الفصل الثالث

تبلور الحركة التقدمية: ١٩٠١–١٩٠٨

كانت الانتخابات الرئاسية التي أُقيمت في عام ١٩٠٠ جولةً أخرى من المُنافَسَة بين مرشحَي الانتخابات السابقة عام ١٨٩٦ أنفسهما: مرشح الحزب الجمهوري ويليام ماكينلي، ومرشح الحزب الديمقراطي ويليام جيننجز برايان. لكن هذه المرة تفوَّق ماكينلي بنحوٍ أكبر وتأخَّر برايان قليلًا. من بين أسباب ذلك أن برايان لم يَحظَ بترشيح حزب الشعب كما في المرة السابقة في عام ١٨٩٦، والأهم من ذلك أن ماكينلي استفاد من حالة الاقتصاد الذي بدأ في التعافي والابتهاج الذي شعر به الكثير من المصوِّتين بعد الانتصار في الحرب الإسبانية. كما استحوذ الجمهوريون على مقاعد في مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وبنحو عام عزَّزوا الأغلبية التي تمتَّعوا بها منذ عام ١٨٩٤. وأصبحتِ النزعة المحافِظة — التي تَعنِي دعم شركات السكك الحديدية والمصانع والمؤسسات التجارية الأخرى وليس تنظيمها — أشد رسوخًا في الأجهزة الرقابية بالبلاد عن أي وقت مضى.

كان من المستحيل أن يتوقَّع أحد إلى متى كان سيستمر نهج ماكينلي المحافظ؛ لأن ليون شولجوس — الذي وُلد في ولاية ميشيجان وآمَن بالفوضوية التي تعلَّمها بنفسه — أَطلَق الرصاص عليه في السادس من سبتمبر عام ١٩٠١، في معرض البلدان الأمريكية بمدينة بافالو، وبقي ماكينلي على قيد الحياة لبضعة أيام ثم مات. جلب نائب الرئيس ثيودور روزفلت — الذي لم يكمل عامه الثالث والأربعين حينها، وكان أصغر سنًّا وأكثر نشاطًا على المستوى البدني والعقلي من أي رئيس سبقه — عهدًا سياسيًّا جديدًا للبيت الأبيض يلائم القرن الجديد. اجتذب روزفلت خلال فترة تولِّيه الرئاسة التي امتدَّتْ لثَمَاني سنوات تقريبًا أغلب الأمريكيين إليه بحماسته الشديدة وأخلاقياته وخوضه في مجموعة كبيرة من القضايا، واستخدامه للبيت الأبيض باعتباره «المنصة الرائعة» خاصته؛ أي المنبر المثالي للترويج لبرامجه. وصَفَه صديق له بأنه مزيج رائع من «القديس فيتوس والقديس بولس». كان روزفلت من المؤمنين بشدة بتفوق «العِرْق الأنجلوساكسوني»، شأنه شأن الكثير من الأمريكيين البِيض حينذاك، وفيهم المُصلِحون الواسعو الاطلاع، لكنه أُلْهِم الكثير من الإصلاحات وقادَها أيضًا. وبنهاية السنوات الثمانية التي أمضاها في الرئاسة الأمريكية، تبلورت الحركة التقدمية كحركة متعدِّدة الأوجه. لم يكن روزفلت السبب الأوحد وراء ذلك، بل ساهم الحشد المتزايِد من العامِلِين بمراكز التكافل الاجتماعي، والصحفيين الكاشفين للفساد والقساوسة المُتفانِين، والأكاديميين وأعضاء النقابات العمالية — الكثير منهم كانوا من النساء — في نسج العديد من الخيوط المُبكِّرة للإصلاح التي ستتضافر معًا فِيمَا بعدُ لتشكِّل الحركة التقدمية الناضجة. لكن الحركة برمَّتِها احتاجَتْ إلى نسَّاج قائد. لعب برايان ذلك الدَّوْر مع أتْبَاعه من مؤيدي الإصلاح الزراعي. أما ثيودور روزفلت، رجل المدينة في منطقة الشمال الشرقي الذي دفعتْه الظروف لتولِّي منصب الرئاسة، فقد لعب ذلك الدَّوْر مع جمهور ناخبين حضري متشكِّك وبلا قائد حتى تلك اللحظة. من الصعب تخيل كيف كان يمكن للحركة التقدمية أن تنضج في غياب ثيودور روزفلت الذي أقنع المتشكِّكين وأزْعَجَ المحافِظِين وقاد عملية النسج.

إن قائمة الإنجازات التي حقَّقتْها إدارة روزفلت الأولى، من سبتمبر عام ١٩٠١ إلى مارس عام ١٩٠٥، قليلة على نحو يُثِير الدَّهْشة؛ ففِي رسالته السنوية الأولى للكونجرس في ديسمبر عام ١٩٠١ (الخطاب الذي يُعرَف في وقتِنا الحاضر بخطاب «حالة الاتحاد»، والذي كان يُبعث إلى الكونجرس لكن لا يقرؤه الرئيس في الواقع أمامَه حتى بدأ وودرو ويلسون في فعل ذلك عام ١٩١٣)، دعا ثيودور روزفلت إلى «صفقة عادلة» تتألَّف من قوانين جديدة (ليست كثيرة العدد) وتطبيقٍ أكثر صرامة للقوانين الحالية ذات الصلة بالاتحادات الاحتكارية والاحتكارات، وتجريم الخصومات التي كانت تمنحها شركات السكك الحديدية لعملائها المفضَّلين مثل شركة ستاندرد أويل، والاعتراف بأن المنظمات العمالية يجب أن تُعامَل بشيء من الإنصاف بدلًا من كبْتها باستمرار من قِبَل القوات الفيدرالية أو الخاصة بالولايات أو المحاكم. بدأت وزارة العدل في حكومته في الملاحقة القضائية للاتحادات الاحتكارية، وسيصل عدد قضايا مكافحة الاحتكار في النهاية إلى أربع وأربعين قضية. استغرق الكونجرس بعض الوقت، ولكن بحلول عام ١٩٠٣ مرَّر بالفعل قانون إلكنز، الذي يحظر الخصومات.

أنشأ الكونجرس أيضًا، بضغط من روزفلت، وزارة جديدة للتجارة والعمل، معطيًا الاثنين قدرًا متساويًا من الأهمية للمرة الأولى. ضمت هذه الوزارة «مكتب الشركات»، الذي شرع في إصدار تقارير رسمية حول أنشطة الشركات، بعضها قدَّم أدلة تستطيع وزارة العدل بناءً عليها مباشرةَ دعاوَى مكافَحة الاحتكار خاصتها. وفي عام ١٩١٥ جرى توسيع نطاق هذا المكتب وتغيير اسمه إلى لجنة التجارة الفيدرالية، والتي لا تَزَال موجودة حتى الآن.

لكن بعيدًا عن هذه القوانين والمبادرات، مارَسَ روزفلت قيادة تنفيذية حازمة. واستكمالًا لما أطلق عليه «حركة الدمج»، أسَّس عددٌ من كبار رجال الأعمال في مجال المال والسكك الحديدية — جيمس جي هيل من شركة نورذرن باسيفيك، وإي إتش هاريمان من شركة يونيون باسيفيك، وجيه بي مورجان وجون دي روكفلر — اتحادًا احتكاريًّا ضخمًا أَطلَقوا عليه اسم شركة نورذرن سيكيوريتيز، بهدف جمع خطوط بيرلينجتون ونورذرن باسيفيك وجريت نورذرن وغيرها من خطوط السكك الحديدية تحت لواء إدارة واحدة. كان من المفترض أن يُسفِر ذلك عن احتكارٍ شبْهِ تامٍّ للنقل عبرَ السِّكَك الحديدية في الربع الشمالي الغربي من البلاد، لكنَّ الاحتجاج الشعبي كان كبيرًا؛ فأعطى روزفلت، الذي لم يمرَّ على تولِّيه الحكم سوى خمسة أشهر، تعليماتِه إلى النائب العام فيلاندر سي نوكس بإقامة دعوى قضائية بموجب قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار لعام ١٨٩٠ لحل ذلك الاتحاد. وفي ذلك الوقت، كانت المحكمة العليا قد قوَّضتْ قانون شيرمان، لكن في عام ١٩٠٤، قَضَتْ تلك المحكمة بالفعل، بحكم خمسة أصوات مقابل أربعة، لصالح الحكومة وضد شركة نورذرن سيكيوريتيز؛ ومِن ثَم لصالح الشعب.

أوضح روزفلت أنه من وجهة نظره ليست جميع الشركات، أو حتى جميع الاتحادات الاحتكارية، سيئة؛ بل كان هناك بعض «الاتحادات الاحتكارية الجيدة»، وفي رسالته الأولى إلى الكونجرس في ديسمبر عام ١٩٠١، شرح روزفلت الفارق، قائلًا:

إن قادة الصناعة الذين قادوا نظم السكك الحديدية عبر أرجاء القارة، والذين بَنَوْا تجارتنا، وطوَّروا مصانعنا، قد أسْدَوْا صنيعًا رائعًا في المجمل لشعبنا … إن آلية عمل التجارة الحديثة دقيقة للغاية لدرجة تستوجب توخِّي الحَذَر الشديد كي لا نَعتَرِض سبيلَها في أجواء من التهور أو الجَهْل … إلا أنه من الصحيح أيضًا أن ثمة شرورًا حقيقية وخطيرة … ولا بد من بذل جهد حازم وعملي لتصويب تلك الشرور.

بدا للشخصية الخيالية الشهيرة السيد دولي أن روزفلت قال في خطابه إن تلك الاتحادات الاحتكارية إنما هي «وحوش مُخيفة … أوجدتْها مؤسسات مستنيرة» ينبغي «سحْقُها تحتَ الأقدام … ولكن ليس بسرعة كبيرة.» سعى ثيودور روزفلت لتنظيم الشركات بين الولايات وفحص طريقة عملها وإظهارها للعَلَن، وكانتِ النتيجة إنشاء مكتب الشركات (١٩٠٣) الذي مهمَّتُه مُراقَبة عمل الشركات وملاحقات قضائية موجَّهة بعناية لمكافحة الاحتكار. لم يُعجِب ذلك التوجُّه الحَذِر العديدَ من التقدميين الأوائل، مثلما أغضبتِ الملاحقات القضائية الكثيرَ من رجال الأعمال، لكن كان من الجليِّ أن الموقف الذي تبنَّاه كليفلاند وماكينلي الخاص بإطلاق يد الشركات وعدم محاسبتها أصبح ضربًا من الماضي.

وكانت الخطوة التي لفتت الانتباه وحازتْ على الرضا الشعبي بقدْرٍ أكبر هي تدخُّل روزفلت في أواخر عام ١٩٠٢ لإنهاء إضرابٍ عماليٍّ امتدَّ لستة أشهر نظَّمه عمال مناجم الفحم الصلب في بنسلفانيا. طالَبَ عمال المناجم الذين مثَّلهم اتحاد عمال المناجم المتحدين بالاعتراف بهم كنقابة، وثماني ساعات عمل يوميًّا، ومن ١٠ إلى ٢٠ في المائة زيادة في الأجور. تصرف رئيس الاتحاد جون ميتشل على نحو استرضائي وتوافقي، على النقيض تمامًا من الصورة النمطية للمُضرِب عن العمل الثائر والمتطرف التي روَّجها المحافظون وإدارات الشركات. وفي المقابل، زعم جورج إف بير، رئيس إحدى شركات السكك الحديدية الكبرى، والمتحدث باسم أصحاب المناجم، أن «العامل الكادح ستجري حمايته والاعتناء به، ولكن ليس من قِبَل مُثِيري الشغب من العمال، بل من قِبَل أصحاب الأعمال المسيحيين الذين وَهَبَهم الرب السيطرة على حقوق الملكية بالبلاد.» وأعلن فيما بعدُ أن «هؤلاء العمال لا يعانون، بل إنَّ نِصْفَهم لا يتحدَّث الإنجليزية.»

لا شك أن انتصار العلاقات العامة حقَّقه ميتشل متغلبًا على بير ورفاقه الرأسماليين، وحقَّقه كذلك ثيودور روزفلت الذي عيَّن لجنة عادلة (وناجحة) تمكَّنت من إنهاء الإضراب مباشرة قبل بداية ما أنذر أنه شتاء قارس البرودة. مجددًا، تفادَى الرئيس بحَذَر أيَّ محاولات للراديكالية. لم يدعم الرئيس الاعتراف بالاتحاد، ولم يحصل الاتحاد على ذلك، لكنه تدخل في نزاع عمالي-رأسمالي مهم بطريقة متوازنة على النقيض للغاية من أسلافه الذين كانوا يبادرون على الفور بإرسال قوات لفض الإضراب. أعلن روزفلت أنه يدعم الطبقة الوسطى والعمال المخلِصين والمنتِجين في مواجهة الاحتكاريين. وهنا خاطَب أحد أكثر المعتقدات الراسخة لدى الشعب الأمريكي — وهو الإنصاف — والذي كان أشد رسوخًا من النزعة الفردية المؤيِّدة لمبدأ عدم التدخل.

يُنسَب لروزفلت الفضل في أشياء عظيمة، لكن في فترة ولايته الأولى اقتصرتِ الإنجازات الحقيقية على قضايا مكافحة الاحتكار (وأشهرها الخاصة بشركة نورذرن سيكيوريتيز)، وتأسيس مكتب الشركات وتدخله في إضراب عمال مناجم الفحم الصلب. لكن ما السبب في هذا التباين بين الإنجازات (القليلة) والصِّيت (الكبير)؟ إنه يكمن في الاختلاف بين موقف روزفلت تجاه الاحتكارات، وتجاه المنظمات العمالية، وتجاه التدخل الحكومي بهدف الإصلاح، من جهة، وموقف أسلافه في العصر المُذهب تجاه هذه الأمور نفسها من جهة أخرى. مثَّل الرئيس الشاب — الذي كان في السادسة والأربعين من عمره فقط عندما انتهتْ ولايته الأولى — للشعب الأمريكي توجهًا جديدًا يبتعد كثيرًا عن السياسات الموالية للشركات الكبيرة والمناهضة للعمال التي كانت سائدة في الماضي. لم يكمن التغيير في الإجراءات وحسب، بل قطعًا في الأسلوب أيضًا. كان روزفلت بالفعل قد سطر لنفسه سيرة ذاتية مُثيرة للإعجاب ومتنوعة قبل عام ١٩٠١؛ فقد أدار مزرعة في إقليم داكوتا، وألَّف عدة كتب في التاريخ، وطاف شوارع نيويورك أثناء تولِّيه منصب مفوض الشرطة بها، وقاد كتيبة عسكرية في حرب كوبا، وغير ذلك الكثير. أضفى روزفلت — الذي تمتَّع بدعم زوجته إديث، حافظة أسراره القربى إليه، وطرائف أطفالهما الصغار الكثيرين — جوًّا حماسيًّا على البيت الأبيض الذي اتسم بالقتامة في السابق، فكان أشبه بالرونق الساحر المرتَبِط بآل كيندي الذي ظهر بعدَه بستين عامًا. قيل عن سالفه الذي تولَّى الرئاسة من عام ١٨٨٩ إلى ١٨٩٣، بنجامين هاريسون، إنه امتلك شخصية «موحشة ككهف مهجور.» أما روزفلت وإديث، وحاشيتهما، فكانوا مختلفين تمامًا؛ مثيرين للحماسة والبهجة والدهشة.

fig2
شكل ٣-١: ثيودور روزفلت وإديث كارو روزفلت يجلسان لالتقاط صورة عائلية في حديقة منزلهما بأويستر باي، لونج آيلاند، في عام ١٩٠٣. تقف ابنة روزفلت أليس (أليس لونجورث بعد زواجها) من زيجته الأولى في الخلف.

في سنواته اللاحقة التي سادها الإحباط، اتسم روزفلت أحيانًا بحِدَّة الطَّبْع وسرعة الغضب، لكن حين كان في البيت الأبيض كان بطلًا حقيقيًّا في أعين الكثيرين. وعند مقارنته ببرايان (خطيب نهر بلات الشاب) كانت نشأته كأحد أفراد الطبقة العليا بين نيويورك وجامعة هارفرد أقل إفزاعًا بكثير لسكان المدن من الطبقة الوسطى. وعند مقارنة إداراته بالإدارات الليبرالية والتقدمية اللاحقة له، تبدو إنجازاته ضئيلة، بل ومُبالَغًا في تقديرها. إلا أنه في سياق تاريخ العصر المُذهب والحرية الكاملة التي تمتعت بها الشركات الكبرى بعد الحرب الأهلية، مثَّل ثيودور روزفلت روحًا جديدة، وأدت إجراءاته، على الرغم من قِلَّتها، إلى حب ملايين الناس له.

استجاب له الشعب بمَنْحِه فترة ولاية أخرى كرئيس للبلاد في انتخابات عام ١٩٠٤. حاز روزفلت على ٦٠ في المائة من التصويت الشعبي للحزبين، وحَظِيَ بأغلبية جمهورية بنسبة اثنين إلى واحد تقريبًا بمجلس النواب وأغلبية آمِنة جدًّا أيضًا في مجلس الشيوخ. شعر روزفلت الذي انتُخب الآن «لجدارته» بأنه قادر على أخذ مكانة أبرز كزعيم إصلاحي، مع تحرُّره أكثر من قيود أقطاب الحزب المحافِظين، وكذلك قيود الحاجة إلى جمع أموال لحملته الانتخابية. استطاع ثيودور بتهديده البارِع للحرس القديم بحزبه بأنه سيؤيد تخفيض التعريفات الجمركية — الأمر الذي كان من شأنه تهديد الكثير من المصالح الخاصة الرأسمالية التي كانوا يمثلونها — ضمانَ تنفيذ عدة إجراءات كانت بعيدة المَنَال في تسعينيات القرن التاسع عشر.

بعد الانتخابات مباشرة، وبدايةً من رسالته السنوية إلى الكونجرس في ديسمبر عام ١٩٠٤ واستمرارًا على مدى السنوات الأربع التالية، اتَّجه روزفلت تدريجيًّا وبوضوح أكبر نحو اليسار. كان التوجُّه الإصلاحي من شتَّى الأنواع قد بدأ في الظهور، وكان الرئيس قائدًا ومناصرًا على حدٍّ سواء لذلك التوجه. أوصى الرئيس بأن يعزز الكونجرس من فاعلية لجنة التجارة بين الولايات إلى الحدِّ الذي يَسمَح لها بتحديد رسوم السكك الحديدية؛ رأى المحافظون في ذلك خرقًا غير مقبول لحقوق الملكية، أما ناقلو البضائع (ومِن بينِهم المزارعون وأصحاب الأعمال الصغيرة)، فاعتبروا ذلك استردادًا آخَر صريحًا للعدالة. ذكر روزفلت أن النقابات العمالية كانت «من بين أكثر العوامل المؤثرة التي صبَّتْ في صالح المواطنة الصالحة.» لكنه نبَّه في حَذَر إلى أنه يجب على تلك النقابات أن تتجنَّب «العنف أو الوحشية أو الفساد»، ورفض قبول فكرة اشتراط بعض الشركات أن يكون كافة العاملين بها أعضاءً بنقابة ما. ومجددًا طالب الكونجرس بتمرير قانون مسئولية صاحب العمل في منطقة كولومبيا، ومن أجل السلامة، قصر ساعات العمل إلى ثماني ساعات في مُنَاوَبة العمل الواحدة للعمال بالسكك الحديدية بين الولايات. وفي عام ١٩٠٦، دعم روزفلت قانونًا للتجنيس وحَّد عملية التجنيس ورسخ إجراءات على المستوى الوطني تتولَّاها إدارة الهجرة والتجنيس الجديدة؛ وهي خطوة هَدَفَتْ إلى الإشراف على عملية توافد مئات الآلاف من المهاجرين الجُدُد الذين يَصِلون كل عام، وليس لإعاقتها.

وفي استجابة للالتماسات القوية من جانب المُصلِحين في مجالات العدالة الاجتماعية والصحة العامة مثل فلورنس كيلي من رابطة المستهلكين الوطنية وقادة اتحاد النقابات العمالية النسائي الوطني واللجنة الوطنية لعمالة الأطفال، دعا روزفلت لتوفير معلومات أكثر حول ظروف عمالة الأطفال وممارسات صناعة تعبئة اللحوم. أراد روزفلت أن تتمتع لجنة التجارة بين الولايات بسلطة خفض رسوم السكك الحديدية لدى شكوى شاحن البضائع. كما أنه ناصَرَ الهجرة «من النوع الصحيح» — الأفراد المجتهدين والمقتصدين — ولم يطالب بوضع اختبارات خاصة بالإلمام بالقراءة والكتابة أو غيرها من المطالب المفضَّلة لدى أنصار تقييد الهجرة.

نادى روزفلت، في سنوات حكمه السابقة واللاحقة، بسياسة خارجية قوية، وزيادة القوة البحرية، ومواصلة العمل في قناة بنما. وورد أشهر أقواله عن الشئون الخارجية في رسالته إلى الكونجرس في ديسمبر ١٩٠٤؛ وهو ذلك الخاص ﺑ «مبدأ القوة البوليسية» الشهير المكمل لمبدأ مونرو:

إن الممارسات الخاطئة المستمرة، أو الضعف الذي يُسفِر عن انفراط عام لعِقْد المجتمع المتحضر، قد يتطلب، في أمريكا وسائر المناطق الأخرى، في النهاية تدخُّلًا من قِبَل أمة متحضرة، أما عن نصف الكرة الأرضية الغربي، فقد يرغمنا التزام الولايات المتحدة بمبدأ مونرو، رغم أن ذلك قد يكون على مضض، في حالات سافرة لتلك الممارسات الخاطئة أو الضعف، إلى ممارسة دور بوليسي لحفظ النظام الدولي.

بعبارة أخرى، ستقرر الولايات المتحدة بمفردها مَن يقوم بتلك «الممارسات الخاطئة» وأين ومتى، وتعطي لنفسها حق استعادة النظام. صحيح أن مبدأ روزفلت قد نُبِذ في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، لكنه برَّر في تلك الأثناء العديدَ من التدخلات الواسعة في الجمهوريات الكاريبية، وجعلها «دولًا تحت الوصاية» الأمريكية. وأعلن روزفلت أنه «سيتحرك برفق وهو يحمل عصًا غليظة»، ومن خلال قبوله النقابات العمالية والمؤسسات التجارية على حد سواء (إذا أحسنت التصرف)، عبَّر عن قِيَم الطبقة الوسطى وخاطَبَها. وبفعله ذلك، حَظِي بدعمٍ وافرٍ من قطاع عريض من الشعب.

بعد مرور عام، سلَّم ثيودور روزفلت رسالة سنوية أخرى إلى الكونجرس. لم يتخذ الكونجرس سوى خطوات قليلة بشأن بعض توصياته السابقة، فطَالَبَه روزفلت مجددًا بتنظيم رسوم السكك الحديدية، ووضْع حدٍّ للخصومات، وتحديد مسئوليات صاحب العمل عن إصابات العمال في منطقة كولومبيا وفي أحواض بناء السفن؛ حيث كانت السلطة القضائية الفيدرالية (وليست الخاصة بالولاية) لها اليد العليا. صرح روزفلت: «إن الشركات أُنشِئت كي تَبقَى، كما أن النقابات العمالية أُنشِئت كي تَبقَى.» أعلنت رسالة عام ١٩٠٥ أيضًا أن وزارة التجارة والعمل ستحقق ليس فقط في الممارسات الخاصة بعمالة الأطفال، بل أيضًا في ظروف عمل النساء؛ وهي القضية التي ساقتها إليها العاملات بمراكز التكافل الاجتماعي اللائي يُمثِّلْنَ العاملات في تعبئة اللحوم وغير ذلك من المجالات الصناعية ممَّن يَجِدْنَ صعوبة كبيرة في إنشاء نقابات عمالية خاصة بهنَّ. كما جدَّد دعوته لتخفيض التعريفات الجمركية. وفي ذلك الوقت تقريبًا (عام ١٩٠٨)، أصدرت المحكمة العليا حكمًا لصالح قانون خاص بولاية أوريجون يحدد عدد ساعات العمل للنساء. كانت هذه القضية، «مولر ضد ولاية أوريجون»، ذات طابع تقدمي على نحو غير مألوف للمحكمة العليا في تلك الفترة، لكن الأدلة الواقعية التي جمعتْها جوزفين جولدمارك من اتحاد المستهلكين الوطني ودافَع عنها لويس دي برانديز، المحامي الذي مثل ولاية أوريجون، نجحت في إقناع المحكمة. وبدأت بشائر الدعم القانون والتشريعي لحقوق العاملات واحتياجاتهن في الظهور.

وفي عام ١٩٠٦، أدرك أعضاء الكونجرس المنتمون إلى الحزب الجمهوري، والخائفون من تخفيض التعريفات الجمركية، أن شعبية ثيودور روزفلت كافية لتوليد ضغط شعبي يُلزِم بتمرير أي شيء يراه الرئيس. كان روزفلت يؤسس للرئاسة الحديثة، التي تدعمها وسائل الإعلام الموجودة في عهده. وفي النهاية صادَق الكونجرس على القانون الخاص بمسئولية صاحب العمل الذي تقدم به روزفلت لحماية العمال في منطقة كولومبيا وفي وسائل النقل الشائعة (على رأسها السكك الحديدية) في التجارة بين الولايات. أثَّر القانون الجديد الشديد الأهمية على قطاع السكك الحديدية، وسرعان ما عرف القانون باسم قانون هيبورن (على اسم عضو الكونجرس عن ولاية أوهايو الذي أعدَّ مسوَّدتَه)، والذي خوَّل لِلَجنة التجارة بين الولايات سلطة خفض رسوم السكك الحديدية لدى شكوى شاحن البضائع، كما أنه عزز من سلطة اللجنة بطرق أخرى. أُجيز القانون في مايو عام ١٩٠٦ بعد نزاع مرير مع الكونجرس، انطوى على تهديدات من روزفلت بمناصرته تعديل التعريفات الجمركية، التي كسرت في النهاية تعنُّتَ نيلسون ألدريتش (عضو الحزب الجمهوري بمجلس النواب بولاية رود آيلاند ثم رئيس اللجنة المالية بمجلس الشيوخ) وغيره من أنصار شركات السكك الحديدية من أعضاء مجلس الشيوخ. كذلك ناشد روزفلت الشعب للضغط على نوابهم متجاهلًا أعضاء الكونجرس. رغم ذلك لم يَنَلِ القانون رضا بعض المُصلِحين، وفيهم عضو مجلس الشيوخ روبرت إم لافوليت عن ولاية ويسكونسن، لكنه كان قانونًا إصلاحيًّا على أي حال.

وبعد مرور شهر، تم تمرير قانونين آخرين غاية في الأهمية. كان وراء ذلك القانونين الجمعيات النسائية والمدافعون عن الصحة العامة والمجموعات القوية من الشرفاء في الجماعات الإصلاحية المتنامية؛ وذلك لأنهم دَعَوْا بوضوح شديد لوجود معاملة لائقة لجموع المستهلكين في مواجهة جَشَع الشركات. وهذان القانونان هما قانون فيدرالي لفحص اللحوم، وتلاه «قانون الغذاء والدواء النقي». هدفَ الأول إلى فرض معايير للنظافة في عملية تعبئة اللحوم، أما القانون الثاني ففرض قيودًا على بيع الأدوية المسجلة التي تُباع بدون وصفة طبية، والتي كان كثير منها يشتمل على مواد مخدرة وكحول. كان روزفلت يمارس ضغوطًا منذ فترة لإصدار قانون فحص اللحوم، واكتسبت جهوده زخمًا حين نشر الكاتب الإصلاحي أبتون سينكلير رواية «الغابة» التي فضح فيها الأوضاع القَذِرة بحظائر الماشية. ومجددًا الْتَقَى الضغط الشعبي مع اهتمام الرئيس. مارست فلورنس كيلي واتحاد المستهلكين الوطني ضغطًا قويًّا لخروج قانونَيْ حماية المستهلك هذين، كما كافح اتحاد النقابات العمالية النسائي الوطني النشط في شيكاجو ونيويورك وبوسطن وغيرها لإلغاء عمالة الأطفال، وتخصيص معاشات للأمهات، وإقرار نظام تعليم إلزامي، وتحسين أوضاع العاملات في المصانع وأجورهن. وعلى الرغم من أن النساء حَصَلْنَ على حق الانتخاب على المستوى الوطني بعد سنوات من ذلك الوقت، واحتَجْنَ إلى ذلك لتحقيق برامجهن الإصلاحية، فقد مثَّلنَ قوة فاعلة من خلال منظماتهن والتعاون مع قادة مراكز التكافل الاجتماعي وعلماء الاجتماع ورجال الدين وغيرهم.

شهد عام ١٩٠٦ إحراز تقدم، إلا أنه لا يضاف إلى سجل الحركة التقدمية. طالب ثيودور روزفلت بتشريع يحمي العمال من الأطفال والنساء، لكن هذا لم يتحقق. حافظ الجمهوريون على سيطرتهم على مجلسَيِ الكونجرس في انتخابات عام ١٩٠٦، وكذلك استبْقَى الحَرَسُ القديمُ من المحافظين على زمام الأمور في أيديهم، إلا أنه في بضع ولايات ودوائر انتخابية، أزاح مرشحون إصلاحيون المحافظين من مقاعدهم. وبدأتِ البوادر الأولى للحركة التقدمية السياسية في الظهور. مع هذا، وعلى حدِّ صياغة أحد كُتَّاب السيرة الذاتية لروزفلت مؤخرًا: «مع توجُّه روزفلت نحو اليسار سياسيًّا، وجد أنه ينسلخ عن طبقة الأثرياء التي يَنتَمِي إليها … فقرَّر أن الضرائب الفيدرالية على التركات والدخل أمور ضرورية … وستكون أمريكا أفضل حالًا إذا وظفت الثروات الطائلة للصالح العام.»

وعلى مدى العامَيْن التاليَيْن، استمرت المسافة بين روزفلت والحرس القديم في التباعد، لا سيما نتيجة جهاده الذي لا يَلِين من أجل إجراءات المحافظة على البيئة واستصلاح الأراضي. دعم روزفلت قانون نيولاندز لاستصلاح الأراضي لعام ١٩٠٢، والذي سُمِّيَ كذلك تيمُّنًا بعضو مجلس النواب عن الحزب الديمقراطي بولاية نيفادا الذي طرحه، والذي أصبح ميثاق الزراعة المروية والأشغال العامة في الغرب. وبمرور الوقت، زاد ذلك القانون بدرجة هائلة من المساحات الزراعية المحتملة، وفي نهاية المطاف، من الطاقة الكهرومائية والمواقع الترويحية. يَرَى المؤرخون أن قانون نيولاندز أهم تشريع فيدرالي تم تمريره فيما يتعلق بالغرب، ولم ينافسه فقط سوى قانون الاستثمار الريفي لعام ١٨٦٢. كان أساس إنشاء «السدود الكبرى» في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته — هوفر وشاستا وجراند كولي وفورت بيك وغيرها الكثير — هو قانون نيولاندز.

وبين عامَيْ ١٩٠٢ و١٩٠٩ — عندما ترك الرئاسة — بذل روزفلت جهودًا أكبر بكثير من أجل الحفاظ على الطبيعة؛ فقد أضاف روزفلت ١٧ مليون فدان إلى محميات الغابات الوطنية، وهو الأمر الذي أثار غضب المطورين العقاريين الغربيين (على غرار «تمرد الميرمية» في عهد ريجان بعد سبعين عامًا من ذلك التاريخ) الذين أرادوا الاستئثار بالأملاك العامة ومواردها لخدمة مصالحهم الخاصة. أنشأ روزفلت، بموجب إعلانات وقرارات تنفيذية، عشرات المتنزهات العامة ومحميات الحياة البرية والنُّصب التذكارية الوطنية، كما وضع الغابات والموارد ذات الصلة تحت إشراف إدارة الغابات التابعة لوزارة الزراعة، وعيَّن صديقَه جيفورد بينشو رئيسًا لتلك الإدارة عام ١٩٠٥. ومرة أخرى نالت رعاية روزفلت لمؤتمرٍ وطنيٍّ للحفاظ على الطبيعة عام ١٩٠٨ رضا الإصلاحيين وحركة الحفاظ على الطبيعة الناشئة وجمهور الطبقة الوسطى، في حين أزعجت الحرس القديم. أصبح الحفاظ على الطبيعة سمة مميزة لإدارة روزفلت، وكان لها بالطبع بالنسبة لغرب الولايات المتحدة تبعات بالغة الأثر وباقية أكثر عن إجراءات مكافحة الاحتكار التي اتبعتْها. ظلَّ التزامه بالدفاع عن البيئة، النابع من خبراته في فترة الشباب في إقليم داكوتا، عميقًا وثابتًا.

في عام ١٩٠٧ اجتاح ذعر مصرفي عاتٍ وول ستريت، وهدَّد بانهيار النظام المصرفي للبلاد. اضطُرَّ روزفلت، مُمثَّلًا في وزارة الخزانة، للسماح لمجموعة جيه بي مورجان (والتي ضمَّتْ يو إس ستيل) بالاستحواذ على شركة تينيسي للفحم والحديد، والتي تُعَدُّ منافسًا إقليميًّا لها، بثمن بخس، في مقابل إعادة الاستقرار إلى أكبر مصارف وول ستريت. هدأ الذعر المصرفي سريعًا، لكن روزفلت الغاضب شجب «المجرمين ذوي الثروات الطائلة» في خطاب له ببروفينستاون بولاية ماساتشوستس في ٢٠ أغسطس عام ١٩٠٧. أصبحت تلك العبارة واحدة من بين العبارات الأكثر اقتباسًا على لسانه، لكنها لم تجنِّبه الحرج فيما بعدُ، بعد أن ترك منصبه، عندما قاضت وزارة العدل شركة يو إس ستيل لاستيلائها على شركة تينيسي بموجب قوانين مكافحة الاحتكار.

وبحلول عام ١٩٠٨، كان الرئيس قد قطع شوطًا نحو اليسار من حيث توقف في ولايته الأولى أو حتى من موضعه في عام ١٩٠٥. وفي الكونجرس، اضطر للتعامل مع أكثر عضوين محافظين من المنتمين إلى الحزب الجمهوري في ذلك العصر، وهما رئيس مجلس النواب جوزيف جي كانون من ولاية إلينوي والسيناتور نيلسون ألدريتش. عمل الاثنان معًا على إعاقة تحركات روزفلت نحو الإصلاح التقدمي، على الرغم من أن دعم كلٍّ مِن كانون وألدريتش على مضض لمشروع قانون في عام ١٩٠٩ لتعديل الدستور بحيث يسمح بوضع ضريبة دخل فيدرالية، بدون أي حماسة، ولكن فقط لإحباط تمريره الفوري؛ يُعَدُّ مؤشرًا على المسافة التي قطعتْها البلاد نحو الإصلاح بالفعل. في واقع الأمر، أمل الاثنان أن التعديل الدستوري سيفشل التصديق عليه في النهاية من عدد كافٍ من الولايات. (لكن نجح التصديق عليه بحلول عام ١٩١٣.) كان ألدريتش قبل عشر سنوات قد استنكر تلك الفكرة باعتبارها «شيوعية»، وعارض كانون مطالب روزفلت بزيادة القوة البحرية، ومبادراته العديدة الخاصة بالحفاظ على الطبيعة، وأي حديث عن خفض الرسوم الجمركية، وتنظيم السكك الحديدية، وأي إجراء تقريبًا يتخذه روزفلت من شأنه زيادة النفوذ الفيدرالي، لا سيما النفوذ التنفيذي، في اتجاه الأمور التنظيمية. كما عارض ألدريتش سَنَّ المزيد من التشريعات التنظيمية في مجال السكك الحديدية وكافة التدابير تقريبًا التي اعتبرها «تُعادِي الشركات الكبرى.»

fig3
شكل ٣-٢: السيناتور نيلسون دبليو ألدريتش (ممثل الحزب الجمهوري عن رود آيلاند)، رئيس اللجنة المالية بمجلس الشيوخ ورئيس اللجنة النقدية الوطنية: أبرز رجال الحرس القديم. رُسم هذا البورتريه نحو عام ١٩٠٥.

لم يعرقل ألدريتش إجراءات روزفلت على الدوام، على العكس من كانون؛ فقد يسَّر ألدريتش الخُطا المضطربة لمشروع قانون الغذاء والدواء النقي عبر الكونجرس عام ١٩٠٦، وكذلك في عام ١٩٠٨، رعى قانون ألدريتش-فريلاند الذي تأسست بموجبه لجنة نقدية وطنية تهدف إلى إيجاد سبل تَحُول دونَ وقوع نكبات مستقبلية مثلما حدث في أزمة الذعر المصرفي العنيفة عام ١٩٠٧. كان التقرير الذي أصدره ألدريتش ولجنته مناصرًا على نحو قاطع لمؤسسات وول ستريت، إلا أن بعض عناصره أصبحت جزءًا من قانون الاحتياطي الفيدرالي عام ١٩١٣.

تميَّزت ولاية روزفلت الثانية بصراعات متزايدة — على الرغم من أنها لم تكن بمآزق حرجة في جميع الأحوال — بين رئيس جمهوري نَشِط يزداد مَيْلُه نحو التقدمية يومًا بعد يوم وبين الحرس القديم الدائم التعنُّت للحزب الجمهوري المتزعم للكونجرس. كتبت كاثلين دالتون، كاتبة السيرة الذاتية لروزفلت، تقول: «نادرًا ما غاب عنه هدفه الأجرأ في منصبه كرئيس، وهو استخدام الحكومة الفيدرالية لحل المشكلات البشرية التي أفرزها العصر الصناعي، مع أنه سيُضطَرُّ إلى الحياد عنه في ولايته الثانية بسبب أزمات دولية، وفي بضع مناسبات أخرى، نتيجة لأخطائه الشخصية.» وبقيامه بذلك، أصبح روزفلت تقدميًّا، وساهم في تحديد ما كانت تعنيه الحركة التقدمية على وجه التحديد.

استهلَّ روزفلت رسالته السنوية الأخيرة للكونجرس، التي بعثَها في ٨ ديسمبر عام ١٩٠٨، بطمأنة المُشرِّعيِن (وغيرهم من المؤمنين ﺑ «الحكومة الرشيدة») أن «الموقف المالي للبلاد في الوقت الحاضر ممتاز»، مع ذلك، انطلق في حديثٍ طويلٍ دافع فيه عن زيادة إخضاع الشركات للقوانين التنظيمية. قال روزفلت إن قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار يمكن أن يوجَّه دون تمييز نحو أي «اندماج». وما نحتاجه بدلًا من ذلك هو إشراف على جميع الشركات، وبخاصة شركات السكك الحديدية، تتولَّاه لجنة التجارة بين الولايات. إن المساهمين بالشركات وشاحني البضائع (المزارعين وأصحاب المشروعات التجارية الصغيرة)، والموظفين يملكون جميعًا مصالح مشروعة، ولا ينبغي أن يحصل أي منهم على «تقدير غير لائق أو غير مستحق.» ينبغي بالمثل إخضاع شركات الهاتف والتلغراف ﻟ «سلطة لجنة التجارة بين الولايات»، ثم استعرض روزفلت موقفه من الاتحادات الاحتكارية والاحتكارات، والذي سيقوم بتنقيحه وإبرازه على نحو أوضح في السنوات الأربع التالية، التي صاغ فيها برنامجه «القومية الجديدة» للإصلاح الشامل. وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في عام ١٩٠٨، فقد كانت فكرة الإشراف بواسطة جهة تنظيمية فيدرالية، بدل الملاحقات الخاصة التي تتولاها وزارة العدل، جلية بالفعل.

أكد روزفلت في الرسالة نفسها التي بعثها في ديسمبر عام ١٩٠٨ تأكيدًا شديدًا على أن الدستور أعطى «على نحو تام ومطلق» حق الإشراف على التجارة بين الولايات للحكومة الفيدرالية. وهذا «لا يُعَدُّ ضربًا من المركزية، وإنما يُعَدُّ فقط اعترافًا بالحقيقة الجلية أن المركزية قد آن أوانها بالفعل. وإذا أردنا السيطرة على هذا النفوذ التجاري غير المسئول بما يصبُّ في صالح عامة الناس، فلا يوجد سوى طريقة واحدة لتحقيق هذا، وهي منح سلطةِ تحكُّمٍ كافيةٍ للجهة السيادية الوحيدة القادرة على ممارسة هذه السلطة، ألَا وهي الحكومة القومية.» وفي هذا الموضع كان روزفلت يتحدث على نحو تقدمي أصيل. إن الشركات الخاصة القادرة على أن تكون لها سلطة اقتصادية على عامة الناس، على نحو «غير مسئول» — أي دون تحمل مسئولية تجاه الأشخاص الذين تتحكم بهم — لا بد من تنظيم عملها من قِبَل ممثِّلين لهؤلاء الناس. ثم جاءت أكثر أقواله حِدَّة: «هناك الكثير من الرجال المُخلِصين الذين يؤمنون الآن بالفردية المطلقة في عالم الأعمال، مثلما كان هناك الكثير من الأشخاص المخلصين في السابق الذين آمنوا بالعبودية.» وبهذا قلَّص روزفلت بدرجة كبيرة المسافة بين المعتقدات الأساسية للشعبويين قبل عقد سابق الخاصة بالجانب الآخر من البلاد من جهة، وبين نزعته المحافظة السابقة من جهة أخرى، وهذا يعني أن الحكومة هي الشعب وأن الحكومة، التي انتخبها الشعب وأصبحت مسئولة عنه، لا بد أن تُشرِف على الاتحادات الضخمة للشركات التي يَقِف أمامَها المواطنون بلا حول أو قوة.

بعد ذلك دَعَا روزفلت إلى وضع تشريعات داعمة لصغار المزارعين، وصغار رجال الأعمال، وصغار المساهمين، وطالب بإنشاء صناديق الادِّخار البريدي «لتيسير حفظ المدخرات في أمان تام للأفراد الأكثر فقرًا»؛ نظرًا لأن المصارف التجارية الكبرى رأتْ في الحسابات الصغيرة إزعاجًا كبيرًا. كذلك دعم روزفلت إنشاء طرق جيدة؛ «طرق سريعة وطنية تخدم الناس بعدالة ومساواة»، وأخيرًا طلب قائلًا: «لا بد من منع عمالة الأطفال، وتقليص عمالة النساء، وتقليل ساعات العمل لجميع العاملين بالأعمال الصناعية.» كان من الضروري سَنُّ قانون أفضل لتحديد مسئوليات صاحب العمل — كان قانونٌ قد أُجيز في هذا الشأن في وقت سابق لكن صياغته «غير الدقيقة» سمحت للمحاكم بتجاهله — في ظل تخلف الولايات المتحدة كثيرًا عن البلدان الصناعية الأوروبية في حماية العمال بهذه الطريقة، كما أنه جدَّد دعوتَه لتطبيق ثماني ساعات عمل يوميًّا على العمال الفيدراليين.

عكست بعض العبارات التي استخدمها روزفلت نزعته المحافظة السابقة؛ فقد قال: «إن الوعي الطبقي» — الاحتجاجات العمالية المفرطة الحماسة — «مصيره حتمًا الفشل» أو سيؤدي إلى «التسبب في ضرر بالغ الأثر.» إن المجتمع يضم مجموعات متعددة من المصالح المشروعة: مصالح العمال والرأسماليين والمستهلكين، وعدم تعارضها المأمول لن يتحقق بالهجوم على المحاكم، لكن الأمور تغيرت، فقال: «لعل ما كان يُعَدُّ انتهاكًا للحرية قبل نصف قرن هو وسيلة الحفاظ اللازمة للحرية في الوقت الحاضر، ولعل ما كان يُعَدُّ إضرارًا بالممتلكات حينذاك أصبح ضروريًّا للتمتع بالممتلكات الآن.»

استحوذ الحديث عن الشركات والعلاقات بينَها وبينَ العُمَّال والمَحَاكِم على ما يقرب من نصف رسالة روزفلت الطويلة. خصص روزفلت بقية الرسالة للحديث بصورة رئيسية عن مسائل خاصة بالحفاظ على البيئة — حماية «التربة والأنهار والغابات» بالبلاد، والحاجة إلى حماية المتنزهات والغابات الوطنية (والتوسع فيها) — والعلاقات الخارجية. كان من المستحيل إلى حدٍّ بعيد أن تخرج رسالة كهذه على لسان ماكينلي في نهاية تسعينيات القرن التاسع عشر، أو على لسان روزفلت نفسه في أول سنتين من تولِّيه الحكم. لكنه قد تغيَّر، وتغيرت بالمثل القضايا، والفكر المستنير، والدعم الشعبي. ستستمر فلسفة روزفلت في التطور، كما سينعكس في برنامج «القومية الجديدة» الذي كشف النقاب عنه في خطاب له بمدينة أوساواتومي بولاية كانساس عام ١٩١٠، وفي حملته الرئاسية عام ١٩١٢. لكنه تطور على نحو هائل، وكذلك الشعب الأمريكي.

رفض روزفلت خوض الانتخابات لولاية رئاسية أخرى عام ١٩٠٨، واعتبر أنه قضى ولايتين رئاسيتين تقريبًا منذ سبتمبر عام ١٩٠١، وكان الحد المعهود منذ فترة رئاسة جورج واشنطن هو ولايتين رئاسيتين، بدلًا من ذلك، بحث روزفلت عن إداري ناجح وجدير بالثقة بمقدوره تنفيذ برنامجه الإصلاحي؛ ولذلك وقع اختياره على ويليام هاورد تافت، الذي نجح كحاكم للفلبين ووزير حرب. تغلَّب تافت على ويليام جيننجز برايان، مرشح الحزب الديمقراطي للمرة الثالثة والأخيرة. مرة أخرى، أحكم الجمهوريون سيطرتهم على الكونجرس، باستحواذهم على ما يزيد على أربعين مقعدًا في مجلس النواب وما يقرب من ثلاثين مقعدًا في مجلس الشيوخ. إلا أن الكثير من هؤلاء الجمهوريين، لا سيما في مجلس النواب، لم يُعَدُّوا من المحافظين المؤيدين للفردية المفرطة والمناهضين للتنظيم، والمناصرين لمبدأ عدم التدخل. كان التقدميون قد شرعوا في الفوز في الانتخابات الأولية بالحزب الجمهوري لتحديد مرشحي الحزب للمقاعد المضمونة. لم يكن الكونجرس في عهد تافت يَمِينيًّا على نحو جازم مثلما كان في عهد روزفلت الذي اضطر إلى الدخول في صراع معه. ومن المفارقة أنه مع توجه مجلس النواب نحو اليسار، توجهت مؤسسة الرئاسة في عهد تافت نحو اليمين. وسيأتي زخم الإصلاح التقدمي في واشنطن، على مدى أربع سنوات بدايةً من عام ١٩٠٩، من الكونجرس وليس من البيت الأبيض.

كانت مؤهلات تافت وأداؤه كإداري عسكري وإمبريالي ما جعله محببًا إلى قلب روزفلت، وهذا يرجع في الأغلب إلى أن قدرًا كبيرًا من نشاط روزفلت نفسِه كرئيس للبلاد تركز في المجالات التي برع فيها تافت. لم تكن الشئون الخارجية وتعزيز القوة العسكرية وبناء الإمبراطورية مؤشراتٍ فاصلةً بعينها على تبنِّي التقدمية؛ فبعض التقدميين كانوا نشطاء إمبرياليًّا (ثيودور روزفلت ووودرو ويلسون لاحقًا)، وبعضهم كانوا متحفِّظين بدرجة أكبر (برايان على سبيل المثال) أو دُعاةً للسلام بصورة صريحة (كجين آدمز وغيرها). كان المؤشر الأوضح — رغم قصوره — على النشاط أو التحفُّظ هو الانتماء الحزبي، فمنذ عصر لينكولن ووزير خارجيته، ويليام إتش سيوارد، اضطلع الحزب الجمهوري بدور نَشِط على صعيد الشئون الخارجية والداخلية. تجلَّى ذلك النشاط بالتأكيد في تسعينيات القرن التاسع عشر حين ضم ماكينلي وأعضاء الحزب الجمهوري بالكونجرس هاواي (رفض جروفر كليفلاند فعل ذلك عام ١٨٩٣)، وحين أعلنوا الحرب على إسبانيا وضموا الفلبين بعد ذلك. كان ماكينلي وروزفلت ووزراء الحرب بإدارتهما — إلهو روت وتافت — وأعضاءُ مجلس الشيوخ من أمثال هنري كابوت لودج (عضو الحزب الجمهوري عن ولاية ماساتشوستس) صديق روزفلت، وأيضًا ألبرت بيفريدج (عضو الحزب الجمهوري عن ولاية إنديانا)؛ بُناةً نشطين للإمبراطورية الأمريكية. لم يكن ديمقراطيو العصر المُذهب عازفين تمامًا عن التوسع الاستعماري والإمبراطورية، لكنهم في قضايا ضم الفلبين أو كوبا عام ١٨٩٩-١٩٠٠، اتخذوا موقف الحزب المخالف، وهكذا ظلوا في أغلب الأحيان خلال الحقبة التقدمية. كان هناك الكثير من الاستثناءات لدى الطرفين، لكن التوجه العام كان واضحًا؛ الحزب الجمهوري مؤيد للإمبريالية، والحزب الديمقراطي مناهض للإمبريالية.

وفي ضوء كلٍّ من النتائج البعيدة المدى والأنماط الخاصة لعملية بناء الإمبراطورية الأمريكية التي نتجت عن فترة رئاسة روزفلت، يُستحسَن أن نُلقِيَ نظرة سريعة على هذه العملية وعلى ما ارتكزت عليه من افتراضات خاصة بالعِرْق، وتفوُّق العرق الأنجلوساكسوني، والنوع، والنزعة القومية. افترض النشاط الإمبريالي الأمريكي في أوائل القرن العشرين أن الأنجلوساكسونيين، الذين من بينهم الأمريكيون بالتأكيد، يتفوقون على غيرهم من الأعراق الأخرى. كما أنه عبَّر عن قوة أو رجولة واعية بذاتها، وهي شكل من أشكال المباهاة الأيديولوجية. كانت هذه رؤية روزفلت، التي أيَّده فيها الكثيرون.

يأتي روزفلت في مرتبة متقدمة في أي قائمة للرؤساء الإمبرياليين. وعلى الرغم من أنه لم يُضِفْ إلى المناطق التابعة للولايات المتحدة إضافة كبيرة باستثناء منطقة قناة بنما، فقد أحكم السيطرة على المناطق التي تم الاستيلاء عليها في الحرب الإسبانية الأمريكية الكوبية الفلبينية؛ جوام والفلبين في غرب المحيط الهادئ، وبورتوريكو في منطقة الكاريبي.

علاوة على ذلك، أشرف روزفلت على باكورة شكل جديد للإمبريالية الأمريكية، ألَا وهو: فرض «الوصاية» على الجمهوريات الصغيرة في منطقة الكاريبي، بدءًا من كوبا وانتهاءً بِبنما وجمهورية الدومينيكان (ثم نيكاراجوا وهايتي وهندوراس تحت حكم خليفتيه تافت وويلسون). ضم قرار الكونجرس الذي خول لماكينلي إرسال قوات أمريكية إلى كوبا عام ١٨٩٨ بندًا باسم «تعديل تيلر»، الذي نَفَى أي نوايا أمريكية لضم كوبا. ولكن في إجراء آخَر قام به الكونجرس عام ١٩٠١، تمثل في «تعديل بلات»، أعطَتِ الولايات المتحدة لنفسها حق الإشراف على العلاقات الخارجية والموارد المالية وحفظ النظام العام في كوبا. وعندما صدَّقتْ كوبا على دستورها كدولة مستقلة عام ١٩٠٣، حرص المحتلون الأمريكيون على أن يكون نص تعديل بلات جزءًا لا يتجزأ منه. وبناءً عليه ظلت كوبا تحت «وصاية» الولايات المتحدة.

سرعان ما ستصل «الوصاية»، على غرار ما حدث في كوبا، للجمهوريات الأخرى، فلم يكن هناك حاجة إلى ضمها؛ إذ ستسيطر عليها أمريكا من خلال حكام مدنيين، أو البحرية الأمريكية عند «الضرورة». اعترفَتِ القوى الأوروبية بمنطقة الكاريبي كمنطقة «ذات أهمية قصوى» للولايات المتحدة. أوضح مبدأ «القوة البوليسية» الذي ذكره روزفلت عام ١٩٠٤ الأساس المنطقي لذلك؛ وهو أن «الممارسات الخاطئة المستمرة، أو الضعف» بررت التدخل الأمريكي، وبناءً عليه ضُمنت حماية المصالح الأمريكية في كوبا والجمهوريات الأخرى؛ الاستثمارات في السكك الحديدية وزراعة السكر والفاكهة والعقارات. وخضعت حرية السكان المحليين للهيمنة الأمريكية.

أشرف روزفلت كذلك، ونظَّم بالطبع، عملية إنشاء قناة بنما، فمنذ أربعينيات القرن التاسع عشر وأيام الحرب الأمريكية المكسيكية، حلم الأمريكيون الذين رغبوا في بناء إمبراطورية أمريكية بقناة تربط بين المحيطين الأطلنطي والهادئ، لكن تبيَّن أن التمويل، والتصميم الهندسي والعلاقات الدبلوماسية بين الدول المتضمنة في ذلك مشكلاتٍ؛ شديدةُ الصعوبة. لكن في عام ١٩٠٣ رأى روزفلت فرصةً سانحةً لتحقيق هذا الحلم. دعم روزفلت وحرَّض حركة بنميَّة تسعى للانفصال عن كولومبيا، وأرسل الأسطول الأمريكي للتأكد من نجاح المتمردين البنميين فيما يَسعَوْن إليه، ثم منح الولايات المتحدة منطقةً عرضها عشرة أميال أُنشئت في نطاقها قناة بنما. افتُتحت القناة عام ١٩١٤ وأصبحت حجر زاوية في الاستراتيجية التجارية والبحرية الأمريكية على مدى جانب كبير من القرن العشرين؛ فكانت على القدر نفسه من أهمية قناة السويس بالنسبة للإمبراطورية البريطانية قبل استقلال الهند عام ١٩٤٧.

أسَّس روزفلت ووزيرا الحرب في عهده، إلهو روت وويليام هاورد تافت، هيئة أركان حرب عامة للجيش وأنشئوا كذلك كلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي. وبدعم من الكونجرس أضافوا سفنًا حربية وسفنًا أخرى إلى الأسطول البحري، وفي عام ١٩٠٧ أرسل روزفلت الأسطول الجديد، «الأسطول الأبيض العظيم»، حول العالم للتأكيد على مكانة الولايات المتحدة باعتبارها «قوة عظمى». شارك روزفلت في مؤتمرات للسلام لإنهاء الحرب الدامية بين روسيا واليابان عام ١٩٠٥ ولتسوية أزمة أوروبية حول المغرب عام ١٩٠٦. توصَّل عبر تافت وروت لاتفاقيات تخول لليابان توسيع سيطرتها في كوريا ونفوذها في منشوريا، نظير الاعتراف بالاستعمار الأمريكي للفلبين. في هذا الإطار، راقب روزفلت في قلق، وتلاه رضًا، الإدارة المدنية للجزر من قِبَل تافت وآخرين، وتطلع أيضًا، كما أخبر الكونجرس، إلى اليوم الذي يصبح فيه الفلبينيون جاهزين للحكم الذاتي، لكن ذلك اليوم كان في المستقبل المجهول.

لم يَنْتَبْ روزفلت شعور باللوم تجاه معاملة الفلبينيين كرعايا مستعمَرين كما هو الحال فيما يتعلق بسيطرته على جمهوريات منطقة الكاريبي؛ فمِن وجهة نظره، أن تفوق العِرْق الأنجلوساكسوني موثق بحكم العُرْف ويؤيِّده أفضل علوم العصر. لطالما رُفضت «العنصرية العلمية»، كما أُطلِق عليها منذ ذلك الحين، باعتبارها غير علمية على الإطلاق؛ واعتُبرت عنصرية محضة، وبدا أنها تبرر الاستعمار بالخارج كما تبرر قوانين جيم كرو العنصرية بالداخل. قَبِل روزفلت أيضًا التمييز العنصري بين مجموعات المهاجرين، وأسَّس لجنة يرأسها السيناتور ويليام بي ديلنجهام (عضو الحزب الجمهوري عن ولاية فيرمونت) عام ١٩٠٧، واتفق مع رأيها بأن «المهاجرين القدامى» من بريطانيا وأيرلندا وألمانيا واسكندنافيا يلائمون على نحو أفضل كثيرًا الأسلوب الأمريكي في الديمقراطية من «المهاجرين الجدد» من دول أوروبا الجنوبية والشرقية الذين شكلوا أغلبية الوافدين في ذلك الوقت. خلصت لجنة ديلنجهام إلى ضرورة فرض قيدٍ ما، وتمثَّلت توصيته الأساسية لِلَّجنة في عمل اختبارات خاصة بالقراءة والكتابة للمهاجرين، مع استثناء أولئك الذين لا يستطيعون الكتابة أو القراءة بأي لغة، ووافق روزفلت على ذلك.

وفيما يتعلق بموقف روزفلت من الأمريكيين من أصول أفريقية، فقد كانت سيرته متبايِنة. عيَّن روزفلت (أو حاول تعيين) بعض السُّود في مناصب قضائية، وسعَى إلى إنهاء عمالة السخرة للسود في الجنوب، واستضاف بوكر تي واشنطن على الغَدَاء بالبيت الأبيض (الأمر الذي أثار ضدَّه موجةً شديدة من الاستنكار في الجنوب)، لكنه في الوقت نفسه فصل كتيبة عسكرية من السُّود وعاقَبَها دون استقصاء كافٍ للأدلة، بعد أن وُجِّهت إليها اتهامات باطلة بالخروج عن السيطرة وبثِّ الرعب بإطلاق الرصاص عشوائيًّا بمدينة براونزفيل، بولاية تكساس عام ١٩٠٦. بعد عدة سنوات تمَّت تبرئةُ كل أفراد الكتيبة؛ واتضح أن روزفلت تسرَّع في توجيه الاتهام وإصدار الحكم. وبنحو عام، بالرغم من أنه لم يكن قطُّ مؤيدًا مطلقًا للتفرقة العنصرية مثل خليفته وودرو ويلسون، فقد أيَّد العنصرية الأنجلوساكسونية التي كانت إحدى السمات غير المحبَّبة في الحركة التقدمية.

ثمة سِمَةٌ أُخرَى غير محبَّبة وهي التدخل ذو النزعة الأخلاقية في سلوكيات الناس؛ حظر المشروبات الكحولية، وتنظيم الأخلاقيات الجنسية، والرقابة، وقوانين الزواج والطلاق المُقَيِّدة، وإجراءات تحسين النسل التي تضمَّنتْ عمليات التعقيم الإجباري للمعاقين ذهنيًّا. مما لا شك فيه أن روزفلت كان زعيمًا للإمبريالية الأمريكية. انطوت الحركة التقدمية — سواء على خُطا روزفلت أو غيره — على جانب كبير من التسلط الأخلاقي في كثير من الأحيان.

أقنعت إدارة ثيودور روزفلت للحكم والمنعطف الحاد الذي سلكتْه بعيدًا عن أسلافه المباشرين الكثيرَ من المؤرخين بتحديد تاريخ بداية الحقبة التقدمية من سبتمبر عام ١٩٠١، حين خلف روزفلت ماكينلي في الحكم. وهذا أمر ملائم وليس خطأً تمامًا؛ فقد كانت فترة تولِّي روزفلت لمقاليد الحكم مهمة. وبالرغم من صعوبة تقبُّل نزعته العنصرية أو إيمانه بتفوق العرق الأنجلوساكسوني على غيره أو إمبرياليته المُشرَبة بالروح العسكرية، فقد حفَّز تضافر الكثير من خيوط الإصلاح المتعثرة والمتصارعة. وقد كان روزفلت سببًا للتآزر، وبحلول الوقت الذي ترك فيه كرسي الرئاسة، اضطر حتى المحافظون المتشددون إلى إفساح المجال أمام التغيير.

إلا أنه في واقع الأمر، حدث الكثير من الإصلاحات بمعزل تام عن تأثير روزفلت، وبعضها وقع قبل مجيئه؛ فقد اجتاح القطاع الخاص — لا سيما النساء حتى مع عدم امتلاكهن حق الانتخاب فيما عدا بضع ولايات غربية — موجة من النشاط الإصلاحي منذ عام ١٨٨٩ على الأقل، حين أسست جين آدمز وإيلين جيتس ستار مركز التكافل الاجتماعي هال-هاوس في شيكاجو. كان حقل نشاطهما ونجاحهما هو تحقيق التقدم في مجال العدالة الاجتماعية. أسفرت تسعينيات القرن التاسع عشر، التي هَيْمَنت عليها الإضرابات والكساد، عن موجات إصلاحية، لم تقتصر على حزب الشعب وبرنامج أوماها الشامل خاصته الذي ظهر في عام ١٨٩٢. وفي وقت مبكر منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، انضم الكثير من النساء المنتميات إلى الطبقة الوسطى في المدن من مختلف أنحاء البلاد إلى نوادٍ نسائية وطالَبْنَ المسئولين الرجال بالمدن بإشراكهن في إدارة الشئون المحلية، وطالبن بشوارع أنظف ومياه أنقى وأعمال نظافة أفضل وشبكات للصرف الصحي. كانت إلين سوالو ريتشاردز — أول فتاة تتخرج في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا — رائدة في مجال مُعالَجة المياه بالكلور منذ أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر. لم تتولَّ ماري ماكدويل إدارة مركز التكافل الاجتماعي التابع لجامعة شيكاجو في منطقة حظائر الماشية بشيكاجو فحسب، بل جاهدت أيضًا في سبيل تنظيف مستودعات القمامة والمجازر، ووقفت للدفاع عن العاملات في مصانع تعبئة اللحوم عندما دخلن في إضراب ضد المديرين الذين خفضوا أجورهن، ولعبت دورًا كبيرًا في مساعدة أولئك النساء على تكوين نقابة عمالية وتمكين أنفسهن. قادت امرأة أخرى، وهي كيت جوردن بمدينة نيو أورليانز، حملةً للموافقة على إصدار سندات حكومية عام ١٨٩٩ لتحمُّل تكاليف توفير مياه نقية ونظام صرف صحي للمدينة. وبفضل استعانة الناشطات المصلحات بما سمَّاه أحد المؤرخين «المنهج التقدمي الثلاثي الشُّعَب: الاستقصاء والتثقيف والإقناع»، استطعن جعل الكثير من المدن والأحياء أنظف وأكثر ملاءمة وجاذبية. توسعت التغييرات اللاتي شرعْنَ فيها في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر من حيث النطاق والمساحة بعد عام ١٩٠٠. وانحسرت الأمراض المُعدِية بعدَ معرفة أسبابها ونشرها، ومع ازدياد ضم المجالس الطبِّيَّة وإدارات النظافة العامة لأشخاص مدرَّبِين بصورة علمية، أقنع هؤلاء المتخصصون — ذكورًا وإناثًا — الناس بحقيقة نظرية جرثومية المرض، على الرغم من معارضة الأطباء لها في البداية.

كان تطوير التعليم، من حيث المحتوى والإتاحة على حد سواء، محلَ تركيزٍ رئيسيًّا للتقدميين. في عام ١٩٠٠، كان ما يقرب من نصف تعداد الأطفال بالبلاد الذين تتراوح أعمارهم بين خمس سنوات وتسع عشرة سنة ملتحقين بالمدارس؛ وبحلول عام ١٩٢٠، زادت النسبة إلى الثلثين تقريبًا. وتضاعف عدد خريجي المدارس الثانوية إبان تسعينيات القرن التاسع عشر من ٤٤ ألفًا إلى ٩٥ ألفًا، وتضاعف ثلاث مرات ليصل إلى ٣١١ ألف خريج عام ١٩٢٠. تراجعت الأمية إلى النصف؛ فانخفضت ممَّا يربو على ١٣ في المائة من تعداد السكان الذين تبلغ أعمارهم عشر سنوات فما فوق في عام ١٨٩٠ إلى ٦ في المائة في عام ١٩٢٠. انتشرت الحضانات — التي كانت قليلة للغاية قبل عام ١٩٠٠ — في وقت مبكر من القرن العشرين، وتأسس ما يقرب من نصف مليون حضانة بحلول عام ١٩٢٠. وعلى الطرف الآخر من السُّلَّم التعليمي، توسَّعت الكليات والجامعات والكليات المهنية في الحجم وفيما تتضمنه مناهجها، مع ازدياد الحاجة إلى أفراد يتمتعون بدرجة أعلى من التدريب والتعليم، وذلك مع تحول المجتمع الأمريكي يومًا بعد يوم إلى مزيد من المدنية والاعتماد على التكنولوجيا، في قطاعات بعينها على الأقل. ويرجع تاريخ تأسيس جامعات وكليات «الزراعة والميكانيكا» مثل جامعة كانساس ستيت أو جامعة كاليفورنيا بمدينة ديفيز إلى قانون موريل لمنح الأراضي للكليات والجامعات عام ١٨٦٢، لكن بعد عام ١٩٠٠ أخذت تلك الهيئات التعليمية تُدرِّس «الزراعة العلمية» للتشجيع على الحفاظ على البيئة جنبًا إلى جنب مع تحقيق الأرباح. خضع التعليم الطبي، الذي اتسم بالفوضوية في السابق، إلى إصلاحٍ عامٍّ بعد عام ١٩١٠، وذلك عندما أصدر أبراهام فليكسنر تقريرًا كان بمثابة علامة فارقة دعا فيه إلى معايير وعمليات ترخيص منهجية. أيضًا كان التعليم القانوني يتغير؛ بدأت الممارسة التقليدية الخاصة بقراءة كتب القانون والعمل تحت التمرين لدى محامٍ ذائع الصيت في التغيُّر إلى دراسة رسمية بكليات الحقوق.

fig4
شكل ٣-٣: «الصديقتان الوفيتان للفقراء.» صورة التُقطت في عام ١٩١٤ تجمع بين جين آدمز (على اليسار)، التي شاركت في تأسيس مركز هال-هاوس للتكافل الاجتماعي، وماري ماكدويل (على اليمين)، رئيسة مركز التكافل الاجتماعي التابع لجامعة شيكاجو، وتُعَدَّان من رُوَّاد العمل الاجتماعي.

لم يكن التغيُّر سريعًا على الدوام، لكنه حدث، وحدث على الأرجح على نحو ابتكاري في مجال الدراسات العليا أكثر من أي مجال آخر. تأسست أول جامعة بحثية حقيقية، جامعة جونز هوبكنز، عام ١٨٧٦، تبعتها جامعة شيكاجو عام ١٨٩٠ وستانفورد عام ١٨٩١، في حين أن المؤسسات الجامعية المرموقة، على غرار هارفرد ويال وميشيجان وويسكونسن وجامعة كاليفورنيا ببيركلي، أعادت تنظيم نفسها بحيث تتضمن أقسامًا للدراسات العليا وبرامج لرسائل الدكتوراه. ونتيجة لذلك، بدأت العلوم الاجتماعية المهنية (علم الاجتماع والاقتصاد السياسي والتاريخ والاقتصاد والإحصاء) في الظهور في ثمانينيات القرن التاسع عشر وتسعينياته. وقد وفرت تلك الجامعات مجموعة من الخبراء بعد عام ١٩٠٠، لعبوا دورًا حيويًّا في الإصلاحات والهيئات التنظيمية على كافة المستويات الحكومية وفي القطاع الخاص.

أُنشئت أقسام العلوم الاجتماعية الجديدة بالجامعات البحثية وفقًا للنموذج الألماني بصفة عامة، وكثير من الأساتذة الرواد بتلك الأقسام حصلوا على تعليمهم في ألمانيا. من بين هؤلاء كان ريتشارد تي إيلي، الذي حصل على درجة الدكتوراه من جامعة هايدلبرج، وعمل في البداية بجامعة جونز هوبكنز ثم بجامعة ويسكونسن. علَّم ريتشارد إيلي العديد من قادة الجيل التالي من علماء الاقتصاد، وبخاصة جون آر كومنز، المحلِّل الرائد لاقتصاديات العمل في عصره. كان من بين علماء الاجتماع الجدد عالِم الاجتماع ليستر فرانك وارد، وأستاذ علم النفس التربوي جي ستانلي هول، والمؤرخ تشارلز إيه بيرد. جمعت بين هؤلاء عِدَّة رؤًى مشتركة، جميعها تهدم عقائد عدم التدخل العقلانية الجامدة، المنتشرة بصورة شائعة للغاية والمقاومة للتغيير بشدة. آمنوا على نحو رئيسي بأن السياسات والنظم الاقتصادية ينبغي ولا بد لها أن تتغير مع مرور الوقت. لم ينظروا إلى المجتمع على أنه مجموعات من الأفراد المنعزلين، بل كيانات؛ فالأفراد والنظم الاقتصادية والجماعات الاجتماعية لا تعيش بمعزل بعضها عن بعض؛ ومِن ثَم، ينبغي أن تقوم السياسات على الأدلة التجريبية، التي يقيِّمها ويفرزها الخبراء في علم الاجتماع والاقتصاد السياسي والعلوم ذات الصلة، الذين سيبتكرون بناءً عليها برامج وسياسات تنفذها الحكومة من أجل صالح الكيان الاجتماعي. كان للأدلة أهمية جوهرية، فتحمسوا لجمعها. أنشأت حكومات الولايات والحكومات المحلية العديد من الهيئات على هذا المنوال، من بين الأمثلة على المستوى الفيدرالي مكتب الشركات (١٩٠٣)، ولجنة ديلنجهام للهجرة (١٩٠٧)، ومكتب الطفولة (١٩١٢)، الذي حثَّ التقدميون من النساء الرئيس تافت على دعمه. في المجمل، ساهموا في تأسيس قاعدة للتغيير السياسي والاجتماعي حظيت بالاحترام على المستوى الفكري، بالرغم من أن الهيئات ستصبح بيروقراطية ومتزمِّتة، ولكن جسدوا الروح التقدمية، ومنذ منتصف ثمانينيات القرن التاسع عشر فصاعدًا، وبأعداد وقوة متزايدة، طرح علماء الاجتماع الأكاديميون أفكارًا وبرامج للإصلاح الحكومي والاجتماعي.

من بين أسباب نجاح بعض علماء الاجتماع الجدد في الترويج لإحداث تغييرات اجتماعية جذرية — وبعضهم (مثل إيلي) أثار غضب مجالس الأمناء المحافِظة التي كادت تَفصِلهم من العمل — أنهم صاغوا أفكارهم ورؤاهم بلغة دينية. كانت «الاشتراكية» حينئذٍ، كما هي الآن، كلمة ممقوتة في الحديث الأمريكي، ومع أن قلة قليلة على غرار القس الأسقفي ويليام دي بي بليس أيدوا لقب «الاشتراكي المسيحي»، فقد حبَّذ معظم الأكاديميين ألَّا يُصنَّفوا كاشتراكيين بل كعلماء اجتماع، رغم كونهم مسيحيين. وبهذا، أصبحوا جزءًا من حركة متنامية في العديد من الطوائف البروتستانتية تُدعَى الإنجيل الاجتماعي. بدأ الشعور بأن الرأسمالية غير الخاضعة للقوانين التنظيمية والتي تَمِيل للاحتكار؛ تسبِّب الضرر ليس فقط من الناحية الاجتماعية وإنما أيضًا هي غير مُنصِفةٍ ومناهضةٌ لتعاليم الدين المسيحي في الازدياد في ثمانينيات القرن التاسع عشر وتسعينياته، لا سيما بين القساوسة البروتستانت الذين كانوا يعتلون المنابر الدينية في المدن الكبيرة ويعملون بصفة يومية وسط الأحياء العشوائية والفقراء. بدأ بعضُهم في تحويل أبرشياتهم إلى «كنائس مؤسسية»، تدأب على توفير الطعام والمأوى والخدمات المختلفة للفقراء والمشردين بالأحياء التابعة لها. كانت الفكرة الرئيسية لحركة الإنجيل الاجتماعي — التي ظهرت على نطاق الطوائف البروتستانتية الرئيسية بدءًا من الأسقفية إلى المعمدانية — أن جانبًا كبيرًا من الحياة الحضرية والصناعية فاسد على نحو آثِم، ولا بد من تغييره. اقتضتِ التعاليم المسيحية، لدى فهمها كما ينبغي، ذلك. لم يَعُدِ الذنب فرديًّا بل اجتماعيًّا. لم يكن السُّكْر والبِغَاء هما التعدِّيَيْنِ الأخلاقيَّيْنِ الوحيدَيْنِ، بل انضمَّ إليهما أيضًا ظروف العمل غير الإنسانية، والفقر وسوء توزيع الثروة، وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية.

كان أفضل عالِم لاهوت بين صفوف قادة حركة الإنجيل الاجتماعي هو القس المعمداني والتر راوشنبوش، الذي عَمِل مع الفقراء بمدينة نيويورك بحيِّ هيلز كيتشن، وهو أحد الأحياء التي تقع بوسط الجانب الغربي. وفي كتابه «المسيحية والأزمة الاجتماعية» (١٩٠٨)، أدان مستويات الأجور المتدنِّية وعدم العدالة الاقتصادية، وسيطرة الشركات على حكومات المدن، والتجارة العصرية باعتبارها «لعبةً تُشبِه المُصارَعة في روما القديمة، لا تَعرِف الرحمة.» وكتب ملخِّصًا الأمر:

التوبة عن خطايانا الاجتماعية الجماعية، والإيمان بإمكانية وحقيقة الحياة الروحية بين الجنس البشري، وتطويع الإرادة لخدمة أغراض مملكة الرب، والسماح بالوحي الإلهي بتحرير البصيرة الأخلاقية وتوضيحها، تلك هي الواجبات الأكثر جوهرية لرجل الدين الذي سيُسهِم في بناء العصر المسيحي القادم للبشرية.

بعبارة أخرى، ينبغي أن يكرس المسيحيون جهودَهم لتأسيس مملكة الرب على الأرض، وسيكون من الخطأ «تأجيل الانبعاث الاجتماعي إلى عصر مستقبليٍّ يتدشن بعودة المسيح.» لا تنتظروا حلول الألفية القادمة، افعلوا شيئًا الآن.

انتشرت حركة الإنجيل الاجتماعي على نهج راوشنبوش وغيره من القساوسة اللاهوتيين الفصيحي اللسان بين الطوائف البروتستانتية الرئيسية على نطاق واسع. وعندما تأسَّس المجلس الفيدرالي للكنائس (تغيَّر اسمه إلى المجلس الوطني للكنائس فيما بعدُ) عام ١٩١٠، غلبت عليه روح حركة الإنجيل الاجتماعي؛ ومِن ثَم الروح التقدمية. كانت حركة الإنجيل الاجتماعي شهيرة للغاية حتى إنها أضْفَتْ على الحركة التقدمية نفسِها صبغة بروتستانتية، وبذلت جهودًا كبيرة في سبيل الترويج للإصلاح بين البروتستانت، وخاصةً أولئك المنتمين إلى الطبقة الوسطى العُلْيا. كان اليهود والكاثوليك في الولايات المتحدة على الأرجح إما مهاجرين وإما من المُنتَمِين إلى الطبقة العاملة، لكن بعضهم ضارَع دُعاة حركة الإنجيل الاجتماعي. من بين هؤلاء الحاخام إيميل جي هيرش من شيكاجو، المنتمي إلى الحركة الإصلاحية اليهودية، والذي دعا للحاجة إلى التغيير الاجتماعي وحث جوليوس روزنفالد — مالك شركة سيرز آند روباك الذي كان يحضر مواعظ هيرش بمعبد سيناء — على أن يصير من رواد مجال العمل الخيري. وأيضًا جون إيه راين، وهو قس نشأ في مزرعة بمينيسوتا لأبوين من المهاجرين الأيرلنديين، كان من رواد الإصلاح الاجتماعي الكاثوليكي من خلال كتبه «أجر الكفاف» (١٩٠٦)، و«العدالة التوزيعية: الصواب والخطأ في توزيع الثروة بعصرنا» (١٩١٦)، و«برنامج الأساقفة لإعادة البناء الاجتماعي» (١٩١٩)، الذي يُعَدُّ وثيقة العدالة الاجتماعية الرسمية للكنيسة الكاثوليكية الأمريكية. عكست حياة راين مسيرته الإصلاحية المستمرة؛ ففي شبابه كان شعبويًّا، وفي منتصف حياته صار تقدميًّا، وفي أواخر سنوات عمره أصبح مؤيدًا صريحًا لبرنامج «الصفقة الجديدة» لفرانكلين روزفلت.

من ناحية أخرى، لم يكن جميع البروتستانت مؤيدين لحركة الإنجيل الاجتماعي. في عام ١٩١٠، وهو العام نفسه الذي شَهِد تأسيس المجلس الفيدرالي للكنائس، ظهر البيان الرسمي للبروتستانت المحافِظين الذي عُرف باسم «الأصول». تألَّف البيان من عدة أجزاء تؤكد الولادة العذرية للمسيح، والقيامة الجسدية للمسيح، وبصفة عامة أكثر، فكرة أن الإثم فردي وليس اجتماعيًّا. وإذا كان أتباع حركة الإنجيل الاجتماعي أقلية بين الطوائف البروتستانتية، فقد كان الأصوليون أقلية أصغر في البداية، ولكن في العقود التالية استطاعت الحركة الأصولية، وليس حركة الإنجيل الاجتماعي، اكتساب دعم ونفوذ سياسي أكبر. وفي أوائل القرن العشرين، تذبذب التوازن بين الإثم كمسئولية فردية والإثم كمسئولية اجتماعية على نحو غريب؛ بحيث إن كِلَا الدَّربَيْن اللاهوتيَّيْن أسهَمَا في دعم التشريعات المنظمة لسلوكيات الناس، التي من أبرزها حظر الكحوليات والمخدرات. شكَّلت حركة الإنجيل الاجتماعي زخمًا كبيرًا أسهم في تطور الحركة التقدمية، لكنها كانت تعكس أيضًا، بنحو مختلف، المسيحية الفردية والتقليدية.

ضَاهَتْ حركة مراكز التكافل الاجتماعي حركة الإنجيل الاجتماعي لكن على مستوًى علماني بصورة أساسية. كانت تُقَام تلك المنشآت في الأحياء الحضرية الأكثر فقرًا، وهي في الغالب وبنحو رئيسي الأحياء الخاصة بالمهاجرين، وكان من أوليات تلك المنشآت وأَذْيَعِها صيتًا هال-هاوس في منطقة الجانب الغربي بشيكاجو، وأسستْها جين آدمز وإيلين جيتس ستار عام ١٨٨٩. وكان مركزا التكافل الاجتماعي هنري ستريت — الموجود بالجانب الشرقي الأدنى بنيويورك، والذي أسَّستْه ليليان فالد عام ١٨٩٣ — وبراونسن هاوس، الذي أسَّستْه ماري جوليا ووركمان بلوس أنجلوس (١٩٠١)، من النماذج الهامة الأخرى. لم يُسهِم مركز التكافل الاجتماعي التابع لجامعة شيكاجو الذي أسَّستْه ماري ماكدويل في منطقة حظائر الماشية في تحسين الأوضاع المعيشية للأيرلنديين والبولنديين والليتوانيين وغيرهم من المهاجرين هناك فحسب، لكنه ساعدهم أيضًا في إنشاء نقابات محلية. درَّس مركز هال-هاوس وغيره من مراكز التكافل الاجتماعي للمهاجرين مجموعة واسعة من المواد بدءًا من اللغة الإنجليزية إلى تجليد الكتب، ووفرت خدمة رعاية الأطفال للأمهات العاملات وأماكن لانعقاد اجتماعات النقابات ومنظمات الأحياء، ونشرت تقارير عن أوضاع السكن والعمالة، وناضلت من أجل إصدار قوانين تقدمية على مستوى المدن والولايات والمستوى الفيدرالي في النهاية. تأسست تلك المراكز في الغالب الأعم وأُديرت من قِبَل نساء، بعضهن استطاع تحطيم الحواجز التعليمية. على الجانب الآخر، اضطلع الرجال — في الغالب رجال أعمال ومهنيون يتمتعون بوعي اجتماعي — بأدوار نشطة أيضًا. أيَّد الكثير منهم بحماسة منْحَ النساء حق الانتخاب والقوانين الهادفة إلى إنهاء استغلال النساء والأطفال في العمل بالمصانع.

اكتسب أتباع حركتَيِ الإنجيل الاجتماعي ومراكز التكافل الاجتماعي قوةً متزايدةً شيئًا فشيئًا خلال تسعينيات القرن التاسع عشر وإبَّان عهد روزفلت، على الرغم من أن روزفلت لم يُسهِم بالكثير في دعم الحركتين. كذلك لم ترُقْ له الصحافة الاستقصائية كثيرًا، والتي ظهرت بدايةً من عام ١٩٠٢. كما أتاحت تقنياتٌ مثل ماكينات الطباعة التنضيدية (١٨٨٤) وماكينات الطباعة الدوارة العالية السرعة إصدار صحف زهيدة الثمن وواسعة التداول ومجلات أيضًا. دعمت المجلات الدورية ونشرت استقصاءات مثل استقصاء إيدا تاربيل عن مكائد شركة ستاندرد أويل (مجلة «ماكلورز»، ١٩٠٢)، واستقصاء لينكولن ستيفنز عن التواطؤ بين الشركات وحكومات المدن في قضايا فساد بعنوان «عار المدن» (مجلة «ماكلورز»، ١٩٠٣-١٩٠٤) وأيضًا استقصاء دافيد جراهام فيليبس الذي فضح فيه السيناتور نيلسون ألدريتش بعنوان «خيانة مجلس الشيوخ» (مجلة «كوزموبوليتان»، ١٩٠٦). وقد كانت الكتب أيضًا وسيلة مهمة للتوجه الإصلاحي القائم على كشف الفضائح. ظهر في البداية كتاب لويد «الثروة مقابل الكومنولث» الذي أدان فيه الممارسات الاحتكارية لشركة ستاندرد أويل (١٨٩٤)، ثم الروايتان اللتان انتشرتا على نطاق واسع: «الغابة» (١٩٠٦) لأبتون سينكلير، التي تناولت الأوضاع القَذِرة والخطيرة في حظائر الماشية بشيكاجو، و«الأخطبوط» (١٩٠١) لفرانك نوريس التي تحدَّث فيها عن فساد ممارسة السلطة من جانب شركة ساذرن باسيفيك ريلرود. تملَّك روزفلت الغضبُ في وقتٍ من الأوقات حيال موجات القلق التي يتسبب فيها هؤلاء الصحفيون، فأطلق عليهم «المنظَّفِين»، على غرار الرجل الذي ورد ذكره في كتاب جون بنيان «رحلة الحاج» وكان دائمًا ينظف الروث. ارتبط ذلك اللقب بهم، حتى مع ترحيب روزفلت وقطاع كبير من الناس بكثير من الوقائع الخطيرة التي كشفوا فيها الحقائق بموضوعية وشجاعة.

أسهمت جميع هذه التحركات من جانب الكنائس ومراكز التكافل الاجتماعي والصحافة والعمل الاجتماعي في نمو الروح الساعية للإصلاح وزيادة الضغط من أجل إحداثه، وقلَّما اتَّسمتْ بالتطرف. لم يرضَ المحافظون عن تلك التحركات، لكنها حفزت الطبقات الوسطى في الحضر والريف على حد سواء، فقد أثبتت أن التغيير يمكن أن يأتي دون إسقاط النظام السياسي والاقتصادي، عن طريق الإصلاح وليس الثورة، فيمكن كبح جماح الشركات، ومعالجة الفقر وعدم العدالة في توزيع الثروة دون السقوط في هاوية الاشتراكية.

شرعت حكومات الولايات والحكومات المحلية في اتخاذ إجراءات إصلاحية في تسعينيات القرن التاسع عشر ووسعت من جهودها بعد عام ١٩٠٠. وكثيرًا ما أطلق المؤرخون عليها مختبرات الإصلاح؛ وذلك لأنه كلما حققت الجهود المحلية وفي نطاق الولايات نجاحًا أكبر، أصبحت نماذج تتأسَّى بها القوانين على المستوى الفيدرالي في العقد الأول من القرن العشرين. سنعرض لبضعة أمثلة، من بين أمثلة عديدة من مختلف أنحاء البلاد، لتوضيح هذا الأمر.

كانت ولاية ويسكونسن من أُوليات الولايات الرائدة في الإصلاح، خاصة عندما كان روبرت إم لافوليت حاكمًا لها. أُطلق على برامجه إجمالًا «سياسة ويسكونسن»، وقد قام جزء كبير منها على الاستقصاءات الاقتصادية والاجتماعية التي أجراها ريتشارد إيلي، وتلميذه وخليفته جون آر كومنز، وغيرهما بجامعة الولاية بماديسون. انتُخِب لافوليت ممثلًا عن الحزب الجمهوري لمجلس النواب الأمريكي ثلاث مرات (١٨٨٥–١٨٩١)، وثلاث مرات حاكمًا لولاية ويسكونسن (١٩٠١–١٩٠٦)، وأربع مرات عضوًا بمجلس الشيوخ (١٩٠٦–١٩٢٥). حَظِيَ لافوليت بمؤازرة زوجته بيل الدائمة ونُصْحِها الحكيم، وقد كانت أول امرأة تحصل على شهادة في القانون من جامعة ويسكونسن وكانت صحفية ومُصلِحة عن جدارة. استطاع لافوليت وزوجته معًا وضع وتأييد وتطبيق قوانين وسياسات بهدف تحسين أحوال العمال والمزارعين، والأمريكيين السود والمهاجرين، كما دعما حصول المرأة على حق الانتخاب، وبصفتهما داعيَيْن للسلام، عارَضَا دخول أمريكا الحرب العالمية الأولى. بدأ لافوليت الذي عُرف عنه فصاحة اللسان والشراسة ولُقِّب ﺑ «بوب المناضل» مسيرتَهُ السياسية كعضو تقليدي بالحزب الجمهوري، لكنه انفصل عن الحرس القديم بالحزب في تسعينيات القرن التاسع عشر، وأضحى مصلحًا حقيقيًّا عندما تولَّى منصب الحاكم بولاية ويسكونسن. وبعد عقود كرَّمه مجلس الشيوخ الأمريكي معتبرًا إياه واحدًا من بين أبرز خمسة أعضاء في تاريخ المجلس.

شنَّ لافوليت في تسعينيات القرن التاسع عشر حملة ضد نفوذ الشركات داخل حزبه، ومن أجل سنِّ قوانين تنظيمية أقوى على شركات السكك الحديدية، ومن أجل تمتُّع «الشعب» بسيطرة أكبر على الحكومة. تضمنت «سياسة ويسكونسن»، التي كانت السمة المميِّزة لسنوات تولِّي لافوليت منصب الحاكم، قائمةً طويلةً من الإصلاحات: لجانًا خاصةً بتنظيم السكك الحديدية، والخدمة المدنية، والنظام الضريبي، وإدارة الغابات، ووسائل النقل، واستخدام الانتخابات الأولية المباشرة بدلًا من المؤتمرات الحزبية لاختيار المرشحين للمناصب العامة، ومدارس حكومية أكثر مركزية في المناطق الريفية، وإنهاء تبرعات الشركات في الحملات السياسية. لم تتحول بالطبع كل هذه الإصلاحات إلى قوانين، لكن سواء تحولت لقوانين أم لا؛ فقد أضحت نداءات معتادة بالمظاهرات، واكتسبت دعمًا كبيرًا من خطابات لافوليت العامة وتأييده لها. ناصر لافوليت حق النساء في الانتخاب والانتخابات المباشرة لأعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بالتصويت الشعبي بدلًا من الهيئات التشريعية للولايات (من المفارقة مع ذلك أنه كان آخِر مَن انتُخب على هذا النحو في ولاية ويسكونسن عام ١٩٠٥)، وهما الإجراءان اللذان أُدخِلا فيما بعدُ كتعديلات تقدمية بالدستور الأمريكي، وبعد أن وصل إلى واشنطن كعضو بمجلس الشيوخ، مرر أتباعه أول قانون لتعويضات العمال في ولاية أمريكية. وأضحت سياسة ويسكونسن نموذجًا يَقتَدِي به الإصلاحيون في الولايات الأخرى؛ في إجراءاته الخاصة واعتماده على الخبراء الأكاديميين والباحثين عن الحقائق لبناء المقترحات على أساس واقعي راسخ.

fig5
شكل ٣-٤: السيناتور روبرت إم لافوليت (واقفًا)، برفقة زوجته، بيل كيس لافوليت، وأطفالهما: بوب الابن، وفيل، وماري؛ ودكتور فيليب فوكس لافوليت، بمزرعة مابل بلف بالقرب من مدينة ماديسون، بولاية ويسكونسن، عام ١٩٠٩.

وفي كانساس، وهي ولاية أخرى قادت الإصلاح التقدمي، دعم الحاكم إدوارد دبليو هوك عام ١٩٠٥ مشروع قانون للانتخابات الأولية المباشرة يُحاكِي كثيرًا النموذج الخاص بولاية ويسكونسن، يتضمن الانتخاب المباشر لمرشحي مجلس الشيوخ. كذلك أيَّد هوك إجراء إصلاحات أكبر بالخدمة المدنية، ومحاكِم الأحداث، وإصدار قانون للغذاء النقي، وغير ذلك الكثير من الإجراءات التي تعكس حكومة أكثر فاعلية بالولاية. كذلك مررت ولاية كانساس قانونًا شاملًا لعمالة الأطفال عام ١٩٠٥. كان هوك، شأنه شأن لافوليت، جمهوريًّا، لكنه كان منتميًا إلى الجناح التقدمي أو المتمرد الآخِذ في الازدياد، وأيَّد (مثل روزفلت) تخفيض التعريفات الجمركية والتطبيق الأشد صرامة لقوانين مكافحة الاحتكار. بعض مِن قادة الجناح الجمهوري المتمرد بولاية كانساس كانوا من أشد المعارضين للشعبويين إبَّان تسعينيات القرن التاسع عشر، ومن بينهم جوزيف بريستو الذي عمل محررًا بمدينة سالينا، ثم أصبح عضوًا بمجلس الشيوخ عام ١٩٠٩، والمحرر الشهير بمدينة إمبوريا ويليام ألين وايت. أصبح الإصلاح يَحظَى بالاحترام بين أبناء كانساس هؤلاء المنتمين إلى الطبقة الوسطى، ولم يَعُودوا ينظرون إليه كتبرُّم المتذمرين والفلاحين فقط. ربما كان ذلك بحلول عام ١٩٠٥؛ نظرًا لأنه لم يكن لجمهوري أن يدعم الإجراءات الإصلاحية عام ١٨٩٥. لا شك أن بروز روزفلت أسهم في هذا التحول، وكذلك أيضًا السخط المتزايد نتيجةً لنفوذ الشركات (لا سيما شركات السكك الحديدية).

وفي ولاية أوكلاهوما المجاورة، وقُبَيْل تحوُّلها إلى ولاية عام ١٩٠٧، قادت مُعلِّمة وكاتبة صحفية تبلغ من العمر واحدًا وثلاثين عامًا تُدعَى كيت برنارد حملاتٍ لتنظيم عمال مدينة أوكلاهوما سيتي والعاطلين عن العمل بها داخل نقابة محلية تابعة للاتحاد الأمريكي للعمل. كذلك كتبت أبوابًا مهمة في الدستور الأول للولاية. وفي عام ١٩٠٦ قادت بنجاح تحالفًا للمزارعين والعمال أدرج فقرات تحظر عمالة الأطفال وتلزم بالالتحاق بالمدارس بالدستور الجديد للولاية، وهو الأمر الذي اعتبرتْه إسهامها الرئيسي (وإن لم يكن الوحيد). كما أسس الدستور أيضًا منصبًا بالانتخاب يُدعَى مفوض الأعمال الخيرية والإصلاحات. ترشحت برنارد لذلك المنصب عن الحزب الديمقراطي عام ١٩٠٧، وفازت به؛ ومِن ثَم أصبحت أول امرأة في منصب رسمي منتخَب على مستوى الولاية في البلاد. كذلك دعمت إصلاح السجون والقوانين التي تحظر إدراج العمال الذين أضربوا عن العمل في قوائم سوداء. كتبت صحيفة معاصرة أن مكانة برنارد «في ولاية أوكلاهوما الجديدة تضاهي مكانة جين آدمز في شيكاجو؛ فهي مواطنتها الأولى.»

fig6
شكل ٣-٥: كيت برنارد المُصلِحة الشابَّة التي كانت السبب وراء أجزاء كبيرة من الدستور الأول لولاية أوكلاهوما (١٩٠٧) وقوانين العدالة الاجتماعية الأولى بها.

وفي دنفر، تزعَّم قاضٍ بمحكمةٍ محليةٍ يُدعَى بنجامين بي لينزي، يبلغ من العمر واحدًا وثلاثين عامًا أيضًا، إنشاءَ محكمة للأحداث عام ١٩٠١، تفصل المتهمين الذين تَقِلُّ أعمارهم عن ستة عشر عامًا عن محاكمات البالغين وحبسهم. لم تكن تلك المحكمة هي الأولى في البلاد — أنشأت شيكاجو محكمة للأحداث عام ١٨٩٩ — ولكن بعد تعيين لينزي قاضيًا لتلك المحكمة، أضحت الأذْيَع صِيتًا ونموذجًا لمحاكمَ أخرى عديدة. هاجم لينزي، شأنه شأن برنارد، عمالة الأطفال وروَّج لمحاكم الأحداث من خلال المنشورات والكتب والمحاضرات. ومِن واقع خبرته، فإن المذنبين الصغار لا يتحملون المسئولية الكاملة على أفعالهم، كما يمكن إعادة تأهيلهم. كانت حجته مقنِعة، وانتشرت محاكم الأحداث عبر ربوع البلاد.

أما الجنوب فقد طوَّر نمطه الخاص من الإصلاح التقدمي. لم يُشيِّدِ الجنوب قَطُّ المدن والمصانع بالحجم نفسه الذي شُيِّدت به في منطقتي الشمال الشرقي والغرب الأوسط في العقود التي تَلَتِ الحرب الأهلية، بل ظلَّ ريفيًّا وزراعيًّا إلى حدٍّ كبير. أثار ظهور حزب الشعب في تسعينيات القرن التاسع عشر كتحالفٍ بين المزارعين السود الفقراء والبيض الفقراء فزعَ قادة الحزب الديمقراطي المستحكم النفوذ عبر أرجاء الجنوب، فأجازوا قيود جيم كرو على التصويت من تكساس إلى فيرجينيا بين أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر وعام ١٩٠٥، وبذلك حُرِم السُّود والبِيض الفقراء من حقِّهم في التصويت، وحُرِمت النساء السُّود من التصويت أيضًا، لكنهن تعاونَّ أينَما تسنَّى لهنَّ مع النساء البِيض للحصول على حق التصويت لجميع النساء.

دافع السياسيون الناجحون بالتأكيد عن المصالح الزراعية — الخاصة بالبِيض — لكن الديمقراطيين الجنوبيين كانوا ألدَّ الأعداء للشعبويين، على غرار الجمهوريين في كانساس. وشرعوا — على غرار الجمهوريين بكانساس أيضًا — في تبنِّي بعض مقترحات الشعبويين. دعم جيمس كيه فاردامان بولاية ميسيسيبي، أثناء تولِّيه منصب الحاكم من ١٩٠٤ إلى ١٩٠٨: حظرَ المشروبات الكحولية، ورفع الضرائب على شركات السكك الحديدية وغيرها من الشركات، وسعى وراء إصلاح التعليم والسجون، وعندما أصبح عضوًا في مجلس الشيوخ فيما بعد (في الفترة ما بين عامَيْ ١٩١٣ و١٩١٩)، اتَّحد مع لافوليت لإنهاء عمالة الأطفال. لكن فاردامان كان عنصريًّا متشددًا ومدافِعًا عن الإعدام دون محاكمة. وهكذا كان بن تيلمان، وهو سيناتور من ولاية ساوث كارولينا، إلا أنه كان مناصرًا قويًّا لتنظيم عمل شركات السكك الحديدية وإصلاح عملية تمويل الحملات الانتخابية. أما جيف ديفيز، حاكم أركنساس من عام ١٩٠١ إلى ١٩٠٦، فدافع عن تفوق الجنس الأبيض وقضايا المزارعين بالتوازي معًا. ومن ناحية أخرى، لم يكن أوسكار بي كولكويت حاكم تكساس من عام ١٩١١ إلى ١٩١٥ عنصريًّا صريحًا، وأيَّد القوانين التي تقر بإصلاح السجون، ووضع قيودًا على عمالة النساء والأطفال، وتعويض العمال، والتعليم الحكومي. أما تشارلز بي إيكوك، حاكم نورث كارولينا من عام ١٩٠١ إلى ١٩٠٥، فقد أعلن صراحةً عن تأييده لتفوق الجنس الأبيض وقوانين جيم كرو، بيدَ أنه كان داعمًا قويًّا للتعليم الحكومي أيضًا؛ مِن ثَم ارتبطتِ الحركة التقدمية بالجنوب في العادة بالتمييز العنصري ضد الأمريكيين من أصل أفريقي. وعلى الرغم من أن التقدميين في الشمال كانوا قد تخلصوا بالكاد من تلك الآفة، فقد ألْقَتْ بظلالها على كافة الأصعدة السياسية تقريبًا في الجنوب.

جاء عدد من الإصلاحات التي وقعت في الجنوب بعد عام ١٩٠٠ بدعمٍ من روَّاد العمل الخيري بالشمال، بما في ذلك جوليوس روزنفالد، الذي وفَّر الدعم المعنوي والمادي القوي لمدارس الأمريكيين من أصل أفريقي. كما أحضر أيضًا جين آدمز وعشرات غيرها من التقدميين الشماليين عام ١٩١٥ إلى معهد تاسكيجي الذي أسسه بوكر تي واشنطن. ترأَّس واشنطن معهد تاسكيجي بدءًا من عام ١٨٨١ لتدريب السود بالجنوب للعمل كمعلمين وعلى الفنون الصناعية. أنفق الجنوبيون الأموال القادمة من الشمال على القضايا التقدمية، مثلما فعل إدجر جاردنر ميرفي بألاباما، فقد أسَّس عام ١٩٠١ لجنة عمالة الأطفال بألاباما ومجلس التعليم الجنوبي عام ١٩٠٣، بدعمٍ بلغ ما يزيد على ٥٠ مليون دولار في النهاية من مؤسسة روكفلر. اعتمد القضاء على مرضَيِ الحُصاف والإنكلستوما سواء عبر الحملات الطبية أم التثقيفية على ما تقدمه لجنة روكفلر الصحية من تمويل وأفراد. قدَّمت لجنة التعليم العامة، وهي مؤسسة خيرية أخرى تابعة لروكفلر تأسست عام ١٩٠٢، إسهامات كبيرة من أجل تحسين التعليم والصحة العامة والأوضاع الصحية.

ازدهرت الحركة التقدُّمية في الغرب. في كاليفورنيا، تعددت أوجه الإصلاح. كان الحفاظ على البيئة أحد هذه الأوجه، وتمثَّل في حماية الجمال الطبيعي للولاية. وهذا الأمر أثار مسألة هل كان ينبغي لأصحاب المصالح الخاصة أو الحكومات المحلية التحكم في المياه والطاقة الكهرومائية أم لا؛ وضع التقدميون ثقتهم في الحكومات المُنتَخَبة، مع ذلك لم ينتصر دُعاة الدفاع عن البيئة دومًا. فهل كان الهدف هو حماية الجَمَال الطبيعي، أم الحفاظ على الموارد الطبيعية (واستخدامها)؟ انقسمت الحركة حول قضية الحماية/الحفاظ هذه. لم يَستَطِع زعيم المحافظين على البيئة، جون ميور، ومؤيدوه الحيلولة دون بناء سدٍّ عند وادي هيتش هيتشي بالقرب من جبال سييرا نيفادا، صُمِّم لتزويد سان فرانسيسكو بالمياه. شيد المطورون بلوس أنجلوس قناة مائية بطول ٢٠٠ ميل من وادي أوينز بالجانب الشرقي من جبال سييرا نيفادا لتزويد لوس أنجلوس بالمياه، فبدون المياه سيُكبَت نمو هاتين المدينتين. اعترض التقدميون المهتمون بالبيئة، لكن التنمية الحضرية كانت تَحظَى ببعضٍ من الدعم التقدمي أيضًا. استطاعت نساء ولاية كاليفورنيا، عضوات الجمعيات والنساء الاشتراكيات معًا، انتزاع حق المرأة في الانتخاب عام ١٩١١. كما كان للإصلاح وجه عنصري هناك أيضًا؛ فقد مررت كاليفورنيا قانونًا عام ١٩١٣، وحصَّنتْه عام ١٩٢٠، يحظر على المهاجرين اليابانيين امتلاك الأراضي.

كان هيرام جونسون من أبرز التقدميين في كاليفورنيا، وهو جمهوري تولَّى منصبَ حاكم كاليفورنيا من عام ١٩١١ إلى ١٩١٧، وأصبح عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي منذ ذلك الوقت حتى وفاته عام ١٩٤٥. قاد جونسون حملة عام ١٩١٠ ضد «الأخطبوط»، شركة ساذرن باسيفيك ريلرود. تذكِّرنا خطاباته بخطابات الشعبويين والتقدميين في مناطق أخرى، مثل قوله: لا بد أن ينتصر الشعب على «أصحاب المصالح الخاصة»، وفي خطابه الافتتاحي عام ١٩١١، شدَّد قائلًا: «أول واجب يقع على عاتقي أداؤه يتمثل في القضاء على جميع المصالح الخاصة في الحكومة، وأن أجعل الخدمة العامة بالولاية لا تستجيب إلَّا للشعب وحدَه.» لا بد أن تتسم الحكومة بالفاعلية — وهي أحد الشعارات التقدمية — وسرعة الاستجابة. استهدف جونسون أيضًا الأحزاب السياسية؛ وبناءً عليه أيَّد الإصلاحات التي من شأنها إضعاف الأحزاب؛ أولًا: المبادرة التي بموجبها كان يستطيع المواطنون العاديون (من خلال جمع عدد كافٍ من المصوتين للتوقيع على عريضة) إجراء تصويت على تشريع ما في حالة عدم ارتياحهم لقيام السلطة التشريعية بذلك، وثانيًا: الاستفتاء، الذي بموجبه يستطيع جمهور الناخبين التصويت على تلك المبادرة الشعبية، وثالثًا: سحب الثقة الذي بموجبه يستطيع الأفراد التصويت لعزل مسئول لا يشعرون بالرضا عن أدائه في منصبه (مثلما فعل أهل كاليفورنيا مع الحاكم جراي ديفيز عام ٢٠٠٣)، كذلك دعا جونسون لوجود لجنة أكثر صرامة لتنظيم عمل شركات السكك الحديدية تتمتع بصلاحية تحديد الرسوم، وسلطة قضائية لا حزبية، والحفاظ على البيئة على خُطا ثيودور روزفلت، وقانون يحدِّد مسئولية صاحب العمل، وغير ذلك. تحقق أغلب ذلك، على الرغم من أن المعلِّقين منذ ذلك الحين أشاروا إلى أن هذه الإصلاحات الهيكلية تمادت كثيرًا؛ وأضعفت الأحزاب السياسية على نحو بالغ الخطورة وزعزعت استقرار حكومة الولاية نتيجةً للكم الهائل من مبادرات التصويت التي كان يمكن، للمفارقة، أن يحرِّكها أصحاب المصالح الخاصة أو الأثرياء. تبيَّن بمرور الوقت أن التقدميين استهانوا بنفوذ «أصحاب المصالح الخاصة» المبغوضين في إدارة الإجراءات الإصلاحية ضدهم. ثمة مثال هو خير دليل على هذا الأمر، وهو مبادرة جارفيس-جان عام ١٩٧٨، الشهيرة ﺑ «المقترح ١٣»، التي قلَّلت ضرائب الأملاك على نحو شديد لدرجة أنها أضرَّت بالنظام التعليمي بالولاية وبهيئات أخرى.

كانت أوريجون إحدى الولايات الغربية الأخرى التي ازدهر فيها الإصلاح التقدمي أيضًا. حَظِيَت مدينة بورتلاند، على الأخص، بمجموعة متعاقبة من قادة الإصلاح الذين طوروا ما أطلقوا عليه «نظام أوريجون» بين عام ١٩٠٢ وعام ١٩٠٨. وعلى النقيض من الوضع في كانساس أو بالجنوب؛ حيث حارب التقدميون في الغالب الشعبويين في وقت سابق، كان للتقدميين في بورتلاند أصول شعبوية في الأغلب؛ فشهدت تلك المدينة تداخلًا بين الحركتين. وإبان تسعينيات القرن التاسع عشر، تحالف كلٌّ من تحالف المزارعين وفرسان العمل واتحادات النقابات العمالية معًا. وفي عام ١٩٠٢، وتحت زعامة ويليام إس يورين، الذي وُلد لأبوَيْن مهاجرين من كورنوال، مرَّر ذلك التحالف قانونًا للمبادرة والاستفتاء بفارق حاسم، حتى قبل قيام كاليفورنيا بذلك. وبعد مرور عامين، جاء التحالف نفسه بقانون الانتخابات الأولية المباشرة، وفي عام ١٩٠٨ بإجراء سحب الثقة وقانون الممارسات الفاسدة. أعقب ذلك الانتخاب المباشر لأعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي؛ مِن ثَم كانت الغاية من «نظام أوريجون» هي وضع السلطة على نحو مباشر في أيدي المصوتين. في عام ١٩١٢، أصبحت أوريجون الولاية السابعة التي تمنح حق التصويت للنساء. قطعت الديمقراطية المباشرة شوطًا كبيرًا للغاية، لكنها لم تمتدَّ أكثر من ذلك؛ فبعد عام ١٩٠٨ تعطل إصدار إجراء يطالب بأن يتم الموافقة على الضرائب فقط من خلال استفتاء وكذلك بإبطال حق الفيتو الخاص بحاكم الولاية، وذلك مع أن التحالف الشعبوي التقدمي — وأصوله المرتكزة على دعم المزارعين والعمال وأصحاب المشروعات الصغيرة — استمر في تحقيق بعض النجاحات.

fig7
شكل ٣-٦: ويليام إس يورين هو مَن صاغ «نظام أوريجون» وتزعَّم تشريعَه، الذي هو على الأرجح أنجح نموذج جَمَعَ بين التوجه الشعبوي والتقدمي على مستوى البلاد.

يرى روبرت جونستون، وهو مؤرخ لنظام أوريجون، أن نجاح ذلك النظام ودعمه ارتكزا على الطبقة الوسطى الدنيا من صغار مُلَّاك المنازل، والعمال المَهَرة، والعمال الميكانيكيين ممَّن لم يختلفوا في واقع الأمر كثيرًا من حيث الثروة والطبقة عن أصحاب الأعمال الصغيرة؛ إنهم في واقع الأمر انتقلوا في أغلب الأحوال من فئة إلى أخرى على مدار حياتهم العملية. كان هؤلاء «المواطنون العاديون» يشكِّلون جمهور الناخبين، وقد كانت فلسفتهم السياسية مستمَدَّة بدرجة كبيرة من النزعة الإنتاجية التي سادت في أواخر القرن التاسع عشر واستنادها إلى التآلف بين «الطبقات المنتجة»، التي لم تشمل قطعًا الرأسماليين الذين وظَّفوا الآلَافَ في مصانعهم واستغلُّوهم؛ ومِن ثَم جمعوا ثروات طائلة.

لم يرتكز الإصلاح في أوريجون، وفي أرجاء البلاد، على الزعماء المشهورين والمتحمِّسين أمثال برايان وروزفلت ولافوليت فحسب. ففي واقع الأمر، ما كان سيتحقق أيُّ شيء لولا العمال وأصحاب المحالِّ والمزارعون والمهنيون «الصغار» مثل المعلِّمين وأُمَناء المكتبات والقساوسة والمحررين الذين اتبعوا الحركة وانضموا إليها على نحو واسع النطاق. وكان التوجه التقدمي، على مستوى الحكومة وخارجها، سواء ركَّز على إصلاح الضرائب والدخل أو إجراءات العدالة الاجتماعية ومؤسساتها أو تحسين المنظومة الأخلاقية العامة والشخصية، يلتحم ليشكل حركة وطنية واسعة. اتحدت أفكار المزارعين من برنامج أوماها والنزعة الإنتاجية مع برامج المصلحين الحضريين، وسرعان ما ستتبلور في التشريعات الفيدرالية، ومن بينها التعديلات الدستورية الأربع التي صدرت إبان الحقبة التقدمية (ضريبة الدخل، والانتخاب المباشر لأعضاء مجلس الشيوخ، وحق المرأة في الانتخاب، وحظر المشروبات الكحولية).

كان من النادر أن يتكرر التحالف الذي أسفر عن «نظام أوريجون» في مناطق أخرى بالشكل نفسه، لكن بحلول عام ١٩٠٨، أخذت الخيوط العديدة للإصلاح، في نطاق السياسة والقانون وخارجهما، تشكِّل إجماعًا متماسكًا — ومتزايدًا بوتيرة سريعة — على الإصلاح الاجتماعي والسياسي. تم التخلِّي عن مبدأ عدم التدخل، وحلَّتْ محلَّه السلطة الحكومية — على المستوى المحلي والولايات أولًا، ثم على المستوى الفيدرالي بعد وقت وجيز.

لم تكشف انتخابات عام ١٩٠٨ مع ذلك عن حركة تقدمية متماسكة ومكتملة الجوانب في السياسة الوطنية، ولكن سطوة الحزب الجمهوري كانت أكثر تداعيًا مما بَدَتْ. وبحلول عام ١٩٠٨، كان ما يقرب من نصف الولايات — اثنتا عشرة منها ليست من ولايات الجنوب — يستخدم الانتخابات الأولية المباشرة لاختيار المرشحين للمناصب الرسمية. وفي عدد من دوائر الكونجرس، أطاح «المتمردون» — الاسم الذي أُطلِق في ذلك الوقت على الجمهوريين ذوي الميول الإصلاحية — بالمحافظين المتعنِّتين. وفي بعض المناطق، تقاعد المحافظون ببساطة في وجه قوى الإصلاح في دوائرهم. انطبق هذا الأمر على الأخص بدءًا من الجزء العلوي لوادي الميسيسيبي وامتدَّ غربًا. كان الولاء الحزبي، خاصةً لرئيس مجلس النواب الدكتاتور جوزيف جي كانون من إلينوي، أضعف بدرجة كبيرة بين أعضاء مجلس الشيوخ الجدد المنتخبين عام ١٩٠٨، الذين تولَّوْا مسئولياتهم في مارس ١٩٠٩. واستطاعوا معًا كسر قبضة كانون وآذنوا بالأوج الحقيقي للحركة التقدمية. إن خيوط الإصلاح العديدة التي شكَّلت الحركة التقدمية في مرحلتها المبكرة — سواء في نطاق السياسة والقانون والحكومة أو خارجها — ودعاةَ العدالة الاجتماعية وحقوقَ المرأة والمصلحين التعليميين والمهتمين بتنظيف الأحياء الفقيرة، سيتلاقَوْن في النهاية لتشكيل حركة سياسية مكتملة النمو. لم يكن يوم اكتمال نمو الحركة قد أتى تمامًا بعدُ بحلول انتخابات عام ١٩٠٨، لكنه أتى بعدَ وقت وجيز للغاية بعد ذلك؛ ومن باب المفارقة أن ذلك كان بعد رحيل ثيودور روزفلت عن منصبه، الذي لعب دورًا حاسمًا للغاية في تهيئة الاندماج بين المطالب العديدة المنفصلة الخاصة بالتغيير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١