الكلب

كنا في قهوة «الحاج إلياس» على طريق «ضهور الشوير»، أو على الأصح في بستان فاكهة وزهر على هذا الطريق، وكان معي أسرتي زادها الله عددًا، وأبقاني لها ذخرًا ومددًا، فما أعرف لي عملًا في الحياة إلا أن أزود هذا الجيش المبارك بالزاد والعتاد، وكنا قد أكلنا هنيئًا، وشربت أنا مريئًا، وبقي البطيخ والفاكهة ولا محل لها، فقلنا نرجئها ساعة أو بعض ساعة، وخفت أن تسبق معداتهم معدتي في الهضم، فأغبن، فقلت أتمشى، ومضيت إلى واحد من رجال القوة وقلت: «يا حاج إلياس.»

ولم يكن هو الحاج — كما عرفت فيما بعد — ولكنه وثب إلى قدميه أو عليهما أو لا أدري كيف وقال: «نعم سيدي!»

قلت: «سأتمشى قليلًا.»

قال: «تكرم سيدي.»

قلت: «هل هنا طريق؟»

قال: «نعم سيدي.»

قلت: «وصيتك العيال!»

فضحك وقال: «تكرم سيدي.»

قلت: «هل أعدهم لك، وآخذ إيصالًا بهم؟ أو الدار أمان؟»

فقال وهو يضحك: «الدار أمان سيدي.»

قلت: «إنهم أكثر مما تظن.»

قال: «شو بتقول سيدي؟»

قلت: «إنهم أربعة والخادمة، يساوون خمسة والخادمة.»

قال: «كيف سيدي؟ شو هادا؟»

قلت: «أعني أنهم أربعة والخادمة فيما يبدون لك، ولكنهم في الحقيقة خمسة والخادمة. أفهمت الآن؟»

فأقسم أنه لم يفهم، فقلت على سبيل الشرح: «إن الخامس لا تراه لأنه مختبئ منذ شهور.»

قال: «مختبئ؟»

قلت: «نعم، متحفز.»

فهز رأسه، فصحت به: «العمى! في بطن أمه!»

•••

وذهبت أتمشى، ورأسي عارٍ، ويداي في جيبَي البنطلون، وكنت أغني — آمنًا — «ما بدها عيطة، ولا بدها زيطة، وقع المقدر، ولبسنا البرنيطة»١ للزعني أو لعلها ليحيى اللبابيدي، فقد نسيت، وكان الذي أغراني بهذه الأغنية وجرَّأني على رفع الصوت بها في الجبل الخالي أنَّ لحنها ساذج لا يحتاج إلى جمال في الصوت، وأن الذي سمعته يغنيها ويطرب الناس بها — في الفونوغراف — ليس أرخم مني صوتًا، ثم إني كنت أشعر بأني مفتقر في تلك الساعة إلى «البرنيطة» لشدة وقدة الشمس، فأخرجت منديلًا وغطيت به رأسي وعقدت أطرافه عليه، ورضيت عن نفسي وعن الدنيا، وأمنت شر هذه الشمس واتقيت غدرها، فانطلقت أغني: «ما بدها عيطة.»

وكنت أمشي على غير هدى، فأبعدت وإذا بكلب يجري ورائي وينبحني، فوقفت وقلت لنفسي: «سبحان الله العظيم!» ودرت على عقبي فواجهته وقلت له: «نعم سيدي؟»

قال: «هاو … هاو …»

قلت: «أشكرك … ولكني أستطيع أن أعرف الطريق وحدي.»

قال: «هاو … هاو … هاو …»

قلت: «الحق معك، وإني لمعترف بخطئي، وأعدك أن لا أغني مرة أخرى، إلا في سري، انتهينا؟»

قال: «هاو هاو … ها هاو …»

قلت: «يا أخي، إن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.»

قال: «هاو هاو هاو!»

قلت: «أتسمح بأن أقدم لك سيجارة؟ إنها سجاير مصرية لذيذة، تركها لي عمال الجمرك في بيروت، أو على الأصح لم يتركوها، وإنما غابت عن عيونهم في مطاوي الثياب، أو بعبارة أدق، لم يفتحوا الحقائب.»

فأبى أن يتقبل مني السيجارة، فقلت: «آه مفهوم! الدخان عندكم مكروه … بالطبع! معذرة يا أخي، وإذا كنتَ تكره أن تراني أدخن أمامك، فإني مستعد أن أرمي السيجارة وأدوسها بقدمي، أطحنها بكعب حذائي، أخلطها بتراب هذا الجبل الجميل، أما العلبة، فسأعود إلى البركة وألقيها فيها، إذا سمحت، فهل تسمح؟»

قال: «هاو هاو … هاو هاو …»

قلت: «هممم! يظهر أن المفاوضات بيننا ستطول، فهل تسمح لي أن أفكر في طريقة لاختصارها قليلًا!»

فأذن، بالصمت، فشكرته بعيني، ووقفت أفكر في أمري معه وفي ضيق صدره بي ونقمته علي بلا مسوغ، فما جئت إلى لبنان غازيًا، ولا خوف مني على الكلاب لو عقلت، وأخرجتُ يدي ورفعتها إلى جبيني لأفركه وأستعين بذلك على التفكير، فزجرني الكلب وصاح بي: «هاو هاو!»

قلت: «رجعنا؟» ورددت يدي إلى مكانها واستغنيت عن معونتها، فخطر لي أن أتئره النظر وأطيل التحديق فيه — في عينيه — عسى أن ينام، نومًا مغناطيسيًّا، فأتسلل على أطراف أصابعي وأخرج من هذه الورطة الثقيلة، ولكنه على ما يظهر كان لبيبًا فطنًا، فأدرك أني أدبر له أمرًا، وراح ينبحني نباحًا عاليًا فقلت له لأتألفه: «حلمك سيدي! حلمك! لا تغضب!»

ولكنه أصر على الغضب، لأنه أحمق وليس بلبيب فطن كما توهمت، وأبى إلا أن يواصل النباح، وأحسبه كان يطمع أن يؤلب عليَّ كلاب الجبل جميعًا، لولا أن الجبل لا كلاب فيه غيره، وإذا بشجرة وراء الكلب تقول بصوت ناعم: «بيجو! بيجو! تعالَ!»

فالتفتُّ إلى الشجرة مستغربًا وقلت: «كوني متواضعة يا شجرة، كالأنبياء وتعالي أنت!»

فلم تتحرك الشجرة ولم تبرح مكانها، ولكن تحركت أغصانها وافترقت — أعني افترت — عن وجه ملائكي ما لجماله ثانٍ في هذا العالم الفاني. فخلتني لحظة في الجنة التي وُعدها المتقون، أليس الشجر فيها ينشق ثمره عن الحور العين؟ ولكني وا أسفاه لست من المتقين فلا يمكن أن تكون هذه هي الجنة، وإنما هي الدنيا، فعليَّ أن أرد نفسي إليها من عالم الأوهام، فقلت وأنا أدنو من الشجرة، وقد نسيت الكلب ونباحه فلو عضني لما شعرت به: «هل تسمح لي الشجرة المباركة أن أقطف هذه الثمرة الشهية؟»

فارتد الوجه ضاحكًا وغاب بين الورق الأخضر.

فقلت: «سبحان ربي القادر! شجر يثمر وجوهًا حلوة، لها عيون آه من سحرها! وشفاه ليت رقتها تسري إلى قلوبها!»

فضحكت الشجرة، وعاد الوجه فأطل بديباجته المشرقة، ولا أدري كيف حدث هذا، ولكن الذي أدريه أني دفعت ذراعي فإذا تحت الوجه كتفان وذراعان وخصر نحيل وجسم رخص طري.

فاستحلفتني ضاحكة: «وحياة دقنك!»

قلت: «حلفتِ بغير شيء، فقد حلقتها اليوم!»

قالت: «يخرب عقلك!»

قلت: «ليس فيه ركن واحد عامر.»

قالت: «أطلقني!»

قلت: «حتى أشكر الله!»

قالت: «ارفع يديك عني واشكره.»

قلت: «بل أشكره بقبلة.»

فردت وجهها فانتفش شعرها الذهبي الناعم، وعلقت منه خيوط بالشجرة، فصرخت، فلم أكترث لذلك وأهويت عليها باللثمات، فلعنتني وسبتني وتوعدتني أن تغري بي هذا الكلب اللعين، وكنت قد نسيته، فذعرت ولكني تجلدت وتشددت وقلت لنفسي إذا أظهرت الجزع أنفذت وعيدها وطارت الثمرة من يدي.

وقلت: «لو قطَّعني كلبك هذا لما استطعت أن تفلتي، تعالي! اخرجي!»

وجذبتها فخرجت معي إلى فضاء الله ونظرت إلى الكلب باسمًا فقد ظفرت عليه وقلت: «ألسنا صديقين يا صاحبي؟ قل لها إني رجل طيب … تعالَ يا بيجو! تالله ما أحلى اسمك … الآن، وما أشد حبي للكلاب … اليوم!»

قالت: «ألا تحبها؟»

قلت: «وهل فرغنا من حب بني آدم حتى نحب الكلاب؟ بل أحبك أنت!»

قالت: «بهذه السرعة؟»

قلت: «وما داعي أن أبطئ وأتلكأ؟ وما دام الحب مقدورًا ولا بد منه فليكن من الآن!»

قالت: «من أنت؟»

قلت: «سعيد بن موفق.»

قالت: «شو؟»

قلت: «أقول إن اسمي اليوم سعيد بن موفق.»

ففهمتْ وضحكتْ، ثم قالت: «وماذا كان اسمك قبل اليوم؟»

قلت: «أوه! إن لي كل يوم اسمًا جديدًا، على حسب الأحوال، مثلًا، قبل أن تظهري لي بنصف دقيقة كان اسمي «منحوس بن حيران»، وقبل أن تحملني رجلاي إلى هذا المكان كنت «شبعان بن متخوم» وهكذا …»

قالت: «صحيح؟»

قلت: «أي شيء؟»

قالت: «ما تحكيه.»

قلت: «دعيني أفكر … كنت أقول إني سعيد، وهذا صحيح، ولا أزال سعيدًا، وأرجو أن أظل كذلك …»

قالت: «لا لا لا …»

قلت: «لا … يعني ماذا؟»

قالت: «هل كنت خائفًا من الكلب؟»

قلت: «ولم لا أخافه وهو كلب؟» ولكني لا أخافه الآن فإن ملاكي الحارس معي، والآن قولي لي من أنت؟ وتعالي أعرفك بالجراء الكثيرة التي عندي … أعني في قهوة الحاج إلياس.

قالت: «هل عندك كلاب؟»

قلت: «ثلاثة ورابعهم في الطريق …»

قالت: «صحيح؟»

قلت: «بالطبع صحيح، وهل أنا أكذب، ومع ذلك سترين بعينيك الساحرتين … تعالي …»

وعدنا معًا إلى القهوة، وتعارفنا في الطريق، ومضت دقائق ونحن جلوس — هي وأسرتي وأنا — ثم قالت فجأة: «أين كلابك؟»

فقلت: «لقد مسخها الله … كما ترين.»

وأشرت إلى أولادي، فهاج بي الجمع كله، لا أدري لماذا؟

١  بدها ينطقونها بالتحريك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠