيرية على شقِّ عصا الطاعة، وأرسل اللورد بونسونبي — سفيرها لدى الباب العالي — ترجمانه المستر وود إلى الشام لهذه الغاية، وأعلم بذلك اللورد بالمرستون برسالة تاريخها ٢٩ ربيع الثاني سنة ١٢٥٦ (الموافق ٣٠ يونيو سنة ١٨٤٠) محفوظة في سجلات المملكة. وبمجرد وصول المستر وود إلى محل مأموريته أخذ في نشر ذلك بين الأهالي. ولقد نجح في مأموريته وأشهر الجبليون العصيان وتجمعوا متسلحين وامتنعوا عن تأدية الخراج والمؤن العسكرية، لكن لم تتسعْ هذه الثورة الابتدائية لتداركها في أولها، فأرسل المدد من مصر واهتمَّ كل من إبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوي وعباس باشا الأول٤ في إخمادها؛ فأطفئت قبل أن يتعاظم أمرها، وعادت السكينة في كافة الأنحاء.

ومن ثم أخذ سليمان باشا الفرنساوي في تحصين مدينة بيروت؛ لعلمه أنها أول ميناء معرضة لمراكب الإنكليز، وكذلك بنى القلاع لحماية كل الثغور، ووضع بها المدافع الضخمة، ولكن لسوء الحظ لم تُجْدِ هذه الاستحكامات نفعًا أمام مراكب الإنكليز والنمسا كما سيجيء. ولما علمت الحكومة الإنكليزية أن المرحوم محمد علي باشا مهتم في إرسال العساكر والذخائر من طريق البحر إلى الشام أرادت أن تعارضه وتعاكسه إما بأخذ دونانمته أو تشتيتها وتفريقها ليتعذر إرسال المدد برًّا لوجود الصحراء الرملية الفاصلة بين مصر والشام من طريق العريش، فأرسلت أوامرها في أوائل شهر يوليو سنة ١٨٤٠ إلى الكومودور نابير بأن يتوجه بمراكبه إلى مياه الشام ومصر لاستخلاص الدونانمة التركية لو خرجت من ميناء الإسكندرية وأسر أو إحراق الدونانمة المصرية لو قابلها.

فلما علمت فرنسا بهذا الخبر أرسلت إحدى بوارجها البخارية إلى بيروت؛ لتبليغ قائد الجيوش المصرية هذا الخبر المشئوم، فرجعت في الحال المراكب المصرية إلى الإسكندرية حتى إذا وصل الكومودور نابير لم يجدها؛ فاغتاظ لذلك، ويقال إنه قبل أن يُبارح مياه بيروت أرسل إلى سليمان باشا كتابًا بتاريخ ٢٤ يوليو يُظهر له فيه تكدره من إجراءات القواد المصريين في الشام ومعاملتهم الثائرين بالقسوة، وأنهم إن لم يكفوا عن أعمالهم البربرية (على زعمه) اضطر للتدخل وإنزال عساكره إلى بيروت، فأجابه سليمان باشا بأنه لا يقبل ملحوظاته، ويعلمه بأنه لا يخاطبه من الآن فصاعدًا، وإذا كان عنده ملحوظات مثل هذه فليبدها لمحمد علي باشا.

ولم يبتدئ شهر أغسطس سنة ١٨٤٠ إلا وقد ورد خبر معاهدة ١٥ يوليو إلى مصر والشام، ووردت الأوامر إلى الدونانمة الإنكليزية بمحاصرة سواحل الشام وأسر المراكب المصرية — حربية كانت أو تجارية — فعاد نابير إلى بيروت بعد أن أخذ في طريقه كل ما قابله من المراكب، ووصلها في ١٥ جمادى الثانية (الموافق ١٤ أغسطس)، وأعلن العساكر المصرية بإخلاء بيروت وعكا في أقرب وقت، ونشر في أنحاء الشام منشورات لإعلام الأهالي بما قرَّرته الدول من بقاء الشام لمصر ما عدا عكا، وتحريضهم على العصيان على الحكومة المصرية، وإظهار ولائهم للدولة العلية العثمانية.

وفي اليوم المذكور (١٥ جمادى الثانية) بلغت هذه المعاهدة رسميًّا إلى محمد علي باشا، وأتت إليه بعد ذلك قناصل الدول الأربع المتحدة وعرضوا عليه باسم دولهم أن تكون ولاية مصر له ولورثته وولاية عكا له مدة حياته، وأمهلوه عشرة أيام لإعطاء جوابه، فطلب منهم كتابة بذلك فلبوا طلبه، ثم في اليوم التالي أفهموه أن فرنسا لا يمكنها مساعدته قط، وأن الدول مصممة على تنفيذ ما اتفقت عليه ولو أدَّى ذلك إلى حرب أوروبية، لكنه أصرَّ على عدم القبول والدفاع عن حقه إلى آخر رمق من حياته.

وفي يوم ٢٥ جمادى الثانية (الموافق ٢٤ أغسطس) الذي هو غاية الميعاد المعطى له حضر إليه القناصل ومعهم مندوب الدولة، وأخبروه بأنه لا حق له الآن في ولاية عكا، وأن الدول لا تسمح له إلا بولاية مصر فقط له ولذريته؛ فاحتدم عليهم غضبًا، وطردهم من عنده قائلًا لهم: كيف يجوز أن أسمح لكم بالمقام في بلادي وأنتم وكلاء أعدائي في هذه الديار، فانصرفوا وأعطوه عشرة أيام أخر لإبداء جوابه بحيث إن لم يجاوب تكون الدول غير مسئولة عما يحصل له من الضرر. وبعد انقضاء هذه المدة بدون أن يبدي لهم جوابه كتب القناصل بذلك إلى سفراء الدول باستانبول، فاجتمعوا مع الصدر الأعظم وقرَّروا باتحادهم أخذ مصر والشام من محمد علي باشا.

وفي أثناء هذه المدة كانت فرنسا اتباعًا لرأي المسيو تيرس تستعدُّ للقتال مساعدة لمحمد علي باشا، ولكن لسوء حظ الأمة المصرية كانت هذه الاستعدادات غير كافية، ولا تتم إلا بعد ستة أشهر لعدم وجود السلاح والذخائر الكافية للحرب، لا سيما وأن فرنسا تكون في هذه الحالة مقاومة لأكبر دول أوروبا.

ولما تحقق أهالي فرنسا أن حكومتهم لا تقوى على مساعدة محمد علي باشا فعلًا بعد أن جرأته على المقاومة ووعدته بالمساعدة هاج الرأي العام على المسيو تيرس المعضد لهذه السياسة التي عادت على مصر بالضرر العظيم حتى التزم للاستعفاء في يوم ٣ رمضان سنة ١٢٥٦ (الموافق ٢٩ أكتوبر سنة ١٨٤٠)، لكن لم يُجْدِ استعفاؤه لمصر نفعًا لوقوفها بمفردها أمام أربع دول من أعظم الدول شأنًا وأعلاها مكانة وأكثرها قوَّة؛ إذ أرسلت فرنسا أوامرها لدونانمتها أوَّلًا بالانسحاب إلى مياه اليونان، ثم بالعودة إلى فرنسا وترك مصر والشام لمراكب إنكلترا تحرق موانئها بمقذوفاتها الجهنمية.

وكان رجوع الدونانمة الفرنساوية في ٩ أكتوبر سنة ١٨٤٠؛ أي قبل استعفاء المسيو تيرس بعشرين يومًا.

هذا؛ ولم تشترك الدول الأربع في محاربة محمد علي باشا، بل قامت إنكلترا وحدها بهذا العمل، وساعدتها النمسا والدولة ببعض مراكبها وعساكرها البرية للنزول إلى البر إذا اقتضى الحال ذلك.

وأما دولة البروسيا فلم يكن لها مراكب إذ ذاك والروسيا لم ترد الابتعاد عن القسطنطينية.

ولما وصل إلى سليمان باشا بلاغ الكومودور نابير وعلم بمنشوراته للأهالي أعلن في الحال بجعل البلاد تحت الأحكام العسكرية؛ وذلك خوفًا من قيام الجبليين اتباعًا لمشورة الإنكليز، وأدخل في مدينة بيروت العدد الكافي من الجند، وأرسل لإبراهيم باشا أن يحضر إليه بجيشه الذي كان معسكرًا بقرب مدينة «بعلبك» ليشتركا في المدافعة عن موانئ الشام، فوصل إبراهيم باشا إلى بيروت وعسكر في ضواحيها. وفي ١٢ رجب سنة ١٢٥٦ (الموافق ٩ سبتمبر سنة ١٨٤٠) وصل الأميرال «ستو بفورد» الذي كان يجول بمراكبه أمام الإسكندرية إلى مياه بيروت؛ ليشترك مع الكومودور نابير في إطلاق المدافع على موانئ الشام، وفي اليوم التالي وصلهما العساكر البرية، وكانت مؤلفة من ألف وخمسمائة من المشاة الإنكليزية وثمانية آلاف بين أتراك وأرنئود.

وفي يوم ١٤ رجب (١١ سبتمبر) أنزلت هذه العساكر إلى البر في نقطة تبعد نحو ستة أميال في شمال بيروت، ولم يتمكن إبراهيم باشا من منعهم لوجود هذه النقطة تحت حماية المدافع الإنكليزية.

وفي ظهر ذلك اليوم بعد نزول هذه العساكر إلى البر أُرسل إلى سليمان باشا بلاغ من الأميرالين الإنكليزي والنمساوي بأن يخلي مدينة بيروت حالًا؛ فطلب منهم مسافة أربع وعشرين ساعة كي يتداول مع إبراهيم باشا في هذا الأمر الجلل، فلم يقبل طلبه، وابتدأ في إطلاق المدافع على المدينة، واستمرَّ إطلاقها حتى المساء. وابتدئ أيضًا في اليوم التالي قبل الفجر ولم تقطع إلا بعد هدم أو حرق أغلب المدينة، وأحرقت كذلك كل الثغور الشامية قصد استخلاصها من محمد علي باشا وإرجاعها إلى الدولة العلية كما كانت، مع أن محمد علي باشا لم يأت بأمر يدل على رغبته في الخروج من تحت ظل الراية العثمانية، بل لم يزل مؤكدًا إخلاصه وولاءه للدولة، ولم يطلب إلا بقاء هذه الولايات له ولذريته مع تبعيتهم للباب العالي ودفعهم الخراج له اعترافًا ببقاء تلك التبعية، ولولا تقلب الأحوال بينه وبين السلطان لتم بينهما الاتفاق على أحسن وفاق وحقنت دماء العباد، ويدل على رغبة الطرفين في ذلك إرسال الباب العالي ساريم بك أولًا وعاكف أفندي ثانيًا إلى محمد علي باشا لحل هذه المسألة.

ولا يخفى أن محمد علي باشا هو الذي خلَّص مصر من فئة المماليك الباغية، ونشر بجميع جوانبها لواء الأمن، وتسبب في ازدياد الزراعة ونمو التجارة حتى توفرت لمصر أسباب التمدن وتيسر بهذه الكيفية لقوافل التجارة الأوروباوية المرور بين الإسكندرية والسويس بدون خوف من تعدِّي أحد عليها، وله الفضل أيضًا في استئصال شأفة الوهابيين من بلاد العرب وإعادة الأمن إلى طريق الحجاج، واستخلاص مدينتيْ مكة والمدينة منهم بعد أن استحال إذلالهم على أيدي العساكر الشاهانية، فضلًا عن أنه هو الذي فتح بلاد الروم، ولولا ما حصل لأعادها إلى الدولة العلية بعدما يئست من رجوعها إليها، وهو الذي أعاد الأمن إلى ربوع الشام بعد احتلاله لها ومنع تعدِّي البدو على الحضر، كما أنه أبطل القتال المستمر الذي كان لا ينقطع دائمًا بين الدروز والمارونية؛ الأمر الذي لم يحصل مثله قبل احتلاله ولا بعده.٥ وقد انحرف الأمير الكبير بشير عن موافقة إبراهيم باشا بعد أن حافظ على ولائه مدة؛ رغبة في أن يعطى له من لدن الباب العالي اسم أمير الجبل وينادى له بذلك على رءوس الأشهاد، فانعكس عليه أمره وعاد عليه شؤم خيانته، فعزل عن إمارة الجبل وألزم بمفارقة الشام، فانتبه من غفلته وندم على ما كان منه حيث لا ينفعه الندم، ثم أوصلته إحدى السفن الإنكليزية إلى بيروت؛ فقابله هناك الأميرال ستوبفورد، وبعد أن عنفه على تذبذبه الذي حصل منه ونفاقه الذي أدَّاه إلى أن يتبع الأقوى شوكة، وعدم حفظه للعهود، أمر بإرساله وتابعيه مع قليل من عائلته إلى جزيرة مالطة ولم، يجبه إلى ما طلبه من إرساله إلى إيطاليا أو فرنسا، فوصل هذه الجزيرة في ٦ رمضان سنة ١٢٥٦ (الموافق أول نوفمبر سنة ١٨٤٠)، وكان عمره إذ ذاك خمسًا وثمانين سنة. ومضى ما بقي من عمره مفكرًا في أسباب زوال النعمة وسوء عاقبة التذبذب، وأن الأحوط للإنسان والأجدر به أن يحافظ على عهوده؛ لأنه لو مات مع المحافظة عليها لمات بالشرف والمجد، ولو عاش مع الخيانة والتلوُّن لعاش مع الفضيحة والعار، وتوفي في سنة ١٢٦٧ (الموافقة سنة ١٨٥٠) في القسطنطينية، ودفن في غلطه.

(٢) إخلاء المصريين لبلاد الشام

هذا؛ ولنقل بالاختصار إن المراكب الإنكليزية والعساكر المختلطة التي أنزلت إلى البر في عدة مواضع تمكَّنت من أخذ جميع المدن الواقعة على البحر وإخراج المصريين منها، حتى لم يَرَ محمد علي باشا بُدًّا من الإذعان إلى مطالب أوروبا، وأنه من العبث المحض مقاومة الدول المتحدة؛ فأصدر أوامره إلى ولده إبراهيم باشا بعدم تعريض عساكره للقتال والموت بلا فائدة، وباستدعاء الجنود المعسكرة في حدود الشام والانجلاء عنها مع اتخاذ أنواع الاحتراس الكلي من العرب وسكان الجبل، فبلَّغ إبراهيم باشا هذه الأوامر إلى القوَّاد جميعهم، وأخذ الجنود في الرجوع من كل فج، وصاروا يتجمَّعون حول قائدهم الأعظم الذي قادهم غير مرة إلى النصر والظفر، وبعد ذلك قسم الجيش عدة فرق كل منها تحت إمرة أحد ممن اشتهر من القوَّاد بالبسالة والتبصر في عواقب الأمور، وسار الكل راجعين إلى مصر تاركين البلاد التي سفكوا فيها دماءهم وتركوا فيها قبور إخوانهم.

وكان ابتداء الجيش في الرجوع إلى مصر في شوَّال سنة ١٢٥٦ (الموافق أواسط شهر دسمبر سنة ١٨٤٠)، ووصل الكل إلى القاهرة بعد أن ذاقوا مرارة النَّصَب، وتحملوا أنواع الذل والتعب، وقاسوا شديد الوصب مما تكلُّ عن وصفه الأقلام، ولا تحيط بنعته الأوهام، ويكدِّر الأذهان، فضلًا عن موت كثير منهم في الطريق بسبب مناوشات العرب الذين زادت قحتهم وجراءتهم لمَّا تحققوا عدم تمكن المصريين من العودة وراءهم واقتفاء آثارهم، ومع ذلك فقد تمكَّن سليمان باشا من إرجاع مائة وخمسين مدفعًا بخيولها إلى مصر، وكثير من خيول السواري التي هلك قسم عظيم منها بسبب العطش وشدَّة التعب.

وأما إبراهيم باشا وفرقته فلم يمكنهم العودة إلى القاهرة من طريق صحراء العريش لشدَّة ما لاقوه أثناء مرورهم في فلسطين من معارضة العرب لهم وسدِّهم الطريق عليهم واحتلالهم جميع القناطر المبنية على الأنهر، حتى اضطر لمحاربتهم في كل يوم بل وفي كل ساعة.

وأخيرًا؛ وصل مدينة غزة بعد أن استشهد في الطريق ثلاثة أرباع من معه وكثير من المستخدمين الملكيين الذين أرادوا الرجوع إلى وطنهم مع عائلاتهم، فلما وصل غزة كتب لوالده إشعارًا بقدومه، وطلب منه إرسال ما يلزم له من المراكب لنقل فرقته إلى الإسكندرية وما يلزم لمئونتهم وملبسهم.

وفي أثناء هذه المدَّة عرض الكومودور نابير على محمد علي باشا أن الحكومة الإنكليزية تسعى لدى الباب العالي في إعطاء مصر له ولورثته لو تنازل عن الشام وردَّ الدونانمة التركية إلى الدولة العلية؛ فامتثل لهذا الأمر، وقبل هذه الشروط لحفظ مصر لذريته، وتمَّ بينهما الاتفاق في ٢ شوَّال سنة ١٢٥٦ (الموافق ٢٧ نوفمبر سنة ١٨٤٠).

ولم يقبل الباب العالي هذا الاتفاق إلا بعد تردُّد وإحجام وتداول عدَّة مخاطبات بينه وبين وكلاء الدول الأربع المتحدة المجتمعين بمدينة لوندرة بصفة مؤتمر، وصدر بذلك فرمان همايوني في تاريخ ٢١ ذي القعدة سنة ١٢٥٦ (الموافق ١٣ فبراير سنة ١٨٤١) هذا نصه نقلًا عن قاموس جلاد:

رأينا بسرور ما أعرضتموه من البراهين على خضوعكم وتأكيدات أمانتكم وصدق عبوديتكم لذاتنا الشاهانية ولمصلحة بابنا العالي، فطول اختباركم وما لكم من الدراية بأحوال البلاد المسلمة إدارتها لكم من مدة مديدة لا يتركان لنا ريبًا بأنكم قادرون بما تبدونه من الغيرة والحكمة في إدارة شئون ولايتكم على الحصول من لدنا الشاهاني على حقوق جديدة في تعطفاتنا الملوكية وثقتنا بكم، فتقدِّرون في الوقت نفسه إحساناتنا إليكم قدرها، وتجتهدون ببث هذه المزايا التي امتزتم بها في أولادكم، وبمناسبة ذلك صممنا على تثبيتكم في الحكومة المصرية المبينة حدودها في الخريطة المرسومة لكم من لدن صدرنا الأعظم، ومنحناكم فضلًا على ذلك ولاية مصر بطريق التوارث بالشروط الآتي بيانها:

متى خلا منصب الولاية المصرية تعهد الولاية إلى من تنتخبه سدَّتنا الملوكية من أولادكم الذكور، وتجري هذه الطريقة نفسها بحق أولاده وهلم جرًّا. وإذا انقرضت ذرِّيتكم الذكور لا يكون لأولاد نساء عائلتكم الذكور حق أيًّا كان في الولاية وإرثها، ومن وقع عليه من أولادكم الانتخاب لولاية مصر بالإرث بعدكم يجب عليه الحضور إلى الآستانة لتقليده الولاية المذكورة على أن حق التوارث الممنوح لوالي مصر لا يمنحه رتبة ولا لقبًا أعلى من رتبة سائر الوزراء ولقبهم ولا حقًّا في التقدُّم عليهم، بل يعامل بذات معاملة زملائه، وجميع أحكام خطنا الشريف الهمايوني الصادر عن كلخانة، وكافة القوانين الإدارية الجاري العمل بها أو تلك التي سيجري العمل بموجبها في ممالكنا العثمانية، وجميع العهود المعقودة أو التي ستعقد في مستقبل الأيام بين بابنا العالي والدولة المتحابة يتبع الإجراء على مقتضاها جميعها في ولاية مصر أيضًا، وكل ما هو مفروض على المصريين من الأموال والضرائب يجري تحصيله باسمنا الملوكي.

ولكي لا يكون أهالي مصر — وهم من بعض رعايا بابنا العالي — معرَّضين للمضارِّ والأموال والضرائب غير القانونية؛ يجب أن تنظم تلك الأموال والضرائب المذكورة بما يوافق حالة ترتيبها في سائر الممالك العثمانية وربع الإيرادات الناتجة من الرسوم الجماركية ومن باقي الضرائب التي تتحصَّل في الديار المصرية يتحصل بتمامه ولا يخصم منه شيء، ويؤدى إلى خزينة بابنا العالي العامرة، والثلاث أرباع الباقية تبقى لولايتكم لتقوم بمصاريف التحصيل والإدارة المدنية والجهادية وبنفقات الوالي وبأثمانِ الغلال الملزومة مصر بتقديمها سنويًّا إلى البلاد المقدَّسة (مكة والمدينة)، ويبقى هذا الخراج مستمرًّا دفعه من الحكومة المصرية بطريقة تأديته المشروحة مدَّة خمس سنوات تبتدئ من عام ١٢٥٧؛ أي من يوم ١٢ فبراير سنة ١٨٤١، ومن الممكن ترتيب حالة أخرى بشأنهم في مستقبل الأيام تكون أكثر موافقة لحالة مصر المستقبلة ونوع الظروف التي ربَّما تجدُّ عليها.

ولما كانت واجبات بابنا العالي الوقوف على مقدار الإيرادات السنوية والطرق المستعملة في تحصيل العشور وباقي الضرائب، وكان الوقوف على هذه الأحوال يستلزم تعيين لجنة مراقبة وملاحظة في تلك الولاية، فينظر في ذلك فيما بعد ويجري ما يوافق إرادتنا السلطانية.

ولما كان من اللزوم أن يعين بابنا العالي ترتيبًا لصك النقود لما في ذلك من الأهمية بحيث لا يعود يحدث فيها خلاف لا من جهة العيار ولا من جهة القيمة؛ اقتضت إرادتي السنية أن تكون النقود الذهبية والفضية الجائز لحكومة مصر ضربها باسمنا الشاهاني معادلة للنقود المضروبة في ضربخانتنا العامرة بالآستانة، سواء كان من قبيل عيارها أو من قبيل هيئتها وطرزها.

ويكفي أن يكون لمصر في أوقات السلم ثمانية عشر ألف نفر من الجند للمحافظة في داخلية مصر، ولا يجوز أن تتعدى ولايتكم هذا العدد، ولكن حيث إن قوَّات مصر العسكرية معدَّة لخدمة الباب العالي كأسوة قوَّات المملكة العثمانية الباقية، فيسوغ أن يزاد هذا العدد في زمن الحرب بما يرى موافقًا في ذلك الحين، على أنه بحسب القاعدة الجديدة المتبعة في كافة ممالكنا بشأن الخدمة العسكرية بعد أن تخدم الجند مدَّة خمس سنوات يستبدلون بسواهم من العساكر الجديدة، فهذه القاعدة يجب اتباعها أيضًا في مصر بحيث ينتخب من العساكر الجديدة الموجودة في الخدمة حالًا عشرون ألف رجل ليبدءوا الخدمة، فيحفظ منها ثمانية عشر ألف رجل في مصر، وترسل الألفان لهنا لأداء مدَّة خدمتهم. وحيث إن خمس العشرين ألف رجل واجب استبدالهم سنويًّا فيؤخذ سنويًّا من مصر أربعة آلاف رجل حسب القاعدة المقررة من نظام العسكرية حين سحب القرعة، بشرط أن تستعمل في ذلك واجبات الإنسانية والنزاهة والسرعة اللازمة، فيبقى في مصر ثلاثة آلاف وستمائة جندي من الجنود الجديدة والأربعمائة يرسلون إلى هنا، ومن أتمَّ خدمته من الجنود المرسلة إلى هذا الطرف ومن الجنود الباقية في مصر يرجعون إلى مساكنهم ولا يسوغ طلبهم للخدمة مرَّة ثانية.

ومع كون مناخ مصر ربما يستلزم أقمشة خلاف الأقمشة المستعملة لملبوسات العساكر فلا بأس من ذلك، فقط يجب أن لا تختلف هيئة الملابس والعلائم التمييزية ورايات الجنود المصرية عن مثلها من ملابس ورايات باقي الجنود العثمانية، وكذا ملابس الضباط وعلائم امتيازهم وملابس الملاحين وعساكر البحرية المصرية ورايات سفنها يجب أن تكون مماثلة لملابس ورايات وعلائم رجالنا وسفننا.

وللحكومة المصرية أن تعين ضباطًا برِّية وبحرية حتى رتبة الملازم، أما ما كان أعلى من هذه الرتبة فالتعيين إليها راجع لإرادتنا الشاهانية.

ولا يسوغ لوالي مصر أن ينشئ من الآن فصاعدًا سفنًا حربية إلا بإذننا الخصوصي. وحيث إن الامتياز المعطى بوراثة ولاية مصر خاضع للشروط الموضحة أعلاه، فعدم تنفيذ أحد هذه الشروط موجب لإبطال هذا الامتياز وإلغائه للحال، وبناءً على ذلك قد أصدرنا خطنا هذا الشريف الملوكي كي تقدِّروا أنتم وأولادكم قدر إحساننا الشاهاني فتعتنوا كل الاعتناء بإتمام الشروط المقرَّرة فيه، وتحموا أهالي مصر من كل فعل إكراهي، وتكفلوا أمنهم وسعادتهم مع التحذر من مخالفة أوامرنا الملوكية وإخبار بابنا العالي عن كل المسائل المهمة المتعلقة بالبلاد المعهودة ولايتها لكم. ا.ﻫ.

ولقد منحه الباب العالي أيضًا ولايات النوبة ودارفور وكردفان وسنار مدَّة حياته، بدون أن تنتقل إلى ورثته كمصر بمقتضى فرمان شاهاني أُصدِر في اليوم الذي أصدر فيه الفرمان الأول؛ أعني في ١٣ فبراير سنة ١٨٤١، هذا نصه:

إن سدَّتنا الملوكية كما توضح في فرماننا السلطاني السابق قد ثبَّتكم على ولاية مصر بطريق التوارث بشروط معلومة وحدود معينة، وقد قلدتكم فضلًا على ولاية مصر ولاية مقاطعات النوبة ودارفور وكردفان وسنار، وجميع توابعها وملحقاتها الخارجة عن حدود مصر، ولكن بغير حق التوارث، فبقوَّة الاختبار والحكمة التي امتزتم بها تقومون بإدارة هاته المقاطعات وترتيب شئونها بما يوافق عدالتنا وتوفير الأسباب الآيلة لسعادة الأهلين، وترسلون في كل سنة قائمة إلى بابنا العالي حاوية بيان الإيرادات السنوية جميعها.

وحيث إنه يحدث من وقت لآخر أن تهجم الجنود على قرى المقاطعات المذكورة فيأسرون الفتيان من ذكور وإناث ويبقونهم في قبضة يدهم لقاء رواتبهم، وحيث إن هذه الأمور مما تفضي معها الحال ليس فقط لانقراض أهالي تلك البلاد وخرابها، بل إنها أمور مخالفة للشريعة الحقة المقدَّسة، وكلا هاتين الحالتين ليست أقل فظاعة من أمر آخر كثير الوقوع، وهو تشويه الرجال ليقوموا بخفر الحريم، ذلك مما لا ينطبق على إرادتنا السنية مع مناقضته كل المناقضة لمبادئ العدل والإنسانية المنتشرة من يوم جلوسنا المأنوس على عرش السلطنة العلية، فعليكم مداركة هذه الأمور بما ينبغي من الاعتناء لمنع حدوثها في المستقبل، ولا يبرح عن بالكم أن فيما عدا بعض أشخاص توجهوا إلى مصر على أسطولنا الملوكي قد عفوت عن جميع الضباط والعساكر وباقي المأمورين الموجودين في مصر. نعم إن بموجب فرماننا السلطاني السابق تسمية الضباط المصرية لما فوق رتبة المعاون يستلزم العرض عنها لأعتابنا الملوكية، إلا أنه لا بأس من إرسال بيان باسم من رقيتم من ضباط جنودكم إلى بابنا العالي كي ترسل لهم الفرمانات المؤذنة بتثبيتهم في رتبهم، هذا ما نطقت به إرادتنا السامية؛ فعليكم الإسراع في الإجراء على مقتضاها. ا.ﻫ.

فقبل محمد علي باشا كل هذه الشروط ولو عن غير رضًا، ثم طلب من الدول أن تساعده في تخفيف بعضها وتغيير البعض الآخر؛ فقبلت ذلك، وأرسلت إلى الباب العالي لائحة بتاريخ ١٣ مارس سنة ١٨٤١ طلبت منه بها أن يعامله على حسب ما هو مدَّون بملحق معاهدة ١٥ يوليو سنة ١٨٤٠ وبلائحة ٣٠ يناير سنة ١٨٤١، فتنازلت الحضرة السلطانية بمقتضى لائحة أرسلت للدول بتاريخ ١٩ أبريل سنة ١٨٤١ بتحوير فرمانها الصادر في ١٣ فبراير سنة ١٨٤١ هذه صورتها:

إن الحضرة السلطانية الفخيمة تلقت ما تعطفت عليها به الدول المتحالفة من النصائح هذه الدفعة أيضًا، وبمناسبتها قد منحت محمد علي باشا إحسانًا جديدًا هو التكرم منها بإعطائه الامتيازات الآتية، ولكنها قد اشترطت عليه الانقياد التام إلى جميع الوثائق والمعاهدات المبرمة حالًا والتي ستبرم استقبالًا فيما بين الباب العالي والدول المتحالفة. وعلى ذلك أصبحت ولاية مصر تنتقل بالإرث لمحمد علي باشا وأولاده وأولاد أولاده الذكور بصورة أن يتولى الأكبر فالأكبر فيقلده الباب العالي منصب الولاية كلما خلا هذا المنصب من والٍ، وقد تنازل الباب العالي عن استيلائه على ربع إيرادات مصر، وسيعين فيما بعد قيمة الخراج الواجب على ولاية مصر دفعه وترتيب مقداره وطريقة تحصيله بما يناسب حالة إيرادات الولاية. أما عما خص التسميات في الرتب المختلفة في العسكرية المصرية فمرخص لمحمد علي باشا أن يمنحها من نفسه حتى رتبة الأميرالاي فقط، أما التسمية لما فاق على هذه الرتبة فيجب عليه أن يعرض بشأنه إلى الباب العالي.

أما ما كان متعلقًا بالإدارة الداخلية وكان اتباعه واجبًا في مصر كاتباعه في سائر الممالك العثمانية، فيظهر أن محمد علي باشا لا يرغب التكلم بشأنه بما ينبغي من الصراحة مع كونه قد سبق تقرير ذلك في العقد المفرد التابع لمعاهدة المحالفة، ولكن كي لا يدع الباب العالي سبيلًا للدول المتحالفة بالتضرر منه بأمر من الأمور كما لو حدث أن ارتكب محمد علي في المستقبل أعمالًا مخالفة لنقطة مهمة مسندة على المعاهدة المحكي عنها، قد قرَّر وزراء الباب العالي والحالة على ما ذكر أمرًا شديد الأهمية هو أن تطلب بادئ بدءٍ الإيضاحات والتقريرات الصريحة بهذا الصدد؛ ولذلك تحرر هذا لسعادتكم رجاءَ إعطاء الإيضاحات والتقريرات المذكورة من قبلكم خطًّا. ا.ﻫ.

ولما أقرَّت الدول على هذا التحوير بمقتضى لائحة تاريخها ١٨ ربيع الأول سنة ١٢٥٧ (الموافق ١٠ مايو سنة ١٨٤١) أصدرت الحضرة الشاهانية فرمانًا آخر في ١١ ربيع الآخر سنة ١٢٥٧ (الموافق أول يونيو سنة ١٨٤١) مؤيدًا لما في الفرمان السابق، وفي غرَّة جمادى الآخرة سنة ١٢٥٧ (الموافق ٢١ يوليو سنة ١٨٤١) صدر فرمان آخر يجعل مقدار ما تدفعه الحكومة المصرية إلى الدولة العلية سنويًّا ثمانين ألف كيسة.٦

ثم أخذت فرنسا وإنكلترا تسعيان في إبطال شروط معاهدة «خونكار أسكله سي» القاضية بأن يكون لمراكب الروسيا حق المرور من بوغازيْ البوسفور والدردنيل في أي وقت شاءت.

وبعد مخابرات طويلة اتفقت الدول أجمع بما فيها الروسيا على أن لا يكون لإحداهن هذا الحق مطلقًا، بل تبقى بوغازات الآستانة مقفلة أمام جميع الدول، وأمضيت بذلك معاهدة بتاريخ ٢٣ جمادى الأولى سنة ١٢٥٧ (الموافق ١٣ يوليو سنة ١٨٤١) بين الباب العالي والنمسا وفرنسا وبريطانيا العظمى والروسيا والبروسيا دعيت بمعاهدة البوغازات، وبذلك تساوت الروسيا بباقي الدول، وفقدت كل ما اكتسبه بمساعيها السابقة. وهاك صورة هذه المعاهدة:
  • البند الأوَّل: إن جلالة السلطان يعلن عزمه وتصميمه على حفظ واتباع القاعدة القديمة في المستقبل التي بموجبها منعت جميع مراكب الدول الأجنبية الحربية من المرور من بوغازي البوسفور والدردنيل، وإنه ما دام في حالة السلم لا يسمح لأي مركب حربية أجنبية بالمرور من هذين البوغازين.

    ويعلن كل من جلالة إمبراطور النمسا، وملك المجر وبوهميا، وملك الفرنساويين، وملكة بريطانيا العظمى وإرلاندة المتحدة، وملك البروسيا، وإمبراطور جميع الروسيا، باحترام هذا العزم الصادر من جلالة السلطان، واتباع القاعدة المقررة سابقًا.

  • البند الثاني: وقد تقرر أنه مع الإقرار بعدم جواز مس هذه القاعدة المقررة قديمًا، فإن السلطان يحفظ لنفسه الحق كما كان له ذلك في السابق في إصدار فرمانات بجواز مرور بعض السفن الحربية الخفيفة لتكون في خدمة سفارات الدول المتحابة.
  • البند الثالث: وكذلك يحفظ جلالة السلطان لذاته الشريفة الحق في تبليغ صورة هذا الاتفاق لجميع الدول التي بينها وبين الباب العالي العثماني صلة مودَّة، ودعوتهم إلى القبول بأحكامه.
  • البند الرابع: يصير التصديق على هذا الاتفاق في مدينة لوندرة، وتتبادل التصديقات عليه بعد شهرين أو قبل ذلك إن أمكن.
الإمضاءات

وبمقتضى ذلك قد أمضاه مندوبو الدول المذكورة، وبصموا عليه أختامهم تحريرًا في مدينة لوندرة في ١٣ يوليو سنة ١٨٤١ ميلادية.

(٣) مسألة لبنان ومقتلة المارونية

بمجرد إخلاء الجيوش المصرية لبلاد الشام وجبال لبنان، وعدم شعور سكانها بسطوة إبراهيم باشا وبطشه، تحركت فيهم العداوة الدينية القديمة الكامنة في نفوسهم؛ خوفًا من شدة بأس إبراهيم باشا وعدم رأفته في معاقبتهم، وزادت الدسائس الأجنبية لإضرام نار الشقاق وبذر الفتن الداخلية توصلًا لغاياتهم الشخصية، فكانت فرنسا مساعدة للمارونية الكاثوليك، وإنكلترا معضدة للدروز ضدَّهم لتُلجئهم على ترك المذهب الكاتوليكي واعتناق المذهب البروتستانتي، فيدخلوا بذلك تحت حمايتها الفعلية، ولم يعد لفرنسا حجة لحمايتهم لسبب مذهبي، وظنَّ كل فريق من هؤلاء التعساء أن الدولة التي تغرِّره تودُّ صلاح حاله وترقيه في المدنية، ولم تفقه لدخائل هذه السياسة الخبيثة التي لا يتأخر أصحابها أمام إهراق دماء الأبرياء توصلًا لمآربهم.

وبهذه الدسائس ساد الهُياج في جميع أنحاء لبنان، وظهر ما تُكِنُّه صدور سكانه من الأحقاد الجنسية والدينية، حتى تعدَّى الدروز على المارونية في سنة ١٢٥٧ هجرية (الموافقة سنة ١٨٤١)، ودخلوا دير القمر، وارتكبوا فيه ما تقشعر منه الأبدان من النهب والسلب وقتل النساء والولدان وسبي الحرائر، ولولا تدخل الجيوش بشدَّة لامتدَّت الثورة.

لكن لم يَرُقْ ذلك في أعين أرباب الغايات، بل ما انفكُّوا يوالون دسائسهم ويلقون بذور الفساد ويتعهدونها بالمداومة والمثابرة حتى قام الدروز ثانية في سنة ١٢٦١ هجرية (الموافقة سنة ١٨٤٥) وقتلوا المسيحيين، وتعدوا على قسس الكاثوليك الفرنساويين، وقتلوا رئيس أحد الأديرة واسمه «شارل دي لوريت» واثنين من رهبان الدير وحرقوا جثثهم، ثم أضرموا النار في الدير حتى صار قاعًا صفصفًا، بعد أن نهبوا كل ما به من المنقولات والأمتعة بدون أن يحصل أقل أذًى للمرسلين البروتستانت الأمريكانيين والإنكليز؛ الأمر الذي يدل دلالة واضحة على أن هذه المذابح لا تخلو من تأثيرهم حتى يثبتوا للمارونية الكاثوليك أنهم لو اعتنقوا المذهب البروتستانتي لا يلحقهم ضرر ويصيرون في مأمن من تعدي الدروز، فيستميلونهم للتمذهب بمذهبهم ولا يبقى لفرنسا وجه لحمايتهم.

وبسبب هذه الاضطرابات المتعاقبة لم يَرَ الباب العالي بُدًّا من التداخل في إدارة الجبل لمنع هذه الفتن، فعزل الأمير بشيرًا الشهابي بعد خروج العساكر المصرية من الشام كما مَرَّ وعيَّن مكانه واليًا عثمانيًّا، وأبطل بذلك جميع امتيازات سكان الجبل الممنوحة لهم قديمًا بمقتضى عدة معاهدات، وما منح لهم أخيرًا باتفاق الدول عقب جلاء العساكر المصرية عنه لتحققه أن وجود الشعوب المختلفة القاطنة به تحت حكم وال واحد أقطع للمفاسد وأمنع لظهور الضغائن الدينية بين الموارنة والدروز، فلم تقبل الدول ذلك، بل اضطر الباب العالي بناءً على مساعيها أن يعيد للجبل بعض امتيازاته، واتفق مع سفراء الدول على أن يكون للوالي العثماني قائما مقام أحدهما ماروني والآخر درزي يتولى كل منهما النظر في شئون أبناء جنسه، وذلك في سنة ١٢٥٨ هجرية (الموافقة سنة ١٨٤٢).

لكن لم تنجح هذه الطريقة أيضًا؛ لاختلاط سكان بعض القرى من موارنة ودروز، فسلخ الباب العالي إقليم الجبائل الآهل بالموارنة من حكومة الجبل، وضمه إلى ولاية طرابلس بلا امتيازات كباقي أقاليم الجبل، فعارض بطرق الموارنة في ذلك، وأرسل إلى جميع القناصل يحتجُّ ضدَّ هذا العمل المنافي للاتفاق الأخير، مدعيًا أن الدولة لم تُرِدْ بذلك إلا إضعاف العنصر الماروني وتقوية العنصر الدرزي. فبناءً على هذه الشكوى أرسل الباب العالي — بصفة والٍ على الشام — رجلًا اتصف بالاستقامة وأصالة الرأي يدعى أسعد باشا؛ للنظر في تسوية هذه المسألة، فارتأى ضرورة إعادة الأمير بشير الشهابي إلى إمارة الجبل كما كان، فلم يقبل الباب العالي هذا الحل، وانتدب آخر يدعى خليل باشا لتحقيق تشكيات الطرفين وتقديم تقرير عما يراه حاسمًا للنزاع، فاختلف مع أسعد باشا في الرأي، وقال بأفضلية اعتبار جبل لبنان كباقي الولايات العثمانية بدون أدنى امتياز.

ولعدم قبول القناصل بهذا الرأي اتفقوا أخيرًا في غضون سنة ١٢٥٩ هجرية (الموافقة سنة ١٨٤٣) على أن يعين في القرى المختلطة وكيلان أحدهما درزي والآخر ماروني، ويكون كل منهما تابعًا للقائم مقام الذي على مذهبه، فلم يقبل الدروز إلا أن يكون لهم السيادة على المارونية في الجهات المختلطة، وهؤلاء آثروا التتبع لإحدى الولايات العثمانية المحضة على أن يكونوا تحت سيادة الدروز.

واستحسن الباب العالي هذا الرأي الأخير، لكن لم يَرُقْ ذلك في أعين الدروز ولا في أعين المغرين لهم، فهاجوا ثانيًا وقاموا على المارونية، وحصلت مذبحة جمادى الأولى سنة ١٢٦١ هجرية (الموافقة سنة ١٨٤٥) السابق ذكرها، فأرسلت الدولة جيوشها واحتلت البلاد سهلًا وجبلًا بصفة عسكرية وأجرت فيها الأحكام العرفية، ثم دارت المخابرات بين الدول العظمى والباب العالي لتقرير ما يضمن السلام في الحال والاستقبال، فاجتمعت آراؤهم أخيرًا بعد مداولات طويلة وأخذٍ وردٍّ على أن يبقى في القرى المختلفة وكيلان درزي وماروني، ويعين لكل من القائميْ مقام مجلس يشاركه في الإدارة مع بقائه تحت رئاسته، ويشكل كل من هذين المجلسين من عشرة أعضاء: خمسة قضاة وخمسة مستشارين؛ اثنان منهما من الدروز، واثنان من المارونية، واثنان من المسلمين، واثنان من المدنيين، واثنان من المتمذهبين بمذهب الأروام الأرثوذكس، ويكون من اختصاصها توزيع الضرائب بالسواء بدون نظر إلى اختلاف دين أو مذهب، أما تحصيلها فيكون بمعرفة القائميْ مقام ووكلائهما في القرى والضياع.

ومن اختصاصهما أيضًا النظر في القضايا الحقوقية والجنائية، وإن امتنع مندوب أي طائفة عن الإقرار على قائمة توزيع الضرائب بدعوى أنها مجحفة بحقوق أبناء طائفتهم يرفع الأمر للوالي العثماني فيحكم فيها نهائيًّا، وقبل تنفيذ أحكامها يمضي عليها القائم مقام المختص، وجعل راتب كل عضو من أعضاء المجلسين ألفًا وخمسمائة فرنك في السنة، وراتب القائم مقام ٤٨ ألف فرنك سنويًّا، وكل من وكلائه ألف وثمانمائة فرنك.

وبذا انتهت مسألة لبنان مؤقتًا بما أن الدروز لم يقبلوا هذه التسوية إلا مؤمِّلين نَوَالَ زيادة عما فيها طبقًا لوساوس مندوبي إنكلترا لهم بأنها ستمنحهم مع الوقت السيادة على جميع الشعوب الساكنة بلبنان، واستمرَّت الفتن جارية مجراها حتى حصلت مذبحة سنة ١٢٧٧ﻫ (سنة ١٨٦٠)، وتداخلت فرنسا عسكريًّا لحماية المارونية، وانسحبت ثانيًا بعد توطيد الأمن وحفظ حقوق الموارنة كما سيجيء.

(٣-١) الإصلاحات الداخلية

هذا؛ وسار السلطان عبد المجيد خان على خطة والده المرحوم السلطان الغازي محمود خان في الإصلاحات الداخلية، حتى تجاري الدولة العثمانية باقي الدول في التمدُّن والعمران؛ فأصدر عقب توليته منصب الخلافة العظمى بقليل أمرًا ساميًا قرئ علنًا في جمهور من الوزراء والأعيان في يوم ٢٦ شعبان سنة ١٢٥٥ﻫ (الموافق ٣ نوفمبر سنة ١٨٣٩)، وهذا نصه مترجمًا من كتاب أحمد مدحت المسمى «أس انقلاب»:

فرمان الكلخانة

لا يخفى على عموم الناس أن دولتنا العلية من مبدأ ظهورها وهي جارية على رعاية الأحكام القرآنية الجليلة والقوانين الشرعية المنيفة بتمامها؛ ولذا كانت قوة ومكانة سلطتنا السنية ورفاهية وعمارية أهاليها وصلت حدَّ الغاية. وقد انعكس الأمر منذ مائة وخمسين سنة بسبب عدم الانقياد والامتثال للشرع الشريف ولا للقوانين المنيفة بناءً على طروء الكوارث المتعاقبة والأسباب المتنوعة، فتبدَّلت قوتها بالضعف وثروتها بالفقر. وبما أن الممالك التي لا تكون إدارتها بحسب القوانين الشرعية لا يمكن أن تكون ثابتة كانت أفكارنا الخيرية الملوكية منحصرة في إعمار الممالك واتحاد ورفاهية الأهالي والفقراء من يوم جلوسنا السعيد، وصار التشبث في الأسباب اللازمة بالنظر إلى مواقع ممالك دولتنا العلية الجغرافية ولأراضيها الخصبة ولاستعداد وقابلية أهاليها، لتحصل بمشيئة الله تعالى الفائدة المقصودة في ظرف خمس أو عشر سنين.

واعتمادًا على المعونة الإلهية واستنادًا على الإمدادات الروحانية النبوية قد رُئِيَ من الآن فصاعدًا أهمية لزوم وضع وتأسيس قوانين جديدة تتحسن بها إدارة ممالك دولتنا العلية المحروسة، والمواد الأساسية لهذه القوانين هي عبارة عن الأمن على الأرواح، وحفظ العرض والناموس والمال، وتعيين الخراج، وهيئة طلب العساكر للخدمة ومدَّة استخدامهم؛ لأنه لا يوجد في الدنيا أعز من الروح والعرض والناموس والمال، فلو رأى إنسان أن هؤلاء مهدَّدون وكانت خلقته الذاتية وفطرته الأصلية لا تميل إلى ارتكاب الخيانة، فوقاية لحفظ روحه وناموسه لا بد أن يتشبث في بعض إجراءات للتخلص منها، وهذا الأمر لا يخفى أنه مضرٌّ بالدولة والملة، كما أنه إذا كان أمينًا على ماله وناموسه لا يحيد عن طريق الاستقامة، وتنحصر أفكاره وأشغاله في القيام بواجب الخدمة لدولته وملته.

وكما أنه في حال افتقاد الأمن على المال لا يميل الشخص إلى دولته وملته، ولا ينظر للانتفاع بأملاكه، بل كما أنه لا يخلو دائمًا من الفكر والاضطراب، فلو قدر العكس — أعني لو كان الإنسان آمنًا على ماله وأملاكه — فلا شك أنه يشتغل بأموره وتوسيع دائرة تعيشه، وتتولد يومًا فيومًا عنده الغيرة على الدولة والمملكة، وتزداد محبته للوطن، وبهذا يجتهد في تحسين حاله.

وأما مادة تعيين الخراج، فكل دولة لا بد أن تكون محتاجة إلى العساكر وسائر المصاريف المقتضية للمحافظة على ممالكها، وهذا لا تتيسر إدارته إلا بالنقود، والنقود لا تتحصل إلا من الخراج، فلا غرو أن النظر إلى تحسين هذه المادة من أهم الأمور.

هذا؛ ولو أن أهالي ممالكنا المحروسة تخلَّصوا لله الحمد قبل الآن من بلوى اليد الواحدة التي كانت متسلطة على الإيرادات الوهمية، لكن أصول الالتزامات المضرة المعتبرة من ضمن أسباب الخراب التي لم يظهر منها ثمرة نافعة في أي حال لم تزل جارية للآن، وهذا يعد كتسليم مصالح المملكة السياسية وإدارتها المالية ليد رجل، وبالأحرى أن نقول بوضعها تحت قهره وجبره، فإنه إن لم يكن رجلًا أمينًا لا شك أنه ينظر إلى فائدته الشخصية، وتكون كل حركاته وسكناته عبارة عن غدر وظلم، فيلزم بعد الآن تعيين خراج مناسب على قدر اقتدار وأملاك كل فرد من أفراد أهالي المملكة، ولا يؤخذ شيء زيادة عن المقرر من أحد ما، وتحديد وبيان سائر مصرف عساكر دولتنا العلية البرية والبحرية وكل لوازماتهم بموجب قوانين إيجابية والإجراء بمقتضاها.

وأما مسألة الجندية فلكونها من المواد المهمة حسب ما ذكر، ومع كونه مفروضًا على ذمة الأهالي تقديم العساكر اللازمة للمحافظة على الوطن، لكن الجاري للآن هو عدم النظر والالتفات إلى عدد النفوس الموجودة بالبلدة، بل يطلب من بعض البلدان زيادة عن تحملها ومن البعض الآخر أنقص مما تتحمل، وهذا فضلًا عما فيه من عدم النظام فإنه موجب لاختلال موارد منافع الزراعة والتجارة. واستخدام العساكر إلى نهاية العمر أمر مستلزم لقطع التناسل، فعلى تقدير طلب أنفار عسكرية من كل بلد يلزم وضع وتأسيس أصول مستحسنة لاستخدام العساكر أربع أو خمس سنوات بطريق المناوبة. والحاصل أنه بدون تدوين هذه القوانين النظامية لا يمكن حصول القوَّة والعمار والراحة؛ فإن أساس جميع ذلك هو عبارة عن المواد المشروحة.

ولا يجوز بعد الآن إعدام وتسميم أرباب الجنح جهارًا، أو خفية بدون أن تنظر دعاويهم علنًا بكل دقة بمقتضى القوانين الشرعية، ولا يجوز مطلقًا تسلط أحد على عرض وناموس آخر، وكل إنسان يكون مالكًا لماله وملكه ومتصرفًا فيهما بكمال الحرية، ولا يمكن أن يتداخل في أموره شخص آخر، وإذا فرض ورفعت تهمة على أحد وكانت ورثته بريئي الساحة منها فبعد مصادرة أمواله لا تحرم ورثته من ميراثهم الشرعي، وتمتاز سائر تبعية دولتنا العلية من المسلمين وسائر الملل الأخرى بمساعداتنا هذه الملوكية بدون استثناء، وقد أعطيت من طرفنا الملوكي الأمنية التامة في الروح والعرض والناموس والمال بمقتضى الحكم الشرعي لكل أهالي ممالكنا المحروسة، وسيعطى القرار اللازم باتفاق الآراء عن المواضيع الأخرى أيضًا، وستزاد أعضاء مجلس الأحكام العدلية على قدر اللزوم وتجتمع هناك وكلاء ورجال دولتنا العلية في بعض الأيام التي ستعين، وجميعهم يبدون أفكارهم وآراءهم بالحرية التامة بدون تحاشٍ، وتتقرر القوانين المقتضية المختصة بالأمن على الروح والمال وتعيين الخراج، وستجري المكالمة اللازمة عنها بدار شورى باب السر عسكرية، وكلما تقرر قانون يعرض لطرفنا الملوكي لتتويج عاليه بخطنا الملوكي حتى يكون دستورًا للعمل إلى ما شاء الله.

وبما أن هذه القوانين الشرعية ستوضع لإحياء الدين والدولة والملك والملة، فسيؤخذ العهد والميثاق اللازم من قبلنا الملوكي بعدم وقوع أي حركة مخالفة لها، وسنحلف قسمًا بالله العظيم في أودة الخرقة الشريفة بحضور جيمع العلماء والوكلاء، وسيصير تحليفهم أيضًا. وعلى هذا فكل من خالف هذه القوانين الشرعية من الوكلاء والعلماء أو أي إنسان مهما كانت كانت صفته سيجري توقيع الجزاءات اللازمة عليهم بدون رعاية رتبة ولا خاطر، وسيصير تدوين قانون جزاء مختص بذلك، ولكون كافة المأمورين لهم راتب وافٍ الآن؛ فإن وجد منهم من يكون راتبه قليلًا سيصير ترقية حاله.

هذا؛ ولينظر في مادة الرشوة الكريهة بتدوين قانون شديد لذلك؛ لأنها أعظم سبب لخراب الملك وممقوتة شرعًا، ولكون الإصلاحات المشروحة آنفًا ستزيل طوارئ الفقر والفاقة كلية، فكما أنه سيصير إعلان إرادتنا الملوكية هذه للآستانة ولكافة أهالي ممالكنا المحروسة يلزم أن تبلغ أيضًا لسفراء الدول المتحابة الموجودين بالآستانة؛ ليكونوا شهودًا على دوام هذه الإصلاحات إلى الأبد إن شاء الله تعالى، ونسأل مالك الممالك أن يلهمنا التوفيق جميعًا، وأن يصب على كل من خالف هذه القوانين المؤسسة سوط عذاب النقمة، وأن لا يُنجِح له أعمالًا مدى الدهر آمين. حرر في يوم الأحد ٢٦ شعبان سنة ١٢٥٥.

لكن أشغلته عن إتمام هذه الإصلاحات حرب الروسيا التي قامت بسبب اختلاف فرنسا والروسيا على حماية الأماكن المقدَّسة بأورشليم، ودعيت بحرب القرم.

ولما انتهت هذه الحرب أصدر السلطان فرمانًا جديدًا ببيان الإصلاحات المقتضى إدخالها في الممالك المحروسة في ١١ جمادى الآخرة سنة ١٢٧٢ (الموافق ١٨ فبراير سنة ١٨٥٦)، وهذا نصه مترجمًا من كتاب «أس انقلاب»:

الإصلاحات الخيرية

من أهمِّ أفكارنا السامية سعادة أحوال كافة صنوف التبعة التي أودعها الله إلى يدنا الملوكية المؤيدة، ولما بذلناه من هممنا الملوكية في هذا الشأن من يوم جلوسنا المقرون باليمن قد تزايد عمار وثروة مملكتنا العلية يومًا فيومًا، وشوهدت جملة فوائد نافعة، ولكون تأييد وتوسيع نطاق النظامات الجديدة التي توفقنا إلى الآن لوضعها وتدوينها بالموافقة للموقع العالي الحائزة له دولتنا العلية بين الدول المتمدنة مطلوبنا إيصالها إلى درجة الكمال.

وقد تأيدت بعناية الله تعالى، وبمساعي عموم تبعتنا الملوكية الجميلة وبهمة ومعاونة الدول المتحابة، حقوق دولتنا العلية الخارجية؛ ولذا فهذا العصر يعد بالنسبة لدولتنا العلية مبدأ زمن الخير، وبما أن من أهمِّ رغائبنا المجبولة على الشفقة تقدُّم الأسباب والوسائل الداخلية المستلزمة تزايد قوَّة سلطتنا العلية وعمار ممالكنا السنية، وحصول تمام سعادة أحوال كافة صنوف تبعة دولتنا العلية الملوكية المرتبطة بعضها ببعض بروابط الوطنية القلبية والمتساوية الماهية في نظر شفقتنا الملوكية من كل الوجود، قد أصدرنا إرادتنا الملوكية هذه بإجراء الأمور الآتية الذكر:

وهي اتخاذ التدابير المؤثرة نحو تأمين كافة التبعة الملوكية من أي دين ومذهب كانوا بدون استثناء على الروح والمال وحفظ الناموس، وإخراج جميع التأمينات التي وعد بها بمقتضى الترتيبات الخيرية وخطنا الملوكي السابق تلاوته في الكلخانه من حيز القوَّة إلى حيز الفعل، وتقرير وإبقاء كافة الامتيازات والمعافيات الروحانية التي منحت وأحسن بها في السنين الأخيرة، والتي منحت من قبل أجدادنا العظام للطوائف المسيحية وكافة الملل الغير المسلمة الموجودين تحت ظل جناح عاطفتنا السامي بممالكنا المحروسة الملوكية.

وقد صار الشروع في رؤية وتسوية الامتيازات والمعافيات الحالية للعيسويين وسائر التبعة الغير المسلمة في مهلة معينة بحيث يهتمون بعرضها إلى جانب بابنا العالي بعد المذاكرة بمعرفة المجالس التي تشكل بالبطريكخانات تحت ملاحظة بابنا العالي بحسب الإصلاحات التي يستدعيها الوقت وآثار المدنية المكتسبة وموافقة إرادتنا الملوكية، ويصير توثيق الرخصة التي أعطيت لأساقفة الطائفة المسيحية من قبل ساكن الجنان السلطان أبي الفتح محمد خان الثاني وخلفائه العظام وما صار تأمينهم عليه من قبلنا بحسب الأحوال والظروف الجديدة.

وبعد إصلاح أصول الانتخابات الجارية الآن للبطاركة يصير إجراء كافة الأصول اللازمة في نصبهم وتعيينهم بالتطبيق لأحكام براءة البطريكية العالي مدى الحياة، ويصير استيفاء أصول تحليف البطاركة والمطارنة والأساقفة والحاخامات بالتطبيق للصورة التي تتقرر بين بابنا العالي وجماعة الرؤساء الروحانية المختلفة، ويصير منح كافة الجوائز والعوائد الجاري إعطاؤها للرهبان مهما كانت صورتها، وتخصص إيرادات معينة بدلها للبطاركة ورؤساء الطوائف، ويصير تعيين معاشات بوجه العدالة بموجب ما يتقرر وبحسب أهمية رتب ومناصب سائر الرهبان، ولا يحصل السكوت على أموال الرهبان المسيحيين المنقولة والغير المنقولة، بل يصير إحالة حسن المحافظة عليها على مجلس مركب من أعضاء تنتخبهم رهبان وعوام كل طائفة لإدارة مصالح طوائف المسيحيين والتبعة الغير المسلمة والبلاد والقرى والمدن التي تكون جميع أهاليها من مذهب واحد لا يحصل إحداث موانع في بناء سائر المحلات التي تكون مثل مكاتب وإسبتاليات ومدافن مختصة بإجراء عاداتهم حسب هيأتها الأصلية.

وعند لزوم إنشاء هذه المحلات مجدَّدًا بحسب استصواب البطاركة ورؤساء الملة يلزم رسمها وبيان صفة إنشائها وتقديم ذلك إلى بابنا العالي، وإما أن يجري المقتضى فيها بموجب إرادتنا السنية الملوكية المتعلقة بقبول الصور السابق عرضها، وإما أن يصير بيان المعارضات المختصة بذلك في ظرف مدَّة معينة، وإذا وجدت طائفة من مذهب منفردة بمحل وليست مختلطة مع مذاهب أخرى فلا تصادف صعوبات في إجراء الخصائص المتعلقة بنفاذ عوائدها في هذا المحل علنًا، وإذا كانت قرية أو بلدة أو مدينة مركبة أهاليها من أديان مختلفة يمكن كل طائفة منهم ترميم وتعمير كنائسها وإسبتالياتها ومقابرها بحسب الأصول الموضحة بالمحلات المخصصة لهم الموجودة محلات سكنهم بها. وأما الأبنية المقتضى إنشاؤها مجدَّدًا فيلزم أن تعرض البطاركة والمطارنة لبابنا العالي باسترحام الرخصة اللازمة عنها، فإن لم يوجد لدى دولتنا العلية موانع في الامتلاك تصدر بها رخصتنا السنية وكافة المعاملات التي تحصل فيما يماثل كل هذه الأشغال تكون مجانًا من قِبَلِ دولتنا العلية في التأمين على إجراء عوائد كل مذهب بكمال الحرية مهما كان مقدار العدد التابع لهذا المذهب، وتمحى وتزال إلى الأبد من المحررات الرسمية الديوانية كافة التعبيرات والألفاظ المتضمنة تحقير جنس لجنس آخر في اللسان أو الجنسية أو المذهب من أفراد تبعة سلطنتنا السنية.

ويمنع قانونًا استعمال كل وصف وتعريف يمس الشرف أو يستوجب العار بين أفراد الناس ورجال الحكومة، وبما أن عوائد كل دين ومذهب موجود بممالكنا المحروسة جارية بالحرية فلا يمنع أي شخص من تبعتنا الملوكية من إجراء رسوم الدين المتمسك به، ولا يؤذى بالنسبة لتمسكه به ولا يجبر على تبديل دينه ومذهبه. ولكون انتخاب وتعيين خدمة ومأموري سلطنتنا السنية منوطًا باستنساب إرادتنا الملوكية، فيصير قبول تبعة دولتنا العلية من أي ملة كانت في خدماتها ومأمورياتها بحيث يكون استخدامهم في المأموريات بالتطبيق للنظامات المرعية الإجراء في حق العموم بحسب استعدادهم وأهليتهم، وإذا قاموا بإيفاء الشروط المقررة بالنظامات الملوكية المختصة بالمكاتب التابعة لسلطنتنا السنية بالنسبة للسنِّ والامتحانات، يصير قبولهم في مدارسنا الملكية والعسكرية بلا فرق ولا تمييز بينهم وبين المسلمين، وعدا ذلك فإن كل طائفة مأذونة بإعداد مكاتب أهلية للمعارف والحرف والصنائع. إنما طرق التدريس وانتخاب المعلمين يكون تحت ملاحظة مجلس المعارف المختلط المعينة أعضاؤه من طرفنا الملوكي، وتحال كافة الدعاوى التجارية أو الجنائية التي تقع بين المسلمين والمسيحيين وسائر الملل الغير المسلمة أو بين التبعة المسيحية وسائر التبعة الغير المسلمة مع بعضهم على الدواوين المختلطة والمجالس التي تعقد من قبل هؤلاء الدواوين، واستماع الدعاوى يكون علنًا بمواجهة المدَّعي والمدَّعى عليه وتصدَّق شهادة الشهود الذين يقدِّمانهم بمجرد تحليفهم اليمين حسب قواعدهم ومذاهبهم.

والدعاوى المختصة بالحقوق العادية يصير رؤيتها بالمجالس المختلطة بالولايات والمديريات بحضور كل من القاضي والوالي، ويكون إجراء هذه المحاكمات بهذه المحاكم والمجالس علنًا، وإذا وجدت دعاوى مثل حقوق الميراث التي تقع بين اثنين من المسيحيين أو سائر التبعة الغير المسلمة، ورغب أصحاب الدعاوى رؤيتها بمعرفة المجالس أو بطرف البطريك أو الرؤساء الروحانيين بغير إحالتها على الجهة التي يرغبونها، والمرافعات التي يصير إجراؤها بحسب قانون التجارة والجنايات، يصير إنهاؤها بكل سرعة بعد ضبطها وتنقيحها وترجمتها للألسن المختلفة المتداولة في ممالكنا المحروسة الملوكية، ونشرها أولًا فأولًا، ومباشرة إصلاح كافة السجون المخصوصة لحبس مستحقي التأديبات الجزائية ومن تنحصر فيهم الشبهة في مدة قليلة حسب ما تقتضيه الإنسانية والعدالة، وتلغى كافة المعاملات المشابهة للإيذاء والجزاءات البدنية، ومن يكون مسجونًا لا يعامل بغير المعاملات الموافقة لنظامات الضبط المدوَّنة من قبل سلطنتنا السنية.

وفضلًا عن منع الحركات التي ستقع مخالفة لها بالكلية فإنه سيصير تأديب من يأمر بإجراء ما يخالف ذلك من المأمورين ومن يجريه من الخدماء بمقتضى الجزاءات، وستنظم الضبطيات بصورة تستدعي الأمنية الحقيقية والمحافظة على أموال وأرواح كافة التبعية الملوكية، سواء كانوا بدار السلطنة السنية أو بالولايات والمدن والقرى، وكما أن مساواة الخراج تستوجب مساواة سائر التكاليف والمساواة في الحقوق تستدعي المساواة في الوظائف.

فالمسيحيون وسائر التبعة الغير المسلمة يسحبون نمرة قرعة مثل المسلمين، ويجبرون على الانقياد للقرار الصادر أخيرًا، وتجري عليهم أحكام المعافاة من الخدمة العسكرية بتقديم البدل الشخصي أو النقدي، ويصير تدوين القوانين اللازمة لاستخدام التبعة الغير المسلمة في أقرب وقت من الزمن ونشرها وإعلانها، وتنتخب أعضاء المجالس الموجودة بالولايات والمديريات من التبعة المسلمة والمسيحية وغيرهما بصورة صحيحة. ولأجل التأمين على ظهور الآراء الحقيقية سيصير التشبث في إصلاح الترتيبات التي تجري في حق تشكيل هذه المجالس؛ لاستحصال دولتنا العلية على الأسباب والوسائل المؤثرة للوقوف على الحقيقة وملاحظة صحة نتيجة الآراء والقرارات التي تعطى عن ذلك.

وبما أن مواد القوانين المدونة في حق بيع وتصريف العقارات والأملاك هي متساوية ف حق كافة تبعتنا الملوكية، فيلزم الامتثال لقوانين دولتنا العلية وترتيبات الدائرة البلدية، ولأجل أن تمنح الأجانب الفوائد الجاري منحها للأهالي سيصرَّح لهم بالتصرف بالأملاك بعد الاتفاق الذي سيبرم بين دولتنا العلية والدول الأجنبية، ولكون التكاليف والخراج الموزع على كافة تبعة سلطنتنا السنية لا ينظر فيه إلى أجناسهم ومذاهبهم، بل جاري تحصيله بصفة واحدة، فيلزم المذاكرة في التدابير السريعة لإصلاح سوء الاستعمال الواقع في أخذ واستيفاء هذه التكاليف وبالأخص العشور. وما دام أن أصول أخذ العشور جارية على التوالي بدون واسطة، فبدلًا عن إلزام دولتنا العلية بالإيرادات يصير اتخاذ هذه الصورة بدلًا عنها، وما دامت الأصول الحالية جارية فمن يتعرض من مأموري دولتنا العلية أو من أعضاء مجالسها للدخول في الالتزامات الجاري إعلان مزادها علنًا أو أخذ حصة منها يمنع ويترتب عليه الجزاء الشديد، وتتعين التكاليف المحلية بصفة لا تضر بالمحصولات ولا بالتجارة الداخلية على حسب الإمكان.

وللحصول على المبالغ المناسبة التي تتخصص لأجل الأشغال العمومية يصير علاوة عوائد مخصوصة على الولايات والمديريات التي تنتفع من الطرق والمسالك المنشأة بها برًّا وبحرًا بقدرها. وبما أنه وضع أخيرًا ترتيب خصوصي في حق تنظيم وتقديم دفاتر إيرادات ومصروفات سلطنتنا السنية في كل سنة، فيصير الاعتناء بإجراء كامل أحكام ذاك الترتيب ومباشرة حسن تسوية المعاشات التي يصير تخصيصها لكل من المأمورين، وبمعرفة مقام الصدارة الجليل يصير جلب مأمور من المأمورين الذين سيعينون من طرفنا الملوكي مع رؤساء كل طائفة لأجل أن يتواجدوا بالمجلس الأعلى للمذاكرة في المواد المختصة بعموم تبعة سلطنتنا السنية، وهؤلاء المأمورون يعينون لمدة سنة، وعندما يباشرون مأموريتهم يصير تحليفهم اليمين، ولهم أن يبدوا آراءهم وملحوظاتهم بكل حرية في اجتماعات مجلسنا الأعلى العادية، والتي تكون فوق العادة بدون أن يحصل لهم أدنى ضرر، وتجري أحكام القوانين المختصة بالإفساد والارتكاب والظلم في حق كافة تبعة سلطنتنا العلية مهما كانت جنسيتهم ومأمورياتهم، وذلك بالتطبيق للأصول المشروعة، ويصير تصحيح أصول العملة، وتعمل الطرق المؤدية لاعتبار مالية الدولة مثل فتح البنوك، وتعيين الأسباب التي تكون منبعًا لثروة ممالكنا المحروسة المادية، وتخصيص رأس المال المقتضى، وفتح الجداول والطرق اللازمة لتسهيل نقل محصولات ممالكنا، ومنع الأسباب الحائلة دون توسيع نطاق التجارة والزراعة، وإجراء التسهيلات الحقيقية لذلك، ويلزم النظر في الأسباب المؤدية لاستفادة العلوم والمعارف الأجنبية ووضعها على التعاقب في موقع الإجراء.

فيا أيها الصدر الأعظم الممدوح الشيم يلزمكم إعلان هذا الفرمان الجليل العنوان الملوكي حسب أصوله بدار السعادة، ولكل طرف من ممالكنا المحروسة، وإجراء مقتضيات الخصائص المشروحة حسب ما توضح آنفًا، وبذل جُلِّ الهمة في استحصال واستكمال الأسباب اللازمة والوسائل القوية للدوام والاستمرار على رعاية أحكامها الجليلة من الآن فصاعدًا، ويلزمكم معرفة ذلك واعتماد علامتنا الشريفة، حرر في أوائل شهر جمادى الآخرة سنة ١٢٧٢ﻫ. ا.ﻫ.

(٤) حركة سنة ١٨٤٨ بجميع أوروبا

في سنة ١٢٦٥ (سنة ١٨٤٨) حدثت بأوروبا حركة أفكار عمومية للحصول على نظامات دستورية، ووضع حدٍّ لاستبداد الملوك، فابتدأت بباريس في شهر فبراير من السنة المذكورة، وكانت نتيجتها إسقاط حكومة لويس فيليب٧ الملوكية، والمناداة بالجمهورية الثانية، ثم سرت منها إلى جميع الأمم والشعوب، فقام الأهالي في برلين وفيينا وبراغ٨ وغيرها من العواصم طلبًا للحرية، حتى أوجب الحال استعمال الجنود ضدَّ الأهالي وإطلاق المدافع عليهم في هذه العواصم، وامتدَّت أيضًا إلى بلاد بولونيا التي سبق تقسيمها بين الروسيا والنمسا والبروسيا، وإلى بلاد المجر التي صارت تابعة لمملكة النمسا بعد انسلاخها عن الدولة العثمانية كما مرَّ في موضعه.

لكن لما كانت الروسيا لا تودُّ رجوع مملكة بولونيا إلى سابق وحدتها، وكذلك لا ترغب انفصال المجر عن النمسا وتشكلها بهيئة حكومة مستقلة؛ خوفًا من أن تكون حجر عثرة في طريق تقدمها نحو الآستانة أرسلت جيوشها إلى بولونيا لإطفاء شرر الثورة قبل امتدادها، وساعدت النمسا على محاربة المجر لإدخالها في طاعتها كما كانت، وطلبت من الدولة العلية بإلحاح كاد يُفضي إلى القتال تسليمَ من التجأ إلى بلادها من زعماء المجر، فامتنعت الدولة عن تسليمهم طبقًا لقانون الدول القاضي بعدم تسليم المجرمين السياسيين.

(٤-١) اتفاق بلطه ليمان

وكان من نتائج حركة سنة ١٨٤٨ العمومية أن طمحت أنظار أهالي الأفلاق والبغدان للاستقلال والانضمام إلى سكان ترنسلفانيا وبكوفين لتكوين مملكة رومانية جديدة، فثارتا على أميريها واضطرتاهما إلى الفرار، وأقامتا مكانه حكومة مؤقتة، فأرسلت الدولة العلية جيوشها تحت قيادة عمر باشا — أحد قوَّادها المشهورين — لإعادة الأحوال إلى ما كانت عليه، فأرسلت الروسيا عساكرها إلى بلاد البغدان في ٢٢ رجب سنة ١٢٦٥ (٢٠ يونيو سنة ١٨٤٨)، وطردت الحكومة المؤقتة، واحتلت إمارة الأفلاق؛ فعارضت الدولة واحتجت ضدَّ هذا الاحتلال، وصارت الحرب بينهما أقرب من حبل الوريد، ثم دارت بينهما المخابرات للوصول إلى ما يمنع الحرب، واتفقتا أخيرًا في أوَّل مايو من السنة المذكورة على أن يبقى حق تعيين الأمراء بهاتين الولايتين للدولة العلية كما كان، وأن يحتلَّ البلاد جيش مؤلف من جنود تركية وروسية مدَّة سبع سنوات حتى يستتب الأمن، وسُمِّي هذا الاتفاق باتفاق «بلطه ليمان»؛٩ نسبة إلى المحل الذي أُمْضِيَ فيه.

(٥) أسباب حرب القرم

قد عُلِمَ مما سبق أن المنافسات كانت دائمة بين قسوس الأرثوذكس والكاتوليك بشأن التملك، أو بالحري إقامة شعائر دينهم في الكنائس المعتبرة عندهم في مدينة أورشليم — مهد الديانة المسيحية كما أنها منشأ الديانة الموسوية — وبسعي فرنسا الحائزة بمقتضى عدَّة معاهدات قديمة، وخصوصًا بمقتضى الامتيازات الممنوحة لها في سنة ١٧٤٠ لحماية جميع قسوس الكاتوليك بالمماليك المحروسة تحصَّل هؤلاء القسوس على امتياز امتلاك هذه الكنائس. وكانت الروسيا تسعى من جهة أخرى لتجريد الكاتوليك من هذا الامتياز وإعطائه للأرثوذكس؛ لما بينها وبينهم من الوحدة المذهبية؛ لتتمكن بواسطتهم من بثِّ سياستها ونشر نفوذها بين رعايا الدولة العلية المتمسكين بهذا المذهب البالغ عددهم زيادة عن عشرة ملايين من النفوس؛ وبالتالي يكونون لها بمثابة آلة صماء تحرِّكها كيف تشاء لترويج مقاصدها.

ولاشتغال فرنسا بحروب الثورة ثم الحروب النابليونية مدَّة ٢٢ سنة تقريبًا من سنة ١٧٩٣ إلى سنة ١٨١٥، وضعف الحكومات الملوكية بعد ذلك، وحصول ثورة سنة ١٨٤٨، لم يمكنها التمسك بحقوقها هنالك، فتعدَّى على امتيازات قسوسها كهنة الأرثوذكس، ثم لما عين نابليون الثالث١٠ رئيسًا للجمهورية الفرنساوية الثانية باسم البرنس لويز نابليون فاتح الدولة العلية في هذه المسألة لإرضاء الرأي العام في فرنسا واستمالته إليه، فعين الباب العالي لجنة مشكلة من عدة أعضاء مختلفي المذهب لفصلها بمقتضى المعاهدات القديمة، وهذه اللجنة قرَّرت بعد عدَّة اجتماعات متوالية بأولوية الكاتوليك في امتلاك عدَّة كنائس وأديرة، فعارضت الروسيا في نفاذ هذه الاتفاقية المؤرخة في ١٤ ربيع الثاني ١٢٦٨ (الموافق ٦ فبراير سنة ١٨٥٢)، وهدَّدت الباب العالي بالحرب لو أمر بنفاذها؛ فتردَّدت الدولة في إنفاذها، لكن من جهة أخرى شدَّدت فرنسا في التمسك بحقوقها التي قررتها اللجنة الأخيرة، وحيث إن الدولة اعتمدت هذا القرار فلا بد من تنفيذ ما اعترفت بصحته، ولذلك اضطرت الدولة العثمانية لتنفيذ مضمون قرار اللجنة الأخيرة.

فاتخذت الروسيا هذا الخلاف ذريعة لتنفيذ وصية بطرس الأكبر، وأرسلت البرنس «منشيكوف» من سان بطرسبورج إلى الآستانة بصفة سفير غير اعتيادي للمخابرة في مسألة الأماكن المقدَّسة ظاهرًا، وفي الحقيقة لم يكن القصد من إرساله إلا إيجاد أسباب الشقاق للتوصل إلى إعلان الحرب بحجة مقبولة لدى الدول كما سيظهر ذلك فيما بعد، فسافر هذا السفير من عاصمة الروسيا في أوَّل جمادى الأولى سنة ١٢٦٩ (الموافق ١٠ فبراير سنة ١٨٥٣) مارًّا بأقاليم الروسيا الجنوبية قاصدًا دار الخلافة العظمى، وأخذ يراقب تجمع الجيوش بقرب التخوم العثمانية ويستعرضها باحتفال زائد لزيادة الإيهام والتأثير على أفكار رجال الدولة وعظمائها.

وفي أثناء ذلك عمل القيصر نيقولا على سبر أفكار «السير هاملتن سيمور» — سفير إنكلترا لدى حكومته — مظهرًا له ضرورة اتحاد دولتي الروسيا وإنكلترا معًا على إضعاف نفوذ فرنسا في الشرق، وأخذ الاحتياطات لتجزئة بلاد الدول العلية، حيث صار من المستحيل على زعمهم شفاء هذا المريض (يعني بذلك دولتنا العثمانية المحفوظة)، وخوفًا من تشتت تركته بعد وفاته عرض عليه أنه يتساهل مع إنكلترا لو ساعدته على نفاذ مشروعه في إعطائها القطر المصري وجزيرة كريد، فلم يُجِبْه السفير الإنكليزي جوابًا شافيًا، بل بالعكس أجاب القيصر أن الأولى معالجة هذا المريض وتعهده بالعناية حتى ينقه من مرضه ويعود لسابق قوَّته؛ لأنه لو مات حصلت حروب تهدر فيها الدماء أنهارًا عند تقسيم تركته، ولم يكن ذلك من الدولة الإنكليزية حبًّا بتقوية الدولة العلية أو شغفًا ببقائها، بل خوفًا من امتداد الروسيا في الشرق واحتلالها الآستانة فتشارك إنكلترا في ملك البحار الذي انفردت هي به.

ومن جهة أخرى خابر نابليون الثالث حكومة الملكة فكتوريا١١ بشأن الاتحاد مع الباب العالي لتنفيذ العهود السابقة المختصة بالأماكن المقدَّسة حتى لا ينتشر نفوذ الروسيا بين رعايا الدولة العلية الأرثوذكس الذين ربما بلغ عددهم أحد عشر مليونًا من النفوس، لا سيما وأن حماية الروسيا على أورشليم وما جاورها مما يجعل إنكلترا في وجل على أقرب طرقها لمستعمراتها الهندية، وهي طريق مصر، فاقتنعت إنكلترا بضرورة مقاومة نفوذ الروسيا في هذه الأصقاع، خصوصًا وقد اطلعت على مقاصد القيصر التي كاشف بها السير هاملتن سيمور سفيرها لديه.

ولما رأى إمبراطور الروسيا عدم إصغاء إنكلترا لطلباته فاتح سفير فرنسا المسيو «كستلباجاك» في أمر التساهل معها على تقرير الأمور في بلاد فلسطين طبق مرادها، وعرض عليه أن تتساهل الروسيا هي أيضًا مع فرنسا في مقابلة ذلك، بل وتساعدها على امتلاك القطر التونسي لتقوية نفوذها في بلاد الغرب ومراقبة إجراءات إنكلترا في جزيرة مالطة، لكنه لم يجد من السفير الفرنساوي أذنًا صاغية كما كان يؤمِّل؛ لأن مساعي نابليون الثالث كانت موجهة لإرجاع مجد فرنسا السابق إليها وجعلها صاحبة الكلمة في جميع أحوال أوروبا كما كانت في عهد عمه نابليون الأول.

هذا؛ ولما وصل البرنس «منشيكوف» إلى الآستانة بعد أن أجرى على الحدود عدَّة تظاهرات حربية كان معه عدة ضباط عظام برية وبحرية صاروا يرافقونه أثناء زياراته الرسمية للوزراء لزيادة التأثير على عقولهم، وتظاهر بعدم مراعاة الأصول والعوائد المتبعة في مقابلة جلالة السلطان، ولولا توسط سفيريْ فرنسا وإنكلترا لانتشبت الحرب بسبب هذه الإجراءات المغايرة لآداب السياسة، فتحقق للعموم من ذلك أن قصد الروسيا الوحيد هو إعلان الحرب على الدولة العلية وتقسيم ممالكها المحروسة؛ ولذلك أرسلت فرنسا دونانماتها البحرية إلى مياه اليونان فألقت مراسيها في فرضة سلامين١٢ في ٢٤ ربيع الثاني سنة ١٢٦٩ (الموافق ٤ أبريل سنة ١٨٥٣) استعدادًا للحوادث التي لم تكن في الحسبان. أما إنكلترا فأذنت لمراكبها بالتربص في مالطة لحين صدور أوامر جديدة لها، وفي أثناء ذلك كان البرنس منشيكوف يبذل جهده لدى الباب العالي للحصول على تجديد شروط معاهدة «خونكار أسكله سي» القاضية بأن يكون للروسيا حماية جميع المسيحيين الموجودين ببلاد الدولة، وكان الباب العالي يماطله في الإجابة. وأخيرًا أعاد السلطان رشيد باشا إلى منصب الصدارة الذي سبق عزله منه إرضاءً للروسيا ومنعًا لأسباب الشقاق، فظهر من ذلك أن السلطان قد عدل عن سياسة المسالمة وعزم على رفض طلبات الروسيا، وأيد ذلك رشيد باشا؛ فإنه رفض طلبات البرنس منشيكوف قطعيًّا.

ولما رأى البرنس منشيكوف هذا العدول أرسل للباب العالي بلاغًا نهائيًّا بتاريخ ٢٦ رجب سنة ١٢٦٩ (الموافق ٥ مايو سنة ١٨٥٣) بطلبات دولته وطلب الإجابة عنها في مدَّة خمسة أيام. ولما انقضت بدون أن يجاب طلبه أطالها ثمانية أيام أخرى. ولما انقضت هذه المدَّة أيضًا بدون أن يحصل على مرغوبه الذي رفضه جلالة السلطان مع الإعلان باحترام حقوق الكنيسة الأرثوذكسية قطع السفير الروسي العلاقات مع الباب العالي وبارح الآستانة على إحدى مراكب الروسيا في ١٧ شعبان سنة ١٢٦٩ (الموافق ٢٦ مايو المذكور)، مهدِّدًا الدولة باحتلال الجنود الروسية لإمارتي الأفلاق والبغدان إذا صمَّمت على التوقف.

ولما أبلغت الدولة صورة هذا البلاغ الأخير إلى اللورد «استراتفورد» — سفير إنكلترا — وهو أبلغها إلى حكومته تغيرت أفكار إنكلترا من جهة الروسيا، وتحققت سوء نيتها نحو الدولة العلية، فانضمت إلى فرنسا وأرسلت إلى دونانماتها بمالطة أن تنضم إلى الدونانمة الفرنساوية وتتَّحِد معها في كافة أعمالها؛ ومن ثم ظهر لجميع أوروبا أن فرنسا وإنكلترا متحدتان على حماية الممالك العثمانية المحروسة ضدَّ أطماع الروسيا، ثم أصدرت هاتان الدولتان أوامرهما إلى مراكبهما بالاقتراب من بوغاز الدردنيل لمدِّ يد المساعدة للدولة العلية إذا اقتضى الحال؛ فقامت المراكب ورست في فرضة بزيكا١٣ في ٢٢ رمضان سنة ١٢٦٩ (الموافق ١٨ يونيو سنة ١٨٥٣).
وبعد انسحاب البرنس منشيكوف من الآستانة أرسل المسيو دي نسلرود١٤ — وزير خارجية الروسيا — بلاغًا آخر إلى الباب العالي، وأبلغ صورته إلى جميع الوزارات، يقول فيه: إنه إن لم تقبل الدولة العلية اقتراحاته الأخيرة تحتل الجيوش الروسية ولايتي الأفلاق والبغدان حتى تعود الدولة عن إصرارها وترضخ لطلبات دولته. ولما أجيب بالرفض في هذه المرة أيضًا اجتازت عساكر الروسيا نهر البروث الفاصل بين أملاك الدولتين في ٢٥ رمضان سنة ١٢٦٩ (الموافق ٢ يوليو سنة ١٨٥٣)، واحتلت الولايتين فعلًا؛ إذ لم يخطر ببال الروسيا أن الدول الغربية تتألَّب مع الدولة العلية على محاربتها لحماية الدولة. ومن جهة أخرى كان يظن أن فرانسوا جوزيف١٥ — إمبراطور النمسا والمجر — يعضده على الدولة العلية؛ لما له عليه من الأيادي البيضاء في إقماع الثورة المجرية سنة ١٨٤٨.

وحقيقة كان مركز فرانسوا جوزيف حرجًا؛ لأنه كان لا يدري أي الطريقين يسلك؛ أيتحد مع الروسيا على الدولة العلية لمجرَّد مقابلة الجميل بمثله مع مخالفة هذا التحالف لمصالح بلاده أم يراعي المصلحة السياسية فقط التي لا تلائمها الإحساسات القلبية في الغالب. وأثناء تردده هذا بذل جهده في التوفيق بين الروسيا وجارتها منعًا للحرب فيتخلص هو من هذه المسألة بدون أن يُرمى بكفران الجميل، وأوعز إلى الدول بجمع مؤتمر ينعقد بمدينة ويانة تحت رئاسة ناظر خارجيته لإصلاح ذات البين بين الدولتين المتعاديتين، وأن يطلب منهما عدم إعلان الحرب حتى تتم مأمورية هذا المؤتمر، بل تتربص جيوشهما على ضفتيْ نهر الطونة، فقبلت الدول ذلك، وانعقد المؤتمر في غضون شهر ذي الحجة سنة ١٢٦٩ (الموافق شهر أغسطس سنة ١٨٥٣) بويانة، واهتم مندوبو البروسيا والنمسا بالاتحاد مع مندوبي فرنسا وإنكلترا في التوفيق بين الخصمين وإصلاح ذات بينهما؛ منعًا لسفك الدماء واشتعال نيران الحرب التي ربما عمت أوروبا بأسرها وعظم خطبها، وتحرَّكت بسبب اشتغال الدول بهذه الحروب والأفكار الثوروية التي هاجت في سنة ١٨٤٨ وكادت تقلب جميع الحكومات الملوكية.

وبعد عدَّة جلسات أقرَّ المؤتمر على صورة وفاق قبلته الروسيا لعدم ظهور عبارته وغموض إنشائه؛ لتؤوِّله فيما بعد على ما ينطبق على غايتها ويوافق أغراضها، ورفضها الباب العالي لهذا السبب بعينه ولرغبته في عدم وجود عراقيل في المستقبل بسبب تأويل عباراته، وبذلك انفضَّ المؤتمر بدون جدوى، وتحقق الجميع سوء مقاصد الروسيا، وشجعت فرنسا وإنكلترا الباب العالي على عدم التسليم بطلبات الروسيا والثبات في الدفاع عن حقوقه واعدة إياه بالمساعدة المادية على الروسيا؛ فأرسل الباب العالي إلى البرنس جورتشاكوف١٦ — قائد الجيوش الروسية المحتلة لولايتي الأفلاق والبغدان — بلاغًا تاريخه أوَّل محرم سنة ١٢٧٠ (الموافق ٤ أكتوبر سنة ١٨٥٣) بإخلاء هاتين الولايتين في ظرف خمسة عشر يومًا وإلا فتعتبر بقاء الجيوش فيها إعلانًا للحرب، وأمرت عمر باشا — سر عسكر الجيوش العثمانية١٧ — بعبور نهر الطونة وابتداء الحرب بعد هذا الأجل إن لم تكن الجيوش الروسية قد أخلتها تمامًا.

ولما لم تُعر الروسيا هذا البلاغ أذنًا صاغية اجتاز عمر باشا النهر في أوَّل صفر سنة ١٢٧٠ (الموافق ٢ نوفمبر ١٨٥٣). وبعد موقعة عظيمة هائلة انتصرت الجيوش العثمانية على الجيوش الروسية وأخرجتها من معاقلها الكائنة على ضفة النهر اليسرى قهرًا، وفاز عمر باشا وجيوشه فوزًا مبينًا أدهش جميع العالم لعدم توقع انهزام الروسيا، لكن بسبب الشتاء الشديد والبرد الكثير الثلج في هذه البلاد عاد عمر باشا إلى الحصون بدون أن يقتفي أثر الجنود الروسية المنهزمة لعدم إمكان ذلك ماديًّا، وكذلك على حدود الروسيا من جهة بلاد قافقاس بآسيا اجتاز العثمانيون التخوم تحت قيادة عبده باشا، واحتلت قلعة سان نقولا عقب انتصارها على الروس، ثم وقفت الحرب بسبب الشتاء بعد انتصار الروس في واقعة أخرى بدون أن يتمكنوا من استرجاع هذه القلعة. وعندما شاهد الإمبراطور نقولا هذا الحال الذي ما كان ليخطر له على بال، اجتمع مع فرانسوا جوزيف — إمبراطور النمسا — وفاوضه في خوفه من نجدة الدول الغربية (فرنسا وإنكلترا) للدولة العلية، وسأله المساعدة والتحالف عليها، معتمدًا في ذلك على مساعدته له سنة ١٨٤٨ ضدَّ ثائري المجر، فلم يقبل الإمبراطور ذلك، وأظهر له شديد أسفه من عدم إجابة طلبه لعدم ملاءمته لمصالح البلاد التي ألقيت مقاليدها إليه.

(٥-١) واقعة سينوب البحرية

وفي هذه الأثناء تقدَّمت السفن الفرنساوية والإنكليزية من فرضة بزيكا إلى بوغاز البوسفور برضا الباب العالي؛ لتكون أقرب إلى البحر الأسود وإلى حماية الآستانة لو حاول الروس الهجوم عليها بحرًا، وأرسلت فرنسا إلى دار السعادة سفيرًا حربيًّا فوق العادة، وهو القائد «باراجي ديليه» للسعي في الصلح، وفي الحقيقة لدرس أحوال الدولة العسكرية استعدادًا للقتال الذي كانت تستعدُّ له فرنسا ضدَّ الروسيا، وقابلَه جلالة السلطان المعظم باحتفال زائد في ١٥ ذي الحجة سنة ١٢٦٩ (الموافق ١٩ سبتمبر سنة ١٨٥٣) هو وجميع أركان حربه.

وفي ٢٨ صفر سنة ١٢٧٠ (الموافق ٣٠ نوفمبر سنة ١٨٥٣) فاجأت الدونانمة الروسية تحت إمرة الأميرال ناشيموف الدونانمة التركية الموجودة في ميناء سينوب على البحر الأسود ودمرتها عن آخرها تقريبًا، مع أنها كانت تعهدت لدولتيْ فرنسا وإنكلترا بعدم إتيان أي أمر عدواني في البحر الأسود إذا تربصت دونانماتهما في البوسفور ولم تدخل هذا البحر. ولما حصلت هذه الواقعة على حين غفلة أمرت فرنسا وإنكلترا مراكبهما بالدخول في البحر الأسود، وأعلنت الروسيا رسميًّا أنه لو تعدَّت إحدى المراكب الروسية على موانئ الدولة أو على إحدى مراكبها تكون مراكب الدولتين مضطرة لمنعها بالقوَّة، ودخلت سفنها الحربية في البحر المذكور في ٤ ربيع الثاني سنة ١٢٧٠ (الموافق ٤ يناير سنة ١٨٥٤)، ومن ذلك الحين صار لا بد من الحرب قريبًا بين هذه الدول والروسيا لحماية الدولة العثمانية من عدوان الروسيا وأطماعها لا حبًّا في الدولة، بل خوفًا من امتداد نفوذ الروسيا وبسط يدها على الآستانة.

وبعد ذلك أرسل نابليون الثالث جوابًا بتاريخ ٢٩ يناير سنة ١٨٥٤ إلى الإمبراطور نقولا بخط يده يشرح له فيه ماهية المسألة من أصلها وما أتته الروسيا من المماطلة والتلاعب فيها وما اقترفته من الغدر والخيانة، ويعرض عليه عقد مؤتمر للنظر في الصلح بشرط خروج العساكر الروسية من ولايتي الأفلاق والبغدان، وتعهدت له بسحب مراكبه ومراكب إنكلترا من البحر الأسود لو أخلت هي هاتين الولايتين، كل ذلك بعبارة مقبولة يظهر من خلالها ميل فرنسا إلى الصلح مع الاستعداد للحرب، فأجابه القيصر بما يشف عن عدم إمكانه الرجوع عن خطته؛ إذ إخلاء عساكره للولايتين يعد إحجامًا أمام عساكر الدولة، وهذا أمر لا يقبله هو قط ما دام عنده جندي واحد، وختم خطابه بعبارة مؤدَّاها أنه لم يأت في ذلك أمرًا مستغربًا؛ فإنه لا يظن أن نابليون الثالث كان يفعل غير ذلك لو كان في هذا المركز الحرج.

وبهذا صار لا بدَّ من الحرب وترك سفيري الروسيا لدى فرنسا وإنكلترا مقرَّ وظائفهما بناءً على أمر سيدهما.

وخوفًا من اتحاد النمسا والبروسيا مع فرنسا وإنكلترا عليه أرسل الإمبراطور نقولا المسيو أورلوف بمأمورية خصوصية إلى ويانة وبرلين؛ ليطلب من إمبراطور النمسا وملك البروسيا أن يكونا على الحياد إن لم يرغبا في مساعدته، فلوقي أوروف في ويانة بما لم يجعل لدى القيصر شك في اتحاد النمسا مع أعدائه، وفي برلين ما حمله على الفكر بأن فريدريك غليوم — ملك البروسيا١٨ — يكون له أكثر مما يكون عليه، ثم في ١٢ جمادى الثانية سنة ١٢٧٠ (الموافق ١٢ مارس سنة ١٨٥٤) أُمْضِي بين فرنسا وإنكلترا والدولة العلية في مدينة الآستانة اتِّفاقٌ على محاربة الروسيا وحماية الدولة العلية.

ومما جاء به أن ترسل فرنسا خمسين ألف جندي وإنكلترا خمسة وعشرين ألفًا، بشرط أن تنجلي جميعها عن بلاد الدولة بعد خمسة أسابيع تمضي من يوم عقد الصلح مع الروسيا.

وفي ٢٧ جمادى الثانية سنة ١٢٧٠ (الموافق ٢٧ مارس سنة ١٨٥٤)، أرسل نابليون الثالث رسالة إلى مجلس النوَّاب يخبره بإعلان الحرب على الروسيا بالاتحاد مع إنكلترا.

وفي ١٢ رجب سنة ١٢٧٠ (الموافق ١٠ أبريل من السنة المذكورة)، اتفقت فرنسا وإنكلترا — بمقتضى معاهدة مخصوصة أمضيت في مدينة لوندرة — على أنهما يحفظان أملاك الدولة العلية ويمنعان ضمَّ أي جزء منها إلى بلاد الروسيا، وأن يقدِّما ما يلزم لذلك من المال والرجال لو دعا الحال لإرسال جيوش أكثر من المقرَّر في معاهدة الآستانة، وأن لا تتخابر إحداهما مع الروسيا بشأن الصلح أو توقيف القتال إلا بالاتفاق مع حليفتها.

وبعد ذلك أخذت الدولتان المتحالفتان في جمع الجيوش وما يلزم لها من المؤن والذخائر والسفن اللازمة لنقلها، وجعلت الجيوش الفرنساوية تحت قيادة المارشال دي سانت إرنو١٩ والإنكليزية تحت إمرة اللورد رجلان،٢٠ ونزلت الجيوش المتحدة في غضون أبريل ومايو سنة ١٨٥٤ في فرضة غاليبولي والآستانة.
وقبل وصول الجيوش البرية كان القتال قد ابتدئ فعلًا في البحر الأسود؛ وذلك أن الأميرال الإنكليزي دنداس أرسل إحدى مراكبه المسماة فوريوس إلى ميناء أودسا؛٢١ لحمل القنصل والرعايا الإنكليزية في ٨ رجب سنة ١٢٧٠ (الموافق ٦ أبريل)، فأطلقت القلاع قنابلها عليها مع أنها كانت حاملة العلم الأبيض علامة على أنها تقصد مخابرة سلمية خلافًا لأصول الحرب الدولية؛ فاتفق الأميرال الإنكليزي مع زميله الفرنساوي الأميرال هاملين على إطلاق مدافعهما على المدينة إن لم يقدِّم لهما حاكمها اعتذارًا كافيًا على هذا العمل العدائي؛ فقصدا الميناء في ٢٢ رجب (المواق ٢٠ أبريل)، وأبلغا طلبهما إلى الحاكم، وأمهلاه ٢٤ ساعة.

ولما انقضى يوم واحد وعشرين بدون أن يأتيهما جواب ابتدأ قذف القنابل على المدينة في صبيحة ٢٤ رجب (الموافق ٢٢ منه)، واستمرَّ إطلاقها حتى دمرت قلاع المدينة والتهمت النيران جزءًا منها، ثم انسحبت الأساطيل من أمامها واصطفت أمام ميناء سباستوبول ودعت الدونانمة الروسية للقتال، ولما لم تخرج للمحاربة كلَّف الأميرالان الأميرال ليونس بضرب الثغور الروسية الواقعة على البحر الأسود، فقام بهذه المأمورية، وفي أثناء ذلك أعلن الإمبراطور نقولا الحرب على الدول المعادية له في ١٣ رجب سنة ١٢٧٠ (١١ أبريل سنة ١٨٥٤).

وأصدر أوامره إلى المارشال برنس «بسكيفتش» — قائد الجيوش المعسكرة على ضفة نهر الطونة الأيسر — بعبور النهر ومحاصرة مدينة «سلستريا»؛ فصدع المارشال بالأمر، وحاصر المدينة مدَّة خمسة وثلاثين يومًا؛ من ١٥ مايو إلى ٢٠ يونيو سنة ١٨٥٤ (من ١٧ شعبان إلى ٢٣ رمضان سنة ١٢٧٠) بدون أن يقوى على إذلالها، مع أن الجيش المحاصر كان مكوَّنًا من ستين ألف مقاتل، ولم يكن بداخلها من الجنود العثمانية إلا خمسة عشر ألفًا (ضمنهم كثير من المصريين) تحت قيادة موسى باشا من مشاهير قوَّاد الدولة الذي استشهد في الدفاع عنها.

ولما علم محالفو الدولة بتلك المقاومة التي أوقعت في قلوبهم اعتبار الجنود المظفرة، وألزمتهم الاعتراف بشجاعتهم وقوَّة بأسهم زحفوا بجيوشهم إلى مدينة وارنة بقصد مدِّ يد المساعدة إلى المدينة المحصورة، لكن لم ينتظرهم المارشال الروسي، بل رفع الحصار عن المدينة وعاد بخفيْ حنين، فاقتفى عمر باشا أثره وعبر نهر الطونة خلفه بعد أن هزم مؤخر جيشه عند مدينة «جورجيو»، وكان في عزمه احتلال ولايتي الأفلاق والبغدان عقب جيوش الروسيا التي كانت ابتدأت في إخلائها، لكن كانت الجيوش النمساوية قد احتلتها ومنعت عمر باشا من اتباع عساكر الروسيا حتى اجتازت نهر البروث الفاصل بين الولايتين وأملاك الروسيا بسلام.

(٥-٢) النمسا وحرب القرم

ولنذكر هنا بطريق الإيجاز المخابرات السياسية التي أدَّت إلى احتلال النمسا للولايتين.

سبق شرحنا علاقات النمسا والروسيا ومقابلة الإمبراطورين في مدينة أولمتس،٢٢ وأبنَّا أن النمسا كانت لا تودُّ مساعدة الروسيا كما صرَّح بذلك إمبراطورها، ولكنها من جهة أخرى لا ترغب مساعدة الدول الغربية، بل غاية أمانيها أن تكون حكمًا بينهم وتبذل قصارى جهدها في عدم امتداد أملاك الروسيا من جهة الطونة، وأن تجعل لنفسها نوع سيادة على جميع البلاد الواقعة على ضفافه؛ ولذلك بمجرد ما علمت باتفاقي الآستانة ولوندرة أبرمت مع البروسيا اتفاقًا بتاريخ ٢٢ رجب سنة ١٢٧٠ (الموافق ٢٠ أبريل سنة ١٨٥٤) بأن تسيرا باتفاق في المسألة الشرقية، وبلغت صورته للدول.

وفي ١٧ رمضان سنة ١٢٧٠ (الموافق ١٤ يونيو من السنة المذكورة)، اتفقت فرنسا وإنكلترا والدولة العلية مع النمسا على أن تحتل الجيوش النمساوية ولايتي الأفلاق والبغدان إذا أخلتها الروسيا، وأن تتحد معهما في محاربة الروسيا لو اجتازت جيوشها جبال البلقان.

وبمقتضى هذه الاتفاقات دخلت جيوش النمسا في هاتين الولايتين بمجرد انسحاب جيوش الروسيا منها أولًا بأول، ولم تعترض الروسيا ضدَّ هذا الاحتلال خوفًا من إغضاب النمسا ودخولها في التحالف المنعقد ضدَّها؛ لتفضيلها وجود جيوش النمسا فيهما على وجود الأتراك أو الفرنساويين؛ لعدم ميل النمسا للحرب. وبرجوع جيوش الروسيا خلف نهر البروث وحيلولة جيوش النمسا بينها وبين نهر الطونة زال الخوف من هذه الجهة، ثم اجتمع قوَّاد الجيوش المتحالفة في مدينة وارنة في ٢٥ شوَّال سنة ١٢٧٠ (٢١ يوليو سنة ١٨٥٤) بصفة مجلس حربي، وقرَّروا ضرورة نقل ميدان القتال في أراضي الروسيا، لا سيما وقد تفشَّت الكوليرا بين عساكرهم، وأجمعوا على إرسال العساكر إلى بلاد القرم ومحاصرة ثغر سباستوبول الشهير بمناعة حصونه وقلاعه، فأرسلت إلى بحيث جزيرة القرم ستين ألف جندي من الفرنساويين والأتراك والإنكليز والمصريين، أنزلوا في فرضة «إيباتوريا» في ٢٠ ذي الحجة سنة ١٢٧٠ (الموافق ١٣ سبتمبر سنة ١٨٥٤).

وفي ٢٧ ذي الحجة (٢٠ سبتمبر) حصلت أول موقعة بينهم وبين جيوش الروسيا كانت الدائرة فيها على الروسيا، واحتل الفرنساويون عقبها المرتفعات المشرفة على نهر «الما»، ويقال إن المارشال دي سانت أرنو ضرب خيمته في نفس المحل الذي كانت فيه خيمة القائد الروسي البرنس منشيكوف.

ولم تتبع الجيوش المتحالفة عساكر الروسيا في انكسارها وتقهقرها نحو مدينة سباستوبول، بل تربصت في مكانها، ويقول العارفون إنها لو اقتفت أثرها لدخلت المدينة بدون كثير عناء لعدم تكامل استحكاماتها، لكن منع المتحالفين عن ذلك اعتقادهم في قوَّة الروسيا ومناعة المكان.

وفي ٣ محرم سنة ١٢٧١ (٢٦ سبتمبر) هاجم المتحالفون فرضة «بلكلاوا» ودخلوها عنوة في يوم ٥ محرم (٢٨ سبتمبر)؛ لاحتياجهم إليها كميناء أمين لنزول الجنود والمؤن والذخائر الآتية لهم من أوروبا. وفي أثناء ذلك أمكن الروس إتمام تحصين مدينة سباستوبول برًّا وبحرًا بكيفية جعلت الاستيلاء عليها من المستحيلات بهمة القائد الشهير تودلين.٢٣
وفي ٦ محرم (٢٩ سبتمبر سنة ١٨٥٤) توفي المارشال دي سانت أرنو — قائد عموم الجيوش الفرنساوية — وخلفه الجنرال كانروبر،٢٤ وكان موته بسبب الحميات التي تفشت في الجيوش. ونقلت جثته على السفينة الحربية التي أقلته عند مجيئه من فرنسا إلى الآستانة، حيث كانت امرأته بانتظاره، فأجريت له التعظيمات العسكرية اللائقة برتبته ومنها إلى مرسيليا فباريس، ودفن في سراي الأنفاليد.٢٥

وفي يوم ١٦ أكتوبر من السنة المذكورة قررت الحكومة الفرنساوية إعطاء امرأته بصفة استثنائية مبلغ ٢٠ ألف فرنك سنويًّا معاشًا لها.

وفي ١٧ محرم (١٠ أكتوبر) ابتُدِئَ إطلاق النار على سباستوبول.

وفي ٢٤ محرم (١٧ أكتوبر) هوجمت بكل شدَّة بدون جدوى؛ إذ تقهقرت الجيوش المتحالفة أمام العدوِّ، وخرج خلفهم الجنرال «لبراندي» قاصدًا مدينة بلكلاوا، وارتدَّ على أعقابه بعد موقعة هائلة حصلت في ٢ صفر سنة ١٢٧١ (٢٥ أكتوبر).

وفي ١٣ صفر (٥ نوفمبر) خرج الروس من قلاعهم، وهاجموا الجيش الإنكليزي على مرتفعات «أنكرمان»، وكان الإنكليز لا يتجاوز عددهم عُشر الروس، لكنهم ثبتوا حتى أسعفهم الفرنساويون والعثمانيون بالنجدة، فعاد الروس بخفيْ حنين. وهذه الموقعة شهيرة في التاريخ الحربي؛ لما أتاه خيالة الإنكليز ومشاتهم من الثبات وقوَّة الجأش.

وبعد ذلك أُوقِفَ القتال بسبب دخول البرد وانتشار الأمراض في الجيوش المحاصرة، واستمرت أعمال الحصار والدفاع حول مدينة سباستوبول وداخلها.

وفي هذه السنة أرسلت فرنسا وإنكلترا دونانماتهما إلى بحر بلطيق والبحر الأبيض الشمالي والأوقيانوس الباسيفيكي لضرب الثغور الروسية، لكن لم تعد هذه الإرساليات البحرية بفوائد تعادل مصاريفها، فقط استولى الأميرال «نابير» الإنكليزي في ٢٢ ذي القعدة سنة ١٢٧٠ (١٦ أغسطس سنة ١٨٥٤) على جزيرة «رومرسند» في بحر بلطيق بمساعدة القائد الفرنساوي براجي ديليه، وأسر حاميتها.

وفي أواخر هذه السنة دارت المخابرات ثانيًا في مدينة ويانة للوصول إلى الصلح وإيقاف أضرار الحرب قبل اشتدادها؛ وذلك أن فرنسا وإنكلترا عرضتا على النمسا أن تتحد معهما ضدَّ الروسيا، بمعنى أنها تتعهَّد بحماية ولايتي الأفلاق والبغدان ضدَّ الروسيا، وأنه لا يجوز لإحدى الدول الثلاث المخابرة مع الروسيا إلا بإطلاع حليفتيها الأخيرتين، وأن فرنسا وإنكلترا يساعدان النمسا بالقوة لو أعلنت الحرب بينها وبين الروسيا بسبب هذه المعاهدة؛ فقبلت النمسا هذه الاقتراحات مبدئيًّا وعرضتها على ملك بروسيا اتباعًا لشروط الوفاق الذي عقد بينهما في برلين وسبق ذكره في موضعه، فلم يقبلها فريدريك غليوم، بل ألحَّ على فرانسوا جوزيف برفضها، لكن لم يُصغِ هذا الأخير لإلحاحه، بل صدق عليها نهائيًّا في ١١ ربيع الأول سنة ١٢٧١ (٢ دسمبر سنة ١٨٥٤)، وأعلن البرنس «غورتشاكوف» الذي خلف المسيو «مياندورف» في سفارة الروسيا بمدينة ويانة أنه إن لم تقبل الروسيا الصلح قبل ختام السنة وتتعهد للدول الأربع بطلباتها وهي:
  • أولًا: عدم استئثار الروسيا بحماية مسيحيي الدولة العلية وحماية ولايتي الأفلاق والبغدان.
  • ثانيًا: حرية الملاحة لجميع الدول في نهر الطونة.
  • ثالثًا: تعديل المعاهدات المختصة بالمرور في بوغازات الآستانة، وخصوصًا معاهدة سنة ١٨٤١.
  • رابعًا: وضع قاعدة جديدة لتوازن القوى في البحر الأسود؛ فتكون هذه المعاهدة الثلاثية الجديدة نافذة المفعول.
فأظهر البرنس غورتشاكوف ارتياحه لإجابة هذه الطلبات، غير أنه اعتذر بعدم وجود تعليمات لديه تُبيح له التصديق عليها، وطلب مهلة قليلة لتبليغ صورة هذه الطلبات لدولته وطلب تعليمات جديدة منها. ثم في ٢٨ دسمبر اجتمع سفراء إنكلترا وفرنسا والروسيا والنمسا عند وزير خارجية ويانة، وقرروا إعطاءه المهلة المطلوبة. وبذلك انتهت هذه السنة والآمال متجهة نحو الوصول إلى صلح عمومي يكون وراءه حقن دماء العباد، واستمرت الاستعدادات حول سباستوبول وداخلها مدَّة الشتاء. وفي ٢٩ جمادى الأولى سنة ١٢٧١ (الموافق ١٧ فبراير سنة ١٨٥٥) هاجم الروس العثمانيين ومن كان معهم من الجنود المصرية التي أرسلت من مصر للمساعدة وقت الحرب طبقًا للفرمانات في مدينة أوباثويا، فردَّهم عمر باشا — القائد العثماني — على أعقابهم بعد أن قتل منهم عددًا عظيمًا، وقتل في هذا اليوم سليم باشا الشهير بأبي طربوش — قائد الفرقة المصرية — ومما جعل لهذه الواقعة تأثيرًا شديدًا على الإمبراطور نقولا أن الجيوش الأوروبية لم تساعد العثمانيين فيها، بل كان النصر بمجرد فضل الجيوش الإسلامية التي كثيرًا ما فازت على الروس وغيرهم بالغلبة. ويقال إن ما أصاب الإمبراطور الروسي من الكدر عقب هذه الكسرة كان من أكبر دواعي المرض الذي أصابه في ١٠ جمادى الثانية الموافق ٢٨ فبراير من السنة المذكورة، فلم يمهله إلا ثلاث ليال، وألحقه برمسه في صبيحة ١٢ جمادى الثانية الموافق ٢ مارس عن تسع وخمسين سنة بعد أن حكم الروسيا وملحقاتها ثلاثين سنة، وخلفه على سرير الملك ابنه إسكندر الثاني.٢٦
هذا؛ وفي ٧ جمادى الأولى سنة ١٢٧١ الموافق ٢٦ يناير سنة ١٨٥٥، أمضى فكتور عمانويل٢٧ — ملك البيمونتي بإيطاليا — بمساعي وزيره الشهير المسيو دي كافور٢٨ معاهدة هجومية ودفاعية ضدَّ الروسيا، وأرسلت إلى بلاد القرم جيشًا مؤلفًا من ثمانية عشر ألف مقاتل تحت إمرة الجنرال «لامارمورا»؛ للاشتراك في فتح قلعة سباستوبول وإذلال الروسيا، واستمرَّت المناوشات بدون كثير فائدة لأحد الطرفين، ثم حصل خلاف بين اللورد «رجلان» — القائد العام الإنكليزي — والجنرال «كانروبر» — القائد العام الفرنساوي — أفضت إلى تنازل القائد الفرنساوي في ٢٢ شعبان سنة ١٢٧١ الموافق ١٠ مايو سنة ١٨٥٥ عن القيادة العامة واكتفائه بقيادة فرقة، ونيطت قيادة الجيش الفرنساوي إلى الجنرال بليسيه الذي اشتهر في الجزائر بمعاملة المسلمين بكل شدَّة وتوحش، وهو بعد قليل اتفق مع اللورد رجلان واحتلوا مدينة «كريش»، وبوغاز بريكوب، وبحر آذاق؛ ليمنعوا وصول المدد إلى سباستوبول، ومن ذلك الحين أيقن الجميع بقرب سقوط سباستوبول.

ففي ٢١ رمضان سنة ١٢٧١ الموافق ٧ يونيو سقطت القلعة المعروفة بالقمة الخضراء (ماملون فير)، وفي ٢ شوَّال الموافق ١٨ يونيو، هاجم الفرنساويون حصن «ملاكوف» وعادوا بدون أن يتمكنوا من الاستيلاء عليه بعد أن توفي كثير منهم، وكذلك لم يفلح الإنكليز في هجومهم في اليوم المذكور على قلعة «جران ريدان»، وبعد هذه الخيبة بعشرة أيام توفي اللورد رجلان بالكوليرا، وشيعت جنازته باحتفال زائد، وأرسلت جثته لتدفن ببلاده بما يليق لها من التجلَّة والإكرام، وخلفه في القيادة العامة على الجيوش الإنكليزية الجنرال جمس سمسبون.

وفي ١٢ ذي الحجة سنة ١٢٧١ (الموافق ٢٦ أغسطس)، انتصر المتحدون في واقعة «تراكيتو»، وفي يوم ٣ ذي الحجة (الموافق ١٧ منه) ابتدأ إطلاق المدافع على حصن ملاكوف بدون انقطاع تقريبًا إلى ظهر ٢٥ ذي الحجة الموافق ٨ سبتمبر. وفي اليوم المذكور احتل الجنرال «ماك ماهون»٢٩ الفرنساوي القلعة المذكورة بعد أن دافع عنها الروس دفاع الأبطال، واحتل الإنكليز قلعة جران ريدان ثم التزموا بإخلائها بعد نسفها بالبارود؛ لعدم إمكانهم البقاء فيها لانهيال المقذوفات الروسية عليهم انهيالَ الأمطار. وفي مساء هذا اليوم المشهود أخلى الروس مدينة سباستوبول بعد أن أحرقوها عن آخرها، وفي يوم ٢٦ ذي الحجة (الموافق ٩ سبتمبر) احتلتها الجيوش المتحدة أو بالحري احتلوا أظلالها.

وبعد ذلك سارت الجيوش المتحدة نحو مدينة «قلبرون»، فاحتلتها في ٢ صفر سنة ١٢٧٢ (الموافق ١٤ أكتوبر)، وفي اليوم التالي هدم الروس قلاع مدينة أوتشاكوف وأخلوها قاصدين داخلية البلاد، ولولا ابتداء فصل الشتاء الذي يأتي مبكرًا بهذه البلاد لما وجدت الروسيا من الجيوش ما يكفي لإيقاف أعدائها عن المدينة «كيف» المقدَّسة لديهم.

هذا؛ وفي أثناء سنة ١٨٥٥ أطلقت دونانمات فرنسا وإنكلترا قنابلها على عدَّة ثغور في بحر بلطيق، وعطلت التجارة الروسية بالمرة، وكذلك حاصرت مدخل البحر الأبيض الشمالي، ومنعت المراكب التجارية من الدخول فيه بالكلية.

وفي المحيط الباسفيكي احتلت الجيوش المتحدة ميناء «بترو باولوسك» الشهيرة التي ستكون في المستقبل من أهمِّ ثغور العالم بعد امتداد الخط الحديدي المشروع في مدِّه في أراضي سيبريا لتوصيلها بأوروبا. ولم يكن للروسيا سلوان عن جميع هذه المصائب المتوالية إلا استيلاؤها على قلعة قارص المعلومة الواقعة على حدود آسيا الصغرى في ١٨ ربيع الأول سنة ١٢٧٢ (الموافق ٢٨ نوفمبر سنة ١٨٥٥).

وبعد ذلك لم تحصل وقائع حربية مهمة، بل دخلت المسألة في دور سياسي؛ لتحقق إسكندر الثاني عدم الفوز، خصوصًا وأن النمسا قد أظهرت له العداوة جهارًا بعد سقوط سباستوبول، وانضمت مملكة السويد إلى التحالف الأوروبي ضدَّها.

وبيان ذلك أن البرنس غورتشاكوف — السفير الروسي بويانة — أتته تعليمات في أواخر سنة ١٨٥٤ تُجيز له المخابرة، وجعل أساسها الطلبات الدولية الأربع التي سبق ذكرها، فقبلت الدول مع حفظ الحرية لها في الأعمال الحربية، وانعقد مؤتمر جديد في ويانة في شهر فبراير سنة ١٨٥٥ حضره اللورد «رسل» من قبل إنكلترا، والمسيو دروان دي لويس٣٠ من قبل فرنسا، والبرنس غورتشاكوف عن الروسيا، والكونت «دي بوول» عن النمسا، والوزير عالي باشا عن الدولة العثمانية. وبعد عدة اجتماعات متوالية انفض المؤتمر على لا شيء؛ لأن المندوبيْنِ الفرنساوي والإنكليزي طلبا زيادة على الطلبات الأربعة الأصلية أن يكون البحر الأسود حرًّا لجميع الدول، وأن لا يكون للروسيا فيه سوى ثماني مراكب حربية فقط، فلم يمكن البرنس غورتشاكوف التصديق على ذلك تمسكًا بالأوامر المرسلة إليه. ولمناسبة اشتغال الروسيا بمحاصرة سباستوبول واشتداد الحروب حولها من جهة وحصولها على بعض انتصارات جزئية على أعدائها أبطأت في إرسال التعليمات الجديدة إليه؛ طمعًا في تغير الأحوال وتحسنها فترفض طلبات الدول بقلب قوي، لكن خاب ظنها فسقطت سباستوبول في ٢٥ ذي الحجة سنة ١٢٧١ (الموافق ٩ سبتمبر سنة ١٨٥٥). وبذا تظاهرت باقي الدول ضدَّها، خصوصًا مملكة السويد التي كانت تستعمل معها الروسيا طرق التهديد والوعيد للحصول على بعض امتيازات تختص بالصيد على شواطئ النرويج؛ فأبرمت مع فرنسا وإنكلترا معاهدة هجومية ودفاعية ضدَّ الروسيا في ١٠ ربيع الأول سنة ١٢٧٢ (الموافق ٢٠ نوفمبر سنة ١٨٥٢)، وأعلنتها رسميًّا لجميع الدول، وبذلك تحققت الروسيا أنه صار من المستحيل عليها الانتصار على جميع هذه القوى المتألبة ضدها، ومالت إلى السلم قلبًا وقالبًا منتظرة أقل مفاتحة من الدول الغربية فتلبيها بالقبول.

وفي أواخر سنة ١٨٥٥ عرضت النمسا على جميع الدول المتحدة بلسان أكبر وزرائها الكونت «دي بوول» أن يرسل إلى الروسيا بلاغًا نهائيًّا بطلبات الدول الأصلية مع ما سبق عرضه من الاقتراحات أثناء المؤتمر الذي انعقد أخيرًا بمدينة ويانة في مارس وأبريل سنة ١٨٥٥، وإن لم تجب الروسيا جميع هذه الاقتراحات يستأنف القتال في ربيع سنة ١٨٥٦ بكل شدَّة وصرامة، وتنضم إلى الجيوش المحاربة جيوش النمسا ومملكة السويد والنرويج.

فأقرَّت الدول على ذلك، وقبلت الروسيا هذه الاقتراحات الأكثر تأثيرًا على نفوذها مما رفضته في السابق، وبعد مخابرات طويلة تم الاتفاق على أن ينعقد مؤتمر سامٍ جديد في مدينة باريس لتقرير السلم نهائيًّا، وأُمضِيَ بذلك اتفاق في مدينة ويانة بتاريخ ٢٣ جمادى الأولى سنة ١٢٧٢ الموافق أول فبراير سنة ١٨٥٦، وانعقد هذا المؤتمر فعلًا في باريس في يوم ١٨ جمادى الثانية (الموافق ٢٥ فبراير المذكور) والأيام التالية، واختار لرئاسته الكونت «ولوسكي»٣١ — وزير خارجية — فرنسا، وتوالت اجتماعات هذا المؤتمر إلى ٢٣ رجب سنة ١٢٧٢ (الموافق ٣٠ مارس سنة ١٨٥٦)، وفيه أُمضيت جميع بنود معاهدة باريس الشهيرة التي أوصلت نابليون الثالث إلى أَوْج فخاره، وأعادت لفرنسا سابق مجدها؛ إذ إنها لم تشترك في مثل هذه الحرب من عهد نابليون الأول، وحفظت للدولة العلية أملاكها من غوائل الروسيا.
وإليك نصَّ المعاهدة حرفيًّا نقلًا عن الجزء الخامس من كنز الرغائب في منتخبات الجوائب:

بسم الله القادر على كل شيء

إن إمبراطور الفرنسيس، وملكة المملكة المتحدة من بريطانيا العظمى وإرلاندا، وإمبراطور جميع الروسيا، وملك سردينيا، وسلطان البلاد العثمانية، لرغبتهم في إنهاء غوائل الحرب وتلافي ما نشأ عنها من الصروف والمكاره، قرَّ رأيهم على أن يتفقوا مع إمبراطور أوستريا بمقتضى قواعد مقررة على استتباب الصلح وتوطيده، وتعهدوا جميعًا باستقلال السلطنة العثمانية وإبقائها تامة، ولهذا القصد نصب المشار إليهم نوابًا عنهم مطلقي التصرُّف، فكان من طرف إمبراطور الفرنسيس مسيو ألكسندر كونت كولونا، ولوسكي، ومسيو فرانسوا أودلف بارون دبورغيني، ومن طرف إمبراطور أوستريا مسيو شارلس فرديناند كونت دبوا شونستان، ومسيو يوسف ألكسندر بارون دهبنر، ومن طرف ملكة المملكة المتحدة من بريطانيا الكبرى وإرلاندا الأكرم جورج وليام فريدريك كونت كلارندون وبارون هيدد هندون، والأكرم هنري رشارد شارلس بارون كولي، ومن طرف إمبراطور جميع الروسيا مسيو ألكسيس كونت أرلف ومسيو فليب بارون برونو، ومن طرف ملك سردينيا مسيو كاملي ينسور كونت كافور، ومسيو صلفاطور مركيز فيلا مارينا، ومن طرف سلطان الدولة العثمانية محمد أمين عالي باشا — الصدر الأعظم في السلطنة العثمانية — ومحمد جميل بك متسمًا بالنيشان المجيدي السلطاني من ثاني طبقة.

فاجتمع هؤلاء النواب المفوض إليهم إبرام الصلح تفويضًا تامًّا في مجلس باريس، وبعد أن وُقِّع الاتفاق بينهم على هذا المقصد الحميد رأى إمبراطور الفرنسيس، وإمبراطور أوستريا، وملكة المملكة المتحدة من بريطانيا الكبرى وإرلاندا، وإمبراطور جميع الروسيا، وملك سردينيا، وسلطان الدولة العثمانية، أن في المصلحة التي يئول نفعها إلى أوروبا ينبغي أن يدعى ملك بروسيا الذي وقع على معاهدة سنة ١٨٤١ إلى الاشتراك معهم في هذا التنظيم الجديد، ولعلمهم بما يحصل من ذلك من زيادة الفائدة لتقوية هذا السعي الخيري طلبوا منه أن يرسل من قبله نوابًا يفوِّض إليهم مطلق التصرف في المجلس المذكور، فمن ثَمَّ ورد من طرفه مسيو أوثون تيودور بارون مانتفيل ومسيو مكسمليان فريدريك شارلس فرانسوي كونت هتزفلدت ولدنبرغ شونستان، ثم بعد أن أبرزوا ما بأيديهم من المحرَّرات المؤذنة بتفويضهم ووجدت صحيحة اتفقوا على هذه المواد الآتية:
  • المادة ١: من يوم تاريخ الإمضاء بقبول هذه المعاهدة الحاضرة يكون صلح ومودَّة بين كل من إمبراطور الفرنسيس، وملكة المملكة المتحدة من بريطانيا الكبرى وإرلندا، وملك سردينيا، وسلطان الدولة العثمانية من جهة، ومن إمبراطور جميع الروسيا من جهة أخرى، وكذا بين ورثتهم وخلفائهم ودولهم ورعاياهم على الدوام.
  • المادة ٢: حيث قد حصل الفوز والمرام باستتباب الصلح بين المشار إليهم، ينبغي أن تُخلى البلاد التي فتحت في مدَّة الحرب أو التي تبوَّأ عساكرهم، وذلك من كلا الطرفين، ويجري له ترتيب مخصوص في أسرع وقت.
  • المادة ٣: قد تعهَّد إمبراطور جميع الروسيا بأن يردَّ لسلطان الدولة العثمانية مدينة قارص وقلعتها، وكذا سائر المواضع التي استولت عليها عساكر الروسيا، وهي من ملحقات بلاد الدولة العثمانية.
  • المادة ٤: قد تعهَّد إمبراطور الفرنسيس وملكة بريطانيا العظمى وإرلاندا وملك سردينا وسلطان الدولة العثمانية بأن يردُّوا إلى إمبراطور جميع الروسيا مدائن سيفاستبول وبالقلافة وقاميش ويوبانورية وقرطش ويني قلعة وكثيرًا مع مراسيها، وكذا سائر المواضع التي تبوَّأتها عساكر الدول المتفقة.
  • المادة ٥: يصدر عفو تامٌّ وافٍ من طرف إمبراطور الفرنسيس، وملكة بريطانيا العظمى وإرلاندا، ومن إمبراطور جميع الروسيا، وسلطان الدولة العثمانية، لجميع الذين تصدَّوا من رعاياهم للاشتراك في وقائع الحرب والحزب مع العدوِّ، ومفهوم ذلك يشمل بالنص الصريح أي حزب كان من رعاياهم ممن حارب واستمر مدَّة الحرب في خدمة المحارب.
  • المادة ٦: يُرَدُّ من أُخِذَ أسيرًا في الحرب من كلا الطرفين على الفور.
  • المادة ٧: قد صدر إعلان وتصريح من لدن إمبراطور الفرنسيس، وإمبراطور أوستريا، وملكة بريطانيا العظمى وإرلاندا، وملك بروسيا، وإمبراطور جميع الروسيا، وملك سردينيا، بأن للباب العالي اشتراكًا في فوائد الحقوق الأوروباوية العامة وفي منافع اتفاق أوروبا، وقد تعهدوا بأن يحترموا استقلال السلطنة التركية وإبقاءها تامة، وتكفلوا جميعًا بالمحافظة على هذا التعهد، وكل أمر يُفضي إلى الإخلال بذلك يعتبرونه من المسائل التي ينبني عليها مصلحة عامة.
  • المادة ٨: إذا حدث بين الباب العالي وإحدى الدول المتعاهدة خلاف خِيفَ منه على اختلال الفهم وقطع صلتهم، فمن قبل أن يعمد الباب العالي وتلك الدول المنازعة له إلى أعمال القوة والجبر يقيمان الدول الأخرى الداخلة في المعاهدة وسطاء بينهما؛ منعًا لما يتأتَّى عن ذلك الخلاف من الضرر.
  • المادة ٩: سلطان الدولة العثمانية، لعنايته بخير رعاياه جميعًا قد تفضَّل بإصدار منشور غايته إصلاح ذات بينهم وتحسين أحوالهم بقطع النظر عن اختلافهم في الأديان والجنس، وأخذ في ذمته مقصده الخيري نحو النصارى القاطنين في بلاده، وحيث كان من رغبته أن يبدي الآن شهادة جديدة على نيته في ذلك عَزَمَ على أن يُطالع الدول المتعاهدة بذلك المنشور الصادر عن طيب نفس منه، فتتلقى الدول المشار إليها هذه المطالعة بتأكيد ما لها من النفع والفائدة، ولكن المفهوم منها صريحًا أنها لا توجب حقًّا لهذه الدولة في أي حال كان على أن تتعرض كلًّا أو بعضًا لما يتعلق بالسلطان ورعاياه أو بإدارة سلطنته الداخلية.
  • المادة ١٠: الاتفاق الذي جرى في الثالث عشر من جولاي (تموز) سنة ١٨٤١، وهو الذي تقرر فيه ما للسلطنة العثمانية من الترتيب القديم بخصوص سدِّ البوغاز ومضيق جناق قلعة، قد أُعِيد الآن النظر فيه بمواطأة الجميع، وما جرى من الحكم به لهذه الغاية على مقتضى الأصول ما بين أهل المعاهدة يلحق الآن بهذه المعاهدة الحاضرة، ويبقى معمولًا به كأنه من متمماتها.
  • المادة ١١: البحر الأسود يكون على الحيادة (وفي الأصل نوتر) ومباحًا لتجارة جميع الأمم، ويمنع ماؤه ومراسيه منعًا دائمًا عن السفن الحربية، سواء كانت للدول التي لها تملك في شاطئ البحر أو لغيرها ما عدا ما استُثْنِي ذكره في المادتين الرابعة عشرة والتاسعة عشرة من هذه المعاهدة.
  • المادة ١٢: التجارة في مراسي البحر الأسود ومياهه مطلقة عن كل مانع، فلا تكون عرضة لشيء سوى التنظيمات المختصة بالصحة ورسوم الكمارك والشرطة؛ أعني الضبطية، ويكون إجراؤه على وجه يُفيد التجارة تسهيلًا واتساعًا، ومن أجل تأمين المصالح المتجرية والبحرية التي يديرها جميع الناس ترخص الروسيا والباب العالي في نصب قناصل في مراسيهم الكائنة على سواحل البحر المذكور على ما تقتضيه الحقوق المتداولة بين الأمم.
  • المادة ١٣: حيث قد تقرر في المادة الحادية عشرة أن البحر الأسود يكون على الحياد، لم يبقَ لُزومٌ ولا غرض لإنشاء مسافن (أي ترسانات) بحرية حربية ولا لإبقائها؛ فمن ثم تعهد إمبراطور جميع الروسيا وسلطان الدولة العثمانية بأن لا يُنشِئا ولا يُبقِيَا شيئًا من هذه المسافن في ذلك الساحل.
  • المادة ١٤: قد اتفق إمبراطور جميع الروسيا وسلطان الدولة العثمانية على تعيين عدد السفائن الخفيقة اللازم إبقاؤها في البحر الأسود لمصالح تلك السواحل؛ فمن ثم ينبغي أن يكون هذا الاتفاق ملحقًا بهذه المعاهدة الحاضرة، ويكون معمولًا بصحته كأنه من مكملاتها، فلا يُلغَى ولا يغيَّر ما لم يقع عليه رضا الدول الموقعة على هذه المعاهدة.
  • المادة ١٥: من حيث قد تقرر في الشروط التي جرت في مجلس ويانة أصول وقواعد تختص بالسفر في الأنهار الفاصلة بين عدَّة ممالك أو المارَّة فيها، اتفقت الآن الدول المتعاهدة على أن تكون هذه الأصول جارية أيضًا في المستقبل على نهر الدانوب (الطونة) وفوهاته من دون فرق، ورسمت بأن هذا الشرط يعدُّ من الآن فصاعدًا من الحقوق العمومية لأهل أوروبا، واتخذته تحت كفالتها، ولا ينبغي أن يكون السفر في النهر المذكور عرضة لمانع ما ولا لتأدية ضريبة غير مقررة في الشروط المقيدة في المواد الآتية؛ فمن ثم لا يوجب «جعل» على مجرد السفر في النهر ولا ضريبة على الأمتعة التجارية التي تكون في السفن. أما ترتيب الشرطة والكورنتينة الذي يراد إنشاؤه لأجل تأمين البلاد التي يفصلها هذا النهر أو يخترقها، فيكون إجراؤه على وجه يُفيد المراكب سهولة في السفر على قدر الإمكان، وما عدا هذا الترتيب فلا يحدث شيء من الموانع للسفر مطلقًا أيًّا كان.
  • المادة ١٦: من أجل تحقيق الشروط المذكورة في المادة المتقدمة تعقد مأمورية نواب من طرف فرنسا، وأوستريا، وبريطانيا العظمى، وبروسيا، والروسيا، وسردينيا، والبلاد العثمانية، من كل واحد، ويحال على عهدتهم أن يرسموا ويجروا الأعمال اللازمة لإزالة الموانع والعوائق من فوهات الطونة ابتداءً من «استشا»، وكذا من أماكن البحر المجاورة التي فيها الرمل وغيره، والمقصود بذلك جعل هذه المواضع في كل من النهر والبحر صالحة للسفر وخالية عن كل ما يعوقه على قدر الطاقة والإمكان، ومن أجل استيفاء المصاريف التي تقتضيها هذه الأعمال، وإنشاء ما يلزم إنشاؤه؛ لتيسير السفر وتأمينه عند فوهات الطونة، يرسم أهل المأمورية بحسب أكثرية أصواتهم بنحو ضريبة معلومة وجُعلٍ موافق، وذلك بشرط أن تعامل جميع مراكب الأجيال بالتسوية. وهذا الأصل يجري في هذا المقصد كما في غيره.
  • المادة ١٧: تعقد مأمورية من نواب أوستريا وبافاريا والباب العالي وورتمبرغ، من كل واحد، وينضم إليها أهل مأمورية أقاليم الطونة الثلاثة التي يكون نصبها باستصواب الباب العالي، وهذه المأمورية تكون راهنة دائمة، ويختص بها:
    • أوَّلًا: أن تُجري التنظيم اللازم لسفر النهر وللشرطة.
    • ثانيًا: أن تزيل الدواعي المانعة من إجراء الشروط التي تقررت في معاهدة ويانة على الطونة.
    • ثالثًا: أن ترسم وتُجري الأعمال اللازمة في جميع مجاري النهر.
    • رابعًا: أن تحافظ بعد انقضاء مدة المأمورية الأوروباوية على وقاية المراكب وتيسير سفرها في فوهات الطونة وفي غير ذلك من الأماكن المجاورة له من البحر.
  • المادة ١٨: قد صار من المعلوم أن المأمورية الأوروباوية توفي عملها، وأن المأمورية الساحلية تتم الأعمال المقررة في المادة المتقدمة في القسمين الأوَّل والثاني في مدَّة عامين. وبعد اطِّلاع الدول المتعاهدة على ذلك تجري فيه مذاكرتهم جميعًا حتى إذا دوَّنت لديها ما جرى تحكم بإلغاء المأمورية الأولى. ومن ذلك الوقت فما بعده يكون للمأمورية الساحلية الراهنة ما كان للمأمورية الأوروباوية من القدرة والتفويض.
  • المادة ١٩: من أجل توكيد إجراء التنظيمات التي يرسم بها باتفاق واحد على موجب الأصول المشروحة آنفًا يكون لكل من الدول المتعاهدة حق في أن ترسي دائمًا في فوهات الطونة سفينتين خفيفتين.
  • المادة ٢٠: في مقايضة المدن والموانئ والأراضي على ما ذكر في المادة الرابعة من هذه المعاهدة الحاضرة، رضي إمبراطور جميع الروسيا لأجل زيادة التأمين على الحرية في سفر الطونة بتعديل تَخْم بلاده في بسارابيا فيكون هذا التَّخْم الجديد من البحر الأسود على كيلومتر واحد من شرقي بحيرة برناسولا، ويتصل بطريق أكرمان إلى وادي طراجان، ويجاوز جنوب بلغراد، ويستمر في طول مسافة نهر الفلبوق إلى علوسار تسيكا، ويتصل بكاتاموري على بروت، وعند الوصول إلى هذا الحد لا يحدث تغيير على التخم القديم بين السلطنتين، وتعيين رسم هذا التخم الجديد يكون بمعرفة نوَّاب من طرف الدول المتعاهدة.
  • المادة ٢١: الأرض التي تخلَّت عنها الروسيا تكون ملحقة بولاية ملدافيا (الأفلاق) تحت سيادة الباب العالي، ولسكان تلك الأرض أن يتمتعوا بالحقوق والخصائص الممنوحة للولايات، ويرخص لهم في مدَّة ثلاث سنين في نقل مواطنهم والتصرف في أملاكهم بلا مانع.
  • المادة ٢٢: ولايتا ولاخيا وملدافيا؛ أي الأفلاق والبغدان، تبقيان متمتعتين تحت رئاسة الباب العالي وكفالة الدول المتعاقدة بالامتيازات والإعفاءات الحاصلة لهم الآن، فلا مقتضى لأن تحميهم الدول الكافلة بحماية مخصوصة، ولا يكون حق مخصوص للتعرض في أمورهم الداخلية.
  • المادة ٢٣: الباب العالي متعهد بأن يحفظ لهاتين الولايتين إدارة أهلية مستقلة، ويبقي لهم الحرية في التدين والأحكام الشرعية والمتجر وسفر البحر والأنهار، وما عندهم الآن من القوانين والأحكام معمولًا به ينظر فيه، ولهذه الغاية تجرد مأمورية مخصوصة يكون تألفها باطلاع الدول المتعاهدة واتفاقهم، وتجتمع من غير إبطاء في بخارست (بكرش) مع مأمورية الباب العالي، ويكون من هَمِّ هذه المأمورية البحث عن أحوال الولايتين وعرض القواعد اللازمة للتنظيم في المستقبل.
  • المادة ٢٤: سلطان الدولة العثمانية وَعَدَ بأن يعقد في الحال في كل من الولايتين المذكورتين ديوانًا مخصوصًا، ويكون تأليفه مبنيًّا على توكيد ما فيه إيصال النفع والخير لجميع الناس على اختلاف درجاتهم، ويطلب من كل من هذين الديوانين أن يبين مقاصد الأهلين، واستدعاهم في شأن ترتيب الولايتين، ونسبة تلك المأمورية إلى هذين الديوانين تقرر في مجلس باريس.
  • المادة ٢٥: بعد أن تعتبر الآراء التي يبديها الديوانان تُنهي المأمورية إلى مجلس المذاكرة ما باشرته هي من العمل، وذلك من دون إمهال ولا إهمال، ويقرَّر المقصد الأخير مع الدولة السائدة، ويحصل الاتفاق عليه في باريس بين الدول المتعاهدة، وبموجب خط شريف مطابق لشروط هذه المعاهدة يجري تنظيم أحوال هاتين الولايتين، فتجعل من الآن فصاعدًا تحت كفالة جميع الدول الموقعة على هذه الشروط.
  • المادة ٢٦: قد قرَّ الرأي على أن يكون في الولايتين المذكورتين عسكر أهلي يرتب لأجل تأمين داخل البلاد وحفظ تخومها، فلا يورد مانع ما لترتيب غير اعتيادي لأجل الذبِّ عن الوطن إلا ما يدعى إليه الأهلون بالاتفاق مع الباب العالي؛ دفعًا لعدوان من يتطاول عليهم من الأجانب.
  • المادة ٢٧: إذا وقع ما يوجب الخوف على سلب الراحة والطمأنينة داخل الولايتين؛ يتفق الباب العالي مع الدول المتعاهدة على اتخاذ وسائل لدفع ذاك الخلل وإقرار الطمأنينة، ولا يكون مسوغ لمداخلة عسكرية من غير أن يقع عليه رضا الدول أولًا.
  • المادة ٢٨: إقليم الصرب يبقى متعلقًا بالباب العالي على وفق مضمون الخط الهمايوني الذي نص على حقوقه وإعفاءاته، ويكون من الآن فصاعدًا تحت مجموع كفالة الدول المتعاهدة؛ فمن ثَمَّ يحقُّ للإقليم المذكور أن يحافظ على استقلاله بحكومة أهلية وبالحرية في التدين والأحكام والمتجر والإبحار (سفر البحر).
  • المادة ٢٩: حق الباب العالي في إقامة الخفراء المحافظين كما تَمَّ الشرط عليه الآن في التنظيمات الداخلة هو مصون ثابت، فلا يكون مسوغ لمداخلة عسكرية في بلاد الصرب من دون أن يقع عليه رضا الدول المتعاهدة أولًا.
  • المادة ٣٠: إمبراطور جميع الروسيا وسلطان الدولة العثمانية يبقيان ضابطين لما هو في ملكهما في آسيا كما كان من قبل الحرب، ومن أجل تدارك ما عسى أن يقع من القال والقيل في ذلك يحقق رسم التخوم ويعدل من دون إيجاب ضرر على أحد الفريقين. ولهذه الغاية ترتب جماعة مؤلفة من مأمورين من طرف الروسيا وآخرين من طرف الدولة العثمانية ومأمور فرنساوي وآخر إنكليزي، ويكون إرسالهم عقب استرداد السفارة بين ديوان الروسيا والباب العالي، ويجب إنهاء أشغالهم في مدة ثمانية أشهر من ابتداء إثبات هذه المعاهدة الحاضرة.
  • المادة ٣١: البلاد التي تبوأتها في مدة الحرب جيوش إمبراطور الفرنسيس، وإمبراطور أوستريا، وملكة مملكة بريطانيا العظمى وإرلاندا، وملك سردينيا، إلى مدَّة المعاهدة التي ختمت في إسلامبول في ١٢ مارس سنة ١٨٥٤ بين فرنسا وبريطانيا العظمى والباب العالي.

    وفي ١٤ جون من السنة المذكورة بين أوستريا والباب العالي.

    وفي ١٥ مارس من سنة ١٨٥٥ بين سردينيا والباب العالي، تخلى بعد مبادلة إثبات هذه المعاهدة الحاضرة في أسرع وقت. فأما تعيين المدة واتخاذ الوسائل لإجراء ذلك فيرتب باتفاق بين الباب العالي وبين الدول التي تبوأت عساكرها تلك الأرضين.

  • المادة ٣٢: المتجر في جلب البضائع وإرسالها إلى الخارج يبقى ما بين الدول كما كان من قبل الحرب إلى أن تجدد المعاهدة التي كانت بين الدول المتحاربة من قبل الحرب أو تبدل بشروط أخرى وتكون رعاياهم معاملة في سائر الأمور الأخرى أحسن المعاملة.
  • المادة ٣٣: المعاهدة التي تمت هذا اليوم بين إمبراطور الفرنسيس، وملكة مملكة بريطانيا العظمى وإرلاندا، وإمبراطور جميع الروسيا من جهة جزائر الألاند تكون ملحقة بالمعاهدة الحاضرة، وتبقى كذلك معمولًا بصحتها كأنما هي جزء مُتَمِّمٌ لها.
  • المادة ٣٤: قد قرَّ الرأي على إثبات هذه المعاهدة، وتجري مبادلته في باريس في مدة أربعة أسابيع أو قبل ذلك إذا أمكن. وبناءً على ذلك علَّم عليها النواب المرخص لهم، ووضعوا عليها أختام دولهم. حُرِّرَ في باريس في ٣٠ شهر مارس سنة ١٨٥٦.
أسماء الذين وقعوا على ما ذكر
ولوسكي، يورغيني، بول شونستان هبنر، كلارندون، كولي منتوفل، هتر فلدت، أورلوف، برلوكافور، وقيل لامارينا، عالي، محمد جميل.
  • مادة ملحقة بما تقدم: شروط المعاهدة المتعلقة بالبواغيز مما وقع عليه اليوم لا تكون جارية على سفائن الحرب التي في خدمة الدول المتحاربة لإخلاء الأرض التي تبوأتها العساكر، وإنما تكون معمولًا بها عقب الإخلاء. حرر في باريس في ٣٠ شهر مارس سنة ١٨٥٦ أسماء الموقعين كما ذكر آنفًا.

وبعد إمضاء هذه المعاهدة اجتمع المؤتمر في خمسة الأيام الأولى من شهر أبريل، وقرر رفع الحصار البحري عن موانئ الروسيا، وأن تسحب فرنسا وإنكلترا وبيمونتي (سردينيا) عساكرها من بلاد القرم في مسافة ستة أشهر، وأن يعطى للنمسا قدر هذه المدة لإخلاء ولايتي الأفلاق والبغدان وثلاثة أشهر لتسليم مدينة قارص وقلعتها إلى الدولة العلية، وأن اللجنة التي تعين لفصل الحدود بين الدولة والروسيا في جهات بسارابيا تجتمع في أول رمضان سنة ١٢٧٢، الموافق ٦ مايو سنة ١٨٥٦ في مدينة غلاتس للبدء في عملها.

ولما انتهت أعمال المؤتمر الذي اجتمع لأجلها اقترح عليه المسيو ولوسكي النظر في بعض الشئون الأوروبية التي يخشى منها على السلم، فقرر عدة أمور لا تدخل في موضوعنا، فأضربنا عنها صفحًا لعدم الإطالة.

ولا يخطر ببال أحد من حضرات القراء الأفاضل أن هذه الحرب حصلت لمحض صالح الدولة العلية، بل لم يكن القصد منها سوى إضعاف الروسيا وعدم توغلها في أراضي الدولة العثمانية. ولما انتهت الحروب على حسب رغائب الدول أخذوا في إيجاد الأسباب الموجبة ضعف الدولة نفسها؛ حتى لا تقوى على معارضتهم، وتبقى كحاجز بين الروسيا والبحر الأبيض المتوسط ليس إلا؛ ولذلك ساعدت الدول ولايتي الأفلاق والبغدان على انضمام كلٍّ للأخرى وتكوين حكومة شبه مستقلة تسمى حكومة الإمارات المتحدة يكون لها أمير واحد ومجلس نواب تحت حماية جميع الدول، وتأيَّد ذلك بوفاق أُمْضِي في باريس في ٢٩ محرم سنة ١٢٧٥ الموافق ١٩ أغسطس سنة ١٨٥٨، وانتخبت الولايات البرنس كوزا٣٢ أميرًا لهما، واعترف الباب العالي بهذا الانتخاب حسمًا للنزاع، ثم أوجدوا مشاكل كثيرة في بلاد الصرب والجبل الأسود سعيًا وراء منحهما الاستقلال تمامًا وفصلهما كلية عن الدولة، ولتكون هذه الولايات بمثابة موانع في طريق الدولة وعقبات بينها وبين ممالك أوروبا، وبثوا بذور الفساد في بلاد البوسنة والهرسك، فاضطربت وقامت مطالبة بامتيازات كبلاد الصرب والجبل الأسود.

ومما زاد في أحوال الدولة ارتباكًا تداخل الدول في الشئون الداخلية، ومنعها الدولة العثمانية من محاربة الثائرين بتهديدها بقطع العلائق السياسية ونزول سفرائهم إلى مراكبهم، بل وإرسال بعض السفن الحربية لتقرير مطالب الثائرين، كما أرسلت فرنسا والروسيا مراكبهما في سنة ١٨٥٨ إلى سواحل الجبل الأسود لمنع الجيوش العثمانية من الدخول بهذا القطر ومعاقبة أميره على مساعدة ثائري البوسنة والهرسك. ومن ذا كله وما سنذكره يتضح جليًّا أن الدولة كانت في أحرج المراكز لعدم وجود مخلص لها أو صديق بين جميع الدول المسيحية المتألِّبة عليها سياسيًّا لإضعافها وعرقلة جميع مساعيها الإصلاحية في داخلية بلادها، وتداخلها في أمورها الداخلة المحضة، حتى خيل للمتأمل أن سفراء الدول بالآستانة صاروا شركاء لوزراء الدولة في جميع الأعمال.

وفي أوائل سنة ١٨٥٨ تُوُفِّيَ الصدر الأعظم رشيد باشا، وخلفه في هذا المنصب الخطير — خصوصًا في هذه الظروف — السياسي الشهير عالي باشا، وولي فؤاد باشا وزيرًا للأشغال الخارجية، وكان كل منهما على جانب عظيم من الحذق في الأعمال السياسية ومتحققًا من مقاصد أوروبا السيئة نحو الدولة الإسلامية الوحيدة، فعملا على تسوية جميع المسائل الداخلية بحكمة وسداد رأي حتى لم يدعا لسفراء الدول حقًّا في التداخل. فلم يمضِ طويل زمن حتى عادت السكينة إلى بلاد بوسنة وهرسك لوعد أهاليها بإصلاح أحوالهم واستبدال العساكر غير المنتظمة الموجودة بها بجيوش منتظمة. وكذلك أنهيا بحكمتهما مسألة الجبل الأسود بتحديد التخوم بمعرفة لجنة مشكلة من أربعة أعضاء فرنساوي وروسي وعثماني وجبلي، وقبلا قرار هذه اللجنة مع إجحافه بحقوق السلطنة. لكن لما كان السكون وانتظام الأحوال لم يروقا أصلًا في أعين أعداء الدولة والدين؛ ألقوا شباك مفاسدهم في جزيرة كريد، فاصطادوا بها ضعاف العقول من اليونان بطعم الاستقلال والانضمام إلى مملكة اليونان المستقلة؛ فحصلت عدَّة وقائع سالت فيها الدماء بين المسلمين والمسيحيين، وكادت الثورة تمتدُّ بها لولا فضل تساهل وزراء الدول بعزل واليها وتعيين من يُدعَى سامي باشا مكانه لتقرير الأمن وإرضاء المسيحيين من سكان الجزيرة؛ فرجعت السكينة إلى ربوعها، وأمكن فؤاد باشا أن يجاوب سفراء الدول على ملاحظاتهم بخصوص هذه المسألة أنْ لا حق لهم بالتداخل حيث لا اضطرابات أو قلاقل توجب هذا التداخل غير الشرعي.

وبمجرد ما انتهت مسألة كريد مؤقتًا كما هي عادة المسائل التي توجدها الدول بدسائسها في شرقنا، حدثت في مدينة جدة نازلة أكثر أهمية من تلك؛ وهي قيام المسلمين بها على المسيحيين في يوليو من السنة المذكورة (١٨٥٨) وقتلهم بعضهم وإصابة قنصل فرنسا وكاتبه إصابة شديدة وقتل زوجته؛ مما جعل بابًا للأوروبيين لرمينا بالتعصب الديني. فلما علم فؤاد باشا بهذه الحادثة لم يشعها، بل أرسل من يدعى إسماعيل باشا ببعض الجند لتحقيقها ومجازاة القاتلين بالإعدام بدون طلب تصريح من الآستانة كما جرت به العادة، لكن قبل وصول هذا المندوب علمت الدول بهذه المذبحة، وأرسلت فرنسا وإنكلترا لائحة للباب العالي بالاشتراك يخبرانه بها أنهما أرسلتا مراكبهما إليها بتعليمات شديدة، فأجابهم فؤاد باشا بأن الدولة لم تهمل واجبها، بل رخصت لإسماعيل باشا بإجراء اللازم، وأن الدولة مستعدَّة لتقدير التعويضات الواجب دفعها لمن لحقهم ضرر بالاتحاد مع من تُعيِّنهم الدولتان لهذا الغرض.

إطلاق الإنكليز المدافع على مدينة جدة

وفي هذه الأثناء أتى نامق باشا — والي مكة — إلى جدَّة، وقبض على المجرمين وحاكمهم؛ فحكم على كثير منهم بالإعدام، لكن لم يمكن تنفيذ هذه الأحكام إلا بعد استئذان الدولة. وفي غضون محاكمتهم وصلت إلى ميناء جدَّة سفينة حربية إنكليزية اسمها سيكلوب، وطلب ربانها من نامق باشا تنفيذ الحكم فورًا، وأمهله أربعة وعشرين ساعة، وإن لم يعدم المحكوم عليهم يطلق مدافعه على المدينة. ولما أجابه نامق باشا بعدم إمكانه إجابة طلبه سلَّطَ مدافعه على هذه المدينة، واستمر إطلاقه عليها نحو عشرين ساعة، ولولا وصول السفينة المقلة إسماعيل باشا — المندوب العثماني — لدُمِّرَتِ المدينة عن آخرها؛ فإنه لما وصل هذا المندوب أوقف ضرب النار، ونزل معه العساكر العثمانية والإنكليزية، وأمر بشنق المحكوم عليهم بالإعدام فشنقوا، وانتهت هذه المسألة، ورجعت العساكر الإنجليزية إلى سفينتهم بدون أن يجدوا علة للبقاء. وما الفضل في حسم كل هذه النوازل إلا لفؤاد باشا صاحب الرأي الصائب.

(٦) حادثة الشام واحتلال فرنسا لها

وقد ظهر فضله واعترف به العدوُّ قبل الصديق، وجاهر كل ذي ذمة بأن هذا الرجل من أهمِّ سياسيي عصره في مسألة الشام التي حصلت في سنة ١٢٧٦ الموافقة سنة ١٨٦٠، وأوجبت تداخل الدول عمومًا وفرنسا خصوصًا بحجة حماية المارونية.

وبيان ذلك: أنه لما حسمت جميع المشاكل واستتبَّ الأمن نوعًا في ولايتي الأفلاق والبغدان وولايات الصرب والجبل الأسود بتساهل الباب العالي واعترافه بانتخاب كوزا واليًا لولايتي الأفلاق والبغدان معًا، وبتولية ميشيل أميرًا على الصرب بعد والده «ميلوش» الذي انتخبه نواب الأهالي في جمعيتهم العمومية المسماة إسكو بشينا؛ حتى لا تدع للدول سبيلًا للتداخل، وجَّه أرباب الغايات مساعيهم إلى بلاد الشام لاستعدادها لقبول بذور الفساد أكثر من باقي الولايات بسبب تعدد الجنسيات واختلافهم في الدين والمشرب ووجود العداوة بينهم، خصوصًا بين المارونية والدروز، فقامت بينهم أسباب الشقاق ودواعي الخلف إلى أن تعدَّى المارونية بالقتل على الدروز في أواخر سنة ١٨٥٩، وقام الدروز للأخذ بالثأر، ثم امتدت الفتنة إلى جميع أنحاء الشام، وكثر القتل والنهب، وحصلت عدة مذابح في طرابلس وصيدا واللاذقية وزحلة ودير القمر، ومنها إلى مدينة دمشق الشام. وامتاز الأمير عبد القادر الجزائري٣٣ بحماية كثير من المسيحيين، فكافأته فرنسا بمنحه وسام اللجيون دونور٣٤ من درجة جران كوردون، واتهم الأوروبيون عثمان بك قائمقام حاصبيا بتسهيل المذبحة، وكذلك اتهموا أحمد باشا — والي دمشق — بمساعدة الدروز وقتل كل من التجأ إلى دار الحكومة من المسيحيين، وأذاعوا هذه المفتريات على رجال الدولة في جميع الأرجاء تمويهًا وتغريرًا؛ ليكون لهم سبب مقبول لدى الرأي العام في بلادهم إذا تداخلوا فعليًّا، وجرَّ تداخلهم إلى حرب عظيمة كحرب القرم.

فعرضت فرنسا على الدول أنها مستعدة لإرسال جيوشها إلى بلاد الشام لقمع الفتنة ومجازاة مثيريها وحماية المارونية، فلم تقبل الدول هذا الاقتراح بادئ الرأي خوفًا من عدم خروج فرنسا من الشام لو احتلتها عسكريًّا وضحت أموالها ورجالها. ولما حصلت مذبحة دمشق التي قتل فيها نحو ستة آلاف نسمة على ما يقولون أرسلت جميع الدول إلى الباب العالي تهدده بالتداخل إن لم يضع حدًّا لهذه الفتن، لكن بلاغاتهم لم تكن اشتراكية لعدم اتحادهم، فجمع فؤاد باشا جميع الوزراء وأظهر لهم ضرورة تعزيز الجيش العثماني بهذه البلاد وإخماد الثورة قبل أن يتفق الدول على التداخل عسكريًّا؛ فتقرر رأيه بالإجماع، وانتدب هو لقيادة الجيوش بها ومجازاة كل من تظهر إدانته.

فسافر هذا الشهم على جناح السرعة، ووصل إلى بيروت في ٢٨ ذي الحجة سنة ١٢٧٦ (الموافق ١٧ يوليو سنة ١٨٦٠)، ومنها قصد مدينة دمشق في خمسة آلاف جندي، وشكل مجلسًا حربيًّا، وحاكم رؤساء الفتنة بكل صرامة، وشنق كثيرًا ممن ظهرت لهم يد عاملة فيها، سواء كان من الدروز أو المسيحيين أو المسلمين أو من نفس كبار مستخدمي الحكومة، وبذل همته في إعادة الأمن إلى البلاد.

وفي أثناء ذلك اتفقت الدول على أن ترسل فرنسا إلى الشام ستة آلاف مقاتل لمساعدة الجيش العثماني على إعادة السكينة لو عجز عن تأدية هذه المهمة. وفي ٢٢ محرم سنة ١٢٧٧ (الموافق ١٠ أغسطس سنة ١٨٦٠) نزلت الجنود الفرنساوية إلى بيروت تحت قيادة الجنرال «دوبول»، فوجدت السكينة ضاربة أطنابها في ربوع الشام، ولم تجد سبيلًا لعمل أيِّ حركة عسكرية لإظهار شجاعتها ونظامها.

ومما يدل على تعنت الدول وتعمدهم مشاركة الدولة في أمورها الداخلية على أي حال اتفاقها في باريس بمقتضى اتفاق تاريخه ١٥ محرم (الموافق ٣ أغسطس) على أنه يجوز إبلاغ الجيش المحتل إلى اثنيْ عشر ألفًا مع بقاء هذه الجيوش إلى أن يستتب الأمن ويجازى الساعون بالفساد على ما جنت أيديهم، كأن الدولة أهملت في مجازاتهم وفي إرجاع السكينة إلى البلاد، مع أنه لم يكن ثمة ضرورة لإرسال جيش أوروبي إلى الشام مطلقًا؛ لقيام فؤاد باشا بمهمته أحسن قيام. ومع ذلك صمَّم القائد الفرنساوي على إرسال فرقة من ألف وخمسمائة جندي إلى جبل لبنان لإعادة المارونية إلى بلادهم وحمايتهم من تعدي الدروز. واستمر الاحتلال الفرنساوي إلى ٢٧ ذي القعدة سنة ١٢٧٧ (الموافق ٥ يونيو سنة ١٨٦١)، وفيه سحبت الجيوش الفرنساوية آتية إلى بلادها بعد أن أوهمت مسيحيي الشام أنها حمتهم من تعدِّي المسلمين المتعصبين المتوحشين على زعمهم. ونسيت فرنسا ما أتته جنودها في بلاد الجزائر من الأعمال الفظيعة التي يأبى القلم تسطيرها، خصوصًا ما أتاه الجنرال بيليسيه من إعدام قبيلة بنسائها وأطفالها حرقًا داخل الغار الذي التجئوا إليه.

ولكن أبت سياسة أوروبا المسيحية إلا التعامي عن كل ما يأتونه مع الشرقيين، وتجسيم أقل حادث يحدث في الشرق، ولو بإيعازهم ترويجًا لسياستهم، ونسوا أقوال المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام المسطرة في نسخ الإنجيل المتداولة بين أيدي جميع الطوائف المسيحية، القاضية بأن يعامل الإنسان غيره بما يريد أن يعامله الغير به.

وفي أثناء ذلك انعقدت بمدينة بيروت لجنة أوروبية مشكَّلة من مندوبين معينين من قبل الدول الموقعة على معاهدة باريس، وبعد مداولات طويلة اتفقوا مع فؤاد باشا على أن يعطوا للمسيحيين الذين حرقت دورهم مبلغ خمسة وسبعين مليون قرش بصفة تعويض، وأن يمنح أهالي الجبل حكومة مستقلة تحت سيادة الدولة العلية يكون حاكمها مسيحيَّ المذهب، وأن يكون للباب العالي حامية من ثلاثمائة جندي تقيم في حصن على الطريق الموصل من دمشق إلى بيروت.

ثم عين بالإجماع من يدعى داود أفندي الأرمني الجنس أميرًا للجبل لمدَّة ثلاث سنوات لا يمكن عزله إلا باتفاق الدول. وبذلك انتهت أيضًا هذه المسألة بحسن مساعي فؤاد باشا كما انتهت باقي المسائل التي سبقتها ولو بكيفية مجحفة بحقوق الدولة، إلا أنه بهذا التساهل منع تداخل الدول بصفة شديدة، وألزم فرنسا بسحب جيوشها من الشام.

وبعد خروج الجيوش الفرنساوية من بيروت بعشرين يومًا توفي السلطان عبد المجيد خان، وانتقل إلى رحمة مولاه في ١٧ ذي الحجة سنة ١٢٧٧ﻫ (الموافق ٢٥ يونيو سنة ١٨٦١)، ودفن رحمه الله في قبرٍ أعدَّ له في حياته بجوار جامع السلطان سليم وعمره أربعون سنة وكسور، ومدَّة حكمه ٢٢ سنة ونصف، وهو الذي أنشأ النيشان المجيدي العلي الشأن وقدَّمه على نيشان الافتخار الذي أسسه السلطان الغازي محمود الثاني. وفي يوم موته بويع بالخلافة لأخيه.

١  سياسي نمساوي شهير، ولد سنة ١٧٧٣، وتقدم سريعًا، وعين سفيرًا للنمسا في باريس سنة ١٨٠٦، وانتخب رئيسًا لمؤتمر ويانه في سنة ١٨١٤ وسنة ١٨١٥ الذي عقد لتسوية حالة أوروبا بعد سقوط نابليون. واشتهر هذا الوزير بمعارضة انتشار الحرية في أوروبا؛ ولذلك اعتزل الأعمال بعد حركة سنة ١٨٤٨ العمومية، وبقي في العزلة إلى أن توفي سنة ١٨٥٩.
٢  سياسي إنكليزي شهير، ولد سنة ١٧٨٤، وبعد أن أتمَّ دراسته في مدرسة كمبردج العليا؛ انتُخِبَ في مجلس العموم سنة ١٨٠٦، وانضمَّ إلى حزب المحافظين. وفي سنة ١٨٣٧ تحوَّل عنهم، وانخرط في سلك الأحرار. وصار وزيرًا للخارجية من سنة ١٨٣٠ إلى سنة ١٨٤١ ومن سنة ١٨٤٦ إلى سنة ١٨٥١، ومن ١٨٥٥ إلى ١٨٥٨، وأخيرًا من سنة ١٨٥٩ إلى تاريخ وفاته الواقع في سنة ١٨٦٣. واشتهر بمقاومة محمد علي باشا الكبير، حتى يمكن القول إن مساعيه كانت السبب الوحيد في إخفاق مشروع هذا الرجل العظيم، وعدم نجاح مقصوده.
٣  هو سياسي شهير، ولد في مرسيليا في ١٦ أبريل سنة ١٧٩٧، وتعلم الشريعة في مدارس مرسيليا واكس، واشتغل بالمحاماة إلى سنة ١٨٦١، ثم سافر إلى باريس واشتغل بالتحرير في الجرائد، وكتب تاريخ الثورة الفرنساوية في ١٠ مجلدات طبعت من سنة ١٨٢٣ إلى سنة ١٨٣١. وكان من أكبر الساعين في قلب حكومة لويس العاشر في شهر يوليو سنة ١٨٣٠، ولما تولى لويس فيليب أريكة الملك بعد هذه الثورة عيَّنه مأمورًا في الخزينة، ثم ولَّاه وزارة المالية، ثم نظارة الداخلية في وزارة المارشال سوفت الأولى في ١١ أكتوبر سنة ١٨٣٤، ثم صار رئيسًا لمجلس النظار أول مرة في ٢٢ فبراير سنة ١٨٣٦، وعهدت إليه أيضًا نظارة الخارجية؛ واستمرت وزارته إلى ٦ سبتمبر سنة ١٨٣٦، ثم عاد إلى منصة الأحكام في أول مارس سنة ١٨٤٠؛ فطلب تحصين مدينة باريس، والقيام بتجهيزات عسكرية مهمة خوفًا من الارتباكات الناشئة من تداخل الدول بين محمد علي باشا والسلطان، ثم استقال لاختلافه في الرأي مع ملكه بخصوص المسألة المصرية؛ وحينئذ ابتدأ في تاريخه عن القنصلية والإمبراطورية.
ثم في سنة ١٨٤٨ طعن في سياسة لويس فيليب الخارجية، وساعد على عزله، وانتخب عضوًا في الحكومة المؤقتة. وفي سنة ١٨٥١ عارض لويس نابليون في تأسيس إمبراطورية ثانية؛ فسجنه لما أعاد الإمبراطورية من ٩ دسمبر سنة ١٨٥١ إلى ٧ يوليو سنة ١٨٥٢.
ثم في سنتيْ ٦٥ و٦٦ أخذ يندد على سياسة الإمبراطور، وصرفه النفقات الباهظة في حرب إيطاليا وحملة المكسيك. وفي سنة ١٨٧٠ كان ضد الحرب لتحققه من عدم استعداد حكومة فرنسا، ولما حصل ما أنبأ به من تغلب البروسيا؛ ألحَّ بالمدافعة عن باريس، وسعى لدى الدول للمساعدة في إقامة هدنة؛ فلما لم يفلح عاد إلى فرنسا؛ وانتخب في مجلس نوابها، ثم في ١٧ مارس سنة ١٨٧١ تعيَّن رئيسًا للسلطة الإجرائية؛ فتمكن من دفع الغرامة الحربية قبل ميعادها، وخص بذلك وطنه من الاحتلال الأجنبي. وفي ١٦ أغسطس أطال مجلس النواب مدته ثلاث سنين، ولقبه بلقب رئيس الجمهورية. ثم استقال في ٢٤ مايو سنة ١٨٧٣ لمعاكسة الأحزاب له، وخلفه المارشال ماكماهون، وله تآليف سياسية شهيرة. واشتهر أيضًا في الخطابة. وتوفي في سنة ١٨٧٩، واحتفلت الأمة الفرنساوية بجنازته احتفالًا عظيمًا.
٤  هو عباس باشا الأول ابن طوسن باشا ابن محمد علي باشا الكبير، ولد في جدة سنة ١٨١٦ حين كان والده ببلاد العرب لمقاتلة الوهابيين، وتولى على الأريكة المصرية في ٢٧ ذي الحجة سنة ١٢٦٤ الموافق ٢٣ نوفمبر سنة ١٨٤٨ بعد موت عمه إبراهيم باشا، وتوفي في ١٨ شوال سنة ١٢٧٠ الموافق ١٤ يوليو سنة ١٨٥٤، واختلف في سبب وفاته؛ قيل بالسكتة وقيل مقتولًا.
٥  أريد بذلك ما حصل في بلاد الشام من تعدي الدروز على المارونية، بل وعلى كافة المسيحيين من الطوائف الأُخَر سنة ١٨٦٠، وقتلهم إياهم وإحراقهم بيوتهم وانتهاكهم حرمة كنائسهم وعرض نسائهم، ولولا حماية عبد القادر الجزائري لنصارى دمشق لقتلوا عن آخرهم الأمر؛ الذي أوجب تداخل فرنسا واحتلال عساكرها البلاد الشامية مدة سنتين تقريبًا، ولولا نزاهة نابليون الثالث لصار هذا الاحتلال أبديًّا.
٦  واستمرَّ دفع الخراج بهذه الكيفية لغاية سنة ١٢٨٢ھ، ثم زِيدَ مقداره إلى مائة وخمسين ألف كيسة؛ أعني ٧٥٠٠٠٠ جنيه عثماني، بمقتضى فرمان صادر بتاريخ ١٢ محرم سنة ١٢٨٣، الموافق ٢٧ مايو سنة ١٨٦٦، عقب تنازل الدولة العلية لمصر عن مدينتيْ سواكن ومصوع ومديرية التاكة، وتغيير ترتيب الوراثة في خديوية مصر في عهد الخديوي الأسبق المرحوم إسماعيل باشا؛ بأن حصرت الوراثة في الأكبر من أولاده ثم أولاد الأكبر، ثم في إخوته عند عدم وجود ولد له، ثم أولاد الإخوة على هذا الترتيب. وفي أول يوليو سنة ١٨٧٥، الموافق ٢٧ جمادى الأولى سنة ١٢٩٢ صدر فرمان بتحويل إدارة مدينة زيلع إلى الخديوي المرحوم إسماعيل باشا بزيادة خمسة عشر جنيهًا عثمانيًّا على الجزية. وفي ١٠ شعبان سنة ١٣٠٨ صدر أمر عالٍ من الخديوي المرحوم توفيق باشا بالتعهد عن نفسه وعن خلفائه في الحال والاستقبال بأن تدفع الحكومة المصرية للخواجات روتشيلد وأولاده بلوندره، وروتشيلد إخوان بباريس والبنك الملوكاني العثماني، من أصل الوبركو الواجب على الحكومة المصرية للحضرة الشاهانية مبلغ ٤ بنسات ١٨ شلنًا ٢٨٠٦٢٢ جنيهًا إنكليزيًّا سنويًّا لمدة ستين سنة تبتدئ من ١٠ أبريل سنة ١٨٩١.
٧  ولد سنة ١٧٧٣. ولما قامت الثورة مال إليها طمعًا في الحصول على الملك. ثم هاجر حينما ألغيت الملوكية كلية، وبقي خارجًا عن بلاده إلى سنة ١٨١٤، فعاد مع لويس الثامن عشر. وفي ٣١ يوليو سنة ١٨٣٠ انتُخِب ملكًا على فرنسا بعد عزل شارل العاشر الذي أخلف أخاه لويس الثامن عشر بعد موته في سنة ١٨٢٤، وبقي ملكًا حتى ألجأه الثوريون إلى الاستعفاء في ٢٣ فبراير سنة ١٨٤٨، وهاجر إلى إنكلترا حتى توفي سنة ١٨٥٠.
٨  مدينة عظيمة بأوروبا الوسطى، يبلغ عدد سكانها ٢٥٠٠٠٠ نسمة، وهي عاصمة بلاد بوهيميا الداخلة من ضمن مملكة النمسا والمجر مع بعض امتيازات. وفي سنة ١٨٦٦ أُمْضِيَ فيها بين النمسا وألمانيا الصلح الذي أخرج النمسا عن الاتحاد الألماني، وجعل للبروسيا السيطرة على كل ألمانيا.
٩  فرضة صغيرة على بوغاز البوسفور من تركية أوروبا بالقرب من الآستانة، واشتهرت بإمضاء هذه المعاهدة بها.
١٠  هو ابن لويس بونابرت أخي نابليون الأول، الذي كان عيَّنه أخوه ملكًا لهولاندا. ولد في مدينة باريس في ٢٠ أبريل سنة ١٨٠٨، وهاجر مع والديه بعد سقوط الإمبراطورية الأولى، وأقام في بلاد سويسرة، ودخل في جيشها بوظيفة ضابط، واشترك في ثورات إيطاليا. وفي سنة ١٨٣٦ حضر إلى مدينة ستراسبورج، وأراد إحداث ثورة لقلع لويس فيليب وتعيينه مكانه، فلم يفلح وقبض عليه، وبعد أن سجن مدة أُبْعِد خارج فرنسا، وأُنْزِل في الولايات المتحدة. وفي سنة ١٨٤٠ أتى إلى فرنسا ثانيًا ونزل بثغر بولونيا؛ فضبط وحكم عليه مجلس السناتو بالسجن المؤبد، وسجن في قلعة هام إلى سنة ١٨٤٦؛ فهرب والتجأ إلى بلاد البلجيك.
ولما حصلت ثورة فبراير سنة ١٨٤٨ أتى مسرعًا إلى فرنسا، وبذل جهده حتى عين رئيسًا للجمهورية. وفي ٢ دسمبر سنة ١٨٥١ منع مجلس النواب من الاجتماع، وسجن أعضاءه، وعمل كل الوسائط حتى عُيِّنَ رئيسًا للجمهورية لمدة عشر سنين، وزيدت اختصاصاته. وفي ٧ نوفمبر سنة ١٨٥١ أُبْطِلت الجمهورية وصار هو إمبراطورًا باسم نابليون الثالث.
وفي مدته حصلت عدة حروب لم تَعُدْ على فرنسا بأقل فائدة سوى قتل عساكرها المدربة وإثقال كاهلها بالديون؛ فحارب المكسيك بأمريكا، وأراد جعلها إمبراطورية وتعيين البرنس مكسمليان أخي إمبراطور النمسا إمبراطورًا عليها فلم يفلح، وقتل أهالي المسكيك الإمبراطور مكسمليان وانسحبت العساكر الفرنساوية وحارب الروسيا في القرم، وحارب الصين، وفتح ما بقي من بلاد الجزائر، وأخيرًا حارب البروسيا وانهزم في واقعة سيدان في ٢ سبتمبر سنة ١٨٧٠، وأخذ أسيرًا إلى ألمانيا؛ فنادت فرنسا بالجمهورية الثالثة في أربعة منه، وهي الجمهورية الباقية للآن، وتوفي في ٩ يناير سنة ١٨٧٢، وانتهت الحرب بانهزام فرنسا وسلخ ولايتين من بلادها وضمها إلى ألمانيا.
١١  ولدت هذه الملكة سنة ١٨١٩، وتولت سنة ١٨٣٧، وتزوجت في سنة ١٨٤٠ بالبرنس ألبرت أحد أمراء ألمانيا؛ ورزقت منه بثمانية أولاد، وتوفي زوجها سنة ١٨٦١، ولم تزل حاكمة إلى يومنا هذا ١٨٩٦.
١٢  جزيرة صغيرة ببلاد اليونان تبعد عن الساحل بنحو أربعة كيلومترات، وشهيرة بانتصار «نميستوكل» اليوناني على مراكب الفرس بالقرب منها في سنة ١٨٤٠ قبل المسيح.
١٣  فرضة متسعة عند مدخل بوغاز الدردنيل على شاطئ آسيا، وتبعد بنحو ٢٧٥ كيلومترًا عن مدينة الآستانة، وهي ذات أهمية حربية عظمى.
١٤  سياسي روسي شهير كان يثق به الإمبراطور إسكندر الأول؛ لأنه كان مساعدًا له على سياسة الاتحاد المقدس المبني على إكراه الأمم الساعية في الاستقلال على البقاء تحت الحكومات الملوكية، واشترك في كافة المعاهدات المهمة مثل معاهدتيْ أدرنة وخونكار أسكله سي، وتوفي سنة ١٨٦٢.
١٥  ولد هذا الإمبراطور في ١٨ أغسطس سنة ١٨٣٠، وتولى الملك في ٢ دسمبر سنة ١٨٤٨ عقب استقالة عمه الإمبراطور فردينان الأول، وتنازل والده عن حقه في الملك، وتزوج ببنت دوك بافيير في ٢٤ أبريل سنة ١٨٦٤، ولم يزل مالكًا حتى الآن.
١٦  قائد روسي ولد سنة ١٧٩٥، وتوفي سنة ١٨٦١، وامتاز في حرب القرم، وهو ابن عم البرنس جورتشاكوف السياسي المعروف.
١٧  قائد عثماني شهير نمساوي الأصل، ولد ببلاد كرواسيا سنة ١٨٠٦، وخدم مدة في الجيش النمساوي، ثم هاجر إلى البوسنة، ودخل في دين الإسلام، واستخدم في الجيش الشاهاني، وترقى تدريجيًّا حتى وصل إلى أعلى الرتب العسكرية، وخدم الدولة العلية بكل صداقة وإخلاص، وانتصر على الروس في واقعة أزباتوريا في حرب القرم، وتوفي سنة ١٨٧١.
١٨  ولد سنة ١٧٩٥، وتولى الملك سنة ١٨٤٠ بعد أخيه فريدريك غليوم الثالث، ولم يأتِ في التاريخ أمرًا يذكر، وفي سنة ١٨٦٠ ضعفت قواه العقلية؛ فعين غليوم الأول الشهير قيِّمًا عليه، حتى توفي في السنة التالية، فخلفه إلى أن توفي هو أيضًا سنة ١٨٨٨ بعد أن لمَّ شتات ألمانيا، وأسَّس الإمبراطورية الألمانية، عقب انتصاره على فرنسا في سنتيْ ١٨٧٠ و١٨٧١.
١٩  قائد فرنساوي ولد سنة ١٧٩٨، واشتهر في محاربة العرب في بلاد الجزائر التي اكتسب فيها رتبه تدريجًا إلى أن وصل إلى رتبة فريق، ثم رقاه نابليون الثالث إلى رتبة مارشال التي تعادل رتبة المشيرية الرفيعة عندنا؛ لمساعدته له على قلب الحكومة الجمهورية في دسمبر سنة ١٨٥٢، وتوفي سنة ١٨٥٤ في حرب القرم بسبب مرض عادي.
٢٠  قائد إنكليزي شهير، ولد سنة ١٧٧٨، وكان من أركان حرب الدوك دي ولنجتون؛ الذي انتصر على نابليون الأول في وترلو، وحضر هذه الموقعة الشهيرة معه، وقطع بها أحد ذراعيه. وتوفي في القرم سنة ١٨٥٥ بالكوليرا.
٢١  مدينة بجنوب الروسيا على البحر الأسود، يبلغ عدد سكانها ٢٥٠ ألف نسمة، وحركتها التجارية عظيمة جدًّا، وبها كثير من المدارس العالية والجمعيات العلمية، وكان اسمها حاجي بيك. ولما فطنت كاترينه الثانية إلى أهميتها؛ أمرت سنة ١٧٩٥ بتوسيعها وتسميتها أودساتذكارا لمستعمرة يونانية قديمة كانت بالقرب منها تدعى أودسوس، وينسب فضل تحسينها وجعلها بهذه الحالة إلى الدوك دي ريشليو الفرنساوي، الذي عين حاكمًا لها في سنتيْ ١٨٠٣ و١٨٠٤.
٢٢  مدينة ببلاد النمسا، يبلغ عدد سكانها عشرين ألفًا، وبها مدرسة جامعة قديمة العهد جدًّا أسست سنة ١٢٥٧، ثم نقلت إلى مدينة برون سنة ١٧٧٨، وأعيدت إلى أولمتس ثانية سنة ١٨٢٧، ولم تزل بها حتى الآن.
٢٣  قائد روسي، ولد سنة ١٨١٨، وتعلم الفنون الحربية في مدرسة أركان حرب، وابتدأت شهرته في بلاد القافقاس سنة ١٨٤٨، وازدادت في إقامة الحصون والاستحكامات حول سباستو بول تحت نيران الأعداء. وفي سنة ١٨٧٧ ولي إدارة حصار بلفنه ففتحها كما سترى، وتوفي في سنة ١٨٨٤.
٢٤  ولد هذا القائد الشهير في سنة ١٨٠٩، ودرس الفنون الحربية في مدرسة سان سير، وترقى منها إلى رتبة ملازم ثانٍ. وفي يناير سنة ١٨٥٠ ترقى إلى رتبة لواء، وفي سنة ١٨٥٣ أُعطيت إليه رتبة فريق، وفي ١٨ مارس سنة ١٨٨٦ ترقى إلى رتبة مشير (مارشال)، واشترك في حرب إيطاليا سنة ١٨٥٩. وأُخذ أسيرًا في ألمانيا مع المارشال بازين. وبعد انتهاء الحرب اشتغل بالسياسة نوعًا مع حزب البونابرتيين، وتوفي في ٢٨ يناير سنة ١٨٩٥.
٢٥  تأسست هذه السراي سنة ١٦٧٠ في عهد الملك لويس الرابع عشر؛ لتكون ملجأً لمن يصاب بعاهات دائمية من الجند أثناء الحرب تمنعه من القيام بالخدمة. وكان تأسيسها عن طلب الوزير لوقوا، ودفنت بها جثة نابليون الأول، حينما نقلت في سنة ١٨٤٠ من جزيرة سانت هيلانة التي توفي بها.
٢٦  ولد هذا الإمبراطور سنة ١٨١٨، وتولى الملك في ٢ مارس سنة ١٨٥٥ بعد موت أبيه الإمبراطور نقولا، فتمم حرب القرم، وأمضى معاهدة باريس في ٣٠ مارس سنة ١٨٥٦، ثم أخذ في إصلاح الشئون الداخلية، والاستعداد للأخذ بالثأر؛ فجعل التعليم والخدمة العسكرية إجبارية. وفي سنة ١٨٦١ أصدر أمرًا بعدم استرقاق المزارعين، وتمليكهم منفعة الأراضي التي يزرعونها مقابل دفع مقدار معين لملاكها الأصليين، وأجاز لهم شراء العين، وباع إقليم آلاسكا بأمريكا إلى حكومة الولايات المتحدة بخمسة وثلاثين مليون فرنك؛ ليتفرغ لبلاده، وفتح مدينة سمرقند، وأخضع إمارات خيوة وبخارا وخوقند وغيرها من بلاد آسيا.
وفي سنة ١٨٦٣ سلب امتيازات بولونيا، وفي سنة ١٨٧٦ ساعد الصرب على محاربة الدولة العلية، ثم أعلن الحرب عليها. وبعد عدة انتصارات أمضى معها معاهدة برلين في ١٣ يوليو سنة ١٨٧٨، لكن رغمًا عن إصلاحاته العديدة امتدت فروع حزب النهلست في أيامه، وسعوا في قتله مرارًا، وقتلوه أخيرًا في ١٣ مارس سنة ١٨٨١، وخلفه ابنه إسكندر الثالث الذي توفي في أول نوفمبر سنة ١٨٩٤، وتوفي بعده ابنه نقولا الثاني الموجود الآن.
٢٧  هو محرر إيطاليا من ربقة الأجانب، وموجد وحدتها. ولد سنة ١٨٢٠، وعُيِّنَ ملكًا بعد استقالة والده شارل ألبرت عقب انهزامه أمام جيوش النمسا في ٢٣ مارس سنة ١٨٤٩؛ ومن ثم اتَّحَد مع وزيره الأول المسيو دي كافور لضم شتات إيطاليا؛ فاتحد مع نابليون الثالث وحاربا النمسا، وأخذا منها إقليم لومبارد، ثم انضمَّ إليها أغلب ولايات إيطاليا الوسطى، ولم تأت سنة ١٨٦٦ إلا وانضمت جميع أجزاء إيطاليا، ما عدا مدينة رومة. وفي ٢٠ سبتمبر سنة ١٨٧٠ دخلها الإيطاليون؛ وبذلك تمت وحدتها وصارت رومة عاصمة لها، وتنازل لفرنسا عن مدينة نيس، وولاية سافوا نظير مساعدتها له، وتوفي سنة ١٨٧٨.
٢٨  هو السياسي الشهير الذي له اليد الطولى في توحيد إيطاليا، وإليه يرجع معظم الفخر في جمع شتاتها. ولد سنة ١٨١٠ بمدينة تورينو بإيطاليا، وخدم أولًا في العسكرية، ثم تركها واشتغل بالعلوم السياسية والاقتصادية حتى عُيِّنَ وزيرًا للتجارة سنة١٨٤٩، وأضيفت إلى عهدته وزارة المالية أيضًا في سنة ١٨٥١، وفي السنة التالية صار رئيسًا لمجلس الوزراء. وتوفي في ٦ يونيو سنة ١٨٦١ قبل أن يرى نتيجة أعماله، وقبل وفاته زاره الملك فكتور عمانويل فأوصاه باحتلال رومة مع عدم مس استقلال البابا فيما يختص بالأمور الدينية، فاحتلها في ٢٠ سبتمبر سنة ١٨٧٠ أثناء اشتغال فرنسا بمحاربة ألمانيا.
٢٩  ولد هذا القائد الشهير سنة ١٨٠٨، وتخرج في مدرسة سان سير الحربية، وترقى إلى رتبة ملازم ثانٍ سنة ١٨٢٧، ثم ترقى تدريجًا إلى أن وصل إلى رتبة فريق سنة ١٨٥٢، وفي سنة ١٨٥٩ أنعم عليه برتبة مارشالي (مشير)، وإليه يرجع معظم الفخر الذي حازته فرنسا في موقعة «ماجنتا» بإيطاليا في ٤ يونيو سنة ١٨٥٩؛ ولذلك منحه نابليون الثالث لقب «دوك دي ماجنتا». وفي ٢٤ مايو سنة ١٨٧٣ انتخب رئيسًا للجمهورية الفرنساوية عقب استقالة المسيو «تيرس»، وفي ٣٠ يناير سنة ١٨٧٩ قدَّم استعفاءه إلى مجلس النواب لظروف ومناسبات سياسية؛ وبقي معتزلًا الأعمال إلى أن توفي في ١٧ أكتوبر سنة ١٨٩٣.
٣٠  سياسي فرنساوي ولد بباريس سنة ١٨٠٥، وتربى بمدرسة لويز الكبير. ولما أتمَّ دروسه بها دخل في الوظائف السياسية. وفي سنة ١٨٤٩ عين سفيرًا بلوندرة، وفي أثناء حكومة نابليون الثالث عين ناظرًا للخارجية مرتين؛ الأولى من سنة ١٨٥٢ إلى سنة ١٨٥٥، واستعفى لعدم موافقته على حرب القرم؛ لتحققه أنها في صالح الإنكليز، ولم يعد منها على فرنسا أقل فائدة، والثانية من سنة ١٨٦٢ إلى سنة ١٨٦٦، واستقال أيضًا لرغبته تداخل فرنسا عسكريًّا بين النمسا والبروسيا؛ حتى لا تفوز البروسيا بالسيادة على جميع إمارات ألمانيا، وإخراج النمسا من التحالف الألماني، وعدم موافقة الإمبراطور له. وتوفي سنة ١٨٨٠.
٣١  سياسي فرنساوي، ولد سنة ١٨١٠، ودخل الجيش الفرنساوي بعد سنة ١٨٣٠، ثم اشتغل بالسياسة سنة ١٨٤٠، وعين سفيرًا بلوندرة سنة ١٨٥٤، ثم وزيرًا للخارجية في السنة التالية، واستمر بها خمس سنين. وفي سنة ١٨٦٠ عُيِّن وزيرًا للمدافعة عن مشروعات الحكومة أمام المجالس النيابية. وفي سنة ١٨٦٥ عين رئيسًا لمجلس شورى القوانين. وتوفي سنة ١٨٦٨.
٣٢  هو سياسي روماني، ولد سنة ١٨٢٠، وترقى في جيش البغدان إلى رتبة ميرالاي (كولونيل)، ثم انتُخِب أميرًا على ولايتي الأفلاق والبغدان، وأكره على الاستعفاء سنة ١٨٦٦، وانتخب مكانه البرنس شارل الموجود الآن.
٣٣  هو الأمير الجزائري الذي دافع عن بلاده حين احتلها الفرنساويون سنة١٨٣٠ دفاعًا لم يسمع بمثله في بلاد الشرق التي وطئتها الأجانب، واستمر في دفاعه سبع عشرة سنة متوالية، انتصر في خلالها عدة مرات، واعترفت له فرنسا وجميع الأمم بالبسالة والشجاعة. ولما استشهدت أغلب عساكره وكثر توارد الجيوش الفرنساوية تباعًا إلى الجزائر، وأيقن أن لا مناص له من التسليم؛ سلَّمَ نفسه في ٢٣ دسمبر سنة ١٨٤٧ إلى القائد «لامور يسيير»؛ بعد أن وعده باسم فرنسا أن الحكومة لا تتعرض له مطلقًا، بل تُبيح له التوجه أينما يريد. لكن لم يعترف نابليون الثالث بهذا الوعد، بل سجنه نحو ست عشرة سنة، وأفرج عنه سنة ١٨٦٣ بشرط أن لا يعود إلى الجزائر، وعين له مائة ألف فرنك سنويًّا؛ فهاجر إلى مدينة بورصة ثم إلى مدينة دمشق، وبها أقام إلى أن انتقل إلى رحمة مولاه في سنة ١٨٨٣، جزاه الله عن الدين الإسلامي وجميع المسلمين خيرَ الجزاء.
٣٤  هو نيشان أسَّسَه بونابرت في ١٩ مايو سنة ١٨٠٢ حين كان قنصلًا أول قبل أن يصير إمبراطورًا، ويلقب نابليون الأول. ولقد طرأت على نظام هذا النيشان عدة تغييرات تبعًا لتغير هيئة الحكومة، لكن لم يزل باقيًا لتعلق الأهالي به؛ لأنه يذكرهم انتصاراتهم العديدة على أوروبا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤