فيفي

تلقت «فيفي» نبأً — بالتليفون — بأن في وسعها الآن — إذا كانت لا تزال راغبة في ذلك — أن تزور «الضحية» وتراه وتجالسه وتحادثه. وكانت تتوقع هذه الدعوة التي ألحت في طلبها، ولكن سرورها بها كان مع ذلك عظيمًا، وكانت تغالط نفسها وتزعم أن فرحها إنما هو بشفائه وزوال الخطر عنه، ولم تكن تعرف أن هذه مغالطة، فما رأت ضحيتها إلا هنيهة قصيرة على ضوء مصباح السيارة وهو ملقى على الأرض أمامها، وقد فقد وعيه من الصدمة، وكان معها أخوها — وهو ضابط في الجيش — فأسرع إلى المصاب ليرى مبلغ ما حل به، وانحنى عليه يجسه وإذا بصوت يقول: «الذنب ذنبه. لقد قطع الشارع من غير أن يُعنى بالتلفت والنظر، ورأيت أنا السيارة مقبلة بسرعة فخفت عليه ودفعت يدي لأرده ولكنه كان قد مضى … هو هكذا أبدًا …» ومال على صاحبه ثم رفع رأسه وقال: «لا أظنه أصابه شيء خطير … لعل الصدمة التي أصابته من وقوعه على الأرض أقوى من صدمة السيارة … على كل حال تعالَ نحمله إلى البيت ومن هناك ندعو الطبيب.»

وجاء الشرطي وهما يحملانه إلى السيارة، ورأى بزة الضابط فجنح إلى التساهل، وساعده على ذلك أن صديق المصاب كان يهون الأمر ويؤكد أن لا شيء هناك يستحق وجع الرأس، وكانت فيفي هي التي تقود السيارة فمضت بها إلى حيث أشار الصديق، وكان المصاب لا يزال مغشيًّا عليه. فدعى الطبيب وخلا به، وشرع يفحصه، والصديق معه، وفيفي وأخوها في غرفة أخرى يتمشيان ولا يطيقان الجلوس أو الكلام من فرط قلقهما على الشاب المسكين، وقد كبر في وهمها من طول الغيبوبة أنه لا محالة ميت، وخرج عليهما الطبيب بعد دهر طويل فابتسم وقال لهما إن الذي أصاب الرأس طفيف لا قيمة له، وإن الخدوش الأخرى لا خوف منها، ولكن الذراع مكسورة، وإنه سيبعث إليه في الصباح بطبيب يجبر الكسر إلا إذا آثروا المستشفى، ولكنه هو لا يرى حاجة إلى ذلك.

وانصرف الطبيب بعد أن اتخذ من تدابير الوقاية والعلاج ما رأى أنه لازم، وبقيت فيفي وأخوها زكريا مع طاهر نحو نصف ساعة، فعلما منه أن اسم المصاب «حمادة» وأنه طالب في السنة الأخيرة من كلية الطب، وأنه ابن عمه وهو يقضي إجازته الصيفية ضيفًا عليه — أي على طاهر — في الإسكندرية، حيث يعمل في بنك مصر، وقد سر الأخوين أن طاهرًا أبى أن يعد أحدًا غير حمادة نفسه مسئولًا عما وقع، وكانت فيفي تحدث نفسها بأن تعرض على طاهر أن تقوم هي وأخوها بنفقات العلاج، ولكنها خجلت أن تخاطبه في ذلك بعد الذي رأته من مروءة نفسه وحلاوة طباعه، وآثرت أن تشاور أخاها أولًا عسى أن يستطيع أن يحتال للأمر من غير أن يجرح إحساس هذا الرجل الكريم.

وكانت فيفي وزكريا أشبه بالصديقين الحميمين منهما بالأخوين، فقال لها وهما عائدان: «غريب … لقد استلطفت حمادة … بمجرد وقوع عيني عليه وهو ملقى في الطريق.»

فلم تقل فيفي شيئًا، فقد كانت تحس أنها مشفية على البكاء.

وعاد زكريا يقول — أو يصيح على الأصح — بعد قليل: «لماذا لم تدوسي واحدًا ممن لا خير فيهم …؟ لماذا حطمت هذا المسكين …؟»

فقالت: «لو لم أمر بك لآخذك … لو كنت مضيت إلى البيت مباشرة لما حدث هذا، فظاعة … أواثق أنت أنه سيفيق من هذه الغيبوبة؟»

فقال زكريا: «الطبيب يؤكد … فلنصدقه … وسنرى غدًا … اسمعي … إني أريد أن نقوم بنفقات العلاج … إنه طالب وابن عمه موظف متوسط الحال … وقد دسناه على كل حال وكسرنا له ذراعًا، فما قولك؟»

قالت: «لقد فكرت في هذا ولكنني خجلت أن أعرضه على طاهر … اسمع … تعالَ نقتسم النفقات … واسمع … لا داعي لإخبار ماما … ألا توافق؟»

قال: «بالإجماع …»

وهكذا كتما الأمر عن أمهما اتقاءً لإزعاجها من ناحية، وخوفًا من أن تنغص على فيفي حياتها إذا عرفت ما وقع.

•••

وقالت فيفي لطاهر وهي تدخل ووراءها زكريا: «ألم تقل له إننا آسفون جدًّا جدًّا لما حصل؟»

فقال طاهر بابتسام: «لقد تركت لكِ هذا … كان عليَّ واجب آخر لهذا المهمل الذي لا يعرف كيف يقطع الطريق.»

وتقدمهما إلى الغرفة وصاح وهو يتنحى عن الباب لتدخل فيفي وأخوها: «ضيوف يا حمادة … افتح عينيك.»

وألفت فيفي نفسها جالسة على حافة السرير تبتسم لحمادة في عينيه، وقد سرها أن أخاها استأثر بطاهر، فقالت: «لا أحتاج أن أقول إني آسفة، فإن هذا لا يكفي … فقد جنينا عليك، ولا أدري في الحقيقة كيف تطيق النظر إلينا، وقد كسرنا لك ذراعك.»

فنظر حمادة إلى ذراعه وقال: «أوه هذا … إني أكاد أعد طبيبًا فصدقيني حين أقول لك إنه لا شيء … ثم إن هذه فرصة لي سأغتنمها.»

فلم تفهم فيفي مراده وزوت ما بين عينيها فقال: «صحيح … بعد أن أعود إلى الكلية سأستبدل بها ذراعًا صناعية خيرًا من الطبيعية.»

فقالت فيفي: «إيه … هل … هل …»

فأسرع حمادة يقول: «لا لأن يدي هذه أصبحت لا خير فيها … كلا … بل لأن الأعضاء الصناعية أصبحت من الدقة والإتقان بحيث تفوق الطبيعية، مثلًا إذا كنتُ أريد أن أشتغل بتفريخ الدجاج فما عليَّ إلا أن أتخذ ذراعًا خاصة أتبعها وأطيع وحيها.»

فحدقت فيه وفمها مفتوح … أتراه يتكلم جادًّا … هل بلغ تقدم العلم هذا المبلغ المدهش … أم هو يمزح ليؤنسها ويصرف ذهنها عما أصابه منها؟

وسمعت حمادة يقول: «أعرف رجلًا بترت له ساقاه على أثر حادث ترام … وكان يحب الألعاب الرياضية فركبوا له ساقين مدرَّبتين على هذه الألعاب … ويمكنك أن تتصوري بسهولة أنه أصبح الآن وليس أبغض إليه من هذه الألعاب، لأن ساقيه لا تتركان له يومًا يرتاح فيه من الوثب والجري وما إلى ذلك.»

فلم يبقَ شك في أنه يمزح، فلم يسعها إلا أن تضحك، وإلا أن تعجب بروحه الواسعة الكريمة.

وقالت، والتفتت إلى أخيها وطاهر: «زكريا، يجب أن نحتفل بحمادة أفندي في أول يوم يخرج فيه … يتغدى عندنا هو وطاهر أفندي … أليس كذلك؟»

فنهض زكريا ودنا من السرير وقال يخاطب حمادة: «اسمع يا سيدي هذه الفتاة سريعة النسيان … لقد اتفقنا أن نكتم الأمر كله عن الأم لئلا تسوِّد لفيفي عيشها … فليس من المناسب أن ندعوك إلى البيت على الرغم من رغبتنا في ذلك، ولكني أقترح أن نتغدى يوم تخرج في سيدي بشر … إلى أن نمهِّد لإطلاع الوالدة المحترمة على الحقيقة تمهيدًا نأمن به الشر الذي نخشاه، وإن كنا نستحق أضعاف أضعافه.»

ولم تسؤ حمادة وطاهرًا هذه الصراحة، وراقهما ما بين الأخوين من الحب وما يتبادلان من الرعاية، وخطر لطاهر وهو ينظر إليهما أن فيفي كانت خليقة أن تعشق زكريا عشق المرأة للرجل لو لم يكن أخاها.

وحرصَا على التخفيف فانصرفا بعد قليل. فقال زكريا لأخته في الطريق: «هيه.»

قالت: «هيه.»

قال: «لقد قلتها أولًا.»

قالت: «أحسب أن معنى ذلك بعد الترجمة هو ما رأيي في حمادة … الجواب مدهش.»

قال: «هاتيه.»

قالت: «قلت لك مدهش … ألا يكفيك هذا؟»

قال: «طيب يا ستي آمنا … وأنا مستعد فأدهشيني … تفضلي …»

قالت: «ما هذه البلادة؟ قلت لك إنه مدهش … ميم … دال …»

قال: يقاطعها «أيوه … أيوه … فاهم … بس أريد أن أسمع هذا الجواب المدهش.»

فلما كفت عن الضحك قالت: «يا أبله … إنما أعني أن حمادة هو المدهش.»

فهز رأسه موافقًا وقال: «وأنا من رأيك … وأحب أن أقول لك أيضًا إني أتمنى أن أراه لك زوجًا.»

فقالت: «على مهلك … على مهلك … طوِّل بالك … ولا تنسَ الوالدة المحترمة.»

فقال: «أيوه … إذا كان هذا هو كل ما في الأمر فدعيه لي … أنا أدبر المسألة.»

•••

وتوثقت العلاقة بين الفريقين، وارتقت من الصداقة إلى الحب — نعني بين فيفي وحمادة — ولكن الأم ظلت لا تعرف من الأمر شيئًا، فقد كان الأخوان يعلمان أن أمهما تأبى أن تزوج بنتها لواحد من غير أهل اليسار والغنى مثلها، وكانا قد عرفا أن حمادة رقيق الحال، وإن كان المرجو — بل المحقق — أن يكون مستقبله خيرًا من حاضره، ولكن الأم لا تقبل كلامًا كهذا، وكانا يحبانها ويعز عليهما أن يصدماها، أو يخيبا لها أملًا فيهما، فرأيا أن يستعينا بالصبر عسى أن يتيح الله لهما فرجًا.

ولاحظت الأم أن الأخوين أصبحا لا يفترقان — ولم يكن هذا حالهما من قبل — نعم كانا كاللصين لا يعرف ما بينهما إلا الله، ولكنه قلما يمضي الآن يوم لا تخرج فيه فيفي مع أخيها. فهل ترك زكريا إخوانه جميعًا … ثم إلى أين يذهبان …؟ كلما سألت تلقت جوابًا من زكريا فيه من الغموض والإجمال أكثر مما فيه من الوضوح والبيان، ويندر أن تزيد فيفي على الابتسام، وما أكثر ما تلجأ إلى تقبيل أمها واحتضانها كأنما تريد أن تصرفها عن هذا السؤال.

وإذا قالت شيئًا كان قولها: «ألا يكفيك للاطمئنان أن أخي معي لا يفارقني؟»

ولم يكن هذا هو الذي يقلق الأم، وإنما كان يثقل عليها أنهما لا يريدان أن يقولا لها شيئًا، وكان هذا يثير رغبتها في المعرفة، ولم تستبعد أن يكون زكريا قد ذهب يساعد فيفي على غرام لها، فإنها تعرف عظم ما بين هذين من الحب، ولكن إخفاء الأمر عنها معناه أنهما يدركان أنه لا يبعث على رضاها، ومن هنا كان قلقها.

وكأنما أرادت أن تقطع العقدة بالسيف، فأعلنت يومًا أنها قررت العودة إلى القاهرة غدًا، ولم يكن زكريا في البيت فتعبت فيفي في محاولة إقناعها بالعدول عن هذا القرار، ولم يُجْدِهَا أن تبين لها أن الصيف ما زال باقيًا منه أكثر من شهر.

فتظاهرت بقلة الاكتراث وهزت كتفها وقالت: «على كيفك، إذا كنتِ قد اشتقت لمصر فلنذهب إلى مصر … وما الفرق؟ سيان عندي في الحقيقة … وأقول لك الحق إني لم أضجر من الإسكندرية كضجري في هذا العام …»

ومضت إلى غرفتها وقد شق عليها أن تترك الإسكندرية وتترك فيها حمادة، ولم يعزِّها أن حمادة سيرجع إلى مصر لا محالة، وأن في وسعه أن يرجع الآن أيضًا … كلا لم يعزها هذا الخاطر فاستلقت على السرير وهي تجيل هذا وما إليه في نفسها، ودخلت عليها أمها فرأتها ساهمة فسألتها ما لها فقالت: «لا شيء. تعب بسيط.»

وكانت الأم رقيقة القلب جدًّا، وقد مات لها ثلاثة قبل أن ترزق هذين، فهي ضنينة بها جدًّا، لا تطيق أن ترى أحدهما مزكومًا أو مصدعًا أو به فتور، وكان يقلقها ويزعجها أن ترى زكريا يؤثر أن يبقى في البيت لأنها تتوهم أنه مريض فتروح تلح عليه أن يخرج ويتنزه ويشم الهواء ويضحك مع الإخوان وينعش نفسه.

وقالت لفيفي: «ما لكِ … لقد كنتِ قبل ساعة كالوردة النضيرة، فماذا جرى؟»

قالت فيفي: «لا شيء يا ماما … تعب قليل … يزول بالراحة … اطمئني.»

فقالت الأم: «سأدعو الطبيب … حالًا.»

فلم ترتح فيفي إلى هذا وألحت على أمها ألا تفعل، ولكن الأم أبى لها قلبها الرقيق الضعيف إلا الإصرار، فخرجت إلى التليفون والتقت في طريقها إليه بزكريا، فسألها وقد رأى وجهها الممتقع: «ماذا جرى؟»

قالت: «فيفي … مريضة … سأدعو الطبيب.»

فاستغرب زكريا، فقد ترك أخته على أحسن حال، وقال لأمه وقد ساورته الشكوك: «انتظري حتى أراها.»

وأسرع إلى فيفي، فقصَّت عليه ما حدث. ففرك كفيه، وعيناه تلمعان وقال وهو ينهض: «هذا خير ساقه الله ويجب انتهاز الفرصة التي أتاحتها لنا الأم المحترمة. لقد كنت حائرًا جدًّا وأتعبني التفكير في التماس الحيلة حتى يئست. فالآن فتحت لنا الأم الباب، بورك لنا فيها … عليك الآن أن تلزمي السرير. المرض يثقل عليك شيئًا فشيئًا … وعليَّ أنا الباقي.»

فرمت فيفي إليه قبلة وعاد إلى وجهها الإشراق والوضاءة.

وقال زكريا لأمه: «نعم يجب أن ندعو الطبيب … كلميه وسأذهب أنا إليه بالسيارة … هذا أسرع.»

فكادت المسكينة تقع على الأرض لأنها أيقنت من لهجة زكريا وهيئته أن الأمر جد، وأن بنتها مريضة حقًّا، وإذا كان زكريا قد قلق إلى هذا الحد فيا ويلها هي …

وجاء الطبيب — وكان هو طبيب الأسرة في الإسكندرية — وكان روميًّا هرمًا ذا لحية كثة بيضاء، ولكنه دائم البشاشة، حاضر النكتة، وإن كانت نكتته كثيرًا ما يفسدها أو يحجبها عجزه عن التعبير باللغة العربية، ودخل على فيفي ورد الباب وراءه، فارتدت الأم راجعة وكانت تشتهي أن تكون حاضرة وهو يفحص ابنتها وقرة عينها وحبة قلبها.

واستمر الفحص نحو نصف ساعة فكادت الأم تجن، وأيقنت أن الأمر أخطر مما كبر في وهمها إلى الآن. فلما خرج الطبيب خفَّت ناهضة إليه، وقد ارتسم القلق والفزع على وجهها وفي عينيها.

وقالت له وهي تتناول طيتي سترته بكفيها وتشده منهما: «طمئني يا دكتور.»

فقال بلهجة الجد ما معناه: «اطمئني على كل حال، ولكن هذا المرض جديد عليَّ، لم أتولَّ علاج مثله من قبل، ولست أعرف أخصائيًّا لهذه الحالة المعينة سوى رجل واحد يجب أن تبعثوا إليه وتستقدموه.»

فدهشت الأم وقالت: «مرض لا تعرفه أنت؟»

قال مبتسمًا: «أعرفه ولكني لا أعالجه … علاجه عند غيري.»

فسألته: «ما هذا المرض؟ ما اسمه؟»

قال: «أما المرض فأعراضه كثيرة: اضطراب. خفقان. حالات متناقضة من النشوة والكآبة، والسرور والحزن، تارة يكون المريض أصح من مصارع، وطورًا يكون كالذي أجريت له عملية جراحية تركته أصفر باهتًا وضعيفًا متهافتًا كالورقة المبلولة، حالاته وأطواره عجيبة وشرحها يطول، وأما اسمه فلا أعرفه بالعربية ولكنه بالفرنسية «مال دامور»، عجِّلي باستشارة هذا الرجل وثقي به واطمئني إلى النتيجة.»

وخرج ومعه زكريا وقال له في السيارة: «يا صاحبي هذه أول مرة أرتكب فيها هذه الخديعة ولا أدري كيف أطعتك، ولولا أني أعرفكم من زمان طويل وأعدُّكم كأبنائي لما كان ممكنًا أن أجاريك في هذا العبث … والآن أرجو أن يكون هذا آخر عهدي بهذا الموضوع، وإن كنت أحب أن أطمئن على النتيجة.»

وبينما كان زكريا في طريقه إلى حمادة ليجيء بهذا الأخصائي في مرض «المال دامور» كانت الأم تحاول أن تتذكر هذا الاسم الغريب الذي لم تسمع به قبل اليوم، ولما كانت لا تعرف لغة أجنبية فإن لها العذر إذا كان الاسم قد طار وأعياها أن تقتنصه.

وجاء الطبيب الأخصائي مع زكريا، ودخلا على الأخت التي كانت تنتفض من الاضطراب والفرح والخوف، وبعد قليل تركهما زكريا ورجع إلى أمه.

وما لبث الأخصائي أن خرج فتقدم إلى الأم وأنبأها أن الحالة ميسورة العلاج جدًّا، ولكنها تحتاج إلى وقت وراحة تامة …

فسألته: «لقد كان في نيتنا السفر غدًا.»

قال: «هذا مستحيل الآن … ربما أمكن بعد أسبوع أو اثنين … تبعًا للحالة … سأعود مرة أخرى في المساء.»

وجعل يعودها مرتين في اليوم، مرة في الصباح وأخرى في المساء، ولا يمكث في كل مرة أكثر من دقائق، وظل الحال على هذا المنوال نحو أسبوع، فقلقت الأم وتعبت فيفي — أتعبها الانتقال المفاجئ من الضحك حين يكون معها أخوها أو طبيبها إلى الجهامة والفتور المتكلفين حين تدخل عليها أمها، إذ كلفها هذا التمثيل جهدًا شاقًّا جدًّا، وهذا فضلًا عن الاضطرار إلى ملازمة الفراش.

وأحس زكريا أن الأمر زاد تعقيدًا لا سهولة، وأن المخرج أصبح عسيرًا، فليس كل المراد أن تبقى الأسرة في الإسكندرية، وأن يتيسر بذلك لقاء الحبيبين، بل أن ترضى الأم بزواجهما.

فقالت فيفي لأخيها يومًا: «وآخرتها؟»

قال: «الحق أقول إني لا أدري.»

قالت وهي تتجلد: «ألم يبق لهذا الرأس قدرة على التفكير؟»

قال: «اسكتي يا فيفي … لا تزيديني ألمًا … ما أردت إلا الخير، وقد كانت النتيجة ماذا … هذا الموقف الذي لا نعرف وجه الخلاص منه … أقول لك اتركي الأمر للمقادير … عسى أن تفتح الباب الذي لا نراه الآن.»

قالت: «إني مستعدة أن أترك الأمر للمقادير، ولكن هذه الرقدة تطير عقلي … أنقذني منها على الأقل.»

قال: «مسكينة …»

وخرج يمشي مطرقًا، ورأته أمه فأقبلت عليه وجرته إلى مقعد وقالت: «اسمع يا ابني، هذا حال لم يبقَ لي صبر عليه، ولا بد من استشارة أطباء آخرين، ويحسن أن يجتمعوا هنا.»

فريع زكريا وأيقن أن كل شيء قد أفسد، ولكن الخوف استحث خاطره فقال: «لا تتعجلي … إنك لا تعرفين الأطباء … ليس كل طبيب صالحًا … والأولى أن تسألي طبيبنا رأيه فيمن يحسن أن يستشار.»

فقالت: «هذا ما كنت أنوي أن أصنع … اذهب إليه وكلمه.»

فذهب إلى الطبيب الرومي، فتململ هذا وقال له: «ألم أقل لك إني لا أحب أن أحشر في هذه الحكاية؟ لقد اضطررتني إلى الكذب وتضليل هذه السيدة الساذجة الطيبة القلب، ثم اضطررتني أن أشير عليها بالاستعانة برجل ليس بطبيب وهذه جريمة أخرى، واضطررت هذا المسكين أن يدعي أنه طبيب وهو ليس إلا طالب طب … والآن تريد أن أدلك على رجل آخر — طبيب في هذه المرة — ليساعدنا على الكذب البغيض؟»

فقال زكريا: «ولكن المسألة ليست مسألة مرض … إنها كلها فكاهة … وأنت تعرف ضيق عقل السيدات مثل أمي … تريد رجلًا لبنتها يملك ضياعًا وعقارًا … وهذا شاب فقير ولكنه صالح جدًّا … يحب أختي وهي تحبه … أنا أخوها … أكبر منها … أقرر أن هذا الزواج يجب أن يتم لمصلحة الاثنين … على الأقل يجب أن يتم الاتفاق عليه حتى يفرغ من الامتحان … وأنا أطلب معاونتك على خير.»

فقال الطبيب: «من رأيي أن أذهب إلى والدتك وأطلعها على الحقيقة كلها بصراحة.»

قال: «إنك تنسى أن أمي من الجيل الماضي.»

قال الطبيب: «قد تصغي إليَّ إذا كانت لا تصغي لابنها.»

قال: «إني أخشى غضبها وعنادها، ولا أطيق أن أرى فيفي تتعذب.»

قال الطبيب: «إن الفشل من هذا الطريق خير من النجاح من طريق الخداع … ثم إني لا أطيق أن أظل أخادع هذه السيدة الساذجة.»

قال زكريا: «وما العمل الآن؟»

قال: «سأذهب إليها وأكلمها … إنكم أيها الشبان لا تأتون البيوت من أبوابها أبدًا … تعقدون البسيط، ثم تروحون تبحثون عن حلول مستحيلة، لماذا تفرض أن أمك ستعارض حتمًا في زواج فيفي من هذا الشاب … لماذا لم تقدمه إليها وتتركها تفطن إلى مزاياه على الأيام …؟»

قال زكريا: «لأني أعرف أمي.»

قال: «بل لأنك لا تعرفها وتبني سلوكك على أوهامك … تعالَ.»

•••

بعد أن قص الطبيب الحكاية كلها على الأم وهي واجمة من فرط الدهشة قال: «لقد أدركت أن ابنك لا يعرفك … هو يظن أنه يعرفك … ولكنه مخطئ … توهَّم أنك عنيدة وأنك تجرين وراء المال … وغاب عنه أنك لا تطلبين لابنتك مالًا بل رجلًا صالحًا … لأنك تدركين أن الرجل الصالح لا يقوَّم بمال، وقد أقنعته بخطئه … غريب أن أعرفك أنا الغريب خيرًا مما يعرفك ابنك، ولكنه شاب وأنا رجل مجرب … وأظنك توافقين على أن لي فراسة في الناس … والآن صار عندنا الرجل الصالح … ولكني أنصح لك بالتمهل حتى تختبري هذا الشاب بنفسك، وتعرفي أهله وتطلعي على سيرته … على أني كصديق قديم لكم أنصح أيضًا بوجوب الحرص على كتمان هذه الحكاية … حكاية المرض والطبيب إلى آخر ذلك لئلا تدور على ألسنة الناس وتصبح مادة للسخرية منكم … ولا أدري كيف أعتذر لك مما كان مني، ولكن حبي لكم هو الذي أفقدني الرشد لحظة ندمت بعدها أشد الندم … على كل حال أراني قد تداركت الأمر وأصلحت ما اشتركت فيه من الغلط … سامحيني … وإلى الملتقى.»

ولما أقبل ابناها يعتذران إليها بعد أن انصرف الطبيب ويطلبان الصفح لم تزد على أن قالت: «خوف الفضيحة فقط هو الذي يجعلني أبلع هذا العبث منكما … لقد كنت دائمًا أقول إن الأخوين لا يكونان هكذا … وكنت أخشى عاقبة ذلك … لا بأس، الأمر لله.»

ولكنها ما لبثت أن أحبت حمادة بعد أن عرفته، فلما أنست فيفي منها الميل إليه سألتها عن رأيها فيه، فقالت الأم وهي تقبِّل ابنتها: «الحق إنك معذورة … إنه آية … فلتة … الله يوفق.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠