علوم العرب بعد الإسلام

نريد بها العلوم التي اشتغل بها المسلمون من أول الإسلام إلى إبان التمدن الإسلامي، وهي كثيرة يمكن حصرها في ثلاثة مجاميع:
  • (١)

    العلوم التي اقتضاها الإسلام، وهي علوم القرآن، والحديث، والفقه، واللغة، والتاريخ، ونُسميها العلوم الإسلامية أو الآداب الإسلامية.

  • (٢)

    العلوم التي كانت في الجاهلية وارتقت في الإسلام، وهي الشعر والخطابة، ونُسمِّيها الآداب الجاهلية أو الآداب الإسلامية.

  • (٣)

    العلوم التي نُقلت إلى العربية من اللغات الأخرى، كالطب والهندسة والفلسفة والفلك وسائر العلوم الطبيعية والرياضية، ونُسميها العلوم الدخيلة أو الأجنبية.

وقبل البحث في هذه العلوم وعلاقتها بالتمدن الإسلامي، نمهد الكلام بمقدمات لا بد من تدبرها قبل الخوض في الموضوع:

(١) مقدمات تمهيدية

(١-١) الإسلام والعلوم الإسلامية

كان العرب فيما ذكرناه من علومهم وأخبارهم وأطوارهم إذ جاءهم القرآن فبغتوا لما رأوه من بلاغة أسلوبه على غير المألوف عندهم؛ لأنَّه ليس من قبيل ما كانوا يعرفونه من نثر الكهان المسجع ولا نظم الشعراء المقفى الموزون وقد خالف كليهما، وهو منثور مقفى على مخارج الأشعار والأسجاع، فلا هو شعر ولا نثر ولا سجع، وفيه من البلاغة وأساليب التعبير ما لم يكن له شبيه في لسانهم، فسحروا بأسلوبه وبما حواه من الشرائع والأحكام والأخبار، فلما دانوا بالإسلام أصبح همهم تلاوته وتفهم أحكامه؛ لأنَّه قاعدة الدين والدنيا، وبه تتأيد السلطة والخلافة، ثم أشكل عليهم بعض ما فيه واختلفوا في تفسيره فعمدوا إلى ما أُثر عن النبي من قول أو فعل أو استحسان أو استهجان يستوضحون بها ذلك الإشكال، فأصبح همهم جمع الأحاديث ممن سمعها أو رواها عن سامعها بالإسناد المتسلسل، فرأوا تباينًا في الروايات فاشتغلوا في التفريق بين صحيحها وفاسدها، فرجعوا إلى درس الأسانيد واستطلاع أخبار أصحاب الحديث، فجرهم ذلك إلى درس طبقات المحدثين والأحوال التي تناولوا تلك الأحاديث فيها.

ولما قامت دولتهم أخذوا في ضرب الأموال على البلاد التي فتحوها أو غنموها، وضرائبها تختلف شكلًا ومقدارًا باختلاف طريق الفتح، بين أن يكون عنوة أو صلحًا، وأمانًا أو قوة، فبحثوا في تحقيق أخبار الفتوح والمغازي وتدوينها، ولما فسدت الأحكام في أيام بني أمية، أكثر العلماء من ذكر المواعظ وإيراد أخبار السلف من الصحابة، وخصوصًا الخلفاء الراشدين، فاجتمع من ذلك تاريخ النبي والصحابة والتابعين.

والنظر في أحكام القرآن والسنة لا بد فيه من فهم العبارة وتدبرها، فنشأ من ذلك علم التفسير، وبإسناد نقله وروايته واختلاف القراء بقراءته تولَّد علم القراءات، وبإسناد السنة إلى صاحبها والتفريق بين طبقات الحديث والمحدثين تولدت علوم الحديث، ثم لا بد من استنباط هذه الأحكام من أصولها، على وجه قانوني يُفيد العلم بكيفية هذا الاستنباط، وهو علم أصول الفقه ثم الفقه فالعقائد الإيمانية، ثُم علم الكلام.

ولما عمدوا إلى تلاوة القرآن والحديث وتفسيرهما، أشكل على غير العرب إعرابهما لأنَّ ملكة اللغة غير راسخة فيهم، فاضطروا إلى تدوين اللغة وترتيب قواعدها وتعيين معاني ألفاظها، ولذلك كان أكثر المشتغلين بعلوم اللغة من الأعاجم.

وتعيين معاني الألفاظ وضبط التلفظ بها دعاهم إلى البحث عن لغة قريش التي كُتب بها القرآن، وقد رأيت أنَّ مرجع التحقيق في ذلك إلى الأشعار والأمثال، فاشتغلوا في الأسفار إلى بادية العرب، وخالطوا الأعراب ونقلوا أشعارهم وأقوالهم وأمثالهم، ليدونوها ويرجعوا إليها في التحقيق، فرأوا مشقة في فهم معاني أشعارهم وأمثالهم إلا بالاطلاع على أنسابهم وآدابهم، فلم يكن لهم بد من درس ذلك كله، وهو ما يعبرون عنه بعلم الأدب، واختلفوا في فهم الأشعار، ووجدوا في روايتها اختلافًا وفي بلاغتها تفاوتًا، فعمدوا إلى البحث في طبقات الشعراء وأماكنهم وأشعارهم وأخبار قبائلهم.

وكان الراحلون في التقاط اللغة والشعر من أفواه العرب في مضاربهم يقفون على سائر علومهم، كالنجوم والأنواء والخيل والأنساب وغيرها، فلما عادوا لتدوين اللغة دونوا أيضًا كثيرًا من تلك العلوم، ولذلك كان أصحاب هذه العلوم غالبًا من علماء اللغة، وعثروا أيضًا على ألفاظ وأشعار يندر ورودها فألفوا النوادر.

وجملة القول أنَّ ما اشتغل به المسلمون في صدر الإسلام من العلوم مرجعه إلى القرآن، فهو المحور الذي تدور عليه العلوم الأدبية واللسانية، فضلًا عن الدينية، ولذلك سميناها العلوم الإسلامية.

(١-٢) العرب والقرآن والإسلام

كان الإسلام في أول أمره نهضة عربية، والمسلمون هم العرب، وكان اللفظان مترادفين، فإذا قالوا العرب أرادوا المسلمين، وبالعكس، ولأجل هذه الغاية أمر عمر بن الخطاب بإخراج غير المسلمين من جزيرة العرب، وأصبح أهل الجزيرة كلهم مسلمين وهم عرب.

وأساس الإسلام وقوامه القرآن، ففي تأييده تأييد الإسلام أو العرب، وتمكن هذا الاعتقاد في الصحابة، لما فازوا في فتوحهم وتغلبوا على دولتي الروم والفرس، فنشأ في اعتقادهم أنَّه لا ينبغي أن يسود غير العرب، ولا يُتلى غير القرآن، وشاع هذا الاعتقاد خصوصًا في أيام بني أمية، وقد بالغوا فيه حتى آل ذلك فيهم إلى نقمة سائر الأمم عليهم.

أما في الصدر الأول فقد كان الاعتقاد العام «أنَّ الإسلام يهدم ما كان قبله»١ فرسخ في الأذهان أنَّه لا ينبغي أن ينظر في كتاب غير القرآن؛ لأنَّه جاء ناسخًا لكل كتاب قبله، وقد نهى الشرع الإسلامي يومئذ عن النظر في الكتب المنزلة غير القرآن، لاتحاد الكلمة واجتماعها على الأخذ به، ومن الأحاديث المأثورة من هذا القبيل: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنَّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد». ورأى النبي في يد عمر ورقة من التوراة فغضب حتى تبين الغضب في وجهه ثم قال: «ألم آتكم بها بيضاء نقية؟ والله لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي».٢ ومن الأحاديث التي شاعت في ذلك العهد: «كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم».٣

فتوطدت العزائم على الاكتفاء به عن كل كتاب سواه، ومحو ما كان قبله من كتب العلم في دولتي الروم والفرس، كما حاولوا بعدئذ هدم إيوان كسرى وأهرام مصر وغيرها من آثار الدول السابقة — فلا غرو إذا قيل: إنَّ العرب أحرقوا مكتبة الإسكندرية أو غيرها من خزائن العلم القديم.

(١-٣) إحراق مكتبة الإسكندرية وغيرها

أنشأ البطالسة في القرن الثالث قبل الميلاد مكتبة في الإسكندرية جمعوا إليها كتب العلم من أقطار العالم المتمدن في ذلك الحين، وسيأتي خبرها، وتوالى على هذه المكتبة أحوال كثيرة في أيام الرومان إلى الفتح الإسلامي، وقد ضاعت بين إحراق ونهب، والمؤرخون من العرب وغيرهم مختلفون في كيفية ضياعها، فمنهم من ينسب إحراقها إلى عمرو بن العاص بأمر عمر بن الخطاب، ويستدلون على ذلك ببعض النصوص العربية، وأشهرها أقوال أبي الفرج الملطي وعبد اللطيف البغدادي والمقريزي وحاجي خليفة. ومنم من يجل العرب عن ذلك ويطعن في تلك الروايات ويضعفها، وقد كنَّا ممن جارى هذا الفريق في كتابنا «تاريخ مصر الحديث» منذ بضع عشرة سنة، ثم عرض لنا بمطالعاتنا المتواصلة في تاريخ الإسلام والتمدن الإسلامي ترجيح الرأي الأول، لأسباب نحن باسطوها فيما يلي إجلاء للحقيقة فنقول:
  • أولًا: قد رأيت فيما تقدم رغبة العرب في صدر الإسلام في محو كل كتاب غير القرآن، بالإسناد إلى الأحاديث النبوية وتصريح مقدمي الصحابة.
  • ثانيًا: جاء في تاريخ مختصر الدول لأبي الفرج الملطي عند كلامه عن فتح مصر على يد عمرو بن العاص ما نصه: «وعاش (يحيى الغراماطيقي) إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية، ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم فأكرمه عمرو، وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها أنسة ما هاله، ففتن به، وكان عمرو عاقلًا حسن الاستماع صحيح الفكر، فلازمه وكان لا يفارقه، ثم قال له يحيى يومًا: «إنك قد أحطت بحواصل الإسكندرية وختمت على كل الأصناف الموجودة بها، فما لك به انتفاع فلا نعارضك فيه، وما لا انتفاع لك به فنحن أولى به»، فقال له عمرو: «ما الذي تحتاج إليه؟» قال: «كتب الحكمة التي في الخزائن الملوكية». فقال عمرو: «هذا ما لا يُمكنني أن آمر فيه إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب». فكتب إلى عمر وعرفه قول يحيى، فورد عليه كتاب عمر يقول فيه: «… وأما الكتب التي ذكرتها، فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يُخالف كتاب الله فلا حاجة إليه، فتقدم بإعدامها». فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقدها، فاستنفدت في مدة ستة أشهر، فاسمع ما جرى واعجب».٤

وليس في نص هذه العبارة التباس، ولكن الذين يجلون العرب عن إحراق هذه المكتبة يطعنون في هذه الرواية وينسبون قائلها إلى التعصب الديني، وفي جملتهم جماعة كبيرة من مؤرخي الإفرنج، وقد ألفوا الرسائل والكتب في تجريحها، وخلاصة أقوالهم: إنَّ أبا الفرج المذكور هو أول من نَسب حريق مكتبة الإسكندرية إلى عمرو بن العاص، وإنَّه إنَّما فعل ذلك تعصبًا للنصرانية وتحقيرًا للإسلام، وإنَّه من أهل القرن السابع للهجرة، وكان أبوه يهوديًّا وتنصر، وشبَّ أبو الفرج على النصرانية وارتقى في رتب الأكليروس إلى الأسقفية، ثم ألف تاريخًا في السريانية استخرجه من كتب يونانية وفارسية وعربية وسريانية، واستخلص من هذا التاريخ كتابًا في العربية سمَّاه مختصر الدول — قالوا: «وهو أول كتاب ذكرت فيه هذه القصة، وتناقلها عنه الإفرنج إلى هذه الغاية». وإنَّ ما جاء في هذا الشأن من أقوال عبد اللطيف البغدادي والمقريزي وحاجي خليفة من مؤرخي المسلمين لا تعتبر مصادر مستقلة؛ لأنَّ المقريزي نقل عن عبد اللطيف حرفيًّا، وحاجي خليفة لم يذكر مدينة الإسكندرية وإنَّما أشار إلى أنَّ العرب في صدر الإسلام لم يعتنوا بشيء من العلوم إلا بلغتهم وشريعتهم، حتى قال: «ويروى أنَّهم أحرقوا ما وجدوه من الكتب في فتوحات البلاد». وأنَّ عبد اللطيف البغدادي ذكر حريق المكتبة في عرض كلامه عن عمود السواري بغير تحقيق، ويزعم أصحاب هذا الرأي أنَّ مكتبة الإسكندرية أحرقها الرومان قبل الإسلام، وأنَّها لو أحرقها العرب لذكرها مؤرخو المسلمين وخصوصًا كُتَّاب الفتوح والمغازي. ا.ﻫ.

لا ننكر أنَّ بعض هذه المكتبة احترق قبل الإسلام، ولكن ذلك لا يمنع احتراق باقيها في الإسلام، أما النصوص التي وردت في هذا الشأن فليس أبو الفرج أول من رواها كما توهم بعضهم، فإنَّ عبد اللطيف البغدادي طاف مصر وكتب عن مشاهدها وآثارها، وذكر إحراق العرب لهذه المكتبة قبل أن يولد أبو الفرج ببضع وعشرين سنة؛ لأنَّ أبا الفرج ولد سنة ١٢٢٦م (٦٢٢ﻫ) وعبد اللطيف زار مصر في أواخر القرن السادس للهجرة، وهاك نص عبارته: «ورأيت أيضًا حول عمود السواري من هذه الأعمدة بقايا صالحة، بعضها صحيح وبعضها مكسور، ويظهر من حالها أنَّها كانت مسقوفة، والأعمدة تحمل السقف وعمود السواري عليه قبة هو حاملها.

وأرى أنه الرواق الذي كان يدرس فيه أرسطوطاليس وشيعته من بعده، وأنه دار المعلم التي بناها الإسكندر حين بنى مدينته، وفيها كانت خزانة الكتب التي أحرقها عمرو بن العاص بإذن عمر رضي الله عنه».٥

نعم إنَّ عبارة البغدادي مختصرة، وقد جاءت عرضًا، لكنَّها تدل على وثوق قائلها بصحتها، كأنَّه أخذها عن مصدر موثوق به ومعول عليه في ذلك العصر، كالذي أخذ عنه أبو الفرج.

أما أبو الفرج فقد أتم كتابه «مختصر الدول» في العربية في أواخر حياته (توفي سنة ٦٨٤ﻫ). وهو ليس مختصر تاريخه السرياني إلا من حيث أخبار الفتح؛ لأنَّه يزيد على النسخة السريانية بأخبار كثيرة، عن الإسلام والمغول وتاريخ علوم الروم والعرب وآدابهم، وأما السرياني فهو عبارة عن أخبار الفتح فقط، فإغفال ذكر إحراق المكتبة فيه لا يدل على أنَّه دخيل في النسخة العربية، أو دسَّه فيه بعض المتأخرين كما توهم بعضهم، وإنما ذكر في النسخة العربية؛ لأنَّه يتعلق بآداب الروم والعرب التي أدخلها المؤلف في هذه النسخة كما تقدم.

•••

وقد تبيَّن لنا بالبحث والتنقيب أنَّ أبا الفرج المذكور نقل تلك الرواية عن مؤرخ مسلم توفي قبله بنحو أربعين سنة، وهو جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم القفطي، وزير حلب المعروف بالقاضي الأكرم، ولد في قفط من صعيد مصر سنة ٥٦٥ وتوفي في حلب سنة ٦٤٦ﻫ، وللقاضي المذكور كتاب في تراجم الحكماء، عثرنا على نسخة منه خطية في دار الكتب المصرية مكتوبة سنة ١١٩ﻫ، وقرأنا فيها في أثناء ترجمة يحيى النحوي كلامًا في معنى كلام أبي الفرج وأكثر تفصيلًا منه، وفيه شيء عن تاريخ هذه المكتبة منذ إنشائها، وإليك نص قوله:

«وعاش (يحيى النحوي) إلى أن فتح عمرو بن العاص مصر والإسكندرية، ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلم واعتقاده وما جرى له مع النصارى، فأكرمه عمرو ورأى له موضعًا، وسمع كلامه في إبطال التثليث فأعجبه، وسمع كلامه أيضًا في انقضاء الدهر، ففتن به، وشاهد من حججه المنطقية وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم يكن للعرب بها أنسة ما هاله.

وكان عمرو عاقلًا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكاد لا يفارقه، ثم قال له يحيى يومًا: «إنك قد أحطت بحواصل الإسكندرية وختمت على كل الأجناس الموصوفة الموجودة بها، فأما ما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وأما ما لا نفع لك به فنحن أولى به، فأمر بالإفراج عنه». فقال له عمرو: «وما الذي تحتاج إليه؟» قال: «كتب الحكمة في الخزائن الملوكية، وقد أوقعت الحوطة عليها ونحن محتاجون إليها ولا نفع لكم بها». فقال له: «ومن جمع هذه الكتب؟ وما قصتها؟»

فقال له يحيى: «إن بطولوماوس فيلادلفوس من ملوك الإسكندرية لما ملك حبب إليه العلم والعلماء، وفحص عن كتب العلم وأمر بجمعها وأفرد لها خزائن، فجمعت وولَّى أمرها رجلًا يعرف بابن مرة (زميرة) وتقدم إليه بالاجتهاد في جمعها وتحصيلها والمبالغة في أثمانها وترغيب تجارها ففعل، واجتمع من ذلك في مدةٍ خمسون ألف كتاب ومائة وعشرون كتابًا، ولما علم الملك باجتماعها وتحقق عدتها قال لزميرة: أترى بقي في الأرض من كتب العلم ما لم يكن عندنا؟ فقال له زميرة: قد بقي في الدنيا شيء في السند والهند وفارس وجرجان والأرمان وبابل والموصل وعند الروم، فعجب الملك من ذلك وقال له: دم على التحصيل، فلم يزل على ذلك إلى أن مات، وهذه الكتب لم تزل محروسة محفوظة يراعيها كل من يلي الأمر من الملوك وأتباعهم إلى وقتنا هذا».

فاسكثر عمرو ما ذكره يحيى وعجب منه وقال له: «لا يمكنني أن آمر بأمر إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب» وكتب إلى عُمر وعرَّفه بقول يحيى الذي ذكر واستأذنه ما الذي يصنعه فيها، فورد عليه كتاب عمر يقول فيه: «وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله تعالى فلا حاجة إليها، فتقدم بإعدامها». فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقدها، وذكرت عدة الحمامات يؤمئذ وأنسيتها، فذكروا أنها استنفدت في مدة ستة أشهر، فاسمع ما جرى واعجب».٦ انتهى كلام ابن القفطي.
وبمقابلة هذه الفقرة بكلام أبي الفرج يتضح لك أنَّ أبا الفرج نقل قول ابن القفطي مختصرًا، ولو قرأت الكتابين لعلمت أنَّ أبا الفرج نقل كثيرًا من زياداته العلمية في كتابه العربي عن كتاب ابن القفطي، ككلامه عن ثيادوق طبيب الحجاج،٧ فإنَّ العبارة منقولة عن تراجم الحكماء حرفيًّا.

بقي علينا البحث في المصدر الذي نقل عنه ابن القفطي، والغالب أنَّه نفس المصدر الذي نقل عنه عبد اللطيف البغدادي؛ لأنهما كانا متعاصرين وعبد اللطيف سابقه؛ لأنه ولد سنة ٥٥٧ وتوفي سنة ٦٢٩ﻫ، ولكن لسوء الحظ قد ضاعت تلك المصادر في جملة ما ضاع من مؤلفات العرب.

على أننا إذا تدبرنا ما ذكره ابن النديم في كتاب الفهرست عن أخبار الفلاسفة الطبيعيين من حكاية إنشاء مكتبة الإسكندرية، يتضح لنا أنَّ في جملة المصادر التي نقلت عنها تلك الرواية تاريخًا لرجل اسمه إسحاق الراهب، كان يبحث في أخبار اليونان والرومان وآدابهما.

ومن جملة ما نقلوه عنه خبر إنشاء مكتبة الإسكندرية على يد زميرة، وهاك نصه: «إنَّ بطولوماوس فيلادلفوس من ملوك الإسكندرية لما ملك فحص عن كتب العلم وولَّى أمرها رجلًا يعرف بزميرة، فجَمع من ذلك — على ما حكى — أربعة وخمسين ألف كتاب ومائة وعشرين كتابًا، وقال له: أيها الملك قد بقي في الدنيا شيء كثير في السند والهند وفارس وجرجان والأرمان وبابل والموصل وعند الروم»،٨ وهي نفس عبارة ابن القفطي، فالظاهر أنَّه أخذ إنشاء المكتبة عن إسحاق المذكور، وأخذ حريقها عن سواه، ولولا ما نقله ابن النديم عن إسحاق الراهب من أمر الفلاسفة لما علمنا بوجوده، وظنناه لم يقل شيئًا كما ظننا المسلمين لم يذكروا شيئًا عن حريق مكتبة الإسكندرية على يد عمرو.
فيؤخذ مما تقدم أنَّ حكاية إحراق مكتبة الإسكندرية لم يختلقها أبو الفرج لتعصب ديني، ولا دسها أحد بعده، بل هو نقلها عن ابن القفطي وهو قاض من قضاة المسلمين، عالم بالفقه والحديث وعلوم القرآن واللغة والنحو والأصول والمنطق والنجوم والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل، وكان صدرًا محتشمًا جمع من الكتب ما لا يوصف، وكانوا يحملونها إليه من الآفاق، وكانت مكتبته تساوي خمسين ألف دينار، ولم يكن يحب من الدنيا سواها، وله حكايات غريبة عن غرامه بالكتب، ولم يخلف ولدًا فأوصى بمكتبته لناصر الدولة صاحب حلب، وله مؤلفات عديدة في التاريخ والنحو واللغة، وفي جملتها «كتاب أخبار مصر من ابتدائها إلى أيام صلاح الدين» في ستة مجلدات،٩ وكتاب «تراجم الحكماء» الذي نحن بصدده. وأن ابن القفطي وعبد اللطيف البغدادي أخذا عن مصدر ضائع.

وأما خلو كتب الفتح من ذكر هذه الحادثة فلا بد له من سبب، والغالب أنَّهم ذكروها ثم حذفت بعد نضج التمدن الإسلامي واشتغال المسلمين بالعلم ومعرفتهم قدر الكتب، فاستبعدوا حدوث ذلك في عصر الخلفاء الراشدين فحذفوه، أو لعل لذلك سببًا آخر، وعلى أي حال فقد ترجح عندنا صدق رواية أبي الفرج.

  • ثالثًا: ورد في أماكن كثيرة من تواريخ المسلمين خبر إحراق مكتبات فارس وغيرها على الإجمال، وقد لخصها صاحب كشف الظنون في عرض كلامه عن علوم الأقدمين بقوله: «إنَّ المسلمين لما فتحوا بلاد فارس وأصابوا من كتبهم، كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في شأنها وتنقيلها للمسلمين، فكتب إليه عمر (رضي الله عنه) أن «اطرحوها في الماء، فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله تعالى بأهدى منه، وإن يكن ضلالًا فقد كفانا الله تعالى» فطرحوها في الماء أو في النار، فذهبت علوم الفرس فيها».١٠
    وجاء في أثناء كلامه عن أهل الإسلام وعلومهم: «إنَّهم أحرقوا ما وجدوا من الكتب في فتوحات البلاد»،١١ ولا بد من أصل نقل صاحب كشف الظنون عنه، وقد أشار ابن خلدون إلى ذلك بقوله: «فأين علوم الفرس التي أمر عمر (رضي الله عنه) بمحوها عند الفتح».١٢
  • رابعًا: إنَّ أحراق الكتب كان شائعًا في تلك العصور تشفيًا من عدو أو نكاية فيه، فكان أهل كل شيعة أو ملة يحرقون كتب غيرها، كما فعل عبد الله بن طاهر بكتب فارسية كانت لا تزال باقية إلى أيامه (سنة ٢١٣ﻫ) من مؤلفات المجوس، وقد عرضت عليه فلمّا تبين حقيقتها أمر بإلقائها في الماء، وبعث إلى الأطراف أنَّ من وجد شيئًا من كتب المجوس فليعدمه.١٣
ولما فتح هولاكو التتري بغداد سنة ٦٥٦ﻫ أمر بإلقاء كتب العلم التي كانت في خزائنها بدجلة، وكانت شيئًا لا يُعبّر عنه، مقابلة في زعمهم بما فعله المسلمون لأول الفتح بكتب الفرس وعلومهم،١٤ وقال آخرون: إنه بنى بتلك الكتب إسطبلات الخيول وطوالات المعالف عوضًا عن اللَّبِن،١٥ والأرجح أنَّه أغرقها انتقامًا من أهل السنة.
ولما فتح الإفرنج طرابلس الشام في أثناء الحروب الصليبية أحرقوا مكتبتها بأمر الكونت برترام سنت جيل، وكان قد دخل غرفة فيها نسخ كثيرة من القرآن، فأمر بإحراق المكتبة كلها وفيها على زعمهم ثلاثة ملايين مجلد،١٦ وفعل الأسبان نحو ذلك بمكتبات الأندلس لما استخرجوها من أيدي المسلمين في أواخر القرن الخامس عشر.
  • خامسًا: إنَّ أصحاب الأديان في تلك العصور كانوا يعدون هدم المعابد القديمة وإحراق كتب أصحابها من قبيل السعي في تأييد الأديان الجديدة فأباطرة الروم حالما تنصروا أمروا بهدم هياكل الأوثان في مصر وإحراقها بما فيها من الكتب وغيرها، وكان خلفاء المسلمين إذا أرادوا اضطهاد المعتزلة وأهل الفلسفة أحرقوا كتبهم، والمعتزلة كثيرًا ما كانوا يتجنبون ذلك تحت خطر القتل فيستترون ويجتمعون سرًّا والخلفاء يتعقبون آثارهم ويحرقون كتبهم، ومن أشهر الحوادث من هذا القبيل ما فعله السلطان محمود الغزنوي لما فتح الري وغيرها سنة ٤٢٠ﻫ، فإنَّه قتل الباطنية ونفى المعتزلة وأحرق كتب الفلاسفة والاعتزال والنجامة.١٧
  • سادسًا: في تاريخ الإسلام جماعة من أئمة المسلمين أحرقوا كتبهم من تلقاء أنفسهم، منهم أحمد بن أبي الحواري، فإنَّه لما فرغ من التعلم جلس للناس فخطر بقلبه يومًا خاطر من قبل الحق فحمل كتبه إلى شط الفرات فجلس يبكي ساعة ثم قال: «نِعْمَ الدليل كنت لي على ربي، فلمَّا ظفرت بالمدلول فالاشتغال بالدليل محال» فغسل كتبه. وذكروا عن سفيان الثوري أنَّه أوصى بدفن كتبه، وأنَّ أبا عمرو بن العلاء كانت كتبه ملء بيت إلى السقف ثم تنسك وأحرقها.١٨

فيرجح مما تقدم أنَّ العرب أحرقوا ما عثروا عليه من كتب العلم القديمة في الصدر الأول تأييدًا للإسلام، فلما تأيد سلطانهم واشتغلوا بالعلوم عوضوا على العالم أضعاف ما أحرقوه، كما سترى.

(١-٤) الرومان والإسلام والعلم

من جملة ما يرمى به العرب من المطاعن «أنهم حتى في إبان تمدنهم لم يشتغلوا هم أنفسهم في العلم، وإنما كان المشتغلون به الفرس وغيرهم من الأمم الخاضعة لسلطانهم، بخلاف اليونان والرومان وغيرهما من دول التمدن القديم، فقد كانوا هم أنفسهم يشتغلون بالعلم، وقد وضعوا علومًا تناقلها الناس عنهم، وأما العرب فأكثر علومهم منقولة عن سواهم».

فأصحاب هذا القول يقابلون بين دولة الرومان ودولة العرب، والصواب أن يقابلوا بين الرومان والإسلام؛ لأنَّ العرب أسسوا دولة الإسلام كما أسس أهل رومية دولة الرومان، ودخل في دين الإسلام أمم كثيرة اختلطوا بالعرب فتألف منهم أمة الإسلام، كما اختلطت شعوب الممالك التي فتحها أهل رومية وصارت أمة واحدة تُعرف بأمَّة الرومان.

فإذا قابلنا بين الإسلام والرومان رأينا المسلمين أكثر اشتغالًا بالعلم والأدب من أولئك؛ لأنَّ كليهما نقلا العلم عن اليونان، المشتغلون به من الرومان لم يكونوا من أهل رومية، كما أنَّ المشتغلين به من المسلمين لم يكونوا كلهم من أهل جزيرة العرب، والسبب في اجتماع شعوب المملكة الرومانية باسم الرومان، وعدم اجتماع شعوب المملكة الإسلامية باسم العرب، أنَّ العرب فتحوا بلادًا أهلها عريقون في الحضارة، فلم يمكن اندماجهم وضياع جنسياتهم، وقد ساعد على ذلك تفرق المذاهب، ومبالغة العرب في تفضيل أنفسهم على سواهم من الأمم الخاضعة لسلطانهم.

أما اليونان فلا جدال في أنَّهم واضعو العلم والفلسفة، لما في فطرتهم من الاقتدار على ذلك — وإن كانوا قد بنوا علمهم وفلسفتهم على أسس أخذوا بعضها من المصريين القدماء، والبعض الآخر من الكلدان وغيرهم — ولكنهم يعدون واضعين، فهم يفضلون الرومان والعرب من هذا القبيل، ولكنهم أضعف منهما في إنشاء الحكومات وسن الشرائع؛ لأنَّ اليونان لم يطل أمر دولتهم ولا نظموا حكومة ثابتة، وإنما كانوا دولًا صغيرة متفرقة يتنازعون ويتنافرون ويتنافسون.

ثم إنَّ الرومان أخذوا العلم والفلسفة عن اليونان، وقلَّما زادوا فيهما، ولكنهم نظموا الحكومة ووضعوا الشرائع والقوانين، ونظموا دولة عظيمة مما لم يستطعه اليونان، فالرومان أهل فتح وسلطان، واليونان أهل تصور وخيال، وأما العرب فقد جمعوا الحَسَنتين؛ لأنَّهم أهل فتح وسلطان وأهل تصور وخيال؛ ولذلك فإنَّهم أنشأوا دولة بعيدة الأطراف، ووضعوا الشرائع والنظم (الفقه) ولم يكتفوا بنقل العلم عن اليونان واستبقائه على حاله، بل هم درسوه وزادوا فيه من نتائج قرائحهم وعقولهم، وبما نقلوه من علوم الفرس والهند والكلدان وغيرهم، فضلًا عمَّا وضعوه هم أنفسهم من العلوم الإسلامية واللسانية وما تفردوا فيه من قريحة الشعر، وليس هنا محل الإفاضة في ذلك.

(١-٥) حَمَلَةُ العلم في الإسلام أكثرهم العجم

قد تقدم أنَّ العلوم التي حدثت في التمدن الإسلامي صنفان: العلوم الإسلامية، والعلوم الدخيلة. فتغلب العلوم الإسلامية في غير العرب من المسلمين، سببه أنَّ العرب قاموا بالإسلام وفتحوا الفتوح وهم أهل بادية أميون، فانصرف همهم في بدء الدعوة إلى نشر دينهم وإنشاء دولتهم مما لا يحتاج إلى علم. وإنَّما كانت حاجتهم من العلم إلى القرآن، يدعون الناس به إلى الإسلام، وكانوا يستظهرونه ويتناقلونه بالتلقين. ولم يمضِ على ظهور الدعوة بضع وعشرون سنة حتى فتحوا الشام والعراق ومصر وفارس وإفريقية وغيرها، والمسلمون (العرب) يومئذ هم الجند الفاتح، وكانوا قليلين بالنظر إلى ذلك الملك الواسع، فضلًا عمن قتل منهم في الحروب والفتن.

ومع ذلك فقد كانوا مطالبين بحفظ تلك المملكة وحماية أهلها وتدبير شؤونها. فأصبح همهم الاشتغال بالرئاسة في الجند والحكومة. ونظرًا لفطرتهم الخيالية انصرفت قرائحهم إلى الاشتغال بالشعر والخطابة والأمثال — وهي آدابهم في جاهليتهم — وتحريض أبنائهم على إتقانها مع المثابرة على أسباب الرياضة البدنية بالفروسية والعناية بالخيل، مما أعانهم على الفتح ونشر الدين، وأصبحوا يخافون التحضر لئلا يذهب بنشاطهم وجامعتهم.

وكأنَّ رجلهم العظيم عمر بن الخطاب نظر إلى مستقبل الإسلام من طرف خفي، فمنعهم من الزرع والاشتغال بأسباب الحضارة، ولهذا السبب لمَّا تفرق العرب في الأمصار وتعرضوا لأخطار البحار، كتب إليهم عمر أن يمارسوا السباحة أيضًا، وهاك نص كتابه: «أما بعد فعلّموا أولادكم السباحة والفروسية، ورووهم ما سار من المثل وحسن من الشعر».١٩
ولما فسدت اللغة واختلفت القراءات، وأزمع الخلفاء على جمع القرآن وتدوينه، كان أكثر المتهافتين على حفظه من المسلمين غير العرب، وهم الموالي وأكثرهم من الفرس، وكانوا يومئذ أهل تمدن وعلم، وكان العرب يعرفون لهم ذلك، ومن الأحاديث النبوية: «لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس»،٢٠ وكان الفرس من الجهة الأخرى يرون للعرب مزية عليهم بالسيادة والنبوة وهيبة الفتح، فجعلوا يتقربون إليهم بالعلم على ما تتطلبه حال الإسلام — وهو في أوائل دولتهم عبارة عن قراءة القرآن وحفظه وتفسيره وجمع الحديث وإسناده وحفظه — لذلك كان أكثر الحفاظ والقراء والمحدثين والفقهاء والمفسرين من العجم، وإذا كان فيهم أحد من العرب فالأغلب فيه أن يكون من القبائل الصغرى التي لا شأن لها في الفتح، كالأصمعي فقد كان عربيًّا ولكنه كان من قبيلة باهلة الموصوفة بالخساسة وفيها يقول بعض الشعراء:
لو قيل للكلب يا باهلي
عوى الكلب من لؤم ذاك النسب
على أنَّ الأكثرين كانوا من غير العرب، فوهب بن منبه من أقدم رواة الحديث وأصحاب التفسير وهو فارسي الأصل، ونافع القارئ ديلمي، وقس على ذلك سائر العلماء، فمن أكابر الفقهاء وأقدمهم الحسن بن أبي الحسن، ومحمد بن سيرين بالبصرة، وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وسعيد ابنا جبير وسليمان بن يسار في مكة، وزيد بن أسلم ومحمد بن المنكدر ونافع ابن أبي نجيح في المدينة، وربيعة الرأي وابن أبي الزناد في قباء، وطاوس وابنه وابن منبه في اليمن، ومكحول في الشام، وغيرهم في أماكن أخرى، وكلهم من الموالي أي المسلمين غير العرب.٢١

ولما دعا فساد اللغة إلى ضبط قواعدها وجمع ألفاظها، كان العجم أحوج إلى ذلك من العرب، لاستغناء العربي بملكته الفطرية عن تعلم القواعد وحفظ الألفاظ، فاشتغل الأعاجم بعلوم اللغة وكان أكثر علماء الأدب واللغة منهم، كحماد الراوية وهو ديلمي، والخليل وسيبويه والأخفش والفارسي والزجاج وغيرهم من الفرس أو من في معناهم.

أما العلوم الدخيلة وهي العلم والفلسفة فالمشتغلون بها للعرب هم غير العرب وغير المسلمين؛ لأنَّ العباسيين لما أرادوا نقل كتب اليونان والفرس والهند إلى العربية، استخدموا عارفي هذه الألسنة من الكلدان والسريان والفرس وغيرهم لنقلها، وأكثرهم من النصارى كما سيجيء.

فالعرب اشتغلوا عن العلم في أول دولتهم بالرئاسة والسياسة للأسباب التي قدمناها، وما زالوا هم أهل الدولة وحاميتها وأولى سياستها إلى أوائل الدولة العباسية، فتولد فيهم بتوالي الأجيال الأنفة من انتحال العلم؛ لأنه صار من جملة الصناعات — وأهل الرئاسة يستنكفون من الصناعات والمهن — وكانوا إذا رأوا عربيًّا يشتغل في اللغة أو التعليم عابوه وقالوا: «إنه يشتغل بصناعات الموالي»، ومن أقوالهم: «ليس ينبغي للقرشي أن يستغرق في شيء من العلم إلا علم الأخبار، وأما غير ذلك فالنتف والشذر من القول». ومر رجل من قريش بفتى من ولد عتاب بن أسيد وهو يقرأ كتاب سيبويه فقال: «أف لكم … علم المتأدبين وهمة المحتاجين».٢٢

ولا بأس من اشتغال الموالي بالعلوم الإسلامية وهم مسلمون، على أننا لا نعد العرب الذين تحضروا في الدولة العباسية عربًا خلصًا لاختلاطهم بالموالي والمماليك بالمصاهرة والمعاشرة والمساكنة، حتى الخلفاء فإنَّ أكثر أمهاتهم من غير العرب، وسنعود إلى هذا البحث في جزء آخر.

(١-٦) تدوين العلم في الإسلام

قلنا فيما تقدم: إنَّ الخلفاء الراشدين كانوا يخافون الحضارة على العرب، لئلا تذهب بنشاطهم وبداوتهم، ولذلك منعوهم من تدوين الكتب؛ لأنَّ علومهم في أوائل الإسلام كانت مقصورة على القرآن والتفسير ورواية الأحاديث، ونظرًا لقلة الاختلاف ولسهولة المراجعة والاستفتاء من ثقات الصحابة والتابعين، لقرب عهدهم من صاحب الشريعة، كانوا في غنى عن تدوين تلك العلوم. ويستدل مما روي عن أبي سعيد الخدري أنَّه استأذن النبي في كتابة العلم فلم يأذن له، وروي عن ابن عباس أنَّه نهى عن الكتابة وقال: «إنَّما ضل من كان قبلكم بالكتابة». وجاء رجل إلى ابن عباس فقال: «إني كتبت كتابًا أريد أن أعرضه عليك» فلما عرضه عليه أخذه منه ومحاه بالماء، وقيل له: «لماذا فعلت ذلك؟» فقال: «لأنَّهم إذا كتبوا اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ، فيعرض للكتاب عارض فيفوت علمهم»،٢٣ وإن الكتاب يزاد فيه وينقص ويغير والمحفوظ لا يمكن تغييره.
وكان هذا الاعتقاد فاشيًا في الصحابة والتابعين، وتمسك به جماعة من كبارهم، وكانوا إذا سُئلوا تدوين علمهم أبوا واستنكفوا — ولعلهم كانوا يفعلون ذلك ليبقى الناس في حاجة إليهم رأسًا، سأل رجل سعيد بن جبير — وهو من أعلام التابعين — أن يكتب له تفسير القرآن فغضب وقال: «لأن يسقط شقي أحب إليَّ من ذلك».٢٤
فقضى العرب عصر بني أمية وهم يشتاقون إلى البداوة؛ لأنَّ دولتهم كانت عربية بدوية، فانقضى القرن الأول وبعض القرن الثاني للهجرة والمسلمون يتناقلون العلم بالتلقين، ويعتمدون على الحفظ، ولم يدونوا غير القرآن لأسباب سيأتي بيانها، وكان أبو بكر قد توقف عن جمعه وتدوينه وقال: «كيف أفعل أمرًا لم يفعله رسول الله؟»٢٥

أما ما خلا ذلك من التفسير والحديث والأشعار والأخبار والأمثال فقد كانوا يتناقلونها في صدورهم، وأكثرهم يقرأون ولكنَّهم لا يكتبون، وقد يكون بعضهم حافظًا ومفسرًا وهو لا يقرأ، كما كان شأنهم في الجاهلية: يشعرون ويخطبون ولا يقرأون.

فلما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار، وتفرقت الصحابة في الأقطار وحدثت الفتن واختلفت الآراء وكثرت الفتاوى والرجوع إلى الكبراء، اضطروا إلى تدوين الحديث والفقه وعلوم القرآن، واشتغلوا في النظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط، وتمهيد القواعد والأصول وترتيب الأبواب والفصول، فرأوا ذلك مستحبّا فعمدوا إلى التدوين ورجعوا إلى حديث رواه أنس بن مالك وهو قوله: «قيدوا العلم بالكتابة»،٢٦ وقوله: «العلم صيد والكتابة قيد».٢٧
على أنَّهم ظلوا مع ذلك يستنكفون من التدوين بأيديهم، فكانوا يستكتبون الكتاب أو يلقون دروسهم بطريق الإملاء، وذلك أن يتكلم المحدث أو الفقه والتلميذ يكتب على الرق أو القرطاس أو الكاغد، فيبدأ المستملي في أول القائمة بقوله: «مجلس أملاه شيخنا فلان بجامع كذا في يوم كذا» ويذكر التاريخ، ثم يورد المملي بإسناده سواء كان حديثًا أو خبرًا، وإذا كان فيه غريب يحتاج إلى التفسير فسَّره، وأورد أشعار العرب وغيرها بأسانيدها، أو الفوائد اللغوية بإسناد أو بغير إسناد على ما يختاره،٢٨ وهذا معنى قولهم «أمالي» المحدث فلان أو اللغوي، أي ما أملاه من الفنون.

وظلوا — حتى بعد اشتغالهم بالتأليف — يحرضون النَّاس على الحفظ والتعويل على السماع، وكان أحوج العلوم إلى ذلك علم الدين ثم الشعر، لما فيه من الألفاظ الغريبة واللغات المختلفة والكلام الوحشي وأسماء الشجر والنبات والمواضع والمياه؛ لأنَّ الكتابة في القرون الأولى للإسلام كانت بلا نقط، فلا تفرق في شعر الهذليين إذا أنت قرأته بين «شابة» و«ساية» وهما موضعان. ولا تثق بمعرفتك في تمييز أمثالهما مما تتشابه صوره بدون إعجام. وقرئ يومًا على الأصمعي في شعر ابن ذؤيب: «بأسفل ذات الدير أفرد جحشها» فقال أعرابي حضر مجلس القارئ: «ضل ضلالك أيها القارئ … إنما هي ذات الدبر (بالباء) وهي ثنية عندنا» فأخذ الأصمعي بذلك فيما بعد. ومن يرى شعر المعذل في وصف الفرس:

من السح جوالًا كأن غلامه
يصرف سبدًا في العنان عمردا
إذا كان بلا تنقيط ولا يقرأ «سِيدًا» بالياء، لانصراف الذهن إلى السِّيد وهو الذئب؟ وقد أخطأ في ذلك أكثر الذين قرأوا هذا البيت.٢٩

فظل المسلمون زهاء قرن وليس عندهم كتاب مدَّون غير القرآن، مع أنَّ الكتابة كانت شائعة يومئذ، وقد نبغ جماعة من مفسري القرآن ورواة الحديث وعلماء النحو واللغة وناظمي الشعر ورواته، وإنَّما كانت الكتابة العربية مستخدمة لكتابة القرآن أو الرسائل إلى القواد، ولتدوين الحساب في دفاتر الحكومة بعد أن انتقلت الدواوين إلى العربية، أما سائر العلوم فكانت تتناقل بالسماع وتُحفظ في الصدور، وربما دُوِّن بعضها في صحف غير مرتبة، وأما تأليف الكتب فلم يكن معروفًا عندهم.

واختلف مؤرخو المسلمين في أول مَن صنف الكتب في الإسلام، فقال بعضهم: إنَّه ابن جريج البصري المتوفى سنة ١٥٥ﻫ،٣٠ وقال غيرهم غير ذلك، ولم يخرجوا على أي حال عن أواسط القرن الثاني للهجرة، وأنَّ أول ما دُوّن — بعد القرآن والتفسير — الحديث. ولكننا رأينا من ألَّف قبل ذلك بنصف قرن، وأنَّ أول ما دونوه من العلوم بعد القرآن التفسير، وأقدم ما علمنا به من التفاسير تفسير مجاهد بن جبير المتوفى سنة ١٠٤ﻫ.٣١ ثم اشتغلوا في تدوين التاريخ وخصوصًا المغازي، وأقدم ما وصل إلينا خبره من كتبهم في هذا الموضوع كتاب ألفه وهب بن منبه صاحب الأخبار والقصص المتوفى سنة ١١٦ﻫ، وهو من أبناء الفرس المولدين باليمن، فألَّف كتابًا في الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وأشعارهم وقصصهم، قال ابن خلّكان: إنَّه شاهده بنفسه وأثنى عليه،٣٢ ثم كتاب المغازي لمحمد بن مسلم بن شهاب الزّهري المتوفى سنة ١٤١ﻫ،٣٣ ثم ألَّف المسلمون في الحديث والفقه في أواسط القرن الثاني للهجرة، فصنف ابن جُريج بمكة وسعيد بن أبي عَروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، وألَّف أبو حنيفة في الفقه والرأي في الكوفة، وصنف الأوزاعي في الشام، ومالك جمع الموطأ بالمدينة، وغيرهم،٣٤ ثم تكاثرت التآليف بعد ذلك كما سيأتي.

(١-٧) الخط العربي

(أ) تاريخه

ليس في آثار العرب بالحجاز ما يدل على أنَّهم كانوا يعرفون الكتابة إلا قُبيل الإسلام، مع أنَّهم كانوا مُحاطين شمالًا وجنوبًا بأمم من العرب خلفوا نقوشًا كتابية كثيرة، وأشهر تلك الأمم حمير في اليمن كتبوا بالحرف المسند، والأنباط في الشمال كتبوا بالحرف النبطي، وآثارهم باقية إلى الآن في ضواحي حوران والبلقاء، والسبب في ذلك أنَّ الحجازيين أو عرب مُضر كانت البداوة غالبة على طباعهم، والكتابة من الصناعات الحضرية.

على أنَّ بعض الذين رحلوا منهم إلى العراق أو الشام قُبيل الإسلام تخلقوا بأخلاق الحضر، واقتبسوا الكتابة منهم على سبيل الاستعارة، فعادوا وبعضهم يكتب العربية بالحرف النبطي أو العبراني أو السرياني، ولكنَّ النبطي والسرياني ظلا عندهم إلى ما بعد الفتوح الإسلامية، فتخلف عن الأول الخط النسخي (الدارج) وعن الثاني الخط الكوفي نسبة إلى مدينة الكوفة، وكان الخط الكوفي يُسمَّى قبل الإسلام الحيري نسبة إلى الحيرة، وهي مدينة عرب العراق قبل الإسلام وابتنى المسلمون الكوفة بجوارها.

ومعنى ذلك أنَّ السريان في العراق كانوا يكتبون ببضعة أقلام من الخط السرياني، في جملتها قلم يسمونه «السطرنجيلي» كانوا يكتبون به أسفار الكتاب المقدس،٣٥ فاقتبسه العرب في القرن الأول قبل الإسلام، وكان من أسباب تلك النهضة عندهم، وعنه تخلف الخط الكوفي وهما متشابهان إلى الآن.
واختلفوا فيمن نقله إلى بلاد العرب، والأشهر أنَّ أهل الأنبار نقلوه — وذلك أنَّ رجلًا منهم اسمه بشر بن عبد الملك الكندي أخو أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، تعلَّم هذا الخط من الأنبار وخرج إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان والد معاوية، فعَلَّم جماعة من أهل مكة فكثر من يكتب بمكة من قريش٣٦ عند ظهور الإسلام، ولذلك توهم بعضهم أنَّ أول من نقل الخط إلى العرب سفيان بن أمية.

والخلاصة على أي حال أنَّ العرب تعلموا الخط النبطي من حوران في أثناء تجاراتهم إلى الشام، وتعلموا الخط الكوفي من العراق قبل الهجرة بقليل، وظلَّ الخطان معروفين عندهم بعد الإسلام. والأرجح أنَّهم كانوا يستخدمون القلمين معًا: الكوفي لكتابة القرآن ونحوه من النصوص الدينية، كما كان سلفه السطرنجيلي يستخدم عند السريان لكتابة الأسفار المقدسة النصرانية، والنبطي لكتابة المراسلات والمكاتبات الاعتيادية، ومما يدل على تخلف القلم الكوفي عن السطرنجيلي — فضلًا عن شكله — أنَّ الألف إذا جاءت حرف مد في وسط الكلمة تُحذف، وتلك قاعدة مطردة في الكتابة السريانية، وكان ذلك شائعًا في أوائل الإسلام، وخصوصًا في القرآن فيكتبون «الكتب» بدل «الكتاب»، و«الظلمين» بدل «الظالمين».

فجاء الإسلام والكتابة معروفة في الحجاز، ولكنَّها غير شائعة، فلم يكن يعرف الكتابة إلا بضعة عشر إنسانًا، أكثرهم من كبار الصحابة وهم: علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، وعثمان وأبان ابنا سعيد بن خالد بن حذيفة، ويزيد بن أبي سفيان، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، والعلاء بن الحضرمي، وأبو سلمة بن عبد الأشهل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وحويطب بن عبد العزى، وأبو سفيان بن حرب وولده معاوية، وجهيم بن الصلت بن مخرمة، ثم تعلَّم غيرهم من الصحابة، ومنهم خرج كتَّاب الدواوين للخلفاء الراشدين وكتَّاب الرسائل وكتَّاب القرآن، فكتبوا القرآن بالكوفي أيام الراشدين وأيام بني أمية، وفي أيامهم تفرع الخط المذكور إلى أربعة أقلام، اشتق بعضَها من بعض كاتبٌ اسمه قطبة كان أكتَبَ أهل زمانه، وكان يكتب لبني أمية المصاحف، ثم اشتهر بعده الضحاك بن عجلان في أوائل الدولة العباسية فزاد على قطبة، وزاد بعده إسحاق بن حماد وغيره، فبلغ عدد الأقلام العربية إلى أوائل الدولة العباسية ١٢ قلمًا وهي:
  • (١)

    قلم الجليل.

  • (٢)

    قلم السجلات.

  • (٣)

    قلم الديباج.

  • (٤)

    قلم أسطورمار الكبير.

  • (٥)

    قلم الثلاثين.

  • (٦)

    قلم الزنبور.

  • (٧)

    قلم المفتح.

  • (٨)

    قلم الحرم.

  • (٩)

    قلم المدمرات.

  • (١٠)

    قلم العهود.

  • (١١)

    قلم القصص.

  • (١٢)

    قلم الحرفاج.

وفي أيام المأمون تنافس الكتاب في تجويد الخط، فحدث القلم المرصع، وقلم النساخ، وقلم الرياسي نسبة إلى مخترعه ذي الرياستين الفضل بن سهل، وقلم الرقاع، وقلم غبار الحلية.٣٧

فزادت الخطوط على عشرين شكلًا، وكلها تعد من الكوفي، وأما الخط النسخي أو النبطي فقد كان شائعًا بين الناس لغير المخطوطات الرسمية، حتى إذا نبغ ابن مقلة المتوفى سنة ٣٢٨ﻫ أدخل في الخط المذكور تحسينًا جعله على نحو ما هو عليه الآن وأدخله في كتابة الدواوين، والمشهور عند المؤرخين أنَّ ابن مقلة نقل الخط من صورة القلم الكوفي إلى صورة القلم النسخي، والغالب في اعتقادنا أنَّ الخطين كانا شائعين معًا من أول الإسلام: الكوفي للمصاحف ونحوها، والنسخي (أو النبطي) للرسائل ونحوها كما تقدم، وأنَّ ابن مقلة إنَّما جعل الخط النسخي على قاعدة جميلة حتى يصلح لكتابة المصاحف.

وقد شاهدنا في معرض الخطوط العربية القديمة في دار الكتب الخديوية (دار الكتب المصرية الآن) عقد نكاح مكتوبًا في أواسط القرن الثالث للهجرة سنة ٢٦٤ﻫ على رق مستطيل في أعلاه صورة العقد بالقلم الكوفي المنتظم، وتحتها خطوط الشهود بالقلم النسخي بغاية الاختلال — فابن مقلة حسن هذا الخط تحسينًا وأدخله في كتابة المصاحف.

ثم تفرع الخط النسخي المذكور بتوالي الأعوام إلى فروع كثيرة، وأصبحت الأقلام الرئيسية في اللغة العربية اثنين: الكوفي، والنسخي. ولكل منهما فروع كثيرة، اشتهر منها بعد القرن السابع للهجرة ستة أقلام وهي: الثلث والنسخي والتعليقي والريحاني والمحقق والرقاع. واشتهر من الخطاطين جماعة كبيرة ألفوا فيه الكتب والرسائل، بعضها في أدوات الخط كالأقلام وطرق بريها وأحوال الشق والقط والدواة والمداد والكاغد وغير ذلك،٣٨ وما زال الخط يتفرع إلى اليوم، ولن يزال إلى ما شاء الله عملًا بسنة الارتقاء.

(ب) الحركات

وكان القرآن في أول الإسلام محفوظًا في صدور القراء، لا خوف من الاختلاف في قراءته لكثرة عنايتهم في تناقله وضبط ألفاظه، حتى دونوه وكثر أهل الإسلام، فمضى نصف القرن الأول للهجرة والناس يقرأون القرآن بلا حركات ولا إعجام، وأول ما افتقروا إليه الحركات، وأول من رسمها أبو الأسود الدؤلي واضع النحو العربي المتوفى سنة ٦٩ﻫ، فإنَّه وضع نقطًا تمتاز بها الكلمات أو تُعرف بها الحركات، ولذلك توهم بعضهم أنَّه وضع الإعجام، والحقيقة أنَّه وضع نقطًا لتمييز الاسم من الفعل من الحرف، وليس لتمييز الباء من التاء أو الجيم من الحاء، والأرجح أنَّه اقتبس ذلك من الكلدان أو السريان جيرانه في العراق، وكان عندهم نقط كبيرة توضع فوق الحرف أو تحته لتعيين لفظه أو تعيين الكلمة الواقع هو فيها اسم هي أم فعل أم حرف. مثل قولهم: «كتب»، فيمكن أن تكون اسمًا جمع كتاب، أو فعلًا ماضيًا معلومًا أو مجهولًا، وكان عندهم أيضًا نقط هي حركات وضعها يعقوب الرهاوي قبيل ذلك الزمن،٣٩ وهي عبارة عن نقط كانت تُرسم في حشو الحروف، ثم تحولت إلى نقط مزدوجة تنوب عن الحركات الثلاث، وما زالت عندهم إلى اليوم، فالظاهر أنَّ أبا الأسود اقتبس هذه الحركات، ويُؤيد ذلك أنَّه لما أراد التنقيط أتوه بكاتب فقال له أبو الأسود: «إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، وإذا ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف»،٤٠ فكان العرب بعد ذلك يستعملون هذه النقط، والغالب أن يكتبوها بلون غير لون الخط، وقد شاهدنا في دار الكتب المصرية مصحفًا كوفيًّا منقطًا على هذه الكيفية، وجدوه في جامع عمرو بجوار القاهرة وهو من أقدم مصاحف العالم، ومكتوب على رقوق كبيرة بمداد أسود وفيه نقط حمراء اللون، فالنقطة فوق الحرف فتحة، وتحته كسرة، وبين يدي الحرف ضمة كما وصفها أبو الأسود.

(ﺟ) الإعجام

كان الخط لمَّا اقتبسه العرب من السريان والأنباط خاليًا من النقط — ولا تزال الخطوط السريانية بلا نقط إلى اليوم — فالإعجام حادث في العربية وهو قديم فيها، والظاهر أنَّ المسلمين بعد أن استخدموا الحركات المذكورة رأوا التصحيف قد تكاثر، والْتَبس النَّاس في القراءة لتكاثر الأعاجم من القراء، والعربية ليست لغتهم فصعب عليهم التمييز بين الأحرف المتشابهة في شكلها، كالجيم والحاء، والسين والشين، والباء والتاء والثاء، فانتبه لذلك الحجاج أمير العراق في أيام عبد الملك بن مروان — قال ابن خلِّكان: «ففزع الحجاج إلى كتابه، وسألهم أن يضعوا لهذه الأحرف المتشابهة علامات تميزها بعضها من بعض، فيقال: إنَّ نصر بن عاصم قام بذلك فوضع النقط أفرادًا وأزواجًا، وخالف بين أماكنها، فعبر الناس بذلك زمانًا لا يكتبون إلا منقوطًا ولكن مع استعمال النقط أيضًا كان يقع التصحيف، فأحدثوا الإعجام فكانوا يُتبعون النقط بالإعجام»،٤١ وفي عبارة ابن خلِّكان هذه التباس، لا يُفهم المراد بها ولا ما الفرق بين التنقيط والإعجام وهما واحد، ولا يُعقل أن يكون المراد بالنقط الحركات؛ لأنَّهم إنَّما عمدوا إليها لكثرة التصحيف، أي اختلاف القراءة باختلاف النقط، فالظاهر أنَّ النقط المذكورة هي من قبيل الإعجام لتمييز الحروف المتشابهة، ولكن نصرًا هذا لم ينقط إلا بضعة حروف مما يكثر وروده ويُخشى الالتباس فيه، ثم رأوا القراءة لا تُضبط إلا بتنقيط كل الحروف كما هي الآن، وهذا ما عبروا عنه بالإعجام.

وقد شاهدنا في معرض الخطوط في دار الكتب المصرية كتابة عربية على صفحة من البردي (البابيروس) مؤرَّخة سنة ٩١ﻫ وفيها إعجام، لكنه قاصر على الصور المشابهة للباء للتمييز بين الباء والياء والتاء، وصورة حرف الشين لتمييزه من السين بثلاث نقط موضوعة على استواء واحد، وشاهدنا أجزاء من مصاحف أخرى مكتوبة على رقوق صغيرة وعليها نقط حمراء للحركات ونقط سوداء للإعجام، وقد تجد خطوطًا قديمة منقطة ومحركة وخطوطًا حديثة بلا تنقيط ولا تحريك.

فيؤخذ من ذلك أنَّ العرب استخدموا الحركات والإعجام من أواسط القرن الأول، ولكنهم ظلّوا مع ذلك يكرهونهما إلا حيث يريدون التدقيق بنوع خاص كالمصاحف ونحوها، أما فيما خلا ذلك فكانوا يفضلون ترك النقط، لا سيما إذا كان المكتوب إليه عالمًا. وقد حُكي أنَّه عُرض على عبد الله بن طاهر خط بعض الكتاب فقال: «ما أحسنه لولا كثرة شونيزه (أي نقطه)». ويقال: «كثرة النقط في الكتاب سوء ظن في المكتوب إليه».

وقد يقع بالنقط ضرر، كما حُكي عن جعفر المتوكل أنَّه كتب إلى بعض عماله: «أنْ أحْصِ من قبلك من الذميين وعرفنا بمبلغ عددهم» فوقع على الحاء نقطة فجمع العامل من كان في عمله منهم وخصاهم فماتوا غير رجلين.٤٢
ولذلك ظل الكتَّاب في أثناء التمدن الإسلامي مخيرين بين الإعجام وعدمه، والغالب عدم الإعجام. وقد حدث بسبب ذلك التباس في كثير من الأحوال، وخصوصًا في أسماء الأماكن الغريبة أو الألفاظ الغريبة ونحوهما.٤٣ وكان الأدباء يستحسنون الإعجام في كتب العلوم، ويستهجنونه في المراسلات؛ ولذلك استحسنوا مشق الخط في المكاتبات؛ لأنَّهم لفرط إدلالهم في الصنعة وتقدمهم في الكتابة يكتفون بالإشارة ويقتصرون على التلويح ويرون الحاجة إلى استيفاء الإبانة تقصيرًا.٤٤

(د) أدوات الكتابة

أما أدوات الكتابة فقد وفينا الكلام عنها في الجزء الأول من هذا الكتاب، وظلوا يكتبون إلى أواخر دولة الأمويين على الجلود والرقوق دروجًا، فكانت دفاتر الحكومة عبارة عن لفائف من الجلد. فلما أفضى الأمر إلى العباسيين وقام أبو العباس السفاح بالأمر واستوزر خالد بن برمك، غَيَّر خالد الدفاتر من الأدارج إلى الكتب، فظلت أعمال الحكومة تُدوَّن في كتب من الجلد، إلى أن تصرف جعفر بن يحيى البرمكي بالوزارة في أيام الرشيد فاتخذ الكاغد (الورق) فتداوله النَّاس من بعده، وظلّوا مع ذلك أجيالًا يكتبون على الجلود والقراطيس والورق الصيني والتهامي والخراساني٤٥ فضلًا عن الكاغد يصنعونه كراريس أو دفاتر، وكان بعضهم يفضل الرقاع للكتابة عليها، كالفارابي مثلًا فقد كانت كتاباته أكثرها على الرقاع.٤٦

(٢) العلوم الشرعية الإسلامية

هي العلوم التي اقتضاها الإسلام والتمدن الإسلامي على ما تقدم، وتقسم إلى ثلاثة أقسام:
  • (١)

    العلوم الشرعية وهي العلوم الدينية الإسلامية.

  • (٢)

    العلوم اللسانية وهي التي اقتضاها الإسلام ضمنًا، فاحتاجوا إليها في ضبط قراءة القرآن أو تفسيره أو تفهمه وتفهم الحديث.

  • (٣)

    التاريخ والجغرافيا.

(٢-١) العلوم الشرعية الإسلامية

(أ) القرآن — جمعه وتدوينه

لا غرو إذا اهتم المسلمون بجمع القرآن وحفظه؛ لأنَّ عليه يتوقف دينهم ودنياهم، وأول أسباب حفظه تدوينه، والقرآن لم ينزل مرة واحدة، وإنَّما نزل تدريجيًّا في أثناء عشرين سنة على مقتضى الأحوال، من أول ظهور الدعوة إلى وفاة النبي، بعضه في مكة وبعضه في المدينة، فكان كلَّما تلا آية أو سورة كتبوها على صحف الكتابة في تلك الأيام، وهي الرقاع من الجلود، والعريض من العظام كالأكتاف والأضلاع، وعلى العسب وهي قحوف جريد النخل، واللخاف وهي الحجارة العريضة البيضاء، فتُوفي النبي سنة ١١ﻫ، والقرآن إما مُدوَّن على أمثال هذه الصحف، أو محفوظ في صدور الرجال، وكانوا يُسمُّون حفظته «القراء».

وكان أكثرَ الناس عناية في تدوينه على عهد النبيِّ؛ عليُّ بنَ أبي طالب، وسعدُ بن عبيد بن النعمان، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وثابت بن زيد، وأُبيُّ بن كعب وغيرهم، فلما قام أبو بكر بالأمر وارتد بعض أهل جزيرة العرب عن الإسلام، بعث جندًا لمحاربتهم فقُتل من الصحابة في تلك الحروب جماعة كبيرة، وخصوصًا في غزوة اليمامة فقتل فيها وحدها ١٢٠٠ من المسلمين فيهم ٧٠٠ من القراء. فلما بلغ ذلك إلى أهل المدينة فزعوا فزعًا شديدًا، وخصوصًا عمر بن الخطاب رجل الإسلام والمسلمين، فأشار على أبي بكر بجمع القرآن لئلا يذهب منه شيء بموت أهله، فتوقف أبو بكر وقال: «كيف أفعل أمرًا لم يفعله رسول الله ولم يعهد إلينا فيه عهدًا؟»، فما زال به عمر حتى أقنعه بجمعه، فأحضر أبو بكر زيد بن ثابت؛ لأنَّه كان من كتبة الوحي، فجمع ما كان مُدونًا عند الصحابة، وربما وجد السورة الواحدة مكتوبة عند اثنين أو ثلاثة أو أكثر، وقد لا يوجد من السورة الأخرى إلا نسخة واحدة، كسورة التوبة فإنَّه لم يجد منها إلا نسخة واحدة عند أبي خُزيمة الأنصاري،٤٧ فجمعه من تلك المحفوظات ومن صدور الرجال وسلَّمه إلى أبي بكر، فظلت الصحف عنده حتى توفي سنة ١٣ﻫ، فلما تولى عمر تسلمها وظلت عنده حتى تولى عثمان سنة ٢٣ﻫ فانتقلت إلى بيت ابنته حفصة من أزواج النبي .

وفي أيام عثمان اتسعت الفتوح وتفرق المسلمون في مصر والشام والعراق وفارس وإفريقية، وفيهم القراء وعند بعضهم نسخ من القرآن، وقد رتبها كل منهم ترتيبًا خاصًّا، فعول أهل كل مصر على من قام بينهم من القراء.

فأهل دمشق وحمص مثلًا أخذوا عن المقداد بن الأسود، وأهل الكوفة أخذوا عن ابن مسعود، وأهل البصرة عن أبي موسى الأشعري،٤٨ وكانوا يسمون مصحفه لباب القلوب — ومع شدة عناية القراء في حفظ القرآن وضبطه لم يخلوا من الاختلاف في قراءة بعض سوره.
واتفق في أثناء ذلك أنَّ حُذيفة بن اليمان كان في جملة من حضر غزو أرمينية وأذربيجان، فرأى في أثناء سفره اختلافًا بين المسلمين في قراءة بعض الآيات، وسمع بعضهم يقول لبعض: «قراءتي خير من قراءتك». فلما رجع إلى المدينة أنبأ عثمان بذلك وأنذره بسوء العقبى إن لم يتلاف الأمر، إلى أن قال: «أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى» فبعث عثمان إلى حفصة أن: «أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك» فأرسلتها. فدعا عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأمرهم أن ينسخوا القرآن، ويستعينوا على القراءة بما حفظه القراء، وقال لهم: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانهم» ففعلوا ذلك٤٩ سنة ٣٠ﻫ، وكتبوا أربعة مصاحف بعثها عثمان إلى الأمصار الأربعة: مكة، والبصرة، والكوفة، والشام.٥٠ واثنين أبقاهما في المدينة: واحد لأهلها، وواحد لنفسه وهو الذي يسمونه «الإمام»، ثم أمر بجمع كل ما كان قبل ذلك من المصاحف والصحف،٥١ وأمر بإحراقه.
فأصبح المعول في المصاحف على ما كتبه عثمان، واشتغل المسلمون في الأمصار باستنساخ تلك المصاحف، فنسخوا منها شيئًا كثيرًا في مدة قليلة ذكر المسعودي في عرض كلامه عن واقعة صفين بين علي ومعاوية، وما كان من ظهور علي وما أشار به عمرو بن العاص من رفع المصاحف: «ورفع من عسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف»،٥٢ وليست هذه كل مصاحف المسلمين فاعتبر هذا العدد، وبين كتابة مصحف عثمان وواقعة صفين سبع سنين.
ومع تشديد الصحابة في التعويل على مصحف عثمان دون سواه، فقد ظلَّ عند بعض المسلمين نسخ من مصاحف أخرى أشهرها مصحف علي، ويعتقد الشيعة أنَّ عليًّا أول من خطَّ المصاحف عند وفاة النبي، وتنُوقل مصحفه في شيعته وبقي عند أهل ابنه جعفر، وقد ذكر ابن النديم في كتاب الفهرست أنَّه رأى عند أبي يعلى حمزة الحسيني مصحفًا بخط عليّ يتوارثه بنو حسن٥٣ — ومنها مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ولكل منها ترتيب خاص في سوره.٥٤

على أنَّ الخلفاء والأمراء كانوا يبذلون جهدهم في جمع الكلمة على مصحف عثمان والتشديد في إعدام ما سواه، وفي جملة مساعيهم أنَّ الأمراء كانوا يكتبون نسخًا من ذلك المصحف يضعونها في المساجد ليتلوها الناس ويرجعوا إليها في تصحيح ما بين أيديهم من المصاحف الخاصة. وربما كتب الأمير عدة مصاحف وفرقها في الأمصار، ولكنهم كانوا يعدون قبول مصحف الأمير في الجامع إقرارًا بسيطرته عليهم، وكان الحجاج في مقدمة من كتب المصاحف من الأمراء وفرقها في الأمصار، فبعث منها مصحفًا إلى مصر والوالي عليها يومئذ عبد العزيز بن مروان فغضب وقال: «أيبعث إلى جند أنا فيه بمصحف؟» وأمر فكتبوا له مصحفًا آخر بالغ في ضبطه، وأعلن بعد الفراغ من كتابته أن من وجد فيه حرفًا خطأ فله رأس أحمر، وثلاثون دينارًا.

فوجد فيه أحد قراء الكوفة لفظة «نجعة» بدل «نعجة» فنال الجائزة.٥٥

قراءة القرآن

كان للقراءة شأن عظيم في أول الإسلام، لقلة الذين يقرأون يومئذ، فسموا الذين كانوا يحفظون القرآن «قراء» تمييزًا لهم عن سائر المسلمين؛ لأنَّهم كانوا أميين، وقد تقدم أنَّ السبب الذي حمل عثمان على جمع القرآن وكتابته ما بلغه من اختلاف الصحابة في قراءته، على أنَّه لم يمضِ على إرسال مصاحفه إلى الأمصار زمان قصير، حتى أصبح لأهل كل مصر قراءة خاصة يتبعون فيها قارئًا يثقون بصحة قراءته، وتنوقل ذلك واشتهر، ثم استقر منها سبع قراءات معينة تواتر نقلها بأدائها، واختصت بالانتساب إلى من اشتهر بروايتها، فصارت هذه القراءات السبع أصولًا للقراءة، ويعدها بعضهم عشرًا.

وأصحاب هذه القراءات هم: نافع بن أبي رؤيم، ويزيد بن القعقاع في المدينة، وعبد الله بن كثير في مكة، وأبو عمرو بن العلاء، ويعقوب الحضرمي في البصرة، وعبد الله بن عامر في الشام، وعاصم بن أبي النجود، وحمزة بن حبيب الزيات، وعلي الكسائي، وخلف البزاز في الكوفة، واشتهر غيرهم كثيرون في أقطار العالم الإسلامي، وفيهم من يقرأ قراءات غريبة، وخصوصًا بعد أن ظهرت الفرق الإسلامية وتشعبت الآراء في التفسير والفقه، والخلفاء يشددون في مقاصة أولئك الشاذين خوف التفرقة، كما كانت تفعل رؤساء النصرانية في القرون الأولى للميلاد، ولكن الإسلام كان أقرب إلى إطلاق حرية الفكر والقول وخصوصًا في أوائله، فلم يكن أحدهم يتردد في إبداء ما يخطر له ولو كان مخالفًا لرأي الخليفة، ولذلك كثرت الفرق الإسلامية يومئذ، وتعددت مذاهب أصحابها في القراءة، والتفسير والفقه وفي كل شيء، حتى ذهب بعضهم إلى سورة يوسف ليست من القرآن؛ لأنَّها قصة من القصص، والقائلون بذلك العجاردة،٥٦ وذهبت طائفة أخرى إلى إثبات حكم من أحكام الإلهية في السيد المسيح، وأنَّه هو الذي يحاسب الخلق،٥٧ وظل بعضهم يقرأون القراءات الغريبة إلى أواسط الدولة العباسية، وفي جملتهم يعقوب العطار المتوفى سنة ٣٥٤ﻫ فاستحضره الخليفة واستتابه بحضرة القراء والفقهاء، وكتب محضر توبته وأشهد عليه من حضر.٥٨
وأشهر من قرأ القراءات الشاذة ابن شنبوذ البغدادي المتوفى سنة ٣٢٨ﻫ فإنه تفرد بقراءات من الشواذ كان يقرأ بها في المحراب، ذكرها ابن النديم وابن خلِّكان فعلم به ابن مقلة الوزير سنة ٣٢٣ﻫ فقبض عليه واعتقله أيامًا، فلم يكن ذلك ليرجعه عن قراءته، فأمر بجلده واستتابه فتاب، وقال إنَّه قد رجع عما يقرأه وإنه لا يقرأ إلا بمصحف عثمان بن عفان بالقراءة المتعارفة التي يقرأ بها الناس وكتب محضرًا بذلك.٥٩
والقراءات العشر التي ذكرنا أصحابها كلها جائزة عند المسلمين، وعند الأئمة أنَّ الجميع على صواب، فقد يختار الإقليم الواحد قراءة واحدة أو قراءتين أو أكثر، وقد تقرأ كل القراءات في إقليم واحد.٦٠
وكانوا يرجعون في إثبات صحة القراءة إلى الإسناد المتسلسل، كقولهم قرأ يعقوب بن إسحاق على سلام، وقرأ سلام على عاصم، وقرأ عاصم على أبي عبد الرحمن، وقرأ أبو عبد الرحمن على علي بن أبي طالب، وقرأ عليٌّ على النبي.٦١

تأثير القرآن

إنَّ قراءة القرآن وحفظه من أول واجبات المسلمين، وخصوصًا في أوائل الإسلام، فانطبعت أوامره ونواهيه في أفئدتهم، وارتسمت عباراته على ألسنة أدبائهم، وأصبح هو المرجع في الشرع والدين واللغة والإنشاء وفي كل شيء، فاقتبسوا أساليبه في خطبهم وكتبهم، وتمثلوا بآياته في مؤلفاتهم، وظهرت آدابه وتعاليمه في أخلاقهم وأطوارهم، مع تباعد الأمم التي اعتنقت الإسلام في أصولها ولغاتها وبلادها، واستشهدوا بأقواله ونصوصه في علومهم اللسانية، فضلًا عن العلوم الشرعية، فقد كان في كتاب سيبويه وحده ٣٠٠ آية من القرآن، وأصبح أهل البلاغة لا تروق لهم الكتابة أو الخطابة إلا إذا رصعوها بشيء من آي القرآن، كما سترى في باب الخطابة في الإسلام، وفي باب البلاغة من اقتباس الآيات وإدخالها في عبارات الخطب والرسائل والتوقيعات.

على أنَّهم كانوا، لفرط اشتغالهم بحفظ القرآن وقراءته وتفهمه، لو ذكر الرجل حرفًا أو كلمة انتبه السامع للآية كلها، ولذلك كثيرًا ما كانوا يرمزون بالكلمة الواحدة إلى آية يفهمها العارف ويعمل بها وقد تخفى على كثيرين، ومما يُحكى من هذا القبيل أنَّ السلطان محمود الغزنوي الشهير، بعث إلى الخليفة يطلب أن يذكر اسمه في الخطبة ببغداد، وينقش اسمه في سكة الذهب والفضة (أي ينقش اسمه على الدنانير والدراهم). فامتنع الخليفة من ذلك. فبعث إليه كتابًا فيه تهديد ووعيد، وقال في جملته: «لو أردت نقل حجارة بغداد على ظهور الفيلة إلى غزنة لفعلت». فبعث إليه الخليفة كتابًا مختومًا، فلما فتحه لم يجد فيه بعد البسملة إلا ألفًا ممدودة، وفي وسطه لام، وفي آخره ميم، والصلاة، والحمدلة، فحار السلطان وأهل مجلسه من ذلك حتى دخل عليهم أبو بكر القهستاني، ففكر في ذلك وقال: «عندي شرحه»، فقال: «اذكر ولك ما تريد» فقال: «بعث إليهم السلطان يهددهم بالفيلة، فبعثوا له هذا الكتاب وفيه ألف ولام وميم إشارة إلى قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ إلى آخر السورة» فارتاع السلطان لذلك ووقع في قلبه الخوف والندم وعاد إلى أحسن الأحوال من الرضى والأدب.٦٢
ويحكى أيضًا أنَّ المأمون غضب على عبد الله بن طاهر، وشاور أصحابه في الإيقاع به، وكان قد حضر المجلس صديق له فكتب إليه كتابًا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم يا موسى» فلما فضه ووجد ذلك تعجب، وما زال يُطيل فيه النظر حتى علم أنَّه يريد: «يا موسى إنَّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك».٦٣

وأبلغ من ذلك حكاية سديد الملك وتشديد نون «إنَّ» وقد ذكرناها في الجزء الأول من هذا الكتاب، وفي إعادتها هنا تكرار.

وقد عني المسلمون في كتابة القرآن وحفظه عناية ليس بعدها غاية، فكتبوه على صفائح الذهب والفضة، وعلى صفائح العاج، وطرزوا آياته بالذهب والفضة على الحرير والديباج، وزينوا بها محافلهم ومنازلهم، ونقشوها على الجدران في المساجد والمكاتب والمجالس، ورسموه بكل الخطوط وأجملها على كل أصناف الرقوق والجلود والكواغد بالأدراج والكراريس والرقاع بأصناف المداد وألوانها وملأوا بين الكلام بالذهب، وكان الخلفاء والأمراء والسلاطين يتبركون بكتابة المصاحف بأيديهم ويختزنونها في المساجد أو نحوها، وفي دار الكتب الخديوية (المصرية) بالقاهرة أمثلة كثيرة من المصاحف المخطوطة بمعظم الأشكال المذكورة من القلم الكوفي الخالي من الشكل والإعجام إلى إتمام الإعجام والشكل وما بينهما.

وقد ضبطوا عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه، وعدوا ما فيه من الألفات والباءات إلى الياءات.٦٤

تفسير القرآن

كان العرب عند ظهور الدعوة كلما تُليت عليهم سورة أو آية فهموها وأدركوا معانيها بمفرداتها وتراكيبها؛ لأنَّها بلسانهم وعلى أساليب بلاغتهم، ولأنَّ أكثرها قيلت في أحوال كانت كالقرائن تسهل فهمها، وإذا أشكل عليهم شيء منها سألوا النبي فكان يبين لهم المجمل ويميز الناسخ من المنسوخ، فحفظ أصحابه عنه ذلك وتناقلوه فيما بينهم، وعنهم أخذ من جاء بعدهم من التابعين وتابعي التابعين.

ولما صار الإسلام دولة واحتاجوا إلى الأحكام والقوانين كان القرآن مصدر استنباطها، فزادت العناية في تفسيره وأصبح القراء والمفسرون مرجع المسلمين في استخراج تلك الأحكام أو هم الفقهاء لأول عهد الإسلام، وكانوا يتناقلون التفسير شفاهًا إلى أواخر القرن الأول، فكان أول من دون التفسير في الصحف مجاهد المتوفى سنة ١٠٤ﻫ، ثم اشتغل فيه سواه وهم كثيرون حتى انتهى ذلك إلى الواقدي سنة ٢٠٧ والطبري المتوفى ٣١٠ﻫ وغيرهما.

وقد رأيت أنَّ العمدة في التفسير على النقل بالتواتر والإسناد منذ أيام النبي فالصحابة فالتابعين، والعرب يومئذ أميون لا كتابة عندهم فكانوا إذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتوق إليه نفوسهم البشرية، من أسباب الوجود وبدء الخليفة وأسرارها، سألوا عنه أهل الكتاب قبلهم من اليهود والنصارى المقيمين بين ظهرانيهم، وأكثرهم من حمير باليمن الذين أخذوا بدين اليهودية،٦٥ وكانوا قد أسلموا لكنهم ظلوا على ما كان عندهم من التقاليد المتناقلة شفاهًا أو كتابة، مما لا تعلُّق له بالأحكام الشرعية — فكانوا إذا سئلوا عن شيء أجابوا بما عندهم من أقاصيص التلمود والتوراة بغير تحقيق، فامتلأت كتب التفسير من هذه المنقولات «المعروفة بالإسرائيليات».
ومن أشهر أولئك اليهود كعب بن مانع المعروف بكعب الأحبار، أسلم في خلافة عمر بن الخطاب،٦٦ وعبد الله بن سلام بن الحارث أسلم عند هجرة النبي إلى المدينة.٦٧ ناهيك بمن كان هناك من أهل الأديان الأخرى كالصابئة والمجوس وغيرهم، وكان بعضهم من ذوي المقامات الرفيعة، فكان المسلمون يسألونهم أيضًا وهم يجيبونهم مما عندهم، وأشهرهم وهب بن منبه، فإنَّه فارسي الأصل، جاء جده إلى اليمن في جملة من بعثهم كسرى لنجدة اليمن على الحبشة، فأقاموا هناك وتناسلوا وصاروا يُعرفون بين العرب بالأبناء أي أبناء الفرس، ومنهم أيضًا طاوس بن كيسان التابعي الشهير.
وكان آباء وهب المذكور على دين الفرس (المجوسية أو الزردشتية) فلما أقاموا بين اليهود باليمن أخذوا عنهم آداب اليهود وتقاليدهم، واختلطوا بالحبشة هناك فتعلموا شيئًا من النصرانية، وكان وهب يعرف اليونانية،٦٨ فاطلع على آداب اليونان وغيرهم، فنشأ وهو ذو اطلاع واسع في أخبار الأمم وأحوال الأنبياء وقيام الدنيا وسير الملوك، ومن أقواله أنَّه قرأ من كتب الله ٧٢ كتابًا، فكان للعرب ثقة كبرى فيه ولم يسألوه عن شيء إلا أفاض في الجواب عليه مما يحفظه.

فكانت كتب التفسير في القرون الأولى محشوة بالأخبار، وفيها الغث والسمين مما نقل إليها من الأديان الأخرى التي كانت شائعة قبلها في جزيرة العرب أو حولها، كما أصاب النصرانية عند أول ظهورها، إذ دخلها كثير من عادات الأمم الوثنية ومعتقداتهم وتقاليدهم، مع سهر الآباء الأولين على تخليصها من ذلك.

فلما نشأت العلوم اللسانية واشتغل المسلمون بها واطلعوا على كتب المنطق والفلسفة، تعودت عقولهم على طلب الدليل والقياس، فأعادوا النظر في تلك التفاسير ونظروا في مروياتها ومَحَّصُوها وسَبَرُوها بمسبار العقل.

وأشهر من فعل ذلك منهم ابن عطية والقرطبي وجار الله الزمخشري صاحب الكشاف وغيرهم.

وكتب التفسير كثيرة جدًّا، ذكر منها صاحب كشف الظنون نيفًا وثلاثمائة تفسير، وقال إنَّه ذكر بعضها وكانت أكثر من ذلك كثيرًا.٦٩

(ب) الحديث

لما اشتغل المسلمون في تفهم معاني القرآن كان في جملة ما افتقروا إليه في تفهمها أقوال النبي وهو ما عبروا عنه بالأحاديث النبوية، وأقدم من سمعها الصحابة وحفظوها، فكانوا إذا أشكل عليه فهْم آية واختلفوا في تفسيرها أو حكم من أحكامها استعانوا بتلك الأحاديث على استيضاحها، فلما كانت الفتوح تفرق الصحابة في الأرض، وعند كل منهم بعض الأحاديث، وقد يتفرد بعضهم بأحاديث لم يسمعها سواه، فأصبح طالب الحديث إذا كان من أهل دمشق مثلًا لا يستوفيه إلا إذا رحل في طلبه إلى مكة والمدينة والبصرة والكوفة والري ومصر وغيرها، وكذلك المقيم في أحد هذه البلاد فإنَّه لا يستطيع استيفاء الحديث ما لم يطلبه من البلاد الأخرى، وهذا ما يعبرون عنه بالرحلة في طلب العلم، على أنَّ الارتحال في طلب العلم لم يكن من مستحدثات الإسلام، ولكنه كان شائعًا من قديم الزمان بالنظر إلى قلة أسباب النشر وقلة نسخ الكتب وصعوبة وصولها إلى النواحي في تلك العصور، ثم حرص النَّاس على السماع من الشيوخ مباشرة، فكان المؤرخ أو الجغرافي مثلًا يرحل في طلب التاريخ أو الجغرافيا إلى أقاصي البلاد، كما فعل هيرودوتس وإسترابون وغيرهما، ولذلك كان المسلمون يرحلون في طلب العلوم غير الحديث أيضًا، وكان النصارى في العصر الإسلامي يرحلون إلى بلاد الروم لإتقان ديانتهم.٧٠

وضع الأحاديث

نشأت الفتنة بعد مقتل الخليفة عثمان، واختلف المسلمون في الخلافة وادَّعاها غير واحد، فانصرفت عناية كل حزب من أحزابهم إلى استنباط الأدلة واستخراج الأحاديث المؤيدة لدعواهم، فكان بعضهم إذا أعوزهم حديث يؤيدون به قولًا أو يقيمون به حجة اختلقوا حديثًا من عند أنفسهم، وتكاثر ذلك في أثناء تلك الفوضى، فكان المهلب بن أبي صفرة مثلًا يضع الأحاديث ليشد بها أمر المسلمين ويضعف أمر الخوارج،٧١ وهو مع ذلك معدود من الأتقياء والنبلاء، مع علمهم بما كان يضعه من الأحاديث؛ لأنَّهم كانوا يعدون ذلك خدعة في الحرب، وأمثال المهلب كثيرون، كانوا يضعون الحديث لأغراض مختلفة.
وتسابق النَّاس خصوصًا إلى وضع الأحاديث في أثناء البحث في شروط الخلافة، نظرًا لما رأوه من تأثير الحديث فيها من أول عهدها، إذ مات النبي وانقسم أصحابه في طلب الخلافة إلى قسمين: المهاجرين والأنصار، وكل منهما يعتقد الأحقية في الخلافة لحزبه، واشتد عزم الأنصار على الثبات في المطالبة، وعظمت الفوضى حتى روى أبو بكر الحديث «الأئمة من قريش»،٧٢ فكان في ذلك فصل الخطاب، فقس على ذلك حاجة أصحاب الفرق والأحزاب وغيرهم إلى الأحاديث، ناهيك بحاجتهم إليها في إثبات الأحكام الشرعية الخاصة بالبلاد المفتوحة وأهلها وغير ذلك كأوصاف المهدي المنتظر وشروط ظهوره ووضع الأحكام والقوانين، وفي كل باب من أبواب الإدارة والقضاء، ولما أراد المأمون تحليل زواج المتعة لم يرجعه عن عزمه إلا حديث رووه له في تحريمه.٧٣
فلا غرو بعد ذلك إذا رغب أهل المطامع في اختلاف الأحاديث، وقد ذكروا من واضعي الحديث جماعة أشهرهم أربعة، وهم: ابن أبي يحيى في المدينة، والواقدي في بغداد، ومقاتل بن سليمان بخراسان، ومحمد بن سعيد بالشام.٧٤ وكثيرًا ما كان أولئك الوضاع يعترفون عند مسيس الحاجة بما اقترفوه، كما فعل ابن أبي العوجاء، وكان محدثًا في الكوفة فأمر أميرها — محمد بن سليمان بقتله سنة ١٥٣ﻫ فلما أيقن أنه مقتول قال: «والله لقد وضعت أربعة آلاف حديث حللت بها الحرام وحرمت الحلال، والله لقد فطرتكم يوم صومكم وصومتكم يوم فطركم»،٧٥ «ومنهم أحمد الجوبياري وابن عكاشة الكرماني وابن تميم الفريابي»، فقد ذكر سهل بن السري أنَّهم وضعوا من عند أنفسهم نحو عشرة آلاف حديث،٧٦ ولنحو هذا السبب نشأت الفروق بين أحاديث السنة والشيعة.
فلما هدأت الفتنة وعمد المسلمون إلى التحقيق، كانت تلك الموضوعات قد تكاثرت، فاشتغلوا في التفريق بينها وبين الصحيح، فألفوا كتبًا كثيرة في الحديث، وميزوا صحيحه من فاسده وجعلوه مراتب، ولهم في ذلك ألفاظ اصطلحوا عليها لهذه المراتب، كقولهم: الصحيح، والحسن، والضعيف، والمرسل، والمنقطع، والمعضل، والشاذ، والغريب، وغير ذلك من ألقابه المتداولة بينهم، وبينوا كيف يأخذ الرواة بعضهم عن بعض بقراءة أو كتابة أو مناولة أو إجازة وتفاوت رتبها.٧٧

إسناد الحديث

وترتب على أهمية الحديث في الدين والدنيا تعرضه للوضع والتحريف كما رأيت، فاحتاج إلى العناية في تحقيقه، ولم يكن ميسورًا في العصور الأولى إلا بالحفظ، والرجوع بالمحفوظ إلى المصدر الأصلي الذي أخذ عنه بالتسلسل وهو «الإسناد»، كأن يُقال: «حدثنا فلان، أو أخبرنا فلان، أو أملى عليَّ فلان ما هو كذا وكذا». فلما بعدت الرواية جعلوها متسلسلة فقالوا: «حدثنا فلان عن فلان أنه سمع فلانًا يقول كذا وكذا». وترتب على تصحيح ذلك وضبطه النظر في طبقات المحدثين للتفريق بين الثقات وغيرهم، فجعلوهم طبقات، ومنهم الصحابة، فالتابعون، فتابعو التابعين، فالعلماء البالغون إلى رتبة الاجتهاد، فالمشتغلون في جمع الأحاديث وحفظها، فالناقدون للأحاديث، فالشارحون وغيرهم،٧٨ وألفوا كتبًا كثيرة في طبقات المحدثين والرواة.
وكان أهل الأمصار يختلفون في طرق إسنادهم، فطريقة أهل الحجاز أعلى مما لسواهم وأمتن في الصحة، لاستبدادهم في شروط النقل من العدالة والضبط، وسند طريقة الحجاز بعد الصحابة الإمام مالك عالم المدينة المتوفى سنة ١٧٩ﻫ ثم أصحابه مثل الشافعي وابن حنبل وأمثالهم، ومالك أول من دون الحديث في كتاب الموطأ، رتبه على أبواب الفقه، وقيل إنَّ ابن جريج أول من ألَّف فيه، ثم عني الحفاظ في طرق الأحاديث وأسانيدها، وجاء محمد بن إسماعيل البخاري إمام المحدثين في عصره فخرج أحاديث السنة على أبوابها وألف كتابه «الصحيح»، ثم ألَّف مسلم بن الحجاج النيسابوري «المسند الصحيح» فسمي كتاباهما الصحيحين وصار مرجع الناس إليهما، ثم جاءت طبقة أخرى من المحدثين جمعوا بين هذين أو بينهما وبين الموطأ، فاجتمع من ذلك الكتب الستة المشهورة للمؤلفين الآتية أسماؤهم: وهم البخاري المتوفى سنة ٢٥٦ﻫ/٨٧٠م، ومسلم المتوفى بنيسابور سنة ٢٦١ﻫ/٨٧٥م، وأبو داود المتوفى بالبصرة سنة ٢٧٥ﻫ/٨٨٨م، والترمذي المتوفى بترمذ سنة ٢٧٩ﻫ/٨٩٢م، والنسائي توفي سنة ٣٠٣ﻫ/٩١٥م، والدارقطني المتوفى ببغداد سنة ٣٨٥ﻫ/٩٩٥م.٧٩

ولما صار الحديث علمًا مدونًا انصرفت العناية إلى الإسناد المتسلسل في تحقيق السماع، أي تعلم تلك الكتب أو بعضها، كأن يقول أحدهم: سمعت الحديث (أي تعلمته) من فلان وهو تعلمه من فلان إلى البخاري أو غيره.

وهاك تسلسل إسناد ابن خلِّكان في كيفية سماعه صحيح البخاري، قال:
سمعت صحيح البخاري بمدينة أربل في بعض شهور سنة إحدى وعشرين وستمائة، على الشيخ الصالح أبي جعفر محمد بن هبة الله بن المكرم بن عبد الله الصوفي، بحق سماعه في المدرسة النظامية ببغداد، من الشيخ أبي الوقت المذكور في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، بحق سماعه من أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن مظفر الداودي في ذي القعدة سنة خمس وستين وأربعمائة، بحق سماعه من أبي محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، بحق سماعه من أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف بن مطر الفربري سنة ست عشرة وثلاثمائة، بحق سماعه من مؤلفه الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، مرتين: إحداهما سنة ثمان وأربعين ومائتين، والثانية سنة اثنتين وخمسين ومائتين، رحمهم الله تعالى أجمعين.٨٠

وتطرق المسلمون في طريقة الإسناد من الحديث إلى غيره من العلوم النقلية كالتاريخ والأدب كما هو مشهور، وتتبعوا طريقة الإسناد المتسلسل في كثير من العلوم الإسلامية، مما لا يسبق له مثيل في البلاد الأخرى أو الأمم الأخرى، فهم إذا ذكروا عالِمًا في علم فيها، أسندوا تعلمه إلى أستاذه وأستاذ أستاذه إلى واضع ذلك العلم، كقول ابن خلِّكان في ترجمة فخر الدين ابن الخطيب إنَّه اشتغل في الأصول على والده ضياء الدين، ووالده على القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري، وهو على إمام الحرمين أبي المعالي، وهو على الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، وهو على الشيخ أبي الحسن الباهلي، وهو على شيخ السنة أبي الحسن الأشعري، وهو على أبي علي الجبائي أولًا ثم رجع عن مذهبه ونصر مذهب أهل السنة والجماعة.

عدد الأحاديث

لما تكاثرت الأحاديث للأسباب التي قدمناها أصبحت تعد بمئات الألوف، فقد ذكروا أنَّ أحمد بن حنبل روى مليون حديث، منها ١٥٠٠٠٠ بالأسانيد والمتون،٨١ وأن يحيى بن معين المري قال: كتبت بيدي ٦٠٠٠٠٠ حديث، قال راوي هذا الخبر: وأظن المحدثين كتبوا له بأيديهم ٦٠٠٠٠٠ و٦٠٠٠٠٠ وخلف من الكتب مائة قِمَطْرٍ،٨٢ وأنَّ مسلمًا صاحب المسند الصحيح استخرجه من ٣٠٠٠٠٠ حديث مسموعة،٨٣ وأنَّ الإمام البخاري قال: صنفت كتابي الصحيح من ٦٠٠٠٠٠ حديث،٨٤ وقس على ذلك مما يدل على كثرة فاحشة، أما الذي صح منها فإنَّه أقل كثيرًا، وبعضهم بالغ في الإقلال، وهم أصحاب الرأي، وشيخهم أبو حنيفة فلم يصح عنده إلا ١٧ حديثًا، ومالك صح عنده ٣٠٠ حديث، والبخاري اشتمل صحيحه على ٩٢٠٠ حديث منها ٣٠٠٠ مكررة، وأحمد بن حنبل في مسنده ٥٠٠٠٠ حديث،٨٥ وقس على ذلك.

(ﺟ) الفقه

مصدره

لما صار الإسلام دولة احتاج أمراؤه إلى ما يقضون به بين رعاياهم في أحوالهم الشخصية ومعاملاتهم المدنية، فرجعوا إلى القرآن والحديث، فاستخرجوا منهما شريعة نظموا بها حكومتهم وحكموا بها بين رعاياهم، وذلك طبيعي في الدول الكبرى، فاليونان قلَّما عنوا بوضع الشرائع والأحكام الدولية أو القضائية؛ لأنَّهم لم يكونوا أهل دولة كبرى إلا زمنًا قصيرًا فانصرفت قرائحهم إلى الفلسفة وفروعها، وأما الرّومان فقد اتسعت مملكتهم كما اتسعت مملكة العرب، وامتد سلطانهم وقويت شوكتهم فلم يكن لهم بد من وضع الشرائع، لكنها لم يتم نضجها عندهم إلا بعد تأسيس دولتهم ببضعة عشر قرنًا على يد جستنيان صاحب القانون المشهور سنة ٥٣٣م، وهي عبارة عن عادات واعتبارات واعتقادات تجمعت بتوالي الأحقاب من الشعب اللاتيني والصابني وغيرهما ممن دانوا لرومية بالتدريج حتى صارت شريعة كاملة على عهد جستنيان المذكور.

وأما المسلمون فإنَّهم استخرجوا أحكامهم من القرآن والحديث، وقد علمت ما كان لهم من العناية في حفظهما ودرسهما من أول الإسلام، ولذلك لم يمضِ على المسلمين قرنان والثالث حتى نضجت شريعتهم وتكون فقههم، وهو من أفضل شرائع العالم، وقد أسرعوا في ذلك مثل سرعتهم في تأسيس دولتهم ونشر دينهم.

قلنا إنَّ القرآن أساس الفقه الإسلامي، وكان المسلمون على عهد النبي يتلقون الأحكام منه وهو يبينها لهم شفاهًا، فلم يكن ذلك يحتاج إلى نظر أو قياس، فلَّما تُوفي رجع الصحابة إلى القرآن والسنة، فأصبح القراء أول فقهاء المسلمين أو حاملي شريعتهم، وكانوا يرجعون إليهم في الإفتاء والأحكام لقلة الذين يقرأون في الصدر الأول. فلما عظمت أمصار الإسلام وذهبت الأمية من العرب وكمل الفقه وأصبح صناعة، بدلوا باسم الفقهاء العلماء.

الفقهاء

فأول الفقهاء المسلمين الصحابة الأولون، وأولهم الخلفاء الراشدون، ثم عبد الرحمن بن عوف وأُبَيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت وسلمان الفارسي وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري،٨٦ ثم انتقلت الفتوى والفقه إلى التابعين واشتهر منهم سبعة في المدينة، وهم: سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن وقاسم وعبد الله وعروة وسليمان وخارجة، وقد جمعهم بعض العلماء في هذين البيتين:
ألا كل من لا يقتدي بأئمة
فقسمته ضيزى عن الحق خارجة
فخذهم: عبيدُ اللهِ، عروةُ، قاسمٌ
سعيدٌ، سليمانٌ، أبو بكرَ، خارجة٨٧
وبعض المؤرخين يحسبهم عشرة مع تبديل بعض الأسماء،٨٨ وعنهم انتقل الفقه والإفتاء في العالم الإسلامي.

وفي أوائل الإسلام كان الفقه والقراءة والتفسير والحديث علمًا واحدًا، ثم أخذت هذه العلوم تستقل بعضها عن بعض عملًا بناموس الارتقاء، فلما استقل الفقه سموا أصحابه الفقهاء كما تقدم، وكان لهم تأثير كبير في الدولة لما يترتب على الإفتاء من الأمور الهامة، كالعزل والتنصيب والقتل والعفو.

ففي أيام بني أمية كان المرجع في الفقه والإفتاء إلى أهل المدينة، فكان الخلفاء لا يقطعون أمرًا دونهم، وقد علمت مما فصلناه في الجزأين الماضيين من هذا الكتاب ما كان من تعصب بني أمية للعرب واحتقارهم غير العرب من المسلمين وغيرهم، وأهل المدينة مع تحيزهم لأهل البيت وإنكار الخلافة على بني أمية كان الأمويون يسعون في إرضائهم وإكرامهم، وخصوصًا أهل الورع من الخلفاء كعمر بن عبد العزيز فإنَّه كان لا يقطع أمرًا مهمًّا إلا بعد مشورتهم.

فلما أفضى الأمر إلى بني العباس، وأراد المنصور تصغير أمر العرب وإعظام أمر الفرس؛ لأنَّهم أنصارهم وأهل دولتهم، كان من جملة مساعيه في ذلك تحويل أنظار المسلمين عن الحرمين، فبنى بناء سماه القبة الخضراء حجًّا للناس، وقطع الميرة عن المدينة، وفقيه المدينة يومئذ الإمام مالك الشهير، فاستفتاه أهلها في أمر المنصور فأفتى لهم بخلع بيعته فخلعوها وبايعوا محمد بن عبد الله من آل علي، وعظم أمر محمد هذا وحاربه المنصور ولم يتغلب عليه إلا بعد العناء الشديد، فرجع أهل المدينة إلى بيعة المنصور قهرًا، وظل مالك مع ذلك ينكر حق البيعة لبني العباس، فعلم أمير المؤمنين يومئذ وهو جعفر بن سليمان عم المنصور بذلك، فغضب ودعا بمالك وجرده من ثيابه وضربه بالسياط وخلع كتفه.٨٩

الرأي والقياس

وكانت علوم القرآن قد انتشرت في العراق وفارس، ونبغ من أبنائهما من درس الفقه والفُتيا، ولكنهم ما زالوا عيالًا فيهما على أهل المدينة؛ لأنَّهم أوثق الناس بحفظ الحديث وقراءة القرآن، وكان الحديث قليلًا في العراق على الخصوص، وكان المسلمون غير العرب هناك أكثرهم الفرس، وهم أهل تمدن وعلم، فعمدوا إلى استخدام القياس العقلي في استخراج أحكام الفقه من القرآن والحديث، فخالفوا بذلك أهل المدينة؛ لأنَّهم كانوا شديدي التمسك بالتقليد، فكان من جملة مساعي المنصور في تصغير أمر المدينة وفقهائها، وخصوصًا مالك بعد أن أفتى بخلع بيعته، أنَّه نصر فقهاء العراق القائلين بالقياس، وكان كبيرهم يومئذ أبا حنيفة النعمان في الكوفة، فاستقدمه المنصور إلى بغداد وأكرمه وعزز مذهبه، وكان أبو حنيفة لا يُحب العرب ولا العربية، حتى أنَّه لم يكن يحسن الإعراب ولا يبالي به،٩٠ ولذلك كان الربيع حاجب المنصور يُقاومه؛ لأنَّ الربيع ينتسب إلى العرب وكان يكره الفرس، وابنه الفضل هو الذي سعى في قتل البرامكة.

فلما نصر المنصور أبا حنيفة وأصحابه، وهم المعروفون بأهل الرأي أو القياس، ازداد مالك تمسكًا برأيه وتبعه فقهاء الحجاز وهم أهل الحديث.

وانقسم الفقهاء إلى قسمين: أهل الحديث، وأهل الرأي، وزعيم الأول مالك وأنصاره من أهل الحجاز، وأصحاب الشافعي وأصحاب سفيان الثوري وأصحاب أحمد بن حنبل وغيرهم من أهل التقليد، وعرفوا بأصحاب الحديث؛ لأنَّ عنايتهم مبذولة في تحصيل الأحاديث ونقل الأخبار وبناء الأحكام على النصوص، ولا يرجعون إلى القياس الجلي أو الخفي ما وجدوا خبرًا أو أثرًا، ويدلك على شدة تمسكهم بذلك قول الشافعي: «إذا وجدتم لي مذهبًا ووجدتم خبرًا على خلاف مذهبي فاعلموا أن مذهبي ذلك الخبر».

وزعيم أصحاب الرأي أبو حنيفة النعمان وأصحابه فقهاء العراق، ومنهم محمد بن الحسن وأبو يوسف القاضي وزفر بن هذيل والحسن بن زياد وابن سماعة وأبو مطيع البلخي وعافية القاضي وغيرهم، وقد سُمُّوا أهل الرأي؛ لأنَّ عنايتهم اتجهت إلى تحصيل وجه القياس والمعنى المستنبط من الأحكام وبناء الأحكام عليها، وهم يقدمون القياس الجلي على آحاد الأخبار.٩١

وجاء بعد مالك من أصحاب مذهبه محمد بن إدريس المطلبي الشافعي، فرحل إلى العراق وخالط أصحاب أبي حنيفة وأخذ عنهم، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق واختص بمذهب خالف فيه مالكًا في كثير من مذهبه، ثم جاء بعده أحمد بن حنبل وكان من علية المحدثين، وقرأ أصحابه على أصحاب الإمام أبي حنيفة مع وفور بضاعتهم من الحديث فاختصوا بمذهب آخر، ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، وتولد منهم مذاهب الإسلام الأربعة وهي: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي.

وللفقه فروع وشروح يضيق المقام عنها هنا، فنترك الكلام فيها وفي غيرها من فروع العلم إلى تاريخ آداب اللغة العربية.

منزلة العلماء عند الخلفاء

يراد بالعلماء، في عرض الكلام عن العلوم الإسلامية، علماء الحديث والقرآن والفقه، وقد علمت ما كان من منزلة هذه العلوم في الخلافة، فلا عجب بعد ذلك إذا رأيت الخلفاء يكرمون الفقهاء وأصحاب الحديث والزهاد والعلماء، وقد رأيت أنَّ بني أمية كانوا يستشيرون فقهاء المدينة في الأمور الهامة.

وكثيرًا ما كان أهل التقوى من الخلفاء يسألون العلماء عن شروط العدل ليجروا عليه «كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري يسأله عن صفة الإمام العادل فأجاب جوابًا وافيًا،٩٢ فلما وصله الكتاب وقع منه بمواقع وعظه ومحل يقظه».
وقد يحمل ذلك على مبالغة هذا الخليفة (يريد عمر بن عبد العزيز) في التقوى والورع فما قولك بالمنصور المشهور بالشدة والحزم والدهاء، إذ دخل عليه عمرو بن عبيد بعد مبايعة المهدي فقال له المنصور: «يا أبا عثمان، هذا ابن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين» فقال عمرو: «أراك قد وطدت له الأمور وهي تصير إليه وأنت عنه مسئول» فاستعبر المنصور وقال: «عظني يا عمرو» فوعظه،٩٣ ولما مات عمرو رثاه المنصور بأبيات.٩٤
ناهيك بحكاية المنصور وهو يطوف بالكعبة ليلًا إذ سمع ذلك العابد يشكو ظهور البغي والفساد، ولما سأله المنصور عمن يعني صرح له أنَّه يعنيه هو وحكومته ووعظه عظة شديدة لم يستنكف المنصور من سماعها٩٥ وقس على ذلك عظات الأوزاعي وابن السماع وسفيان الثوري وشبيب بن شيبة للمنصور والمهدي والرشيد (راجع كتاب الثوري للرشيد في الجزء الثاني من هذا الكتاب).
وكثيرًا ما كان الواعظ يبكي الخلفاء؛ لأنَّهم كانوا يُجلّون العلماء ويكرمونهم، حتى تسابقوا إلى احترامهم بما لا يصدر إلا من خادم إلى مولاه، فقد صب الرشيد الماء على يدي أبي معاوية الضرير وهو يغسل.٩٦
وكان الإكرام في أول الأمر للفقهاء والمحدثين خاصة، ثم أطلق على أصحاب سائر العلوم الإسلامية كالنحاة واللغويين، فقد كان الرشيد يُجلس الكسائي ومحمد بن الحسن على كرسيين ويأمرهما ألا ينزعجا لنهضته،٩٧ ولما مات هذان في الري في يوم واحد قال الرشيد: «دفنت الفقه والعربية في الري».٩٨ وقد تنازع الأمين والمأمون ولدا الرشيد في حمل نعال أستاذهما الفراء وتقديمها إليه، حتى اصطلحا على أن يقدم كل منهما واحدة.٩٩
وإكرام الخلفاء للعلماء اقتضى إكرام العامة لهم، فلما تُوفي ابن حنبل مشى في جنازته ٨٠٠٠٠٠ رجل و٦٠٠٠٠ امرأة،١٠٠ وناهيك بهذا الإكرام، ولما سار أبو إسحاق الشيرازي من قبل الخليفة المقتدي إلى السلطان ملك شاه تنافس أهل البلاد في لقائه والتمسح بأطرافه والتماس البركة من ملبوسه ومركوبه.١٠١

(٢-٢) العلوم اللسانية

(أ) النحو

النحو بمعناه الحقيقي طبيعي على لسان كل متكلم يتلقنه من مرضعه؛ لأنَّ الإنسان يتعلم النحو وهو يتعلم النطق، إذ بدونه لا يُحسن التعبير عن أفكاره، أما إذا أراد أن يتعلم لسانًا غير لسانه فدرس قواعد النحو يسهل عليه تناوله، ولذلك فالأمة قد تقضي قرونًا متطاولة وهي تتكلم وتخطب وتنظم الشعر قبل أن تدوِّن قواعد النحو وتجعله علمًا، فاليونان لم يبدأوا بضبط قواعد لسانهم إلا في القرن الخامس قبل الميلاد، وأول من بدأ بذلك منهم بروتغوراس  Protogoras المتوفى سنة ٤١١ق.م فتكلَّم في المذكر والمؤنث وبعض الأسماء، ثم بروديكوس Prodichos وقد عاصره وتكلم في المترادفات، ثم جاء أرسطو وغيره وأتموا علم النحو اليوناني وله تاريخ يُشبه تاريخ النحو العربي، وكذلك فعل الرومان في نحو اللغة اللاتينية، فإنَّهم لم يدونوا قواعده إلا في القرن الأول قبل الميلاد في زمن بومبيوس، وقد دونه عالم اسمه ديونيسيوس تراكس D. Tarrax اقتداء باليونان.
فاليونان نبغ فيهم الشعراء والخطباء والأدباء والفلاسفة قبل تدوين قواعد النحو في لسانهم، فنظم هوميروس إلياذته وأوديسيته وهو لم يتعلم قواعد النحو فلم يضره ذلك شيئًا؛ لأنَّ اللغة كانت ملكة فيه، وألف أشيلوس  Aeschylos الروايات التمثيلية وسحر اليونان ببيانه، ونبغ الفلاسفة فريسيدس وأناكسيمندر وطاليس Tales وكتب هيرودوتس الرحالة تاريخه الشهير قبل وضع النحو، وكذلك الرومان فقد نبغ فيهم جماعة من الشعراء والخطباء والأدباء قبل تدوين النحو.

(ب) وضع النحو العربي وواضعه

وهكذا العرب فقد نظموا الشعر وألقوا الخطب وتناشدوا وتراسلوا قبل تدوين النحو؛ لأنَّ ملكة اللغة كانت طبيعية فيهم، على أنَّهم اضطروا إلى ضبط تلك القواعد وتدوينها بأسرع مما اضطر إليه اليونان والرومان، التماسًا للدقة في ضبط معاني القرآن، فلم يمضِ على دولتهم نصف قرن حتى شعروا بالحاجة إلى النحو، ويغلب على ظننا أنَّهم نسجوا في تبويبه على منوال السريان؛ لأنَّ السريان دونوا نحوهم وألفوا فيه الكتب في أواسط القرن الخامس للميلاد، وأول من باشر ذلك منهم الأسقف يعقوب الرهاوي المُلقب بمفسر الكتب المتوفى سنة ٤٦٠م،١٠٢ فالظاهر أنَّ العرب لمّا خالطوا السريان في العراق اطلعوا على آدابهم وفي جملتها النحو فأعجبهم، فلما اضطروا إلى تدوين نحوهم نسجوا على منواله؛ لأنَّ اللغتين شقيقتان. ويؤيد ذلك أنَّ العرب بدأوا بوضع النحو وهم في العراق بين السريان والكلدان، وأقسام الكلام في العربية هي نفس أقسامه في السريانية.
أما استعجال العرب في تدوين النحو فإنَّه تابع لاستعجالهم في الفتح ونشر الدين؛ لأنَّ الفتوح دعت إلى الاختلاط بالأعاجم، والاختلاط دعا إلى فساد اللغة فأصبح الناس يهملون الإعراب؛ لأنَّ العرب كانوا عند ظهور الإسلام يُعربون كلامهم على نحو ما في القرآن، إلا من خالطهم من الموالي والمتعربين فإنَّ هؤلاء كانوا حتى في أيام النبي يُخطئون الإعراب، وقد ذكروا رجلًا لحن بحضرة النبي فقال: «أرشدوا أخاكم فقد ضل». وقال أبو بكر: «لأن أقرأ فأسقط أحب إليَّ من أن أقرأ فألحن»،١٠٣ ولكن اللحن لم يكثر إلا بعد الفتوح وانتشار العرب في الآفاق، فتذمر العمال مما كانوا يسمعونه من اللحن وخصوصًا في قراءة القرآن، فأحسوا بحاجة شديدة إلى ضبط قواعد اللغة.
أما واضع علم النحو أو مدونه فهو بالإجماع أبو الأسود الدؤلي المتوفى سنة ٦٩ﻫ وكان من سادات التابعين، صحب علي بن أبي طالب وشهد معه واقعة صفين، ثم أقام في البصرة وكأنه تعلم لغة السريان أو اطلع على نحوها فرغب في النسج على منواله، فعرض ذلك على والي العراقين يومئذ زياد ابن أبيه فأبى،١٠٤ لأسباب تقدم بيانها، حتى إذا جاءه رجل يشكو إليه أمرًا فسمعه يقول: «أصلح الله الأمير، توفي أبانا وخلَّف لنا بنون» فاستنكف زياد من سماع ذلك اللحن فبعث إلى أبي الأسود أن يضع ما كان قد نهاه عنه.

وقيل بل السبب في وضعه أنَّ بنت خويلد الأسدي دخلت على معاوية وقالت: «إنَّ أبوي ماتا وتركا لي مالًا» (بالإمالة) وبلغ ذلك عليًّا فرسم لأبي الأسود باب «إنَّ» وباب الإضافة وباب الإمالة، ثم سمع أبو الأسود رجلًا يقرأ: أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ بخفض رسوله، فصنف باب العطف والنعت، ثم إنَّ بنته قالت له يومًا: «يا أبتِ مَا أَحْسَنُ السَّماءِ» على طريق الاستفهام، فقال: «نُجومها». فقالت: «إنَّما أتعجب من حسنها». فقال: «قولي: ما أحسنَ السماءَ … افتحي فاك».

وقالت له يومًا: «ما أشدّ الحرّ» على لفظ الاستفهام على نحو ما جرى في الجملة الماضية، فصنف باب التعجب.١٠٥
واختلف المؤرخون في هذه الروايات وذكروا غيرها، ولكن الفحوى واحد، فهم مجمعون على أنَّ أبا الأسود وضع النحو لمثل الأسباب التي قدمناها، وهو يقول إنَّه تلقى ذلك عن علي بن أبي طالب، فَوَضْع علم النحو أو الشروع فيه على الأقل ثابت لأبي الأسود، ويؤيد ذلك ما ذكره ابن النديم صاحب الفهرست مما شاهده بعينه في عرض كلامه في خزانة كتب أطلعه عليها أحد جماعي الكتب، فكان في جملة ما فيها قمطر كبير فيه نحو ٣٠٠ رطل جلود فلجان وصكاك وقرطاس مصري وورق صيني وورق تهامي وجلود آدم وورق خراساني، وبينها أربعة أوراق قال: «أحسبها من ورق الصين، ترجمتها: هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود رحمة الله عليه، بخط يحيى بن يعمر، وتحت هذا الخط بخط عتيق: هذا خط علان النحوي، وتحته: هذا خط النضر بن شميل، ثم لما مات هذا الرجل فقدنا القطمر».١٠٦

على أنَّ ما وضعه أبو الأسود من القواعد لم يكن ليسد الحاجة المستعجلة لضبط القراءة، فعمد إلى ضبطها بعلامات يتميز بها المنصوب من المرفوع، أو الفعل من الاسم، فوضع علامات كانت عند السريان يدلون بها على الرفع والنصب والجر، أو يميزون بها الفعل من الاسم، كما تقدم في كلامنا عن تاريخ الخط العربي.

فالعرب كانوا يعرفون الإعراب قبل علم النحو، كما كانوا يحسنون النظم قبل علم العروض، وكان ذلك ملكة طبيعية فيهم، حتى اختلطوا بالأعاجم، وأسلم هؤلاء وليس فيهم ملكة اللغة ليفهموا القرآن، فاضطروا إلى ضبطها وكانوا أكثر المسلمين اشتغالًا في ذلك، بدأ بعلم النحو أبو الأسود وأتمه من جاء بعده من أهل البصرة والكوفة، وأول من أخذ عنه عنبسة بن معدان المهري، وأخذ عن هذا ميمون الأقرن، وأخذ عنه عبد الله الحضرمي، وأخذ عنه عيسى بن عمر، وأخذ عنه الخليل بن أحمد إمام علم العروض واللغة، ومنه أخذ سيبويه إمام علم النحو،١٠٧ فتنوقل النحو في هؤلاء من الواحد إلى الآخر، وهو ينمو ويرتقي عملًا بناموس الارتقاء، وألفوا فيه الكتب لكنه نضج في أيام سيبويه (توفي سنة ١٨٠ﻫ) فألف فيه كتابه الشهير، وأصبح كل من ألف في النحو عيالًا عليه وعلى كتاب العين الآتي ذكره.

وكانوا إذا قالوا: «الكتاب» أرادوا كتاب سيبويه، وكان الناس يتهادونه كأفخر التحف.

(ﺟ) الأدب واللغة

لما أخذ المسلمون في تفسير القرآن احتاجوا إلى ضبط معاني ألفاظه وتفهم أساليب عباراته، فجرهم ذلك إلى البحث في أساليب العرب وأقوالهم وأشعارهم وأمثالهم، ولا يكون ذلك سالمًا من العجمة أو الفساد إلا إذا أخذ عن عرب البادية الذين كانت قريش في الجاهلية تتخير من ألفاظهم وأساليبهم، فعني جماعة كبيرة من المسلمين بالرحلة إلى بادية العرب والتقاط الأشعار والأمثال وسؤال العرب عن معاني الألفاظ وأساليب التعبير، وسموا الاشتغال بذلك مع ما يتبعه من صرف ونحو وبلاغة بعلم الأدب.

والقبائل التي نقلوا عنها العربية: قيس وتميم وأسد، وعن هذه القبائل الثلاث أكثر ما أخذ من اللغة، وعليها عول الناقلون في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم قبيلة هذيل وبعض كنانة وبعض طيء، ولم يُؤخذ من غيرهم من سائر القبائل ولا أخذوا شيئًا عن الحضر ولا من البدو الذين كانوا يسكنون البراري المجاورة للأمم الأخرى، فلم يأخذوا من لخم وجذام لمجاورتهما أهل مصر، ولا من قضاعة وغسان وإياد لمجاورتهم أهل الشام وأكثرهم نصارى يقرأون العبرانية والسريانية، ولا من بكر لمجاورتهم النبط والفرس، ولا من عبد القيس وأزد عمان؛ لأنَّهم كانوا بالبحرين يُخالطون الهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم الهند والحبشة، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة ولا من ثقيف وأهل الطائف لمخالطتهم تجار اليمن، ولا من حاضرة الحجاز لأنَّ الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب وقد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم، والذين نقلوا اللغة وأساليبها عن القبائل المذكورة وأثبتوها في الكتب وصيروها علمًا هم أهل البصرة والكوفة فقط،١٠٨ وكان أكثر المشتغلين في جمع اللغة وآدابها العجم لحاجتهم إلى ذلك أكثر من العرب.

علماء الأدب بالبصرة والكوفة

ومن أقدم المشتغلين في جمع اللغة والأدب وأوسعهم حفظًا ورواية أبو عمرو بن العلاء التميمي المتوفى بالكوفة سنة ١٥٤ﻫ، وهو من مواليد مكة، وكانت كتبه عن العرب الفصحاء تملأ بيته إلى قريب السقف،١٠٩ وقال مع ذلك: «ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير».
ونبغ في العراق جماعة كبيرة من طلاب الأدب واللغة في القرن الثاني للهجرة، أشهرهم أربعة في عصر واحد، وهم: أبو زيد، وأبو عبيدة، والأصمعي، والخليل. وكان العلم كله عندهم، والثلاثة الأول أخذوا عن أبي عمرو المذكور اللغة والنحو والشعر والقراءة.١١٠

فأبو زيد كان من الأنصار تُوفّي سنة ٢١٤ﻫ، وهو من رواة الحديث ثقة في اللغة وأخذ عنه سيبويه، وأبو عبيدة كان أعلم الجميع بأيام العرب وأخبارهم وأجمعهم لعلومهم، ومن أقواله: «ما التقى فرسان في جاهلية أو إسلام إلا عرفتهما وعرفت فارسيهما» توفي سنة ٢٠٩ﻫ، والأصمعي غلبت عليه اللغة وحفظ الشعر ونقده، توفي سنة ٢١٣ﻫ.

وأما الخليل بن أحمد المتوفى سنة ١٧٠ فإنَّه أسبقهم جميعًا وقد لقبوه بسيد علم الأدب؛ لأنَّه أول من دون اللغة على حروف المعجم في كتابه المشهور بكتاب العين، سماه بذلك لأنَّه رتبه على الحروف باعتبار مخارجها: من الحلق، فاللسان، فالأسنان، فالشفتين. وبدأ بحرف العين، وهاك ترتيبه: ع ح ﻫ خ غ ق ك ج ش ص ض س ر ط د ت ظ ذ ث ز ل ن ف م و ا ي. فكأن الخليل حذا بذلك حذو الهنود في ترتيب حروف لغتهم السنسكريتية، فإنهم يبدأون بأحرف الحلق حتى ينتهوا إلى الأحرف الشفوية.١١١
وكان من عادات العرب أن يُسمّوا الكتاب بأول لفظ من ألفاظه، ككتاب الجيم للهروي وهو كتاب رتبه على حروف المعجم بدأ به بحرف الجيم،١١٢ وكتاب الجيم لأبي عمرو الشيباني،١١٣ ومن هذا القبيل كتاب الغين في الحروف، وكتاب الميم ونحوهما، ويُستفاد من ملاحظة ترتيب الحروف في كتاب العين أنَّ الجيم كانوا يتلفظون بها كالكاف الفارسية، وأنَّ كثيرًا من الأحرف تختلف عما تُنطق به الآن.

وكان الحفاظ والرواة يُدققون فيما يأخذونه عن العرب من شعر أو مثل أو غير ذلك، وما يسمعونه من معانيها؛ لأنَّ عليها يتوقف تفسير القرآن.

فإنَّهم اتبعوا في نقل اللغة طريقة الإسناد المتسلسل، كما كانوا يفعلون في رواية الحديث، وعني الناس بحفظها مثل عنايتهم بحفظه، لاعتبارهم أنَّ ناقل اللغة يجب أن يكون عدلًا كما يشترط في ناقل الحديث؛ لأنَّها واسطة تفسيره وتأويله، على أنَّهم لم يستطيعوا ذلك تمامًا.

وازدهرت علوم الأدب في القرن الثاني وبعض الثالث الهجريين في البصرة والكوفة، ونبغ فيهما النحاة والرواة والحفاظ والأدباء والشعراء، والبصرة متقدمة في ذلك، وأهل الكوفة يأخذون عن أهل البصرة، وهؤلاء يستنكفون أن يأخذوا عن أهل الكوفة لاعتقادهم أنَّهم غير محققين، ولم يعلم أنَّ أحدًا من البصريين أخذ عن أهل الكوفة إلا أبو زيد الأنصاري،١١٤ على أنَّ الشعر كان في الكوفة أكثر وأجمع منه في البصرة، ولكن كثيرًا منه مصنوع، وأشهر علماء الكوفة الكسائي١١٥ المتوفى سنة ١٨٢ﻫ يليه في النحو تلميذه الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ﻫ وعلي الأحمر اللحياني وغيره، كما اشتهر في البصرة سيبويه ومن ذكرناهم من النحاة وأهل الأدب.

علماء الأدب في بغداد

وما زال هذان المصران مصدر العلوم الإسلامية حتى بنيت بغداد وانتقل العلم إليها، وغلب ورود أهل الكوفة إلى بغداد لقربهم منها، وكان العباسيون يكرمونهم؛ لأنَّهم نصروهم لمَّا قاموا لطلب الخلافة، فقدمهم الخلفاء على أهل البصرة واستقدموهم إليهم ووسعوا لهم، ورغب الناس في الروايات الشاذة وتفاخروا بالنَّوادر، وتباهوا بالترخيصات وتركوا الأصول واعتمدوا على الفروع، واشتهر منهم في عصر الفراء عبد الله بن سعيد الأموي، وأبو الحسن الأخفش الكوفي، وأبو عكرمة الضبي، وأبو عمرو الشيباني وغيرهم.

وآل الأمر بعد نضج علم الأدب في العصر العباسي إلى أربعة هم أركانه وأعمدته، دونوا علمهم في كتب شهيرة هي:
  • (١)

    كتاب أدب الكاتب لابن قتيبة.

  • (٢)

    كتاب الكامل للمبرد.

  • (٣)

    البيان والتبيين للجاحظ.

  • (٤)

    كتاب النوادر للقالي.

وهذه الكتب هي مصادر علم الأدب عند العرب إلى الآن، وأكثر ما أُلِّف بعدها نقل عنها.١١٦

ولما قدَّم العباسيون أهل الكوفة ارتقوا في عين أنفسهم وأرادوا مسابقة أهل البصرة ومفاخرتهم، فقامت المجادلات بين البلدين في مسائل كثيرة في النحو والأدب واللغة، أشهرها مسألة الزنبور والنحلة التي انتشبت نارها بين سيبويه من البصرة والكسائي من الكوفة. وكان الكسائي يُعلِّم الأمين ابن الرشيد، فكان الأمين ينصره كأن على انتصار أحد النحويين يتوقف انتصار أهل بلده جميعًا، ولا بأس من إيراد خلاصة المسألة ليظهر مقدار اهتمام الخلفاء بالمسائل العلمية.

وذلك أنَّ الكسائي كان مُقيمًا في بغداد يُعلِّم الأمين، واتفق أنَّ سيبويه قدم إليها من البصرة، فجمع الأمين بينهما في مجلس فتناظرا في أمور كثيرة من جملتها مسألة الزنبور، فذكر الكسائي من أمثال العرب مثلًا رواه على هذه الصورة: «كنت أظن الزنبور أشد لسعًا من النحلة فإذا هو إياها» فقال سيبويه: «ليس المثل كذلك، بل: فإذا هو هي» وتحاورا طويلًا، واتفقا على مراجعة عربي خالص لا يشوب كلامه شيء من كلام أهل الحضر. وكان الأمين شديد العناية بالكسائي لكونه معلمه فاستدعى عربيًّا وسأله، فقال كما قال سيبويه، فقال له: «نريد أن تقول كما قال الكسائي» فقال: «لساني لا يُطاوعني على ذلك فإنَّه ما يسبق إلا إلى الصواب» فقرروا معه أنَّ شخصًا يقول: «قال سيبويه كذا، وقال الكسائي كذا فالصواب مع من منهما؟» فيقول العربي: «مع الكسائي» فقال: «هذا يمكن». ثم عقد لهما المجلس واجتمع أئمة هذا الشأن، وحضر العربي وقيل له ذلك فقال: «الصواب مع الكسائي وهو كلام العرب» فعلم سيبويه أنَّهم تحاملوا عليه وتعصبوا للكسائي، فخرج من بغداد وقد حمل في نفسه لما جرى عليه وقصد بلاد فارس.

ويدل ذلك على عناية أهل الدولة بالمسائل الأدبية، وإن كانت في الواقع لا تخلو من غرض سياسي، على أنَّهم كانوا يهتمون بالآداب من أيام بني أمية، فقد ذكروا أنَّ عبد الملك بن مروان كان يعقد المجالس للمذاكرة، فقال مرة لبعض أهل مسامرته: «أيكم يأتيني بحروف المعجم في بدنه؟» أراد أن يُعدد أعضاء بدنه فيذكر عضوًا أوله حرف الألف ثم عضوًا أوله حرف الباء وهكذا إلى الياء، فقام سويد بن غفلة فعدها، فقام أحد الحاضرين فعدها في جسد الإنسان مرتين١١٧ فأجاز الاثنين.

وكانت علوم اللغة في أول أمرها مشتركة مختلطة، ثم تميزت وتشعبت فصارت علومًا عديدة، كل منها مستقل عن الآخر، كالنحو والصرف واللغة والمعاني والبيان والاشتقاق والعروض والقوافي وأخبار العرب وأمثالهم والجدل وغيرها، وقد يطلقون عليها علم الأدب، ولكل منها تاريخ وشروح هي من شأن تاريخ آداب اللغة.

(د) بلاغة الإنشاء

البلاغة في الإنشاء مما اقتضاه القرآن؛ لأنَّه مثال البلاغة والفصاحة عند العرب، يتخذونه نموذجًا في خطبهم ورسائلهم وإنشائهم، وإذا لم يقصدوا إلى الاقتباس منه عمدًا فشيوع حفظه بينهم أكسبهم ملكة البلاغة، مع ما كانوا فيه من أسباب الحماسة والأنفة في إبان دولتهم، فدخلت لغة العرب بعد الإسلام في طور جديد من البلاغة والفصاحة، ظهر في عبارتها على اختلاف طرق تأديتها خطابة أو كتابة، أمَّا بلاغة الخطابة فسيأتي الكلام عليها، وأما الكتابة فينظر فيها من عدة وجوه ترجع إلى كتابة الرسائل وكتابة الكتب.

إنشاء الرسائل

فالرسائل كانت عبارتها عندهم مثل عبارة الخطابة، من حيث التفنن في أساليب الخيال بالتهديد أو الوعيد أو النصح أو الاستنهاض أو الاستعطاف أو نحو ذلك من المعاني، وكانوا في أوائل الإسلام يتوخون الاختصار فيها على قدر الإمكان، عملًا بالحديث القائل: «أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا». فكانوا يجمعون المعنى الكبير في اللفظ القليل، حتى تكاد ترى المعنى مجردًا من اللفظ، وكان لتلك الرسائل تأثير مثل تأثير الخطب البليغة، كأنَّهم استعاضوا بعد زمن الفتح ببلغاء الكتَّاب عن بلغاء الخطباء.

ومن أمثلة الرسائل المختصرة البليغة أنَّ عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص أمير مصر، وكان الحجاز في ضنك عام الرمادة: «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك، أما بعد فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك أن أهلك أنا ومن معي … فيا غوثاه ثم يا غوثاه!» فكتب إليه عمرو: «لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عبد الله عمرو بن العاص، أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك! وقد بعثت إليك بِعيرٍ أولها عندك وآخرها عندي، والسلام عليك ورحمة الله».

ومن أمثلة تأثير المكاتبة البليغة أنَّ عبد الملك بن مروان بنى بابًا في بيت المقدس باسمه، وأمر الحجاج فبنى بابًا باسمه هو، فاتفق أنَّ صاعقة وقعت فاحترق بها باب عبد الملك فقط، فعظم ذلك عليه وتشاءم منه فكتب الحجاج إليه: «بلغني أنَّ نارًا نزلت من السماء فأحرقت باب أمير المؤمنين ولم تحرق باب الحجاج، وما مثلنا في ذلك إلا كمثل ابني آدم إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر» فسُرِّي عن عبد الملك بذلك.

وكان الخلفاء يختارون كتَّابهم من البلغاء، ويتوخون جهدهم في الاختصار مع البلاغة، ومن أمثلة ذلك أنَّ المأمون استكتب كاتبه عمرو بن مسعدة كتابًا إلى بعض العمال بالوصية عليه والاعتناء بأمره فكتب: «كتابي إليك كتاب واثق بمن كتب إليه، معني بمن كتب له، ولن يضيع حامله بين الثقة والعناية».

وكثيرًا ما كانوا يُجيبون على الكتاب بعبارة مختصرة، وخصوصًا إذا أرادوا التهديد أو نحوه، كما أجاب الرشيد نقفور ملك الروم، وكان قد كتب إليه ينذره بقطع ما كان يحمله الروم إلى بغداد من الأموال، ويطلب إليه إرجاع ما كان قد قبضه منها إلى أن قال: «وافتد نفسك بما تقع به المصادرة، وإلا فالسيف بيننا وبينك». فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب، فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب بعد البسملة: «قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تسمعه!» وأجاب مثل ذلك الجواب يوسف بن تاشفين للأذفونش ملك الإفرنج لما هدده بكتاب، فكتب يوسف على ظهر الكتاب: «الذي يكون ستراه».

التوقيعات

ويعد من هذا القبيل أيضًا التوقيعات، وهي ما كان يوقعه الخلفاء على ما يرفع إليهم من القصص بما يُشبه (التأشير) في دواوين هذه الأيام، وكانوا يتفننون في التوقيع تفننًا بديعًا، ويغلب أن يجعلوا أجوبتهم آيات من القرآن، أو جملًا من الحديث، أو أشعارًا مشهورة. ومن أمثلة ذلك أن سعد بن أبي وقاص كتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في بنيان يبنيه، فوقع عمر في أسفل الكتاب: «ابنِ ما يُكِنُّك من الهواجر وأذى المطر». ووقع عثمان بن عفان في قصة قوم تظلموا من مروان بن الحكم وذكروا أنَّه أمر بوجأ أعناقهم: «فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون». وكتب سلمان الفارسي إلى علي بن أبي طالب يسأله كيف يُحاسَب الناس يوم القيامة، فوقع على جوابه: «يُحاسبون كما يُرزقون».

وكتب عبد الله بن عامر إلى معاوية في أمر يُعاتبه فيه، فوقع في أسفل الكتاب: «بيت أمية في الجاهلية أشرف من بيت حبيب في الإسلام، فأنت تراه». وكتب إليه ربيعة بن عسل اليربوعي يسأله أن يعينه في بناء داره بالبصرة باثني عشر ألف جذع، فوقع في أسفل الكتاب: «أدارك في البصرة أم البصرة في دارك؟!» وكتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يُخبره بسوء طاعة أهل العراق وما يُقاسي منهم، ويستأذنه في قتل أشرافهم، فوقع له: «إن من يُمن السائس أن يتألف به المختلفون، ومن شؤمه أن يختلف به المتألِّفون». ووقع عبد الملك في كتاب ابن الأشعث:

فما بال من أسعى لأجبر عظمه
حفاظًا وينوي من سفاهته كسري
ووقع عمر بن عبد العزيز إلى عامل شكاه النَّاس: «كثر شاكوك وقل شاكروك، فإما اعتدلت وإما اعتزلت، والسلام»،١١٨ وكتب إليه بعض عماله يستأذنه في بناء مدينة فوقع على الكتاب: «ابنها بالعدل ونق طرقها من الظلم».

•••

وقس على ذلك سائر توقيعات بني أمية وبني العباس، وهي كثيرة وكلها بليغة، كتوقيع المهدي لعامله على خراسان لأمر جاء عنه: «أنا ساهر وأنت نائم …» وتوقيع الرشيد إلى عامله على مصر: «احذر أن تخرب خزانتي وخزانة أخي يوسف، فيأتيك من لا قبل لك به ومن الله أكثر منه». وتوقيع المأمون إلى ابن هشام في أمر تظلم فيه: «من علامة الشريف أن يظلم من فوقه ويظلمه من تحته، فأي الرجلين أنت؟»

وكان الأمراء والوزراء أيضًا يوقعون مثل توقيعات الخلفاء فيما يرفع إليهم من القصص، فتظلم أحدهم إلى زياد بن أبيه من بعض عماله بكتاب فوقع له: «أنا معك». ووقع الحجاج في كتاب أتاه من صاحب الكوفة يُخبره بسوء طاعة أهلها وما يُقاسي من مداراتهم: «ما ظنك بقوم قتلوا من كانوا يعبدونه؟!» ووقع جعفر بن يحيى في قضية محبوس: «ولكل أجل كتاب». ووقع لآخر: «الجناية حبسته والتوبة تطلقه». وقد اقتبس العرب التوقيع على هذه الصورة من الفرس؛ لأنهم سبقوهم إلى ذلك.

وما زال الاختصار عمدة البلاغة في رسائلهم ومكاتباتهم، حتى تحضروا واختلطوا بالفرس بالمصاهرة والمعاشرة فاقتبسوا منهم التفخيم والمبالغة والتوسع، وقد بدأوا بذلك من أوائل القرن الثاني للهجرة، وأول من أطال الرسائل واستعمل التحميدات في فصول الكتب وفتق أكمام البلاغة عبد الحميد الكاتب المشهور المتوفى سنة ١٣٢ﻫ، وهو من أهل الشام١١٩ غير عربي. وسار الكتاب بعده على خطته وقلدوه وتوسعوا في طريقته، فنبغ جماعة من مشاهير البلغاء فيهم الوزراء والأمراء وأكثرهم من غير العرب، ومنهم يحيى بن خالد البرمكي فارسي، والفضل بن الربيع من الموالي، والفضل بن سهل فارسي، والصاحب بن عباد من الطالقان، وابن العميد المتوفى سنة ٣٦٠ﻫ وهو من أهل خراسان، وعماد الدين الكاتب المتوفى سنة ٥٩٧ﻫ من أهل أصبهان وهو أكثرهم توسعًا وإطنابًا.

إنشاء الكتب

ونريد بها الكتب المؤلفة في الموضوعات الأدبية أو العلمية أو التاريخية أو نحوها، وهي تختلف بلاغة وفصاحة باختلاف موضوعاتها، وكتب الأدب أحوج إلى البلاغة لما تقتضيه الموضوعات الأدبية من التخيلات الشعرية والكنايات ونحوها، والغالب في كُتَّاب الأدب أن يُطالعوا آداب العرب ويُخالطوهم ويحفظوا أساليبهم في أشعارهم وخطبهم وأقوالهم، فتحصل فيهم ملكة البلاغة العالية، ولذلك كان الفقهاء وأهل العلوم الطبيعية قاصرين في البلاغة لاستغناء هذه العلوم عن الخيال، فيتعودون التعبير بعبارات بسيطة بعيدة عن أساليب الأدباء، وإذا حاولوا الكتابة في الأدب أو نظم الشعر جاء كلامهم ضعيفًا ركيكًا.

فلغة الكتاب، قبل انتشار الفقه ونقل العلوم الطبيعية إلى العربية، كانت أقرب إلى البلاغة مما صارت إليه بعد ذلك؛ لأنَّها كانت مصوغة على مثال القرآن وهو عنوان البلاغة، لكنَّه أقرب إلى التعبير الشعري منه إلى الكلام المرسل، فالذين حذوا حذوه في صدر الإسلام أجادوا في الخطب والمراسلات؛ لافتقارها إلى ذلك الأسلوب بما فيه من أسباب التأثير في النفوس، فلمَّا أقدم المُسلمون على تأليف الكُتب، وكان معظم المؤلفين من الفرس اصطبغت بلاغة العربية بشيء من أسلوب الفرس فنشأ عنها الكلام المرسل المتناسق، وأحسن أمثلته عبارة ابن المقفع في كتاب كليلة ودمنة، فإنَّها لا تزال عنوان البلاغة والسهولة إلى هذا اليوم.

ابن المقفع

كان ابن المقفع عريقًا في الفارسية عالمًا بآدابها متمكنًا من أساليبها؛ لأنَّها لغته ولغة آبائه، وكان يعرف اللغتين الفهلوية واليونانية، وقد نشأ في البصرة في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة وهي حافلة بالأدباء والشعراء، فبرع في اللغة العربية وآدابها، وكان سليم الذوق ذا قريحة إنشائية، فلمَّا أقدم على نقل كتاب كليلة ودمنة من الفارسية إلى العربية جاءت عبارته شاملة للبلاغة والسهولة، وقد سار على نهجه من جاء بعده؛ لأنَّه أقدم من حفظ إنشاؤه في الموضوعات الأدبية باللغة العربية (توفي سنة ١٤٣ﻫ).

على أنَّ سائر كُتَّاب الأدب نحو ذلك العصر قلما أنشأوا شيئًا من عند أنفسهم؛ لأنَّ أكثر ما كانوا يكتبونه قطعٌ كانوا يروونها عن أهل البادية أو عن بلغاء الخطباء بنصها، وربما وصلوا بينها بفقرات لا تتجاوز قولهم: حدثنا فلان، أو أخبرنا فلان، أو خطب فلان فقال كذا وكذا، وكتب فلان إلى فلان كذا وكذا، مما لا يعد من قبيل الإنشاء المرسل، حتى ما كتبه أركان علم الأدب في أواسط القرن الثالث للهجرة، كالجاحظ والمبرد وابن قتيبة وغيرهم، فإنَّ كتبهم عبارة عن قطع من أقوال العرب أو مروياتهم منقولة بالإسناد إلى أصحابها، وشأنهم في ذلك شأن كُتَّاب المغازي والفتوح والسير والأخبار والأشعار، كحماد والأصمعي وأبي عبيدة ومحمد بن إسحاق، فإنَّهم كانوا يقولون ويسندون أقوالهم إلى الرواة، وأكثرهم من أهل البادية. ويُقال نحو ذلك فيما جمع بين هذه الفنون، ككتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني وغيرهما، فإنَّها عبارة عن أخبار مُسندة إلى أصحابها، ويندر فيها الكلام المرسل من عند المؤلف.

فكتاب كليلة ودمنة أقدم ما وصل إلينا من الإنشاء المرسل من لغة رجل واحد، وهو عالم من علماء الفرس وقد نقل الكتاب عن لغة الفرس، ونظرًا إلى ما يمتاز به الكتاب المذكور من السهولة والرشاقة عن سائر ما كُتِب في عصره أو ما بعده من كُتُب الأدب، يغلب على ظننا أنَّه اكتسب ذلك من تأثير أساليب اللغات الأخرى التي كان يعرفها الكاتب، أو لاقتدار خاص في الكاتب نفسه على مثل ذلك الأسلوب، وقد قلَّ من جاء بمثله بعده ولم يأت أحد بأحسن منه، مع ما بلغ إليه العلم من الرُّقي في العصر العباسي وما نبغ فيه من علية الكُتَّاب المشاهير، مما يدلك على أنَّ الإنشاء قريحة خاصة مثل قريحة الشعر لا تتقيد بالزمان أو المكان إلا قليلًا.

وما زالت الكتب تُؤلَّف بالإسناد والرواية، حتى كثرت المؤلفات العربية في كل فن أو علم، وعمد الكتاب إلى التلخيص والاختصار في القرن السادس أو السابع، فأخذوا يحذفون الأسانيد أو يختصرونها إلا لأسباب خاصة كما سترى في باب التاريخ.

السجع

ولما نضج التمدن الإسلامي وكثر فيه الأدباء والشعراء، وأصبح الشعر شائعًا على ألسنة الناس على اختلاف طبقاتهم، وكثر تمثلهم به وتناشدهم إياه، أَلِفَ النَّاس التلذذ برنة القافية، فاستحسنوا إدخالها أولًا في المراسلات وهو التسجيع، وقد كان في أول أمره مقبولًا لقلته وحسن وقعه، حتى أدخلوه في الكتب وكتبوا به المقامات في أواخر القرن الرابع، وأول من فعل ذلك بديع الزمان الهمذاني المتوفى سنة ٣٩٨ﻫ ولعله اقتبس نسقها من أحمد بن فارس الرازي المتوفى سنة ٣٩٠ ﻫ،١٢٠ وعلى منواله نسج الحريري ولكنَّه تباعد عن السهولة والطلاوة، وشاعت هذه المقامات واستحسنها الناس فزادتهم رغبة في الأسجاع، فتكاثر التسجيع في القرون الإسلامية الوسطى حتى مجته الأسماع وعاد إلى نحو ما كان عليه في أيام الكهان.

والتسجيع في الكتب أنبى على السمع مما في الرسائل، وخصوصًا فيما لا يحتاج إلى تنميق أو إطناب أو رنة أو خيال ككتب التاريخ والعلم، فمن يطالع كتاب قلائد العقيان للفتح بن خاقان المتوفى سنة ٥٣٥ﻫ، أو الفتح القسي في الفتح القدسي لعماد الدين الأصبهاني المتقدم ذكره، أو تاريخ آل سلجوق لعماد الدين أيضًا؛ يرَ ثقل الأسجاع على الأسماع في التاريخ وإن حسنت أحيانًا في الرسائل والخطب.

على أنَّ معظم مشاهير الكُتَّاب في كل العصور لم يكتبوا إلا مرسلًا، وقد أجادوا كابن خلدون وابن الأثير والمسعودي وغيرهم، وقد كتب غير واحد منهم في تقبيح السجع حتى في المراسلات، ونسبوا ذلك إلى ضعف ملكة الإنشاء.١٢١

(٢-٣) التاريخ والجغرافية

(أ) التاريخ

بقي الإنسان أحقابًا لم يُدوِّن فيها التاريخ؛ لأنَّه لم يكن يعرف الكتابة، ولأنَّ أحواله لم تكن تستدعي التدوين لسذاجتها، مع انصراف همه في تلك العصور إلى ضروريات الحياة، على أنَّه ما لبث أن أُصيب بطوارق الحدثان، فحفظ أكثرها تأثيرًا في أحوال معائشه، كالطوفان والقحط والحرب ونحوها، وتنوقلت تلك الأخبار في أعقابه أدهارًا، وهي تتعاظم وتتكيف على ما تطلبه طبيعة الإنسان من التلذذ باستماع الغريب، واجتهاد الراوي في التأثير على السامع بما يلقيه من الأخبار المنمقة المستغربة، فوصلت أخبار الأوائل إلى زمن التاريخ وهي أشبه بالخرافات منها بالحقائق، واتخذ بعضها وجهة دينية، والبعض الآخر وجهة حماسية، واصطبغ بعضها صبغة شعرية أو خيالية، ويختلف ذلك باختلاف الأمم والعصور، فنشأ من ذلك كله ما يُعرف بالخرافات القديمة، كالميثولوجيا اليونانية في الإلياذة، وأخبار الهنود في المهابهارتة، وأخبار الفرس القدماء في الشاهنامة، وأخبار القبائل البائدة التي كان العرب يتناقلونها، فإن ما ينسبونه إلى عاد وثمود وطسم وجديس من الحوادث المستغربة لا يخلو من أصل تاريخي تعاظم وتضاعف على مر الأيام، وكذلك حديث سيل العرم وبلقيس وغيرهما.

ويلي ذلك طبقة من الأخبار أقرب إلى التاريخ من تلك، كالمهاجرات القديمة والحروب القديمة، ومنها أيام العرب وحروبهم قبل الإسلام، وعام الفيل ونحوها مما أشرنا إليه في باب علوم العرب قبل الإسلام، فجاء الإسلام وليس عند العرب من قبيل التاريخ غير أنسابهم وشذرات من تلك الأخبار والخرافات، ولا علم لهم بأحوال الأمم الأخرى إلا ما له علاقة بهم، غير ما كانوا يسمعونه من حوادث التوراة والتلمود من أحبار اليهود أو قسس النصارى، ولا يخرج ذلك كله عن أخبار متقطعة يقتصر الخبر منها على حادثة أو واقعة لا علاقة لها بالحوادث الأخرى.

فالعرب قبل الإسلام كانوا يعدون من أضعف الأمم المتمدنة في التاريخ. فلما ظهر الإسلام اشتغلوا بالفتوح والحروب، حتى إذا استتب لهم الأمر وفرغوا من الفتح تدرجوا في وضع التاريخ مثل تدرجهم في سائر العلوم الإسلامية، وقد عددنا التاريخ من هذه العلوم، لا لأنَّه خاص بالإسلام بل لأنَّ الإسلام دعا إلى وضعه كما سترى.

قد تَقدَّم في كلامنا عن «حَمَلَة العلم في الإسلام أكثرهم العجم» أنَّ العرب كانوا يتنزهون عن الاشتغال بالعلم إلا الأخبار؛ فإنَّهم كانوا يشتغلون بها ويعنون بحفظها وسماعها وتناقلها، وخصوصًا أخبار الفرسان والشجعان والفصحاء والخطباء والشعراء، لما في ذلك من بواعث القدوة واستنهاض الهمم وترويض النفوس.

وكان أكثر الخلفاء دهاء وسياسة أكثرهم رغبة في استماع الأخبار. فمعاوية بن أبي سفيان داهية بني أمية كان يجلس لأصحاب الأخبار في كل ليلة بعد العشاء إلى ثلث الليل، فيقصون عليه أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها وسياستها في رعيتها وسائر ملوك الأمم وحروبها ومكائدها. ثم ينام ثلث الليل ويقوم فيأتيه غلمان مرتبون وعندهم كتب قد وكلوا بحفظها وقراءتها، فيقرأون عليه ما في تلك الكتب من سير الملوك وأخبار الحروب ومكايدها وأنواع السياسات،١٢٢ والغالب في اعتقادنا أنَّ تلك الكتب باليونانية أو اللاتينية، وفيها أخبار أبطال اليونان والرومان كالإسكندر ويوليوس قيصر وهنيبال، وأنَّ الغلمان كانوا يفسرونها له بالعربية؛ لأنَّ العرب لم يدونوا الكتب إلا بعد زمن معاوية.

وسماع أخبار العظماء يستنهض الهمم إلى الاقتداء بهم، ولذلك كان أكبر القواد العظام الراغبين في العلا، من العرب وغير العرب، يستتلون أخبار من سبقهم من مشاهير القواد، وإذا وقع أحدهم في مشكلة سياسية تدبر ما حدث من أمثالها قبله تسهيلًا لإبداء حكمه فيها، يُقال: إنَّ المنصور لما هم بقتل أبو مسلم الخراساني تردد بين أن يمضي في قتله أو يشاور فيه، لِما كان لأبي مسلم من السعي الحميد في قيام الدولة العباسية، فتزيد بلباله حتى أرق، فلما أصبح استدعى إسحاق بن مسلم العقيلي، وقال له: «حدثني حديث الملك الذي أخبرتني عنه في حران»، فقصَّ عليه الحديث وخلاصته أنَّ سابور ملك الفرس أنفذ وزيره إلى خراسان يدعو أهلها إلى طاعته، فمضى وسعى في تحبيب الناس به ودعاهم إلى طاعة نفسه، فلما استفحل أمره صمم سابور على قتله عند رجوعه إليه بأعين خراسان، فلما رجعوا بغتهم فلم ينتبهوا إلا ورأس الوزير بين أيديهم، فاضطروا إلى طاعة سابور — فلما سمع المنصور تلك الحكاية بما فيها من المشابهة بحكاية أبي مسلم أطرق مليًّا ثم رفع رأسه وهو يقول:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا
وما علّم الإنسان إلا ليعلما
واستقر رأيه على قتل أبي مسلم، وقتله،١٢٣ وكان بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل إذا دخل شهر رمضان أحضرت له كتب التواريخ والسير، وجلسوا يقرأون عليه أحوال العالم، فأصبح علم التاريخ من علوم الملوك وأصحاب السيادة، وكان من الأمثال الشائعة في أوائل الإسلام قولهم: «علم الملوك النسب والخبر، وعلم أصحاب الحروب درس كتب الأيام والسير، وعلم التجار الكتابة والحساب».١٢٤
فلما ضعف شأن الخلافة العباسية واستبد الوزراء بأمور الدولة، أصبح همهم منع الخلفاء من مطالعة التاريخ أو السير، خوفًا من أن يفطنوا إلى أشياء لا يُحب الوزراء أن يفطنوا لها — قيل: إنَّ المكتفي طلب من وزيره كتبًا يلهو بها ويقطع بمطالعتها زمانه، فتقدم الوزير إلى النواب بتحصيل ذلك وعرضه عليه قبل حمله إلى الخليفة، فجاءوه ببعض الكتب وفيها شيء مما جرى في الأيام السالفة، من وقائع الملوك وأخبار الوزراء ومعرفة التحيل في استخراج الأموال، فلما رآه الوزير غضب وقال لنوابه: «والله إنَّكم أشدّ الناس عداوة لي، أنا قلت لكم حصلوا له كتبًا يلهو بها ويشتغل بها عني وعن غيري، فقد حصلتم له ما يعرِّفه مصارع الوزراء ويوجِد له الطريق إلى استخراج الأموال ويُعرفه خراب البلاد من عمارتها، ردوها وحصلوا له كتبًا فيها حكايات تُلهيه وأشعار تطربه»١٢٥ ففعلوا.

مصادر التاريخ الإسلامي

للتَّاريخ الإسلامي مصادر كثيرة تدرج فيها على مقتضى الأحوال، وإليك تمثيل ذلك:

لما اشتغل المسلمون بجمع القرآن وتفسيره وجمع الأحاديث احتاجوا إلى تحقيق الأماكن والأحوال التي نزلت فيها الآيات أو قيلت فيها الأحاديث فعمدوا إلى جمع السيرة النبوية؛ لأنَّها شاملة لكل ذلك فتناقلوها مدة ثم دونوها، وأول من دونها على المشهور محمد بن إسحاق المتوفى سنة ١٥١، ألفها للمنصور، على أننا رأينا في كشف الظنون أنَّ محمد بن مسلم الزهري المتوفى سنة ١٢٤ﻫ ألف كتابًا في المغازي،١٢٦ وقد تُوفي قبل ابن إسحاق ببضع وعشرين سنة، ولكن يؤخذ من ترجمتهما في وفيات الأعيان أنهما كانا متعاصرين، ويقال أيضًا إنَّ أول من صنف المغازي والسير عروة بن الزبير المتوفى سنة ٩٣ﻫ ووهب بن منبه المتوفى سنة ١١٤،١٢٧ وعلى أي حال فإنَّ هذه السير ضاعت، وأقدم ما وصل إلينا منها سيرة عبد الملك بن هشام المتوفى سنة ٢١٣ﻫ في كتابه المعروف بسيرة ابن هشام، وهي منقولة عن ابن إسحاق المذكور وقد طبعت غير مرة.

ولما اشتغل المسلمون في ضرب الخراج على البلاد، اختلفوا في بعضها: هل فتح عنوة أو صلحًا أو أمانًا أو قوة، وفي شروط الصلح أو الأمان. فاضطروا إلى تدوين أخبار الفتح باعتبار البلاد، فألفوا كتبًا في فتح كل بلد على حدة، كفتوح الشام للواقدي المتوفى سنة ٢٠٧ﻫ وكتابه مشهور لكنه مملوء بالمبالغات بما يشبه الحكايات، وفتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم المتوفى سنة ٢٥٧ﻫ، وفتوح بيت المقدس ونحوها، ثم جمعوا فتوح البلاد معًا في كتاب واحد كفتوح البلدان للبلاذري المتوفى سنة ٢٧٩ﻫ، وهو أوثق كتب الفتح وأشملها وأقدم ما بين أيدينا منها، إلا الواقدي.

الطبقات والمغازي

وقد رأيت فيما تقدَّم من كلامنا عن القرآن والحديث والنحو والأدب، أنَّ العلماء اضطروا لتحقيق مسائل هذه العلوم إلى البحث في أسانيدها والتفريق بين ضعيفها ومتينها، فجرَّهم ذلك إلى النظر في رواة تلك الأسانيد وتراجمهم وسائر أحوالهم، حتى أصبح من شروط الاجتهاد في الفقه معرفة الأخبار بمتونها وأسانيدها، والإحاطة بأحوال النَقَلَة والرواة: عدولها وثقاتها ومطعونها ومردودها، والإحاطة بالوقائع الخاصة بها فقسموا رواة كل فن إلى طبقات، فتألف من ذلك تراجم العلماء والأدباء والفقهاء والنحاة وغيرهم، مما يعبرون عنه بالطبقات، ومنها: طبقات الشعراء، وطبقات الأدباء، وطبقات النحاة، وطبقات الفقهاء، وطبقات الفرسان والمحدثين واللغويين والمفسرين والحفاظ والمتكلمين والنسابين والأطباء، حتى الندماء والمغنين وغيرهم، وألفوا في كل باب غير كتاب؛ ولذلك كان المسلمون أكثر أمم الأرض كتبًا في التراجم لأفراد الرجال.

وأقدم كتب الطبقات التي وصلت إلينا كتاب طبقات الصحابة لمحمد بن سعد المعروف بكتاب الواقدي المتوفى سنة ٢٣٠ﻫ وهو كبير ربما دخل في بضعة عشر مجلدًا، ويحتوي على تراجم الصحابة والتابعين والخلفاء إلى أيام المؤلف،١٢٨ وكان هذا الكتاب مشتتًا في مكتبات العالم، ومنه الجزء الثاني في دار الكتب الخديوية (المصرية) بمصر، وقد علمنا ونحن نخط هذه الحروف أنَّ جمعية ألمانية شرعت في طبعه وأصدرت الجزء الأول منه.

ثم طبقات الشعراء لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ﻫ، وقد طُبع في ليدن في هذا العام بعناية الأستاذ دي خويه المستشرق الهولندي الشهير، ثم ألف النَّاس طبقات كثيرة في أزمنة مختلفة، ومنها استخرجوا كتب التراجم الكبرى، كوفيات الأعيان، والوافي في الوفيات، وفوات الوفيات، وغيرها مما سيأتي ذكره، غير التراجم الدخيلة في تواريخ البلاد، كتاريخ دمشق لابن عساكر في ثمانين مجلدًا، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي في نحو ذلك وفيهما تراجم كثيرة.

وكان طلاب الأدب الراحلون في جمع اللغة والشعر من أفواه أهل البادية يلتقطون أخبار العرب ووقائعهم وحوادثهم ويدونون ذلك في كتب الأدب كما تقدم، ناهيك بالأخبار المستخرجة من تلك الأشعار — قال ابن يونس: «لولا شعر الفرزدق لذهب نصف أخبار الناس».١٢٩

ولمَّا استبد بنو أميه بالخلافة واعوجُّوا في أحكامهم عن سبل الخلفاء الراشدين، كثر تحدث الناس بأخبار الراشدين وتذكر أعمالهم المؤسسة على العدل والرفق، وذلك طبيعي في هذه الأحوال، ثم ألف بعضهم كتبًا في تاريخ الخلفاء الراشدين، ثم في الخلفاء على الإجمال، وأقدمهم الدينوري المتوفى سنة ٢٨١ﻫ، ويقال نحو ذلك في تأليف تراجم الوزراء، وتواريخ عمال الشرطة وتواريخ الأذكياء والبخلاء والعشاق وغيرهم.

التواريخ العامة

فانقضى القرن الثاني للهجرة ونصف الثالث وكتب التاريخ عند المسلمين الطبقات والمغازي والسير والفتوح على ما تقدم، أما التواريخ العامة مثل تواريخ الأمم أو البلاد قديمًا أو حديثًا فلم يشتغلوا بها إلا بعد ذلك، وأقدم من كتب في التاريخ العام ابن واضح المعروف باليعقوبي، وكتابه مطبوع في جزأين: جزء في التاريخ القديم كاليهود والهنود واليونان والروم والفرس وغيرهم، والثاني في تاريخ الإسلام من ظهوره إلى أيام المعتمد العباسي الذي تولى الخلافة سنة ٢٥٦ﻫ، ويليه ابن جرير الطبري المفسر الشهير المتوفى سنة ٣١٠ﻫ، وتاريخه كبير مرتب على السنين ينتهي إلى حوادث سنة ٣٠٢ﻫ، وقد ألف الفرغاني عليه ذيلًا ينتهي إلى سنة ٣١٢ﻫ، وكلاهما مطبوع، ثم المسعودي المتوفى سنة ٣٤٦ﻫ صاحب «مروج الذهب» وفيه وصف البلاد والبحار والحيوانات وغيرها، فضلًا عن التاريخ، وهو مبوب حسب الدول أو الأمم ومطبوع. وللمسعودي كتاب سماه «أخبار الزمان» قد ضاع ولم يقف له أحد على أثر، ولكن يظهر مما ذكر عنه في مروج الذهب أنَّه مُطوّل جدًّا، يليه حمزة الأصفهاني صاحب «تاريخ سني ملوك الأرض» فرغ من تأليفه سنة ٣٥٠ﻫ.

وظلَّ النَّاس على هذه التواريخ وقليل غيرها إلى القرن السابع للهجرة، إذ انقضت الدول الإسلامية العربية: العباسية في العراق، والفاطمية في مصر، والأموية في الأندلس. وقامت دول الأتراك والأكراد والبربر، فانتقل الناس إلى عصر جديد، فعمدوا إلى تدوين تاريخ العصر المنقضي، فاستعانوا بالكتب التي تقدم ذكرها فاختصروا مطولها وبوبوا مشوشها وجمعوا بين موضوعاتها وأضافوا ما لم يدركه أصحابها، وألفوا عدة تواريخ مطولة، أشهرها وأوعاها وأضبطها كتاب «الكامل» لابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ﻫ فقد ضمَّنه تاريخ الطبري كله بعد حذف الأسانيد واختصار النصوص المطولة، وزاد عليه ما حدث بعده وما حدث في زمن الطبري في الأندلس وغيرها، ورتب ابن الأثير كتابه على السنين، مثل كتاب الطبري، فجاء ١٢ مجلدًا كبيرًا، وهو مطبوع، وجاء بعده أبو الفداء صاحب حماة، المتوفى سنة ٧٣٢ﻫ، فأخذ الكامل فلخصه وأدخل فيه كثيرًا من أخبار الأدباء والعلماء، وتوسع في أخبار العرب الجاهلية وأبقاه على حوادث السنين، فجاء في ثلاثة مجلدات، وهو مطبوع ومنشور، وجاء بعده عمر بن الوردي المتوفى سنة ٧٤٩ﻫ فاختصر تاريخ أبي الفداء.

ثم نبغ العلامة ابن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ﻫ والعرب قد ذهبت دولهم تمام الذهاب واتضحت عبرة التاريخ، وكان ابن خلدون عالمًا دقيق النظر صحيح القياس، فألف تاريخه المشهور ورتبه على الدول بدل السنين، وأفاض خصوصًا في أخبار المغرب والأندلس مما لم يسبقه إليه أحد. ويمتاز هذا التاريخ عما سبقه بمقدمة فلسفية لم ينسج أحد على مثالها قبلها، حتى علماء اليونان والرومان وغيرهم من الأمم القديمة، وفي شهرتها ما يغني عن وصفها.

ونهج بعض المؤرخين في تآليفهم منهجًا آخر، فجعلوا مؤلفاتهم بأسماء المدن فضمنوا كتبهم وصف تلك المدن وتراجم الذين عاشوا فيها، وأطول المؤلفات من هذا الصنف تاريخ بغداد للخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ﻫ وتاريخ دمشق لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ﻫ في ثمانين مجلدًا وقد تقدم ذكرهما، وكلاهما لم يُطبعا، والثاني أكثر وجودًا من الأول، ومن هذا القبيل خطط مصر للكندي ثم للقضاعي ثم للمقريزي وهذه الأخيرة مشهورة ومثلها أخبار مصر القاهرة لأبي المحاسن والسيوطي.

التراجم والمعجمات

وأما التراجم فكانت في القرون الأولى تدون في الطبقات، باعتبار المهن أو العلم الذي يجمع كل طبقة كما تقدم. فلما نضج العلم وأخذ العلماء في الترتيب والتبويب، نبغ جماعة من المؤرخين استخرجوا من الطبقات وغيرها كتب التراجم ورتبوها على حروف المعجم وأشهر تلك الكتب «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان المتوفى سنة ٦٨١ﻫ، ثم «فوات الوفيات» لصلاح الدين بن شاكر الكتبي المتوفى سنة ٧٦٤ﻫ، استدرك فيه ما فات ابن خلكان ذكره، وكلاهما مطبوعان ومشهوران، وكتاب «الوافي في الوفيات» لصلاح الدين الصفدي سنة ٧٦٤ﻫ، وهو كبير لكنه لم يوجد مجموعًا في مكتبة واحدة ولا جمعوه بعد، فهو لم يطبع ومنه أجزاء متفرقة في مكتبات أوربا. ومثله كتاب «مرآة الزمان» لسبط ابن الجوزي المتوفى سنة ٦٥٤ في ٤٠ مجلدًا، وهو مشتت. وفي تراجم أهل الأندلس كتب كثيرة منها كتاب «الصلة» لابن بشكوال المتوفى سنة ٥٧٨ وكتاب «المعجم» لابن الأبار وغيرهما.

ومن هذه المعجمات التاريخية ما هو خاص بفئة من الناس أو طبقة من طبقاتهم ككتاب «أسد الغابة» في أخبار الصحابة لابن الأثير صاحب الكامل، وهو في خمسة أجزاء كبيرة وخاص بالصحابة، وهو مطبوع ومنشور. و«تراجم الحكماء» لابن القفطي غير مطبوع.

على أنَّ كثيرًا من التراجم والأخبار التاريخية منتشر في كتب الأدب، ككتاب الأغاني، والعقد الفريد، والكشكول، والمستطرف، والبيان والتبيين، وقد تجد فصولًا تاريخية مهمة في كتب العلم الطبيعي، ككتاب حياة الحيوان للدميري فإنَّ فيه فصولًا تاريخية قلما نعثر عليها في كتب التاريخ.

ويمتاز التاريخ عند العرب على سواه عند سائر الأمم التي تحضرت قبلهم بكثرة ما كتبوه من التراجم، وأكثره بشكل القواميس وهم السابقون في ذلك وعنهم أخذ أهل العالم تأليف المعجمات التاريخية، فعندهم من قواميس التراجم بضعة صالحة، هي كنوز في التاريخ والجغرافية والأدب والعلم. فوفيات الأعيان معجم يزيد عدد الترجمات فيه على ٨٢٠ ترجمة مرتبة على أحرف الهجاء، غير ما جاء عرضًا في أثناء الكلام على الآخرين. ومن مزاياه أنَّه يضبط الأعلام من أسماء الرجال والأماكن، ويذكر سني الوفاة والولادة، ويُضمّن التراجم كثيرًا من الفوائد الأدبية والعلمية مما يندر في سواه، ويقال نحو ذلك في قواميس التراجم الأخرى، كفوات الوفيات وفيه أكثر من ٤٥٠ ترجمة لم يذكرها ابن خلّكان، وكتاب الوافي في الوفيات، وأسد الغابة في أخبار الصحابة، وكتاب تراجم الحكماء، غير كتب التراجم المرتبة على غير الهجاء، ككتب الطبقات للشعراء والفقهاء والأطباء، ومن أحسنها كتاب طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة المتوفى سنة ٦٦٨ﻫ، فإنَّه جامع تاريخ الطب والأطباء والعلم والعلماء والفلسفة والفلاسفة عند اليونان والفرس والهنود والكلدان، فضلًا عن العرب والمسلمين، وهو مرتب بحسب العصور والبلاد، ناهيك بما يتخلل ذكر مؤلفاتهم ووصفها من العادات والآداب الاجتماعية وغيرها، وهو مطبوع ومشهور.

عدد كتب التاريخ

فالمسلمون ألفوا في التاريخ كتبًا لا تُحصى، وما من أمة قبل العصر الحديث بلغت في هذا العلم ما بلغ إليه المسلمون، فإنَّ كتب التاريخ الواردة أسماؤها في كشف الظنون فقط تزيد على ١٣٠٠ كتاب، غير الشروح والاختصارات وغير ما ضاع من تلك الكتب وأهمل ذكره وهو كثير جدًّا. يدلك على ذلك ما تراه في مقدمات بعض كتب التاريخ أو الجغرافية، إذ يذكر المؤلف كتبًا عديدة نقل عنها أو اعتمد عليها في تأليف كتابه، فإذا بحثت عنها رأيت أكثرها ضاع ولم يرد ذكره في كتب الفهارس ككشف الظنون أو غيره. فالمسعودي ذكر في مقدمة كتابه «مروج الذهب» عشرات من الكتب التي كانت شائعة في أيامه، وقد نقل عنها ولم يذكر منها صاحب كشف الظنون إلا القليل، فلو بقيت الكتب التي ألفها العرب في التاريخ كلها لزادت على بضعة آلاف، وفيها كتب كبيرة يدخل الواحد منها في أربعين مجلدًا أو خمسين أو ثمانين، ومنها في عشرة أو خمسة أو أقل أو أكثر.

ومن كتب التاريخ العام ما هو مُرتّب أحسن ترتيب باعتبار السنين، كالطبري وابن الأثير وأبي الفداء، أو باعتبار الأمم أو الدول كالمسعودي والفخري وابن خلدون، أو بحسب المدن أو الملوك مما لا يُحصى، وأكثرها حسن العبارة بليغها مع إسهاب ربما زاد في بعض الأحوال حتى يخرج عن موضوع الكتاب. ويغلب الصدق في روايات كتَّاب المسلمين، لما تعودوه من الإسناد في تناقل الأخبار، إلا ما دخل تواريخهم في العصر الأول لأغراض بعض ذوي المطامع أو الأهواء والعرب لا يزالون على سذاجتهم.

عيوب المؤرخين المسلمين

وإنَّما يُعاب المؤرخون المسلمون لاقتصارهم في التواريخ على إيراد الحوادث على عواهنها كما بلغت إليهم، وقد يسندونها إلى راوٍ أو عدة رواة بلا انتقاد ولا تمحيص ولا قياسٍ اكتفاءً بالإسناد. وقد فاتهم أنَّ بعض الأخبار المسندة موضوع في الصدر الأول أو ما بعده لأغراض سياسية، كما وضع كثير من الأحاديث لأسباب تقدم بيانها.

ومما ينتقد عليهم أيضًا أنَّهم يصرفون عنايتهم في التواريخ إلى تدوين أخبار الحرب والفتح والعزل والولاية والولادة والوفاة، وقلما يذكرون تاريخ الآداب أو العلوم، أو أحوال الدولة من الحضارة وأسبابها، وتعليل الحوادث وما نجم عنها، وقياس بعضها على بعض إلا ما يجيء عرضًا. فيندر أن ترى لمؤرخ منهم رأيًا في حادثة، أو انتقادًا على خليفة أو أمير، أو ملاحظة على نكتة، حتى في الأحوال التي يعلم أنه لا يسيء فيها إلى الخليفة، بل قد يكون في انتقاده ما يسر ذلك الخليفة، كما كانت حال مؤرخي الدولة العباسية في شؤون الدولة الأموية، فإنَّ شدّة العباسيين على الأمويين مشهورة، ومع ذلك فإنَّ المؤرخين الذين كتبوا في عهد الدولة العباسية قلما ذكروا شيئًا من مساوئ بني أمية، إلا ما قد يجيء عرضًا. ولعل السبب في ذلك السكوت أنَّ حوادث التاريخ الإسلامي أكثرها متصل بأسباب دينية أو شرعية بين فرقة وأخرى أو مذهب وآخر. فإذا انتشبت حرب بين خليفتين أو أميرين مسلمين، لا يخلو أن يكون أحدهما ظالمًا والآخر مظلومًا، فالمؤرخ المسلم يتحاشى الطعن في أحدهما احترامًا لمقام الدين، فينقل الخبر على علاته ويترك الحكم فيه للقارئ، وهذا هو السبب فيما نقاسيه من العناء في استخراج حقائق التمدن الإسلامي من كتب التاريخ.

وقد يكون من أسباب سكوتهم عن مساوئ بعض الأمراء التزلف إليهم أو الاستجداء بمدحهم، وكثيرًا ما كان الخلفاء والأمراء أو السلاطين يقترحون على المؤرخين تأليف الكتب ويجيزونهم على تأليفها، فكان المؤرخون يراعون بها جانب المقترح ولو خالفوا الحقيقة وهم يعلمون. ومن ألطف الشواهد على ذلك ما قاله أبو إسحاق الصابي الكاتب الشهير، وقد كلفه عضد الدولة ابن بويه أن يُؤلّف له كتابًا في أخبار الدولة الديلمية، فألف له تاريخًا سماه «التاجي» فاتفق وهو يؤلفه أن دخل عليه صديق له فسأله عما يعمله فقال: «أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها …»١٣٠
وقد يكون السبب عداوة بين المؤلف والمترجم فيبخسه حقه عمدًا، كما فعل الفتح بن خاقان في ترجمة ابن باجة الفيلسوف الأندلسي الشهير.١٣١

ويندر أن ترى من بعض المؤرخين تصريحًا بمساوئ أحد الخلفاء أو الأمراء أو غيرهم من أولي الأمر. وأكثر ما عثرنا عليه من أمثال ذلك في كتاب الفخري والآداب السلطانية لابن طباطبا، وتاريخ ابن خلدون. أما ابن طباطبا فقد صرح بذلك انتصارًا لآل علي، كقوله على أثر حكاية وقعت للرشيد مع أبي نواس إذ أورد قول أبي نواس في الرشيد:

قَدْ كنتُ خِفتُكَ ثمَّ أَمَّنَنِي
مِنْ أنْ أخافَكَ خوْفُكَ اللهَ

ثم قال: «ولم يكن الرشيد يخاف الله وأفعاله بأعيان آل علي (عم) أولاد بنت نبيه بغير جرم … إلخ»، وهذا تصريح لم نرَ له شبيهًا في كتب مؤرخي المسلمين إلا ما قد يقوله الشيعة في أعمال أهل السنة أو بالعكس. وأما ابن خلدون فقد انتقد أعمال بعض الدول أو الخلفاء مدفوعًا بالقياس الصحيح والحكم الفلسفي.

ومما يؤاخذ به مؤرخو المسلمين أيضًا — بالنظر إلى آداب هذه الأيام — أنَّهم إذا عرض لهم في بعض الأخبار ألفاظ بذيئة، أو واقعة يخجل سماعها الأديب فإنهم يذكرونها بألفاظها، كما يذكرون سائر الحوادث، ويدخل في ذلك كثير من الأشعار السفيهة، وهم يسمون ذلك أحماضًا. وقد يتبادر إلى الذهن أنَّه من مقتضيات تلك العصور، أو أنَّه لم يكن منكرًا عندهم. والحقيقة أن أهل الأدب الصحيح من أولئك المؤرخين كانوا يتحاشون الوقوع في ذلك، وفي جملتهم ابن خلكان فإنه من أبعدهم عن الفحش في القول، ومن الأدلة على أدبه أنه لما ترجم لحسين بن محمد المنعوت بالبارع، وهو من الشعراء المشهورين، ساقه الحديث إلى قصيدة نظمها أحدهم للبارع المذكور وقصيدة أجابه البارع بها، فذكر ابن خلكان البيت الأول من القصيدة ثم قال: «لولا ما أودعها من السخف والفحش لذكرتها».

(ب) الجغرافية أو تقويم البلدان

لفظ الجغرافية وحده كافٍ للدلالة على أنَّ هذا الفن ليس من موضوعات العرب، ولكننا ذكرناه هنا لارتباطه بالتاريخ، ولأن العرب كتبوا في وصف الطرق والبلاد والمدن قبل نقل الجغرافية إلى العربية لأسباب خاصة بالإسلام.

لم يُقدم البشر على وضع علم أو فن إلا لأسبابٍ حَمَلَتْهم على ذلك؛ لأنَّهم يساقون في شؤونهم وأعمالهم بالحاجة، ولذلك قالوا: الحاجة أم الاختراع. واضطرارهم إلى الجغرافية لم يأتِ دفعة واحدة، بل جاء بالتدريج فنما واتسع عملًا بناموس الارتقاء، وأهم الأسباب التي دعت إلى نشوء هذا العلم احتياج الناس قديمًا إلى معرفة الطرق والبلاد والأبعاد بينها، إما للتجارة أو للفتح، فجمعوا معلومات التجار والفاتحين بتوالي الأزمان، وجعلوا يتداولونها ويتدارسونها للعمل بها، حتى أتيح لها مَن رَتَّبَ أبوابها وضبط أجزاءها وجعلها علمًا.

وأول من وضع أساس هذا العلم الفينيقيون؛ لأنَّهم أقدم تجار العالم وأكثرهم أسفارًا، فقد رادوا شواطئ البحر الأبيض واستعمروا بعضها منذ بضعة وثلاثين قرنًا. وكانت مدينة صور مركز العالم التجاري في تلك الأيام، تجتمع حاصلات الأمم ومصنوعاتهم فيها وتتفرق منها حتى الهند، فقد كانوا يحملون منها العاج والطيب والقردة وغيرها. وأسماء هذه السلع الباقية في الفينيقية والعبرانية تدل على أصلها الهندي. فاطلع الفينيقيون في أثناء أسفارهم على أحوال كثير من البلاد وعرفوا المسافات بينها وأخبار أهلها …

ولما حمل الإسكندر بجيوشه على العالم واخترق آسيا إلى بلاد الهند برًّا وبحرًا، اطلع رجاله على أحوال أواسط آسيا وأعاليها فاشتغلوا في جمع الأخبار والأوصاف لغرابتها. وفعل البطالسة نحو ذلك بشواطئ البحر الأحمر إلى الحبشة، ثم الرومان وغيرهم.

فكانت تلك المعلومات تتجمع بتوالي الأجيال والناس يتناقلونها متقطعة متفرقة، ثم توجهت الأذهان إلى جمعها وترتيبها. وأول من فعل ذلك إراتستين Eratostenes اليوناني المتوفى سنة ١٩٦ق.م على عهد البطالسة، فألف كتابًا دوَّن فيه كل ما عرفه الفينيقيون أو رواه قواد الإسكندر وغيرهم. وجاء بعده غيره وغيره كالرحالة إسترابون الجغرافي بلينيوس، إلى زمن بطليموس القلوذي في أواسط القرن الثاني للميلاد، فألف كتابًا وافيًا في الجغرافية عين فيه الأماكن بالحسابات الفلكية، ورسم الخرائط على الحسابات الرياضية وضبط الأقسام الجغرافية وحقق أماكنها على ما بلغ إليه العلم في عصره، وذكر فيه أنَّ عدد المدن في أيامه كان ٤٣٥٠ وسماها مدينة مدينة، وعدد الجبال ٢٠٠ جبل ذكر ما في بطونها من المعادن، وذكر ما على الأرض من الخلائق وغير ذلك. فجاء الإسلام وكتاب بطليموس هو المعول عليه في تقويم البلدان. فلما أخذ العرب في ترجمة العلم في العصر العباسي كان هذا الكتاب في جملة ما نقلوه إلى لسانهم وسموه جغرافية، وترجموا كتابه الآخر في الفلك وسموه المجسطي، وعلى هذين الكتابين بنوا أكثر ما كتبوه في علم الجغرافية.

الجغرافية عند المسلمين

ولكن المسلمين بدأوا بوضع الجغرافية قبل اطلاعهم على كتاب بطليموس؛ لثلاثة أسباب غير السببين اللذين دعوَا اليونان أو غيرهم إلى وضعها؛ لأنَّ العرب من أكثر الأمم فتحًا وغزوًا، وقد تفرقوا بعد الإسلام في أربعة أقطار المسكونة. وهم — وخصوصًا أهل الحجاز — كانوا تجارًا من زمن الجاهلية ثم اتسعت تجارتهم في الإسلام باتساع مملكتهم. أما الأسباب الثلاثة التي يمتاز بها العرب على سواهم:

فأولها الحج؛ لأنَّ المسلمين على اختلاف بلادهم وأقاليمهم يحجون إلى مكة، والحج فريضة على المسلم ولو كان في الهند أو الصين أو غيرهما، والقدوم إلى مكة يستلزم معرفة الطرق والمنازل.

وثانيها الرحلة في طلب العلم، فقد رأيت فيما تقدم أنَّ المسلمين كانوا يرحلون في طلب العلم إلى سائر الأمصار الإسلامية، والرحلة تستلزم معرفة الأماكن والمناطق. ولذلك كان أول ما ألفه العرب في الجغرافية من عند أنفسهم ذكر الأماكن العربية والمنازل البدوية. وأول من ألف في ذلك رواة الأدب والشعر، كالأصمعي والسكوني، ثم ألفوا في بلاد العرب كلها كما فعل الهمذاني في جزيرة العرب وأبو الأشعب الكندي في جبال تهامة١٣٢ وغيره.

والسبب الثالث أنَّ العرب فتحوا العالم واختلفوا في طرق الفتح باختلاف البلاد بين أن تكون قد فتحت صلحًا أو عنوة أو أمانًا أو قوة، ولكل من ذلك حكم في قسمة الفيء وأخذ الجزية وتناول الخراج واجتناء المقاطعات والمصالحات وإنالة التسويفات والإقطاعات لا يسع الفقهاء جهلها فضلًا عن الأمراء. فأصبح علم ذلك عندهم من قبيل الدين، ولا يتوصل إليه إلا بالتاريخ والجغرافية.

ولما ترجمت الجغرافية إلى العربية واطلع العرب عليها أخذوا في تأليف الكتب على مثالها، وتوسعوا في ذلك وزادوا عليه ما عرفوه من قبل. ولم يكتفوا بالنقل والسماع، ولكنهم ركبوا البحار وجابوا الأقطار شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، وكتبوا ما شاهدوه أو تحققوه وصححوا كثيرًا من أخطاء بطليموس. والظاهر أنَّ علم الجغرافية عند العرب لم ينضج إلا في القرن الرابع للهجرة، فتهافت النَّاس على التأليف فيه مثل تهافتهم على تأليف التاريخ العام في ذلك القرن.

وأول من دوَّن الجغرافية منهم على نحو ما عند اليونان الشيخ أبو زيد البلخي، ألف في أول القرن الربع كتابًا في الجغرافية سماه «صور الأقاليم» ذكر فيه أمثلة منها بعد أن قسمها إلى عشرين جزءًا، ثم شرح كل مثال ولكنه اختصره وترك كثيرًا من أمهات المدن. وكان من معاصريه رجل من علماء الفرس اسمه أبو إسحاق الفارسي الإصطخري المعروف بالكرخي، وكان محبًّا للأسفار فسافر وحقق بنفسه كثيرًا من البلاد والبحار والمدن وعوّل فيما بقي على كتاب البلخي، وألف كتابًا سماه «مسالك الممالك» وهو مطبوع ومنشور. وأما كتاب البلخي فقد ضاع.

وجرى الإصطخري في كتابه على تقسيم البلخي، فجعل بلاد المسلمين عشرين قسمًا بدأ بديار العرب وانتهى إلى ما وراء النهر (تركستان) ووصف كل قسم على حدة، وذكر البلاد وحرفها وتجارتها وغير ذلك.

ونبغ نحو ذلك الزمن ابن حوقل، فألف كتاب «المسالك والممالك» وقد سار بنفسه أيضًا لمشاهدة البلاد. قال في مقدمة كتابه: «فبدأت سفري هذا من مدينة السلام يوم الخميس لسبع خلون من شهر رمضان سنة ٣٣١ﻫ» فلما أتم رحلته كتب الكتاب المذكور ووضحه بالخرائط الكثيرة، لكل إقليم من أقاليم الإسلام خريطة أو غير خريطة، ورسم المدن والأنهار والجبال والبحار والجزر وغيرها، وتقسيمه كتقسيم الإصطخري، والعبارة تكاد تكون واحدة في كثير من الأماكن.

ثم ألف ابن الفقيه الهمذاني والمقدسي والمسعودي وغيرهم، وقد رحل المسعودي رحلات عديدة بلغ بها إلى أقاصي الهند وذكر ما شاهده وخبره في كتبه الجغرافية والتاريخية. وجميع هؤلاء من أهل القرن الرابع للهجرة وكتبهم مطبوعة الآن إلا الخرائط فقد ضاعت ولم يبق غير ذكرها أو الإشارة إليها.

وظل الناس على هذه الكتب وقليل غيرها، حتى نهض المسلمون لتأليف التاريخ وترتيبه وجمعه على ما بيناه في مكانه، فنهض جماعة ألفوا في الجغرافية كما ألفوا في التاريخ، فوضعوا المعجمات الجغرافية على أحرف الهجاء، وأشهر من فعل ذلك ياقوت الحموي المتوفى سنة ٦٢٦ﻫ فقد ألف كتابًا ضخمًا سماه «معجم البلدان» أتى فيه على وصف البلدان والجبال والأودية والقيعان والقرى والمحال والأوطان والبحار والأنهار والأصنام والأبداد والأوثان، وضمَّن ذلك كثيرًا من تراجم الناس في أثناء ذكره للبلاد التي ولدوا فيها أو نسبوا إليها. فهو قاموس جغرافي تاريخي أدبي. ولأبي الفداء صاحب حماة أيضًا كتاب في تقويم البلدان ولغيره غيرها، فضلًا عن الرحلات الكثيرة التي خدم العرب بها الجغرافية، فنكتفي بالإشارة إليها ونترك التفصيل لتاريخ آداب اللغة العربية.

(٣) الآداب العربية الجاهلية

(٣-١) الخطابة بعد الإسلام

الخطابة والشعر من الفنون الجاهلية التي زادها الإسلام رونقًا وبلاغة وارتقاء، ولكن الخطابة سبقت الشعر في الارتقاء، لحاجة المسلمين إليها في الفتوحات والغزوات، والعرب يومئذ لا يزالون على بداوتهم، تتأثر نفوسهم بالتصورات الشعرية سواء سبكت في قالب الخطابة أو الشعر. والخطابة أقرب تناولًا، ولم يرد في القرآن ما ينفر الناس منها كما ورد في الشعر والشعراء. فكما كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيد مآثرهم ويفخم شأنهم ويهول على عدوهم ويهيب بفرسانهم، أصبح الخطيب في الإسلام مقدمًا على الشاعر لفرط حاجتهم إلى الخطابة١٣٣ في استنهاض الهمم وجمع الأحزاب وإرهاب الأعداء.
والفرق بين الخطابة في الجاهلية وفي الإسلام، أنَّ الإسلام زادها بلاغة وحكمة بما كان يتوخاه من مجاراة أسلوب القرآن واقتباس الآيات القرآنية، وقد كان للقرآن نحو هذا التأثير في الشعر أيضًا، ولكن الخطابة أوسع مجالًا للاقتباس. فأخذ الخطباء يرصعون خطبهم بالآيات تمثيلًا أو إشارة أو تهديدًا، حتى لقد يجعلون الخطبة برمتها مجموع آيات، كما فعل مصعب بن الزبير لما قدم العراق وأراد أن يحرض أهله على الطاعة لأخيه عبد الله، فصعد المنبر وقال: «بسم الله الرحمن الرحيم. طسم، تلك آيات الكتاب المبين، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إنَّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا، يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (وأشار بيده نحو الشام) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (وأشار بيده نحو الحجاز) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (وأشار بيده نحو العراق)».١٣٤

وزادت الخطابة بعد الإسلام قوة ووقعًا في النفوس، بنهضة العرب للحروب وانتصارهم في أكثر مواقعها، فازدادوا أنفة وسمت نفوسهم فسما بها ذوقهم في البلاغة، وشحذت قرائحهم بما شاهدوه من البلاد الجديدة والأمم الجديدة والألسنة الجديدة، فبلغت الخطابة عندهم مبلغًا قلما سبقهم فيه أحد من الأمم التي تقدمتهم بلاغة وإيقاعًا وتأثيرًا حتى اليونان والرومان، لا ننكر ما كان من تفوق هاتين الأمتين في الخطابة، وما نبغ بين رجالهما من الخطباء الذين لا يشق لهم غبار كديموستنيس وأشينس وهيبريدس من خطباء اليونان، وشيشرون ويوليوس قيصر وسالوستس ولوكيرتس من خطباء الرومان، ولكنَّ العرب لم يأتوا بأقل مما أتى به أولئك بلاغة ووقعًا. وربما كان الخطباء في الإسلام أكثر عددًا وخطبهم أوفر وأبلغ، مع اعتبار الفرق بين الأمتين لغة وخلقًا وأدبًا.

فقد ذكروا لديموستنيس أخطب خطباء اليونان ٦١ خطبة نصفها منسوب إليه خطأ، وهذه خطب الإمام علي تعد بالمئات. وأما في كثرة الخطباء فالعرب كانوا في صدر الإسلام من أكثر الأمم خطباء؛ لأنَّ خلفاءهم وأمراءهم وقوادهم كان معظمهم من الخطباء حتى النساك والزهاد١٣٥ ولا غرابة في ذلك؛ لأنَّ العرب أهل خيال وذوو نفوس حساسة، وللبلاغة تأثير شديد في عواطفهم تقعدهم وتقيمهم. وقد كان ذلك من جملة ما ساعد على نشر الإسلام بينهم. وكثيرًا ما توقف فتح البلد أو الحصن على خطاب يتلوه القائد على رجاله، فتثور فيهم النخوة وتسري في عروقهم الحماسة فيستهلكون في الدفاع أو الهجوم. وفي أخبار الفتوح أدلة كثيرة لا يساعد المقام على إيرادها. ونعرف قوادًا إنما ساعدهم على النصر قوة عارضتهم وتأثير خطبهم في نفوس رجالهم.

•••

فالحجاج بن يوسف كان خطيبًا بليغًا زادته الخطابة عظمة وسطوة. كان العراق متمردًا على عبد الملك، فلما أعجزه أمره ولى عليه الحجاج، فدخل الحجاج الكوفة وصعد المنبر متلثمًا متنكبًا قوسه واضعًا إبهامه على فمه، فاحتقره الناس وكادوا يرمونه بالحصي كما كانوا يفعلون في الولاة قبله، فوقف وأزاح لثامه عن وجهه وألقى خطبته التي قال في مطلعها:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفوني

إلى أن قال: «أما والله لأحمل الشر بثقله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله. أما والله إني لأرى رءوسًا قد أينعت وحان قطافها، وكأني أرى الدماء بين العمائم واللحى:

هذا أوان الشد فاشتدي زيم
قد لفها الليل بسواق حطم
«ألا وإنَّ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نثر كنانته فعجم عيدانها فوجدني أصلبها عودًا فوجهني إليكم … فإنكم أهل بغي وخلاف وشقاق ونفاق، طالما سعيتم في الضلالة وسننتم سنن البغي … أما والله لألحونكم لحو العصا، ولأعضبنكم عضب السلمة، ولأقرعنكم قرع المروة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل … والله ما أخلق إلا فريت، ولا أعد إلا وفيت … إلخ».١٣٦
فما فرغ من خطبته حتى هابوه وأذعنوا له، وكان شديدًا عليهم. وأمره مشهور. ومع ذلك فقد كان إذا رقي المنبر وذكر إحسانه إلى أهل العراق وصفحه عنهم وإساءتهم إليه، يُخيّل للسامع أنَّه صادق وأنَّ أهل العراق ظالموه١٣٧ … ولذلك كان الأمراء والخلفاء يخافون الخطباء كما يخافون الشعراء، لما في أقوالهم من التأثير في تلك النفوس الحساسة.
وإذا رجعت إلى حوادث الفتح أو جمع الأحزاب أو إخماد الثورات رأيت عجبًا، وأول ثورة كادت تهب في الإسلام لما بلغ أهل المدينة موت النبي ، فهاجوا حتى خاف الصحابة سوء العاقبة، فقام أبو بكر خطيبًا فقال: «أيها الناس، إن يكن محمد قد مات فإنَّ الله حي لم يمت وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وقد علمتم أني أكثركم قتبًا في بر، وجارية في بحر، فأقروا أميركم وأنا ضامن إن لم يتم الأمر أن أردها عليكم»،١٣٨ فهذه الكلمات القليلة كانت كافية لإخماد تلك الثورة.

•••

وقس على ذلك خطبته في السقيفة، وخطب من تولى بعده من الخلفاء الراشدين، وأخطبهم بلا خلاف علي بن أبي طالب، وفي كتاب «نهج البلاغة» المنشور بين ظهرانينا أكبر شاهد على ذلك، وإن لم تصح نسبة كل تلك الخطب إليه، فأكثرها من أقواله، وفيها أمثلة من كل ضروب الخطب، ومنها الدينية والأدبية والعلمية والحماسية والفخرية.

وكان أكثر الخلفاء يخطبون، ولكنهم يتفاوتون في البلاغة وقوة العارضة، على أن تلك القوة أخذت تضعف فيهم، بعد الفراغ من الفتوح والانغماس في أسباب الترف والسكون إلى الرخاء والبذخ، وتحولت من الحماسة إلى المواعظ ثم إلى الشكاية. وتداعى فن الخطابة بتداعي دولة العرب في الشرق، فلما قامت دولتهم في الأندلس بعثوه وقربوا الخطباء كما قربوا الشعراء، لكنهم قلما كانوا يستخدمونهم لإنهاض الهمم أو إخماد الفتن، لذهاب الحاجة إلى ذلك بذهاب البداوة والفراغ من الفتح. على أنَّهم كانوا إذا احتفلوا بتنصيب خليفة أو بالنصر على عدو أو باستقبال قادم كبير، تقدمت الخطباء للترحيب به وإعظام شأنه أو شأن مقعده ووصف ما تهيأ له من توطيد الخلافة.١٣٩

وأما الأمراء والقواد فكانوا يخطبون في الجند قبل الإغارة على العدو فيحرضونهم على الثبات. وكثيرًا ما كانت الخطبة سببًا للنصر، كخطبة خالد بن الوليد في وقعة اليرموك، وخطبة المغيرة في وقعة القادسية، وخطبة خليد بن المنذر في غزوة فارس، وخطبة طارق بن زياد في فتح الأندلس، ونحو ذلك مما لا تسعه المجلدات.

ناهيك بشيوع الخطابة في القبائل على اختلاف أصقاعها كما كانت في الجاهلية. وكانت ترد الوفود إلى المدينة أو دمشق أو بغداد أو غيرها من عواصم المسلمين لتهنئة الخليفة أو استنفاره أو استنجاده أو استجدائه. وكان شباب الكتَّاب إذا قدم الوفد حضروا لاستماع بلاغة خطبائهم، لشيوع حب الخطابة فيهم،١٤٠ ولاقتباس أساليب البلاغة منهم.

ويعد من قبيل الخطابة عند العرب البلاغة في المكاتبات، فقد كان الخلفاء — وخصوصًا في صدر الإسلام — إذا كاتبوا أميرًا في أمر تعمدوا البلاغة كأنَّهم واقفون على منبر الخطابة، والغالب في قوى العارضة في الخطابة أن يكون بليغًا في الكتابة. وقد مر الكلام على ذلك.

(٣-٢) الشعر بعد الإسلام

(أ) الشعر وبنو أمية

لما ظهر الإسلام ودهش العرب بأساليب القرآن وبالنبوة والوحي، واشتغلوا بالغزو والفتح ونشر الإسلام، انصرفت قرائحهم الشعرية إلى الخطابة لحاجتهم إليها في استنهاض الهمم وتحريك الخواطر للجهاد واستحثاث القلوب على العبادة. فانقضى عصر الراشدين والعرب في شاغل عن الشعر، حتى إذا طمع بنو أمية في الخلافة مع كثرة المطالبين بها من أهل البيت واحتاجوا إلى من يؤيدهم، استنفروا الناس لنصرتهم وابتاعوا الأحزاب بالأموال واستخدموهم بالدهاء، فكان الشعر في جملة ما تَساعدوا به على ذلك لما قدمناه من تأثير في النفوس. وكان خلفاؤهم يبالغون في إكرام الشعراء، إما ليرغبوا الناس في خلافتهم أو ليقطعوا ألسنتهم فيسكتوا عن هجوهم، ولذلك عبروا عن إجازة الشاعر بقطع لسانه.

فكان الخلفاء من بني أمية يرغبون الناس في الشعر ويجيزونهم بأعظم الجوائز، على نسبة الجودة في أشعارهم ومكانهم في أقوالهم، وكانوا يطالبون أولادهم بحفظ الأشعار والآثار. على أن تحريض الناس على تعليم أولادهم الشعر بدأ في أيام عمر كما تقدم، أما بنو أمية فقد بذلوا المال والسعي في هذا السبيل. قال معاوية مؤسس دولتهم: «اجعلوا الشعر أكبر همكم وأكثر آدابكم»،١٤١ وكان يبالغ في إكرام الشعراء ولو هجوه، واقتدى به خلفاؤه وأمراؤه، حتى الحجاج فإنه كان يهتم بذلك ويسأل أدباء زمانه عن أشعر الشعراء ويبحث عن تفاضلهم، وإذا امتنع عليه ذلك مشافهةً كاتَبَذلك مشافهةً كاتَبَ به أهل العلم، كما كاتب قتيبة بن مسلم.١٤٢ وكانوا إذا أمسك الشعراء عن أبوابهم استوفدوهم واستزاروهم وغمروهم بالأموال والإكرام. ومن أكثرهم رغبة في الشعر عبد الملك بن مروان، فكان الناس في أيامه حيثما اجتمعوا يتناشدون ويتدارسون أخبار الشعراء.١٤٣

•••

وقد يتبادر إلى الأذهان أنهم كانوا يفعلون ذلك رغبة في الأدب وتنشيطًا لأهله؛ لأن الشعر سجية في العرب ودولة الأمويين عربية بحتة فلا يبعد أن يكون لذلك يد في الأمر، ولكن الأغلب أنَّهم كانوا يفعلونه للاستعانة بألسنة الشعراء على مقاومة أهل البيت، لعلمهم أنَّ الجمهور يعتقد أن الحق في الخلافة لهؤلاء. وكثيرًا ما كان الشعراء المغمورون بنعم بني أمية لا يتمالكون عن التصريح بذلك في بعض الأحوال.

فالفرزدق مثلًا امتدح بني أمية ونال جوائزهم، وكان متشيعًا في الباطن لبني هاشم، والأمويون يعلمون ذلك ويسترضونه. ومن جملة أخباره أنَّ مروان بن الحكم، وكان عاملًا لمعاوية على المدينة، بلغه عن الفرزدق قول أوجب حده فطلبه ففر الفرزدق إلى البصرة، فقال الناس لمروان: «أخطأت فيما فعلت، فإنك عرضت عرضك لشاعر مضر» فوجه وراءه رسولًا ومعه مائة دينار وراحلة خوفًا من هجائه. ومع ذلك اتفق أنَّ الخليفة هشام بن عبد الملك ذهب إلى الحج، وبينما هو في الطواف شاهد علي بن الحسين وأنكره، فسأل عنه. وكان الفرزدق حاضرًا، فنظم قصيدته المشهورة في مدح أهل البيت ومطلعها:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحل والحرم
ومما يدل على أن بني أمية كانوا يقربون الشعراء لغرض عائد إلى تأييد سلطانهم، أنَّ عمر بن عبد العزيز أتقاهم وأعدلهم لمّا أراد أن يتمثل بالخلفاء الراشدين في التقوى والزهد، منع الشعراء من بابه وأعلن أنَّه لا يقبل الشعر ولا يقابل الشعراء١٤٤ فلم يطل حكمه، وعاد خلفاؤه إلى المباراة في إكرام الشعراء والإغداق عليهم بالأموال.

(ب) الشعر وبنو العباس

فلما انقضت دولة بني أمية وقامت دولة العباسيين، عدل المنصور عن إكرام الشعراء، وكانوا قد تعودوا الوفود على الخلفاء أو نيل جوائزهم، فأصبحوا إذا أتوا المنصور منعهم من الدخول عليه أيامًا، حتى تنفد نفقاتهم ويَمَلُّوا الانتظار وحاجبه يرفع أمرهم إليه وهو يؤخرهم. ثم إذا أذن لهم بعد ذلك، اشترط عليهم أن يمدحوه كما كانوا يمدحون بني أمية١٤٥ وكان بخيلًا عليهم، فتغيرت قلوب الشعراء، فساعد ذلك على تباعد قلوب العرب عنه وميلهم إلى العلويين، فاستفحل أمر محمد بن عبد الله بالمدينة وقاسى المنصور أمر العذاب في إخماد ثورته. فأصبح الخلفاء بعد المنصور يتجنبون إغضاب الشعراء ويبالغون في إكرامهم. وكان الشعراء يتقربون إليهم بهجو العلويين، وخصوصًا الرشيد، فقد كان مروان بن أبي حفصة يتقرب إليه بهجائهم١٤٦ وبعد أن كان الشعراء يسمون في أيام بني أمية السؤَّال، سماهم وزيره جعفر الزوَّار. وبالغ المأمون في إكرامهم، حتى كان يغضي عنهم إذا هجوه. ذكروا أن دعبلًا الخزاعي الشاعر هجا إبراهيم بن المهدي، فرفع إبراهيم أمره إلى المأمون، فقال له المأمون: «لك أسوة بي، فقد هجاني واحتملته وقال فِيَّ ذلك:
أيسومني المأمون خطة عاجز
أو ما رأى بالأمس رأس محمد؟
إني من القوم الذين سيوفهم
قتلت أخاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله
واستنقدوك من الحضيض الأوهد»
فقال إبراهيم: «زادك الله حلمًا يا أمير المؤمنين».١٤٧

وتزاحم الشعراء بباب المهدي والرشيد والمأمون، ونبغ بشار بن برد العقيلي وأبو نواس وأبو العتاهية وغيرهم.

(ﺟ) الشعر ودول العرب

والشعر كما قدمنا من العلوم العربية، فلما تغلب العنصر الأعجمي في دولة بني العباس وصارت الأمور إلى أيدي الأتراك ضعف أمر الشعراء، حتى إذا قامت دولة بني حمدان، وهم عرب، عاد الشعر إلى رونقه وتزاحم الشعراء بباب سيف الدولة، حتى قيل إنه لم يجتمع بباب خليفة من شيوخ الشعر ونجوم الدهر ما اجتمع ببابه. وكان هو أديبًا شاعرًا، فاشتهر في عصره أبو فراس والمتنبي والسري الرفاء وأبو العباس أحمد بن محمد النامي وأبو الفرج عبد الواحد الببغاء وأبو الفرج الوأواء وغيرهم.

فلما انقضت تلك الدولة العربية عاد الشعر في الشرق إلى الخمول، وكان قد أينع في دولة بني أمية بالأندلس وراجعت سوقه واتسع نطاقه وكثرت فنونه على ما سيجيء.

أما دول المسلمين غير العرب، فقد كان فيهم من يحب الشعر ويكرم الشعراء، ولكن الغالب فيهم أن يفعل الملك منهم ذلك على سبيل القدوة أو المباهاة، وهو لا يفهم ما يقرأه من مدائحه. ومما يضحك من هذا القبيل أن الشعراء وفدوا على يوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين وكان من بربر قبيلة لمتونة البربرية بالمغرب ونظموا القصائد في مدحه بواسطة المعتضد بن عباد، فلما أنشدوه قصائدهم قال له المعتمد: «أيعلم أمير المسلمين ما قالوه؟» قال: «لا أعلم، ولكنهم يطلبون الخبز …» ولما انصرف المعتمد إلى ملكه كتب إلى ابن تاشفين رسالة قال في جملتها:

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا
شوقًا إليكمْ ولا جفت مآقينا
حالت لفقدكمُ أيامنا فغدت
سودًا، وكانت بكم بيضًا ليالينا
فلما قرئ عليه هذان البيتان قال للقارئ: «يطلب منا جواري سودًا وبيضًا؟» قال: «لا يا مولانا … ما أراد إلا أنَّ ليله كان بقرب أمير المسلمين نهارًا لأن ليالي السرور بيض، فعاد نهاره بِبُعده ليلًا لأنَّ ليالي الحزن سود …» فقال: «والله جيد … اكتب له في جوابه أنَّ دموعنا تجري عليه، ورءوسنا توجعنا من بعده!»١٤٨

(د) جمع الشعر ورواته

لما أخذ المسلمون في تفسير القرآن واحتاجوا إلى تحقيق معاني الألفاظ، كان الشعر في جملة ما رجعوا إليه في تحقيقها، فاضطروا إلى جمعه بالأخذ عن رواته. شرعوا في ذلك من القرن الأول للهجرة، وأكثر الناس اشتغالًا بجمع الشعر أهل العراق مما يلي بلاد العرب أي في البصرة والكوفة، وكان أهل الكوفة أجمع للشعر من أهل البصرة،١٤٩ وأول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الراوية الديلمي الكوفي المتوفى سنة ١٥٥ﻫ١٥٠ وخلف بن حيان الأحمر الفرغاني مولى أبي بردة،١٥١ وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة الأصمعي وغيرهم، وأكثرهم من رواة الأدب واللغة، وقد مَرَّ الكلام على ذلك في بابه.
وبلغ ما جُمع من شعر الجاهلية عشرات الألوف من القصائد، مما لم يُسمع له مثيل في أمة من الأمم كما تقدم. على أنَّ بعض الرواة كانوا ينظمون الشعر وينسبونه إلى العرب لأسباب دعتهم إلى ذلك، لكنهم لم يفعلوا في هذا النحو ما يتجاوز الأبيات القليلة. قال خلف الأحمر: «أتيت الكوفة لأكتب عنهم الشعر فبخلوا علي به، فكنت أعطيهم المنحول وآخذ الصحيح، حتى مرضت فقلت لهم: «ويلكم! أنا تائب إلى الله … هذا الشعر لي، فلم يقبلوا مني، فبقي منسوبًا إلى العرب لهذا السبب».١٥٢

وقال أبو عمرو بن العلاء: «ما زدت في شعر العرب إلا بيتًا واحدًا وهو:

وأنكرتني وما كان الذي نكرت
من الحوادث إلا الشيب والصلعا
أدخلته في جملة أبيات الأعشى» وفعل حماد أيضًا نحو ذلك،١٥٣ على أنَّ العرب ما لبثوا أن أخذوا في تمحيص الروايات بالأسانيد، بعد أن تعودوا ذلك في رواية الحديث.

•••

ومن عادة العرب في رواية الشعر، أنَّهم كانوا من أيام الجاهلية إذا نبغ الشاعر صحبه رجل يروي أشعاره ويتلوها، أو يروي له أشعار غيره للشاهد أو نحوه. ويغلب على الراوية أن يكون مرشحًا للشاعرية، كأنَّه تلميذ يتدرب على يد أستاذه يأخذ عنه، وكانت عمدتهم في الجاهلية على الحفظ؛ لأنَّهم لم يكونوا يكتبون، فكان كُثَيِّر عزة راوية جميل بثينة، وجميل راوية هدبة بن خشرم، وهدبة كان راوية الحطيئة، والحطيئة راوية زهير وابنه١٥٤ وكان الراوية في الجاهلية وأوائل الإسلام يروي للشاعر الواحد ويصحبه وينشد له، ويعجب به إعجاب التلميذ بأستاذه ويناضل عنه ويفضله على سواه. فلما احتاج العرب إلى جمع الشعر كثر رواته أو جمَّاعه، وكل منهم يجمعه ويرويه لغرض. فالنحويون كانوا يعتنون بحفظ الأشعار التي يستشهد بها في الإعراب، والشعراء كانوا يروون كل شعر فيه لفظ غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج، والإخباريون كانوا يجمعون من الشعر ما يجدون فيه الشاهد والمثل. وكان فيهم من يروي أشعار المجانين ولصوص الأعراب والأرجاز الأعرابية القصار وأشعار اليهود، على أنَّ هؤلاء لم يكونوا يُعَدّون من الرواة. وتفرَّد جماعة بجمع كل أنواع الشعر، وهم الرواة الذين ذكرناهم ومنهم حماد وخلف وغيرهما. وكانت لهم في الحفظ نوادر غريبة، لتعود ذاكرتهم على ذلك مذ أخذ الناس في ذلك العصر بتعويد حوافظهم على حفظ القرآن والحديث، لتجنب الكتابة للأسباب التي قدمناها. فكان فيهم من يحفظ بضعة وعشرين ألف قصيدة، يرويها بأسانيدها ومعاني ألفاظها كما تقدم. وكان للشعراء عناية خاصة في حفظ أشعار العرب، لاكتساب ملكة العرب فيها؛ لأنَّهم كانوا يعتقدون أنَّ من يحفظ شعر شاعر فحْل يشعر مثله، أو للجواب على ما قد يعرض عليهم من الأسئلة، إذ كان للخلفاء والأمراء في الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية عناية كبيرة في استطلاع أشعار العرب.

(ﻫ) طبقات الشعراء

العرب مطبوعون على الشعر، ولكنه يختلف فيهم معنى وأسلوبًا باختلاف العصور والأقاليم. فالبدوي الذي كان ينظم القصيدة وهو يسوق بعيره في عرض البيداء لا يرى حوله إلا رمالًا أو أطلالًا، إذا لذعته الشمس أو جنَّهُ الظلام أوى إلى بيت من الشَّعر أو الوبر، أنيسه فيه البعير والفرس، وطعامه اللبن والتمر، وضجيعه السيف والرمح، يتوسد على حذر من عدو يبغته أو حشرة تلسعه، وإذا واعد حبيبته فموعدهما الرقمتان أو العقيق فيلتقيان على أكمة أو في واد، يعبد آلهة من الحجارة أو الأخشاب أو يصنعها من التمر، وإذا جاع أكلها … فالبدوي الذي هذه حاله لا يكون خياله الشعري مثل خيال رجل نشأ بين القصور الشماء والحدائق الغناء، ولبس الحرير وتوسد الديباج وتعود أبهة الدولة وجلال الملك، وعاشر الخلفاء والوزراء وعانى أسباب التأنق وانغمس في الترف والبذخ. فإنَّ الشعر تختلف طبقاته باختلاف هذه الأحوال. ولذلك كان الشعر الجاهلي أقرب إلى الخشونة والمتانة، مع خلوه من زخرف الكلام وأساليب الكتابة والمجاز.

فلما جاء القرآن وشاع حفظه وحفظ الأحاديث، وعني الناس بجمع الآداب والأمثال واستظهار أحاسنها وأحاسن الشعر، نهضت طباع الناس وارتقت أذواقهم في البلاغة ورسخت ملكاتهم واتسعت تصوراتهم في الشعر والخطابة. فكان كلامهم في نظمهم ونثرهم أسمى رتبة وأصفى رونقًا، واقتبسوا من الفرس أساليب الإطناب. ولذلك كان الشعراء الإسلاميون أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها من شعراء الجاهلية. فشعر حسان بن ثابت وعمر بن ربيعة والحطيئة وجرير والفرزدق ونصيب وذي الرمة والأحوص أرفع طبقة في البلاغة والتفنن في أساليب التعبير من شعر النابغة وعنترة وعمرو بن كلثوم وزهير وعلقمة وطرفة١٥٥ كما كان الخطباء الإسلاميون أحسن ديباجة وأبلغ عبارة من خطباء الجاهلية.

فالجاهليون طبقة أولى، تليهم طبقة الإسلاميين إلى أواخر دولة بني أمية وهم المخضرمون، ثم طبقة ثالثة في الدولة العباسية هي طبقة المولدين، تليها طبقة المحدثين، ولا يسعنا تعيين حد فاصل بين كل طبقة وما تليها؛ لأنَّ كثيرين من الشعراء أدركوا أواخر إحدى هذه الطبقات وأوائل التي تليها. فمن شعراء الجاهلية من أدرك الإسلام، ومن المخضرمين من أدرك زمن المولدين، وقس على ذلك.

وإنَّمَا نُقسِّم الشعراء إلى هذه الطبقات تقسيمًا إجماليًّا.
  • فالطبقة الأولى: شعراء الجاهلية، والمراد بهم من كان شعره جاهليًّا أو نظم أكثره قبل الإسلام. ومزية الشعر الجاهلي البساطة والخشونة، فإذا وصفوا عاطفة مثلوها بطبيعتها، أو وصفوا أسدًا أو بيتًا أو ظبيًا لم يكن في عبارتهم تكلُّف ولا تعمُّل أو مبالغة. وأشهر أهل هذه الطبقة أصحاب المعلقات.
  • والطبقة الثانية: وهي المخضرمون، تشبه الأولى من حيث بقاء أهلها على البداوة في عهد الأمويين، ولكنها أسمى منها في البلاغة للأسباب التي قدمناها، وعليها مسحة من الحضارة. ومن أشهر الشعراء المخضرمين حسان بن ثابت وكعب بن زهير وجرير والأخطل والفرزدق.
  • والطبقة الثالثة: المولدون، وشعراؤها من معاصري الرشيد والمأمون، في عصر الزهو العباسي، عصر الترف والبذخ والتأنق والرخاء، فرقت طباعهم وارتقت أذواقهم بالمعاشرة والمخالطة، فظهر ذلك في أشعارهم فعمدوا إلى وصف الخمر ومجالس الأنس وحدائق القصور ونحو ذلك.

    فشعر المولدين يمتاز عن الطبقتين السابقتين بالرقة والخلاعة، وأشهر المولدين بشار العقيلي وأبو العتاهية وأبو نواس وأبو تمام والبحتري.

  • وأما الطبقة الرابعة: فنريد بها الشعراء الذين نبغوا بعد انتشار الفلسفة اليونانية وعلوم اليونان وشيوع علم الكلام، وفي شعر أهل هذه الطبقة صبغة فلسفية حكمية جدلية، كشعر المتنبي والمعري والشريف الرضي والصفي الحلي.

(و) الشعراء في الإسلام وأشعارهم

تكاثر الشعراء في العصر الإسلامي فوق تكاثرهم في العصر الجاهلي، لرواج سوق الشعر في القرون الأولى. على أنَّ إحصاءهم بالضبط غير متيسر لضياع أكثر أخبارهم، لكننا نستدل من بعض النصوص على أنَّ عددهم كان عظيمًا جدًّا، فقد ذكر ابن خلكان: «أنَّ هارون بن علي المنجم البغدادي صنف كتاب البارع في أخبار الشعراء المولدين وجمع فيه ١٦١ شاعرًا، وافتتحه بذكر بشار العقيلي وختمه بمحمد بن عبد الملك بن صالح»، والفترة بينهما قصيرة، وذكر المؤلف أنَّه اقتصر على خيرة الشعراء ونخبتهم. فقس على ذلك الشعراء المخضرمين والمحدثين من أهل الطبقة الرابعة، ناهيك بشعراء الأندلس فإنهم يعدون بالمئات.

أما مقدار ما نظمه أولئك الشعراء من القصائد والدواوين فمما لا يحصيه عد، وقد فقد معظمه في الفتن وغيرها في العصور الإسلامية الوسطى، فنكتفي منها بما ذكره صاحب كشف الظنون، فإنَّه ذكر نحو ستمائة ديوان لستمائة شاعر من المشاهير، أورد أسماءهم وألقابهم وسني وفاتهم، وهم من أهل العراق والشام وفارس وخراسان ومصر والأندلس وغيرها.

ويختلف حجم هذه الدواوين ومقدار صفحاتها من ألفي صفحة إلى مائة وما تحتها، وتقدير الورقة في اصطلاحهم صفحتان كل صفحة عشرون سطرًا. فديوان بشار العقيلي مثلا ألف ورقة في ألفي صفحة أي ٤٠٠٠٠ سطر أو بيت، وابن هرمة ٥٠٠ ورقة في ٢٠٠٠٠ بيت، وشعر أبي نواس في نحو ألف ورقة، ومسلم بن الوليد ٢٠٠ ورقة، وقس على ذلك.١٥٦

وإذا اعتبرت الدواوين التي ضاعت وفاتَ صاحب كشف الظنون ذكرها، والشعراء الذين لم تجمع أشعارهم ولم يكن لهم دواوين، زاد استغرابك من كثرة الشعر العربي وتعداد شعرائه مما لا تجد له مثيلًا في لغة من لغات العالم القديم أو الحديث.

(ز) عروض الشعر

المشهور أنَّ الخليل بن أحمد المتوفى سنة ١٧٠ﻫ، هو أول من وضع عروض الشعر العربي، أي استنبطه وأخرجه إلى الوجود وحصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحرًا، ثم زاد فيه الأخفش بحرًا واحدًا سماه الخبب.١٥٧ ولكن الغالب أنَّ بحور الشعر كانت معروفة من قبل، ولولا ذلك لم يستطع العرب ضبط منظوماتهم على ما نراه في أشعارهم. ويؤيد ذلك قول الوليد بن المغيرة منكرًا قول من قال: إنَّ القرآن شعر: «لقد عرفت أضرب الشعر وهزجه ورجزه وكذا وكذا فلم أره يشبه شيئًا من ذلك»١٥٨ فكيف يقول هذا وهو لا يعرف بحور الشعر؟ فالظاهر أنَّ الخليل أول من جعل العروض علمًا ورتبه هذا الترتيب وزاد فيه أنواعًا من الشعر ليست من أوزان العرب١٥٩ وربما زادوا فيه بعد ذلك شيئًا من بحور اليونان أو أساليبهم؛ لأنَّ بعض الذين كانت لهم عناية باللغة اليونانية في ذلك العصر كانوا يقابلون بين شعرها وشعر العرب. ولابن الهيثم في أوائل القرن الخامس للهجرة رسالة في صناعة الشعر ممتزجة من اليوناني والعربي١٦٠ لم نقف عليها. على أن ابن شرشير — الشاعر المعروف بالناشئ الأكبر المتوفى سنة ٢٩٣ﻫ — كان قد نظر في قواعد العروض وأدخل عليها شبهًا ومثلها بغير أمثلة الخليل.١٦١

ولا مشاحة في أنَّ عروض الشعر ارتقت وتفرعت بتوالي القرون، شأن كل ما هو من قبيل الأحياء (أي كل ما هو من صنع البشر)، فتولد في النظم ضروب من القصائد كالأصمعيات والشعر البدوي والحوراني وغيرها.

أما الأندلس فقد كان للشعر فيها تاريخ خاص لرواجه عندهم بعد اشتغال الأمم الأخرى عنه، فإنهم هذبوا مناحيه وفنونه حتى بلغ التنميق فيه الغاية، واستحدثوا الموشح ونظموا به الموشحات الأندلسية المشهورة. استنبطه مقدم بن معافى القبري الأندلسي في أواخر القرن الثالث للهجرة١٦٢ ولما شاع التوشيح عندهم وأخذ به الجمهور، لسلاسته وتنميق كلامه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيها إعرابًا، واستحدثوا فنًّا سموه «الزجل» شهره أبو بكر بن قزمان القرطبي ويعرف بإمام الزجالين.

ثم استحدث أهل الأمصار في المغرب فنًّا آخر من الشعر في أعاريض مزدوجة، نظموه بلغتهم الحضرية وسموه «عروض البلد» استنبطه ابن عمير الأندلسي. وشاع هذا الفن بفاس فنوعوه أصنافًا سموها: المزدوج، والكاري، والملعبة، والغزل وغيرها، كما شاعت الآن أنواع الزجل المصري في مصر، والقريض اللبناني، والمعنى في الشام.

وكان لعامة بغداد فن من الشعر يسمونه «المواليا» تحته فنون كثيرة، ذكروا منها «القوما» و«كان وكان»١٦٣ ومنه مفرد ومنه في بيتين وغير ذلك. ثم انتقل إلى الأمصار وتفننوا فيه، وهو شائع الآن في سوريا والعراق ومصر.

(ح) الشعر والدولة

بَيَّنَّا في كلامنا عن الشعر في الجاهلية ما كان له من التأثير في نفوس العرب لشدة حساسيتها وسرعة تأثرها. فلما صار العرب دولة وارتقت عقولهم زاد شعورهم رقة فازدادوا حساسية وتضاعف تأثير الشعر فيهم. واتسعت دائرة ذلك التأثير باتساع دولة المسلمين واهتمامهم بالشعراء وأشعارهم. فقد رأيت ما كان من احتفاء بني أمية بالشعراء واستقدامهم إليهم، وظل ذلك في صدر الدولة العباسية وفي كل دولة عربية. فإذا وفد الشاعر على الخليفة أو الأمير استأذن في الدخول عليه، فإذا حل أنشد قصيدته جهارًا والخليفة وأرباب مجلسه يسمعون١٦٤ ويترنمون فيأمر الخليفة أو الأمير بالجائزة وقد تتجاوز مائة ألف درهم إلى ألف ألف١٦٥ وقد يرتب له الرواتب الشهرية ويخلع عليه الخلع ويقلده الوظائف.١٦٦ ومن أكثر الخلفاء سخاء على الشعراء المهدي والرشيد العباسيان والناصر والحكم المستنصر الأندلسيان. ومن أسخى الأمراء خالد القسري أمير العراقين في زمن الأمويين، وسيف الدولة بن حمدان.
على أنَّ الخلفاء والأمراء عمومًا كانوا يبذلون الأموال للشعراء إلا نادرًا، وكانوا يعينون يومًا كل أسبوع أول كل شهر أو سنة يستقبلون فيه الشعراء لا يدخلون فيه سواهم١٦٧ كأنهم يريدون التفرغ للنظر في الشعر وآدابه وكان الشعراء يتناظرون ويتنافسون في ذلك المجلس، ولا يخفى ما يترتب على تلك المناظرة من شحذ الأذهان وإنهاض العزائم. وكان الأندلسيون أكثر عناية في ذلك من سواهم؛ كان للمعتضد بن عباد أمير أشبيلية المتوفى سنة ٤٦١ﻫ، دار خاصة بالشعراء يجلسون فيها على الرحب والسعة، فإذا آن يوم الشعراء — وهو يوم الاثنين من كل أسبوع — يدخلون عليه ولا يدخل عليه سواهم. وكان للشعراء مراتب عندهم ولهم رئيس يوليه السلطان١٦٨ وسجل خاص يقيدون فيه أسماءهم كأنهم يعدونهم من جملة موظفي الحكومة١٦٩ وكان أمراء الأندلس إذا عاد أحدهم من فتحٍ جلس الناس فيقرأ القراء ثم يقوم الشعراء فينشدون. ونظنهم كانوا يبالغون في إكرام الشعراء اقتداء بخلفاء بغداد، كما اقتدوا بهم في كثير من آدابهم ونظمهم وسائر أحوالهم.

(ط) الشعر والخلفاء والأمراء

ومن أسباب رواج صناعة الشعر في الدولة العربية أنَّ الخلفاء أنفسهم كانوا ينظمون الشعر ويبحثون فيه، ولبعضهم القصائد والمقاطيع الحسنة، ومن أشهر الخلفاء الشعراء يزيد بن معاوية، فقد جمعوا شعره في ثلاث كراريس ذكر ابن خلِّكان أنَّه قرأها وحفظ أبياتها لشدة غرامه بها١٧٠ ولا غرابة في ذلك؛ لأنَّ يزيد نشأ في البادية، ووالدته ميسون بنت بحدل الكلبية التي لم تعجبها قصور معاوية في الشام فحنت إلى البادية وأنشدت الأبيات التي مطلعها:
لَبيت تخفق الأرواح فيه
أحب إلي من قصر منيف
ولبس عباءة وتقر عيني
أحب إلي من لبس الشفوف
فسمعها معاوية فطلقها، فسارت إلى أهلها في نجد وهي حامل بيزيد فولدته بالبادية فأرضعته سنتين١٧١ هناك. ومن الخلفاء الشعراء أيضًا الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهارون الرشيد. وأكثر الخلفاء العباسيين كانوا ينظمون الشعر، وأشعرهم بلا استثناء عبد الله بن المعتز المتوفى سنة ٢٩٦ﻫ، ولم يتول الخلافة إلا يومًا وليلة، وكان من رجال العلم وله ديوان شعر١٧٢ قد طبع ونشر بمصر، وآخر من نظم الشعر منهم الراضي بالله المتوفى سنة ٣٢٩ﻫ، فإنه آخر خليفة دون له شعر، وآخر خليفة خطب على منبر وجالس الندماء ووصل إليه العلماء.١٧٣
وأما خلفاء الأندلس وأمراؤهم فقد نظم الشعر منهم عبد الرحمن الأوسط والمستعين بالله. وقد ألف الصولي كتابًا مستقلًّا في أشعار خلفاء بني العباس، فحسدهم خلفاء بني أمية بالأندلس، فكان همُّ الخليفة الحكم الأندلسي مَن يؤلف له كتابًا في شعراء خلفاء بني أمية مثل كتاب الصولي في بني العباس.١٧٤
وإذا تدبرت ما تقدم رأيت أكثر الخلفاء والأمراء عناية في الشعر أكثرهم اقتدارًا على نظمه؛ لأنَّهم كانوا يقدرون الشعر قدره. وذلك شأن العلم في الدول المطلقة، فإنما يروج فيها من الصنائع والفنون والعلوم والآداب ما كان للملوك أو الأمراء رغبة فيه. فالوليد بن يزيد بن عبد الملك أعطى يزيد بن منبه على قصيدة مدحه بها عن كل بيت ألف درهم١٧٥ وهو أول خليفة عد الشعر وأعطى على البيت ألف درهم. ويقال نحو ذلك في سائر الخلفاء الشعراء، وكذلك الأمراء، فإن سيف الدولة لم يرج الشعر في عصره إلا لأنَّه كان هو نفسه شاعرًا.١٧٦

فكان الغرض من تقريب الشعراء في أول دولة بني أمية سياسيًّا، ثم صار أدبيًّا يندفع الخلفاء والأمراء إليه تلذذًا بالشعر وآدابه. ولذلك كانوا يجالسون الشعراء ويقترحون عليهم نظم القصائد أو الأبيات، أو يستقدمونهم للسؤال عن بيت استغلق عليهم فهمه أو نسوا بعضه، وقد يكون بينهم وبين الشاعر بعد شاسع. فقد بعث هشام بن عبد الملك بدمشق إلى أميره على العراق يوسف بن عمر الثقفي أن يوجه إليه حمادًا الراوية ويدفع له خمسمائة دينار وجملًا مهريًّا، فسار حماد إلى الشام في ١٢ ليلة، ولما وصلها وسأل عن سبب استقدامه قال له هشام: «خطر ببالي بيت لا أعرف قائله وهو:

دعوا بالصبوح يومًا فجاءت
قينة في يمينها إبريق»
فقال حماد: «يقوله عدي بن زيد العبادي» وأنشده باقي القصيدة.١٧٧ وكثيرًا ما كانوا يفعلون ذلك وهم في مجلس من مجالس الطرب لا يجوزه الشرع، فإن يزيد بن عبد الملك صاحب حبابة التي مات في سبيل تهتكه بها، كانت تغنيه ذات ليلة وتسقيه فطرب ثم غنته:
إذا رمْت عنها سلوة قال شافع
من الحسن ميعاد السلو المقابر
فسألها عن قائل هذا البيت فقالت: لا أدري، فبعث إلى الزهري ليستخبره وكان قد ذهب من الليل شطره، فجاء وهو يرتعد خوفًا فلما علم السبب سُري عنه.١٧٨
على أنَّ الغالب في مجالسة الشعراء أن تكون لغرض أدبي، كوصف منظر أو أداة، كما فعل الهادي إذ استقدم الشعراء إليه واقترح عليهم أن يصفوا سيفًا أهداه إليه المهدي، وهو سيف عمرو بن معديكرب، فوضع السيف بين يديه وقال للشعراء: صفوه، فنال الجائزة ابن يامين المصري.١٧٩

وكان الرشيد من أكثر الخلفاء بحثًا في الشعر وقائليه، فقد سأل أهل مجلسه مرة عن صدر هذا البيت: «ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه» فلم يعرفه أحد، وكان الأصمعي مريضًا لا يقدر على المجيء، فأرسل إليه إسحاق الموصلي وبعث معه ألف دينار لنفقته، فجاء الجواب أن البيت من قصيدة لأبي النشناش النهشلي، وهذا صدره:

وسائلة أين الرحيل وسائل
ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه١٨٠

وكثيرًا ما كان الرشيد يعقد المجالس للبحث في معنى بيت، وقد سأل أهل مجلسه يومًا عن معنى هذا البيت:

قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا
ورعًا فلم أر مثله مخذولا
وكان في المجلس الكسائي والأصمعي، فطال الجدال بينهما والخليفة يسمع،١٨١ وأعطى الرشيد الفضل خاتمًا قيمته ١٦٠٠ دينار مكافأة على أحسن بيت قالته العرب في الذئب،١٨٢ والمأمون ولى ابن الجهم ولاية من أجل بيت طلبه منه واشترط عليه ذلك١٨٣ وقس على ذلك ما كان يجري من هذا القبيل في مجالس سيف الدولة وغيره من محبي الشعر.

(ي) تأثير الشعر في الدولة

ويقال بالإجمال إنَّ الشعر كان عند العرب كل آدابهم، يتناشدونه ويتسامرون به ويتذاكرون فيه، ولم يكن ذلك مقصورًا على الخلفاء أو الأمراء أو الأدباء، ولكنَّه كان عامًّا في الرجال والنساء. وكانوا لكثرة ما يحفظونه منه يرمزون باسم الشاعر إلى بيت من أبياته مشهور بمعنى ويريدون ذلك المعنى، كما اتفق لرجل كان قاعدًا على جسر بغداد فوجد امرأة بارعة في الجمال قادمة من جهة الرصافة، فاستقبلها شاب فقال: «رحم الله علي بن الجهم». فقالت له المرأة: «رحم الله أبا العلاء المعري» وما وقفا بل سارا مشرقًا ومغربًا. قال الرجل: «فتبعت المرأة وقلت لها: والله إن لم تقولي لي ما أراد وما أردت لأفضحنك!» فقالت: أراد بعلي بن الجهم قوله:

عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

وأردت بأبي العلاء قوله:

فيا دارها بالخيف إن مزارها
قريب ولكن دون ذلك أهوال١٨٤

فلا غرو بعد ما تقدم إن رأيت للشعر تأثيرًا شديدًا في نفوس كبار القوم، حتى يترتب على إنشاد البيت الواحد إيقاد نار الحرب أو قتل جماعة أو إنقاذهم من القتل.

ومن أمثلة ذلك أن أبا العباس السفاح أول خلفاء بني العباس، لما استوثق له الأمر بالخلافة تتبع بقايا بني أمية ورجالهم ووضع السيف فيهم. ولكن جماعة من كبارهم كانوا قد استأمنوا وصاروا يحضرون مجلس السفاح، فاتفق مرة أنَّ أحدهم سليمان بن هشام بن عبد الملك كان في مجلس السفاح وقد أكرمه، فدخل سديف بن ميمون الشاعر وأنشد:

لا يغرنْك ما ترى من رجال
إن تحت الضلوع داء دويَّا
فضع السيف وارفع السوط حتى
لا ترى فوق ظهرها أمويَّا

فالتفت سليمان وقال: قتلتني يا شيخ! ثم أخذ سليمان فقتل. ودخل على السفاح شاعر آخر، وقد قدم الطعام وعنده نحو سبعين رجلًا من بني أمية فأنشده:

أصبح المُلك ثابت الأساس
بالبهاليل من بني العباس

ثم ذكر مظالم بني أمية إلى أن قال:

واذكروا مصرع الحسين وزيدًا
وقتيلًا بجانب المهراس
والقتيل الذي بحرَّان أضحى
ثاويًا بين غربة وتناس
فأمر بهم السفاح فضربوا بالسيوف حتى قتلوا، وبسط النطوع عليهم وجلس فوقهم فأكل الطعام وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعًا.١٨٥

ويقال نحو ذلك في القصيدة التي هاجت الرشيد لمحاربة نقفور ملك الروم ومطلعها:

نقض الذي أعطيته نقفور
فعليه دائرة البوار تدور١٨٦

وكثيرًا ما كان ينجو الرجل من القتل ببيت يعجب به الخليفة فيخلي سبيله، وحكاية مالك بن طوق مع الرشيد مشهورة، فإنَّه بعد أن استوجب القتل وركع على النطع قال القصيدة التي مطلعها:

أرى الموت بين النطع والسيف كامنًا
يلاحظني من حيثما أتلفت

إلى أن قال:

وما بيَ من خوف أموت وإنني
لأعلم أن الموت شيء موقت
ولكنَّ خوفي صبية قد تركتهم
وأكبادهم من حسرة تتفتت
كأني أراهمْ حين أنعى إليهمُ
وقد خمَّشوا تلك الوجوه وصوتوا
وإن عشت عاشوا سالمين بغبطةٍ
أذود الردى عنهم وإن متُّ موِّتوا
فكم قائل: لا يبعد الله داره!
وآخر جذلان يسر ويشمت
فبكى الرشيد وقال: «لقد سكتّ على همة وتكلمت على علم وحكمة، وقد عفوت لك عن الصبوة ووهبتك للصبية، فارجع إلى ولدك ولا تعاود». فقال: «سمعًا وطاعة» … وانصرف.١٨٧

وكم من قائد رجع عن الهزيمة ببيت تذكره فتحمس. قال معاوية يرغب الناس في الشعر: «… فإنَّ فيه مآثر أسلافكم ومواضع إرشادكم، فلقد رأيتني يوم الهزيمة وقد عزمت على الفرار فما ردني إلا قول ابن الإطنابة الأنصاري:

أبت لي عفتي وأبى بلائي
وأخذي الحمد بالثمن الربيح»١٨٨

وقس على ذلك كثيرًا من أمثال هذه الحوادث في الجاهلية والإسلام.

(٤) العلوم الدخيلة

فرغنا من الكلام فيما اقتضاه التمدن الإسلامي من العلوم الإسلامية، وفي الأسباب التي دعت إلى نشوئها، وفي الآداب العربية الجاهلية ما بلغت إليه في الإسلام، ونحن متقدمون فيما يلي إلى الكلام في العلوم الدخيلة التي نقلها المسلمون إلى العربية، ونريد بها العلوم القديمة التي كانت شائعة عند ظهور الإسلام في الممالك التي عرفها المسلمون. وهي عبارة عن خلاصة أبحاث رجال العلم والفلسفة والأدب في ممالك التمدن القديم، على اختلاف الأمم والدول والأماكن والأصقاع في القرون المتوالية، من أقدم أزمنة التاريخ إلى أيامهم، وفيها زبدة علوم الآشوريين والبابليين والفينيقيين والمصريين والهنود والفرس واليونان والرومان. ولا يراد بذلك أن العرب أخذوا علم كل أمة عن أهله رأسًا، ولكنهم جاءوا والعلوم قد تحلبت بتوالي العصور وتفاعل العناصر، واجتمع معظمها لليونان فبوبوها ورقَّوها وظهرت النصرانية فأثرت فيها، وبقي بعضها في بقايا الدول القديمة كالفرس والكلدان والهنود وغيرهم، ممن دانوا للمسلمين وانتظموا في خدمتهم، فأخذوا من هؤلاء جميعًا؛ لذلك كان من جملة أفضال التمدن الإسلامي على العلم أنَّه جمع شتات تلك العلوم اليونانية والفارسية والهندية والكلدانية إلى العربية وزاد فيها ورقَّاها كما سيأتي.

فلنبحث أولًا في حال العلم والأدب في البلاد التي عرفها المسلمون، وهو يتناول النظر في آداب اليونان والفرس والهنود والكلدان على ما يأذن به المقام. ثم نتقدم إلى الكلام فيما نقله العرب من ذلك والأسباب التي دعت إلى نقله.

(٤-١) آداب اللغة اليونانية

أصل اليونان من القبائل الآرية التي نزحت قبل زمن من التاريخ من أعالي الهند واستقرت في الأرخبيل اليوناني وما يُقابله من شواطئ آسيا الصغرى حول بحر إيجه. وللشعوب الآرية آداب مشتركة وأخلاق متشابهة.

فنزل اليونان هناك ومعهم كثير من معتقدات أسلافهم وعاداتهم التي نزل بها إخوانهم الآريون إلى بلاد الهند، ودونوا معظمها في كتبهم الدينية السنسكريتية «البرهمية» في أقدم أزمنة التاريخ.

أما اليونان فكانوا يسمون هلاس أو الهيلينيين، وهم ثلاث قبائل كبرى: اليونيون Ionoi والأيوليون Aeoloi والدوريون Dorioi. فنزل اليونيون شواطئ آسيا الصغرى، والأيوليون في لسبس وما والاها، ونزل الدوريون في المورة وصقلية وغيرهما. وكان التمدن القديم يومئذ مزدهرًا في وادي النيل ووادي الفرات. وكان الفينيقيون جيران اليونيين برًّا والدوريين بحرًا، وقد استعمروا شواطئ آسيا الصغرى مما يلي بلادهم. فأصبح اليونيون «أو اليونان الآسيويون» على مقربة منهم، فحمل إليهم الفينيقيون كثيرًا من أسباب التمدن، وأكثره منقول عن البابليين والآشوريين والمصريين، فاقتبس اليونيون مبادئ العلم والأدب كالفلك والطب والدين ونقلوها إلى إخوانهم الدوريين في الجانب الغربي من بحر إيجه. وكان اليونانيون على الإجمال أهل ذكاء ونشاط، فما لبثوا حينًا حتى نظموا الشعر وألقوا الخطب وهي من قرائحهم الفطرية، ونبغ منهم الشعراء والخطباء ثم الفلاسفة والعلماء والأطباء، وجعلوا للعلم قواعد لا تزال مرعية في أكثر وجوهها إلى اليوم.
ويقسم تاريخ آداب اللغة اليونانية إلى ثلاثة عصور:
  • (١)

    عصر الآداب اليونانية القديمة، ويبتدئ قبل زمن التاريخ إلى سنة ٥٢٩ للميلاد، وهي السنة التي أمر فيها القيصر جستنيان بإغلاق المدارس الوثنية في مملكة الروم.

  • (٢)

    العصر البيزنطي أو القسطنطيني، ويبتدئ سنة ٥٢٩م، وينتهي بفتح العثمانيين القسطنطينية سنة ١٤٥٣م.

  • (٣)

    العصر الحديث، يبتدئ بذلك الفتح ولا يزال.

ولا يهمنا في هذا المقام إلا العصر الأول وبعض الثاني.

(٤-٢) الآداب اليونانية القديمة من قبل التاريخ إلى سنة ٥٢٩م

وتقسم الآداب اليونانية القديمة إلى ثلاثة أدوار:
  • (١)

    دور الشعر وينتهي سنة ٤٧٥ قبل الميلاد.

  • (٢)

    دور الروايات التمثيلية والتاريخ والفلسفة من سنة ٤٧٥–٣٠٠ قبل الميلاد.

  • (٣)

    دور العلم بعد نضجه أو الدور الإسكندري، ويقسم إلى عصرين: العصر اليوناني، والعصر الروماني.

(أ) الشعر اليوناني

اليونان من الأمم التي استنبطت آدابها الخيالية استنباطًا، ولم تقلد بها أحدًا ولا أخذتها عن أحد، وشأنهم في ذلك شأن العرب في علومهم الإسلامية وآدابهم العربية. وأقدم آداب اليونان الشعر، وقد أتقنوه وأجادوا فيه من قديم الزمان؛ لأنَّ كل قبيلة منهم تولت إتقان فرع منه، فاشتغل اليونيون في الشعر القصصي، والأيوليون في الشعر الموسيقى البسيط، واشتغل الدوريون في إتقان هذا الشعر والتوسع فيه، وأخيرًا اشتغل الأتيون Attioi — وهم فرع من اليونيين — في إتقان الشعر التمثيلي وسائر الفنون الخيالية، وتطرقوا منها إلى الفنون النثرية كالتاريخ والفلسفة وغيرهما. وكانت لغات هذه القبائل تختلف بعضها عن بعض، مثل اختلاف لغات قبائل العرب في عصر الجاهلية.

ويغلب على الظن أنَّ اليونان نظموا الشعر قبل تشتت قبائلهم، وأقدم أشعارهم «أناشيد الفصول»، تليها أشعار وصفوا بها الآلهة أو الحروب على شكل الحكايات المتقطعة كانوا يتناشدونها بالآلات الموسيقية. فلما تفرقوا اختص اليونيون بالشعر القصصي، فألفوا من تلك الحكايات الملاحم، وأقدم الملاحم الإلياذة والأوذيسة نظمهما هوميروس في القرن التاسع قبل الميلاد، وصف بهما الأيام العشرة الأخيرة من حصار طروادة.

وقد زها الشعر القصصي عند اليونان قبل سائر ضروب الشعر؛ لأنَّه يصف وقائعهم وحروبهم. وكانوا في أوائل أحوالهم مثل قبائل العرب، وكان أمراؤهم يحبون سماع أخبار أسلافهم من الأبطال وأنصاف الآلهة، فحببوا إلى أصحاب القرائح نظم تلك الأخبار في الملاحم. وفي أواسط القرن الثامن قبل الميلاد أخذت السلطة الاستبداية في الأفول، وأخذ اليونان يتمتعون بحريتهم الشخصية استعدادًا للحكم الجمهوري. فنما شعورهم الاستقلالي، وأحس كل منهم بذاتيته، وتولد فيه الميل إلى وصف عواطفه وميوله، فنظمها شعرًا هو الشعر الغنائي، وأكثر المشتغلين به الأيوليون والدوريون، وله عند كل منهما مميزات، وأشهر نوابغ الشعر الموسيقي عند اليونان سميونيدس وبندار. الأول يوني الأصل دوري النظم، وأكثر منظوماته في وصف أحوال الحرب بين اليونان والفرس، والثاني دوري المولد والمنشأ وأسلوبه ونظمه دوريان.

(ب) الأدب والعلم والفلسفة عند اليونان من سنة ٤٧٥–٣٠٠ق.م

الأدب والتاريخ

ويسمى هذا الدور أيضًا الدور الأتي أو الأتيكي نسبة إلى أتيكا في جزائر اليونان، وسكانها مزيج من اليونيين والدوريين. فبعد أن اشتغل اليونيون والأيوليون والدوريون في إنشاء الشعر ودونوا به أخبارهم ووصفوا حروبهم وعبروا به عن عواطفهم وعواطف ذويهم، استحثتهم قرائحهم الوقادة إلى ما يمثلون به تلك الأخبار ويشخصون به العواطف؛ ليراها الناس رأي العين أو يشعروا بها كأنها بين جنبيهم فأحدثوا فن التمثيل «الدراما» ومنه التراجيديا والكوميديا، وأجادوا في كليهما، ونبغ منهم مشاهير عظام من أهل هذا الفن مما يطول بنا الكلام فيه، وهو خارج عن موضوعنا. وإنما يقال بالإجمال: إنَّ اليونان أتقنوا الشعر على اختلاف ضروبه وموضوعاته قبل أن يعتنوا بالنثر المرسل لاستغنائهم عنه بالشعر القصصي. وأقدم آثارهم النثرية وأكملها كتابات هيرودوتس الرحالة الشهير المتوفى سنة ٤٠٦ق.م، وهي بالنظر إلى نثر اليونان مثل إلياذة هوميروس بالنظر إلى شعرهم.

على أن هيرودوتس ليس أول من كتب النثر المرسل عندهم، فقد ظهر قبله جماعة من العلماء دونوا به آراءهم في الفلسفة أو الميثولوجيا أو التاريخ أو غيرها من العلوم النثرية. وأما هيرودوتس فتغلب نثره على نثرهم لحسن أسلوبه وأهمية الموضوعات التي كتب فيها. فقد كتب رحلته قبل سنة ٤٣١ق.م، وهي التاريخ المعروف باسمه، بيَّن فيه أسباب الحروب التي نشبت بين الفرس واليونان في القرن السادس وأول الخامس قبل الميلاد. ولا يزال كتابه فريدًا في بابه إلى اليوم، ولذلك لقبوه بأبي التاريخ. وبعده بقليل نشبت بين أهل أثينا وأهل المورة حرب أهلية هائلة، هي الحرب المورية أو البيلوبونيسية من سنة ٤٣١–٤٠٤ق.م فأرخها ثوسيدس، وكان معاصرًا لهيرودوتس وأصغر منه. ثم ظهر جماعة من كتاب التاريخ عندهم كخينوفون وغيره، ثم اشتغل اليونان بالخطابة ونبغ منهم ديموستنيس وأشينس وهبريدس وغيرهم، واشتغل آخرون في وضع الشرائع مثل صولون، وآخرون بوضع قواعد اللغة أو غيرها مما لا يهمنا البحث فيه هنا.

العلم والفلسفة

وهما من نتاج الدور الآتي، فقد ظل اليونانيون على نحو ما تقدم من الآداب الشعرية والتاريخية والأدبية، حتى تنبهت أذهانهم إلى البحث في الخليقة والعلل والمعلومات بنهضة حدثت على أثر الحروب المورية المذكورة. فإنَّها توالت ٢٧ سنة، وفي نهايتها دخلت أثينا في حوزة اللقديمونيين Laecedomonoi وأصبح الأثينيون بعد العز أذلاء، فساقتهم العبرة والمذلة إلى النظر في الوجود فنهضوا نهضة فلسفية زعيمها وواضع أساسها سقراط. والحروب يغلب أن يقعبها نهضة أدبية أو علمية أو سياسية، على ما قررناه في غير هذا المكان.

على أنَّ اليونان تنبهوا إلى النظر في الموجودات الطبيعية وأحوالها قبل تلك النهضة، على أثر احتكاك الأفكار في أثناء حروبهم مع الفرس. وإنَّما كان نظرهم فيها مقصورًا على تفهم نواميسها على نحو ما نعبر عنه اليوم بالطبيعيات، وأقدم من وصل خبره إلينا من الفلاسفة الطبيعيين طاليس المليطي، ولد في مليطة من بلاد يونيا سنة ٦٤٠ قبل الميلاد، وقد أخذ علمه من فينيقية ومصر وكريت ويونيا، وغلب عليه النظر في النجوم والهندسة، وله آراء في الوجود والموجودات وأصل العناصر، ووضع كثيرًا من القواعد الرياضية لاستخراج الكسوف والخسوف وقياس الأجسام المرتفعة بالنظر إلى ظلها، ونبغ بعده جماعة من تلامذته وتلامذتهم، ومنهم أرخيلاوس وهو الذي نقل الطبيعيات من يونيا إلى أثينا، وهناك تتلمذ له سقراط المولود سنة ٤٦٩ق.م، وفي أيام هذا الفيلسوف حدثت الحروب المورية، فامتزجت الطباع وتحاكت الأفكار فهاجت القرائح وثارت العواطف، وأصبح الناس متضاغنين متنافسين، وربما كان للرجل عدو من قبيلته وأهله.

•••

فلما أصيبت أثينا بالذل بعد تلك العظمة أصاب أهلَها اضطرابٌ وانكسارٌ، والإنسان إذا أصيب بنكبة لا حيلة له في دفعها اشتغل عنها بالتعليلات الفلسفية عن الوجود وأصله ليخفف وطأة تلك المصيبة عليه، خصوصًا في مثل ما أصيبت به أثينا بعد عزها ورفعة شأنها، وأصبح أهلها بعد سقوطها يتلفتون إلى الوراء آسفين وينظرون إلى الأمام خائفين، وقد ذهبت أسباب مفاخرتهم القديمة ولم تنتظم حكومتهم الجديدة، فتنبهت أذهانهم وانصرفت قرائحهم إلى النظر في شؤون الإنسان على الجملة وشؤونهم هم على الخصوص. فكانت وجهة تلك النهضة الأدب والفلسفة، فدخل القرن الرابع قبل الميلاد والناس يتناقلون آراء بعض المتقدمين من العلماء على ما يوافق أحوالهم، ونفوسهم تشتاق إلى الزيادة.

سقراط

وكان النَّاس في ذلك إذ نبغ سقراط الحكيم، ورأى النظر في الفلسفة الطبيعية لا يجدي نفعًا في تلك الأحوال، فانصرفت عنايته إلى الفلسفة الأدبية فَدَرَسَهَا جيدًا، وخلصها مما كان يعتورها من الرموز والغوامض، وطبقها على حاجات الأثينيين يومئذ، وقسم شرائعه إلى ما يتعلق بالإنسان من حيث هو إنسان، وإلى ما يتعلق به من حيث هو أب ومدبر، وإلى ما يتعلق به من حيث هو عضو في الجماعة، وذهب إلى خلود النفس. ويعتبره اليونانيون واضع الفلسفة الأدبية العلمية، أو هو محول الفلسفة القديمة من الخيال إلى العمل، قال شيشرون: «إنَّ سقراط أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض».

ويندر أن ينجو النوابغ وأصحاب الآراء الجديدة من حُسَّاد يتمنون أذيتهم أو يسعون فيها. وقد كان في تعاليم سقراط ما يخالف اعتقاد الأثينيين يومئذ، فقاموا عليه واتهموه بإفساد عقول الشباب وحكموا عليه بالموت، فشرب السم ومات.

أفلاطون

مات سقراط ولم يدون شيئًا من تعاليمه، فدوَّنها تلامذته من بعده، ولكنهم اختلفوا في تفسير أقواله فانقسموا إلى ثلاث فرق تعرف بالكيرينية والكلبية والإشراقية. وهذه الأخيرة أشهرها وتسمى أيضًا الأفلاطونية نسبة إلى صاحبها أفلاطون المولود سنة ٤٢٨ قبل الميلاد. ومذهبه مقتبس من ثلاثة مذاهب قديمة، فإنه تبع هيرقليطس في الطبيعيات، وفيثاغورس فيما وراء الطبيعة والنقليات، وتبع سقراط في الفلسفة الأدبية والأخلاق. وقال بثلاثة أصول هي: الإله، والمادة، والإدراك. والآلهة عنده ثلاث طبقات: علويون، ومتوسطون، وسفليون، وعلم بتناسخ الأرواح. وكتب أفلاطون على أسلوب المحاورات، وسيأتي ذكرها في كلامنا عما نقله المسلمون من كتب الفلسفة إلى العربية.

أرسطو

وانقسم تلامذة أفلاطون أيضًا إلى فرق، أهمها فرقة المشائين وصاحبها أرسطو أو أرسطوطاليس الذي أجمع العلماء على أنه أقدر الفلاسفة القدماء، ويسميه العرب المعلم الأول. ولد سنة ٣٨٤ وتوفي سنة ٣٢٢ق.م، وعنه نقل العرب أكثر كتب الفلسفة والمنطق. جمع أرسطو في كتبه زبدة ما بلغ إليه العلماء في عصره ببلاد اليونان من الفلسفة والعلم. أما الفلسفة فأخذها عن أستاذه أفلاطون، ويدخل فيها الأبحاث المنطقية والعقلية والنفسية والسياسية. وأما العلم، ويراد به الحقائق المبنية على المشاهدة والاختبار كالرياضيات والطبيعيات ونحوها، فقد كانت من جملة ما طالعه من علوم القدماء وما اختبره بنفسه، وكان غرض أرسطو إيضاح الفلسفة بالعلم وإخضاع كل بحث عقلي أو نظري إلى النواميس الطبيعية. ولم يكن يهمه تزويق العبارة أو برقشة الألفاظ، وإنما كان يهمه الغرض الأصلي من الموضوع، فكان يبذل جهده في تجريد عبارته من الخيالات الشعرية التي مازجت فلسفة أفلاطون.

فلما أظهر أرسطو فلسفته شغف الناس بها، وكان يلقيها في أروقة حول هيكل أبولو قرب أكاديمية أفلاطون، وكان يتلو دروسه وهو يمشي هناك فسمي تلامذته المشائين أو الرواقيين. ومن حظ أرسطو أنَّ الإسكندر المقدوني ظهر في أيامه وتتلمذ له وأمدَّه بالأموال لأبحاثه في الطب والحيوان وغيرهما. ولما سافر الإسكندر للفتح ظل أرسطو في أثينا، فلما جاء الخبر بموت الإسكندر سقط حزبه وفي جملتهم أرسطو. وكانت فتوح الإسكندر قد هزت القرائح اليونانية كما هزتها حرب المورة من قبل، فنهضت نهضة ثانية والعقول أكثر استعدادًا وأقوى على الأبحاث. ولا يبعد أن يكون الإسكندر قد نقل إلى أثينا بعض علوم فينيقية وبابل وفارس، كما سيأتي، فأدخلها أرسطو في فلسفته وألف في كل موضوع عقلي وطبيعي وفلسفي ومنطقي ولغوي. ومؤلفاته كثيرة، وينسبون إليه كتبًا لم يؤلفها هو. وأما الكتب التي ثبتت نسبتها إليه فنحو ١٩ كتابًا، نقل المسلمون أكثرها إلى العربية وسيأتي ذكرها.

والكتب المنسوبة إليه خطأ أكثرها في الميكانيكيات والبلاغة والأدبيات والرياضيات، مما لا حاجة إلى ذكره، وإنمَّا نذكر منها كتابين مشهورين له وهما: كتاب المقولات «قاطيغورياس» في المنطق، وكتاب التفسير.

قد جاء أرسطو في أواخر عصر الزهو اليوناني، فجمع ما ولدته العقول اليونانية إلى أيامه من الآراء والأبحاث والاختبارات في العلم والفلسفة، ورتبها في كتب تعليمية توخى فيها الوضوح والسهولة، فعاشت تعاليمه أدهارًا ولم تستغن عنها أمة من الأمم التي تمدنت في عصر اليونان أو بعدهم كالرومان والفرس والعرب وغيرهم، ولا يزال كثيرٌ منها مرعيًّا إلى اليوم.

مؤلفات أرسطو

ولمؤلفات أرسطو تاريخ غريب لا بأس من إيراده: لمَّا دنَا أجلُه عَهِد بكتبه ومسوداته إلى أكبر تلامذته ثيوفراستوس، وبعد ٣٥ سنة توفي هذا وقد عهد بها وبكتبه هو إلى تلميذ اسمه نيليوس. فرحل هذا إلى وطنه سبسس في آسيا الصغرى فبقيت عنده حتى توفي، فخاف ورثته عليها من ملك برجامس حينئذ فأخفوها في مغارة بقيت فيها ١٨٧ سنة. فلما استخرجوها في رأس المائة الأولى قبل الميلاد، وجدوا بعضها قد تهرأ بالعفونة والرطوبة والبعض الآخر أكله الدود والعث، فباعوها صفقة واحدة إلى كتبي اسمه أبليكون فأرجعها إلى أثينا. فلما استولى سولا الروماني على أثينا سنة ٨٦ق.م، كانت مكتبة هذا الرجل في جملة غنائم الرومانيين فنقلوها إلى رومية فتوصل إليها بعض اليونانيين المقيمين هناك فاشتغلوا في نسخها وضبطها. وأول المشتغلين في ذلك تيرانيون صاحب شيشرون. ثم تولى أندرونيكوس الرودسي تصحيحها وترميمها، ثم تناقلها الناس. فكل ما وصل إلى العالم من مؤلفات أرسطو إنَّما هو من تصحيح أندرونيكوس المذكور في أواسط القرن الأول قبل الميلاد.

على أنها ما لبثت أن ظهرت في العالم حتى تناولها الناس واشتغلوا فيها بين درس ونقل وترجمة وتلخيص وشرح ونقد. بدأ بذلك اليونان أنفسهم، ثم الرومان فالفرس فالعرب، فأهل العصور الوسطى في أوربا. فأهل أوائل التمدن الحديث، وخصوصًا فلاسفة القرون الأولى لهذه النهضة. وكانت مدرسة الإسكندرية الآتي ذكرها تعلم الفلسفة بكتب ينسبونها إلى أرسطو وكتبه لا تزال مدفونة. فلما فتح الرومان الإسكندرية — وكانوا قد وقفوا على نسخ أندرونيكوس — اعتمدوا عليها دون سواها وأصبحت عمدة التعليم في رومية والإسكندرية على السواء. حتى ظهرت النصرانية، فبطل تعليمها في رومية وظل في الإسكندرية. ولما سعى قياصرة الروم في إزالة الوثنية من مملكتهم، بحثوا عن العلوم الوثنية وأبطلوها ومن جملتها كتب أرسطو إلا بعض كتبه المنطقية. على أنهم كانوا يعلمونها سرًّا، حتى جاء الإسلام وانتقل التعليم من الإسكندرية إلى أنطاكية أيام عمر بن عبد العزيز، فانتقلت إلى هناك وظل تعليمها محظورًا لا يتعلمها إلا بعض اليهود أو الحرانيين لتقوى بها حجتهم على النصرانية.

الطب والنجوم

والطب أيضًا من ثمار تلك النهضة على أثر الحرب المورية، وكان اليونان قبل ذلك يعالجون مرضاهم بالكهانة، وينسبون الأمراض إلى أعمال الشياطين والعلاج إلى أعمال الآلهة. وكان الفلاسفة يتكلمون في الطب باعتبار أنه فرع من العلم الطبيعي، ولم يستقل أحد منهم بالبحث فيه. وأول من رتب الطب وبوبه وبناه على أسس صحيحة أبقراط المتوفى سنة ٣٥٧ق.م، ولذلك سموه أبا الطب. وهو من نتاج الحرب المورية، فقد نشأ في أثنائها ونبغ بعد انقضائها وسافر إلى سوريا، ولعله اطلع على طب البابليين والمصريين فأضافهما إلى طب اليونان وألف فيه الكتب. وأساس علاجه الاعتماد على الطبيعة، وكان يفصد ويحجم ويكوي ويحقن ويشخص الأمراض بالسماعة ويصف المسهلات النباتية والمعدنية. وله كتب في الطب كثيرة، ذكروا منها ٨٧ كتابًا ولم يثبت له منها إلا نحو العشرين، وسيأتي ذكرها فيما نقله المسلمون من كتب الطب إلى العربية. وما زالت كتب أبقراط معول الأطباء إلى العصر الحديث، وفيهم مَنْ شَرَحها أو فسّرها أو ترجمها أو علق عليها. وممن اشتغل من اليونانيين في ترقية العلوم الطبية بعد أبقراط أرسطو وغيره من الفلاسفة العظام، فلما أنشئت مدرسة الإسكندرية على عهد البطالسة كان للطب شأن كبير فيها كما سيجيء.

وعلم النجوم — أو علم الفلك — قديم عند سائر الأمم، كما قد رأيت في كلامنا عن علوم العرب قبل الإسلام. أخذ اليونان مبادئ هذا العلم عمن سبقهم من أمم التمدن القديم، على يد الفينيقيين وتوسعوا فيه من عند أنفسهم. وكان النظر فيه من جملة أبحاث الفلاسفة، وأقدمهم طاليس المتقدم ذكره، وقلّ من جاء بعده من فلاسفة اليونانيين ولم يتعرض لهذا الفن، وأشهرهم فيه أنكسيمندر وأنكسيمينس وأنكساغوراس. وكان للقسم الإيطالي من بلاد اليونان عناية كبرى في النجوم، ومقدم فلاسفتهم فيه فيثاغورس الشهير المتوفى سنة ٥٠٠ق.م، أخذ بعض هذا العلم من مصر وتوسع فيه وتبعه في ذلك كثيرون. ولا يكاد يخلو فيلسوف من فلاسفة اليونان من النظر في النجوم وأحكامها مما يطول شرحه. على أنَّ هذا العلم بلغ قمة مجده في مدرسة الإسكندرية. ويُقال نحو ذلك في سائر العلوم الرياضية كالحساب والهندسة، فقد اشتغل فيها الفلاسفة لكنها لم تنضج إلا في مدرسة الإسكندرية على يد أوقليدس.

(ﺟ) الدور الإسكندري

مدرسة الإسكندرية ومكتبتها

لم يكد اليونان يتخلصون من مصائبهم بالحروب المورية حتى انقض عليهم الرجل المقدوني العظيم «الإسكندر» فغلبهم على ما في أيديهم، ثم حمل بهم على العالم المتمدن في ذلك العهد، ففتح مصر وبنى فيها الإسكندرية واكتسح الشام والعراق وفارس إلى بلاد الهند. فأصاب العالَمَ بتلك الحروب هزةٌ انتفضت لها أعصابه واختلطت عناصره، فالتقى اليوناني بالفينيقي والمصري والفارسي والكلداني والهندي، وتحاكت الأفكار وتلامست المطامع وتقاطعت المصالح، وكان من أقل نتائجها:

  • أولًا: نشر علوم اليونان وآدابهم وتمدنهم في أمم الأرض.
  • ثانيًا: نقل علوم الفرس والكلدان وغيرهم إلى بلاد اليونان أو مصر. فقد ذكروا أنَّ الإسكندر لما فتح إصطخر عاصمة الفرس خرب أبنيتها وشوه نقوشها ونسخ ما كان مجموعًا من ذلك في الدواوين والخزائن هناك ونقله إلى اللسان اليوناني والقبطي. وبعد فراغه من نسخ حاجته منه أحرق ما كان مكتوبًا بالفارسية، وأخذ ما كان يحتاج إليه من علم النجوم والطب والطبائع وبعث به وبسائر ما أصاب من العلوم والأموال والخزائن والعلماء إلى بلاد مصر.١٨٩

ولما مات الإسكندر سنة ٣٢٣ق.م، انقسمت مملكته بين قواده، فانتقل علماء اليونان من بلادهم للإقامة في مستعمراتهم الجديدة في مصر والشام والعراق، فابتنوا المدارس في الإسكندرية وأنطاكية وبيروت وغيرها، وكان حظ البطالسة في الإسكندرية أوفر من حظوظ سائر الدول اليونانية في الشرق في ترقية شؤون العلم والفلسفة. وكان بطليموس الأول — الملقب بسوتر — أول البطالسة عادلًا محبًّا للعلم «حكم من سنة ٣٠٦–٢٨٥ق.م» فتقاطر إليه العلماء والفلاسفة من بلاد اليونان على اختلاف القبائل والأماكن، فأكرم وفادتهم ونشطهم في مواصلة البحث والدرس، وأطلق لهم الأموال فزادوا احترامًا له ورغبة في العلم.

وكان من جملة المقربين إليه خطيب أثيني اسمه ديمتريوس فاليروس، أشار عليه بإنشاء مكتبة يجمع إليها الكتب من أنحاء العالم فأجابه إلى ذلك، وأنشأ مكتبة الإسكندرية الشهيرة التي بحثنا عن أسباب حرقها فيما تقدم. والظاهر أنَّ الكتب التي بعثها الإسكندر من إصطخر وغيرها وضعوها في هذه المكتبة. وديمتريوس هذا هو الذي سماه ابن القفطي «زميرة»، وسبب الفرق تصحيف في النسخ. وبإشارته أيضًا أنشأ سوتر المتحف أو النادي Museum على هيئة مدارس أوربا الجامعة، يجتمع فيه العلماء والأدباء والفلاسفة للدرس والبحث، وهو مدرسة الإسكندرية الشهيرة.

وكان البطالسة خلفاء سوتر يقتفون أثره في تنشيط العلم، وأكثرهم من العلماء وخصوصًا فيلادلفوس «من سنة ٢٨٥–٢٤٧ق.م» فإنَّه أضاف إلى المكتبة ما لم يكن فيها من كتب العلم اليونانية وغير اليونانية، فابتاع الكتب وجمع كثيرًا من مؤلفات اليهود والمصريين القدماء حتى لا ينقص هذه المكتبة علم ولا خبر، وخلفه بطليموس أورجيتس «سنة ٢٤٧–٢٢٢ق.م» فأضاف إلى المكتبة كثيرًا من كتب الأدب والشعر والتمثيل مما وجدوه في خزائن أثينا، وفرض على كل من يقيم في الإسكندرية أو يمر بها من رجال العلم أن يقدم للمكتبة نسخة من كل ما يملكه من الكتب، فزهت الإسكندرية بالعلم ونبغ فيها العلماء في كل موضوع، حتى فاقت كل ما تقدمها أو عاصرها من مدن العالم القديم، وما زالت رافلة بالعلم والعلماء إلى ظهور الإسلام، أي عبارة عن نيف وتسعمائة سنة تقسم إلى مدتين:

  • الأولى: يونانية تبتدئ بولاية سوتر وتنتهي بدخول مصر في حوزة الرومان سنة ٣٠ قبل الميلاد.
  • والثانية: رومانية تبتدئ من هذه السنة وتنتهي سنة ٦٤٠م، لما فتحها ابن العاص.

وكان غرضها في المدة الأولى علميًّا أدبيًّا، وغايتها ترقية العلوم اليونانية وتوسيع نطاقها، وكانت المرجع العلمي الوحيد في تلك العلوم إلى أواخر القرن الثاني للميلاد، فأخذت تتقهقر لأسباب كثيرة، أهمها فساد الحكومة واعوجاج الأحكام وظهور مدارس أخرى من نوعها في سوريا ورودس وغيرهما، فتحولت همم رجال العلم إلى بلاد العدل والحرية. فلما دخلت الإسكندرية في حوزة الرومان اتسعت شهرتها باتساع دولتهم، ولكن رغبة رجال العلم تحولت عنها إلى رومية. واتفق ظهور الديانة المسيحية واشتغال ذوي القرائح في إثباتها أو نفيها. ونظرًا لتوسط الإسكندرية وقربها من ميدان الجدال اتخذت مدرستها خطة فلسفية دينية. فلمدرسة الإسكندرية بهذا الاعتبار عصران:

  • الأول: يوناني علمي أدبي.
  • والثاني: روماني فلسفي ديني.

العصر الإسكندري اليوناني من سنة ٣٠٦–٣٠ق.م

زهت الإسكندرية في عصرها الأول بمن انتقل إليها من جالية اليونان، على أثر ما أصاب بلادهم من الذل بعد ذهاب استقلالهم، وحملوا معهم كتب العلم والفلسفة والطب والشعر والأدب واللغة والتاريخ، غير ما جمعه البطالسة من الكتب الأخرى كما تقدم، فأقام اليونانيون في الإسكندرية على الرحب والسعة في ظل حكومة يونانية وعادات وآداب يونانية، لكنهم كانوا قد أضاعوا أنفة الاستقلال وروح الحرية، لتقيد عواطفهم وشعائرهم بالحكم المطلق الذي لا يقترب منه إلا المتزلفون، ففسدت القرائح وضاقت العقول، فاشتغل يونانيو الإسكندرية في الشعر والخطابة والتاريخ والميثولوجيا، لكنهم لم يجيدوا شيئًا منها مثل إجادتهم في أثينا والمورة وساقس وغيرها، ناهيك بانصراف الأذهان إلى العلوم الطبيعية والرياضيات، وقد كان لهذه العلوم حظ وافر في تلك المدرسة، فنبغ فيها جماعة من علماء الفلك والطب والهندسة والجغرافية، وإنْ كانت مؤلفاتهم في الغالب مبنية على مؤلفات القدماء أو شروحها لها.

الرياضيات

نبغ إقليدس الصوري المولود سنة ٣٢٣ق.م، وقد طلب العلم في بلاد اليونان وأتقن الرياضيات بنوع خاص، وكانت الإسكندرية قد دخلت في حكم البطالسة وأفضت الحكومة إلى بطليموس فيلادلفوس، فاستقدمه إليه في جملة من استقدمهم من رجال العلم، ووسع له الرزق وأمره بتدريس الهندسة وكان فيلادلفوس أول من تلقاها عنه، وهناك ألف كتابه المعروف بأصول إقليدس ولا يزال عليه المعول في هذا الفن إلى اليوم، وقد نُقل إلى كل لغات العالم المتمدن.

ونبغ من الرياضيين بعد إقليدس أرخميدس — أو أرشميدس — الصقلي المولود سنة ٢٨٧ قبل الميلاد، وجاء مدرسة الإسكندرية وتلقى فيها الرياضيات وعاد إلى بلاده، وكان ملكها يحترمه فقربه إليه، وكان في حرب ضد الرومان فأعانه من علمه بما لم يستطعه القواد بسيوفهم، ولكنه ذهب ضحية تلك المساعي، فقتله بعض جنود الرومان في أثناء الفتح وهو لا يعرفه.

ولأرخميدس اكتشافات مهمة في النواميس الطبيعية المتعلقة بالهندسة أو الحساب، وذكروا له من الكتب كتابًا في الكرة والأُسطوانة، وآخر في تربيع الدائرة وتسبيعها والدوائر المماسة والمثلثات والخطوط المتوازية والمأخوذات والمفروضات.١٩٠

ثم نبغ أبولونيوس المولود سنة ٢٥٠ق.م صاحب الأبحاث في قطع المخروط، وهيبارخوس المتوفى سنة ١٢٥ق.م مؤسس الرأي الفلكي للسماوات، واشتغلوا في أثناء ذلك بالجغرافية الرياضية، وأول من كتب فيها أراتستين المتوفى سنة ١٩٥ق.م، وهو أول من وضع جداول أسماء الملوك الفراعنة وأول من قاس الأرض.

ثم ظهر بطليموس القلوذي الشهير في أواسط القرن الثاني بعد الميلاد، فأخذ رأي هيبارخوس وبنى عليه كتاب المجسطي الذي كان عليه المعول في مدارس العالم إلى عهد غير بعيد. ومن أقوالهم: «لا يُعرف كتاب أُلِّفَ في علم من العلوم قديمها وحديثها فاشتمل على جميع ذلك العلم وأحاط بأجزائه غير ثلاثة: كتاب المجسطي في علم هيئة الفلك وحركات النجوم، وكتاب أرسطوطاليس في صناعة المنطق، وكتاب سيبويه في النحو»١٩١ ومن مؤلفات بطليموس المذكور كتاب الأربعة، وكتاب الحرب والقتال، وكتاب الجغرافية في المعمور وغيرها.

واشتغل علماء الإسكندرية خصوصًا برصد الأفلاك واستخراج الأزياج، وكان عندهم مرصد يرصدون منه الأجرام، وظل هو المرصد الوحيد في العالم إلى أيام الإسلام.

الطب

أما الطب فقد كان يُعلَّم في مدرسة برجامس، فلما زهت مدرسة الإسكندرية توجهت الأنظار إليها وكثر طلبة الطب فيها، وكانت عمدة التدريس فيها على مؤلفات أبقراط، لكنهم اشتغلوا خصوصًا في فن التشريح حتى فاقوا فيه سائر مدارس الطب في ذلك العهد، واشتهر فيها أثناء العصر اليوناني طبيبان لكل منهما مذهب في الطب والعلاج وهما: هيروفيلوس، وأراسستراتس. الأول من خلقيدونة، وتلقى العلم في مدارس اليونان واشتغل خصوصًا في التشريح، وألف كُتُبًا وافق أبقراط في أكثرها، ويُعدونه في المنزلة الأولى بعده. أما الثاني فكان مُعاصرًا لهيروفيلوس، وهو من أنطاكية وجاء الإسكندرية للتبحر في علم التشريح، وله مؤلفات ذهب فيها مذهبًا غير مذهب هيروفيلوس، فكان لكل من هذين الطبيبين تلامذة يؤيدون رأيه، وأصحاب هيروفيلوس ينصرون أبقراط والآخرون ضده. وظل المذهبان إلى القرن الثاني بعد الميلاد، وقد مهد الأرستراتيون الطريق للتدجيل الذي شاع بعدئذ في الأجيال المظلمة.

انقضى عصر مدرسة الإسكندرية اليوناني وبعض العصر الروماني والأطباء فئتان لهما مذهبان متناقضان، حتى ظهر جالينوس القلوذي المولود في برجاموس سنة ١٣٠م. تلقى أصول العلم على أبيه ثم شرع في درس الطب هناك، وسافر سنة ١٥٠م إلى أزمير، ثُمَّ قَدِمَ إلى الإسكندرية لإتقان فن التشريح، وطاف بلادًا أخرى في طلب العلم حتى عاد سنة ١٥٨م. إلى برجاموس وسافر سنة ١٦٤ إلى رومية وهي آهلة بالعلماء، واتفق له معالجة بعض كبار القوم وشفاؤهم على يديه فذاع صيته وسموه «الطبيب العجيب»، فحسده زملاؤه فرجع إلى بلاده سنة ١٦٨، ثم تمكن من الرجوع إلى رومية وخدم بعض أباطرتها حتى توفي سنة ٢٠٠م، وله مؤلفات عديدة في الطب أشهرها يُعرف بالكتب الستة عشر، وبعضها يعرف بأسماء خاصة حسب موضوعاته، وسيأتي ذكرها في جملة ما نُقل من كتب الطب إلى العربية. وجالينوس ليس من أهل العصر الإسكندري اليوناني الذي نحن بصدده، وإنَّما ذكرناه استيفاء للكلام في تاريخ الطب.

العصر الإسكندري الروماني من سنة ٣٠ق.م–٦٤٠م

هو العصر الإسكندري الثاني، ويبتدئ في الحقيقة قبل الفتح الروماني بنصف قرن، أي منذ دخول أثينا في حوزة الرومان في القرن الأول قبل الميلاد، فإنَّ قائدهم «سولا» — بعد أن فتح أثينا — حمل منها إلى رومية أحمالًا من كتب العلم والفلسفة كما تقدم، فانتقل العلم من ذلك الحين من أثينا إلى رومية، ولما أسس أوغسطس قيصر المكتبة الشهيرة في رومية قسمها إلى قسمين: لاتيني ويوناني. ولم ترث رومية كتب أثينا فقط ولكنها ورثت علماءها وفلاسفتها أيضًا، فأصبح اليونان أنفسهم إذا أرادوا التبحر في العلم رحلوا إلى رومية، وليس من شأننا الآن البحث في آداب الرومان …

فمدرسة الإسكندرية أخذت في الانحطاط قبل دخولها في حوزة الرومان، فلما صارت رومانية زادت ضعفًا. وكانت علومها قد تغيرت وجهتها وانحصرت في الفلسفة؛ لأنَّ الإسكندرية ما برحت منذ تأسيسها وفيها جماعة من اليهود، نزحوا إليها كعادتهم في الرحيل للارتزاق أو فرارًا من الاضطهاد، فآنسوا في الإسكندرية ترحابًا وراحة فتكاثروا. فترتب على اختلاطهم باليونان وتمازُج الأذواق والأبحاث تطوُّرٌ مهم في الفلسفة والدين؛ لأنَّ اليهود أهل توحيد ووحي وتقليد، واليونان أهل فلسفة ومنطق وخرافات دينية، فأدى التمازج إلى التقارب وزاد ذلك بظهور النصرانية. ولما تأيدت النصرانية واعتنقها اليونان أخذوا في تطبيق فلسفتهم على الدين، فتولد من ذلك ما يُسمونه الفلسفة الأفلاطونية الجديدة Neo-Platonic والفلسفة الفيثاغورية الجديدة Neo-Pythogoric، وجملة القول إنَّ العصر الإسكندري الثاني قلما أفاد العلم؛ لأنَّ أبحاثه كانت غايتها فلسفية دينية.

ومما اختصت مدرسة الإسكندرية في ترقيته من العلوم:

  • أولًا: التشريح؛ لأنَّ المصريين كانوا يفتحون الجثث لأجل تحنيطها فسهل عليهم درس فن التشريح بها.
  • ثانيًا: علم الكيمياء؛ لأنَّه كان في مصر قبل دخولها في سلطة اليونان، ولما أنشئت مدرسة الإسكندرية اشتغل علماؤها في درس هذا العلم وجمعوا ما كان عند الأمتين في علم واحد.
وظلت مدرسة الإسكندرية مركز التدريس في الشرق إلى أواخر القرن الأول للهجرة، حتى نقله عمر بن عبد العزيز إلى مدرسة أنطاكية فمدرسة حران وغيرها من مدارس تلك الأيام.١٩٢

العصر البيزنطي من سنة ٥٢٩–١٤٥٣م

سُمِّي هذا العصر بالبيزنطي نسبة إلى بيزنتيوم (القسطنطينية)؛ لأنَّ آداب اللغة اليونانية هناك كان لها فيه شأن خاص، فلا بأس من الإشارة إلى ما يهمنا منه. ويقال بالإجمال إن الآداب اليونانية قلَّما تقدمت في تلك العاصمة، مع أنَّ العلم كان في خزائنها كما كان في خزائن الإسكندرية، وخصوصًا بعد موت جستنيان. فلما قامت الخصومة على الأيقونات كان من جملة نتائجها إعدام الكتب وإهمال العلم، واقتصر النوابغ فيها على ما لا يحتاج إلى مواهب خاصة، أو إلى بحث أو نظر، فكانوا إذا نشأ أحد القياصرة وأراد التشبه بمنشطي العلم القدماء رغب الناس في المطالعة والتأليف. وتأليفهم عبارة عن تلخيص القديم أو شرحه أو جمعه على شكل الموسوعات، وقد يفعل القيصر نفسه ذلك. فإنَّ قسطنطين السابع (٩٠٥–٩٥٩م) كان محبًّا للعلم مشتغلًا بالتأليف، فألف كتبًا متسلسلة في تاريخ الحكومة ونظامها. وكذلك كانوا يفعلون في سائر الموضوعات الأدبية، كالتاريخ والشعر واللغة، بدون نقد ولا نظر كما فعل مؤلفو العرب بعد ذلك مثل هذه الحال. أما الفلسفة فتحولت عندهم إلى اللاهوت؛ لأنَّ علماء النصرانية استخدموا الأدلة الفلسفية لإثبات العقائد أو الآراء الدينية في مجادلاتهم أو في مواعظهم، على نحو ما قدمناه عن الفلسفة الأفلاطونية الجديدة. وممن اشتهر في هذا الشأن يُوحنَّا الدمشقي (٧١٨–٧٤١م) صاحب المؤلفات الكثيرة في الدين والفلسفة وغيره مما لا حاجة بنا إلى ذكره.

(٤-٣) آداب اللغة الفارسية قبل الإسلام

الفرس من الشعوب الآرية إخوان الهنود واليونان، وهم أمة قديمة حاربت اليونان قبل المسيح ببضعة قرون، فجردت على بلادهم جيشًا قد يمتنع على أعظم دول الأرض اليوم حشده ونقله بمهماته ومؤونته من أواسط آسيا إلى البحر الأبيض، فكيف منذ بضعة وعشرين قرنًا؟ فالدولة التي هذا مبلغ قوتها لا تخلو من أدب وعلم، والفرس أهل ذكاء وتعقل، وفيهم استعداد فطري لأسباب التمدن، فلا بد من إجادتهم نظم الشعر على نحو ما فعل إخوانهم الهنود في المهابهاراتة ونحوها، وإن كان ما وصل منه إلينا قليلًا. ناهيك بالعلوم القديمة التي هي من قبيل الطبيعيات والرياضيات كالنجوم والأنواء، فقد أحرزوا شيئًا منها وخصوصًا لأنَّهم ورثوا البابليين والآشوريين واحتكوا باليونان وهم في إبان تمدنهم واختلطوا بجيرانهم الهنود، وكانوا يعرفون الكتابة وينقشونها على الأحجار باللغة الفهلوية، ويؤيد ذلك ما جاء في كتب الأخبار عن فتح الإسكندر بلاد فارس، وما عثر عليه في عاصمتهم إصطخر من خزائن الكتب فاستنسخها وأحرقها كما تقدم، وفيها ما كان قد جمعه الفرس من علوم الهند والصين إلى تلك الأيام.

وليس ذلك كل ما كان عند الفرس من كتب العلم، فقد عثروا في أوائل القرن الرابع للهجرة على مخابئ في رستاق جي بفارس، هي عبارة عن أزج معقود بالحجارة فوجدوا هناك كتبًا كثيرة مكتوبة في لحاء التوز، وفيها أصناف من علوم الأوائل باللغة الفارسية القديمة (الفهلوية) وقد تبين من قراءتها: «أنَّ طهمورث الملك المحب للعلوم والعلماء خاف الأمطار على كتب العلم فأودعها ذلك الرستاق» وهي كتب نفيسة في علم النجوم وعِلل حركاتها مما كان عند الفرس والروم والكلدان.١٩٣ وعثروا نحو ذلك الزمن أيضًا على أزج آخر انهار فانكشف عن كتب كثيرة لم يهتد أحد إلى قراءتها.

والظاهر أنَّ عادة حبس الكتب في المغارات أو نحوها كانت شائعة في ذلك الزمان. قال ابن النديم: «والذي رأيته أنا بالمشاهدة أنَّ أبا الفضل بن العميد أنفذ إلى هنا في سنة نيف وأربعين (وثلاثمائة) كتبًا متقطعة أصيبت بأصفهان في سور المدينة في صناديق، وكانت في اليونانية فاستخرجها أهل هذا الشأن مثل يُوحنا وغيره، وكانت أسماء الجيش ومبلغ أرزاقهم … إلخ».

على أنَّ الشائع من علوم الفرس لم يكن يتجاوز بعض الأشعار والأخبار وكتب العقائد والأديان إلى أيام سابور بن أردشير من الدولة الساسانية في أواسط القرن الثالث للميلاد. وفي أيامه ظهرت طائفة المانوية، ونشبت بين سابور والروم حروب انتهت بنصرته، وقد حمل معه عددًا كبيرًا من أسراهم إلى بلاده، فأنشأ لهم في الأهواز مدينة سماها جنديسابور نسبة إليه، وأكرم وفادتهم فحببوا إليه العلم فعمل على استرجاع علوم الفرس من اليونان أو الاستعاضة بمثلها، فبعث إلى بلاد اليونان فاستجلب كتب الفلسفة وأمر بنقلها إلى الفارسية١٩٤ واختزنها في مدينته، وأخذ النَّاس في نسخها ودراستها.
فلما تولى كسرى أنوشروان العادل (من سنة ٥٣١–٥٧٨) فُتِح للفرس مورد جديد للعلم والفلسفة بما كان من اضطهاد جستنيان قيصر الروم للفلاسفة الوثنيين على أثر إقفاله الهياكل والمدارس الوثنية، وكانت الفلسفة الأفلاطونية الجديدة قد نضجت، ففرَّ بعض أصحابها من وجه الاضطهاد وتفرقوا في العالم، وجاء منهم سبعة إلى أنوشروان فأكرم وفادتهم، وأمرهم بتأليف كتب الفلسفة أو نقلها إلى الفارسية، فنقلوا المنطق والطب١٩٥ وألفوا فيهما الكتب فطالعها هو ورغب الناس فيها. وعقد المجالس للبحث والمناظرة كما فعل المأمون بعده بقرنين وبعض القرن، حتى خيل لليونان الذين جالسوا أنوشروان أنَّه من تلامذة أفلاطون، والمظنون أنَّ تلك الفلسفة كانت أساسًا لتعاليم الصوفية التي نشأت بعد ذلك.
ولم يقتصر أنوشروان على نقل علوم اليونان إلى لسانه ولكنَّه نقل علوم الهنود أيضًا من السنسكريتية إلى الفارسية١٩٦ وأنشأ في جنديسابور مارستانًا (مستشفى) لمعالجة المرضى وتعليم صناعة الطب، استقدم إليه الأطباء من الهند وبلاد اليونان، وكانوا يعلمون فيه الطبين: الهندي والأبقراطي، فجمع بين الحسنيين. وبلغ المارستان من الشهرة ما لم يسبق له مثيل، وكان له شأن كبير بعد الإسلام كما سيأتي.

وجملة القول أنَّ الفرس اشتغلوا قبل الإسلام في الفلسفة والطب، وتثقفت عقولهم وذاع صيتهم وكان لهم اطلاع خاص في علم النجوم وأحكام الأفلاك، مما توارثوه عن أسلافهم أو نقلوه عن جيرانهم. وقد زها العلم عندهم في أيام أنوشروان العادل، والعلم لا يزهو إلا في ظل العدل والحرية.

(٤-٤) آداب اللغة السريانية قبل الإسلام

السريان بقايا الكلدان أو البابليين القدماء، الذين أنشأوا تمدنًا ووضعوا علومًا هامة ورصدوا الكواكب واخترعوا المزاول ووضعوا أسس الطب قبل الميلاد بقرون، ثم دالت دولتهم واستولى الفرس على بلادهم فذهب علمهم بذهاب حريتهم، حتى إذا قامت النصرانية وانتشر دعاتها في البلاد وافترقت إلى طوائف ومذاهب، كان للسريان حظ كبير من كل ذلك وكان لهم تأثير ذو شأن في تاريخ النصرانية.

وإنما يهمنا في هذا المقام ما كان عندهم من العلم والفلسفة. وهم في ذلك تلامذة اليونان؛ لأنَّهم تعلموا فلسفتهم وطبهم وسائر علومهم، كما تعلمها الرومان قبلهم واقتبسها الفرس معهم وكما تعلمها المسلمون بعدهم. والسريان أهل ذكاء ونشاط، فكانوا كلما اطمأنت خواطرهم من مظالم الحكام وتشويش الفاتحين انصرفوا إلى الاشتغال بالعلم، فأنشأوا المدارس للاهوت والفلسفة واللغة، ونقلوا علوم اليونان إلى لسانهم وشرحوا بعضها ولخصوا بعضًا. ومنهم خرج أكثر الذين ترجموا العلم للعباسيين وأكثرهم من النساطرة كما سيجيء. ونقتصر هنا على ذكر اشتغالهم بالعلم لأنفسهم.

كان للسريان فيما بين النهرين نحو خمسين مدرسة، تعلم فيها العلوم بالسريانية واليونانية، أشهرها مدرسة الرها وفيها ابتدأ السريان يشتغلون بفلسفة أرسطو في القرن الخامس للميلاد. وبعد أن تعلموها أخذوا في نقلها إلى لسانهم، فنقلوا المنطق في أواسط القرن المذكور. ثم أتم دراسة المنطق سرجيس الرأس عيني الطبيب المشهور، وفي المتحف البريطاني بلندن نسخ خطية من ترجمته الإيساغوجي إلى السريانية، وكذلك مقولات أرسطو لفرفوريوس، وكتاب النفس وغيرها، وقد نشر بعضها من عهد قريب.

وفي أوائل القرن السابع للميلاد اشتهرت مدرسة قنسرين على الفرات بتعليم فلسفة اليونان باللغة اليونانية، وتخرج منها جماعة كبيرة من السريان وفي جملتهم الأسقف ساويرس، فقد انقطع فيها لدرس الفلسفة والرياضيات واللاهوت. ولمَّا تمكَّن من تلك العلوم نقل بعضها إلى السريانية، ولا تزال بعض ترجماته في الفلسفة محفوظة في المتحف البريطاني. وقد أتمها بعده تلميذه يعقوب الرهاوي واضع علم النحو السرياني ومن تلامذة أثناسيوس جورجيوس المعروف بأسقف العرب (٦٨٦م) فقد ترجم بعض كتب أرسطو. واشتغل جماعة آخرون في ترجمة كتب أفلاطون وفيثاغورس وغيرهما مما يطول شرحه. واشتهرت هناك مدارس أخرى كمدرسة نصيبين التي كان عدد تلامذتها نحو ثمانمائة، وكانت تعلم فيها كل العلوم العقلية والنقلية.

أما الطب فقد كان لهم فيه حظ وافر أثر إنشاء مارستان جنديسابور، واشتهر فيهم من أهل هذه الصناعة كثيرون، منهم سرجيس الرأس عيني المتقدم ذكره، وأتاتوس الآمدي، وسمعان الطيبوتي، والأسقف غريغوريوس، والبطريرك ثيودوسيوس، وغيرهم من الأطباء الذين أدركوا الدولة العباسية وخدموها.

وقد نقل أطباء السريان كثيرًا من كتب الطب من اليوناني إلى السرياني، حتى في أثناء اشتغالهم بنقلها إلى العربية؛ لأنَّهم كثيرًا ما كانوا ينقلونها إلى السريانية فقط أو إلى السريانية والعربية معًا. فسرجيس ترجم بعض كتب جالينوس إلى السريانية، ثم نقلها في الإسلام موسى بن خالد إلى العربية١٩٧ والطيبوتي ألف في أواخر القرن السابع للميلاد كتابًا في الطب، وترجم غير كتاب، ناهيك بما كان من مؤلفات آل بختيشوع وآل حنين وغيرهما.

ولهم في النجوم مؤلفات كثيرة، لتسلسل هذا العلم فيهم عن آبائهم الكلدانيين، فإنَّ البرديصاني له كتاب في النجوم لم يصل إلينا غير خبره، وألَّف الرأس عيني في تأثير القمر وحركة الشمس. وألف السبكتي في صور الأبراج. وممن ألف في النجوم أيضًا يعقوب الرهاوي المتقدم ذكره، وداود البيت رباني وموسى بن كيفا وعمونيل البرشهاري وغيرهم.

واشتغل السريان أيضًا في الكيمياء والحساب والرياضيات، فضلًا عن اشتغالهم في لغتهم وضبط قواعدها وحركاتها. والمشهور أنَّهم اقتبسوا قواعد النحو عن اليونان، وحركات أحرفهم عبارة عن أحرف يونانية صغيرة توضع فوق الحروف أو تحتها. وقد استغرقوا في آداب اللغة اليونانية وشعرها، فترجموا الإلياذة والأوذيسة إلى لسانهم. ترجمها ثيوفيل الرهاوي سنة ٨٧٥م وقد ضاعت الترجمة ولم يبق منها إلا بيتان. ويقال إنَّهم تنبهوا لاستخدام الحروف اليونانية مكان الحركات لما أراد ناظم الإلياذة ضبط الأعلام اليونانية فيها. وذلك غير النقط التي كانت تقوم عندهم مقام الحركات، وقد تقدم ذكرها في كلامنا عن حركات الخط العربي. ولا تزال الحركات عند السريان النقط والأحرف اليونانية إلى اليوم، الأولى شائعة عند السريان الشرقيين، والثانية عند الغربيين.

(٤-٥) آداب اللغة الهندية قبل الإسلام

الهنود أمة قديمة، والطبقة العليا منهم إخوان الفرس واليونان، وقد نظموا الملاحم ودونوا الأخبار شعرًا من قديم الزمان، ولهم آداب خاصة وتواريخ خاصة تولدت عندهم بتوالي القرون، كما يستدل من مراجعة تواريخهم ودرس أحوالهم. حتى أنَّه كثيرًا ما كان ملوك الفرس يستعينون بأطباء الهنود، كما فعل أنوشروان في مارستان جنديسابور، وكما وقع للخلفاء العباسيين في أوائل نهضتهم، فإنَّهم كانوا يستقدمون الأطباء من الهند ويستشيرونهم في أمراضهم، بعد أن تفرغ حيل أطباء الفرس والسريان في معالجتهم؛ لأنَّ للطب الهندي طرقًا غير ما للطب اليوناني أو الفارسي، وقد اشتهر منهم عدة أطباء ألفوا في الهندية، ونقل المسلمون بعض كتبهم إلى العربية كما سيجيء، ومنهم كنكة وصنجهل وشاناق وغيرهم.

وكانت لهم معرفة حسنة بالنجوم ومواقعها وأبراجها، ولها أسماء خاصة بلسانهم، وكان لهم فيها ثلاثة مذاهب: مذهب الأرجهير، ومذهب الأركند، ومذهب ثالث يقال له بالسنسكريتية سدهنتا Siddhanta وهو عبارة عن زيج ذكروا فيه آراءهم في حركات الكواكب، وهو الذي وصل إلى العرب ونقلوه إلى لسانهم وسموه السندهند. والهنود هم الذين اخترعوا الأرقام، وعنهم أخذها العرب، ولهم طرق خاصة في الحساب اكتسبها العرب عنهم. وكان لهم معرفة بفن الموسيقى، ولهم فيها كتب ترجم المسلمون بعضها إلى العربية وسيأتي ذكرها.

(٥) الخلاصة

هذه حال العلوم في العالم وبعض نواحي المملكة الإسلامية لما عزم المسلمون على نقلها إلى العربية، وقد رأيت أنَّ أكثرها يونانية الأصل، وضعها اليونان في أيام وثنيتهم مع ما اقتبسوه من الأمم التي تمدنت قبلهم. ثم تنوعت بالنصرانية وبانتقالها إلى الفرس والسريان، على مقتضيات آداب تلك الأمم وعاداتهم.

وكان العراق على الخصوص حافلًا بالعلماء، وفيهم الأطباء والفلاسفة والمنجمون والحسَّاب وغيرهم، ممن تجمَّعوا من بلاد فارس وما بين النهرين، وفيهم السريان والفرس والروم والهنود. فلما أراد الخلفاء نقل تلك العلوم إلى لسانهم وجدوا بين ظهرانيهم من يُلبي الطلب ويفي بالغرض.

(٥-١) العلوم الدخيلة (ما الذي حملهم على طلبها؟)

قد رأيت فيما كتبناه عن «العرب والقرآن والإسلام» أنَّ المسلمين كانوا يعتقدون في الصدر الأول «أنَّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله»، وأنَّه «لا ينبغي أن يُتلى غير القرآن»، وبناء على ذلك هان عليهم إحراق ما عثروا عليه من كتب اليونان والفرس في الإسكندرية وفارس. ثم اشتغلوا عن طلب تلك العلوم بما احتاجوا إليه في صدر الإسلام من أسباب إنشاء الدولة، فأصبحوا لا عناية لهم إلا بالقرآن وأحكامه وما ترتب عليه من العلوم الإسلامية في الفقه واللغة والمغازي وسير الفتح ونحو ذلك. وكان أهل البلاد الأصليون من الروم والفرس يحببون إلى الخلفاء الاشتغال بعلوم الأوائل، وخصوصًا الطب والفلسفة وهم لا يصغون ولا يقبلون. يُحكى أن ماسرجويه البصري من معاصري مروان بن الحكم كان عالمًا في الطب، وهو سرياني الجنس يهودي المذهب، وكان في أيامه كتاب في الطب هو كناش (حاوي) من أفضل الكنانيش ألفه القس أهرون بن أعين في اللغة السريانية فنقله ماسرجويه إلى العربية. فلما تولى عمر بن عبد العزيز وجد هذا الكتاب في خزائن الكتب في الشام، فحرضه بعضهم على إخراجه إلى المسلمين للانتفاع به. فاستخار الله في ذلك أربعين يومًا ثم أخرجه إلى الناس وبثه في أيديهم١٩٨ ويدلك ذلك على التردد الذي استولى على الخليفة في إخراج هذا الكتاب مع أنَّه من كتب الطب وليس الفلسفة.
ولما اتَّسع سلطان المسلمين وفرغوا من إنشاء العلوم الإسلامية — وقد تأيدت دولتهم وذهبت عنهم السذاجة والغفلة عن الصناعات، وأخذوا في أسباب الحضارة بالحظ الوافر وتفننوا في الصناعات والعلوم — تشوقوا إلى الاطلاع على العلوم الفلسفية بما سمعوه من الأساقفة والقساوسة وهان عليهم ذلك بالإسناد إلى الحديث النبوي القائل: «الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها ممن سمعها ولا يبالي في أي وعاء خرجت»، وقوله: «خذوا الحكمة ولو من ألسنة المشركين»،١٩٩ و«طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»، و«اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد»، و«اطلبوا العلم ولو بالصين».٢٠٠ على أنَّهم لم يقدموا على طلبها دفعة واحدة وإنَّما طلبوها تدريجًا تبعًا لمقتضيات الأحوال.

(٥-٢) أول من اشتغل بها

أقدمُ من اشتغل من العرب بهذه العلوم النضر بن الحارث بن كلدة الثقفي، وهو ابن خالة النبي ، وكان قد رحل إلى بلاد فارس وغيرها كأبيه الحارث الطبيب الشهير في عصر النبي ، واجتمع بالعلماء وعاشر الأحبار والرهبان وحصل من العلوم القديمة أشياء جليلة، واطلع على علوم الفلسفة وأجزاء الحكمة وتعلَّم من أبيه صناعة الطب. وكان يُجاري أبا سفيان في عداوة النبي ؛ لأنَّه ثقفي، وكان بنو ثقيف حلفاء بني أمية. فكان النضر كثير الأذى للنبي ، يتكلم فيه بأشياء كثيرة. ثم وقع النضر أسيرًا في واقعة بدر، فأمر النبي بقتله وذهب خبره.٢٠١
على أنَّ النضر اقتصر من تلك العلوم على المطالعة ولم ينقل منها شيئًا إلى العربية. أمَّا أول من اشتغل في نقلها فخالد بن يزيد الأموي المتوفى سنة ٨٥ﻫ حفيد معاوية الأكبر، ويسمونه حكيم آل مروان. وكان طامعًا في الخلافة بعد وفاة أخيه معاوية الثاني، فغلبه على ذلك مروان بن الحكم وانتقلت به الخلافة من بيت أبي سفيان إلى بيت مروان. فلما يئس خالد من الخلافة — وهو ذو مطامع وذكاء — انصرف ذهنه إلى اكتساب العلى بالعلم. وكانت صناعة الكيمياء رائجة يومئذ في مدرسة الإسكندرية، فاستقدم جماعة منهم راهب رومي اسمه مريانوس طلب إليه أن يُعلمه صناعة الكيمياء، فلما تعلمها أمر بنقلها إلى العربية، فنقلها له رجل اسمه إصطفان القديم٢٠٢ وهذا أول من نقل في الإسلام من لغة إلى لغة.
وكان خالد راغبًا في علم النجوم أيضًا، وأنفق الأموال في طلبه واستحضار آلاته، ولعلهم ترجموا له شيئًا منه لم يصلنا خبره. على أنَّ بعض الذين اطلعوا على مكتبة القاهرة في أواسط القرن الرابع للهجرة شاهدوا فيها كرة من نحاس من عمل بطليموس وعليها مكتوب: «حملت هذه الكرة من الأمير خالد بن يزيد بن معاوية».٢٠٣
ويلي نقل خالد للكيمياء نقل ماسرجويه — أو ماسرجيس المتقدم ذكره — لكناش أهرون من السرياني إلى العربي، وهو ثلاثون مقالة زاد عليه ماسرجويه مقالتين.٢٠٤

(٦) نقل العلوم في العصر العباسي

(٦-١) المنصور والنجوم والطب

أول الخلفاء العباسيين السفاح، ولم يُعْنَ بشيء من العلم لقصر مدة حكمه، ثم أفضت الخلافة إلى أخيه المنصور (سنة ١٣٦–١٥٨ﻫ) وكان شديدًا حازمًا كثرت في أيامه الفتوح فاضطر إلى حروب كثيرة، وقد طالت مدة حكمه لكنَّه قضى معظمها في تثبيت دعائم دولته وبناء مدينته «بغداد».

(أ) النجوم

وكان المنصور مع براعته في الفقه ميالًا إلى التنجيم لا يكاد يعمل عملًا إلا استشار المنجمين فيه، وهو أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم٢٠٥ واقتدى به أكثر الذين خلفوه. وكانت صناعة النجوم رائجة عند الفرس، ونبغ فيها جماعة تقربوا بها إليه أشهرهم نوبخت المنجم الفارسي — كان مجوسيًّا وأسلم على يده، وكان بارعًا في اقترانات الكواكب وحوادثها، وكان يصحب المنصور حيثما توجه. ولما ضعف عن خدمته قال له المنصور: «أحضر ولدك ليقوم مقامك» فأحضره وهو أبو سهل بن نوبخت٢٠٦ وتوالى آل نوبخت في خدمة العباسيين، وترجموا لهم كتبًا في الكواكب وأحكامها، وكانوا فضلاء ولهم رأي ومشاركة في علوم الأوائل.
وخدم المنصور أيضًا في النجوم إبراهيم الفزاري المنجم وابنه محمد، وعلي بن عيسى الأسطرلابي المنجم.٢٠٧ ونظرًا لكلف المنصور بحركات الكواكب وحبه الاطلاع عليها قصده أصحابها من بلاد فارس والهند والروم، وفي جملتهم رجل من الهند بارع في حساب السدهنتا المتقدم ذكره جاءه سنة ١٥٦ﻫ وعرض عليه كتابًا في النجوم مع تعاديل معمولة على مذاهب الهند، فأمر المنصور أن يُنقل هذا الكتاب إلى العربية، وأن يؤلف فيه كتاب يتخذه العرب أصلًا في حركات الكواكب، فتولى ذلك محمد بن إبراهيم الفزاري وعمل منه كتابًا سماه المنجمون «السندهند الكبير» وظل أهل ذلك الزمان يعملون به إلى أيام المأمون.٢٠٨
فاهتم الناس من ذلك الحين بعلم النجوم ومتعلقاتها، وجرهم النظر في الأفلاك إلى الهندسة، فكتب المنصور إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة، فبعث إليه بكتاب إقليدس وبعض كتب الطبيعيات٢٠٩ ولعل المجسطي من جملتها؛ لأنَّه في النجوم. والظاهر أنَّ ترجمة هذه الكتب لم تكن مضبوطة؛ لأننا رأينا إقليدس والمجسطي في جملة ما تُرجم للرشيد والمأمون. وجملة القول أنَّ رغبة المنصور في النجوم دعت إلى ترجمة بعض كتب النجوم وما يتعلق بها.

(ب) الطب

ومما اهتموا بنقله من العلوم الطبيعية في أيام المنصور الطب. والسبب في ذلك أنَّ المنصور أصابه في أواخر أيامه (سنة ١٤٨ﻫ) مرض في معدته فانقطعت شهوته، وكان الأطباء القائمون في خدمته يعالجونه ولا يجدي علاجهم نفعًا. فجمعهم يومًا وقال لهم: «هل تعرفون من الأطباء في سائر المدن طبيبًا ماهرًا؟» فقالوا: «ليس في وقتنا هذا أحد يُشبه جورجيس رئيس أطباء جنديسابور». وهو جورجيس بن بختيشوع السرياني، فقد كان ماهرًا في الطب وله فيه مصنفات باللغة السريانية، وكان من الذكاء والفضل على جانب عظيم، حتى أصبح رئيس أطباء مارستان جنديسابور أشهر مدارس الطب في تلك الأيام. فبعث المنصور في طلبه على عجل، فلما جاء الرسول إلى جورجيس أراد استمهاله فهدده بالقتل إذا أبطأ. فعهد بأمر المارستان إلى ابنه بختيشوع، واصطحب اثنين من تلامذته هما إبراهيم وعيسى بن شهلا وركب إلى بغداد. فلما وصل استقدمه المنصور إليه فدخل ودعا له بالفارسية والعربية. وكان جورجيس ذا هيبة ووقار وفصاحة، فوقع عند المنصور موقعًا حسنًا فأجلسه أمامه وسأله بعض الأسئلة فأجابه عليها بسكون، فازداد إعجابًا به فأخبره عن علته من ابتدائها. فقال له جورجيس: «أنا أدبرك كما تحب» فخلع عليه وأنزله في قصر خاص وأمر بإكرامه. ورجع في الغد ونظر في قارورة الماء (زجاجة البول) ودبره تدبيرًا لطيفًا، فشُفي ورجع إلى مزاجه فازداد فرحه به ومنعه من الرجوع إلى بلده. ومما زاده رغبة فيه أنَّه رآه عفيفًا صادقًا في تدينه. وكان المنصور قد علم أن جورجيس خلف امرأته في جنديسابور وليس عنده في بغداد من يخدمه، فأرسل إليه ثلاث جوارٍ روميات وثلاثة آلاف دينار فقبل الدنانير ورد الجواري، فلما عاتبه المنصور في الغد أجابه: «إننا معشر النصارى لا نتزوج إلا بامرأة واحدة، وما دامت المرأة حية لا نأخذ غيرها»٢١٠ فحسن موقع ذلك عند المنصور وأطلق له الدخول إلى حظاياه وحرمه ليطببهن، وتعلق به تعلقًا شديدًا.

وكان جورجيس محبًّا للتأليف كما رأيت، وكان يعرف اللغة اليونانية فضلًا عن السريانية والفارسية والعربية. فلما رأى وثوق المنصور به نقل له كتبًا طبية من اليونانية إلى العربية، غير ما ألفه في السريانية. أما التأليف في الطب فقد سبقه إليه أكثر الأطباء الذين خدموا المسلمين على عهد بني أمية. وكان الطبيب إذا خدمهم ألف لنفسه أو لولده أو لأحد تلامذته كتابًا أو غير كتاب في الفن الذي يتعاطاه. والغالب أن يؤلفوا الكنانيش، كالكناش الذي ألفه ثياذوق المتوفى سنة ٩٠ﻫ طبيب الحجاج، ألف لابنه وألف له أيضًا كتابًا في الأدوية ومعالجتها. وتوالى آل بختيشوع في خدمة العباسيين وخدموا الطب والعلم في ظلهم خدمة نافعة.

فالمنصور أول من عني بنقل الكتب القديمة، ولكنَّه اقتصر منها على النجوم والهندسة والطب. وفي أيامه ترجم ابن المقفع كليلة ودمنة. وأما الفلسفة والمنطق وسائر العلوم العقلية فترجمت في أيام المأمون. وقد ذكر صاحب الفهرست أنَّ ابن المقفع نقل من الفارسية إلى العربية كتبًا في المنطق والطب كان الفرس قد نقلوها عن اليونانية. فلعله نقلها لنفسه.

(٦-٢) المهدي والرشيد

أما المهدي (١٥٨–١٦٩ﻫ) فإنَّه اشتغل عن العلم بما ظهر في أيامه من البدع الدينية، وما انتشر من كتب ماني وابن دميان ومرقيون مما نقله ابن المقفع وغيره وترجمت من الفارسية والفهلوية إلى العربية، وما صنفوه في تأييد هذه المذاهب في العربية، فكثر الزنادقة وظهرت آراؤهم في النَّاس، فأمر المهدي أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب لإبطال تلك المذاهب. أما الهادي، فلم تطل أيامه ولم يأت أمرًا يذكر.

فلما أفضت الخلافة إلى الرشيد (١٧٠–١٩٣ﻫ) كانت الأفكار قد نضجت والأذهان قد زادت تنبهًا إلى علوم الأقدمين بما كان يتقاطر إلى بغداد من الأطباء والعلماء من السريان والفرس والهنود. وكانوا أهل تمدن وعلم كما رأيت، وكانوا يتعلمون العربية ويعاشرون المسلمين ويباحثونهم في تلك العلوم، والمسلمون يتهيبون من ذلك لما سبق إلى أذهانهم من مخالفته للدين إلا الكتب الطبية فكانوا يرغبون في نقلها أو مطالعتها. ولكن الأطباء أنفسهم كانوا يومئذ من غير المسلمين، ويغلب أن يكونوا من محبي الفلسفة والمنطق، وكانوا من الجهة الثانية يخدمون الخلفاء ويجالسونهم ويعاشرونهم كأنَّهم بعض أهلهم كما سترى. فأدى ذلك إلى ائتلاف الخلفاء بذكر الفلسفة، وأصبحوا إذا فتحوا بلدًا ووجدوا فيه كتبًا لا يأمرون بإحراقها أو إعدامها، بل يأمرون بحملها إلى عاصمتهم والاحتفاظ بها لنقلها إلى لسانهم، كما اتفق للرشيد في أثناء حربه في أنقرة وعمورية وغيرهما من بلاد الروم، فإنَّه عثر هناك على كتب كثيرة حملها إلى بغداد وأمر طبيبه يوحنا بن ماسويه بترجمتها٢١١ ولكنها ليست من الفلسفة في شيء وإنَّما هي في الطب اليوناني.٢١٢
وفي أيام الرشيد نقل كتاب إقليدس النقلة الأولى على يد الحجاج بن مطر، وتسمى الهارونية تمييزًا لها عن النقلة المأمونية التي نقلها للمأمون.٢١٣

وفي أيامه نقل المجسطي إلى العربية، وأول من عني بنقله يحيى بن خالد البرمكي، ففسره له جماعة لم يتقنوه فندب لتفسيره أبا حسان وسلمًا صاحب بيت الحكمة، فأتقناه واجتهدا في تصحيحه.

(٦-٣) المأمون والفلسفة والمنطق

فالكتب الفلسفية لم يقدم المسلمون على ترجمتها إلا في أيام المأمون، لسبب متصل بالمأمون نفسه، وذلك أنَّ المسلمين تعودوا من أول الإسلام حرية الفكر والقول والمساواة فيما بينهم، فكان إذا خطر لأحدهم رأي في خليفة أو أمير لا تمنعه هيبة الملك من إبداء رأيه. وكان ذلك شأنهم أيضًا في الدين، فإذا فهم أحدهم من الآية أو الحديث غير ما فهمه الآخر صرح برأيه وجادله فيه. فلم ينقضِ عصر الصحابة حتى أخذ المسلمون يفترقون في المذاهب، ولم يدخل القرن الثاني حتى تعددت الفرق وتفرعت، وفي جملتها المعتزلة. والمعتزلة طوائف كثيرة، أساس مذهبهم تطبيق الأحكام العقلية على النصوص الدينية، ولو طالعت مذاهبهم لرأيت بعضها يوافق أحدث الآراء الانتقادية في الدِّين مع مرور الأجيال على تمحيصها. ولذلك فهم يسمون أصحاب العدل والتوحيد.

(٦-٤) المأمون والاعتزال

ظهر مذهب الاعتزال في أواخر القرن الأول للهجرة، وكثر أشياعه بسرعة لارتياح العقل إلى أدلته. وقد تقدم في كلامنا عن الفقه أنَّ المنصور أخذ يناصر أصحاب الرأي والقياس واستقدم أبا حنيفة إلى بغداد ونشطه لهذه الغاية، وظل الميل إلى القياس متواصلًا في بني العباس. والاعتزال أقرب المذاهب إلى أصحاب الرأي؛ لأن عمدة المعتزلة في إثبات مذهبهم البرهان العقلي، ولذلك كانوا إذا رأوا رجلًا مطلعًا على منطق أرسطو أو أقواله في الجدل ونحوه استعانوا بما يسمعونه منه في تأييد مذهبهم، واحتاجوا إلى ذلك، خصوصًا في أيام المهدي لدفع أقوال الزنادقة كما تقدم. فلعلهم احتاجوا إلى الاستعانة بمنطق اليونان وفلسفتهم، أو شعروا باحتياجهم إليها على الأقل، وأخذوا في إنشاء علم الكلام. وكان البرامكة من أصحاب الرأي أيضًا، وفيهم ذكاء وميل إلى العلم، فاشتغلوا في ترجمة الكتب القديمة قبل المأمون٢١٤ وكانوا يعقدون مجالس المباحثة والمجادلة في منازلهم ولكن يظهر أنَّ الرشيد لم يكن يوافقهم على ذلك فلم يتظاهروا به.

فلما أفضت الخلافة إلى المأمون (١٩٨–٢١٨ﻫ) تغير وجه المسألة؛ لأنَّه كان مع فطنته وسعة علمه شديد الميل إلى القياس العقلي. وقد تعلم وتفقه وطالع ما نقل إلى عهده من كتب القدماء، فازداد رغبة في القياس والرجوع إلى أحكام العقل، فتمسك بمذهب الاعتزال وقرب إليه أشياخه كأبي الهذيل العلاف وإبراهيم بن سيار النظام، وجالس المتكلمين فتمكن من مذهب الاعتزال. فأخذ يناصر أشياعه وصرح بأقوال لم يكونوا يستطيعون التصريح بها خوفًا من غضب الفقهاء، وفي جملتها القول بخلق القرآن أي أنَّه غير منزل. وكان المسلمون في أيام الرشيد يخافون في ذلك؛ لأنه ظهر فيه قبل توليه الخلافة، وكان الفضيل بن عياض يتمنى طول عمر الرشيد لما تبين له من أمر المأمون من هذا القبيل …

فلما تظاهر المأمون بالاعتزال وقال بخلق القرآن، قامت قيامة الفقهاء وعظم ذلك على غير المعتزلة وهم أكثر عددًا، ولم يعد في وسعه الرجوع عن قوله فعمل على تأييده بالبرهان، وجعل يعقد المجلس للمناظرة في هذا الموضوع.٢١٥ وتأييدًا لصحة الجدل أمر بنقل كتب الفلسفة والمنطق من اليونانية إلى العربية، واطلع هو عليها فقويت حجته وازداد تمسكًا بالاعتزال. ولما يئس من إقناع الناس بالبرهان والقياس عمد إلى العنف، باشر ذلك في العام الأخير من حكمه وهو خارج بغداد، فكتب إلى عامله فيها إسحاق بن إبراهيم أن يمتحن القضاة والشهود وجميع أهل العلم بالقرآن، فمن أقر أنَّه مخلوق محدث خلَّى سبيله ومن أبى فليعلمه به٢١٦ فالراجح عندنا أنَّ المأمون، لسعة علمه وحرية فكره ورغبته في القياس العقلي، لم يكن يرى بأسًا من نقل علوم اليونان إلى العربية، وأنَّه بدأ بنقل كتب الفلسفة والمنطق تأييدًا لمذهب الاعتزال، ثم جعل الترجمة عامة لكل مؤلفات أرسطو في الفلسفة وغيرها. وقد ابتدأ بترجمة تلك الكتب في أعوام بضعة عشر ومائتين، فتلقى المعتزلة تلك الفلسفة تلقِّيَ الظمآن لموارد الماء، وأقبلوا على تصفحها والتبحر فيها فاشتد ساعدهم بها٢١٧ فتولد من اشتغال المسلمين بالفلسفة علم الكلام٢١٨ كما تولد من اشتغال النصارى بها «الفلسفة الأفلاطونية الجديدة».

(٦-٥) المأمون ونقل الكتب

وقد ذكروا لمباشرة المأمون نقل تلك الكتب أسبابًا كثيرة. قال أبو إسحاق النديم صاحب كتاب الفهرست في سبب ذلك: إنَّ المأمون رأى في منامه أرسطوطاليس الحكيم وسأله بعض الأسئلة، فلما نهض من منامه طلب ترجمة كتبه، فكتب إلى ملك الروم يسأله الإذن في إنقاذ ما يختار من كتب العلوم القديمة المدخرة ببلد الروم، فأجابه إلى ذلك بعد امتناع. فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج بن مطر وابن البطريق، وسلمًا صاحب بيت الحكمة وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل.٢١٩
وذكر نحو ذلك ابن أبي أصيبعة صاحب طبقات الأطباء، وأبو الفرج صاحب مختصر الدول وغيرهما. والغالب في ظننا أنَّهم نقلوا ذلك عن ابن إسحاق المذكور. ومهما يكن السبب، فلا مشاحة في أنَّ المأمون بذل جهده في استخدام التراجِمة لنقل تلك الكتب وغيرها. وكان ينفق في سبيل ذلك بسخاء، حتى أعطى وزن ما يترجم له ذهبًا. وكان لشدة عنايته في النقل يضع علامته على كل كتاب يترجم له. وكان يحرض الناس على قراءة تلك الكتب ويرغبهم في تعلمها، وكان يخلو بالحكماء ويأنس بمناظراتهم ويلتذ بمذاكراتهم.٢٢٠

واقتدى بالمأمون كثيرون من أهل دولته، وجماعة من أهل الوجاهة والثروة في بغداد، فتقاطر إليها المترجمون من أنحاء العراق والشام وفارس، وفيهم النساطرة واليعاقبة والصابئة والمجوس والروم والبراهمة، يترجمون من اليونانية والفارسية والسريانية والسنسكريتية والنبطية واللاتينية وغيرها. وكثر في بغداد الوراقون وباعة الكتب، وتعددت مجالس الأدب والمناظرة، وأصبح همُّ الناس البحث والمطالعة، وظلت تلك النهضة مستمرة بعد المأمون إلى عدة من خلفائه، حتى نقلت أهم كتب القدماء إلى العربية.

(٦-٦) نَقَلَةُ العلم في العصر العباسي

رأيت فيما تقدم أنَّ السريان كانوا في نهضة علمية قبل الإسلام، وأنَّهم أخذوا في نقل كتب اليونان إلى لسانهم، ودرسوا كثيرًا منها وخصوصًا الفلسفة والطب، وبرزوا في هذه الصناعة حتى تولى بعضهم رئاسة مارستان جنديسابور كما تقدم، وأن اللغة اليونانية كانت تعلم في مدارسهم. فلما انتقل كرسي الخلافة إلى بلادهم «العراق» وعمرت بغداد بالوافدين من أطراف المملكة الإسلامية وغيرها، كان أولئك السريانيون من جملة الوفود التماسًا للرزق، فتعلموا لسان العرب كما نتعلم نحن لغة الإنجليز اليوم لهذا السبب. وطاب لهم الاختلاط بالعرب — أو المسلمين — لما آنسوه من عدل العباسيين في أول دولتهم، وإطلاق حرية الأديان لرعاياهم، حتى كثيرًا ما كانوا يوسطونهم في فض الخلاف بين طوائفهم أو أساقفتهم. ولهذا السبب أيضًا انتقل جماعة من الفرس إلى بغداد، وكانوا أهل دولة وحكومة، فاستخدمهم الخلفاء في إدارة شؤون حكومتهم، وفيهم جماعة كبيرة من أهل العلم والأدب، واستقدم الخلفاء أيضًا جماعة من أطباء الهند للانتفاع بطبهم.

فلما أراد الخلفاء نقل كتب العلم إلى العربية، كان واسطة ذلك النقل أهل العراق والشام وفارس والهند. فرغبهم الخلفاء في ذلك بالبذل الكثير وجعلوا لبعضهم رواتب وأرزاقًا، وبالغوا في إكرامهم ومحاسنتهم، فتكاثروا، وأكثرهم من السريان النساطرة؛ لأنَّهم أقدر على الترجمة من اليونانية، وأكثر اطلاعًا على كتب الفلسفة والعلم اليوناني، وفيهم جماعة من أهل فارس والهند وغيرهم، للنقل من الفارسية أو الهندية، وكان أكثرهم تتوالى الترجمة في أعقابه فيتولاها هو وأولاده وأحفاده. وإليك أشهر نقلة العلم في العصر العباسي:
  • (١)
    آل بختيشوع: وهم من السريان النساطرة، وأولهم جورجيس بن بختيشوع طبيب المنصور، وقد تقدم ذكره، وخلفه عندهم ابنه بختيشوع ابن جورجيس استقدمه الرشيد من جنديسابور كما استقدم المنصور أباه قبله، فلمَّا دخل على الرشيد دعا له بالفارسية والعربية، فقال الرشيد لوزيره يحيى: امتحنه، فدعا يحيى الأطباء لامتحانه — وهم أبو قريش عيسى وعبد الله الطيفوري وداود بن سرابيون وغيرهم — فلما رأوه قال أبو قريش: «يا أمير المؤمنين، ليس في الجماعة من يقدر على الكلام مع هذا، لأنه كون الكلام وهو وأبوه وجنسه فلاسفة». ويدل ذلك على منزلة آل بختيشوع من العلم والفلسفة. فولاه الرشيد رئاسة الأطباء، وخلفه فيها ابنه جبريل وكان حظيًا عند الخلفاء ونال جوائزهم وعطاياهم. وكان له من الرواتب شيء كثير قد فصلناه في الجزء الثاني من هذا الكتاب. وخلفه ابنه بختيشوع بن جبريل، وقد بلغ من عظم المنزلة والحال وكثرة المال ما لم يبلغه أحد من أطباء عصره. ومنهم جبريل بن عبيد الله بن بختيشوع خدم المقتدر العباسي. وخلفه عبيد الله بن جبريل. فهؤلاء ستة من آل بختيشوع، كلهم من مهرة الأطباء، ولم يعن بالترجمة منهم إلا جورجيس الأول. وإنما أوردنا ذكرهم لأنَّ أكثرهم ألَّف في الطب كتبًا مفيدة، وبعضهم استخدم التراجمة في نقل بعض كتب الطب إلى السريانية.٢٢١
  • (٢)
    آل حنين: أولهم حنين بن إسحاق العبادي شيخ المترجمين، وهو من نصارى الحيرة. ولد سنة ١٩٤ﻫ وكان أبوه صيرفيًّا، ولما ترعرع انتقل إلى البصرة فتلقى فيها العربية، ثم انتقل إلى بغداد ليشتغل بصناعة الطب، فلقي في ذلك مشقة؛ لأنَّ الأطباء — وخصوصًا أهل جنديسابور — كانوا يكرهون أن يدخل في صناعتهم أبناء التجار. وكان أعمر مجالس الطب في بغداد يومئذ مجلس يوحنا بن ماسويه أحد متخرجي مارستان جنديسابور، فجعل حنين يحضره. فاتفق أنه سأله مرة مسألة مما كان يقرأه عليه، فغضب يوحنا وقال: «ما لأهل الحيرة وصناعة الطب؟ فسر إلى فلان قرابتك، حتى يهب لك خمسين درهمًا، تشتري بها قفافًا صغارًا بدرهم، وزرنيخًا بثلاثة دراهم، واشترِ بالباقي فلوسًا كوفية وفارسية، وزرنخ القادسية في تلك القفاف، واقعد على الطريق وَصِحْ: الفلوس الجياد للصدقة والنفقة! وبع الفلوس، فإنَّه أعود عليك من هذه الصناعة …» ثم أمر به فأخرج من داره …
    فخرج حنين باكيًا مكروبًا، وقد بعثه ذلك على زيادة النشاط للسعي في تعلم الطب بلغته الأصلية. فغاب عن بغداد سنتين، ثم عاد وقد تعلم اليونانية وآدابها في الإسكندرية وحفظ أشعار هوميروس٢٢٢ فأصبح أعلم أهل زمانه بالسريانية واليونانية والفارسية فضلًا عن العربية، وأصبح أطباء بغداد في حاجة إليه لنقل الكتب، حتى ابن ماسويه نفسه فإنَّه استخدمه في نقل بعض كتب جالينوس إلى السريانية وبعضها إلى العربية، واحتذى فيها حذو الإسكندرانيين.٢٢٣ وترجم أيضًا لجبريل بن بختيشوع كتاب التشريح لجالينوس، وكان جبريل يخاطبه بالتبجيل فيقول له: «ربن حنين» في اصطلاح السريان أي: «يا معلمنا حنين». ولما أراد المأمون نقل فلسفة اليونان إلى العربية سأل عمن يستطيع ذلك فأرشدوه إلى حنين؛ لأنَّه لم يكن ثمة من يضاهيه وهو لا يزال شابًّا، فأخرج المأمون جماعة من التراجمة وهم الحجاج بن مطر وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة وغيرهم وعليهم حنين المذكور ليصلح ما يترجمونه.

    وكان المأمون يعطيه من الذهب زنة ما ينقله إلى العربية مثلًا بمثل، ولذلك فقد كان حنين يكتب الترجمة بحروف غليظة وأسطر متفرقة على ورق غليظ جدًّا لتعظيم حجم الكتاب وتكثير وزنه. وذكر أنَّ حنينًا رحل بنفسه في طلب الكتب من بلاد الروم لنقلها، وكان يترجم أيضًا لبني شاكر الآتي ذكرهم ولغيرهم.

    وكان لحنين ولدان: داود وإسحاق، صنف لهما كتبًا طبية في المبادئ والتعليم، ونقل لهما كتبًا كثيرة من مؤلفات جالينوس، فأفلح إسحاق وتميز، واشتغل في الترجمة مثل أبيه من اليونانية إلى العربية، إلا أن عنايته كانت مصروفة إلى نقل كتب الحكمة، مثل كتب أرسطوطاليس وغيره من الحكماء.

    أما أبوه فكان أكثر اشتغاله في نقل كتب الطب، وخصوصًا كتب جالينوس. ويندر أن يوجد من جالينوس كتاب إلا وهو بنقل حنين أو بإصلاحه، وما لم يكن كذلك لم يكن معتبرًا عندهم، لبراعة حنين في العربية فضلًا عن تمهره بصناعة الطب. واشتغل حنين في زمن المتوكل (تولى سنة ٢٣٣ﻫ) فاختاره لرئاسة الترجمة، فعين جماعة من التراجمة كإصطفان بن باسيل وموسى بن خالد، فكانوا يترجمون ويتصفح حنين ترجماتهم وينقحها. وكان يلبس زنارًا على عادة النصارى في تلك الأيام، وتوفي سنة ٢٦٤ﻫ.

    واشتهر ابنه إسحاق أيضًا، وأكثر نقله من كتب أرسطو في الفلسفة وشروحها، وكان مع أبيه ثم انقطع للقاسم بن عبيد الله وزير المعتضد، وكان يفضي إليه بأسراره، وله — فضلًا عن المنقولات — مؤلفاتٌ في الطب والصيدلة وغيرهما.

  • (٣)
    حبيش الأعسم الدمشقي: هو حبيش بن الحسن الدمشقي ابن أخت حنين بن إسحاق، وقد تعلم صناعة الطب منه، وكان قد سلك مسلكه في الترجمة. وقيل من جملة سعادة حنين صحبة حبيش له، فإنَّ أكثر ما نقله حبيش نسب إلى حنين، وكثيرًا ما يرى الناس شيئًا من الكتب القديمة مترجمًا بنقل حبيش فيظنه لحنين وقد صحف، فيكشطه ويجعله لحنين.٢٢٤
  • (٤)
    قسطا بن لوقا البعلبكي: وهو من نصارى الشام، وكان طبيبًا حاذقًا وفيلسوفًا نبيلًا، رحل إلى بلاد الروم في طلب العلم، وكان عالمًا باللغات اليونانية والسريانية والعربية ونقل كتبًا كثيرة من اليونانية إلى العربية، وكان جيد النقل وأصلح نقولًا كثيرة وألف رسائل عديدة في الطب، وكان حسن العبارة جيد القريحة. وفضلًا عما نقله فله مؤلفات كثيرة في الطب والتاريخ والفلسفة والجبر والمقابلة والهندسة والمنطق والأدب والدين، ما يزيد على مائة كتاب. قال أبو الفرج الملطي: «لو قلت حقًّا لقلت: إنَّه أفضل من صنف كتابًا، بما احتوى عليه من العلوم والفضائل وما رزق من الاختصار للألفاظ وجمع المعاني».
  • (٥)
    آل ماسرجويه: أولهم ماسرجويه، متطبب البصرة، وهو يهودي المذهب سرياني اللغة. وكان ينقل من السرياني إلى العربي، وقد تقدم ذكره. ثم ابنه عيسى بن ماسرجويه، وكان يلحق بأبيه ولهما مؤلفات في الطب.
  • (٦)
    آل الكرخي: أولهم شهدي الكرخي من أهل الكرخ، وكان قريب الحال في الترجمة، ثم ابنه وكان مثل أبيه في النقل ثم فاق أباه في آخر عمره، ولم يزل متوسطًا. وكان ينقل من السرياني إلى العربي.
  • (٧)
    آل ثابت: أولهم ثابت بن قرة الحراني، وهو من الصابئة المقيمين في حران. وكان صيرفيًّا ثم تعلم الطب والفلسفة والنجوم، وكان مع ذلك يعرف اللغة السريانية جيدًا، وكان جيد النقل إلى العربية، وله تصانيف كثيرة في الرياضيات والطب والمنطق، وله في السريانية كتاب في مذهب الصابئة، وكان في خدمة المعتضد العباسي، وبلغ عنده أجل المراتب، حتى كان يجلس في حضرته في كل وقت، ويحادثه طويلًا ويضاحكه، فيقبل عليه دون وزرائه وخاصته. يليه ابنه سنان بن ثابت، وكان مقدمًا عند القاهر بالله، وله تصانيف كثيرة، وكذلك ابنه ثابت بن سنان، ولكنهما لم ينقلا شيئًا.
  • (٨)
    الحجاج بن مطر: كان في جملة من ترجم للمأمون، وقد نقل كتاب المجسطي وإقليدس إلى العربية، ثم أصلح نقله فيما بعد ثابت بن قرة الحراني.
  • (٩)
    ابن ناعمة الحمصي: هو عبد المسيح بن عبد الله الحمصي الناعمي، كان متوسط النقل وهو إلى الجودة أميل. ومن بيت الناعمة الحمصي أيضًا زروبا بن مانحوه، وكان أضعف من سابقه.
  • (١٠)
    إصطفان بن باسيل: كان يقارب حنين بن إسحاق في جودة النقل، إلا أنَّ عبارة حنين كانت أفصح وأحلى.
  • (١١)
    موسى بن خالد: ويعرف بالترجمان، نقل كتبًا كثيرة من الستة عشر لجالينوس، وهو دون حنين.
  • (١٢)
    سرجيس الرأس عيني: هو من مدينة رأس العين في العراق، نقل كتبًا كثيرة، وكان متوسطًا في النقل، وحنين كان يصلح نقله.
  • (١٣)
    يوحنا بن بختيشوع: هو من غير آل بختيشوع المتقدم ذكرهم، وكان ينقل الكتب من اليوناني إلى السرياني وليس إلى العربي.
  • (١٤)
    البطريق: كان في أيام المنصور وقد أمره بنقل أشياء من الكتب القديمة، وله نقل كثير جيد إلا أنه دُون نقل حنين.
  • (١٥)
    يحيى بن البطريق: كان في جملة الحسن بن سهل، وكان لا يعرف العربية حق معرفتها ولا اليونانية وإنما كان يعرف اللاتينية.٢٢٥
  • (١٦)
    أبو عثمان الدمشقي: كان من النقلة المجيدين إلى العربية.
  • (١٧)
    أبو بشر متى بن يونس: من أهل دير قنى، تفقه في مدرسة مارماري على أساتذة عظام، وإليه انتهت رئاسة المنطقيين في عصره.
  • (١٨)
    يحيى بن عدي: هو من أهل المنطق في القرن الرابع للهجرة، قرأ على متى بن يونس وعلى أبي نصر الفارابي، وهو يعقوبي المذهب خلافًا لأكثر المترجمين السريان (إذ كانوا نساطرة) وكان سريع الخط يكتب في اليوم والليلة مائة ورقة.٢٢٦

هؤلاء أشهر نقلة العلم من اليوناني أو السرياني إلى العربي. وقد اكتفينا بما تقدم للاختصار.

وأما النقلة من الألسنة الأخرى، فمنهم من نقل من الفارسية إلى العربية كابن المقفع وآل نوبخت، وقد تقدم ذكر نوبخت كبيرهم ولابنه الفضل بن نوبخت نقل من الفارسي إلى العربي في النجوم وغيرها. ومنهم موسى ويوسف ابنا خالد، وكانا يخدمان داود بن عبد الله بن حميد بن قحطبة، وينقلان له من الفارسية إلى العربية، وعلي بن زياد التميمي ويُكنَّى أبا الحسن نقل من الفارسي إلى العربي كتاب زيج الشهريار، والحسن بن سهل وكان من المنجمين. والبلاذري أحمد بن يحيى، وجبلة بن سالم كاتب هشام، وإسحاق بن يزيد نقل سيرة الفرس المعروفة باختيار نامه. ومنهم محمد الجهم البرمكي، وهشام بن القاسم، وموسى بن عيسى الكردي، وعمر بن الفرخان وغيرهم.

ومن الذين نقلوا من اللغة السنسكريتية (الهندية) منكه الهندي، كان في جملة إسحاق بن سليمان بن علي الهاشمي ينقل من اللغة الهندية إلى العربية، وابن دهن الهندي وكان إليه مارستان البرامكة نقل من الهندي إلى العربي.٢٢٧

ومن الذين نقلوا من اللغة النبطية (الكلدانية) إلى العربية ابن وحشية، نقل كتبًا كثيرة سيأتي ذكرها.

(٦-٧) السوريون ونقل العلم

إذا تدبرت ما تقدم من أخبار النقلة ومواطنهم ومللهم، رأيت معظمهم من السوريين سكان الشام والجزيرة والعراق. وللسوريين شأن كبير في نشر العلوم بين الأمم ونقلها من أمة إلى أخرى أو من لسان إلى لسان من أقدم أزمنة التاريخ، يساعدهم على ذلك نشاطهم وذكاؤهم وإقدامهم وتوسط بلادهم بين الشرق والغرب.

فالسوريون (أو الفينيقيون) هم الذين نشروا أحرف الهجاء في العالم قبل الميلاد ببضعة عشر قرنًا، فحملوها معهم في أثناء أسفارهم التجارية إلى بلاد اليونان والكلدان، ولا تزال صورها وأسماؤها عند سائر أمم العالم المتمدن شاهدة بذلك إلى اليوم. وهم الذين توسطوا في نقل العلوم والآداب بين المصريين والكلدانيين، ثم نقلوها إلى اليونان القدماء كما تقدم. وكانوا يدرسون اللغات اليونانية والقبطية والبابلية وغيرها من لغات ممالك الأمم المتمدنة في تلك العصور، كما يدرسون اليوم الإنجليزية والفرنسية وغيرهما من لغات ممالك التمدن الحديث، لنقل العلم أو الاتجار أو الانتفاع من الخدمة في مصالح تلك الدول.

ولما تمدن اليونان واستنبطوا الفلسفة والمنطق وغيرهما، ونضجت علومهم وانتقلت بفتوح الإسكندر إلى العراق والشام، تلقاها السوريون ونقلوها إلى لسانهم وأضافوا إليها بعد انتشار النصرانية الآداب النصرانية اليونانية، وحفظوها مع الفلسفة اليونانية في أديرتهم، ثم كانت مصدرًا للعلم والفلسفة إلى بلاد فارس والهند وغيرهما.

وكان السوريون في دولة الفرس الساسانية الواسطة الكبرى في نقل علوم اليونان وطبهم وفلسفتهم إلى الفرس. ولما بنى كسرى أنوشروان مارستان جنديسابور لتعليم الطب والفلسفة كما تقدم، كان جل معتمده في ذلك على نصارى العراق والجزيرة، ناهيك بما حفظ من الآداب السامية على صبغته الوثنية في حران؛ لأنَّ أهلها ظلوا على ديانتهم القديمة. غير ما حفظه أهل العراق من آداب قدماء الكلدان وعلومهم.

فلما ظهر الإسلام وأراد الخلفاء نقل العلوم إلى العربية، كان السوريون ساعدهم الأقوى في نقلها من اللغات المعروفة في ذلك العهد، وفيهم الحمصي والبعلبكي والدمشقي والحيري والحراني والبصري. ونقل العلوم من لسان إلى آخر لا يتيسر إلا باستيعاب تلك العلوم وتفهمها، فضلًا عن إتقان اللغات اللازمة لذلك. ولهذا كان أكثر أولئك المترجمين من أهل العلم الواسع فيما اشتغلوا بنقله، وفيهم من ألف في أكثر فروع العلم أو الفلسفة أو المنطق أو الطب وغيرها.

وذلك شأن السوريين أيضًا في علوم التمدن الحديث، فقد كانوا من أكثر الناس اشتغالًا في نقلها من لغات أوربا المختلفة إلى اللغة العربية، ولا يزالون في ذلك إلى اليوم.

(٦-٨) نقل العلم لغير الخلفاء

قد رأيت فيما تقدم أنَّ الخلفاء هم الذين سعوا في نقل كتب العلم على يد التراجمة، فَلَمَّا نقل بعض تلك الكتب واطلع عليها أهل بغداد، نهض جماعة من كبرائهم واقتدوا بالخلفاء في نقلها، واستخدموا التراجمة وبذلوا الأموال في البحث عنها وترجمتها.

وأشهر هؤلاء الثلاثة يُعرفون ببني شاكر أو بني موسى؛ لأنَّهم أولاد موسى بن شاكر، وهم: محمد وأحمد والحسن، ويعرف أولادهم بعدهم ببني المنجم. وكان والدهم موسى يصحب المأمون، والمأمون يرعى حقه في أولاده هؤلاء. أما موسى فلم يكن من أهل العلم والأدب، بل كان في حداثته لصًّا يقطع الطريق ويتزيا بزي الجند، وكان شجاعًا مجربًا. وكان يُصلِّي العتمة مع جيرانه في المسجد ثم يخرج متنكرًا فيقطع الطريق على فراسخ كثيرة في طريق خراسان، ويركب فرسًا له أشقر يشد على قوائمه خرقًا بيضاء ليوهم من يراه في الليل أنَّه محجل. وكان له جاسوس يأتيه بخبر من يخرج ومعه مال، وربما لقي الجماعة وفارسهم وغلبهم فينصرف من ليلته فيصلي الصبح مع الجماعة في المسجد. فلما كثر فعله واشتهر اتهم، فشهد له الجماعة بملازمته الصلاة معهم فاشتبه أمره. ثمَّ إنَّه تاب ومات وخلّف هؤلاء الثلاثة صغارًا، فوصى بهم المأمون إسحاق بن إبراهيم المصعبي وأثبتهم مع يحيى بن أبي منصور في بيت الحكمة. وكان المأمون إذا سافر بعث إلى إسحاق أن يراعيهم، حتى قال إسحاق: «جعلني المأمون داية لأولاد موسى». وكانت حالهم رثة رقيقة وأرزاقهم قليلة، ولكنهم خرجوا نهاية في علومهم. وكان أكبرهم وأجلهم محمدًا، وكان وافر الحظ في الهندسة والنجوم، عالمًا بإقليدس والمجسطي وغيرهما من علوم الفلك والطبيعيات والرياضيات. وكان أخوه أحمد دونه في العلم إلا صناعة الحيل (الميكانيكيات) فإنه قد فتح له فيها ما لم يفتح مثله لأخيه. وكان أخوهما الحسن منفردًا بالهندسة، وله طبع عجيب فيها لا يدانيه أحد فيه، مع أنَّه علم كل ما علمه من نفسه بدون تعليم، ولا قرأ كتب الهندسة إلا ست مقالات من إقليدس.٢٢٨
وتفانى أولاد شاكر في طلب العلوم القديمة، وبذلوا فيها الرغائب وأتعبوا أنفسهم في جمعها، وأنفذوا إلى بلاد الروم من أخرجها إليهم وأحضروا النقلة من الأصقاع والأماكن بالبذل السني. وكان في جملة من أنفذوه للبحث عن الكتب حنين بن إسحاق٢٢٩ وغيره. وأقاموا التراجمة وفي جملتهم حنين وحبيش وثابت بن قرة، وكانوا ينفقون ٥٠٠ دينار في الشهر للنقل والملازمة.٢٣٠ ولبني موسى مؤلفات كثيرة في الفلك والحيل والهندسة، ولهم استنباطات في هذا العلم لم يسبقهم إليها أحد. وقد برهنوا للمأمون أنَّ محيط الأرض ٢٤٠٠٠ ميل برهانًا محسوسًا، فضلًا عن مهارتهم في الرصد وغيره.

•••

وممن بذلوا المال في نقل العلوم غير الخلفاء محمد بن عبد الملك الزيات، كان يقارب عطاؤه للنَقَلَةِ والنُّسَّاخِ ٢٠٠٠ دينار في الشهر، ونقل باسمه كتب عديدة. ومنهم علي بن يحيى المعروف بابن المنجم، كان أحد كتاب المأمون ونقل له كثير من كتب الطب، وكذلك محمد بن موسى بن عبد الملك.

ومنهم إبراهيم بن محمد بن موسى الكاتب، وكان حريصًا على نقل كتب اليونانيين إلى لغة العرب، كثير البذل في سبيلها. ومنهم تادري الأسقف في الكرخ، وكان راغبًا في طلب الكتب متقربًا إلى قلوب نقلتها، وصنف له الأطباء النصارى كتبًا كثيرة. وعيسى بن يونس الكاتب الحاسب من أهل العراق، وكانت له عناية في تحصيل الكتب القديمة والعلوم اليونانية. ومنهم شير شوع (كذا) بن قطرب من أهل جنديسابور، وكان يبر النقلة ويهدي إليهم ويتقرب إلى تحصيل الكتب بما يمكنه من المال، وكان يجيد النقل إلى السرياني أكثر مما إلى العربي. وقس على ذلك جماعة من أطباء الخلفاء، كيوحنا بن ماسويه وجبريل بن بختيشوع وداود بن سرابيون وسلمويه وابن الطيفوري وغيرهم، واقتدى بالخلفاء العباسيين في نقل العلوم إلى العربية أيضًا كثيرون من أمراء المسلمين المستقلين عنهم، فقد كان عند سيف الدولة طبيب اسمه عيسى الرقي ينقل له من السرياني إلى العربي.٢٣١

(٧) الكتب التي ترجمت في النهضة العباسية

قد رأيت الأسباب التي حملت الخلفاء على نقل علوم القدماء في النهضة العباسية وقبيلها، وقد ذكرنا الذين اشتغلوا في ترجمتها من الألسنة المختلفة. بقي علينا أن نذكر الكتب التي نقلت وكان عليها معول علماء المسلمين فيما ألفوه بعد ذلك. وهي كثيرة تصعب الإحاطة بها لتشتت أخبارها وضياع كثير منها، على أننا نكتفي بما يبلغ إليه الإمكان.

وتسهيلًا للإحاطة بموضوعات تلك الكتب واللغات المنقولة هي عنها نقسمها باعتبار اللغات التي نقلت عنها وهي: اليونانية والفارسية والهندية (السنسكريتية) والنبطية والعبرانية واللاتينية والقبطية. ونقسم منقولات كل لغة إلى أقسام باعتبار الموضوعات على ما يقتضيه المقام:

(٧-١) الكتب المنقولة عن اليونانية

هي أكثر ما نقلوه إلى العربية في تلك النهضة، وأكثرها في الفلسفة والطب والرياضيات والنجوم وفروع العلم الطبيعي. وإليك كتب كل علم على حدة، مرتبة باعتبار المؤلفين، وبإزاء كل كتاب اسم المترجم الذي نقله:

(أ) كتب الفلسفة والأدب

كتب أفلاطون

  • (١)

    كتاب السياسة: نقله حنين بن إسحاق.

  • (٢)

    كتاب المناسبات: نقله يحيى بن عدي.

  • (٣)

    كتاب النواميس: نقله حنين ويحيى.

  • (٤)

    كتاب طيماوس: نقله ابن البطريق وأصلحه حنين.

  • (٥)

    كتاب أفلاطن إلى أقرطن: نقله يحيى بن عدي.

  • (٦)

    كتاب التوحيد: نقله يحيى بن عدي.

  • (٧)

    كتاب الحس واللذة: نقله يحيى بن عدي.

  • (٨)

    كتاب أصول الهندسة: نقله قسطا بن لوقا.

كتب أرسطوطاليس

  • (١)

    قاطيغورياس، أي المقولات: نقله حنين بن إسحاق.

  • (٢)

    كتاب العبارة: نقله حنين إلى السريانية وإسحاق إلى العربية.

  • (٣)

    تحليل القياس: نقله ثيادورس وأصلحه حنين.

  • (٤)

    كتاب البرهان: نقله إسحاق إلى السرياني ومتى إلى العربي.

  • (٥)

    كتاب الجدل: نقله إسحاق إلى السرياني ويحيى إلى العربي.

  • (٦)

    كتاب المغالطات أو الحكمة المموهة: نقله ابن ناعمة وأبو بشر إلى السرياني ويحيى إلى العربي.

  • (٧)

    كتاب الخطابة: نقله إسحاق وإبراهيم بن عبد الله.

  • (٨)

    كتاب الشعر: نقله أبو بشر من السرياني إلى العربي.

  • (٩)

    كتاب السماع الطبيعي: نقله أبو روح الصابي وحنين ويحيى وقسطا وابن ناعمة.

  • (١٠)

    كتاب السماء والعالم: نقله ابن البطريق وأصلحه حنين.

  • (١١)

    كتاب الكون والفساد: نقله حنين إلى السرياني وإسحاق والدمشقي إلى العربي.

  • (١٢)

    كتاب الآثار العلوية: نقله أبو بشر ويحيى.

  • (١٣)

    كتاب النفس: نقله حنين إلى السرياني وإسحاق إلى العربي.

  • (١٤)

    كتاب الحس والمحسوس: نقله أبو بشر متى بن يونس.

  • (١٥)

    كتاب الحيوان: نقله ابن البطريق.

  • (١٦)

    كتاب الحروف أو الإلهيات: نقله إسحاق ويحيى وحنين ومتى.

  • (١٧)

    كتاب الأخلاق: نقله إسحاق.

  • (١٨)

    كتاب المرآة: نقله الحجاج بن مطر.

  • (١٩)

    كتاب أتولوجيا: نقله الحجاج بن مطر.

ولكتب أرسطو شروح وتعاليق لبعض تلامذته أو من جاء بعده، كثاوفرسطس وديدوخس برفلس والإسكندر الأفروديسي وفرفوريوس الصوري، وأمونيوس وتامسطيوس ونيقولاوس وفلوطرخس ويحيى النحوي وغيرهم. ولبعض هؤلاء مؤلفات خاصة. كلها في الفلسفة وفروعها، وقد نُقل كثير منها إلى العربية ولم يعلم ناقلها فأغضينا عن ذكرها، وقد ذكرها صاحب الفهرست.

وذكروا لجالينوس في جملة كتبه الطبية الآتي بيانها كتب في الفلسفة والأدب، وهي «كتاب ما يعتقده رأيًا» ترجمة ثابت، وكتاب «تعريف المرء عيوب نفسه» نقله توما وأصلحه حنين، وكتاب «الأخلاق» نقله حبيش، وكتاب «انتفاع الأخيار بأعدائهم» نقله حبيش، و«المحرك الأول لا يتحرك» نقله حبيش وعيسى، وغيرها …

(ب) كتب الطب وفروعه

كتب أبقراط

  • (١)

    كتاب عهد أبقراط: نقله حنين إلى السريانية وحبيش وعيسى إلى العربية.

  • (٢)

    كتاب الفصول: نقله حنين لمحمد بن موسى.

  • (٣)

    كتاب الكسر: نقله حنين لمحمد بن موسى.

  • (٤)

    كتاب تقدمة المعرفة: نقله حنين وعيسى بن يحيى.

  • (٥)

    كتاب الأمراض الحادة: نقله عيسى بن يحيى.

  • (٦)

    كتاب أبيذيميا: نقله عيسى بن يحيى.

  • (٧)

    كتاب الأخلاط: نقله عيسى بن يحيى لأحمد بن موسى.

  • (٨)

    كتاب قاطيطيون: نقله حنين لمحمد بن موسى.

  • (٩)

    كتاب الماء والهواء: نقله حنين وحبيش.

  • (١٠)

    كتاب طبيعة الإنسان: نقله حنين وعيسى.

كتب جالينوس

وأشهر كتب جالينوس الكتب الستة عشر، وهي: كتاب الفرق، الصناعة، كتاب النبض، شفاء الأمراض، المقالات الخمس، الاسطقصات، كتاب المزاج، القوى الطبيعية، العلل والأمراض، تعرف علل الأعضاء الباطنة، كتاب النبض الكبير، كتاب الحميات، البحران، أيام البحران، تدبير الأصحاء، حيلة البرء، وقد نقلها كلها حنين بن إسحاق إلى العربية إلا كتاب العلل الباطنة، وكتاب النبض الكبير، وكتاب تدبير الأصحاء، وكتاب حيلة البرء، فقد نقلها حبيش، أما ما بقي من كتب جالينوس الطبية فإليك أسماءها مع أسماء ناقليها:
  • (١)

    التشريح الكبير: نقله حبيش الأعسم.

  • (٢)

    اختلاف التشريح: نقله حبيش الأعسم.

  • (٣)

    تشريح الحيوان الحي: نقله حبيش الأعسم.

  • (٤)

    تشريح الحيوان الميت: نقله حبيش الأعسم.

  • (٥)

    علم أبقراط بالتشريح: نقله حبيش الأعسم.

  • (٦)

    الحاجة إلى النبض: نقله حبيش الأعسم.

  • (٧)

    علوم أرسطو: نقله حبيش الأعسم.

  • (٨)

    تشريح الرحم: نقله حبيش الأعسم.

  • (٩)

    آراء أبقراط وأفلاطون: نقله حبيش الأعسم.

  • (١٠)

    العادات: نقله حبيش الأعسم.

  • (١١)

    خصب البدن: نقله حبيش الأعسم.

  • (١٢)

    المني: نقله حبيش الأعسم.

  • (١٣)

    منافع الأعضاء: نقله حبيش الأعسم.

  • (١٤)

    تركيب الأدوية: نقله حبيش الأعسم.

  • (١٥)

    الرياضة بالكرة الصغيرة: نقله حبيش الأعسم.

  • (١٦)

    الرياضة بالكرة الكبيرة: نقله حبيش الأعسم.

  • (١٧)

    الحث على تعليم الطب: نقله حبيش الأعسم.

  • (١٨)

    قوى النفس ومزاج البدن: نقله حبيش الأعسم.

  • (١٩)

    حركات الصدر: نقله إصطفان وأصلحه حنين.

  • (٢٠)

    علل النفس: نقله إصطفان وأصلحه حنين.

  • (٢١)

    حركة العضل: نقله إصطفان وأصلحه حنين.

  • (٢٢)

    الحاجة إلى النفس: نقله إصطفان وأصلحه حنين.

  • (٢٣)

    الامتلاء: نقله إصطفان وأصلحه حنين.

  • (٢٤)

    المرة والسوداء: نقله إصطفان وأصلحه حنين.

  • (٢٥)

    الحركات المجهولة: نقله حنين.

  • (٢٦)

    علل الصوت: نقله حنين.

  • (٢٧)

    أفضل الهيئات: نقله حنين.

  • (٢٨)

    سوء المزاج المختلف: نقله حنين.

  • (٢٩)

    الأدوية المفردة: نقله حنين.

  • (٣٠)

    المولود لسبعة أشهر: نقله حنين.

  • (٣١)

    رداءة التنفس: نقله حنين.

  • (٣٢)

    الذبول: نقله حنين.

  • (٣٣)

    قوى الأغذية: نقله حنين.

  • (٣٤)

    التدبير الملطف: نقله حنين.

  • (٣٥)

    مداواة الأمراض: نقله حنين.

  • (٣٦)

    أبقراط في الأمراض الحادة: نقله حنين.

  • (٣٧)

    إلى تراسوبولوس: نقله حنين.

  • (٣٨)

    الطبيب والفيلسوف: نقله حنين.

  • (٣٩)

    كتب أبقراط الصحية: نقله حنين.

  • (٤٠)

    محنة الطبيب: نقله حنين.

  • (٤١)

    أفلاطون في طيماوس: نقله حنين وإسحاق.

  • (٤٢)

    تقدمة المعرفة: نقله عيسى.

  • (٤٣)

    الفصد: نقله عيسى وإصطفان.

  • (٤٤)

    صفات لصبي يصرخ: نقله ابن الصلت.

  • (٤٥)

    الأورام: نقله ابن الصلت.

  • (٤٦)

    الكيموس: نقله ثابت وحبيش.

  • (٤٧)

    الأدوية والأدواء: نقله عيسى.

  • (٤٨)

    الترياق: نقله ابن البطريق.

وهناك كتب في الطب وتوابعه ذكرها صاحب الفهرست ولم يذكر ناقليها، وأما مؤلفوها فمنها بضعة وعشرون كتابًا لروفس من أهل أفسس كان قبل جالينوس، ولعلها لم تنقل كلها. ومما ذكر ناقلوه بضعة كتب لأوريباسيوس، وهي كتاب الأدوية المستعملة نقله إصطفان بن باسيل، وكتاب السبعين مقالة نقله حنين وعيسى بن يحيى إلى السريانية، وكتاب إلى ابنه اسطاث نقله حنين، وكتاب إلى أبيه أرنافيس نقله حنين، وَلِديسقوريدس العين زربي — ويقال له السائح في البلاد لسياحته في طلب العقاقير والحشائش — كتاب في الحشائش سيأتي تاريخ نقله. ولإسكندروس كتاب «البرسام» نقله ابن البطريق، وغير هؤلاء مما لم يُعرف ناقلوه.

(ﺟ) كتب الرياضيات والنجوم وسائر العلوم

ويشتمل النظر في ذلك على علم النجوم والهندسة والحساب والموسيقى والميكانيكيات، وهاك خلاصة الكلام فيها:
  • (١)

    كتب إقليدس: منها أصول الهندسة، نقله الحجاج بن مطر نقلين: الهاروني والمأموني، ونقله إسحاق بن حنين وأصلحه ثابت بن قرة، ونقله أبو عثمان الدمشقي، ولا يزال هذا الكتاب باقيًا إلى الآن، ومن كتب إقليدس التي لم يعرف مترجموها: كتاب الظاهرات، وكتاب اختلاف المناظر، وكتاب الموسيقى، وكتاب القسمة، وكتاب القانون، وكتاب الثقل والخفة.

  • (٢)

    كتب أرخميدس: وقد تقدم ذكرها في كلامنا عن آداب اليونان، وهي عشرة لم يعرف ناقلوها.

  • (٣)

    أبلونيوس: صاحب كتاب المخروطات وكتاب قطع السطوح وقطع الخطوط والنسبة المحدودة والدوائر المماسة، لم يعرف ناقلوها.

  • (٤)

    منالاوس: له كتاب الأشكال الكروية وكتاب أصول الهندسة، نقله إلى العربية ثابت بن قرة.

  • (٥)

    بطليموس القلوذي: صاحب كتاب المجسطي الشهير، وقد تقدم خبر نقله وتفسيره على يد يحيى البرمكي. ولبطليموس أيضًا كتاب الأربعة، نقله إبراهيم بن الصلت وأصلحه حنين، وكتاب الجغرافيا المعمور وصفة الأرض نقله ثابت إلى العربية نقلًا جيدًا. ولبطليموس ١٥ كتابًا آخر في الجغرافية وغيرها لم يعرف ناقلوها.

  • (٦)

    أبرخس: له كتاب صناعة الجبر ويعرف بالحدود، وكتاب قسمة الأعداد، لم يعرف ناقلهما.

  • (٧)

    ذيوفنطس: له كتاب صناعة الجبر لم يعرف ناقله.

وهناك كتب عديدة في الرياضيات والهيئة والأزياج ونحوها، وذكرها ابن النديم ولم يذكر ناقليها، منها: كتاب العمل بالأسطرلاب المسطح لأبيون البطريق، وكتاب جرم الشمس والقمر لأرسطرخس، وكتاب العمل بذات الحلق، وكتاب جداول زيج بطليموس المعروف بالقانون المسير، وكتاب العمل بالأسطرلاب — وكلها لثاون الإسكندري، غير ما تقدم ذكره من الكتب الرياضية في أثناء ذكر كتب الفلسفة رغبة في إيرادها لأصحابها مع سائر مؤلفاتهم، وقد نقل المسلمين من كتب الموسيقى عن اليونانية كتاب الموسيقى الكبير لنيقوماخس الجهراسيني، وكتاب الموسيقى المنسوب لإقليدس وقد تقدم ذكره، ومقالات في الموسيقى لفيثاغورس وغيره. وكتاب الريموس، وكتاب الإيقاع لأرسطكاس، وكتاب الآلات المصوتة المسماة بالأرغن البوقي والأرغن الزمري لمورطس.

ونقل لهم من كتب الميكانيكيات، غير ما جاء في كتب أرخميدس، كتاب الحيل الروحانية، وكتاب شيل الأثقال لأيرن، وكتاب استخراج المياه لبادروغوغيا، وكتاب الآلات المصوتة على ستين ميلًا لمورطس.

(٧-٢) الكتب المنقولة عن الفارسية

أكثر الكتب المنقولة عن الفارسية في النهضة العباسية من قبيل الآداب والأخبار والسير والأشعار، وبعضها في النجوم مما نقله آل نوبخت وعلي بن زياد التميمي وغيرهم. أما ما بقي من كتبهم المنقولة إلى العربية فهي مع أسماء ناقليها:
  • (١)

    كتاب رستم وأسفنديار: نقله جبلة بن سالم.

  • (٢)

    كتاب بهرام شوس: نقله جبلة بن سالم.

  • (٣)

    كتاب خداينامه في السير: نقله عبد الله بن المقفع.

  • (٤)

    كتاب آيين نامه: نقله عبد الله بن المقفع.

  • (٥)

    كتاب كليلة ودمنة: نقله عبد الله بن المقفع.

  • (٦)

    كتاب مزدك: نقله عبد الله بن المقفع.

  • (٧)

    كتاب التاج في سيرة أنوشروان: نقله عبد الله بن المقفع.

  • (٨)

    كتاب الأدب الكبير: نقله عبد الله بن المقفع.

  • (٩)

    كتاب الأدب الصغير: نقله عبد الله بن المقفع.

  • (١٠)

    كتاب اليتيمة: نقله عبد الله بن المقفع.

  • (١١)

    كتاب هزار أفسانه: لم يذكر ناقله.

  • (١٢)

    كتاب شهريزاد مع أبرويز: لم يذكر ناقله.

  • (١٣)

    كتاب الكارنامج أنوشروان: لم يذكر ناقله.

  • (١٤)

    كتاب دارا والصنم الذهب: لم يذكر ناقله.

  • (١٥)

    كتاب بهرام ونرسي: لم يذكر ناقله.

  • (١٦)

    كتاب هزاردستان: لم يذكر ناقله.

  • (١٧)

    كتاب الدب والثعلب: لم يذكر ناقله.

  • (١٨)
    سير ملوك الفرس: وهي غير كتاب — ترجم أحدها محمد بن جهم البرمكي، والآخر ترجمه زادويه بن شاهويه الأصفهاني والآخر محمد بن بهرام بن مطيار الأصفهاني.٢٣٢
ومما يجب ذكره من مترجمات الفرس، وإن كان من مؤلفاتهم بعد نشوء التمدن الإسلامي، كتاب «شاهنامة» التي نظمها الفردوسي للسلطان محمود الغزنوي سنة ٣٨٤ﻫ في نحو ٦٠٠٠٠ بيت على نسق إلياذة هوميروس، وقد تضمنت تاريخ الفرس القديم نقلها إلى العربية الفتح بن علي البنداري الأصبهاني نثرًا للملك المعظم عيسى الأيوبي أتم ترجمتها سنة ٦٩٧ﻫ٢٣٣ ولا ريب أن العرب نقلوا من اللغة الفارسية كتبًا أخرى تاريخية وأدبية، وخصوصًا مما يتعلق بالمذاهب القديمة ونحوها.

(٧-٣) الكتب المنقولة عن اللغة الهندية

نقل العرب عن اللغة الهندية (السنسكريتية) كثيرًا من كتب الطب والنجوم والرياضيات والحساب والأسمار والتواريخ. والكتب الطبية المنقولة عنها كثيرة وإن لم يصل إلينا من أخبارها إلا القليل؛ لأنَّ بغداد كانت في إبان الزهو العباسي محج العلماء والأطباء والتجار والسياح من كل الملل، وكان للبرامكة عناية في استقدام أطباء الهند إليها، وقد بعث يحيى بن خالد فاستقدم بضعة صالحة منهم كمنكه وبازيكر وقليرفل وسندباز وغيرهم.٢٣٤

ويظهر مما كتبه المسلمون بعد العصر العباسي في الأدب أو الطب أو الصيدلة أو السير أنَّهم اعتمدوا في جملة مصادرهم على كتب هندية الأصل. راجع قانون ابن سينا مثلًا أو الملكي للرازي أو غيرهما من كتب الطب الكبرى، فتراهم يذكرون بعض الأمراض ويشيرون إلى أنَّ الهنود يُسمُّونها مثلًا كذا وكذا أو يعالجونها بكذا وكذا. وإذا قرأت العقد الفريد لابن عبد ربه أو سراج الملوك للطرطوشي، أو غيرهما من كتب الأدب المهمة، رأيت مؤلفيها إذا ذكروا بعض الآداب أو الأخلاق أو نحوها قالوا: «وفي كتاب الهند كذا وكذا».

(أ) كتب الطب وفروعه

على أننا نعلم ممَّا جاء في كتاب طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة أنه اشتهر حوالي العصر العباسي جماعة من علماء الهند في الطب والنجوم والفلسفة وغيرها، منهم كنكه الهندي وهو من متقدميهم وأكابرهم وخصوصًا في علم النجوم فضلًا عن الطب وله مؤلفات كثيرة، منها كتاب النمودار في الأعمار، وكتاب أسرار المواليد، وكتاب القرانات الكبير والصغير، وكتاب في الطب يجري مجرى الكناش، وكتاب في التوهم، وكتاب في أحداث العالم والدور في القران. ومنهم أيضًا صنجل وباكهر وغيرهما، وقد نقل كثير من مؤلفاتهم في النجوم والطب إلى اللغة العربية، إما رأسًا أو بواسطة اللغة الفارسية، بأن ينقل الكتاب من الهندي إلى الفارسي ثم ينقل من الفارسي إلى العربي. منها كتاب سيرك الهندي. وقد نقله من الفارسي إلى العربي عبد الله بن علي، وكتاب آخر في علامات الأدواء ومعرفة علاجها أمر يحيى بن خالد البرمكي بنقله. وكتاب فيما اختلف فيه الروم والهند في الحار والبارد وقوى الأدوية وكتب أخرى في فروع الطب.

ومن مشاهيرهم منكه الهندي المتقدم ذكره بين المترجمين، وقد أتى بغداد بإشارة يحيى بن خالد لمعالجة الرشيد فشفاه فأجرى عليه الرشيد رزقًا واسعًا. وكان منكه يعرف الفارسية أيضًا فكان ينقل من الهندي إلى الفارسي، وله حديث طويل ذكره صاحب طبقات الأطباء.٢٣٥ ومنهم صالح بن بهلة الهندي جاء العراق في أيام الرشيد أيضًا ونال شهرة واسعة وخالط أطباءها يومئذ واختلطوا به، فإذا لم يكونوا نقلوا شيئًا من كتبه فلابد من اقتباسهم شيئًا من آراء الهند عنه.

ومن مشاهيرهم أيضًا شاناق، وله كتاب في السموم خمس مقالات نقله من اللسان الهندي إلى الفارسي منكه الهندي، وأوعز يحيى بن خالد إلى رجل يعرف بأبي حاتم البلخي بنقله إلى العربية، ثم نقل للمأمون على يد العباس بن سعيد الجوهري مولاه. ولجودر الحكيم كتاب في المواليد نُقل إلى العربية أيضًا.

ومن الكتب الطبية التي نُقلت من الهندية إلى لسان العرب في العصر العباسي غير ما تقدم ذكره.٢٣٦
  • (١)

    كتاب سسرد في الطب: نقله منكه.

  • (٢)

    كتاب أسماء عقاقير الهند: نقله منكه لإسحاق بن سليمان.

  • (٣)

    كتاب استانكر الجامع: نقله ابن دهن.

  • (٤)

    كتاب صفوة النجح: نقله ابن دهن.

  • (٥)

    كتاب مختصر الهند في العقاقير: لم يذكر ناقله.

  • (٦)

    كتاب علاجات الحبالى للهند: لم يذكر ناقله.

  • (٧)

    روسا الهندية في علاجات النساء: لم يذكر ناقله.

  • (٨)

    كتاب السكر للهند: لم يذكر ناقله.

  • (٩)

    كتاب التوهم في الأمراض والعلل: لم يذكر ناقله.

  • (١٠)

    كتاب رأي الهند في أجناس الحيات وسمومها: لم يذكر ناقله.

(ب) كتب النجوم والرياضيات

أما في الرياضيات والكواكب فللهند شأن كبير، وقد ذكرنا خبر السندهند فيما تقدم، وكان لنقل هذا الزيج تأثير في علم النجوم عند العرب وقد قلدوه وألفوا على مذهبه. وممن ألف على هذا المذهب محمد بن إبراهيم الفزاري وحبش بن عبد الله البغدادي ومحمد بن موسى الخوارزمي وغيرهم٢٣٧ والفزاري أول من عمل أسطرلابًا في الإسلام.٢٣٨ وما من فلكي من فلكيي المسلمين أراد التوسع في علم النجوم إلا وطالع كتبهم، إما في اللغة الهندية أو في ترجمتها إلى العربية. وأكثر المسلمين عناية في ذلك واطلاعًا على آداب الهند وعلومهم أبو الريحان البِيروني المتوفى سنة ٤٤٠ﻫ فإنه طاف بلاد الهند واطلع على علومهم وآدابهم ثم ألف كتابه «الآثار الباقية عن القرون الخالية» وله من المؤلفات ما يعد بالعشرات، ومنها كثير في علوم الهند إما ترجمة أو تصحيحًا أو نقدًا، ومما ذكره من كتبه التي ألفها في هذا الصدد قوله:

وعملت في السندهند كتابًا سميته جوامع الموجود لخواطر الهنود في حساب التنجيم، جاء ما تم منه ٥٥٠ ورقة. وهذبت زيج الأركند وجعلته بألفاظي إذ كانت الترجمة الموجودة منه غير مفهومة وألفاظ الهند فيها متروكة لحالها. وعملت كتابًا في المدارين المتحدين والمتساويين، وسميته بخيال الكسوفين عند الهند وهو معني مشتهر فيما بينهم لا يخلو منه زيج من أزياجهم، وليس بمعلوم عند أصحابنا. وعملت تذكرة في الحساب والعد بأرقام السند والهند في ٣٠ ورقة، وكيفية رسوم الهند في تعلم الحساب، وتذكرة في أنَّ رأي العرب في مراتب العدد أصوب من رأي الهند فيها، وفي راسكيات الهند، وترجمة ما في إبرهم سدهاند من طرق الحساب، ومقالة في تحصيل الآن من الزمان عند الهند. ومقالة في الجوابات على المسائل الواردة من منجمي الهند. ومقالة في حكاية طريقة الهند في استخراج العمر. وترجمة كلب باره وهي مقالة للهند في الأمراض التي تجري مجرى العفونة.

وغير ذلك، فيؤخذ من هذا أنَّ الهنود أهل علم ورأي في النجوم وعلومها وأنَّ المسلمين نقلوا عنهم شيئًا كثيرًا.

(ﺟ) كتب الأدب

وأما كتب الهند في الأدب والتاريخ والمنطق والأسمار والخرافات مما نقل إلى العربية، فأولها كتاب كليلة ودمنة وقد نقل عن طريق الفارسية كما تقدم، وبعد نقله إلى العربية نظموه شعرًا كما نظمه الفرس من قبلهم. وممن نظمه في العربية إبان بن عبد الحميد بن لاحق بن عفير الرقاشي وعلي بن داود. (٢) كتاب سندباد الكبير. (٣) كتاب سندباد الصغير. (٤) كتاب البد. (٥) كتاب يوذاسف. (٦) يوذاسف مفرد. (٧) كتاب أدب الهند والصين. (٨) كتاب هابل في الحكمة. (٩) كتاب الهند في قصة هبوط آدم. (١٠) كتاب طرق. (١١) كتاب دبك الهندي في الرجل والمرأة. (١٢) كتاب حدود منطق الهند. (١٣) كتاب ساديرم. (١٤) كتاب ملك الهند القتال والسباح. (١٥) كتاب بيدبا في الحكمة.٢٣٩
ومما نقله العرب من الهنود كتاب في الموسيقى اسمه في الهندية (بيافر) ومعناه ثمار الحكمة وفيه أصول الألحان وجوامع تأليف النغم.٢٤٠

(٧-٤) الكتب المنقولة عن النبطية

قد رأيت فيما تقدم كتبًا كثيرة فلسفية وطبية نقلت من اليونانية إلى العربية عن طريق اللغة السريانية أخت النبطية أو هي عينها فلا نتعرض لذكرها. وإنما المراد بهذا الباب الكتب التي كانت مكتوبة في اللغة الكلدانية أو النبطية ونقلت إلى العربية رأسًا ولولا نقلها لضاعت. وأهم تلك الكتب كتاب الفلاحة النبطية فإنه فريد في بابه، وقد نقله إلى العربية أحمد بن علي بن المختار النبطي المعروف بابن وحشية سنة ٢٩١ﻫ، وظل معتمد أهل الزراعة إلى أمد غير بعيد، وقد نقل إلى اللغات الإفرنجية ولولا نقله إلى العربية لضاع وخسره العالم كما يؤخذ من مطالعة مقدمته، فقد قال ابن وحشية وهو يملي الكتاب على علي بن محمد بن الزيات سنة ٣١٨ﻫ: «اعلم يا بني أني وجدت هذا الكتاب في كتب الكسدانيين (الكلدان أو النبط) يترجم معناه في العربية كتاب فلاحة الأرض وإصلاح الزرع والشجر والثمار ودفع الآفات عنها. وكان هؤلاء الكسدانيون أشد غيرة عليها، لئلا يظهر هذا الكتاب فكانوا يخفنونه بجهدهم. وكان الله عز وجل قد رزقني المعرفة بلغتهم ولسانهم، فوصلت إلى ما أردت من الكتب بهذا الوجه. وكان هذا الكتاب عند رجل متميز فأخفى عني علمه، فلما اطلعت عليه لُمْتُه في إخفاء الكتاب عني وقلت له: إنك إن أخفيت هذا العلم دثر ومضى ولا يبقى لأسلافك ذكر. وما يصنع الإنسان بكتب لا يقرأها ولا يخلي من يقرأها؟ فهي عنده بمنزلة الحجارة والمدر، فصدقَني في ذلك وأخرَج إليَّ الكتب، فجعلت أنقل كتابًا بعد كتاب. فكان أول كتاب نقلته كتاب دواناي البابلي في معرفة أسرار الفلك والأحكام على حوادث النجوم، وهو كتاب عظيم المحل، ونقلت كتاب الفلاحة هذا بتمامه إلخ»٢٤١ (٢) كتاب طرد الشياطين ويعرف بالأسرار. (٣) كتاب السحر الكبير. (٤) كتاب السحر الصغير. (٥) كتاب دوار على مذهب النبط. (٦) كتاب مذاهب الكلدانيين في الأصنام. (٧) كتاب الإشارة في السحر. (٨) كتاب أسرار الكواكب. (٩) كتاب الفلاحة الصغير. (١٠) كتاب في الطلسمات. (١١) كتاب الحياة والموت في علاج الأمراض. (١٢) كتاب الأصنام. (١٣) كتاب القرابين. (١٤) كتاب الطبيعة. (١٥) كتاب الأسماء وأكثرها من نقل ابن وحشية.٢٤٢

غير ما لا بد من نقله من كتب الدين وأخبار الكلدان القدماء.

(٧-٥) الكتب المنقولة عن العبرانية واللاتينية والقبطية

لا ريب أنَّ كثيرًا من تعاليم اليهود وآدابهم المدونة في التلمود وغيره من كتبهم قد نقل إلى العربية، وإن كنا لا نرى شيئًا منها مدونًا بصفة ترجمة؛ لأنَّهم كانوا ينقلونها شفاهًا للصحابة وغيرهم على ما تقدم، وربما دونوا منها شيئًا وضاع. وأما ما وصل إلينا خبره من المنقول عن العبرانية فترجمة أسفار التوراة، نقلها سعيد الفيومي المتوفى سنة ٣٣٠ﻫ وهو أقدم من نقل التوراة إلى العربية مما وصل إلينا خبره، وله أيضًا شروح وتفاسير عليها.٢٤٣

ولا يبعد أن يكون قد نقل إلى العربية بعض الكتب عن اللاتينية؛ لأنَّها كانت تحوي كثيرًا من العلوم الفلسفية والتاريخية والشرعية وغيرها، وربما فات نقلة الأخبار ذكر ما نقل عنها. وقد رأينا في جملة المترجمين أنَّ يحيى بن البطريق لا يعرف غير اللغة اللاتينية وأنَّه ترجم عدة كتب، فالظاهر أنَّه ترجمها عن اللاتينية.

وأما القبطية فإذا لم ينقل العرب عنها رأسًا فلا نشك في أنَّهم نقلوا كثيرًا من علوم المصريين بواسطة اللغة اليونانية، وخصوصًا صناعة الكيمياء القديمة وغيرها مما برع فيه المصريون، وأما الكيمياء فقد نقلت عن القبطي واليوناني معًا بأمر خالد بن يزيد.٢٤٤

(٨) الخلاصة

وفي الجملة فإنَّ المسلمين نقلوا إلى لسانهم معظم ما كان معروفًا من العلم والفلسفة والطب والنجوم والرياضيات والأدبيات عند سائر الأمم المتمدنة في ذلك العهد، ولم يغادروا لسانًا من ألسن الأمم المعروفة إذ ذاك لم ينقلوا منه شيئًا، وإن كان أكثر نقلهم عن اليونانية والفارسية والهندية. فأخذوا من كل أمة أحسن ما عندها، فكان اعتمادهم في الفلسفة والطب والهندسة والموسيقى والمنطق والنجوم على اليونان، وفي النجوم والسير والآداب والحكم والتاريخ والموسيقى على الفرس، وفي الطب (الهندي) وفي الفلاحة والزراعة والتنجيم والسحر والطلاسم على الأنباط والكلدان، وفي الكيمياء والتشريح على المصريين، فكأنَّهم وَرِثُوا أهم علوم الآشوريين والبابليين والمصريين والفرس والهنود واليونان، وقد مزجوا ذلك كله وعجنوه واستخرجوا منه علوم التمدن الإسلامي (الدخيلة).

ومما نلاحظه من أمر ذلك النقل أنَّ العرب، مع كثرة ما نقلوه عن اليونان، لم يتعرضوا لشيء من كتبهم التاريخية أو الأدبية أو الشعر، مع أنَّهم نقلوا ما يقابلها عند الفرس والهنود، فقد نقلوا جملة صالحة من تواريخ الفرس وأخبار ملوكهم وترجموا الشاهنامة. ولكنهم لم ينقلوا تاريخ هيرودتس، ولا جغرافية إسترابون، ولا إلياذة هوميروس ولا أوديسته. والسبب في ذلك أنَّ أكثر ما بعث المسلمين على النقل رغبتهم في الفلسفة والطب والنجوم والمنطق، لأسباب تقدم بيانها. وأما التواريخ والآداب فقد كان التراجمة ينقلونها غالبًا من عند أنفسهم، حبًّا في إظهار مآثر أسلافهم أو جيرانهم. فالمترجمون الفرس نقلوا شيئًا من تواريخ الفرس وآدابهم، وكذلك فعل التراجمة السريان بآداب أجدادهم وكذلك التراجمة الهنود. فلو كان في أولئك المترجمين واحد من اليونان لنقلوا كثيرًا من تواريخ أمتهم وأشعارها.

ولا ريب أنَّ من جملة ما منعهم من نقل الإلياذة إلى العربية ذكر الآلهة والأصنام فيها، ولكنَّ في الشاهنامة أيضًا كثيرًا من ذلك فلم يمنعهم من نقلها.

ويلاحظ أيضًا أنَّ العرب نقلوا من علوم تلك الأمم في قرن وبعض القرن ما لم يستطع الرومان بعضه في عدة قرون، وذلك شأن المسلمين في أكثر أسباب تمدنهم العجيب.

(٨-١) محاسبة الخلفاء للعلماء غير المسلمين

ومن العوامل الفعالة في سرعة نضج العلم في النهضة العباسية، وكثرة ما ترجم في تلك المدة القصيرة، أنَّ الخلفاء أصحاب تلك النهضة كانوا يبذلون كل مرتخص وغالٍ في سبيل نقل الكتب، ويُرغِّبون النقَلة وغيرهم بالبذل والإكرام والمحاسنة، بقطع النظر عن مللهم أو نحلهم أو أنسابهم، وقد كان فيهم النصراني واليهودي والصابئ والسامري والمجوسي. فكان الخلفاء يعاملونهم كافة بالرفق والإكرام، مما يصح أن يكون مثالًا للاعتدال والحرية وقدوة لولاة الأمور في كل العصور.

بلغ من إكرام المنصور لطبيبه جورجيس بن بختيشوع٢٤٥ أنَّه أمر أن يحضروا له المشروب وهو محرّم في الإسلام. وذلك أنَّه رأى وجهه يتغير على أثر إقامته في بغداد، فقال المنصور لحاجبه الربيع: «أرى هذا الرجل قد تغير وجهه … أتكون قد منعته مما يشربه على عادته؟» قال الربيع: «لم نأذن له أن يدخل إلى هذه الدار مشروبًا» فأجابه المنصور بقبيح وقال: «لا بد أن تمضي بنفسك حتى تحضره من المشروب كل ما يريده». فمضى الربيع إلى قطربل وحمل منها إليه غاية ما أمكنه من الشراب الجيد٢٤٦ وكان ذلك شأن المنصور مع أكثر أطبائه، حتى كان يستشير بعضهم في أهم الأمور. فلما طلب أهل خراسان عقد البيعة لابنه المهدي كان من أطبائه طبيب يهودي اسمه فرات بن شحاثا وكان حاضرًا، فقال له المنصور: «ما تقول يا فرات؟» فأشار عليه بما يراه.
وبلغ من إكرام الرشيد لطبيبه جبريل بن بختيشوع أنَّه دعا له وهو في الموقف بمكة دعاء كثيرًا، فأنكر عليه بنو هاشم ذلك وقالوا: «يا سيدَنا، ذمِّيٌّ» فقال: «نعم، ولكن صلاح بدني وقوامه به، وصلاح المسلمين بي، فصلاحهم بصلاحه وبقائه» فقالوا: «صدقت يا أمير المؤمنين!»٢٤٧ أما المأمون فلطفه وإكرامه العلماء أشهر من أن يذكر.
وكثيرًا ما كان الخلفاء يطلقون أيدي أطبائهم في دورهم، ويستشيرونهم في مهام أمورهم الإدارية والسياسية، وربما كلفوهم التوقيع عنهم. فكان المعتصم قد استطب سلمويه بن بنان النصراني، وبلغ من إكرامه إياه أنَّه كان إذا ورد إلى الخليفة كتاب يقتضي توقيعًا، وكان سلمويه حاضرًا، أمره أن يوقع عنه بخطه. وكل ما كان يَرِدُ على الأمراء والقواد من خروج أمر أو توقيع من الخليفة فبخط سلمويه. وكذلك كان شأن داود بن ديلم مع المعتضد٢٤٨ ومن أدلة إكرام المعتصم لسلمويه أنه ولى أخاه إبراهيم بن بنان خزن بيوت الأموال في البلاد وخاتمه مع خاتم الخليفة، ولم يكن أحد عنده مثل سلمويه وأخيه في المنزلة. وكان المعتصم يدعو سلمويه «أبي» وكان إذا قرب الفصح أو غيره من أعياد النصارى أذن له بالذهاب إلى بلده القادسية ليقيم في كنيستها ويتقرب، ويزوده بالأكسية والمسك والبخور. ولما اعتل سلمويه عاده المعتصم وبكى عنده وقال له: «تشير عليّ بعدك بما يصلحني؟» فأشار عليه بيوحنا بن ماسويه. فلما مات سلمويه امتنع المعتصم من أكل الطعام يوم موته، وأمر بأن تحضر جنازته الدار ويصلى عليه بالشمع والبخور على زي النصارى الكامل، ففعلوا وهو بحيث يبصرهم ويباهي في كرامته٢٤٩
وكذلك كان المتوكل والمهتدي وغيرهم في إكرام الأطباء وتقديمهم والإحسان إليهم، وكانوا إذا حضروا مجلس الخليفة جلسوا معه على السدة.٢٥٠ وربما جلس الطبيب والوزراء والأمراء وقوف، كما كان شأن ثابت بن قرة الصابي مع المعتضد بالله.٢٥١ وكان مواكبهم إذا ركبوا مثل مواكب الأمراء والوزراء. وكان الخلفاء يمازحونهم ويماجنونهم، وهم أول من يدخل عليهم للنظر فيما يحتاجون إليه مما يصلح أبدانهم، ويختارون لهم الأطعمة المناسبة. ولم يكن الخليفة يتناول دواء إلا بإذن طبيبه، فإذا فعل ولم يستأذنه جر عليه غضب الطبيب واضطر لاسترضائه. ذكروا أن المتوكل احتجم بغير إذن طبيبه إسرائيل بن الطيفوري، فغضب إسرائيل فافتدى الخليفة غضبه بثلاثة آلاف دينار وضيعة تغل في السنة ٥٠٠٠٠ درهم٢٥٢ وكان جبرائيل الكحال أول من يدخل على المأمون بعد الصلاة، فيغسل أجفانه ويكحل عينيه، فإذا انتبه من قائلته فعل مثل ذلك.٢٥٣
وطبيعي أن يأنس الإنسان بطبيبه ويكرمه، وخصوصًا في دور الخلفاء في ذلك العصر، والمطالبون بالخلافة كثيرون ومن أقرب الطرق إلى نيل مطالبهم أن يقتلوا الخليفة بالسم، وذلك هين على الطبيب. وكثيرًا ما كانوا يخافون ذلك من ملوك الروم. فكان الخلفاء يخافون أن يفعل الأطباء ذلك طمعًا في مال أو منصب، فكانوا يبذلون الجهد في أن يملأوا جيوبهم وعيونهم وقلوبهم. وكثيرًا ما كانوا يمتحنون أمانتهم وسلامة ذمتهم قبل التسليم لهم، كما فعل المتوكل بحنين بن إسحاق لما أراد أن يستطبه وقد خافه على نفسه، فبعث إليه فلما حضر أقطعه إقطاعًا سنيًّا وقرر له جاريًا وخلع عليه ثم قال له: «أريد أن تصف لي دواء يقتل عدوًّا نريد قتله سرًّا» فقال حنين: «ما تعلمت غير الأدوية النافعة، ولا علمت أنَّ أمير المؤمنين يطلب مني غيرها، فإن أحب أن أمضي وأتعلم فعلت» فقال: «هذا شيء يطول بنا». ثم رغبه وهدده وحبسه في بعض القلاع سنة، ثم أحضره وأعاد عليه القول وأحضر سيفًا ونطعًا وهدده بالقتل فقال: «لي رب يأخذ لي حقي غدًا في الموقف العظيم» فتبسم المتوكل وأخبره أنه أراد امتحانه.٢٥٤
ولنفس هذا السبب كان الخلفاء يوجبون على أطبائهم النصارى أو غيرهم التمسك بطقوس دياناتهم٢٥٥ ويكرمون أهل تلك الأديان من أجلهم. فقد كان ثابت بن قرة صابئيًّا، فلما نال حظوة عند المعتضد تجددت الرئاسة للصابئة في مدينة السلام. وقلما كانوا يريدونهم على الإسلام إلا نادرًا، كما أراد القاهر بالله سنان بن ثابت المذكور فهرب ثم أسلم خوفًا منه. على أنَّ الصابئة كثيرًا ما كانوا يصومون شهر رمضان مع المسلمين، كما كان يفعل أبو إسحاق الصابي الكاتب المشهور في أيام عز الدولة، ومع ذلك فلما أراده عز الدولة على الإسلام لم يفعل؛ لأنه كان متمسكًا بدينه. والصابي هذا هو الذي رثاه الشريف الرضي بقصيدته الدالية التي مطلعها:٢٥٦
أرأيت من حملوا على الأعواد
أرأيت كيف خبا ضياء النادي؟
ولم يمنعه شرفه في الإسلام من هذا الرثاء. ويدلك ذلك على أنَّ التعصب أو التساهل إنما يكون مصدرهما من صاحب الأمر والنهي، فإذا كان الأمير معتدلًا أو متعصبًا كانت رعيته مثله. ولذلك فقد كان التساهل في عصر النهضة العباسية شاملًا على الخصوص أهل الخلفاء وأهل الوجاهة والعلم. ولم يكن العالم المسلم يستنكف أن يأخذ العلم عن نصراني، حتى الفارابي الفيلسوف الكبير فقد أخذ بعض علمه عن أحد نصارى حران٢٥٧ وكان النصارى من الجهة الأخرى لا يستنكفون من قراءة التوراة والإنجيل على فقيه مسلم.٢٥٨

أما بذل الأمول للأطباء فلا حاجة إلى ذكره لشهرته، ومن مراجعة ثروة جبريل بن بختيشوع في الجزء الثاني من هذا الكتاب كفاية. فضلًا عما كانوا يكسبونهم من الأموال غير الرواتب، فإن المأمون أمر أن كل من يتقلد عملًا لا يخرج إلى عمله إلا بعد أن يلقى طبيبه جبريل ويكرمه. وللمأمون شعر فيه:

أفي طبك يا جبريـ
ـل ما يَشفي ذوي العلة؟
غزال قد سبى عقلي
بلا جرم ولا زلة٢٥٩

فكيف لا يزهو العلم ويزهر ويثمر في ظل هؤلاء؟

ولم تكن تلك المحاسنة خاصة بالنهضة العباسية، بل كانت تتناول كل دولة نهضت للعلم، فالدولة الفاطمية بمصر كان أكثر أطبائها من النصارى واليهود والسامريين، وكانت لهم عندهم منزلة الأطباء في الدولة العباسية، فكانوا يغدقون عليهم الأموال، ويولونهم الوظائف والمناصب ويستشيرونهم ويكرمونهم ويلقبونهم بألقاب الشرف، كسلطان الحكماء وأمين الدولة ومعتمد الملك٢٦٠ ويخاطبونهم كما يُخاطبون الأمراء والوزراء. كان طبيب العزيز بالله الفاطمي نصرانيًّا اسمه منصور بن مقشر، فاعتلَّ الطبيب وتأخر عن الركوب، فلمَّا تماثل كتب إليه الخليفة العزيز بخط يده «بسم الله الرحمن الرحيم. على طبيبنا — سلمه الله — سلام الله الطيب، وأتم النعمة عليه. وصلت إلينا البشارة بما وهبه الله من عافية الطبيب وبرئه، والله العظيم لقد عدل عندنا ما رزقناه نحن من الصحة في جسمنا. أقالك الله العثرة، وأعادك إلى أفضل ما عودك من صحة الجسم وطيبة النفس وخفض العيش بحوله وقوته».٢٦١

ويقال نحو ذلك في دولة الأندلس، فقد كان للأطباء والعلماء في أيام الحكم المستنصر بن الناصر ما كان لهم في أيام المأمون لمشابهة بين الخليفتين. فقد كان الحكم محبًّا للعلم والعلماء جمَّاعًا للكتب كما سيأتي. على أنَّ حال هؤلاء العلماء كانت تختلف باختلاف الخلفاء واختلاف العصور.

(٨-٢) انتشار العلوم الدخيلة في المملكة الإسلامية

لم تكد العلوم الدخيلة تنقل إلى العربية حتى أخذ المسلمون في درسها والاشتغال بها. وكان اشتغالهم في بادئ الرأي على سبيل التلخيص أو الشرح أو التعليق، حتى إذا نضج تمدنهم وانتشرت العلوم في البلاد — للأسباب الآتية — أخذ المسلمون في التأليف من عند أنفسهم، وبعد أن كانت العلوم في القرنين الأولين نقلية إنما تحتاج إلى الادخار في الذاكرة، أصبحت في القرنين التاليين وما بعدهما عقلية عمدتها النظر والقياس والتحليل والتركيب.

وكانت بغداد كعبة العلم ومحج العلماء ومنبت أهل الفضل ومقر نقلة العلم في أثناء النهضة العباسية، وخصوصًا في أيام المأمون. حتى إذا تولى المعتصم واستكثر من الأتراك، وظهرت منهم الإساءة لأهل بغداد نفر الناس وتباعدت القلوب، ولكن المعتصم كان على مذهب أخيه المأمون في الاعتزال وإكرام الشيعة، فظلت بغداد على نحو ما كانت عليه في أيام المأمون. وكان الواثق يتشبه بالمأمون في حركاته وسكناته، وكان يعقد المجالس مثله للمباحثة بين الفقهاء والمتكلمين في أنواع العلوم العقلية والسمعية في جميع الفروع.٢٦٢
فلما توفي الواثق سنة ٢٣٣ﻫ خلفه أخوه جعفر المتوكل، وكان شديد الانحراف عن الشيعة والمعتزلة، حتى أمر بهدم قبر الحسين بن علي وما حوله من المنازل ومنع الناس من إتيانه، وكان كثير الاستهزاء بعلي٢٦٣ وكان يجالس من اشتهر ببغضه. وخالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقاد، فأبطل القول بخلق القرآن، ونهى عن الجدل والمناظرة في الآراء، وعاقب عليه، وأمر بالرجوع إلى التقليد ونصر السنة والجماعة، وأمر الشيوخ والمحدثين بالتحديث، فانحط علم الكلام بعد أن بلغ رونقه في أيام الرشيد وخلفائه، فأخذ في التقهقر في أيام المتوكل؛ لأنَّه كان شديد الوطأة على أصحاب الرأي وأصحاب الفلسفة وسائر العلوم الدخيلة. وأخذ منذ تولى الخلافة في مناوأتهم، فأهلك جماعة من العلماء وحط مراتبهم وعادى العلم وأهله، ولاقى أهل الذمة منه الشدائد بتغيير زيهم وتذليلهم وإهانتهم.٢٦٤ ومن أشهر حوادث نقمته على خدمة العلم، أنه غضب على بختيشوع الطبيب وقبض ماله ونفاه إلى البحرين، وقتل أبا يوسف يعقوب المعروف بابن السكيت٢٦٥ وسخط على عمر بن مصرح الراجحي وكان من علية الكتَّاب، وأخذ منه مالًا وجوهرًا وأمر أن يُصفع في كل يوم، فأحصى ما صفع به فكان ستة آلاف صفعة.٢٦٦

ومات المتوكل مقتولًا سنة ٢٤٧ﻫ، قتله رجاله بتحريض ابنه فاضطربت أحوال الخلافة واستفحل شأن الأتراك، فنفرت قلوب طلبة العلم وأكثرهم من الفرس والعرب، فتفرقوا من بغداد رويدًا رويدًا إلى أنحاء المملكة الإسلامية شرقًا وغربًا، ولذلك كان أكثر من ظهر من العلماء — بعد نضج العلم في القرن الرابع للهجرة فما بعده — إنما نبغوا خارج بغداد، وفيهم الأطباء والفلاسفة والمهندسون والمتكلمون وأصحاب المنطق والفقهاء واللغويون وغيرهم.

فكان مركز الطب والطبيعيات والفلسفة — عند ظهور الإسلام — في الإسكندرية، ثم انتقل في أيام عمر بن عبد العزيز في آخر القرن الأول للهجرة إلى أنطاكية. وكان مركز العلوم الإسلامية في أول الإسلام في المدينة، ثم انتقل إلى البصرة، ومنها إلى الكوفة. فلما بنيت بغداد انتقلت إليها تلك العلوم، ثم انضمت إليها العلوم الدخيلة، فأصبحت بغداد أم المدائن في العلم والأدب والفلسفة والطب وسائر العلوم العقلية والنقلية. فلما اضطربت أحوال الخلافة في أيام المتوكل، ثم لما نشأت الدول الجديدة في أنحاء المملكة الإسلامية بالتفرع والتشعب على مقتضى ناموس الارتقاء، تفرق العلماء وأصبح للعلم مراكز كثيرة قد يتفاضل بعضها على ببعض. وتدرج الانتقال من بغداد أولًا إلى العراق العجمي، فخراسان وما وراء النهر من المشرق ثم إلى القاهرة وما إليها من المغرب والأندلس.

وربما كانت الأندلس أسبق من سواها إلى الأدب والشعر؛ لأنها ورثت دول المشرق في ذلك، فأصبحت قرطبة في الدولة المروانية قبة الإسلام ومجتمع العلماء، وإليها كانت الرحلة في رواية الشعر ومناشدة الشعراء،٢٦٧ وهي في ذلك وفي غيره مدينة لبغداد وخصوصًا في العلوم الدخيلة. فإنَّ الموسيقى نقلت إليها من بغداد على يد زرقون وعلون، دخلا في أيام الحكم بن هشام.٢٦٨ وأما الفلسفة فقد دخلتها في عهد عبد الرحمن الأوسط المعاصر للمأمون وازدهت في أيام الحكم بن الناصر٢٦٩ أما الطب فدخل المغرب ثم الأندلس على يد إسحاق بن عمران، أصله من بغداد ورحل إلى المغرب ونقل الطب معه٢٧٠ في أوائل القرن الثالث. على أنَّ أطباء الأندلس ومصر ما زالوا حينًا من الدهر يرحلون في إتقان الطب وغيره من العلوم الدخيلة إلى بغداد. حتى يهود الأندلس فقد كانوا يستخرجون فقههم من يهود بغداد٢٧١ ويقال نحو ذلك في سائر بلاد الإسلام.

وبالجملة فإنَّ بذور العلم التي ألقاها خلفاء النهضة العباسية في بغداد، ظهرت ثمارها في خراسان والري وخوزستان وأذربيجان وما وراء النهر، وفي مصر والشام والأندلس وغيرها. وظلت بغداد مع ذلك حافلة بالعلماء بقوة الاستمرار، وبما فيها من أسباب الثروة ولأنها مركز الخلافة. فنبغ فيها جماعة من أهل العلم المسلمين، فضلًا عن الأطباء النصارى الذين كانوا يخدمون الخلفاء في التطبيب والترجمة.

على أنَّ أكثر العلماء غير المسلمين، الذين نبغوا فيها بعد تلك النهضة، كانوا يتقاطرون إليها من أنحاء جزيرة العراق وغيرها لخدمة الخلفاء، أما المسلمون فالغالب أن يكون ظهورهم خارج العراق، ولا سيما وأنَّ أكثر ملوك الدول الجديدة التي تفرعت من الدولة العباسية اقتدوا بخلفاء النهضة العباسية، في ترغيب أهل العلم واستقدامهم إلى عواصمهم في القاهرة وغزنة ودمشق ونيسابور وإصطخر وغيرها. فالرازي من الري، وابن سينا من بخارى في تركستان، والبيروني من بيرون في بلاد السند، وابن جلجل النباتي من أهل الأندلس، وكذلك ابن باجة الفيلسوف وابن زهر الطبيب وأقاربه آل زهر وابن رشد وابن الرومية النباتي وكلهم من الأندلس.

أما مصر فأكثر أطبائها المشاهير من النصارى واليهود والسامريين، وقد نبغ فيها ابن الهيثم من أهل الفلسفة والطبيعيات، وعلي بن رضوان الطبيب الشهير والشيخ السديد رئيس الأطباء، ورشيد الدين أبو حليقة الطبيب الفيلسوف، وضياء الدين بن البيطار النباتي الشهير. أما الشام فقد نبغ منها الفارابي الفيلسوف، وأبو المجد بن أبي الحكم، وشهاب الدين السهروردي، وموفق الدين البغدادي الرحالة، ناهيك بعدد عديد من النصارى الذين خدموا الخلفاء والأمراء في الطب والفلسفة وغيرهما ممن نبغ في الشام.

ويقال نحو ذلك في علماء العلوم الإسلامية، كالفقهاء والمحدثين واللغويين والشعراء، فإنَّهم مع بقاء بغداد آهلة بهم فقد ظهر جماعة كبيرة منهم في خارجها، وألقابهم تدل على أماكنهم، كالبخاري والشيرازي والنيسابوري والسجستاني والفرغاني والبلخي والخوارزمي والفيروزابادي والحموي والدمشقي والفيومي والسيوطي والقرطبي والإشبيلي وغيرهم.

(٨-٣) الخلفاء والأمراء والعلم

(أ) اشتغال الخلفاء والأمراء بالعلم

فلا غرو إذا احتفى الخلفاء والأمراء بأهل العلم وحاسنوهم، وهم أنفسهم كانوا من طلبة العلم ومريديه، وإذا كان الملك أو الأمير عالمًا زها في أيامه العلم وسعد خَدَمته. ومن شروط الخلافة في الإسلام أن يكون الخليفة عالمًا بالأمور الشرعية، ولذلك كان الخلفاء في الغالب عالمين بها، يعقدون المجالس للنظر فيها ويقربون الفقهاء والمحدثين، وتطرقوا من ذلك إلى الرغبة في النحو واللغة والتاريخ، لارتباط تلك العلوم بعضها ببعض، والعلم مترابط يطلب بعضه بعضًا. فلما أقاموا في العراق، وأحاط بهم أهل العلوم الطبيعية والفلسفة والنجوم من السريان والفرس، واطلعوا على شيء من تلك العلوم، تاقت أنفسهم إليها واشتغلوا بها، وكان ذلك الاشتغال باعثًا على استنارة الخلفاء والأمراء، فنبغ من ذلك العصر فما بعده جماعة من الخلفاء، انتظموا في سلك أهل العلم الطبيعي فضلًا عن الأدبي.

وأعلم خلفاء بني العباس المأمون، فقد كان عالمًا بالشرع واللغة والنجوم والفلسفة والمنطق، ويقابله في الدول الإسلامية الأخرى الحكم المستنصر بن الناصر الأموي في الأندلس (توفي سنة ٣٦٦ﻫ) والحاكم بأمر الله الفاطمي في مصر (توفي سنة ٤١١ﻫ) أما الحكم فقد كان مع رغبته في العلم جمَّاعًا للكتب يبذل الأموال في استجلابها من الأقطار. وأما الحاكم فقد كان عالمًا بالنجوم وبنى مرصدًا وأنشأ مكتبة كما سيأتي، وكذلك كان عبد الرحمن الأوسط أمير الأندلس المتوفى سنة ٢٣٨ﻫ٢٧٢ وهو أول من وصلت إليه كتب الفلسفة من أمراء الأندلس واطلع عليها وتظاهر بها، اقتداء بالمأمون لقرب عهده منه. أما قبلهما فلم يكن أحد من الخلفاء يعرف الفلسفة، وإذا عرفها فلا يجسر على التظاهر بها، ولكنَّهم كانوا يعرفون النجوم ويشتغلون بها، كما فعل المنصور والرشيد. أما بعد النهضة العباسية فقد تظاهر بعض الخلفاء بالفلسفة والعلم الطبيعي.
أما الأدب والشعر فكان للخلفاء حظ وافر منهما، وقد ذكرنا بباب الشعر من اشتغل به منهم. أما الأدب فقد كان السفاح تعجبه المحادثة ومفاخرات العرب من نزار واليمن٢٧٣ وكان المنصور صاحب أخبار وآداب وله كتاب فيها٢٧٤ وكان الهادي يُجالس الأدباء يقصون عليه الأخبار والأشعار. وابن المعتز أول من أَلَّف في علم البديع٢٧٥ وإبراهيم بن المهدي كان من علية أهل الأدب والشعر. ويُقال نحو ذلك في بني حمدان في حلب، وبني عباد في الأندلس، وبني بويه في بغداد.

وكان هؤلاء الخلفاء أو الأمراء يقدمون أهل العلم ويستوزرونهم. ومن الوزراء العلماء: يحيى بن خالد وزير الرشيد، ويعقوب بن كلس وزير العزيز بالله بمصر، وكذلك كان أكثر الوزراء في الدولة العباسية وغيرها.

وإذا كان السلطان من أهل العلم فلا غرو إذا كثر العلماء في عصره وزها العلم على يده؛ لأنَّ النَّاس على ما يريد ملوكهم وخصوصًا في الحكم المطلق؛ لأنَّ الأفكار تتجه إلى إرضاء الحاكم المطلق فيشتغلون بما يرضيه. قال أسامة بن معقل: «كان السفاح راغبًا في الخطب والرسائل يصطنع أهلها ويثيبهم عليها، فحفظت ألف رسالة وألف خطبة طلبًا للحظوة عنده فنلتها، وكان المنصور بعده معنيًّا بالأسمار والأخبار وأيام العرب يدني أهلها ويجيزهم عليها، فلم يبق شيء من الأسمار أو الأخبار إلا حفظه طلبًا للقربى منه، وكان موسى الهادي مغرمًا بالشعر يستخلص أهله، فما تركت بيتًا نادرًا ولا شعرًا فاخرًا ولا نسيبًا سائرًا إلا حفظته، ولم أرَ شيئًا أدعى إلى تعلم الآداب غير رغبة الملوك في أهلها وصلاتهم عليها».٢٧٦

(ب) تأليف الكتب للخلفاء والأمراء

وهذا هو الواقع في كل عصر، وكل دولة. فالمأمون لولا حبه العلم وإحرازه شيئًا منه لم يقدم على ترجمة الكتب، وقد كان يعقد المجالس للمناظرة والمحاورة، وهو الذي أمر الفراء بجمع أصول النحو وأخلاه في غرفة وأطلق له الأموال٢٧٧ فزها العلم في أيامه وخصوصًا الفلسفة؛ لأنَّه كان يُحبّها. وما من أمير ولا ملك محب للعلم إلا اجتمع العلماء حوله، وألفوا له الكتب فيما يحبه من فروع العلم وهو يجيزهم عليها. فمحمد بن إسحاق الراوية الشهير ألف كتاب المغازي للمنصور وهو في الحيرة٢٧٨ وابن بكار ألف كتاب الأخبار المعروف بالموفقيات للموفق بالله٢٧٩ والرازي ألف كتاب المنصوري باسم المنصور بن إسحاق، ولما تَوَلَّى عضد الدولة بن بويه دار السلام قرَّب إليه أهل العلم، فقصدوه من كل بلد وصنفوا له «كتاب الإيضاح» في النحو و«كتاب الحجة» في القراءات و«كتاب الملكي» في الطب و«التاجي» في تاريخ الديلم وغيرها،٢٨٠ وسعيد بن هبة الله الطبيب ألف كتاب المغني في الطب للمقتدي بأمر الله،٢٨١ وقد يؤلفون الكتب للوزراء والأمراء، فقد ألف الحريري مقاماته لأنوشروان وزير المسترشد٢٨٢ وألف جبريل بن عبيد الله بن بختيشوع كتاب الكافي بلقب الصاحب بن عباد لمحبته له. وقس على ذلك كثيرين ألفوا الكتب بأسماء الخلفاء والأمراء أو الوجهاء. والغالب أن يكون الغرض من ذلك الطمع في العطايا الوافرة، وكانوا ينالون شيئًا كثيرًا منها. فالمنصور الأندلسي أثاب على كتاب النصوص بخمسة آلاف دينار٢٨٣ والفردوسي نظم الشاهنامة للسلطان محمود الغزنوي على أن يُعطيه على كل بيت دينارًا فبلغت ٦٠٠٠٠ بيت.
على أنَّهم لم يكونوا يجيزون على تأليف الكتب اعتباطًا، وإنَّما كانوا ينظرون فيها فإذا لم يتوسموا فيها نفعًا نبذوها وربما عاقبوا مؤلفيها، فأبو بكر الرازي الطبيب ألف للمنصور بن إسحاق المذكور كتابًا في صناعة الكيمياء فأجازه عليه بألف دينار، ولكنه طالبه بإثبات ما فيه فلما عجز عن ذلك قال له المنصور: «ما اعتقدت أنَّ حكيمًا يرضى بتخليد الكذب في كتب ينسبها إلى الحكمة يشغل قلوب الناس بها. وقد كافأتك على قصدك وتعبك بألف دينار. ولا بد من معاقبتك على تخليد الكذب!» ثم أمر أن يضرب بالكتاب على رأسه حتى يتقطع، ثم جهزه وأرجعه إلى بغداد.٢٨٤
وكان بعض الأمراء والسلاطين يتفاخرون بتقريب العلماء وتأليف الكتب بأسمائهم، وخصوصًا في الأندلس بعد ذهاب دولة بني أمية منها وقيام دول الطوائف. فإنَّهم كانوا يقلدون الخلفاء في حب العلم وتنشيط العلماء، وكان أكثرهم يحاضر العلماء والأدباء ويحب أن يشتهر عنه ذلك وخصوصًا عند مباديه في الرئاسة٢٨٥ وكانوا يتباهون أن يقال إنَّ العالم الفلاني عند الملك الفلاني، والشاعر الفلاني مختص بالملك الفلاني. وكان العلماء والشعراء يدلون عليهم ويستعزون، وربما أبى الشاعر أن يمدح الملك إلا بمال معين يشترطه سلفًا والملوك يسترضونهم بما يريدون، وقد يقترح الأمير على العالم أن يؤلف كتابًا باسمه فلا يرضى ولو بالمال الكثير. حُكي أنَّ أبا غالب تمام بن غالب اللغوي القرطبي المتوفى سنة ٤٣٦ﻫ، لما ألف كتابه في اللغة بعث إليه أبو الجيش مجاهد العامري ملك دانية ألف دينار ومركوبًا وكساء، على أن يجعل الكتاب المذكور باسمه فيزيد في آخره: «هذا الكتاب مما ألفه أبو غالب لأبي الجيش مجاهد» فرد الدنانير وقال: «كتاب ألفته لينتفع به الناس وأخلد فيه همتي أجعل في صدره اسم غيري وأصرف الفخر له؟» فلمَّا بلغ هذا مجاهدًا استحسن أنفته وضاعف له العطاء وقال: «هو في حل من أن يذكرني فيه لا نصده عن غرضه».٢٨٦

على أنَّ بعض العلماء كانوا يُؤلِّفون الكتب لأبنائهم وإخوانهم وأصدقائهم لا يلتمسون على ذلك أجرًا، وقد يؤلفون لأنفسهم، ومن لطيف ما جاء في مقدمة كتاب حياة الحيوان للدميري قوله: «هذا الكتاب لم يسألني أحد تأليفه».

وجملة القول أنَّ التمدن الإسلامي كان حافلًا بأهل العلم، من قصور الخلفاء إلى المساجد ومنازل الأمراء والعامة إلى مجالس الغناء. وكانوا يعقدون المجالس للمناظرة في العلوم على اختلافها، وفي الآداب على تنوع وجهاتها، وفي الشعر وغيره، وكانوا يفرضون العلم على أولادهم وإخوانهم ومماليكهم وجواريهم وسراريهم. وكانوا يعلِّمون الجواري ويثقفونهن ويحفظونهن القرآن ويروونهن الأشعار والأخبار ويعلمونهن النحو والعروض والغناء ثم يتهادوْنهن. وقد كان عند زبيدة أم الأمين مائة جارية يحفظن القرآن، وكان يسمع من قصرها دوي كدوي النحل من القراءة٢٨٧ حتى المخانيث فقد كانوا يؤدبونهم، وكان في قرطبة في أوائل القرن الخامس للهجرة جملة من الفتيان المخانيث ممن أخذ من الأدب بأوفر نصيب ولهم فيه مؤلفات.٢٨٨
وأغرب من ذلك بذلهم الأموال للمطالعين، فضلًا عن المؤلفين، فالملك المعظم شرف الدين عيسى الأيوبي صاحب دمشق كان من رغاب الأدب، فاشترط لكل من يحفظ كتاب المفصل للزمخشري مائة دينار وخلعة، فحفظه جماعة كبيرة٢٨٩ وهذه منقبة لم يُسمح بمثلها.

(٨-٤) المؤلِّفون والمؤلَّفات

فلا عجب والحالة هذه إذا كثر المؤلفون وتعددت مؤلفاتهم واتسعت مباحثهم، وكان منهم الملوك والأمراء والوزراء والأغنياء والفقراء، وفيهم العرب والفرس والروم واليهود والسريان والهنود والترك والديلم والقبط، وغيرهم من الملل الخاضعة للإسلام في أنحاء العالم المتمدن يومئذ، في الشام ومصر والعراق وفارس وخراسان وما وراء النهر والهند وفي المغرب والأندلس وغيرها. وقد حوت مؤلفاتهم البحث في كل ما أنتجته قريحة الإنسان إلى ذلك الزمان، من الطبيعيات والإلهيات والعقليات والرياضيات والنقليات. ودعت أبحاثهم الواسعة إلى تشعب العلوم وتفرعها حتى زادت على خمسمائة علم، ذكرها طاشكبرى زاده في مفاتيح العلوم، ومنها ما لم يكن له وجود قبل الإسلام، كالاقتصاد السياسي، وفلسفة التاريخ، والموسوعات التاريخية، والجغرافية. غير العلوم الإسلامية الخاصة بلغة العرب وآداب المسلمين.

وقد تعددت مؤلفاتهم حتى أصبحت تعد بعشرات الألوف، ويستدل على كثرتها مما بقي من خبرها إلى القرن الحادي عشر للهجرة على ما في كشف الظنون. فقد بلغ عدد المؤلفات المذكورة هناك ١٤٥٠١ غير الشروح والتعاليق، وغير ما ضاع خبره منها في النكبات المتوالية في أثناء الفتن الداخلية بين الفرق الإسلامية وغيرها، وما كان يحرقه ولاة الأمر من كتب الفلسفة ومتعلقاتها، اضطهادًا لأصحابها كما سيجيء. حتى ذهب معظم ما ترجموه أو ألفوه ولم يبقَ منها إلا النَّزْر اليسير.

ولا ريب عندنا أنَّ الضائع من كتب المسلمين يزيد على أضعاف الباقي. ومما يؤيد ذلك أنَّ بعض المؤلفين القدماء. كالمسعودي والطبري وابن الأثير وغيرهم، ذكروا في مقدمات كتبهم كثيرًا من أسماء المؤلفات التي نقلوا كتبهم عنها وقلَّما نجد أسماءها في الفهارس.

ومن المؤلفين المسلمين من بلغت مؤلفاته بضع مئات إلى الألف، فمؤلفات أبي عبيدة ٢٠٠ مؤلف في علوم مختلفة، ومؤلفات ابن سريج ٤٠٠، ومؤلفات ابن حزم ٤٠٠ مجلد، ومؤلفات القاضي الفاضل مائة كتاب.

وقس على ذلك مؤلفات كثير من العلماء في الموضوعات المختلفة، كمؤلفات الرازي والسيوطي وابن سينا، وقد بلغت مؤلفات بعضهم ألف كتاب كعبد الملك بن حبيب عالم الأندلس٢٩٠ وقد عدت مؤلفات جمال الدين العيني الحافظ وقسمت على عمره فبلغ كل يوم تسع كراريس.٢٩١
ناهيك بضخامة تلك المؤلفات، فإنَّ بعضها يتألف من عشرات المجلدات، وخصوصًا كتب التاريخ، فكتاب مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي أربعون مجلدًا، وتاريخ دمشق لابن عساكر ثمانون مجلدًا، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١٤ مجلدًا، والأغاني عشرون مجلدًا، وابن الأثير ١٢ مجلدًا، ويُقال نحو ذلك في غير كتب الأدب كشرح كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري فإنه بلغ ستين مجلدًا٢٩٢ وتقدير المجلد يختلف باختلاف الأحوال، فإذا اعتبرنا تقسيم ابن الأثير والأغاني إلى مجلدات رأينا المجلد عبارة عن ٢٠٠ صفحة فأكثر ولكننا رأينا في بعض النصوص أنَّ تقدير المجلد عشر ورقات،٢٩٣ وربما اختلف ذلك باختلاف الموضوعات.

والغالب في المؤلفات الكبرى عندهم أنْ تكون من قبيل الموسوعات الحاوية في موضوعها وما يقاربه. فمعجم ياقوت موضوعه الأصلي في الجغرافية، ولكنه يحوي تراجم جماعة كبيرة من علماء الإسلام وأدبائه. والأغاني في الغناء ولكنه يشمل فوائد ذات شأن في تاريخ العرب وآدابهم في الجاهلية وأوائل الإسلام، والعقد الفريد كتاب في الأدب، ولكن فيه فوائد كثيرة في الشعر والعروض والأخلاق والتاريخ وغيرها، وقس على ذلك سائر كتب التراجم أو التواريخ المطولة. ومن هذا القبيل الكتب الطبية كالقانون لابن سينا، فإنَّه عبارة عن قاموس جامع لفنون الطب كالتشريح والفسيولوجيا والباثولوجيا والنبات والصيدلة وغيرها، وكذلك كتاب الرازي. وقد يجمع الكتاب الواحد موضوعات متباعدة، ككتاب حياة الحيوان للدميري، فإنَّ موضوعه علم الحيوان ولكنه حوى شيئًا كثيرًا من التاريخ والآداب والأخلاق والطب والصيدلة والنبات، والكشكول كتاب في الأدب والحكم ولكن فيه مقالات وفصولًا في فنون متناقضة، كالجبر والهندسة والمنطق والنجوم والفلسفة والتاريخ والأدب واللاهوت والفقه والحديث وغيرها.

(٩) تأثير الإسلام في العلوم الدخيلة

لما نضج التمدن الإسلامي وانتشرت العلوم الدخيلة في بلاد الإسلام، عني المسلمون بدرسها ونبغ منهم جماعة فاقوا أصحابها وأدخلوا فيها آراء جديدة، فتنوعت وارتقت على ما اقتضاه الإسلام والآداب الإسلامية وما مازجها من علوم الأمم الأخرى، فأصبحت على شكل خاص بالتمدن الإسلامي. فلما نهض أهل أوربا إلى استرجاع علوم اليونان، أخذوا معظمها عن اللغة العربية وفيها الصبغة الإسلامية. فلنبحث فيما أثره التمدن الإسلامي في علوم التمدن القديم.

(٩-١) الفلسفة في الإسلام

قرأ المسلمون الفلسفة في كتب أفلاطون وأرسطو، وما علقه عليها اليونان من الشروح وأضافوا إليها من الآراء، وهي تشمل المنطق والطبيعيات والإلهيات والأخلاق. فبدأ المسلمون أولًا بدرس هذه الكتب، ثم أخذوا في شرحها أو تلخيصها، ثم عمدوا إلى الكتابة في تلك الموضوعات من عند أنفسهم،. ويندر أن يشتغل الواحد منهم في الفلسفة دون الطب والنجوم، أو في الطب دون الفلسفة والنجوم، أو بالعكس. ومن أقوال حنين: «إنَّ الطبيب يجب أن يكون فيلسوفًا» لكنهم كانوا يلقبون العالم بما غلب اشتغاله فيه.

(أ) الفلاسفة المسلمون في الشرق

وأكبر فلاسفة المسلمين وأشهرهم وأسبقهم يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكِندي، وهو عربي الأصل دون سواه من الفلاسفة، ويتصل نسبه بملوك كندة ولذلك سموه فيلسوف العرب. فبعد أن كان العرب في صدر الإسلام يستنكفون من الاشتغال بالعلوم حتى الإسلامية، وبعد أن عملوا على إبادة ما عثروا عليه من علوم الأقدمين في مصر وفارس، أصبحوا لا يستنكفون من الاشتغال حتى بالعلوم الفلسفية الدخيلة. وأول من اشتغل بها منهم أبناء ملوكهم. كان الكندي معاصرًا للمأمون والمعتصم إلى المتوكل، وكانت له عندهم منزلة سامية، وقد برع في الطب والفلسفة والحساب والمنطق والألحان والهندسة وطبائع الأعداد وعلم النجوم، وقد نبغ وليس في المسلمين فيلسوف غيره، وحذا في تآليفه حذو أرسطوطاليس، وله ترجمات عديدة نقلها لنفسه، وكان يعد من حذاق التراجمة ولم يُذكر بينهم؛ لأنَّه لم يرتزق بالترجمة. وقد ألف الكندي في معظم العلوم الدخيلة كتبًا كثيرة، ذكرها صاحب الفهرست وإليك عددها باعتبار العلوم:
المجموع كله ٢٣١ كتابًا
في الفلسفة ٢٢ كتابًا
في الحساب ١١ كتابًا
في النجوم ١٩ كتابًا
في الهندسة ٢٣ كتابًا
في الفلكيات ١٦ كتابًا
في الطب ٢٢ كتابًا
في الجدل ١٧ كتابًا
في السياسة ١٢ كتابًا
في الأحداث ١٤ كتابًا
في الطبيعيات إلخ ٣٣ كتابًا
في الكريات ٨ كتب
في المنطق ٩ كتب
في الموسيقى ٧ كتب
في الأحكام ١٠ كتب
في النفس ٥ كتب
في الأبعاد ٨ كتب
في تقدمة المعرفة ٥ كتب

وأكثر هذه الكتب قد ضاع. ويتضح من مراجعة أسمائها أنَّ الرجل كان كثير التضلع في هذه العلوم، حتى انتقد أصحابها وخطأهم. وللكندي تلامذة حذوا حذوه.

ويليه أبو نصر الفارابي المتوفى سنة ٣٣٩ﻫ، أصله من فاراب ببلاد الترك لكنه فارسي المنتسب٢٩٤ وقد نشأ في الشام واشتغل فيها، وكان فيلسوفًا كاملًا درس كل ما درسه الكندي من العلوم، وفاقه في كثير منها وخصوصًا في المنطق، وتعمق في الفلسفة والتحليل وأنحاء التعاليم، وأفاد التعليم وجوه الانتفاع بها، وألف كتبًا في موضوعات لم يسبقه أحد إليها، ككتابه «في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها» وهو أشبه بقاموس علمي على شكل موسوعات العلوم لم يذهب مذهبه فيه أحد قبله، وكتاب «السياسة المدنية» وهو الاقتصاد السياسي الذي يزعم أهل التمدن الحديث أنَّه من مخترعاتهم، وقد كتب فيه الفارابي منذ ألف سنة، ثم كتب فيه ابن خلدون في مقدمته. وبرع الفارابي خصوصًا في علم الموسيقى حتى أصبح لا يضاهيه فيه أحد، واخترع القانون كما سيأتي في باب الموسيقى، وأصلح ما بقي من الترجمات غير مصلح فسموه المعلم الثاني.٢٩٥

وممن غلبت عليه الفلسفة من علماء المسلمين الشيخ الرئيس ابن سينا المتوفى سنة ٤٢٨ﻫ، وله من المؤلفات نحو مائة كتاب منها ٢٦ في الفلسفة فقط، ومنهم أبو حامد الغزالي الملقب حجة الإسلام المتوفى سنة ٥٠٥ﻫ، وهو إمام التصوف … غير الذين ظهروا في الأندلس، وسيأتي ذكرهم. على أنَّ الإفاضة في ذكر الفلاسفة ومؤلفاتهم وآرائهم من متعلقات «تاريخ آداب اللغة»، فنقتصر هنا على تاريخ الفلسفة في الإسلام وما كان من تأثيرها في الدين والعلم.

أهم ما كان من تأثير الفلسفة في الإسلام أنهم بنوا عليها علم الكلام وأيدوه بها، لتقوى حجتهم فيما قام بينهم من المجادلات المذهبية، واشتهر علم الكلام في المسلمين وعكفوا على درسه، وخصوصًا المعتزلة، واشتهر به جماعة من علية القوم، وفي جملتهم الشريف المرتضى والزمخشري والباقلاني وغيرهم.

وأما الفلسفة في حد ذاتها فقد كان أصحابها متهمين بالكفر، وكان الانتساب إليها مرادفًا للانتساب إلى التعطيل، ومن أقوالهم: «كان فلان — سامحه الله — يُتَّهم بدينه لكون العلوم العقلية غالبة عليه»،٢٩٦ وقد شاع ذلك في بغداد بين العامة، حتى في أيام المأمون، ولذلك سماه بعضهم أمير الكافرين٢٩٧ ولكنهم لم يكونوا يتظاهرون بذلك، حتى ذهب عصر المأمون والمعتصم والواثق، وتولى المتوكل فأصبح مريدو الفلسفة يتجنبون الظهور بها، أو ينكرونها وهم كلفون بها فكانوا يشتغلون فيها سرًّا فألفوا الجمعيات السرية لهذه الغاية.

(ب) جمعية إخوان الصفا

ومن جمعياتهم السرية الفلسفية جمعية إخوان الصفا، تألفت في بغداد في أواسط القرن الرابع للهجرة، وذكروا من أعضائها خمسة هم: أبو سليمان محمد بن معشر البستي ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، والعوفي، وزيد بن رفاعة٢٩٨ وكانوا يجتمعون سرًّا ويتباحثون في الفلسفة على أنواعها، حتى صار لهم فيها مذهب خاص، هو خلاصة أبحاث الفلاسفة المسلمين بعد اطلاعهم على آراء اليونان والفرس والهند، وتعديلها على ما يقتضيه الإسلام. وأساس مذهبهم أن الشريعة الإسلامية تدنست بالجهالات واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، لأنَّها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية، وأنَّه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال.

وقد دونوا فلسفتهم هذه في خمسين رسالة سموها رسائل إخوان الصفا، وكتموا أسماءهم. وهي تمثل الفلسفة الإسلامية على ما كانت عليه في إبان نضجها، وتشمل: النظر في مبادئ الموجودات، وأصول الكائنات إلى نضد العالم، فالهيولي والصورة، وماهية الطبيعة، والأرض والسماء ووجه الأرض وتغيراته، والكون والفساد، والآثار العلوية، والسماء والعالم، وعلم النجوم، وتكوين المعادن، وعلم النبات، وأوصاف الحيوانات، ومسقط النطفة وكيفية رباط النفس بها، وتركيب الجسد، والحاس والمحسوس، والعقل والمعقول، والصنائع العلمية والعملية، والعدد وخواصه، والهندسة والموسيقى، والمنطق وفروعه، واختلاف الأخلاق، وطبيعة العدد، وأنَّ العالم إنسان كبير والإنسان عالم صغير، والأكوار والأدوار، وماهية العشق والبعث والنشور، وأجناس الحركات، والعلل والمعلولات، والحدود والرسوم … وبالجملة فقد ضمنوها كل علم طبيعي أو رياضي أو فلسفي أو إلهي أو عقلي. وبين أيدينا خلاصة هذه الرسائل مطبوعة في ليبسك بعناية الدكتور ديتريشي في نحو ٦٥٠ صفحة كبيرة. ويظهر من إمعان النظر فيها أنَّ أصحابها كتبوها بعد البحث الدقيق والنظر الطويل. وفي جملة ذلك آراء لم يصل أهل هذا الزمان إلى أحسن منها. وفي ذلك الكتاب فصل في كيفية عشرة إخوان الصفا وتعاونهم بصدق المودة والشفقة، وأن الغرض منها التعاضد في الدين. وذكروا شروط قبول الإخوان فيها وغير ذلك.

وكان المعتزلة ومن جرى مجراهم يتناقلون هذه الرسائل ويتدارسونها ويحملونها معهم سرًّا إلى بلاد الإسلام، ولم تمضِ مائة سنة على كتابتها حتى دخلت الأندلس على يد أبي الحكم عمرو بن عبد الرحمن الكرماني وهو من أهل قرطبة، رحل إلى المشرق للتبحر في العلم على جاري عادة الأندلسيين فلما عاد إلى بلاده حمل معه الرسائل المذكورة وهو أول من أدخلها الأندلس٢٩٩ فما لبثت أن انتشرت هناك حتى تناولها أصحاب العقول الباحثة وأخذوا في درسها وتدبرها.

(ﺟ) فلاسفة الأندلس

وكانت الفلاسفة قد دخلت الأندلس في أيام عبد الرحمن الأوسط كما تقدم، وقد أخذ الأندلسيون بشيء منها، وظهر فيهم جماعة اشتهروا بعلوم الأوائل والنجوم، وأولهم أبو عبيدة مسلم بن أحمد المعروف بصاحب القبلة تُوفي في أواخر القرن الثالث للهجرة. ثم يحيى بن يحيى القرطبي المعروف بابن السمينة المتوفى سنة ٣١٥ﻫ، وأبو القاسم مسلمة بن أحمد المعروف بالمرجيطي أو المجريطي من أهل قرطبة، كان إمام الرياضيين في عصره بالأندلس توفي سنة ٣٩٨ﻫ، وأنجب تلامذة جلة، أشهرهم ابن السمح المهندس الغرناطي، وابن الصفار أستاذ الرياضيات في قرطبة، والزهراوي صاحب كتاب الأركان في المعاملات على طريق البرهان، وأبو الحكم عمرو الكرماني المتقدم ذكره، فإنَّه رحل إلى المشرق حتى نزل حران وتعلم فيها الهندسة والطب، ثم رجع برسائل إخوان الصفا إلى الأندلس وتوفي في سرقسطة سنة ٤٥٨ﻫ.

على أنَّ هؤلاء إنَّما اقتصروا من علوم الأوائل على الرياضيات والنجوم والهندسة ونحوها، أما الفلسفة بمعناها الحقيقي فلم يُعن أهل الأندلس بها إلا بعد دخول رسائل إخوان الصفا، وكان المستنصر بن الناصر قد استجلب كتب الفلسفة من المشرق فتداولها النَّاس، ولكنَّهم لم ينبغوا فيها إلا بعد مطالعة تلك الرسائل. فنبغ أبو بكر بن باجة الفيلسوف الأندلسي الشهير المتوفى سنة ٥٣٣ﻫ، ويعرف بابن الصائغ، ومن تلاميذه القاضي أبو الوليد بن رشد الفيلسوف القرطبي المتوفى سنة ٥٩٥ﻫ، ونبغ أيضًا ابن الطفيل وابن هود وغيرهما، وقد ألفوا المؤلفات الضافية في فروع الفلسفة مما اتخذه الإفرنج قاعدة لفلسفتهم في أوائل نهضتهم.

على أنَّ أولئك الفلاسفة كانوا عرضة لاحتقار العامة، شأنهم في مثل هذه الحال في سائر العصور. وكان الملوك يسايرون العامة في ذلك رغبة في استرضائهم لتوطيد سلطانهم، فما من ملك إلا نقم على الفلاسفة واضطهدهم ومن أشهر الحوادث من هذا القبيل نقمة المنصور بن أبي عامر صاحب الأندلس، في أواخر القرن السادس للهجرة، فإنه اضطهد الفلاسفة ونفاهم، وفي جملتهم ابن رشد وأبو جعفر الذهبي وأبو عبد الله قاضي بجاية وغيرهم٣٠٠ وعزم أن لا يترك شيئًا من كتب المنطق والحكمة في بلاده، فأمر بإحراقها في النار وشدد النكير على المشتغلين بها، وأصبح العامة كلما قيل فلان يشتغل في الفلسفة أو التنجيم أطلقوا عليه اسم زنديق وقيدت عليه أنفاسه، فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة أو أحرقوه. أما الخاصة فكانوا يدرسون الفلسفة سرًّا، وربما أمر السلطان بقتل بعض الفلاسفة تقربًا من قلوب العامة، ويكون هو نفسه يحبها.٣٠١

(٩-٢) الطب في الإسلام

(أ) الطب الإسلامي

الطب الإسلامي خلاصة ما بلغ إليه علم الطب عند الأمم المتمدنة قبل الإسلام؛ لأنَّ المسلمين نقلوا إلى لسانهم كتب أبقراط وجالينوس وغيرهما من أطباء اليونان، واطلعوا على ما كان عند السريان من الطب اليوناني الممزوج ببقايا طب الكلدان القدماء، ونقل إليهم أطباء مدرسة جنديسابور طب اليونان بصبغته الفارسية، واطلعوا على طب الهنود ممن جاءوا بغداد من أطبائهم، غير ما كان عند العرب في أيام الجاهلية وتنُوقل في الإسلام.

ومن تفاعل هذه العناصر وتمازجها تألف الطب الإسلامي، الذي تمثل بعد نضج العلم في الكتاب الملكي (أو الملوكي) لأبي بكر الرازي الملقب جالينوس العرب، ألفه للملك عضد الدولة بن بويه وجمع فيه كل ما وجده متفرقًا من ذكر الأمراض ومداواتها في كتب القدماء إلى زمانه في أواسط القرن الرابع للهجرة، وللرازي من كتب الطب والفلسفة وغيرهما شيء كبير.

وما زال الناس يُعولون على الكتاب الملوكي حتى ظهر القانون لابن سينا، وهو منشور ومشهور إلى اليوم، وإذا قلبت صفحاته علمت أنه قاموس في الطب والصيدلة، وقد جمع خلاصة أبحاث اليونان والكلدان والهنود والفرس والعرب في الأمراض ومعالجتها والعقاقير وخصائصها. وليس هو طب اليونان فقط كما توهم البعض؛ لأنَّك تقرأ في أماكن كثيرة منه تفصيلًا لآراء الهنود وانتقاضها واستحسانها. ومما ذكره من طبهم مثلًا أنهم وصفوا أنواع العلق وأشكاله وخصائص كل منها،٣٠٢ ومن آرائهم أنَّ أكل اللبن مع الحوامض أو مع السمك يُورث أمراضًا منها الجذام. وقولهم: أنْ لا يؤكل ماست مع الفجل ولا مع لحوم الطير ولا سويق على أرز بلبن أو نحو ذلك٣٠٣ ناهيك بالعقاقير الهندية التي تدل أسماؤها على أصلها.

ومن الكتب الطبية الإسلامية التي استفاد منها الإفرنج في نهضتهم الأخيرة كتاب «التصريف لمن عجز عن التأليف» لأبي القاسم خلف بن عباس الزهراوي الأندلسي من أهل القرن الخامس للهجرة، وهو قاموس في الطب ويمتاز عن سواه بالقسم الجراحي، وكتاب التيسير لعبد الملك بن زهر الأندلسي ألفه لابن رشد الفيلسوف في أواسط القرن السادس للهجرة، وأطباء المسلمين كثيرون، وكتبهم كثيرة لا محل لذكرها هنا.

(ب) الأطباء المسلمون

ولو أحصينا الأطباء المسلمين الذين نبغوا بعد ترجمة الكتب الطبية إلى انقضاء النهضة العباسية وابتداء عصر التقهقر، أي في أثناء ثلاثة أو أربعة قرون، لزاد عدد المؤلفين منهم ممن بلغت إلينا أسماؤهم على بضع مئات، وأكثرهم اشتغلوا بسائر العلوم الدخيلة وألفوا الكتب العديدة، وترى ذلك مفصلًا في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، وتراجم الحكماء لابن القفطي، وكتاب كشف الظنون وغيرها. أما عدد الأطباء على الإطلاق فمما لا يمكن حصره لضياع ذلك مع الزمان، وإنَّما يستدل من بعض القرائن أنَّه كان كثيرًا جدًّا. فقد أحصوا أطباء بغداد وحدها في زمن المقتدر بالله في أول القرن الرابع للهجرة فبلغ ٨٦٠ طبيبًا احتاجوا إلى الامتحان لنيل الإذن في التطبيب، سوى من استغنى عن الامتحان لشهرته وسوى من كان في خدمة الخليفة٣٠٤ فلا يمكن أن يكون مجموع ذلك كله أقل من ألف طبيب متعاصرين في مدينة واحدة. وبلغ عدد أطباء النصارى فقط، في خدمة المتوكل بأواسط القرن الثالث للهجرة ٥٦ طبيبًا.٣٠٥ وكان سيف الدولة إذا جلس على المائدة حضر معه ٢٤ طبيبًا، ومنهم من يأخذ رزقين لتعاطيه علمين، ومن يأخذ ثلاثة أرزاق لتعاطيه ثلاثة علوم.٣٠٦
وكان للأطباء عندهم نظام وعليهم رئيس يمتحنهم ويجيز من يرى فيه الكفاءة للتطبيب، وأشهر هؤلاء الرؤساء سنان بن ثابت في بغداد ومهذب الدين الدخوار في مصر. ويقال نحو ذلك في الصيادلة، فقد كانوا كثارًا، وتفشى الغش في الأدوية حتى اضطر أولو الأمر إلى امتحانهم وإعطاء الإجازات أو المنشورات إلى الذين يحسنون الصناعة ونفي الآخرين. وأول من فعل ذلك الأفشين في بغداد، فقد وكَّل زكريا بن الطيفوري به في حديث يطول ذكره٣٠٧ وكان من الأطباء أو الصيادلة من هو خاص بالجند يرافقه في أسفاره ومنهم من هو خاص بالخلفاء والأمراء، ولهؤلاء رواتب خاصة ويعرفون بالمرتزقين. ومنهم من يطببون العامة وهم غير مرتزقين.

وكان الأطباء طبقات وأصنافًا، وفيهم الطبيب على إجماله والجرَّاح والفاصد والكحَّال والأسناني، ومن يعالج النساء والمحاظي فقط أو يُطبب المجانين فقط. على نحو الأطباء الإخصائيين في هذه الأيام. وكان الكحالون في مصر أكثر منهم في سواها لتعرضهم لأمراض العين، وكانوا يُعالجون الماء الأزرق بقدح العين على نحو عملية الكتركتا اليوم.

ونبغ جماعة من النساء اشتهرن بصناعة الطب، منهن أخت الحفيد بن زهر الأندلسي وابنتها، فقد كانتا عالمتين بصناعة الطب ولهما خبرة جيدة بمداواة النساء، وكانتا تدخلان على نساء المنصور الأندلسي وأهله ولا يقبل المنصور سواهما٣٠٨ واشتهرت في أيام بني أمية بالشام امرأة اسمها زينب طبيبة بني أود، كانت عالمة بالأعمال الطبية ومداواة العين بالجراحة٣٠٩ فضلًا عمن اشتهر منهن بالعلم والأدب، كشهدة الدينورية وبنت دهين اللوز الدمشقية وغيرهما.

وكان الفحص الطبي عندهم مقصورًا على فحص البول وجس النبض، فيأتي المريض ومعه قارورة الماء، أي زجاجة البول، فيسلمها إلى الطبيب فينظر فيها ثم يذوقها، ليتحقق وجود الحوامض أو القوابض أو السكر فيها، ثم يجس النبض وعند ذلك يحكم في حال المريض، لاعتقادهم أنَّ النبض يدل على مزاج القلب، والبول على مزاج الكبد وحال الأخلاط، ومهما يكن من اعتقادهم فإنَّ هذه الطريقة لا تزال مما يعول عليه الأطباء إلى اليوم.

(ﺟ) ما الذي أحدثه المسلمون في الطب

بقي علينا النظر فيما أحدثه المسلمون في الطب من الاختراعات الجديدة أو الآراء المبتكرة، والحكم في ذلك يستلزم درسًا طويلًا لا يسعه هذا المكان، على أننا نقول بالاختصار: إنَّ المسلمين جمعوا بين طب اليونان والفرس والهنود والكلدان والعرب كما تقدم، وأضافوا إلى ذلك كثيرًا من نتائج اختبارهم في هذه الصناعة، كما يظهر من مراجعة كتبهم الطبية، فإنَّهم كثيرًا ما يذكرون رأي جالينوس أو أبقراط مثلًا وينتقدونه ويبينون وجه الخطأ وصوابه.٣١٠ فضلًا عما أدخلوه من الترتيب والتبويب في الكتب التي ترجموها، كما فعل ابن أبي الأشعث بكتب جالينوس، فإنه رتبها وبوبها وفصلها تسهيلًا لمطالعتها٣١١ غير ما أحدثوه من الشروح والذيول لكتب القدماء. ففي ذيل ابن جلجل على كتاب ديسقوريدس عقاقير لم يعرفها القدماء.
أما ما أحدثوه من عند أنفسهم رأسًا فالإحاطة به من الأمور الشاقة التي يعسر تحقيقها، فنذكر ما ثبت عندنا حدوثه على سبيل المثال. من ذلك أنَّهم أحدثوا في الطب آراءً جديدة تُخالف آراء القدماء في تدبير الأمراض، وإن لم يصلنا إلا خبر القليل منها، مثل نقلهم تدبير أكثر الأمراض التي كانت تعالج قديمًا بالأدوية الحارة (على اصطلاحهم) إلى التدبير البارد كالفالج واللقوة والاسترخاء وغيرها، وذلك على غير ما سطره القدماء. وأول من فطن لهذه الطريقة ونبه عليها وأخذ المرضى بالمداواة بها الشيخ أبو منصور صاعد بن بشر الطبيب في بغداد، فإنَّه أخذ المرضى بالفصد والتبريد والترطيب ومنعهم من الغذاء، فأنجح تدبيره فعينوه رئيسًا للمارستان العضدي، فرفع منه المعاجين الحارة والأدوية الحارة، ونقل تدبير المرض إلى ماء الشعير ومياه البذور، فأظهر في المداواة عجائب فاقتدى به سائر الأطباء بعده.٣١٢
والعرب أول من استخدم المرقد٣١٣ «البنج» في الطب، يقال: إنَّهم استخدموا له الزوان أو الشيلم، وهم أول من استخدم الخلال المعروف عند الأطباء.

وقد وجد محققو الإفرنج أنَّ العرب أول من استخدم الكاويات في الجراحة على نحو استخدامها اليوم، وأنَّهم أول من وجه الفكر إلى شكل الأظافر في المصدورين، ووصفوا علاج اليرقان والهواء الأصفر، واستعملوا الأفيون بمقادير كبيرة لمعالجة الجنون، ووصفوا صب الماء البارد لقطع النزف، وعالجوا خلع الكتف بالطريقة المعروفة في الجراحة بردِّ المقاومة الفجائي، ووصفوا إبرة الماء الأزرق وهو قدح العين، وأشاروا إلى عملية تفتيت الحصاة، وقد ألف العرب في بعض فروع الطب ما لم يسبق أحد إلى مثله. فالجذام أول من كتب فيه أطباؤهم، وأول كتاب في هذا الموضوع ليوحنا بن ماسويه وهم أول من وصف الحصبة والجدري بكتاب لأبي بكر الرازي، غير ما ألفوه من الموسوعات الضافية في الطب.

(د) الصيدلة والكيمياء والنبات

ومن فروع الطب الصيدلة، وللعرب فضل كبير فيها. فقد بذلوا الجهد في استجلاب العقاقير من الهند وغيرها، بدأوا بذلك من أيام يحيى بن خالد البرمكي كما تقدم، ثم نبغ منهم الأطباء والصيادلة، ووجهوا عنايتهم إلى درس العقاقير، وقد نقلوا كتبًا فيها من الهندية واليونانية ثم اشتغلوا هم أنفسهم في جمعها. وقد عني الإفرنج بعد نهضتهم الأخيرة بدرس تاريخ فن الصيدلة، فتحققوا أنَّ العرب هم واضعو أسس هذا الفن، وهم أول من اشتغل في تحضير الأدوية أو العقاقير، فضلًا عما استنبطوه من الأدوية الجديدة. وأنَّهم أول من ألف الأقرباذين على الصورة التي وصلت إلينا٣١٤ وظل العرب في النهضة العباسية يعتمدون في المارستان ودكاكين الصيادلة على أقرباذين ألفه سابور بن سهل المتوفى سنة ٢٥٥ﻫ، حتى ظهر أقرباذين أمين الدولة بن التلميذ المتوفى في بغداد سنة ٥٦٠ﻫ. وهم أول من أنشأ حوانيت الصيدلة على هذه الصورة. ومن أقرب الشواهد على ذلك أسماء العقاقير التي أخذها الإفرنج عن العرب، ولا تزال عندهم بأسمائها العربية أو الفارسية أو الهندية كما أخذوها عن العربية.٣١٥
على أنَّ تقدمهم في الصيدلة تابع لتقدمهم في الكيمياء والنبات، ولا خلاف في أنَّ العرب هم الذين أسسوا الكيمياء الحديثة بتجاربهم ومستحضراتهم، وقد تقدَّم أنَّ أوَّل من اشتغل في نقلها إلى العربية خالد بن يزيد، نقلها عن مدرسة الإسكندرية، وعنه أخذ جعفر الصادق المتوفى سنة ١٤٠ﻫ، وبعدُ جابرُ بن حيان، ثم الكندي، فأبو بكر الرازي وغيرهم، فاكتشفوا كثيرًا من المركبات الكيماوية التي بنيت عليها الكيمياء الحديثة. وقد ذكر محققو الإفرنج أنَّ العرب هم الذين استحضروا ماء الفضة (الحامض النتريك)، وزيت الزاج (الحامض الكبريتيك)، وماء الذهب (الحامض النيتروهيدروكلوريك)، واكتشفوا البوتاسا، وروح النشادر، وملحه، وحجر جهنم (نترات الفضة)، والسليماني (كلوريد الزئبق)، والراسب الأحمر (أكسيد الزئبق) وملح الطرطير، وملح البارود (نترات البوتاسا)، والزاج الأخضر (كبريتات الحديد)، والكحول، والقلى، والزرنيخ، والبورق وغير ذلك من المركبات والمكتشفات التي لم يصل إلينا خبرها. على أننا نستدل على وجود بعض المركبات الكيماوية في أيامهم، مما لم نسمع له بمثيل في تاريخ الكيمياء قبل أواخر القرن الماضي. فقد أشار ابن الأثير إلى أدوية استخدمها العرب في واقعة الزنج سنة ٢٦٩ﻫ، إذا طلي بها الخشب امتنع احتراقه٣١٦ ولم يذكر ما هي. ومما يعد من قبيل الكيمياء أيضًا البارود، فقد ترجح لنا بالبحث أنَّهم هم الذين ركبوه٣١٧ وهم أول من وصف التقطير، والترشيح، والتصعيد، والتبلور، والتذويب. وقد ألفوا في إبطال الكيمياء القديمة — أول من ألف ذلك منهم حكيمهم وفيلسوفهم يعقوب الكندي في أواسط القرن الثالث للهجرة.٣١٨

وأما النبات فللعرب القدح المعلى في درسه والتأليف فيه، وقد أخذوا هذا العلم في النهضة العباسية عن مؤلفات ديسقوريدس وجالينوس ومن كتب الهند. نقل كتاب ديسقوريدس في أيام المتوكل، نقله إصطفان بن باسيل من اليونانية إلى العربية، فالعقاقير التي لم يعرف لها أسماء في العربية تركها على لفظها اليوناني اتكالًا على أن يبعث الله بعده من يعرف ذلك ويفسره. وحمل هذا الكتاب إلى الأندلس على هذه الصورة، فانتفع به الناس إلى أيام الناصر صاحب الأندلس في أواسط القرن الرابع للهجرة. فكاتَبه ملك القسطنطينية سنة ٣٣٧ﻫ وهاداه بكتب من جملتها كتاب ديسقوريدس باليونانية «مصور الحشائش» بالتصوير الرومي العجيب، ولم يكن في الأندلس من يحسن اليونانية، فبعث الناصر إلى الملك يطلب إليه رجلًا يعرف اليونانية واللاتينية لينقله إلى اللاتينية، وعارفو هذه اللغة في الأندلس كثيرون. فبعث إليه راهبًا اسمه نقولا وصل قرطبة سنة ٣٤٠ﻫ، فتعاونوا على استخراج ما فات ابن باسيل تعريبه من عقاقير هذا الكتاب، ثم جاء ابن جلجل في آخر القرن الرابع فألف كتابًا فيما فات ديسقوريدس ذكره من أسماء العقاقير وجعله ذيلًا على ذلك الكتاب.

حتى إذا نبغ ابن البيطار المالقي النباتي في أواسط القرن السابع للهجرة، تناول الكتاب المذكور فدرسه وتفهمه، ثم سافر إلى بلاد اليونان، وإلى أقصى بلاد الروم، ولقي جماعة يعانون هذا الفن، وأخذ عنهم معرفة نبات كثير عاينه في مواضعه، واجتمع أيضًا في المغرب وغيره بكثير من علماء النبات وعاين منابته بنفسه، وذهب إلى الشام ودرس نباتها، وجاء الديار المصرية في خدمة الملك الكامل الأيوبي، وكان يعتمد عليه في الأدوية المفردة والحشائش حتى جعله رئيسًا على العشابين وأصحاب البسطات. وبعد طول ذلك الاختبار ألف كتابه في النبات، وهو فريد في بابه٣١٩ وكان عليه معول أهل أوربا في نهضتهم الأخيرة.
ومن المبرزين في علم النبات رشيد الدين بن الصوري المتوفى سنة ٦٣٩ﻫ صاحب كتاب «الأدوية المفردة»، وكان كثير البحث والتدقيق يخرج لدرس الحشائش في منابتها، ويستصحب مصورًا معه الأصباغ والليق على اختلافها وتنوعها، ويتوجه إلى المواضع التي بها النبات في لبنان وسوريا فيشاهد النبات ويحققه، ويريه للمصور فيعتبر لونه ومقدار ورقه وأعضائه وأصوله ويصور بحسبها بالدقة٣٢٠ وذلك غاية ما يفعله الباحثون في هذا العلم اليوم.

(ﻫ) المارستانات في الإسلام

المارستان أو البيمارستان لفظ فارسي معناه مكان المرضى ويقابله اليوم المستشفى، ولكن المارستانات كانت في التمدن الإسلامي تشمل مدارس الطب والمستشفيات معًا؛ لأنَّهم كانوا يُعلّمون الطب فيها. والعرب أخذوا المارستانات عن الفرس وأنشأوها على مثال مارستان جنديسابور المتقدم ذكره.

وأول من أنشأ المارستانات في الإسلام الوليد بن عبد الملك الأموي، أنشأ مارستانًا بدمشق سنة ٨٨ﻫ جعل فيه الأطباء، وأمر بحبس المجذومين، وأجرى لهم الأرزاق،٣٢١ فانقضت الدولة الأموية وليس في الإسلام غير هذا المارستان، فلمَّا حكم العباسيون كان المنصور أول من استقدم الأطباء من مارستان جنديسابور كما رأيت، ولم ينشئ مارستانًا ولكنه أنشأ دارًا للعميان والأيتام والقواعد من النساء٣٢٢ وأنشأ هو أو من خلفه دورًا لمعالجة المجانين.٣٢٣
وأول من أنشأ المارستانات في الدولة العباسية الرشيد، فإنَّه لمَّا رأى مهارة القادمين عليه من أطباء مارستان جنديسابور، أراد أن يكون لبغداد مثل ذلك، فأمر طبيبه جبرائيل بن بختيشوع بإنشاء المارستان في بغداد. وكان رئيس مارستان جنديسابور يومئذ طبيبًا هنديًّا اسمه دهشتك، فبعث إليه ليقلده مارستان بغداد فاعتذر ودله على ماسويه فولاه إياه، ثم تولاه ابنه يوحنا بن ماسويه،٣٢٤ وكان البرامكه أهل علم ولهم رغبة في طب الهند وأطبائه كما رأيت، فأنشأوا مارستانًا باسمهم وولوا عليه طبيبًا هنديًّا اسمه ابن دهن، وهو ممن نقل إلى العربية من اللسان الهندي رأسًا.٣٢٥
ولما اشتهر مارستان بغداد أخذت المدن الأخرى في تقليدها كما قلدتها في سائر أسباب ذلك التمدن، وكان الفتح بن خاقان وزير المتوكل قد أنشأ في مصر مارستانًا عرف بمارستان المغافر، فلما تولاها ابن طولون أنشأ فيها سنة ٢٥٩ﻫ، مارستانًا عرف باسمه وأنفق على بنائه ٦٠٠٠٠ دينار، وشرط أن لا يُعالج فيه جندي ولا مملوك بل يُعالج فيه العامة من المرضى والمجانين وغيرهم، وحبس ريعًا يضمن بقاءه، وكان يتعهده بنفسه كل يوم جمعة حتى ساءه أحد المجانين فقطع الزيارة.٣٢٦
ولم ينقض القرن الثالث للهجرة حتى بُنيت المارستانات في مكة والمدينة وغيرهما. ولما دخل القرن الرابع تسابق الخليفة المقتدر ووزراؤه إلى إنشاء المارستانات في بغداد وضواحيها، منها مارستان علي بن عيسى الوزير أنشأه بالحربية سنة ٣٠٢ﻫ، وأنفق عليه من ماله وقلده طبيبه أبا عثمان الدمشقي٣٢٧ ومارستان السيدة فتحه سنان بن ثابت بسوق يحيى سنة ٣٠٦ﻫ وبلغت النفقة عليه ٦٠٠ دينار في الشهر. وفي تلك السنة أشار سنان المذكور على الخليفة المقتدر أن يتخذ مارستانًا يُنسب إليه، فأمر فبنوا له بباب الشام من أبواب بغداد المارستان المقتدري، وكان ينفق عليه من ماله ٢٠٠ دينار كل شهر. وبنى أيضًا الوزير ابن الفرات نحو ذلك الزمن مارستانًا بدرب الفضل عرف باسمه،٣٢٨ وبنى غيرهم مارستانات أخرى في الري ونيسابور وغيرهما. وفي أواسط القرن الرابع بُني المارستان الكافوري بمصر. ثم أنشأ عضد الدولة بن بويه المارستان العضدي سنة ٣٦٨ﻫ على طرف الجسر في الجانب الغربي من بغداد، ورتب له ٢٤ طبيبًا فيهم الجراحون والكحالون والمجبرون والفاصدون والأطباء الطبيعيون، ففاق سائر ما تقدمه من المارستانات، وكان على الأطباء رئيس يُسمونه «الساعور».

وظل المارستان العضدي صدر المارستانات حتى بنى نور الدين زنكي مارستانه الكبير في دمشق في أواسط القرن السادس، ثم بنى صلاح الدين الأيوبي المارستان العتيق في القاهرة وغيره. ولما تولى السلاطين المماليك مصر بنى الملك المنصور قلاوون المارستان المنصوري بالقاهرة سنة ٦٨٣ﻫ على مثال مارستان دمشق، وصفه المقريزي وصفًا مسهبًا في الجزء الثاني من خططه. ولا تزال آثار المارستان المنصوري باقية إلى اليوم في شارع النحاسين. ثم بنى الملك المؤيد سنة ٨٢١ﻫ المارستان المؤيدي بمصر، ناهيك بما أنشأوه من المارستانات في سائر بلاد الإسلام في فارس وخراسان والموصل والشام والأندلس وغيرها، مما يطول شرحه. وفي رحلة ابن جُبير وصف ما شاهده بنفسه من مارستانات المسلمين في القرن السادس للهجرة هناك.

وكانت تلك المارستانات في غاية النظام يُعالج فيها المرضى على اختلاف طوائفهم ونحلهم، وفيها لكل مرض قاعة أو قاعات خاصة يطوفها الطبيب المختص بها وبين يديه المشارفون والقوام لخدمة المرضى، فيتفقد المرضى ويصف لهم الأدوية ويكتب لكل مريض دواءه٣٢٩ فمن شفي فيها زود السلام ومن مات كفنوه ودفنوه. وكانت تُلقى فيها الدروس في الطب والصيدلة وتمارس بها هاتان الصناعتان.
وكان من ضروب المارستانات عندهم مارستان نقال يحملونه على الجمال أو البغال على نحو المستشفيات المتنقلة في دول هذه الأيام. فكان في معسكر السلطان محمود السلجوقي مارستان يحمله أربعون جملًا يستصحبه العسكر حيثما توجهوا.٣٣٠

(٩-٣) التنجيم والنجوم أو الفلك

النجوم عند القدماء علمان: علم طبيعي ينظر في النجوم من حيث مواضعها وحركاتها وأحكامها بالنظر إلى الخسوف والكسوف، وعلم ينظر فيها باعتبار علاقاتها بحوادث العالم من حيث الحرب والسلم والولادة والوفاة والسعد والنحس والمطر والصحو ونحو ذلك. وتسهيلًا للبحث نُسمِّي الأول علم النجوم أو الفلك، والثاني على التنجيم. وقد علمتَ مما تقدم أنَّ العرب كانوا يعرفون هذين العلمين، فلما تمدنوا ونقلوا العلم أضافوا ما أخذوه عن اليونان والفرس والهند والكلدان إلى ما كان عندهم، فتولد من ذلك كله التنجيم والنجوم عند المسلمين.

(أ) التنجيم

وأول من عني بالتنجيم والنجوم في النهضة العباسية أبو جعفر المنصور، فترجموا له السندهند كما تقدم، واقتدى به خلفاؤه وأصبح للتنجيم شأن كبير عندهم، حتى في إبان العصر العباسي. وكان المنجمون فئة من موظفي الدولة كما كان الأطباء والكُتَّاب والحُسَّاب، ولهم الرواتب والأرزاق٣٣١ وكان الخلفاء يستشيرونهم في كثير من أحوالهم الإدارية والسياسية، فإذا خطر لهم عمل وخافوا عاقبته استشاروا المنجمين، فينظرون في حال الفلك واقترانات الكواكب ثم يشيرون بموافقة ذلك العمل أو عدمها. وكانوا يُعالجون الأمراض على مقتضى حال الفلك، وكانوا يراقبونها ويعملون بأحكامها قبل الشروع في أي عمل، حتى الطعام والزيارة. على أنَّ علماء الشرع الإسلامي كانوا يبينون فساد هذا الاعتقاد ويُخطئونه ويردونه، والناس على اعتقادهم ولا يزال بعضهم على ذلك إلى اليوم.

(ب) علم النجوم أو الفلك

كان للمسلمين حظ وافر في علم النجوم وفضل كبير عليه، يكفيك أنَّهم جمعوا فيه بين مذاهب اليونان والهند والفرس والكلدان والعرب الجاهلية. شأنهم في أكثر العلوم الدخيلة. فقد رأيت أنَّ محمد الفزاري نقل السندهند للمنصور؛ ليكون قاعدة علم النجوم عند العرب، وأنَّه ظلَّ معولهم عليه إلى عصر المأمون. وفي أيامه نبغ محمد بن موسى الخوارزمي، وكان منقطعًا إلى بيت الحكمة وله علم واسع في النجوم، فاصطنع زيجًا جمع فيه بين مذاهب الهند والفرس والروم، فجعل أساسه على السندهند وخالفه في التعاديل والميل، فجعل تعاديله على مذاهب الفرس، وجعل ميل الشمس فيه على مذهب بطليموس، واخترع فيه أبوابًا حسنة فاستحسنه أهل عصره وطاروا به في الآفاق، ولكنَّه جعل تاريخه على الحساب الفارسي، فنقله مسلمة بن أحمد المرجيطي الأندلسي المتوفى سنة ٣٩٨ﻫ إلى الحساب العربي، ووضع أواسط الكواكب لأول تاريخ الهجرة. والزيج كتاب فيه جداول حركات الكواكب يُؤخذ منها التقويم.

واشتهر منهم في علم النجوم بنو شاكر الثلاثة، وقد تقدم ذكرهم، ومن أعمالهم المأثورة أنَّهم قاسوا للمأمون درجة خط نصف النهار، واستعملوا فيها محيط الأرض في حديث ذكره ابن خلِّكان وغيره، وقد ألَّف بنو شاكر كُتبًا جليلة في الفلك والهندسة، ونبغ في عصرهم أبو معشر البلخي المتوفى سنة ٢٧٢ﻫ، كان معاصرًا للكندي يغري به العامة ويشنع عليه بعلوم الفلاسفة، فدس له الكندي من حسن له النظر في الرياضيات فدخل ذلك واستغرق فيه واتصل بعلم النجوم وألَّف فيه كثيرًا. ومنهم حنين بن إسحاق العبادي المترجم الشهير، وثابت بن قرة الحراني المتوفى سنة ٢٨٨ﻫ، وأحمد بن كثير الفرغاني، وسهل بن بشر كان يخدم طاهر بن الحسين، ومحمد بن عيسى الماهاني، ومحمد بن جابر الحراني المعروف بالبتاني، وكان صابيًا اصطنع زيجًا عرف بالزيج الصابي وهو نسختان الثانية أصح. ابتدأ بالرصد سنة ٢٦٤ إلى سنة ٣٠٦ﻫ، وأثبت الكواكب في زيجه سنة ٢٩٩ﻫ، وكان أوحد عصره في فنه وتوفي سنة ٣١٧ﻫ٣٣٢ وغيرهم.
يليهم في القرن الرابع والخامس أبو الوفاء البوزجاني والبيروني ومعاصروه كثيرون وإمام فلكيي القرن السابع للهجرة نصير الدين الطوسي، ونبغ في عصره المؤيد العرضي وابنه محمد، والفخر المراغي بالموصل، والفخر الخلاطي بتفليس، ونجم الدين القزويني٣٣٣ وغيرهم في عصور أخرى، وتفصيل مؤلفاتهم ووصفها من شؤون «تاريخ آداب اللغة»، وإنَّما يهمنا في هذا المقام النظر فيما أحدثه التمدن الإسلامي في علم الفلك.
وأول ما يستلفت انتباهنا من هذا القبيل أنَّ العرب (أو المسلمين) قالوا بإبطال صناعة التنجيم المبنية على الوهم،٣٣٤ ولعلهم أول من فعل ذلك، وإن كانوا لم يستطيعوا إبطالها، ولكنهم مالوا بعلم النجوم نحو الحقائق المبنية على المشاهدة والاختبار كما فعلوا بعلم الكيمياء، وكانوا كثيري العناية بعلم الفلك يرصدون الأفلاك ويُؤلِّفون الأزياج، ويقيسون العروض ويراقبون السيارات، ويرتحلون في طلب ذلك العلم إلى الهند وفارس، ويتبحرون في كتب الأوائل ويتممون ما نقص منها أو يجمعون بين مذاهبها، ولعلم الفلك عند العرب تاريخ طويل لا يسعه هذا المكان، فنذكر أولًا المراصد ثم نأتي على أمثلة مما استنبطوه في هذا العلم.

(ﺟ) المراصد

الرصد أساس علم الفلك وعليه المعول في تعيين أماكن النجوم وحركاتها، وكان له شأن كبير عند اليونان فرصدوا الكواكب واصطنعوا آلات الرصد. وفي القرن الثالث قبل الميلاد بنوا مرصدًا في الإسكندرية بلغ قمة ارتفاعه على عهد بطليموس القلوذي صاحب المجسطي. وظل المرصد الإسكندري وحيدًا في العالم، حتى نهض العرب، وأنشأوا المراصد في بغداد ودمشق ومصر والأندلس ومراغة وسمرقند وغيرها كما سيجيء.

آلات الرصد

وللرصد آلات كان منها في عهد التمدن الإسلامي بضعة عشر شكلًا تختلف باختلاف الغرض منها، وهاك أهمها:
  • (١)
    اللبنة: وهي جسم مربع مستوٍ، يستعلم به الميل الكلي وأبعاد الكواكب وعرض البلد.
  • (٢)
    الحلقة الاعتدالية: هي حلقة تنصب في سطح دائرة المعدل، ليعلم بها التحويل الاعتدالي.
  • (٣)
    ذات الأوتار: هي أربع أسطوانات مربعة تغني عن الحلقة الاعتدالية، ويعلم بها تحويل الميل.
  • (٤)
    ذات الحلق: هي أعظم الآلات هيئة ومدلولًا. وتركب من حلقة تقوم مقام منطقة فلك البروج، وحلقة تقوم مقام المارة بالأقطاب، تركب إحداهما في الأخرى بالتصنيف والتقطيع. وحلقة الطول الكبرى وحلقة الطول الصغرى تركب الأولى في محدب المنطقة والثانية في مقعرها. وحلقة نصف النهار وقطر مقعرها مساو لقطر محدب حلقة الطول الكبرى. ومن حلقة الأرض قطر محدبها قدر قطر مقعر حلقة الطول الصغرى. وهي توضع على كرسي.
  • (٥)
    ذات السمت والارتفاع: هي نصف حلقة قطرها سطح من سطوح أسطوانة متوازية السطوح، يعلم بها السمت وارتفاعه، وهي من مخترعات الرُّصَّاد الإسلاميين.
  • (٦)
    ذات الشعبتين: هي ثلاث مساطر على كرسي، يعلم بها الارتفاع.
  • (٧)
    ذات الجيب: هي مسطرتان منتظمتان انتظام ذات الشعبتين.
  • (٨)
    المشتبهة بالناطق: لمعرفة ما بين الكوكبين من البعد، وهي ثلاث مساطر.
  • (٩)
    الأسطرلاب: وهو أنواع كثيرة، منها: التام، والمسطح، والطوماري، والهلالي، والزورقي، والعقربي، والآسي، والقوسي، والجنوبي، والشمالي، والمبطح، والمسرطق، وحق القمر، والمغني، والجامعة، وعصا موسى، ناهيك من آلات الرصد بالأرباع وأشكالها، ولكل شكل تنوعات مما لا يحصيه عد.٣٣٥

(د) المراصد في الإسلام

لما اشتغل المأمون في نقل علوم الأوائل إلى العربية، ووقف العلماء على كتاب المجسطي وفهموا صور آلات الرصد الموصوفة به، نزعت به همته إلى السير على منهجه، فجمع علماء النجوم في عصره وأمرهم أن يصنعوا آلات يرصدون بها الكواكب كما فعل بطليموس صاحب المجسطي، ففعلوا وتولوا الرصد بها بالشماسية في بغداد وجبل قيسون في دمشق سنة ٢١٤ﻫ،٣٣٦ ولما تُوفي المأمون سنة ٢١٨ﻫ توقفوا عن العمل وقيدوا ما كانوا قد تبينوه من رصدهم وسموه الرصد المأموني. وكان الذين تولوا ذلك يحيى بن أبي منصور كبير المنجمين في عصره، وخالد المروزي، وسند بن علي، والعباس بن سفيد الجوهري، فألف كل منهم في ذلك زيجًا منسوبًا إليه. وأرصاد هؤلاء أول الأرصاد في الإسلام.٣٣٧
ثم بنى بنو شاكر مرصدًا في بغداد على طرف الجسر عند اتصاله بالطاق، ورصدوا الكواكب فيه واستخرجوا حساب العروض الأكبر من عروض القمر٣٣٨ وبنى شرف الدولة بن عضد الدولة رصدًا في طرف بستان دار المملكة في أواسط القرن الرابع للهجرة، وقد رصد فيه الكواكب السبعة أبو سهل الكوهي.٣٣٩
ولما ضعف شأن الخلافة في بغداد وتشعبت المملكة العباسية إلى فروع، تحولت الهمم إلى تلك الفروع وأكبرها المملكة المصرية في أيام الفاطميين، فأنشأوا رصدًا (أو مرصدًا) على جبل المقطم عرف بالرصد الحاكمي، نسبة إلى الحاكم بأمر الله المتوفى سنة ٤١١ﻫ، وفيه استخرج علي بن يونس الزيج الحاكمي،٣٤٠ ثم أعيد بناء هذا الرصد في أيام الأفضل بن أمير الجيوش المتوفى سنة ٥١٥ﻫ، وذكر المقريزي خبر إنشائه في حديث طويل. وأنشأ بنو الأعلم ببغداد سنة ٤٢٥ﻫ رصدًا عرف باسمهم. وذكر صاحب فوات الوفيات رصدًا في حدود الشام سماه الييناني (كذا).
وما زال الرصد الحاكمي عمدة الراصدين، حتى نشأ نصير الدين الطوسي على عهد هولاكو التتري، فبنى مرصدًا في مراغة من بلاد تركستان سنة ٦٥٧ﻫ، أعد فيه كل ما يلزم من الآلات وأنفق فيه الأموال الطائلة، وأنشأ له مكتبة فيها ٤٠٠٠٠٠ مجلد٣٤١ ثم بنى تيمورلنك مرصدًا في سمرقند، وبنى غيرهم مراصد أخرى في أصبهان ومصر والأندلس، وأرصادًا خصوصية أو عمومية لم يصل إلينا تفصيلها.

(ﻫ) علم النجوم والإسلام

وفي هذه المراصد اشتغل المسلمون في رصد الكواكب ووضع الأزياج، وأطولها الزيج الحاكمي المتقدم ذكره، كتبه ابن يونس في أربعة مجلدات وكان عليه تعويل المسلمين بعدما سبقه من الأزياج البغدادية. ومن أشهر الأزياج زيج الفزاري صاحب المنصور، وأزياج الخوارزمي، وأبي حنيفة الدينوري صاحب رصد أصبهان، وأبي معشر البلخي وضع زيجه على مذهب الفرس، وزيج أبي السمح الغرناطي المتوفى سنة ٤٢٦ﻫ، وزيج أبي حماد الأندلسي، والزيج الإيلخاني لنصير الدين الطوسي، وزيج ابن الشاطر الأنصاري سنة ٧٧٧ﻫ وغيرهم٣٤٢ وقد أصلحوا في هذه الأزياج كثيرًا من الأرصاد اليونانية.
وللمسلمين طرق جديدة أدخلوها في الرصد من عند أنفسهم، واخترعوا كثيرًا من آلاته كذات السمت والارتفاع اللتين تقدم ذكرهما، وذات الأوتار والمشبهة بالناطق فإنَّها من اختراع تقي الدين الراصد.٣٤٣ والبديع الأسطرلابي البغدادي المتوفى في أوائل القرن السادس للهجرة زاد في الكرة ذات الكرسي ما كمل عملها بعد أن مرت السنون على نقصها، وألف رسالة في ذلك وكمل الآلة الشاملة التي ابتدعها الخجندي وجعلها بعرض واحد، وأقام الأدلة على أنَّها لا تكون لعروض متعددة، فنظر فيها البديع المذكور وعملها لعروض متعددة، غير ما اخترعه من المساطر والبراكير وغيرها.٣٤٤
وأدخل الشيخ شرف الدين الطوسي تحسينًا في الأسطرلاب، فاستنبط أن يقع المقصود من الكرة والأسطرلاب في خط، فوضعه وسماه العصا وعمل فيه رسالة بديعة. وهو أول من أظهر هذا في الوجود، فصارت الهيئة توجد في الكرة وهي جسم وفي السطح وفي الخط ولم يبق غير النقطة،٣٤٥ وبيَّن البتاني نقطة الذنب للأرض، وأصلح قيمة مبادرة الاعتدالين، وقيمة ميل دائرة البروج على دائرة خط الاستواء، وهو أول من استخدم الجيوب والأوتار في قياس المثلثات والزوايا.٣٤٦
والبيروني أول من استنبط تسطيح الكرة، وقد فصل ذلك في كتابه «الآثار الباقية»٣٤٧ وللبيروني استنباطات جليلة في الفلك والرياضيات، يستدل عليها من قراءة كتابه المذكور ومن فهرست مؤلفاته في مقدمة ذلك الكتاب. يكفيه أنه نقل علوم اليونان إلى الهند، ونقل حكمة الهنود إلى المسلمين. فقد دخل بلاد الهند وأقام فيها عدة سنين، وتعلم من حكمائها فنونهم وعلمهم طرق اليونانيين في فلسفتهم٣٤٨ في ظل السلطان محمود الغزنوي، كما فعل نصير الدين الطوسي في نشر علم النجوم بين المغول في ظل هولاكو التتري، وكما نشره عمر الخيام بين السلاجقة، ومرجع الفضل في ذلك للإسلام.
فطار خبر فلكيي المسلمين في أقطار العالم، وأصبح المرجع إليهم في تحقيق المسائل، فإن ملوك الإفرنج كانوا يرسلون في حل المشكلات الفلكية، فيعرضون عليهم المسائل ويطلبون حلها ليس في الأندلس فقط لقربها من بلادهم ولكنهم كانوا يوفدون الوفود إلى ممالك الإسلام في الشرق لهذه الغاية. ومما نقله ابن أبي أُصيبعة أنَّ الأنبرور ملك الإفرنج أنفذ إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل رسولًا وبيده مسائل في علم النجوم وغيره، فبعث بدر الدين إلى كمال الدين بن يونس في حلها في حديث طويل.٣٤٩

ويعترف الأسبان أنَّ العرب علموهم الرقاص (البندول) لقياس الزمان، ولا يخفى ما بني على الرقاص من الآلات الفلكية وغيرها. على أنَّهم كانوا يعرفون عمل الساعات من قبل، ويقال: إنَّ الرشيد أهدى الملك شارلمان ساعة بديعة تناقل الإفرنج خبرها.

ومن فضل العرب على الفلك وسائر الرياضيات أنَّهم نقلوا عن اليونانية كتبًا ضاع أصلها بعد نقلها، وحفظت العلوم في ترجماتها العربية. منها مؤلفات تموخارس وأرستلوس وكرويات منيلاوس وكرويات ثاوون وشرحه للمجسطي،٣٥٠ ولم يقتصر ذلك على كتب الفلك ولكنه تناول كثيرًا من العلوم حتى كتب الأدب فإنَّ كليلة ودمنة نقله ابن المقفع من الفارسية، وقد ضاع أصله الفارسي فلما عمد أهل أوربا إلى ترجمته نقلوه عن العربية.

(٩-٤) الحساب والجبر والهندسة

كان العرب في صدر الإسلام يستنكفون من تعلم الحساب؛ لأنَّه من شأن عمال الخراج أهل الذمة والموالي، وكانوا يقتصرون على العمل بوصية عمر بتعليم أولادهم الشعر والفروسية والسباحة والمثل. فلما تحضروا ورأوا افتقارهم للحساب مالوا إليه وشاع فيهم قول ابن التوأم: «علم ابنك الحساب قبل الكتاب»٣٥١ ثُمَّ ما لبثوا أن استغرقوا في طلب العلم كله على اختلاف أنواعه، ونقلوه إلى لسانهم فكان الحساب في جملة تلك العلوم، وهو مما اشتغل فيه الفلكيون والمهندسون ونحوهم، وقلما انفرد واحد منهم بالحساب وحده.
ومن أكبر مآثر التمدن الإسلامي في الرياضيات نقلهم الحساب الهندي والأرقام الهندية من الهند إلى سائر أقطار العالم. فالعرب يُسمونها أرقامًا هندية؛ لأنَّهم نقلوها عن الهنود، والإفرنج يُسمُّونها عربية؛ لأنَّهم أخذوها عن العرب،٣٥٢ وأول من تناول تلك الأرقام من الهنود أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي٣٥٣ ومن اسمه اشتق الإفرنج لفظ Algorism الإفرنجية.

وأما الجبر فللعرب فضل كبير في وضعه أو تأليفه، فقد رأيت في كلامنا عن نقل العلوم اليونانية أنَّ العرب نقلوا كتابين في الجبر، أحدهما لذيوفانتوس والآخر لأبرخس. وقد وجد الباحثون بعد نهضة التمدن الحديث أنَّ ما كتبه هذان ليس من الجبر في شيء، أو هي أصول ضعيفة لا يُعتد بها، وهم يعتقدون أنَّ الجبر من موضوعات العرب، والحقيقة على ما نرى أنَّ العرب بعد أن اطلعوا على حساب الهنود أضافوه إلى ما نقلوه عن اليونان، وبنوا على ذلك علم الجبر. ومن أشهر كتب المسلمين في الجبر كتاب الجبر والمقابلة للخوارزمي المذكور، فالظاهر أنَّ الخوارزمي جمع بين ما عثر عليه من الأصول الجبرية عند اليونان والهنود والفرس فاستخرج منه الجبر العربي، كما جمع في زيجه بين آراء الهند والفرس واليونان. وقد عني العرب بشرح كتاب الخوارزمي مرارًا. وألف أيضًا في الجبر أبو كامل شجاع بن أسلم، وأبو الوفاء البوزجاني، وأكثر مؤلفاته في الحساب، وأبو حنيفة الدينوري المتوفى سنة ٢١٨ﻫ، وأبو العباس السرخسي المتوفى سنة ٢٨٦ﻫ وغيرهم، ولما نهض الإفرنج في تمدنهم الحديث أخذوا الجبر عن العرب.

ومما أحدثه المسلمون في الهندسة أنَّهم طبقوها على المنطق، وقد فعل ذلك ابن الهيثم في أوائل القرن الخامس للهجرة، فإنَّه ألَّف كتابًا جمع فيه الأصول الهندسية والعددية من إقليدس وأبلونيوس، ونوَّع فيها الأصول وقسمها وبرهن عليها ببراهين نظمها من الأمور التعليمية والحسية والمنطقية، حتى انتظم ذلك مع انتقاص توالي إقليدس وأبلونيوس، وأدخل في الجبر والحساب أساليب جديدة في استخراج المسائل الحسابية من جهتي التحليل الهندسي والتقدير العددي، وعدل فيه عن أوضاع الجبرين وألفاظهم.٣٥٤
والحسن بن موسى بن شاكر اشتغل في استخراج مسائل هندسية لم يستخرجها أحد من الأولين، كقسمة الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية، وطرح خطين بين خطين ذَوَيْ توالٍ على نسبة (كذا)، وكان يحللها ويردها على المسائل الأخرى ولا ينتهي إلى آخر أمرها؛ لأنَّها أعيت الأولين.٣٥٥

(٩-٥) الفنون الجميلة

الفنون الجميلة تسمية جديدة لما تنبسط له النفس من المصنوعات لجماله ورونقه لا لمنفعته ومتانته، والفنون التي تدخل في اعتبارهم تحت هذه التسمية قسمان: الأول تظهر أشكاله محسوسة كالحفر والتصوير والنحت والتمثيل (وتسمى الآن الفنون التشكيلية)، والثاني ما لا يحس ولا يرى بل هو من قبيل الخيال كالشعر والموسيقى. أو أنَّ الفنون المذكورة ترجع بكليتها إلى التصوير ولبعضها صور محسوسة كالمنحوتات والمرسومات، وللبعض الآخر صور خيالية كالشعر والموسيقى. والأمم التي تمدنت قبل الإسلام اشتغلت في هذه الفنون على تفاوت في إتقانها. وممن أجاد فيها المصريون واليونان والرومان، فإنَّهم نحتوا التماثيل وصوروا الصور ومثلوا الحوادث ونظموا الشعر وضبطوا الألحان.

ومن الاعتقادات الشائعة أنَّ التمدن الإسلامي مقصر في هذه الفنون؛ لأنه لم يخلف ما خلفه اليونان أو الرومان من الآثار الجميلة كالأبنية والتماثيل والصور ونحوها. ولو دققنا النظر لرأينا المسلمين أو العرب من أكثر الأمم استعدادًا للفنون الجميلة والإجادة فيها، لا يقلون شيئًا عن اليونان والرومان، وربما فاقوهما في بعضها. أما الجمال المحسوس فقد أجادوا فيما يتعلق منه بالبناء، ولهم نمط خاص فيه مشهور، ومن آثارهم البنائية الحمراء في الأندلس وجوامع القاهرة والشام وفارس والهند، وهي تدل على تقدم عظيم في هندسة البناء، مع ما فيها من زخارفه كالفسيفساء ونحوها مما يدهش النظر. ولهم نحو ذلك في الصياغة والنسج ونحوهما من الصنائع الجميلة. أما التصوير فلم يشتغلوا فيه؛ لأنَّه محرم عندهم كما هو معلوم.

أما الشعر فقد بينا فيما تقدم أنَّ العرب أكثر الأمم انطباعًا على الشعر وإتقانًا له وأكثرهم نظمًا وأوسعهم خيالًا.

(أ) الموسيقى

وأمَّا الموسيقى فالعرب فاقوا سواهم فيها، وقد وضعوا الألحان واخترعوا الآلات المطربة وأتقنوا صنعها، وكان للموسيقى عندهم شأن كبير، والمشهور أنَّ العرب كان عندهم من الألحان شيء يوافق سذاجتهم وخشونة الجاهلية، فلمَّا ظهر الإسلام واختلطوا بالروم والفرس اقتبسوا الموسيقى عن تلك الأمم قبل سائر العلوم الدخيلة؛ لأنَّ اقتباسها لا يحتاج إلى نقل أو ترجمة. وأول من فعل ذلك عبد مكي اسمه سعيد بن مسحج، كان حسن الصوت مغرمًا بالموسيقى، وكان في مكة عند حصار الأمويين لها على عهد عبد الله بن الزبير في الثلث الأخير من القرن الأول للهجرة. واستخدم ابن الزبير بعض رجال الفرس في ترميم الكعبة، فسمع ابن مسحج بعضهم يغني بالفارسية فطرب والتقط النغم منه، ثم رحل إلى الشام وفارس وأخذ الألحان الرومية والفارسية، وألقى منها ما استقبحه من النبرات والنغم مما لا يألفه الذوق العربي، وغنَّى على هذا المذهب. وهو أول من فعل ذلك، وأخذ عنه من جاء بعده من مغنِّي المسلمين، فنبغ منهم جماعة كبيرة.

وكان الغناء يزداد إتقانًا ويزداد نبوغ المغنين كلما قربت الدولة من الترف والقصف، ولذلك كثروا في أواخر الدولة الأموية وأواسط الدولة العباسية ومن أشهر المغنين ابن سريج والغريض ومعبد وحكم الوادي وفيلج بن أبي العوراء وسياط ونشيط وعمر الوادي وإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق وغيرهم. ومن المغنيات جميلة وحبابة وسلامة وعقيلة وغيرهن.

ولما اشتغل المسلمون في نقل العلوم الدخيلة، كان من جملتها كتب الموسيقى لليونان والهند، فتناولها المسلمون ودرسوها وأصبحت الموسيقى علمًا عندهم بأصول، وقد جمعوا بين ألحان اليونان والهنود والفرس والعرب فألفوا فيه المؤلفات، فضلًا عما استنبطوه من الألحان أو اخترعوه من الآلات وكان للخلفاء عناية كبرى بالغناء، يبذلون الأموال في سبيل تنشيطه كما هو مشهور. وكانوا يشترطون في المغني أن يكون حافظًا للأشعار والنوادر، يحسن النحو والإعراب، فكان المغنون في الدولة العباسية من أحاسن أهل الأدب، وفيهم من يحسن الفقه فضلًا عن الأدب واللغة، كإبراهيم بن إسحاق الموصلي٣٥٦ وغيره، وبعضهم كان عالمًا بالنجوم مثل زرياب المغني. وكثيرًا ما كان الخلفاء يجمعون المغنين للمناظرة بينهم في التلحين٣٥٧ ويجيزون المجيدين ويغدقون عليهم الرواتب والجواري، فقد كان راتب الموصلي عند الهادي ١٠٠٠٠ درهم في الشهر، غير الصلات وغلات الضياع وغيرها٣٥٨ ولما قدم زرياب المغني من العراق إلى الأندلس ركب الأمير عبد الرحمن بنفسه للقائه.٣٥٩
وقد أدخل الموسيقيون في فن الموسيقى ألحانًا لم تكن من قبل، وفيها ما لم يسبق له مثيل في تأثيره. ذكروا منها ألحانًا لا يقدر الشبعان الممتلئ على غنائها، ولا سقاء يحمل قربة على الترنم بها، وأخرى لا يقدر المتكئ أن يغنيها حتى يقعد مستوفزًا، ولا القاعد حتى يقوم.٣٦٠

والآلات الموسيقية أخذوا أكثرها عن الفرس والأنباط والروم والهند، فقد كان لكل من هذه الأمم آلات خاصة يتغنون بها. كان غناء الفرس بالعيدان والصنوج، وغناء خراسان بالزنج ذات سبعة أوتار، إيقاعه يشبه إيقاع الصنج. وغناء أهل طبرستان والديلم بالطنابير. وغناء الأنباط والجرامقة بالعيروارات، وهي كالطنابير. والروم كان غناؤهم بآلة يُسمونها الأوعر عليها ١٦ وترًا، والسلبان له ٢٤ وترًا، واللوزا وهي كالرباب من خشب له خمسة أوتار، والقيثارة ولها ١٢ وترًا والصليح من جلود العجاجيل، والأرغن وهو منافخ من الجلود. وكان للهند الكيلكة بوتر واحد يمد على قرعة فيقوم مقام العود والصنج. وكان عند العرب الدف والمزهر. فالمسلمون جمعوا بين هذه الآلات الكثيرة، كما جمعوا بين علوم تلك الأمم واستخرجوا أحسنها وزادوا فيها وحسنوها، فضلًا عما استنبطوه من عند أنفسهم كالآلة المعروفة بالقانون، فقد اخترعها الفارابي الفيلسوف، وهو أول من ركبها هذا التركيب ولا تزال عليه إلى الآن.

واصطنع الفارابي آلة مُؤلَّفة من عيدان، يركبها ويضرب عليها وتختلف أنغامها باختلاف تركيبها ولكنَّها على أي حال غريبة في بابها. ذكروا أنَّ الفارابي حضر مجلس غناء لسيف الدولة، ولم يكن أحد من الحضور يعرفه فعاب المغنين فسأله سيف الدولة هل يحسن الغناء؟ ففتح خريطة واستخرج تلك الآلة وركبها ثم لعب بها، فضحك منها كل من كان في المجلس، ثم فكها وركبها تركيبًا آخر وضرب عليها فبكى كل من كان في المجلس، ثم فكها وغير تركيبها وضرب ضربًا آخر فنام كل من كان في المجلس حتى البواب، فتركهم نيامًا وخرج!٣٦١
وزاد المسلمون في العود وترًا خامسًا، زاده زرياب بالأندلس، وكان للعود أربعة أوتار على الصنعة القديمة التي قُوبلت بها الطبائع الأربع، فزاد عليها وترًا خامسًا أحمر متوسطًا، ولون الأوتار وطبقها على الطبائع. وهو الذي اخترع مضراب العود من قوادم النسر، وكانوا قبله يضربون بالخشب. وعباس بن فرناس في الأندلس اصطنع الآلة المعروفة بالمثقال، يعرف بها الأوقات على غير رسم ومثال.٣٦٢

وبالجملة إنَّ العرب لم يقصروا في الفنون الجميلة، بل هم فاقوا سواهم في أكثرها وإنَّما قصروا في بعضها مراعاة للدين.

(٩-٦) المدارس في الإسلام

(أ) التعليم

قد رأيتَ فيما تقدَّم أنَّ القرآنَ أساس العلوم الإسلامية، فتعليمه أساس التعليم الإسلامي، وأول دروس القرآن قراءته. فأول المعلمين في الإسلام النبي علمه للصحابة، وهم علموه للناس مع ما ترتب عليه أو تفرع عنه من العلوم. ولهذا السبب كانت مدارس المسلمين في جوامعهم كما كانت مدارس النصارى في أديرتهم وكنائسهم. وكانوا يسمون التلامذة المجتمعين حول أستاذ يتلقون علمًا من العلوم «حلقة». وتفرعت العلوم بتوالي الأعوام واتسعت دوائرها، حتَّى أصبح للعلم الواحد عدة حلقات، والغالب أن تنسب الحلقة إلى أستاذها، فيقولون مثلًا: حلقة أبي إسحاق الشيرازي في جامع المنصور أو نحو ذلك. وكانوا يجعلون في كل جامع خزانة كتب للمطالعة أو الاستنساخ.

على أنَّ التعليم لم يكن خاصًّا بالمساجد، فكثيرًا ما كانوا يُنشئون حلقات التدريس في المارستانات أو الربط أو المنازل أو غيرها. وكان الأغنياء إذا أرادوا تعليم أولادهم أحضروا المعلمين إلى منازلهم، كذلك كان يفعل الخلفاء والأمراء، ولا يزال أهل الوجاهة يفعلون ذلك إلى اليوم.

وأشهر الجوامع في التدريس على الإطلاق الجامع الأزهر في القاهرة، فقد بُني مع القاهرة في أواسط القرن الرابع للهجرة، وكانت تُلقى فيه دروس القرآن والفقه على جاري العادة في سائر الجوامع. وكان جماعة من الطلبة يقيمون فيه ويسمون المجاورين، ومنهم من جاء من أقاصي البلاد الإسلامية حتى تركستان والهند وزيلع وسنار، ولكل طائفة منهم رواق باسمها كرواق الشوام أو المغاربة أو العجم أو الزيالعة أو السنارية أو اليمنية أو الهندية، فضلًا عن أروقة أهل الصعيد. وبلغ عدد تلامذة الأزهر في أوائل القرن التاسع للهجرة ٧٥٠ طالبًا من طوائف مختلفة، وكانوا يقيمون في الجامع ومعهم صناديقهم وخزائنهم، يتعلمون فيه الفقه والحديث والتفسير والنحو والمنطق ويحضرون مجالس الوعظ وحلق الذكر. وربما بات في الجامع كثيرون من غير الطلبة للتبرك أو المأوى، وللجامع المذكور تاريخ طويل ترى تفصيله في خطط المقريزي والخطط التوفيقية. على أنَّ حاله كانت تختلف باختلاف المذهب السائد بمصر وباختلاف مناقب الحكام. وبلغ عدد مجاوريه في عهد العائلة الخديوية بضعة عشر ألفًا، والهمة مبذولة في إدخال بعض العلوم الحديثة فيه.

(ب) المدارس

ومما لاحظناه من أمر التعليم في التمدن الإسلامي أنَّ العلم نضج على اختلاف وجهاته وأثمر، ونبغ العلماء والفقهاء والأطباء والفلاسفة، وليس في الإسلام مدرسة مستقلة نحو مدارس هذه الأيام، وقد أجمع المؤرخون المسلمون تقريبًا على أنَّ أول من بنى المدارس في الإسلام نظام الملك الطوسي، وزير ملك شاه السلطان السلجوقي، في أواسط القرن الخامس للهجرة. ومن الغريب أن ينقضي العصر العباسي، ويتم نقل الكتب وينضج العلم على اختلاف موضوعاته دون أن يُنشئ المسلمون مدرسة، أو أن يُنشئوا المدارس ولا يرد ذكرها في تاريخهم. ولكننا رأينا الإفرنج يذكرون للمسلمين مدرسة أنشأها المأمون في خُراسان وهو والٍ هناك،٣٦٣ ولا ندري من أين نقلوا ذلك، ولم نرَ له ذكرًا في كتب العرب التي طالعناها. على أننا رأينا فيما ذكره المسلمون عدة مدارس أنشئت في نيسابور عاصمة خراسان قبل زمن نظام الملك، منها مدرسة ابن فورك المتوفى سنة ٤٠٦،٣٦٤ والمدرسة البيهقية نسبة إلى البيهقي المتوفى سنة ٤٥٠ﻫ … والمدرسة السعيدية بناها نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود الغزنوي الشهير، ومدرسة بناها إسماعيل الإسترابادي الصوفي الواعظ، وأخرى بُنيت للأستاذ أبي إسحاق،٣٦٥ وكل هذه المدارس بُنيت قبل بناء المدرسة النظامية في بغداد. حتى نظام الملك نفسه بنى مدرسة بهذا الاسم في نيسابور أيضًا قبل مدرسة بغداد، بناها لإمام الحرمين في سلطنة ألب أرسلان،٣٦٦ فلعل السبب في اشتهار أسبقية نظام الملك في إنشاء المدارس الإسلامية أنَّه أوَّل من بنى مدرسة كبرى في بغداد، وجعل التعليم فيها مجانًا، وفرض لتلامذتها الأرزاق والجواري والمعاليم.

وعلى أي حال فإنَّ أول من بنى المدارس في الإسلام الأمراء الأعاجم، وإذا صحت رواية الإفرنج عن مدرسة المأمون في خراسان (أو نيسابور) فقد بنيت في بلاد أعجمية لغرض أعجمي، وإلا فلماذا لم يبن المأمون مثلها في بغداد لما تولى الخلافة واشتغل في نقل العلوم؟ … فما هو السبب في اختصاص إنشاء المدارس في الإسلام بغير الخلفاء؟

قد رأيت فيما تقدم منزلة العلماء المسلمين عند الخلفاء والأمراء، لارتباط السياسة بالدين عندهم، ولأنَّ العلماء هم حملة الدين والداعون إليه. فكان العلماء في أوائل الإسلام يُشاركون الخلفاء في النفوذ على العامة ويساعدونهم فيه. فلما ضعف شأن الخلفاء، وأفضت الحكومة إلى السلاطين والأمراء من الفرس والأتراك والديلم والأكراد وغيرهم، أصبح هؤلاء في حاجة إلى اكتساب قلوب العامة لتأييد سلطانهم بما يقوم مقام نفوذ الخلفاء الديني. وأقرب السبل المؤدية إلى ذلك الإحسان إلى الفقراء وإكرام العلماء والفقهاء. فأصبح السلطان أو الأمير إذا تولَّى بلدًا وكان حكيمًا عاقلًا، فأول ما يسعى فيه تقريب العلماء والفقهاء واسترضاء العامة بإنشاء الجوامع والربط والمارستانات ونحوها، وتعيين الرواتب والأرزاق للعلماء والفقراء وغيرهم، فيكتسبون بذلك ثقة العامة ورضى الخاصة، غير ما يرجونه من الثواب. كذلك فعل ابن طولون بمصر، وعضد الدولة في بغداد، ونور الدين في الشام، وصلاح الدين بمصر.

وذلك أيضًا ما حمل نظام الملك على إنشاء المدارس؛ لأنَّه وَزَرَ للسلطان ألب أرسلان عشر سنين، وكان بمنزلة والده وله النفوذ الأكبر عنده، فلما توفي ألب أرسلان وازدحم أولاده على الملك، وطد المملكة لولده ملك شاه فصار الأمر كله لنظام الملك وليس للسلطان غير التخت والصيد. أقام على ذلك عشرين سنة، وكانت طائفة الباطنية قد استفحل أمرها في ذلك العصر وكثر المتزاحمون على السلطة. وكان نظام الملك عاقلًا حكيمًا، فبذل جهده في استمالة الأعداء وموالاة الأولياء، فأكثر من الإحسان حتى عم العدو والصديق والبغيض والحبيب. وكان من أهم مساعيه في ذلك أنه بنى دور العلم للفقهاء، وأنشأ المدارس للعلماء، وأسس الرباط للعباد والزهاد وأهل الصلاح والفقراء، ثم أجرى الجرايات والنفقات لطلبة العلم وغيرهم. وعم بذلك سائر أقطار مملكته في الشام وديار بكر والعراقين وخراسان إلى سمرقند، فلم يكن فيها حامل علم أو طالبه أو متعبد أو زاهد إلا وكرامة نظام الملك شاملة له سابغة عليه، وقدروا ما كان ينفقه في هذا السبيل فبلغ ٦٠٠٠٠٠ دينار في السنة. فوشى به بعضهم إلى السلطان وقالوا: «إنَّ الأموال التي يُنفقها نظام الملك في ذلك تقيم جيشًا يركز رايته في سور القسطنطينية» فعاتبه ملك شاه في ذلك فأجابه: «يا بني أنا شيخ أعجمي، لو نودي علي فيمن يزيد لم أحفظ خمسة دنانير … وأنت غلام تركي، لو نودي عليك عساك تحفظ ثلاثين دينارًا … وأنت مشتغل بلذاتك منهمك في شهواتك، وأكثر ما يصعد إلى الله تعالى معاصيك دون طاعتك، وجيوشك الذين تعدهم للنوائب إذا احتشدوا كافحوا عنك بسيف طوله ذراعان وقوس لا ينتهي مدى مرماها ثلاثمائة ذراع، وهم مع ذلك مستغرقون في المعاصي والخمور والملاهي والمزمار والطنبور … وأنا أقمت لك جيشًا يُسمَّى جيش الليل، إذا نامت جيوشك ليلًا قامت جيوش الليل على أقدامها صفوفًا بين يدي ربهم، فأرسلوا دموعهم وأطلقوا ألسنتهم ومدوا إلى الله أكفهم بالدعاء لك ولجيوشك … فأنت وجيوشك في خفارتهم تعيشون، وبدعائهم تبيتون، وببركاتهم تمطرون وترزقون …» فقبل ملك شاه وسكت٣٦٧ وتوفي نظام الملك مقتولًا سنة ٤٨٥.

ومن الأسباب التي كانت تحمل الأمراء غير العرب على إنشاء المدارس والمساجد، غير التماس الأجر والثواب، أنَّهم كانوا ينشأون في بلاط السلطان ويغلب أن يكونوا من صنائعه أو مواليه، فيكون له عليهم حق الولاء أو الرق. فإذا توفي أحدهم عن مال أو ضياع وأراد السلطان قبضها فعل وحرم أبناءه منها. فكان الرجل منهم إذا بلغ الإمارة وكثر ماله خاف عادية السلطان على ما يخلفه من ذريته، فيبني المدارس أو الزوايا أو الربط، ويقف عليها الأوقاف المغلة من ضياعه أو أبنيته، ويجعل في شروط الأوقاف أن يتولاها بعض ولده وله نصيب منها، والأوقاف ثابتة فيأمن بذلك على أولاده الفقر.

وكان من أسباب إنشاء المدارس أيضًا تأييد المذهب الذي يتبعه السلطان أو الأمير، فقد كانت القاهرة شيعية منذ بُنيت، وكانت الدروس التي تُلقى في الجامع الأزهر على مذهب الشيعة، فلما تولاها صلاح الدين الأيوبي أبطل هذا المذهب وأحيا المذهبين المالكي والشافعي، فأنشأ المدارس لتعليم هذين المذهبين فبنى المدرسة الناصرية سنة ٥٦٦ﻫ للمذهب الشافعي، وهي أول مدرسة حدثت بمصر٣٦٨ واقتدى به من جاء بعده من الأكراد والأتراك.

ومهما يكن السبب، فلا خلاف في أنَّ نظام الملك أوّل من اشتهر بإنشاء المدارس في الإسلام في أواسط القرن الخامس للهجرة. فبنى المدارس في بغداد وأصبهان ونيسابور وهراوة وغيرها، وكل منها تنعت بالنظامية نسبة إليه، أشهرها المدرسة النظامية في بغداد تولى بناءها سعيد الصوفي سنة ٤٥٧ﻫ على شاطئ دجلة وكتب عليها اسم نظام الملك، وبنى حولها أسواقًا تكون محبسة عليها وابتاع ضياعًا وخانات وحمامات وقفها عليها، فبلغت النفقة ما يُقارب ٦٠٠٠٠ دينار.

وكان للمدرسة المذكورة شأن كبير في العالم الإسلامي، وقد تخرج فيها جماعة من رجال العلم طار ذكرهم في الآفاق. أول أساتذتها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ثم الإمام أبو نصر الصباغ صاحب الشامل، ثم أبو القاسم الدبوسي، وأبو حامد الغزالي، والشاشي، والكيا الهراسي، والسهروردي، وكمال الدين الأنباري وغيرهم من أقطاب العلم. فأصبح التعليم في هذه المدرسة من أكبر أسباب الثقة بالمعلمين، وكانت تُعلَّم فيها العلوم الدينية والفقهية واللسانية.

واقتدى السلاطين والأمراء بنظام الملك في إنشاء المدارس المجانية على هذه الصورة في أنحاء المملكة الإسلامية، وأشهرهم على الترتيب السلطان نور الدين زنكي صاحب دمشق المتوفى سنة ٥٧٧ﻫ، وهو تركي الأصل بنى المدارس في جميع بلاد الشام وغيرها مثل دمشق وحلب وحماة وحمص وبعلبك ومنبج والرحبة، غير ما بناه من المارستانات والمساجد ودور الحديث والربط. ثم السلطان صلاح الدين المتوفى سنة ٥٨٩ وهو كردي، بنى المدارس في مصر والإسكندرية والقدس وغيرها، ثم الملك المعظم مظفر الدين صاحب أربل المتوفى سنة ٦٣٠ﻫ، فقد بنى كثيرًا من المدارس ودور الأيتام واللقطاء والأرامل وغيرها. واقتدى بالسلطان صلاح الدين من خلفه من أهله في مصر، فتسابقوا إلى إنشاء المدارس فيها، فبلغ عددها بعد انقضاء ملكهم ٢٥ مدرسة. ولما أفضى الملك إلى السلاطين المماليك ساروا على خطواتهم واقتدى بهم الأغنياء، فبلغ عدد ما أنشأوه بمصر إلى أيام المقريزي في أواسط القرن التاسع للهجرة ٤٥ مدرسة وصار المجموع ٧٠ مدرسة. ويقال نحو ذلك في الأصقاع الأخرى. وأول من أنشأ المدارس في الدولة العثمانية السلطان أورخان المتوفى سنة ٧٦١ﻫ، واقتدى به سلاطين آل عثمان في إنشائها، وأشهرها المدارس الثماني التي أنشأها السلطان سليمان.٣٦٩
وجاء في رحلة ابن جُبير الذي طاف الشرق الإسلامي في القرن السادس أنَّه شاهد عشرين مدرسة في دمشق و٣٠ في بغداد. أما الأندلس فقد نقل الأمير علي صاحب تاريخ الإسلام في الإنجليزية أنَّ العرب أنشأوا المدارس في قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغرناطة ومالقة وغيرها، وأنّ مملكة غرناطة وحدها بلغ عدد مدارسها ١٧ مدرسة كبرى و١٢٠ مدرسة صغرى٣٧٠ ولكن يظهر أنَّ مدارس الأندلس أنشئت على غير مثال المدرسة النظامية.
قال المقري صاحب نفح الطيب: «وليس لأهل الأندلس مدارس تعينهم على طلب العلم، بل يقرأون جميع العلوم في المساجد بأجرة، فهم يقرأون لأنْ يتعلموا لا لأنْ يأخذوا جاريًا»٣٧١ فترى في عبارة المقري نفيًا صريحًا للمدارس في الأندلس، فالظاهر أنَّ الأمير عليًّا المذكور نقل كلامه عن الإفرنج، وهؤلاء ربما يعنون مدارس المساجد.
والمدارس في الإسلام على أشكال، منها حلقات الجوامع والربط والزوايا، ومنها المدارس المجانية الكبرى للعلوم الإسلامية والمارستانات للطب والفلسفة، غير ما قد يعقده العلماء من مجالس التعليم في منازلهم. وعدد الطلبة على أي حال يختلف باختلاف شهرة الأستاذ في فنه، فكان يجتمع في حلقة الفارابي مئات المئين من الطلبة، وقد يكون للأستاذ تلامذة تحتهم تلامذة. ذكروا أنَّ أبا بكر الرازي الطبيب المشهور كان يجلس في مجلسه ودونه التلاميذ، ودونهم تلاميذهم، ودونهم تلاميذ أخر. فكان يجيء الرجل فيصف ما يجد لأول من يلقاه، فإن كان عندهم علم وإلا تعداهم إلى غيرهم، فإنْ أصابوا وإلا تكلم الرازي،٣٧٢ وكان الأستاذ يزداد شهرة ونفوذًا بازدياد تلامذته، وإذا مشى مشوا حوله وقد يركب وهم مشاة. كان الإمام فخر الدين بن خطيب الري إذا ركب مشى حوله ٣٠٠ تلميذ من الفقهاء.٣٧٣ وكان الشيخ الأستاذ إذا قرأ عليه أحد كتابًا كتب هو علامته على الكتاب، شهادة بأنه قُرئ عليه. ومن أكثر العلماء تلامذة الشيرازي والفارابي والرازي وابن خطيب الري وابن سينا والغزالي. وكان التعليم شاملًا كل طبقات الناس، حتى المماليك والجواري والعبيد والمخانيث وغيرهم.

(٩-٧) المكتبات أو خزائن الكتب

ما برح النَّاس منذ أخذوا في تدوين أعمالهم وأخبارهم وعلومهم وهم يحرصون على استبقاء ما يدونونه؛ لأنَّهم دونوه رغبة في استبقائه. ويعبرون عن المكان الذي يحفظون الكتب فيه بالمكتبة أو خزانة الكتب، وأقدم من أنشأ المكتبات في العالم البابِلِيُّون سنة ١٧٠٠ قبل الميلاد، ومن بقاياهم مكتبة عثر عليها علماء القرن الماضي في خرائب بابل وآشور، وهي عبارة عن قرميدات من الطين المجفف عليها كتابة بالحرف الإسفيني (المسماري)، يليهم المصريون القدماء فقد وصف ديودورس مكتبة وجدوها في قبر ملك مصري اسمه أوسيمندياس. ثم اليونان وهم أول من أنشأ المكتبات العامة لفائدة الناس، وأقدم منشئيها بسستراتوس في أواسط القرن السادس قبل الميلاد، وذكر بلوتارخس مكتبة في برجاموس مؤلفة من ٢٠٠٠٠٠ مجلد. وأنشأ البطالسة مكتبة الإسكندرية الشهيرة. ثم الرومان، وأول مكتباتهم نقلوها عن مقدونية إلى رومية سنة ١٦٧ق.م، ثم استولوا على مكتبة برجاموس المذكورة سنة ١٣٣ق.م، ثم نقلوا مكتبات أثينا سنة ٨٦، ولما عظم شأن قسطنطين في القسطنطينية أنشأ فيها مكتبة سنة ٣٥٥م، غير ما تقدم ذكره من خزائن الفرس في الرساتيق والأزج، ثم كف النَّاس عن إنشاء المكتبات حتى تمدَّن المسلمون وأنشأوا مكتباتهم.

(أ) المكتبات الإسلامية

لما ظهر الإسلام ونهض المسلمون للفتح أحرقوا ما عثروا عليه من الكتب لأسباب تقدم بيانها، لكنهم ما لبثوا أن تحضروا وذاقوا طعم العلم حتى أصبحوا أحرص الناس على الكتب وأكثرهم بذلًا في الحصول عليها وأشدهم عناية في صيانتها. وقد رأيت أنَّ العرب قضوا القرن الأول ونصف القرن الثاني وأبحاثهم مقصورة تقريبًا على العلوم الإسلامية، ولم يدونوها إلا في أواخر تلك المدة. فكان ما يجمعونه من الكتب محصورًا في الأشعار والأخبار والأمثال مكتوبة على الرقوق أو الجلود أو الأنسجة أو نحوها. قالوا: إنَّ كتب أبي عمرو بن العلاء كانت تملأ بيته إلى السقف، وقالوا نحو ذلك في سائر رواة الأدب والشعر كالأصمعي وحماد وأبي عبيدة.

غير أنَّ ذلك لا يُعدّ من قبيل المكتبات العامة التي إنما يقوم بإنشائها ولاة الأمور أو من يجري مجراهم. ومرجع الفضل في إنشاء هذه المكتبات إلى خلفاء النهضة العباسية، وإن كنا نرى ذكر خزائن الكتب في أيام بني أمية التي أخرج عمر بن عبد العزيز منها كناش هارون، فتلك على الغالب مما أنشأه الأطباء والفلاسفة الذين كانوا في خدمة تلك الدولة لأنفسهم أو لأولادهم.

(ب) مكتبات بغداد

أما في الدولة العباسية فكان إنشاؤها من جملة أسباب نهضتهم لنقل العلوم، فأنشأوا مكتبة في بغداد سموها «بيت الحكمة» الغالب أنَّ الرشيد أنشأها وجمع إليها ما كان قد نقل إلى العربية من كتب الطب والعلم، وما ألف من العلوم الإسلامية، مع ما سعى يحيى بن خالد في جمعه من كتب الهند، وما وقع للرشيد من كتب الروم في أنقرة وغيرها. ولما تولى المأمون وأنشأ مجالس الترجمة جمع في بيت الحكمة كتب العلم في لغاتها، وفيها اليونانية والسريانية والفارسية والهندية والقبطية، فضلًا عن العربية، وعلِم الناس رغبته في ذلك فأتوه بالكتب على اختلاف موضوعاتها وأشكال خطوطها، ومنها كتاب ذكر ابن النديم أنَّه بخط عبد المطلب بن هاشم جدّ النبي على جلد، وفيه ذكر حق عبد المطلب «على فلان بن فلان الحميري من أهل صنعاء عليه ألف درهم فضة كيلًا بالحديدة ومتى دعاه بها أجابه شهد الله والملكان».٣٧٤
وكان بيت الحكمة عبارة عن مجلس للترجمة أو النسخ أو الدرس أو التأليف، فيجلس النساخ في أماكن خاصة بهم ينسخون لأنفسهم أو بأجور معينة، وكذلك المترجمون والمؤلفون والمطالعون. ومن نساخ بيت الحكمة علان الشعوبي أصله فارسي وكان راوية عارفًا بالأنساب والمنافرات، وكان ينسخ في بيت الحكمة للرشيد والمأمون والبرامكة، وله كتاب في مثالب العرب هتك فيه العرب وأظهر مثالبها،٣٧٥ وممن كان يتردد إلى بيت الحكمة للمطالعة أو التأليف محمد بن موسى الخوارزمي المنجم، ويحيى بن أبي منصور الموصلي أحد أصحاب الأرصاد في أيام المأمون، والفضل بن نوبخت المنجم، وأولاد شاكر وغيرهم. وكان للبيت المذكور قَيِّم يدير شؤونه يُسمَّى صاحب بيت الحكمة، وأشهر مديريها سهل بن هارون وهو فارسي شعوبي شديد التعصب على العرب، وله في ذلك كتب كثيرة. ومنهم سلم وله نقول من الفارسي إلى العربي. فترى من ذلك أنَّ البيت أو الخزانة المذكورة أنشئت على يد الفرس، وخدَمتها والمترددون إليها من الفرس، وأكثرهم من الشعوبية الذين يكرهون العرب، ولذلك سبب متصل بقيام الخراسانيين بنصرة المأمون لأسباب ذكرناها في الجزأين الماضيين من هذا الكتاب.
ثم أنشأ البغداديون المكتبات على مثال بيت الحكمة، أشهرها مكتبة وقفها سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة في محلة بين السورين في الكرخ في سنة ٣٨١ﻫ وجعل فيها أكثر من عشرة آلاف مجلد كلها بخطوط الأئمة المعتبرة، وكان المؤلفون يقفون عليها نُسخًا من مؤلفاتهم. واحترقت فيما احترق من محال الكرخ عند مجيء طغرل بك أول ملوك السلجوقية إلى بغداد سنة ٤٤٧ﻫ٣٧٦ وممن تولى حفظ ما بقي منها والإشراف عليها عبد السلام البصري اللغوي المتوفى سنة ٤٠٥ﻫ.٣٧٧ واشتهر بجمع الكتب من بني العباس الخليفة الناصر بن المستضيء المتوفى سنة ٦٢٢ﻫ.٣٧٨

(ﺟ) مكتبات الأندلس

وكان المأمون مثالًا في إنشاء المكتبات في الممالك الإسلامية، كما كان مثالًا في سائر أسباب النهضة العلمية. فاقتدى به بنو أمية في الأندلس، وأشبههم به الحكم المستنصر بن الناصر الذي تولى الخلافة سنة ٣٥٠ﻫ وتوفي سنة ٣٦٦ﻫ وكان محبًّا للعلوم مكرمًا لأهلها جماعًا للكتب على أنواعها بما لم يجمعه أحد من الملوك قبله. فأنشأ في قرطبة مكتبة جمع إليها الكتب من أنحاء العالم، فكان يبعث في شرائها رجالًا من التجار ومعهم الأموال، ويحرضهم على البذل في سبيلها لينافس بني العباس في اقتناء الكتب وتقريب الكتاب. وكان أبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني معاصرًا له، وهو أموي مثله فبعث إليه أن يرسل إليه كتاب الأغاني قبل إخراجه إلى بني العباس، وبذل له على ذلك ألف دينار ذهبًا. وفعل نحو ذلك مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكيم وغيره، فاجتمع له من الكتب ما لم يسبق له مثيل في الإسلام فجعلوها في قاعات خاصة من قصر قرطبة أقاموا عليها مديرًا ومشرفًا ووضعوا لها الفهارس لكل موضوع على حدة. وذكروا أنَّ فهارس الدواوين وحدها ٤٤ فهرسًا في كل فهرس عشرون ورقة٣٧٩ فإذا قدرنا للصفحة ٢٥ اسمًا فقط كان مجموع عدد الدواوين ٤٤٠٠٠ كتاب، فكيف بسائر الكتب؟ ولا نظننا نبالغ إذا سلمنا مع ابن خلدون والمقري أن مجموع ما حوته تلك المكتبة ٤٠٠٠٠٠ مجلد.٣٨٠
واقتدى بالحكم رجال دولته وعظماء مملكته، فأنشأوا المكتبات في سائر بلاد الأندلس، حتى قالوا إنَّ غرناطة وحدها كان فيها سبعون مكتبة من المكتبات العامة، وأصبح حب الكتب في الأندلس سجية في أهلها وأصبح اقتناؤها من شارات الوجاهة والرئاسة عندهم. وقد يكون الرئيس منهم جاهلًا ويحتفل أن يكون في بيته خزانة كتب، ليقال: فلان عنده خزانة كتب، والكتاب الفلاني ليس عند أحد غيره، والكتاب الذي هو بخط فلان قد حصله وظفر به. قال الحضرمي: «أقمت مرة بقرطبة ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيه وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع وهو بخط فصيح وتفسير مليح ففرحت به أشد الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه فيرجع إلى المنادي بالزيادة علي، إلى أن بلغ فوق حده. فقلت له: يا هذا! أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلغه إلى ما لا يساوي، قال: فأراني شخصًا عليه لباس رئاسة، فدنوت منه وقلت له: أعز الله سيدنا الفقيه، إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك، فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده. فقال لي: لست بفقيه ولا أدري فيه، ولكني أقمت خزانة الكتب واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب، فلما رأيته حسن الخط جيد التجليد استحسنته ولم أبال بما أزيد فيه، والحمد لله على ما أنعم به من الزرق فهو كثير. قال الحضرمي: فأحرجني وحملني على أن قلت له: نعم، لا يكون الرزق كثيرًا إلا عند مثلك … يُعطى الجوز من لا أسنان له … وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب وأطلب الانتفاع به يكون الرزق عندي قليلًا، وتحول قلة ما بيدي بيني وبينه!»٣٨١

وظل أهل قرطبة على أي حال أحسن الأندلسيين رغبة في الكتب، كما كان أهل إشبيلية أرغبهم في اللهو الطرب، فإذا مات عالم في إشبيلية فأريد بيع كتبه، حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حملت إلى إشبيلية. أما مكتبة قرطبة فما زالت في قصرها حتى بيع أكثرها في حصار البربر ثم أتم عليها الإفرنج.

(د) مكتبات مصر

واقتدى بخلفاء بغداد والأندلس الخلفاء الفاطميون بمصر، بدأ بذلك منهم العزيز بالله ثاني خلفائهم، تولى الخلافة سنة ٣٦٥ﻫ وهو شاب، فاستوزر يعقوب بن كلس، وكان يعقوب مدبرًا ومحبًّا للعلم، فرتب له الدواوين وقرب إليه العلماء على اختلاف طبقاتهم، وأجرى لهم الأرزاق وحبب إلى الخليفة اقتناء الكتب، فجمع منها جانبًا كبيرًا وخصص لها قاعات في قصره وسماها «خزانة الكتب»، وبذل الأموال في الاستكثار من المؤلفات المهمة في التاريخ والأدب والفقه، ولو اجتمع من الكتاب الواحد عشر نسخ أو مائة نسخة أو أكثر. ذكروا أنَّه كان فيها من كتاب العين للخليل نيف وثلاثون نسخة منها نسخة بخط الخليل نفسه، وعشرون نسخة من تاريخ الطبري، واشتروا النسخة بمائة دينار، ومائة نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد. وكان عدد النسخ المكررة يزداد بتوالي الأعوام، حتى بلغ عدد النسخ من تاريخ الطبري عند استيلاء صلاح الدين الأيوبي على مصر ١٢٠٠ نسخة، وكان فيها ٣٤٠٠ ختمة قرآن بخطوط منسوبة محلاة بالذهب. فلا عجب إذا قالوا إنَّها كانت تحوي ١٦٠٠٠٠٠ كتاب٣٨٢ في الفقه والنحو اللغة والحديث والتاريخ والنجامة والروحانيات والكيمياء، منها ١٨٠٠٠ كتاب في العلوم القديمة، فيها ٦٥٠٠ جزء من كتب النجوم والهندسة والفلسفة خاصة٣٨٣ غير أدوات الهندسة والفلك.

على أننا نرى في تقدير تلك الكتب مبالغة، وقد قدرها آخرون ٢٠٠٠٠٠ كتاب، وغيرهم ١٢٠٠٠٠، ونظن في تقديرهم التباسًا من حيث المراد بخزانة الكتب أو خزائن الكتب؛ لأنَّ العزيز بعد أن أنشأ خزانته بقصره اقتدى به جماعة من أهله فأنشأوا مثلها في قصورهم، فالظاهر أنَّ المراد بالتقدير القليل عدد الكتب في خزانة العزيز خاصة، وبالكثير عدد ما في خزائن القصور كلها. وبهذا الاعتبار لا يقل عدد الكتب في خزائن القصور عن ١٠٠٠٠٠٠ مجلد أو كتاب.

وكان للعزيز عناية كبيرة بخزانته يتعهدها بنفسه حينًا بعد حين، وقد رتب لها قَيِّمًا يتولى شؤونها ويجالسه ويقرأ له الكتب وينادمه، وممن تولى ذلك أبو الحسن الشابشتي الكاتب المتوفى سنة ٣٩٠ﻫ.٣٨٤
وقد أصاب هذه الخزائن من الإحن بتوالي الفتن مثل ما أصاب مكتبة الإسكندرية في عهد الرومان، فألقي بعض كتبها في النار والبعض الآخر في النيل وترك بعضها في الصحراء فسفت عليه الرياح حتى صار تلالًا عرفت بتلال الكتب، واتخذ العبيد من جلودها نعالًا مما يطول شرحه. وبالإجمال فقد طرح ما بقي منها عند دخول الأكراد للمبيع في أواسط القرن السادس، وكان في جملة ما أخرجوه من تلك القصور نحو ١٢٠٠٠٠ كتاب أعطاها صلاح الدين للقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني.٣٨٥

(ﻫ) دار الحكمة

وتُسمَّى أيضًا دار العلم وهي غير خزانة العزيز أو خزائن القصور كما توهم الأكثرون. أنشأها الحاكم بأمر الله بن العزيز بالله سنة ٣٩٥ﻫ، بجوار القصر الغربي بالقاهرة، وحمل إليها الكتب من خزائن القصور، ووقف لها أماكن ينفق عليها من ريعها. ففرشوها وزخرفوها وعلقوا الستائر على أبوابها وممراتها وأقاموا عليها القوام والمشرفين، والغرض من دار الحكمة مثل الغرض من بيت الحكمة الذي أنشأه العباسيون، أي لخدمة الناس في المطالعة والدرس والتأليف. وهي طريقة القدماء في تعليم الناس، إذ يتعذر على غير الأغنياء اقتناء الكتب الكثيرة نظرًا لغلائها، فمن أحبَّ تعليم رعيته أنشأ مكتبة جمع فيها الكتب وفتح أبوابها للناس، كما فعل البطالسة في مكتبة الإسكندرية، والعباسيون في بيت الحكمة ببغداد، وقد عد بعضهم دار الحكمة مدرسة؛ لأنَّ الحاكم أقام بها القراء والمنجمين وأصحاب النحو واللغة والأطباء، وأجرى لهم الأرزاق وأباح الدخول إليها لسائر الناس على اختلاف طبقاتهم من محبي المطالعة، ليقرأوا أو ينسخوا ما شاءوا، وجعل فيها ما يحتاجون إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر. وكان الحاكم يستحضر بعض علماء الدار المذكورة بين يديه، ويأمرهم بالمناظرة كما كان يفعل المأمون ويخلع عليهم الخلع. وقد أباح المناظرة بين المترددين إلى دار الحكمة، فكانوا يعقدون المجتمعات هناك وتقوم المناظرات وقد يفضي الجدال إلى الخصام. واتخذ بعض أصحاب البدع تلك الاجتماعات وسيلة لبث آرائهم، فاضطر الأفضل بن أمير الجيوش في أوائل القرن السادس للهجرة إلى إبطالها دفعًا لأسباب الفتن، فلما توفي الأفضل أمر الخليفة الآمر بأحكام الله وزيره المأمون بن البطائحي فأعادها سنة ٥١٧ﻫ، ولكنه اشترط فيها المسير على الأوضاع الشرعية، وأن يكون متوليها رجل دين وأن يقام فيها متصدرون برسم قراءة القرآن. ولا نظن عدد كتبها يقل عن ١٠٠٠٠٠ كتاب، ولما أفضت الحكومة إلى صلاح الدين الأيوبي هدم دار العلم وبناها مدرسة للشافعية.٣٨٦

(و) مكتبات الشام

لما كانت الشام مركز الخلافة في أيام بني أمية لم يكن للخلفاء رغبة في العلم ولا التفت العباسيون إليها. ولكنها اشتهرت في عهد الدولة الفاطمية بمكتبة كانت في طرابلس الشام حتى فتحها الإفرنج سنة ٥٠٢ فانتهبوها٣٨٧ وذكر «جبن» أنَّ عدد كتبها ٣٠٠٠٠٠٠ مجلدٍ أحرقها الإفرنج.٣٨٨ فلما تولَّى نور الدين الشام وأنشأ المدارس في مدائنها جعل فيها خزائن الكتب، وتعرف بالخزائن النورية، وهكذا فعل صلاح الدين.

أما بلاد فارس فقد تقدَّم في غير هذا الباب ما كان فيها من الخزائن المخبأة في الرساتين والأزج والقباب، مكتوبة بالحروف الفهلوية على الجلود ونحوها قبل الإسلام، فلمَّا نضجت الحضارة الإسلامية في بغداد كان الفرس من أكبر العوامل فيها، وفي جملة مساعيهم أنشأ بيت الحكمة وغيره كما تقدم.

وأما خراسان فقد كانت بلاد علم وأدب لما علمته من إنشاء المدارس فيها قبل سائر بلاد الإسلام. وأما المكتبات فلم يتصل بنا من أخبارها إلا القليل، فقد ذكر ياقوت في معجمه أنَّه ترك مرو الشاهجان أشهر مدن خراسان يومئذ سنة ٦١٦ﻫ وفيها عشر خزائن للوقف لم يُرَ في الدنيا مثلها كثرةً وجودةً، وقد فصل أخبارها وأخبار واقفيها وذكر أنَّ واحدة منها كان فيها ١٢٠٠٠ مجلد وأنه أخذ علمه منها.٣٨٩

أما ما وراء النهر فقد ذكروا في بخارى مكتبة اشتهرت باقتباس ابن سينا علمه عنها، وكانت لنوح بن منصور سلطان بخارى، قال الشيخ الرئيس: «ورأيت فيها من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس، وما كنت رأيته من قبل… إلخ». وأنشأ هولاكو التتري لنصير الدين الطوسي في مراغة مكتبة فيها ٤٠٠٠٠٠ مجلد مما نهبه التتر من بغداد والشام والجزيرة.

هذا ما عثرنا على خبره من المكتبات العامة التي أنشأها الخلفاء أو السلاطين لمنفعة الناس، غير خزائن الكتب التابعة للمدارس أو المارستانات أو الجوامع، فإنها كانت كثيرة جدًّا ومنها ما لا تقل كتبها عن المكتبات الكبرى، وهي مرتبة أبوابًا حسب الموضوعات وعليها الوكلاء والقوام. وغير الخزائن الخاصة التي كان يقتنيها العلماء لأنفسهم وهي كثيرة وعظيمة، فقد كانت كتب الصاحب بن عباد تنقل على ٤٠٠ جمل، وخلف إفرايم الطبيب المصري ٢٠٠٠٠ مجلد، ولما مات موفق الدين بن المطران كان في خزانته ١٠٠٠٠ مجلد غير ما استنسخه، وكان له ثلاثة نساخ يكتبون. وكان عند أمين الدولة ٢٠٠٠٠ مجلد، وقس عليهم كثيرين كالفتح بن خاقان وابن القفطي وغيرهما.

ولا تتضح ضخامة تلك المكتبات إلا إذا قابلناها بمكتبات هذا العصر، مع اعتبار الفرق بين العصرين وما كان لانتشار الطباعة من تسهيل اقتناء الكتب، مع مرور الأزمنة الطويلة على مكتبات هذه الأيام، وكثرة الوسائل المساعدة على اقتناء الكتب لقلة النفقة وغير ذلك. ونقتصر على المكتبات الإسلامية الكبرى التي عرفنا عدد مجلداتها ونقابلها بأشهر مكتبات أوربا اليوم:
أشهر مكتبات المسلمين في عهد التمدن الإسلامي
عدد المجلدات
بيت الحكمة في بغداد
١٠٠٠٠ مكتبة سابور في بغداد
٤٠٠٠٠٠ مكتبة الحكم بقرطبة
١٠٠٠٠٠٠ خزائن القصور بالقاهرة
١٠٠٠٠٠ دار الحكمة بالقاهرة
٣٠٠٠٠٠٠ مكتبة طرابلس
٤٠٠٠٠٠ مكتبة مراغة
أشهر مكتبات هذه الأيام في عواصم أوربا الكبرى
عدد المجلدات
٢٧٠٠٠٠٠ مكتبة باريس الأهلية
١٦٤٨٠٠٠ مكتبة المتحف البريطاني في لندن
١٣٦٠٠٠٠ مكتبة بطرسبرج القيصرية
١٢٣٠٠٠٠ مكتبة برلين الأهلية
٩٢٤٠٠٠ مكتبة فينا الملوكية
٦٧٧٠٠٠ مكتبة رومية الأهلية

وفي الولايات المتحدة ٤٠٢٦ مكتبة مجموع عدد كتبها ٣٣٠٥١٨٧٢ مجلدًا. وعلى الجملة فإنَّ المسلمين جمعوا في مكتباتهم العامة والخاصة من الكتب على اختلاف موضوعاتها ما يعد بالملايين. ولم يبقَ منها إلا جزء صغير جدًّا، وقد ضاع معظمها في أثناء القرون الوسطى وذهب بذهاب التمدن.

أما الباقي من تلك الكتب فأكثره تجمع في عاصمة الإسلام في أثناء تلك القرون وهي القسطنطينية. وقد توفق المستشرق جوستاف فلوجل، ناشر كتاب الفهرست وكتاب كشف الظنون، إلى إحراز قوائم المكتبات العربية على ما بلغت إليه من قبل النهضة الأخيرة وشيوع الطباعة في الشرق، وذيل كتاب كشف الظنون بأسماء تلك الكتب بحسب موضوعاتها. فبلغ عدد تلك المكتبات بضعًا وعشرين مكتبة، منها ٢١ في القسطنطينية بلغ مجموع كتبها ٢٧٤٤٥ كتابًا. وأما ما بقي ففي مصر ودمشق وحلب ورودس ومجموع كتبها ٢٤٠٠ كتاب، فيكون الباقي من كتب التمدن الإسلامي في المكتبات العامة نحو ٣٠٠٠٠ كتاب، هاك تفصيلها باعتبار أماكنها:
مكتبات المسلمين في أواخر القرون الوسطى وكتبها
عدد المجلدات
٢٩٨٤٤ (المجموع كله)
١٥٣٧ مكتبة السلطان محمد الثاني في القسطنطينية
٨٠٣ مكتبة السلطان سليمان في القسطنطينية
٧٥٢ مكتبة قليج علي باشا بالطبخانة في القسطنطينية
٤١٢ مكتبة حافظ أحمد باشا في القسطنطينية
١٤٤٨ مكتبة كيو بريلي أوغلو في القسطنطينية
٢٩٠٦ مكتبة شهيد علي باشا في القسطنطينية
٨٣١ مكتبة إبراهيم باشا في القسطنطينية
٧٣٢ مكتبة والده سلطان في القسطنطينية
٥٥٢ مكتبة بشير أغا في القسطنطينية
١٣٣٦ مكتبة عاطف أفندي في القسطنطينية
١٤٤٥ مكتبة أيا صوفيا في القسطنطينية
٥٥٦ مكتبة سراي غلطه في القسطنطينية
٢٤٢١ مكتبة عثمان الثالث في القسطنطينية
١٠٧٧ مكتبة محمد راغب باشا في القسطنطينية
٩٨٠ مكتبة لعله لي دفتر أول في القسطنطينية
١٩٤٧ مكتبة لعله لي دفتر ٢ في القسطنطينية
٩١٦ مكتبة سراي همايون في القسطنطينية
١٧٦٩ مكتبة ولي الدين أفندي في القسطنطينية
١٨٧٧ مكتبة عاشر أفندي في القسطنطينية
١١٠٩ مكتبة داما زاده محمد مراد أفندي في القسطنطينية
١٣٨٣ مكتبة عبد الحميد في القسطنطينية
٦٥٦ مكتبة حالت أفندي في القسطنطينية
٢٧٤٤٥ (مجموع الكتب في القسطنطينية)
١٠٩٩ مكتبة الأزهر في القاهرة
٤٢٢ مكتبة عبد الله باشا العظم بدمشق
٢٦٩ مكتبة المدرسة الأحمدية بحلب
٦٠٩ مكتبة رودس

وبديهي أنَّ هذه الكتب ليست كلها ما بقي من المؤلفات العربية، فقد كان منها شيء كثير في المكتبات الخاصة وغيرها، ولكنَّها على أي حال لا تُعد شيئًا بالنظر إلى ما كانت عليه في إبان التمدن. وخصوصًا إذا اعتبرنا تكاثر المؤلفات بتوالي القرون، مما يدعو إلى زيادة عدد الكتب الباقية في القرون الوسطى كما لا يخفى لا إلى نقصانها، ولكن لكل شيء أجلًا لا يتعداه، سُنَّة الله في خلقه.

١  النجوم الزاهرة ٣٧ ج١، ورُوي أيضًا: «الإسلام يجبُّ ما قبله».
٢  ابن خلدون ٣٦٤ ج١، وكشف الظنون ٢٥ ج١، وأبجد العلوم ١٠٩.
٣  العقد الفريد ١٥٨ ج١.
٤  كتاب مختصر الدول صفحة ١٨٠ من طبعة بوك «في أوكسفورد» سنة ١٦٦٣م، وأما النسخة المطبوعة في مطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت فقد حذفت منها هذه الجملة كلها لسبب لا نعلمه.
٥  الإفادة والاعتبار ٢٨.
٦  تراجم الحكماء «خط».
٧  مختصر الدول طبعة بيروت ١٩٤.
٨  الفهرست ٢٣٩.
٩  فوات الوفيات ٩٦ ج٢.
١٠  كشف الظنون ٤٤٦ ج١.
١١  كشف الظنون ٢٥ ج١.
١٢  ابن خلدون ٣٢ ج١.
١٣  Brown’s Lit. Hist. of Persia, 347.
١٤  ابن خلدون ٥٣٧ ج٣ و٥٤٣ ج٥.
١٥  ابن الساعي ١٢٧.
١٦  Gibbon’s Roman Empire II, 505، وابن خلكان ١٢٨ ج٢.
١٧  ابن خلدون ٤٧٨ ج٤.
١٨  كشف الظنون ٤٠ ج١، والبيان والتبيين ١٢٣ ج١.
١٩  البيان والتبيين ٢١٣ ج١.
٢٠  ابن خلدون ٤٧٨ ج١.
٢١  العقد الفريد ٧٤ ج٢.
٢٢  البيان والتبيين ١٥١ ج١.
٢٣  كشف الظنون ٢٥ ج١.
٢٤  ابن خلكان ٢٠٥ ج١.
٢٥  الفهرست ٣٢٤.
٢٦  البيان والتبيين ١٦١ ج١.
٢٧  كشف الظنون ٢٦ ج١.
٢٨  المزهر ١٦٢ ج٢.
٢٩  الشعر والشعراء لابن قتيبة ٢٠.
٣٠  ابن خلكان ٢٨٦ ج١.
٣١  كشف الظنون ٣١٤ ج١، وابن الأثير حوادث سنة ١٠٢.
٣٢  ابن خلّكان ١٨٠ ج٢.
٣٣  كشف الظنون ٣٠١ ج٢، وابن خلكان ٤٥٢ ج١.
٣٤  النجوم الزاهرة ٣٧٨ ج١.
٣٥  اللمعة الشهية ١٧.
٣٦  المزهر ١٧٧ ج٢.
٣٧  كشف الظنون ٤٦٦ ج١.
٣٨  كشف الظنون ٤٦٧ ج١.
٣٩  اللمعة الشهية ٢١.
٤٠  الفهرست ٤٠.
٤١  ابن خلكان ١٢٥ ج١.
٤٢  كشف الظنون ٤٦٨ ج٢.
٤٣  راجع كتابنا تاريخ اللغة العربية.
٤٤  أدب الدنيا والدين ٥٢.
٤٥  الفهرست ٤٠.
٤٦  ابن خلكان ٥٧ ج٢.
٤٧  الفهرست ٢٤.
٤٨  أبو الفداء ١٧٦ ج١.
٤٩  الفهرست ٢٥.
٥٠  نفح الطيب ٣٨٧ ج١.
٥١  أبو الفداء ١٧٦ ج١.
٥٢  المسعودي ٢٠ ج٢.
٥٣  الفهرست ٢٨.
٥٤  الفهرست ٢٦.
٥٥  المقريزي ٢٥٤ ج٢.
٥٦  الشهرستاني ٩٥ ج١.
٥٧  الشهرستاني ٤٢ ج١.
٥٨  طبقات الأدباء ٣٦١.
٥٩  ابن خلكان ٤٩٠ ج١.
٦٠  المقدسي ٣٩ ونفح الطيب ١٠٤ ج١.
٦١  ابن خلكان ٣٠٨ ج٢.
٦٢  ترتيب الدول ٦٩.
٦٣  الدميري ١٢٦ ج١.
٦٤  الكشكول ١٧٥.
٦٥  ابن خلدون ٣٦٧ ج١.
٦٦  أسد الغابة ٢٤٧ ج٤.
٦٧  أسد الغابة ١٧٦ ج٣.
٦٨  المسعودي ١٠٩ ج٢.
٦٩  كشف الظنون ٣٠٢ ج١.
٧٠  طبقات الأطباء ١٧٥ ج٢.
٧١  ابن خلكان ١٤٦ ج٢.
٧٢  الشهرستاني ١٢ ج١.
٧٣  ابن خلكان ٢١٨ ج٢.
٧٤  ابن خلكان ٢١٣ ج٢.
٧٥  ابن الأثير ٣ ج٦.
٧٦  تحذير المسلمين ٤.
٧٧  ابن خلدون ٣٦٨ ج١.
٧٨  أبجد العلوم ٨٦.
٧٩  الدميري ٥٢ ج١.
٨٠  ابن خلكان ٣٠٦ ج١.
٨١  ابن الساعي ٦٦.
٨٢  ابن خلكان ٢١٥ ج٢.
٨٣  ابن خلكان ٩١ ج١.
٨٤  ابن خلكان ٤٥٦ ج١.
٨٥  ابن خلدون ٣٦٩ و٣٧١ ج١.
٨٦  الدميري ٥١ ج١.
٨٧  ابن خلكان ٩٢ ج١.
٨٨  أبو الفداء ٢٠٩ ج١.
٨٩  ابن خلكان ٤٣٩ ج١.
٩٠  ابن خلكان ١٦٥ ج٢.
٩١  الشهرستاني ١٦٠ ج١.
٩٢  العقد الفريد للملك السعيد ٥٣.
٩٣  المسعودي ١٧٣ ج٢.
٩٤  ابن خلكان ٣٨٥ ج١.
٩٥  العقد الفريد ٢٨٧ ج١.
٩٦  الفخري ١٧٥.
٩٧  المزهر ٢١١ ج٢.
٩٨  ابن خلكان ٤٥٤ ج١.
٩٩  طبقات الأدباء ١٣٠.
١٠٠  ابن خلكان ١٧ ج١.
١٠١  ابن خلدون ٤٧٤ ج٣.
١٠٢  شعراء السريان للقرداحي ١٨.
١٠٣  المزهر ١٩٩ ج٢.
١٠٤  ابن خلكان ٢٤٠ ج١.
١٠٥  مفتاح السعادة «خط».
١٠٦  الفهرست ٤٠.
١٠٧  ابن خلكان ٣٠٨ ج٢.
١٠٨  المزهر ١٠٥ ج١.
١٠٩  ابن خلكان ٣٨٦ ج١.
١١٠  المزهر ٢٠٢ ج٢.
١١١  William’s Sanskrit Grammar, 15.
١١٢  طبقات الأدباء ٢٦٠.
١١٣  ابن خلكان ٦٥ ج١.
١١٤  طبقات الأدباء ١٧٥.
١١٥  المزهر ٢٠٦.
١١٦  ابن خلدون ٤٨٦ ج١.
١١٧  الكشكول ١٥٥.
١١٨  المسعودي ١٢١ ج٢.
١١٩  ابن خلكان ٣٠٧ ج١.
١٢٠  ابن خلكان ٣٥ و٣٩ ج١.
١٢١  ابن خلدون ٤٩٨ ج١.
١٢٢  المسعودي ٥٢ ج٢.
١٢٣  البيان والتبيين ١٥٥ج٢.
١٢٤  العقد الفريد ١٥٠ج١.
١٢٥  الفخري.
١٢٦  كشف الظنون ٣٩ و٣٠١ ج٢.
١٢٧  كشف الظنون ٤٧٠ ج٢.
١٢٨  ابن خلكان ٥٠٧ ج١.
١٢٩  البيان والتبيين ١٢٤ ج١.
١٣٠  ابن خلكان ١٢ ج٢.
١٣١  نفح الطيب ٦١٢ ج٤.
١٣٢  معجم ياقوت ٧ ج١.
١٣٣  البيان والتبيين ٩٨ ج٢.
١٣٤  البيان والتبيين ٢٩ ج٢.
١٣٥  البيان والتبيين ١٣٥ ج١.
١٣٦  العقد الفريد ٧ ج٣، وغيره.
١٣٧  البيان والتبيين ٢٠ ج١.
١٣٨  البيان والتبيين ١٢٢ ج١، والشهرستاني ١١ ج١.
١٣٩  نفح الطيب ١٧٥ ج١.
١٤٠  العقد الفريد ٢٦٧ ج٢.
١٤١  ابن خلكان ١٠٧ ج٢.
١٤٢  المزهر ٤٢٠ ج١.
١٤٣  لطائف المعارف ٧٠.
١٤٤  العقد الفريد ١١٥ ج١.
١٤٥  العقد الفريد ٩٢ ج١.
١٤٦  ابن خلكان ٨٩ ج٢.
١٤٧  ابن خلكان ١٧٩ ج١.
١٤٨  نفح الطيب ٧٨١ ج٢.
١٤٩  المزهر ٢٠٦ ج٢.
١٥٠  ابن خلكان ١٦٤ ج١.
١٥١  طبقات الأدباء ٦٩.
١٥٢  ابن خلكان ٢٠٨ ج١.
١٥٣  ابن خلكان ٢٨٧ ج١.
١٥٤  الأغاني ٧٨ ج٧.
١٥٥  ابن خلدون ٥٠٨ ج١.
١٥٦  الفهرست ١٥٩.
١٥٧  ابن خلكان ١٧٢ ج١.
١٥٨  المزهر ١٧٧ ج٢.
١٥٩  المزهر ٢٠٢ ج١.
١٦٠  طبقات الأطباء ٩٤ ج٢.
١٦١  ابن خلكان ٢٦٣ ج١.
١٦٢  ابن خلدون ٥١٨ أو ابن الأثير ٢٨ ج٨.
١٦٣  ابن خلكان ٥٣٠ ج١.
١٦٤  ابن خلكان ٧٢ ج١.
١٦٥  ابن خلكان ١٩٨ ج١.
١٦٦  نفح الطيب ٧٢٩ ج٢.
١٦٧  الأغاني ٤٤ ج٩ وابن خلكان ١٦٩ ج١.
١٦٨  نفح الطيب ١١٩ ج٢.
١٦٩  نفح الطيب ٨٩٥ ج٢.
١٧٠  ابن خلكان ٥٠٨ ج١.
١٧١  الدميري ٢١٨ ج٢.
١٧٢  ابن خلكان ٢٥٨ ج١.
١٧٣  الفخري ٢٥٢.
١٧٤  نفح الطيب ١٠٠٣ ج٢.
١٧٥  ابن الأثير ١٣٧ ج٥.
١٧٦  ابن خلكان ٣٦٥ ج١.
١٧٧  ابن خلكان ١٦٥ ج١.
١٧٨  حلبة الكميت ٦٠.
١٧٩  المسعودي ١٨٧ ج٢.
١٨٠  المزهر ٨٣ ج١.
١٨١  المزهر ٢٧٨ ج١.
١٨٢  النجوم الزاهرة ٤٦٢ ج١.
١٨٣  الأغاني ١٦ ج١٣.
١٨٤  حلبة الكميت ٩٥.
١٨٥  الفخري ٣١٤.
١٨٦  المسعودي ١٤٢ ج١.
١٨٧  فوات الوفيات ١٤٣ ج٢.
١٨٨  ابن خلكان ١٠٧ ج٢.
١٨٩  الفهرست ٢٣٩.
١٩٠  الفهرست ٢٦٦.
١٩١  تراجم الحكماء (خط).
١٩٢  طبقات الأطباء ١١٦ ج١.
١٩٣  الفهرست ٢٤٠.
١٩٤  أبو الفداء ٥٠ ج١.
١٩٥  الفهرست ٢٤٢.
١٩٦  E. Brown’s Literary History of Persia, 167.
١٩٧  طبقات الأطباء ١٨٩ ج١.
١٩٨  تاريخ الحكماء (خط).
١٩٩  العقد الفريد ١٦٠ ج١.
٢٠٠  كشف الظنون ٣٩ و٤٣ ج١.
٢٠١  طبقات الأطباء ١١٣ ج١.
٢٠٢  الفهرست ٢٤٢ و٢٤٤.
٢٠٣  تراجم الحكماء.
٢٠٤  طبقات الأطباء ١٠٩ ج١.
٢٠٥  المسعودي ٣٦٤ ج٢.
٢٠٦  أبو الفرج ٢١٦.
٢٠٧  المسعودي ٢٦٤ ج٢.
٢٠٨  تراجم الحكماء (خط).
٢٠٩  ابن خلدون ٤٠١ ج١.
٢١٠  طبقات الأطباء ١٢٤ ج١.
٢١١  طبقات الأطباء ١٧٥ ج١.
٢١٢  أبو الفرج ٢٢٧.
٢١٣  الفهرست ٢٦٥ و٢٦٨.
٢١٤  ابن خلكان ٦٧٥ ج١.
٢١٥  الدميري ٧٢ ج١.
٢١٦  أبو الفداء ٣٣ ج٢.
٢١٧  المقريزي ٢٥٧ ج٢.
٢١٨  الشهرستاني ١٨ ج١.
٢١٩  الفهرست ٢٤٣.
٢٢٠  أبو الفرج ٢٣٦ وطبقات الأطباء.
٢٢١  طبقات الأطباء ١٣٨ ج١.
٢٢٢  طبقات الأطباء ١٨٥ ج٣.
٢٢٣  طبقات الأطباء ١٨٩ ج١.
٢٢٤  أبو الفرج ٢٥٣.
٢٢٥  طبقات الأطباء ٢٠٥ ج١.
٢٢٦  الفهرست ٢٦٤.
٢٢٧  الفهرست ٢٤٥.
٢٢٨  تراجم الحكماء (خط) وطبقات الأطباء.
٢٢٩  الفهرست ٢٤٣.
٢٣٠  طبقات الأطباء ١٨٧ ج١.
٢٣١  طبقات الأطباء ١٤٠ ج٢.
٢٣٢  رسائل شبلي في اللغة الهندستانية.
٢٣٣  كشف الظنون ٤٧ ج٢.
٢٣٤  البيان والتبيين ٤٠ ج١.
٢٣٥  طبقات الأطباء ٣٣ ج٢.
٢٣٦  الفهرست ٣٠٣.
٢٣٧  تراجم الحكماء (خط).
٢٣٨  الفهرست ٢٧٣.
٢٣٩  الفهرست ٣٠٥.
٢٤٠  تراجم الحكماء (خط).
٢٤١  كتاب الفلاحة النبطية (خط).
٢٤٢  الفهرست ٣١٢.
٢٤٣  الفهرست ٢٣.
٢٤٤  الفهرست ٢٤٢.
٢٤٥  ويقال أيضًا جورجيس بن جبرئيل.
٢٤٦  طبقات الأطباء ١٣٤ ج١.
٢٤٧  طبقات الأطباء ١٣٠ ج١.
٢٤٨  طبقات الأطباء ٢٣٤ ج١.
٢٤٩  طبقات الأطباء ١٦٥ ج١.
٢٥٠  أبو الفرج ٢٤٩.
٢٥١  طبقات الأطباء ٢١٦ ج١.
٢٥٢  طبقات الأطباء ١٥٧ ج١.
٢٥٣  طبقات الأطباء ١٧١ ج١.
٢٥٤  أبو الفرج ٢٥١.
٢٥٥  طبقات الأطباء ١٩٠ ج١.
٢٥٦  ابن خلكان ١٣ ج١.
٢٥٧  ابن خلكان ج٢.
٢٥٨  ابن خلكان ١٣٣ ج٢.
٢٥٩  طبقات الأطباء ١٣٨ ج١.
٢٦٠  تراجم الحكماء.
٢٦١  أبو الفرج ٣١٦.
٢٦٢  المسعودي ٢٦١ و٣٦٧ ج٢.
٢٦٣  أبو الفداء ٤٠ ج٢.
٢٦٤  تاريخ المشارقة «خط».
٢٦٥  أبو الفداء ٤٣ ج٢.
٢٦٦  المسعودي ٢٦٩ ج٢.
٢٦٧  نفح الطيب ٢١٧ ج١.
٢٦٨  نفح الطيب ٧٥٣ ج٢.
٢٦٩  طبقات الأطباء ٦٢ ج٢.
٢٧٠  طبقات الأطباء ٣٦ ج٢.
٢٧١  طبقات الأطباء ٥٠ ج٢.
٢٧٢  نفح الطيب ١٦٤ ج١.
٢٧٣  المسعودي ١٥٩ ج١.
٢٧٤  البيان والتبيين ١٥٤ ج٢.
٢٧٥  ابن خلكان ٢٥٨ ج١.
٢٧٦  كتاب البلدان للهمذاني.
٢٧٧  طبقات الأدباء ١٢٧.
٢٧٨  ابن خلكان ٤٨٣ ج١.
٢٧٩  المسعودي ٣٤١ ج٢.
٢٨٠  أبو الفداء ١٢٨ ج٢.
٢٨١  طبقات الأطباء ٢٥٥ ج١.
٢٨٢  الفخري ٢٧٤.
٢٨٣  ابن خلكان ٣٩٦ ج١.
٢٨٤  ابن خلكان ٧٨ ج٢.
٢٨٥  نفح الطيب ١٠١ ج١.
٢٨٦  نفح الطيب ٧٨٠ ج٢ وابن خلكان ٩٧ ج١.
٢٨٧  أبو المحاسن ٦٣٢ ج١.
٢٨٨  نفح الطيب ٧٢٩ ج٢.
٢٨٩  ابن خلكان ٣٩٦ ج١.
٢٩٠  نفح الطيب ٣٣١ ج١.
٢٩١  ابن خلكان ٢٩٧ ج١.
٢٩٢  نفح الطيب ٨٨٤ ج٣.
٢٩٣  ابن خلكان ٢٣٠ ج٢، وطبقات الأدباء ١٠٥.
٢٩٤  طبقات الأطباء ١٣٤ ج٢.
٢٩٥  كشف الظنون ٤٤٨ ج١.
٢٩٦  ابن خلكان ١٣٤ ج٢.
٢٩٧  اليعقوبي ٥٤٦.
٢٩٨  تراجم الحكماء (خط).
٢٩٩  طبقات الأطباء ٤٠ ج٢.
٣٠٠  طبقات الأطباء ٧٦ ج٢.
٣٠١  نفح الطيب ١٠٤.
٣٠٢  القانون ١٠٧ ج١.
٣٠٣  القانون ٨٤ ج١.
٣٠٤  طبقات الأطباء ٢٢٢ ج١.
٣٠٥  طبقات الأطباء ١٩٢ ج١.
٣٠٦  طبقات الأطباء ١٤٠ ج٢.
٣٠٧  أبو الفرج ٢٤٤.
٣٠٨  طبقات الأطباء ٧٠ ج٢.
٣٠٩  طبقات الأطباء ١٢٣ ج١.
٣١٠  القانون ٢١ ج٣.
٣١١  طبقات الأطباء ٢٤٦ ج١.
٣١٢  طبقات الأطباء ٢٣٢ ج١.
٣١٣  ابن خلكان ٣١٢ ج١، والإنسكلوبيديا.
٣١٤  طبقات الأطباء ١٨٣ ج١.
٣١٥  Encyclopaedia Brit. Art. “Medicine”.
٣١٦  ابن الأثير ١٥١ ج٧.
٣١٧  الهلال. السنة العاشرة صفحة ٨٧.
٣١٨  كشف الظنون ٣٤١ ج٢.
٣١٩  طبقات الأطباء ٣٣ ج٢.
٣٢٠  طبقات الأطباء ٢١٩ ج٢.
٣٢١  المقريزي ٤٠٥ ج٢.
٣٢٢  ابن خلكان ٤٩٥ ج١.
٣٢٣  الكشكول ٢١٣.
٣٢٤  طبقات الأطباء ١٧٤ ج١.
٣٢٥  الفهرست ٢٤٥.
٣٢٦  المقريزي ٤٠٥ ج٢.
٣٢٧  طبقات الأطباء ٢٣٤ ج١.
٣٢٨  طبقات الأطباء ٢٢٢ و٢٢٤ ج١.
٣٢٩  طبقات الأطباء ١٥٥ ج٢.
٣٣٠  ابن خلكان ٢٧٤ ج١ وتراجم الحكماء.
٣٣١  الفرج بعد الشدة٩٠ ج١.
٣٣٢  الفهرست ٢٧٩.
٣٣٣  أبو الفرج ٥٠١.
٣٣٤  ابن خلدون ٤٥٧ ج١.
٣٣٥  أبجد العلوم ٣٤٢.
٣٣٦  أبجد العلوم ٣٤٢.
٣٣٧  كشف الظنون ٥٧٢ ج١.
٣٣٨  فوات الوفيات ١٥١ ج١.
٣٣٩  أبو الفرج ٢٠٧.
٣٤٠  ابن خلكان ٣٧٥ ج١.
٣٤١  فوات الوفيات ١٤٩ ج٢.
٣٤٢  كشف الظنون ١٣ ج٢.
٣٤٣  أبجد العلوم ٣٤٢.
٣٤٤  تراجم الحكماء.
٣٤٥  ابن خلكان ١٨٥ ج٢.
٣٤٦  القبة الزرقاء ٥.
٣٤٧  البيروني ٣٥٧.
٣٤٨  أبو الفرج ٣٢٥.
٣٤٩  طبقات الأطباء ٣٠٦ ج١.
٣٥٠  القبة الزرقاء ٥.
٣٥١  البيان والتبيين ٢١٣ ج١.
٣٥٢  راجع كتابنا «الفلسفة اللغوية»، الطبعة الثانية ١١٦.
٣٥٣  تراجم الحكماء (خط).
٣٥٤  طبقات الأطباء ٩٣ ج٢.
٣٥٥  تراجم الحكماء.
٣٥٦  ابن خلكان ٦٦ ج١.
٣٥٧  حلبة الكميت ١٨٠.
٣٥٨  حلبة الكميت ٦٣.
٣٥٩  نفح الطيب ١٦٣ ج١.
٣٦٠  الأغاني ٢٠ ج١.
٣٦١  ابن خلكان ٧٧ ج٢.
٣٦٢  نفح الطيب ٧٨٣ ج٢.
٣٦٣  Encyclopaedia Birt. art. Al-Mamun.
٣٦٤  ابن خلكان ٤٨٢ ج١.
٣٦٥  السيوطي ١٨٥ ج٢.
٣٦٦  ابن خلكان ٢٨٧ ج١.
٣٦٧  سراج الملوك ٢٦٧.
٣٦٨  الخطط التوفيقية ٨٧ ج١.
٣٦٩  الشقائق النعمانية ١٠٤ ج٢.
٣٧٠  Ameer Ali’s Short History of the Saracens, 627.
٣٧١  نفح الطيب ١٠٤ ج١.
٣٧٢  الفهرست ٢٩٩.
٣٧٣  طبقات الأطباء ٢٣ ج٢.
٣٧٤  الفهرست ٥.
٣٧٥  الفهرست ١٠٥.
٣٧٦  ابن الأثير ١٤٥ ج١٠، ومعجم ياقوت ٧٩٩ ج١.
٣٧٧  طبقات الأدباء ٤١٢، وابن خلكان ٣٥٠ ج٢.
٣٧٨  ابن خلدون ١٤٦ ج٤.
٣٧٩  ابن خلدون ١٤٦ ج٤.
٣٨٠  نفح الطيب ١٨٣ و١٨٦ ج١.
٣٨١  نفح الطيب ٢١٨ ج١.
٣٨٢  المقريزي ٤٠٨ و٤٠٩ ج١.
٣٨٣  تراجم الحكماء.
٣٨٤  ابن خلكان ٣٣٨ ج١.
٣٨٥  ابن خلدون ٨١ ج٤.
٣٨٦  ابن خلدون ٧٩ ج٤ (ويسميها دار المعرفة).
٣٨٧  ابن خلكان ١٢٨ ج٢.
٣٨٨  Gibbon’s Roman Empire. II, 505.
٣٨٩  معجم ياقوت ٥٠٩ ج٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠