القاتلة

وضعتُ الحقيبة الصغيرة، ووقفتُ أستريح، وأمسح العرق المتصبب، ونظرت في ساعتي فأنبأتني أنها لم تتجاوز الخامسة صباحًا، وكان الصبح لا يزال يسفر والبحر يبدو من وراء الوادي البديع كأنه بقية السحاب المطبق المنبسط، وفي النسيم برد وندى، ولكني مع ذلك كنت حران، فقد كانت الثنية طويلة صعبة المرتقى، والحقيبة — على صغرها — ثقيلة، وأرسلت طرفي رائدًا فإذا الخضرة مطردة والنبات متخايل متزين بنواره، ولكن لا طريق.

ولم يكن ثمَّ بدٌّ من مواصلة التصعيد في هذا الجبل، فإن في رأسه إخوانًا ينتظرونني، ومعي طعامهم، وهم لا شك جياع يتضورون. فما يشبع المرء في هذه النجود، وما أظنهم أفطروا على شيء قبل خروجهم، وكان عزمي أن أستقل سيارة إلى نهاية الطريق المعبد، وكان في مأمولي أن يتلطف السائق فيحمل الحقيبة عني إلى مفجر الينبوع في رأس الجبل — وكان هناك موعدنا — ولكني آنست من نفسي نشاطًا فاغتررت.

وتناولت الحقيبة وقلت: «الرأي أن أتتبع أنابيب الماء التي مدها القوم من فجرة النبع إلى الضيعة.» وتوكلت على الله واستأنفت السير — أعني الصعود — وكنت ربما احتجت في بعض الطريق أن أفرق سيقان النبت لأرى إلى أين تجري هذه الأرادب، حتى لا أضل، وإذا بي في بعض هذه المرات أسمع صوتًا يصرخ: «أوه.»

فصحت مستغربًا: «إيه؟ مَن؟»

فقال الصوت — وكان ناعمًا رخصًا: «أنا.»

فقلت: «أنت؟ مفهوم.»

وتذكرت صاحبنا أبا حية النميري وسيفه الخشبي الذي كان يسميه «لعاب المنية» وحكايته مع الكلب، فقلت مقتبسًا — وما خير أن أقرأ الأدب القديم إذا لم أقتبس منه: «اخرجي بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك.»

فسمعت رطانة سريعة لم أفهم منها سوى: «دخيلك.»

ثم برزت فتاة غضة بضة هيفاء غيداء رطبة حلوة، فقلت: «يا صباح الخير، يا صباح الخير.»

وتركت الحقيبة تسقط على الأرض، وأعنتها — أعني الفتاة لا الحقيبة — على الخروج من ألفاف الشجر الذي توشجت أغيصانه، والتبس بعضها ببعض — من غير أن تتمزق ثيابها.

وكانت — كما قلت — غضة بضة هيفاء غيداء، رطبة حلوة، وليس هذا وصفًا، وإنما هو كلام ينبئ عن قوة الشعور، وكانت صغيرة السن — لا شك في ذلك — وإن كان جسمها يوهم أنها شارفت العشرين، فسألتها وأنا أُجلسها أمامي: «ماذا تراها تصنع هنا في هذه البكرة المطلولة؟»

فقالت بسذاجة محببة: «مختبئة … فارَّة.»

قلت: «فارَّة؟»

قالت: «بلى.»

قلت: «همممم» وفكرت بسرعة ثم قلت: «حسنًا صنعتِ.»

فسألتني بلهفة: «صحيح؟»

قلت: «بلا شك … لو لم تفري وتختبئي لقبضوا عليك وحبسوك … ثم من يدري … نعم إن الذي صنعت هو عين العقل.»

فسألتني بسذاجة، وقد أشرق وجهها — أو على الأصح زاد إشراقًا: «صحيح؟ هذا رأيك؟»

قلت: «بلا شك.»

قالت — وقد اطمأنت على ما يظهر ووثقت: «إني كلير.»

قلت: «كلير؟»

قالت: «ولكني إيفون.»

قلت: «ولكنك إيفون …؟ هممم.»

قالت: «هو حبر على الحقيقة.»

قلت: «حبر … بالطبع، وماذا يمكن أن يكون غير ذلك … أزرق؟»

قالت: «لا لا لا … أحمر.»

قلت: «أحمر؟ … بديهي … لا تكتميني شيئًا من هذه التفاصيل الممتعة، تفضلي.»

قالت: «ولكنه ذنبها.»

قلت: «ذنبها؟ … طبعًا … اسمعي، سأقص عليك حكاية … أنا بطليموس.»

قالت: «بط… بط…؟»

قلت: «تمام. بطليموس. ﺑ… ﻄ… ﻟ… ﻴ… ﻤ… ﻮ… س.»

قالت ببطء: «بطليموس.»

قلت: «برافو … ولكني … أوكتافيوس.»

قالت عاتبة: «وبعد أن تعبت.»

قلت: «والآن اسمعي الحكاية: كنت … لما كنت بطليموس … أعني أكتافيوس … هل هذا واضح … حسن … كنت … شا … كاتبًا.»

فقاطعتني سائلة: «تكتب بالعربية؟»

قلت: «بالأوردي.»

قالت: «اﻟ… اﻟ…؟»

قلت: «فكتبت مقالة طويلة ملأت عدة صفحات من الورق، ولكني نسيت أن أرقِّم الصفحات فطار بعضها، ونشرت الجريدة وقرأها الناس وأعجبوا بها وقالوا إنها آية، وإنها معجزة، وإنها ستخلد اسمي، وترفعه فوق كل البطالسة، والأكتافيوسات أو الأكتافيوسين أو …»

فصفقت وصاحت: «صحيح؟»

قلت: «بالطبع صحيح … والآن فلنعد إلى كلير … أعني إلى إيفون … فهل من الممكن أن نضع على صفحات الجريمة التي ارتكبتها فتاتنا الهاربة المختبئة أرقامًا؟»

فسألت: «أرقامًا؟»

قلت: «أعني ألا يمكن أن نسمع القصة من أولها؟»

فقَصَّتها، فقالت إنها كانت تلاعب أختها، فقلت: «ما أحلى أن يكون للإنسان أختان … أعني أن تكون له بنتان هما أختان.»

فقالت: «ولكنه ميت.»

قلت: «ميت؟ … مسكين … من هذا يا ترى؟»

قالت: «أبي.»

قلت: «آه … هذه مسألة أخرى لم تكن في الحساب عند التمني.»

وأقصرت، ومضت في حكايتها فقالت: إنها كانت قد اشترت مسدسًا تطلقه فيخرج منه ماء بدلًا من الرصاص، فخطر لها أن تحشوه … أي تملأه حبرًا أحمر، ولم تكن أختها تعلم أنها اشترت مسدسًا، فحدث أنهما اختلفتا — كما ينبغي أن يحدث — فأخرجت كلير — أي إيفون — المسدس وهددت به أختها، فلم تذعن لسوء حظها، فأطلقته، فذعرت الأخت وأحست بشيء يقطر من جبينها فمسحته بأصابعها ثم نظرت فإذا هو — فيما خيل إليها — دم قانٍ، فسقطت على الأرض مغشيًّا عليها، فارتاعت إيفون وانحنت عليها تناديها وتؤكد لها أنه حبر أحمر لا دم، وأنها لم يصبها سوء، ولكن الأخت لزمت الصمت وأصرت على الموت، فلم يسع إيفون إلا أن تهرب وتختبئ.

فسألتُها عن اسم أختها فقالت «لورا»، فقلت إنه اسم لا يمكن أن تكون الفتاة التي تحمله إلا مخطئة ومعتدية، وقلت لنفسي: إن هذا قد يكون اسم كلب، وإن لورا هذه لا بد أن تكون دميمة، ثم قلت: «هل أكلت شيئًا مذ هربتِ؟»

قالت: «كلا.»

قلت: «وعلى أي شيء تفطرين في العادة؟»

قالت: «بيض … وشاي ولبن … وو… وزبد … و…»

فقلت مقاطعًا: «آسف جدًّا، لو كنت تفطرين على خوخ وعنب وجبن ولحم مشوي وكبيبة و… لأمكن أن نفتح هذه الحقيبة ونرى ماذا فيها.»

فقالت، وهي تضحك: «هل معنى هذا أنك تدعوني؟»

قلت: «إنك ذكية جدًّا.»

فضحكت وقالت: «هات فإني جائعة … ميتة من الجوع.»

•••

وفرغنا من الأكل، ولكل شيء مع الأسف آخر، وأشعلت سيجارة وأسندت ظهري إلى جذع شجرة من أشجار الصنوبر الكثيرة في هذه الجبال وقلت: «والآن وقد انتهى الطعام، أفلا يحسن بنا أن نفكر في مخبأ غير هذا الشجر لفتاتنا الهاربة؟ إن لي إخوانًا — أعني أعوانًا — في رأس هذا الجبل، فلو ذهبنا إليهم، واتصلنا بهم …»

فنهضتْ بلا كلام، ومدَّت يدها إلى الحقيبة فتناولتها، وتركتُها تحملها فقد خف وزنها، ولفَّت ذراعها بذراعي، ومضينا ندب كأننا جنديان.

ودنونا من العين، فقلت: اختبئي هنا حتى أنفض المكان. وسبقتها إلى حيث كان القوم جالسين يتراهنون على أني لا محالة خاذلهم ومجوِّعهم في يومهم هذا، فلما رأوني فرح الذين أحسنوا الظن، وحزن الذين أساءوه وخسروا، وأفضيت إليهم بقصة الفتاة، فضحكوا، وتقدم واحد فصاح — وكان قوي الحنجرة: «إيفون … إيفون … كلير … اظهري ولك الأمان.»

فبرزت له وأقبلت علينا ضاحكة مستبشرة، فوثبنا إلى أقدامنا، ورفعنا أكفَّنا إلى رءوسنا بالتحية ثم أنزلناها بقوة على أفخاذنا كما يفعل الجنود.

ثم قلت — على سبيل التعريف: «هؤلاء جنودك … كلهم مستعد أن يبذل آخر قطرة من دمه — أعني كل قطرة — في سبيل نجاتك أيتها المجرمة الجليلة (ضحك عالٍ)، وثقي أنهم سيدافعون عنك (أصوات: نعم … نعم) ﺑ… ﺑ… بأي شيء يا إخوان (أصوات مختلفة: بأرواحنا … أرواحنا فداء لها) أرواحهم … ولكن يا إخوان ألا يوجد شيء غير الأرواح تدافعون به؟»

فاقترح واحد أن نعقد مجلسًا حربيًّا للتشاور في أي أدوات الدفاع — غير الأرواح — أصلح، فاتفقنا — أعني أنهم هم اتفقوا — على أن أول وسائل الدفاع أن يُخرجوا ما في الحقيبة ويأكلوه، وقد كان، أكلوا ما قسم لهم، ثم أرسلنا منهم طليعة إلى بيت الفتاة تتجسس وتستكشف، وتجيئنا بالخبر اليقين عن القتيلة وعن حركات الشرطة وبسيارات تقلُّنا، فندخل بها الضيعة غازين فاتحين — إذا كانت الأخبار مطمئنة.

ولا أطيل — وما الحاجة إلى الإطالة — جاءت سيارتان عدنا بهما — وإيفون بيننا في إحدهما — إلى مكان الجريمة، وكان في استقبالنا سيدة على وجهها مسحة من الجمال، وكانت تبكي … حزنًا على القتيلة ولا ريب، أو سرورًا بانتصارنا … أو لا أدري لماذا، فقد شغلت عنها بفتاة تبارك الله خالقها ومبدعها، فوقفت أنظر إليها بعين يكاد حملاقها يخرج من شدة التحديق وإذا بإيفون تثب من السيارة وتعدو إليها وهي تصيح: «لورا … حبيبتي … يخرب بيتك.»

وترتمي عليها وتعانقها وتقبلها وتبكي على صدرها.

فمشيت إليهما وفرقتهما وقلت: «ما هذا … أعني من هذه؟»

قالت إيفون: «أختي … أختي لورا.»

فسألتها: «القتيلة؟»

فضحكت وقالت: «بعد الشر.»

وكان مسدسها معي، فأخرجته من جيبي وصوبته إلى وجهها وقلت: «همممم.»

فصاحت: «يقصف عمرك … هاته بقى.»

وخطفتْهُ …

وصادر الجنود ما بقي في البيت من الأطعمة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠