الفصل الرابع

أوج الحركة التقدمية: ١٩٠٨–١٩١٧

بحلول عام ١٩٠٨ كانت الحكومات المحلية وحكومات الولايات في كافة قطاعات البلاد قد استجابت بطرقها الخاصة لحالة الاضطراب والشعور بالأزمة المتفاقمين منذ كساد تسعينيات القرن التاسع عشر. كان الاقتصاد بوجه عام قد تحسن منذ تلك الكارثة. وعندما هدَّد الذعر المصرفي الذي حدث في أكتوبر عام ١٩٠٧ بحدوث كساد آخر، استدعى روزفلت جيه بي مورجان لحشد موارد مؤسسات وول ستريت لوضع حدٍّ للأزمة، وهكذا حدث. ترتَّب على ذلك حالة من الارتياح شابَها التوجُّس بين عامة الشعب؛ فقد أدرك الناس الآن أن النظام المالي والنقدي للبلاد يحتاج إلى إصلاح جدي. ولكن هذا لن يتحقق إلا بواسطة مؤسسات وول ستريت، غير المُنتَخَبة وغير المسئولة إلَّا عن نفسها فقط، أو بواسطة حكومة فيدرالية مُنتَخَبة. استمرت الثروة في التدفق على نحو غير متكافئ لصالح الأكثر ثراءً، ولا تزال الشركات الكبرى تدار في إطار قدر ضئيل من القوانين التنظيمية، وواصلت المحكمة العليا إصدار أحكامها المضادة للنقابات العمالية.

شابت أوائلَ القرن العشرين صراعاتٌ بين العمال والرأسماليين كما كانت الحال في أواخر القرن التاسع عشر. فلم يمرَّ عام منذ أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر إلا وحدث ألف إضراب عن العمل على الأقل؛ وقد حدث ما يزيد على ٨ آلاف إضراب عن العمل بين عامَيْ ١٩١٧ و١٩١٨، عامَيِ الذروة. شهد حي جرينتش فيلدج بمدينة نيويورك في مارس ١٩١١ وفاةَ ١٤٦ عاملًا، أغلبهم من النساء الصغيرات المهاجرات، وذلك عندما اندلع حريق في الأدوار العليا من شركة تراينجل ويست. لم يَستَطِعِ العمال الهرب لأنَّ الإدارة كانت توصد الأبواب، ولم تستطع سلالم رجال الإطفاء الوصول إلى ذلك الارتفاع لإنقاذ العمال. أجَّجَ الغضبُ الناجمُ عن تلك الحادثة الشنيعة الدعواتِ القويةَ للإصلاح. كان قطاع التعدين أيضًا — وهو واحد من أخطر أنواع المهن التي لم تكن تخضع للقوانين التنظيمية الكافية — في حاجة إلى التنظيم. في ديسمبر عام ١٩٠٧، لقي ما يزيد على ٣٥٠ من عمال المناجم حتفَهم في انفجار بولاية ويست فيرجينيا، ومائة آخرين في نوفمبر من العام التالي في بنسلفانيا. أما في الغرب، بمدينة ترينيداد بولاية كولورادو، أضرب أعضاء «عمال المناجم المتحدين» لمدة أربعة عشر شهرًا ضد شركة كولورادو فيول آند أيرون، التي تجاهلت تدابير السلامة، وخدعت عمال المناجم حول وزن الفحم الذي يستخرجونه، وتَقَاضَتْ منهم ومن أُسَرهم أسعارًا مبالَغًا فيها بمتاجر الشركة، ورفضت الاعتراف بنقابتهم. استعانت الشركة بوكالة تحريات مسلَّحة لفضِّ الإضراب. وعندما بدأ الطرفان في تبادل إطلاق النار، أرسل الحاكم قوات الدفاع عن الولاية، ولكن عندما بدا أن القوات منحازة لصف الشركة، تأجج العنف أكثر. كان اليوم الأسوأ هو ٢٠ أبريل عام ١٩١٤، حيث قُتِل ما يزيد على اثنَيْ عشر امرأةً وطفلًا اختناقًا داخل حفرة أسفل خيمة مشتعلة. اشتُهرت هذه الواقعة باسم «مذبحة لودلو»، وعلى مدار الأسبوعين التاليَيْن، قُتل ما يزيد على خمسين من عمال المناجم وحراس الشركة في الاشتباكات. وفي صيف عام ١٩١٧، انتهى إضراب في مدينة بيزبي بولاية أريزونا نُظِّم ضد شركة فيلبس دودج وغيرها من شركات تعدين النحاس عندما اقتاد أشخاص مأجورون ١١٨٦ من العمال المُضرِبين والمتعاطِفين معهم إلى داخل عربات قطار شحن وألقَوْا بهم في صحراء نيو مكسيكو على بُعْد أميال بدون طعام أو مأوًى.

واكبتِ الصراعات العمالية صراعات عرقية. اندلعت أعمال شغب عرقية شنيعة في أغسطس عام ١٩٠٨ بمدينة سبرينجفيلد بإلينوي، قُتل على إثرها العديد من الأشخاص، وأُضْرِمت النيران في أحياء السود، وفرَّ الآلاف من المدينة. وكردة فِعْل على هذه الأحداث، اتحد التقدميون من البِيض والسود تحت قيادة دبليو إي بي دوبويز وإيدا بي ويلز-بارنيت وويليام إنجليش والنج وأوزوالد جاريسون فيلارد معًا وشكلوا الجمعية الوطنية للنهوض بالملوَّنين أوائل عام ١٩٠٩، وسرعان ما تعززت الجمعية بقيادة مراكز التكافل الاجتماعي من أمثال جين آدمز وفلورنس كيلي والفيلسوف جون ديوي والصحفيين لينكولن ستيفنز وراي ستانرد بيكر وغيرهم، وأسست فروعًا لها في نيويورك وشيكاجو ومدن أخرى للترويج للانسجام العرقي ومنع العنف بين الأعراق المختلفة الذي استمر في الحدوث مع ذلك.

fig8
شكل ٤-١: ويليام إدوارد بيرهارت دوبويز، أول أمريكي من أصل أفريقي يحصل على درجة الدكتوراه من جامعة هارفرد، وهو مؤسس الجمعية الوطنية للنهوض بالملوَّنين، ومحرر مجلة «ذا كرايسيس» التي تصدرها.

كان الأمريكيون من أصل أفريقي — لا يزال ما يزيد على ٩٠ في المائة منهم يعيشون في الجنوب — ممنوعين بحكم القانون من التصويت في جميع ولايات الجنوب، ويعيشون تحت وطأة التهديد المستمر بالإعدام دون محاكمة والطرد من أي ملكية خاصة بهم، وقد تعرضوا لأسوأ نُظُم التمييز العنصري منذ نهاية العبودية نفسها بتطبيق قوانين جيم كرو. يمكن وصف السياسيين الجنوبيين أمثال فاردامان حاكم ميسيسيبي وتيلمان حاكم ساوث كارولينا بأنهم تقدميون فيما يتعلق بالقضايا غير العرقية (الضرائب والمدارس وإصلاح السجون) ولكنهم أيَّدوا في الوقت نفسه عمليات الإعدام دون محاكمة كوسيلة للسيطرة الاجتماعية. وخلال العَقْد التالي، أسفر «النزوح الكبير» عن توجه الكثير من السود الجنوبيين شمالًا إلى شيكاجو وديترويت ومدن أخرى، وغربًا إلى لوس أنجلوس، تاركين وراءهم مزارع قاحلة. واجَهَهم التمييز العنصري في الشمال أيضًا، لكنهم على الأقل لم يعودوا متخوِّفين من نظام استئجار المدانين للعمل المطبَّق بالجنوب (الذي سُجن بموجبه السود بتُهَم ملفَّقة ثم تمَّ استئجارهم من قِبَل المُزارِعين ورجال الأعمال البيض مقابل أجر زهيد)، كان هذا النظام هو بديل العبودية في عصر إعادة الإعمار.

وبالرغم من كل هذا الخلل الاجتماعي، استمرت الإصلاحات السياسية في التحقق. ظهرت قوانين الانتخابات الأولية المباشرة في ولاية تلو الأخرى بعد عام ١٩٠١، وبحلول عام ١٩١٧، كان أربعٌ وأربعون من بين ثمانٍ وأربعين ولاية تطبِّقها. في عام ١٩١٢ كانت ثلاث عشرة ولاية فقط تتبع الانتخابات الأولية للمرشحين الرئاسيين، ولكنْ بحلول عام ١٩١٦ كان ما يزيد على نصف الولايات يتبع ذلك النهج. وردت قوانين المبادرة والاستفتاء في تشريعات اثنتين وعشرين ولاية بين عامَيْ ١٨٩٨ و١٩١٨، جنبًا إلى جنب مع الانتخاب المباشر لأعضاء مجلس الشيوخ، في العديد من الولايات قبل تمرير التعديل السابع عشر على المستوى الفيدرالي. وفي ولايات وايومنج وكولورادو وإيداهو ويوتا عام ١٩٠٨، كانت النساء يُدلِينَ بأصواتهن لاختيار الرئيس. انضمت ولاية واشنطن عام ١٩١٠ وولاية كاليفورنيا عام ١٩١١ وولاية أوريجون عام ١٩١٢ إلى الولايات التي أعطت المرأة الحق في الانتخاب في الغرب. وبالإضافة إلى الإصلاحات التشريعية على المستوى المحلي ومستوى الولايات، استمر الصحفيون الإصلاحيون الكاشفون للفساد في كشف النقاب عن الصلات المشبوهة بين رجال الأعمال والسياسيين، وبيع العقاقير الضارة للمستهلكين، واحتيال شركات التأمين، وغير ذلك من الانتهاكات الشنيعة. قَوِيَتْ شوكة حركتَيِ الإنجيل الاجتماعي ومراكز التكافل الاجتماعي، وبدأ العمل الاجتماعي المهني في التصدي لظاهرة الفقر بالحضر. نشر عالِم الاجتماع إدوارد ألسورث روس من ويسكونسن كتابَه الذائعَ الصِّيت «الخطيئة والمجتمع» عام ١٩٠٧، الذي أكَّد فيه أن الخطيئة لم تَعُدْ شأنًا فرديًّا فحسب وإنما شأن اجتماعي، وأن انتخاب أشخاص صالحين لم يَعُدْ كافيًا، وأن المجتمع بحاجة إلى إصلاح هيكلي، كما واصَل زميلُه عالِم الاقتصاد جون آر كومنز نشر دراساته التجريبية عن أوضاع العمالة، التي استَنَد إليها التشريع الإصلاحي الذي أصدره الحاكم روبرت إم لافوليت. وفي جامعة شيكاجو، أسس الفيلسوف التربوي جون ديوي «مدرسة مختبرية» عام ١٨٩٦؛ ومِن ثَم أطلق العنان للتعليم التقدمي، الذي يَبنِي التعليم على الخبرة لا النظرية. أصبح ديوي وويليام جيمس الأستاذ بجامعة هارفرد هما الداعيَيْن الرئيسيَّيْن للبراجماتية، التي تُعتَبَر بالقَطْع المدرسة الأمريكية في الفلسفة، بتأكيدها على المعرفة العملية بدلًا من المجردة، أو على حدِّ تعبير جيمس: «القيمة النقدية للأفكار». ساعَدَتِ البراجماتية (التي أَطلَق عليها ديوي «الذرائعية») في تدعيم الأبحاث التجريبية الخاصة بآلية العمل الحقيقية للمجتمع، التي قادت بدورها إلى القوانين الإصلاحية التقدمية. ازدهرتِ المناهج والمعايير المهنية في العلوم الاجتماعية (الاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا)، وفي التاريخ وفي التدريب الطبي والقانوني.

كان آخِر إجراءٍ هامٍّ أثناءَ عهْد تافت هو إنشاء الكونجرس لِلَجنة العلاقات الصناعية الأمريكية في صيف عام ١٩١٢. دعم روَّاد العمل الاجتماعي وعلماء الاجتماع الأكاديميون وأتباع حركة الإنجيل الاجتماعي تلك اللجنة، وحَظُوا بدعم صامويل جومبرز، رئيس الاتحاد الأمريكي للعمل، والاتحاد المدني الوطني ذي التوجه التجاري. صدَّق تافت على القانون واقترح قائمة أسماء محافِظة بعض الشيء لتكون أعضاء اللجنة. استطاع المؤيدون تأجيل التعيينات حتى تولِّي وودرو ويلسون عضو الحزب الديمقراطي الرئاسة، الذي عيَّن مجموعةً ذاتَ توجُّه إصلاحي أكثر. كان رئيس اللجنة محاميًا صارمًا من مدينة كانساس سيتي، وهو فرانك بي والش. في عام ١٩١٦، قدَّمت اللجنة تقريرًا من أحَدَ عشر جزءًا توصي فيه بمعاشات للأرامل، والحضور الإلزامي للطلاب بالمدارس، ومحاكم للأحداث، وغير ذلك الكثير؛ كان ذلك التقرير بمنزلة بيان بمقترحات العدالة الاجتماعية التقدمية. تبنَّتْ حكومات الولايات بعضًا من هذه المقترحات، وتبنَّتِ الحكومة الفيدرالية البعض الآخر. شارَك والش في رئاسة مجلس عمالة الحرب بقرار من الرئيس ويلسون عام ١٩١٨، وأيَّد والش حقوق العمال في إنشاء نقابات، وحدٍّ أدنى للأجور، وتحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميًّا، وتساوِي النساء مع الرجال في الأجْر. كذلك دافَع والش عن الحريات المدنية في وجْه مَوْجة قوانين التحريض على الفِتْنة فيمَا بينَ عامَيْ ١٩١٨ و١٩٢٠. وقد انعكست فلسفته — التي تُعَدُّ الجسر الذي يربط بين الحركة التقدمية وبرنامج «الصفقة الجديدة» الخاص بثلاثينيات القرن العشرين — بوضوحٍ في مقال كتبه في ذكرى عيد العمال عام ١٩١٨:

وفقًا للنظرية التي … توارثناها، إن الوظيفة الرئيسية للحكومة هي حماية الملكية وإفساح المجال أمام الناس لاكتسابها، وفي الواقع العملي، كما نعرف، كانت وظيفة الحكومة في أحوال كثيرة للغاية ومن مُنطَلَق تلك الرخصة هي حماية أصحاب الملكية من أجل استغلال الحياة الإنسانية … اسمحوا لي … أن أنضمَّ إليكم في احتفالكم بعيد العمال بوصفه يومًا للوعد بأن الحق في الربح لن يكون مجددًا أبدًا أكثر أهمية من الحق في الحياة.

كانت تلك التغييرات جميعها حضريةً، وكانت جزءًا مهمًّا وراسخًا من تاريخ الحركة التقدمية. لا ريب أن الحركة التقدمية اكتسبتْ قدْرًا كبيرًا من دعمها — الدعم الأبرز والأوضح بالطبع — من المحرِّرين وأساتذة الجامعات والسياسيين والمهنيين ومناصِرات العدالة الاجتماعية من مختلف الصور. عاش هؤلاء المُصلِحون في مدن كبيرة ومتوسطة، في الشمال الشرقي، وولايات البحيرات العظمى والغرب من دنفر إلى ساحل المحيط الهادئ. من بين الزعماء «الأربعة الكبار» الذين قادوا الحركة التقدمية الوطنية، كان ثيودور روزفلت فقط مَن يمكن وصفُه بأنه من أبناء المدينة؛ فقد وُلد وتَرَعْرَعَ في ظروف أرستقراطية في نيويورك. اتخذتْ وسائل إعلام ذلك العصر من المدن الكبرى مقرَّاتٍ لها، وليس من المفاجئ أن الحركة الإصلاحية في المناطق الحضرية استحوذت على اهتمام وسائل الإعلام. بَيْدَ أن برايان لم ينشأ في المدينة، وكان لافوليت منحدرًا من بلدة صغيرة، وكان وودرو ويلسون من أبناء الجنوب.

من ثَم، لم تكن المدن بأي حال هي المنبَع الوحيد للحركة التقدمية. ثمة عنصرٌ رئيسي في الحركة التقدمية — وهو بالتأكيد أساس نجاحاتها على المستوى الفيدرالي — كثيرًا ما يتم تجاهله؛ ذلك العنصر هو القاعدة الزراعية القوية للحركة. من المهم تذكُّر أن الولايات المتحدة قبل عام ١٩٢٠ كانت مجتمعًا ريفيًّا بدرجة كبيرة، عاش أغلب شعبها في المزارع أو القرى الريفية الصغيرة، وتركَّز قدْر كبير من الاقتصاد والعمل في الزراعة أو ارتبط بها؛ آلاف الشوارع التجارية المركزية في البلدات والمدن الصغيرة، ومكاتب الشحن البريدي ومصانع المعدات الزراعية في المدن والبلدات الكبرى، وصناعات الجرارات والمركبات، والسكك الحديدية وغير ذلك الكثير، إلى جانِب الأعداد الكبيرة التي اشتغلت بالزراعة بالفعل. مثَّل الجنوب أكبر المناطق الريفية (ما يزيد على ٧٧ في المائة عام ١٩١٠)، لكنَّ منطقتَيِ الغرب الأوسط (وبخاصة ولايات البحيرات العظمى) والغرب استمرت الأغلبيات الريفية في الهيمنة عليهما قبل عام ١٩٢٠. كانت منطقة الشمال الشرقي هي الوحيدة التي ضمت أغلبية حضرية، وذلك منذ عام ١٨٨٠.

حَظِيَ الزراعيون — ليس فقط الفلاحين، بل سكان البلدات الصغيرة الذين ارتبط نشاطهم الاقتصادي بالزراعة أو اعتمد عليها، والذين أمضَوْا حياتَهم في إطار ثقافات ريفية أو خاصة ببلدات صغيرة — بفرصة الهيمنة على العمل السياسي؛ فقد سيطرت قُوَّتُهم الانتخابية على الكثير من دوائر الكونجرس في الجنوب والغرب الأوسط والغرب، وفي المناطق الحضرية، اضطُرَّ العمال الذين ربما اتَّحَدوا مع الزراعيين، والذين شكَّلوا واحدة فقط من بين الجماعات ذات المصالح المشتركة العديدة إلى التنافس مع المؤسسات التجارية وغيرها للاستحواذ على اهتمام أعضاء الكونجرس؛ لذلك، وعلى الرغم من الجهود المستمرة التي بذلها برايان وغيره من قادة الإصلاح الزراعي، لم يقدِّم العمال والنقابات العمالية للزراعيين سوى دعم ضعيف ومتقطِّع. جاءت الانتصارات الزراعية الكبرى فيما بين عامَيْ ١٩١٠ و١٩١٧، وتمثَّلت في الفوز بتشريعات فيدرالية تقدمية على يد الديمقراطيين بالجنوب والغرب الأوسط والغرب، والجمهوريين المتمردين في الغرب الأوسط. وكما لاحظت إليزابيث ساندرز، أستاذة العلوم السياسية: «كان الديمقراطيون المهمَّشون [الزراعيون] وحلفاؤهم من العمال الأقل عددًا بالشمال هم مَن دَعَم بشدةٍ البرنامج التقدمي.»

حاول حزب الشعب في تسعينيات القرن التاسع عشر، جنبًا إلى جنب مع الديمقراطيين من أتباع برايان عام ١٨٩٦، تشكيل تحالف إقليمي (بين الغرب والجنوب) ولا عِرْقي بين العمال والمُزارِعين، لكن الشعبويين تداعَوْا فوق صخرة القضية العِرْقية الشقاقية في الجنوب، التي استغلها معارضوهم لاستمالة الناخِبِين البِيض. وعندما كان الشعبويون يؤكد بعضهم لبعض أن السُّود «في الخندق نفسه مثلنا تمامًا»، كان بإمكان أحد الديمقراطيين من الجنوب أن يجيب: «لكنهم ليسوا مثلَنا، إنهم سود.» رأى الكثيرون أن العِرْق أهم من الطبقة الاجتماعية، تردَّد أبناء الجنوب في التخلِّي عن الولاء التقليدي للحزب الديمقراطي، وتردَّد أبناء الغرب الأوسط في التخلِّي عن ولائهم للحزب الجمهوري، من أجْل حزب الشعب. كذلك أخفق برايان — لا لانعدام رغبته في المحاولة — في الفوز بدعم العمال في مدن البحيرات العظمى والشمال الشرقي.

بيدَ أنه بحلول عام ١٩٠٥ تقريبًا، بدأ الكثير من أبناء الجنوب والغرب الأوسط (والغرب) في إدراك أنه لا يتحتم على المرء أن يكون شعبويًّا كي يَصِير مؤيدًا للإصلاح الزراعي؛ فالمصالح الاقتصادية للمزارعين وهؤلاء المرتبطين بالزراعة فاقت أهمية التوصيفات السياسية؛ إذ يمكن أن يصير المرء ديمقراطيًّا مؤيدًا للإصلاح الزراعي على غرار برايان والكثير من أبناء الجنوب، أو جمهوريًّا مؤيدًا للإصلاح الزراعي على غرار لافوليت أو جورج نوريس أو جيلبرت هيتشكوك ابن نبراسكا، أو الجمهوريين بولاية كانساس الذين ناهضوا الشعبويين في السابق على غرار جوزيف بريستو أو فيكتور ميردوك أو ويليام ألين وايت. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن الشعبويين لم يُظهِروا احترامًا كبيرًا لمؤيدي بريستو ووايت، فقد بدأت أفكارهما تبدو منطقية يومًا بعد يوم وحَظِيَت بالدعم في نهاية المطاف. كانت خطط برايان من عام ١٨٩٦ وعلى مدار العشرين عامًا التالية مستوحاةً إلى حدٍّ بعيد من برنامج أوماها الخاص بالشعبويين لعام ١٨٩٢، ومن بين مقترحات ذلك البرنامج، لم يَظفَر مؤيدو الإصلاح الزراعي قط بملكية وطنية للسكك الحديدية ونظام التلغراف؛ أو بالمشروع الأبرز الذي سَعَى وراءَه حزب الشعب بتكساس: الخزانة الفرعية. لقد عجزوا كثيرًا عن جعل النظام الرأسمالي ديمقراطيًّا على نحو جوهري، بيدَ أنهم خلال الأعوام من ١٩٠٩ إلى ١٩١٨ نجحوا في نقْل مجموعة مُبهِرة من المقترحات إلى داخل الكونجرس، ثم إجازتها كقوانين: تقليل الرسوم الجمركية، وضريبة دخل تصاعدية فيدرالية، وقوانينَ مناهضةٍ للاحتكار أكثر صرامة، وعملة أكثر تداولًا (ليست الفضة، بل الأفضل منها، عملة ورقية تدعمها الحكومة)، وتمويل فيدرالي للتعليم الزراعي، وتسويق المزارع، وإنشاء طرق سريعة، ودعم الجمعيات التعاونية، وانتخاب أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بالتصويت الشعبي بدلًا من الهيئات التشريعية للولايات (القابلة للفساد)؛ واستمرارًا في التمسك بأمل الدعم العمالي، سُنَّت قوانين تنظيمية على عمالة النساء والأطفال.

ظل الدعم العمالي هزيلًا، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن المحاكم أباحتِ الممارسات المناهِضة للنقابات العمالية على غرار إدراج العمال المُضرِبين في قوائم سوداء وعدم سماحها بالمفاوضات الجماعية بين العمال وأصحاب العمل. ومع ذلك، استمر المصلحون الزراعيون في محاولة تأسيس تحالف، وبذاك قدَّموا للعمال بعض الانتصارات، على حد قول ساندرز: «بالرغم من الوصف الشائع لزعماء الإصلاح التقدمي كممثلين عن التجارة الحضرية والطبقات المهنية، فقد شكَّل المزارعون العدَدَ الأكبر للناخبين المؤثِّرين في النفوذ الشعبي المتسع في ولايات الجنوب والغرب الأوسط؛ حيث كانت الحركات الإصلاحية في أوج قوتها.»

ساهَم المتمردون الجمهوريون بآرائهم وأصواتهم الانتخابية في خدمة تلك القضية، في حين اعتمدت خطط المصلحين الزراعيين على الديمقراطيين الأكثر عددًا بكثير، وكثير منهم كان من «تكتل الجنوب» ما بعد عصر إعادة الإعمار. ظهر ذلك التكتل لأول مرة في سبعينيات القرن التاسع عشر في مواجهة جهود إعادة الإعمار التي قام بها الحزب الجمهوري بالأصالة عن العبيد الذين حصلوا على حريتهم مؤخرًا. وعليه، كان رجل عنصري مؤيد للإعدام دون محاكمة على غرار فاردامان بميسيسيبي يمكن أن يُعَد تقدميًّا قويًّا في الوقت نفسه.

استُوحِيَ دستور أوكلاهوما، عندما أصبحت ولاية عام ١٩٠٧، من برايان، وساهمت كيت برنارد في كتابته، وكان نموذجًا للتقدمية الشعبوية، ولعله البيان الأكمل على الإطلاق للراديكالية الزراعية الديمقراطية. كانت ولايات البحيرات العظمى الشمالية موطنًا للكثير من الديمقراطيين الزراعيين، أما كانساس، فقد شذَّت عن تلك القاعدة، لكنْ هناك تم انتخاب المتمردين الجمهوريين على غرار بريستو وميردوك. كانت المناطق بدءًا من غرب تكساس شمالًا، ومرورًا بأوكلاهوما وكولورادو ووايومنج ومونتانا والسهول العظمى، تمر بطفرة كبيرة في الهجرة الداخلية وتأسيس العِزَب الريفية؛ فقد شَهِد عام ١٩١٣ ذروة طلبات استيفاء الشروط اللازمة لتأسيس عِزَب ريفية — والحصول على سَنَد المِلْكية النهائي — في التاريخ الأمريكي. لم يكن مؤسسو تلك العِزَب محافِظِين على المستوى السياسي، وكما أشار إريك راوتشواي، الأصوات الانتخابية في صالح البرنامج التقدمي «جاءت من جانب الديمقراطيين في الجنوب والغرب الذين أيَّدوا منهج برايان … فهؤلاء الأمريكيون لم يُضطَروا إلى الانتقال إلى مكان يتسنَّى لهم منه دعم القوانين التنظيمية للشركات؛ فقد وُلدوا في ذلك المكان.» ثمانون في المائة من التشريعات التقدمية التي سيتم سنُّها من عام ١٩٠٩ حتى الحرب العالمية الأولى ظهرتْ عندما كان المصلحون الزراعيون يتولَّوْن زمام الأمور. باختصار؛ عندما «حادت الحركة الإصلاحية الخاصة بالطبقة المتوسطة عن آمال المزارعين والطبقة العاملة؛ أخفقت.» ورجحان كفة الزراعيين هذا يساهم في تفسير السبب في حظر المشروبات الكحولية الذي أصبح التعديل الثامن عشر في الدستور عام ١٩١٨، وفي أنْ أضحى نظام جيم كرو مستحكمًا للغاية في الجنوب، مع وجود نسخة أقل عنفًا — غير أنها حقيقية — من ذلك النظام في المدن الشمالية. وبحلول ثلاثينيات القرن العشرين أضحت تلك الإجراءات متعصِّبة على نحو يُثِير السخرية، لكنها قبل ذلك شكلت جزءًا من الحركة التقدمية.

جاءت انتخابات عام ١٩٠٨، كما أشرنا آنفًا، بويليام هاورد تافت رئيسًا وأعادت زمام الكونجرس إلى الجمهوريين، ولكن التغييرات كانت في طريقها للحدوث. أول تلك التغييرات، ويرى البعض أنه أهم الإصلاحات في الحقبة التقدمية بالكامل، هو تمرير الكونجرس للتعديل السادس عشر في الدستور، الذي سمح بتطبيق ضريبة دخل تصاعدية. في تسعينيات القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، نادت أصواتٌ يمينيةٌ صاخبةٌ بتطبيق «ضريبة ثابتة» — وهي ضريبة دخل تُحسب بمعدل واحد أو اثنين على الأكثر وتسري على الجميع — تحت ذريعتَيِ «العدالة» و«التيسير». تنطبق وجهة النظر هذه مع تلك الخاصة بمحافِظي العصر المُذهب الذين عارضوا ضريبة الدخل التصاعدية. شهد ذلك العصر، شأنه شأن عصر ريجان، استحواذ الطبقة الأكثر ثراءً التي تمثل خمسة أو واحدًا في المائة من الشعب على حصص متزايدة من الثروات. كانت الضريبة الثابتة ستعزِّز أكثر اختلال التوازن هذا، أما الضريبة التصاعدية — وفقًا لمدى ارتفاع معدلاتها — فكانت ستوقف ذلك المسار أو تعكسه. ومن الجدير بالاهتمام فحص أسباب وكيفية اقتناع الكونجرس الأمريكي والشعب، في وقت مبكِّر من القرن العشرين، بتبنِّي التعديل السادس عشر، وهذا ما سنفعله في السطور التالية.

جرى في وقتٍ سابقٍ تجربة تطبيق ضريبة دخل فيدرالية؛ ففي خلال الحرب الأهلية، فرضت حكومة الاتحاد ضريبة دخل باعتبارها إحدى وسائل جمع الأموال، لكنها سرعان ما أُلغيت بعد الحرب. طالب برنامج أوماها عام ١٨٩٢ الذي أصدره حزب الشعب بتطبيق ضريبة دخل تصاعدية، وفي وقت مبكر من عام ١٨٩٤، طالب ويليام جيننجز برايان في الكونجرس بضريبة دخل، وإن كانت بمعدل ٢ في المائة فقط على الدخول التي تزيد على ٤ آلاف دولار، وذلك دون تدرُّج، واستشهد برايان بست دول أوروبية تطبق ضرائب الدخل على مدار عقود. وعن اعتراض الجمهوريين بأن الضريبة كانت بمنزلة «تشريع طبقي» وستنطبق بدرجة أكبر على منطقة الشمال الشرقي، رد برايان: «لماذا لا تدفع تلك الأجزاء من البلاد الجزء الأكبر بما أنها تستمتع على نحو أكثر؟!» واقتبس قول آدم سميث، الذي يُعتَبَر كتابه «ثروة الأمم» (١٧٧٦) الوثيقة التأسيسية للرأسمالية إلى حدٍّ بعيد: «يجب أن يُسهِم رعايا كل دولة في دعم الحكومة، بحسب قدرات كلٍّ منهم قدْر الإمكان؛ أي نسبة إلى الدخل الذي يتمتع به كلٌّ منهم في ظل حماية الدولة.» بيدَ أن التعريفة الجمركية — الرسوم الجمركية التي أيَّدها الحزب الجمهوري دومًا على مستويات عالية لحماية قاعدته الصناعية — كانت «ضريبة على الاستهلاك» وكان «الفقير هو مَن يدفعها بما لا يتناسب مطلقًا مع الدخل الذي يَحظَى به.» عرض برايان بيانات من مجلة «بوليتكال ساينس كوارترلي» تذكر أن ٩١ في المائة من العائلات الأمريكية كانت تمتلك ٢٩ في المائة من الثروة، في حين امتلك ٩ في المائة منها ٧١ في المائة من الثروة، وتساءل: «مَن الذي يحتاج إلى أسطول بحري على نحو أكثر؟ … مَن يُطالب بجيش صامد؟» ليس المزارعين أو العمال، بل الرأسماليون الذين يحتاجون إلى حماية ممتلكاتهم الضخمة. في عام ١٨٩٤، أجاز الكونجرس الذي هيمن عليه الحزب الديمقراطي ضريبة الدخل كجزء من قانون ويلسون-جورمان للتعريفة الجمركية، في أعقاب زعم برايان بأنها أكثر إنصافًا من التعريفات الجمركية العالية، وأنها أيضًا حلٌّ عملي لاستبدال العائد المفقود من خفض الرسوم الجمركية. إلا أن المحكمة العليا أصدرت حكمًا (خمسة أصوات مقابل أربعة) عام ١٨٩٥، في قضية «بولوك ضد شركة فارمرز لون آند تراست»، بأن ضريبة الدخل هذه غير دستورية؛ لأنها ضريبة مباشرة على الملكية وليست موزَّعة حسب التعداد السكاني للولايات.

توقَّف الأمر عند ذلك حتى عام ١٩٠٨. نادى البرنامج الانتخابي الخاص بالحزب الديمقراطي ذلك العام بفرض ضرائب على الدخل والتركة. اتفق ثيودور روزفلت في رسالته الأخيرة إلى الكونجرس في ديسمبر عام ١٩٠٨ مع ذلك الرأي. وبحلول ذلك الوقت، كان السخط بسبب الفجوة الآخِذة في الاتساع بين القِلَّة الثَّرِيَّة والأغلبية الفقيرة، والتعريفات الجمركية العالية بوصفها ضريبة على المستهلكين الفقراء؛ قد انتشر حتى بين الجمهوريين. ويومًا بعد يوم لم يصبح النقاش يدور حول الحاجة إلى فرض ضريبة على الدخل فحسب، خاصة إذا جرى خفض التعريفات الجمركية، بل حول فرض ضريبة دخل «تصاعدية». وكما أوضح أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا، إي آر إيه سيلجمان، فإن الضريبة الثابتة:

سوف … يتأثر بها بدرجة أشد وطأة نسبيًّا الرجلُ العاديُّ الذي لا يملك سوى فائض بسيط عن نفقاته الاجتماعية الضرورية، من الرجل العادي الذي يملك فائضًا أكبر تناسبيًّا … تصبح الأعباء الضريبية في الولايات المتحدة … غير موزَّعة بالتساوي يومًا بعد الآخر. هذا وتتحمل الطبقات الأكثر ثراءً حصة أصغر من العبء العام تدريجيًّا. فلا بد من فعل شيء لاستعادة التوازن، وهذا الشيء من الصعب أن يتخذ صورة أخرى سوى ضريبة على الدخل.

لم يكن هناك سوى سبيلين للتحايل على حكم المحكمة العليا في قضية بولوك؛ الأول: هو تمرير ضريبة الدخل كقانون عادي وإحالته فيما بعدُ إلى المحكمة العليا، على أمل أن تبطل المحكمة العليا الحالية حكمها الصادر عام ١٨٩٥، والسبيل الآخر: هو تعديل الدستور. في يوليو عام ١٩٠٩، اختار الكونجرس السبيل الثاني. تحالَف المتمردون الجمهوريون من أمثال ألبرت كامينز من ولاية آيوا ولافوليت مع الديمقراطي تشامب كلارك من ولاية ميزوري، الذي أعلن في الكونجرس: «إننا نفضِّل كثيرًا جعْل ضريبة الدخل جزءًا من قانون التعريفة الجمركية بدلًا من التصويت على … إحالة تعديل دستوري خاص بضريبة الدخل للولايات لاعتماده.» فقد أدرك هؤلاء أن التعديل الدستوري أمر محفوف بالمخاطر؛ نظرًا لأنه قد يَفشَل إذا رفضتْه اثنتا عشرة هيئة تشريعية خاصة بالولايات فقط، وعلى أحسن تقدير، ستتأجل الضريبة حتى تصديق عدد كافٍ من الولايات عليها؛ واتضح أن ذلك الأمر سيستغرق أربع سنوات تقريبًا. استطاع نيلسون ألدريتش وآخرون من الحرس القديم، بمساندة الرئيس تافت، تحاشِيَ إضافة ضريبة الدخل إلى قانون التعريفة، وبذلك دفعوا الأمر نحو إجراء تعديل دستوري.

لم يكشف النقاش بالكونجرس عن حُججٍ جديدةٍ بخلاف تلك التي تؤيد موقف برايان قبل سنوات، بأن هؤلاء الذين يحصلون على الاستفادة الكبرى من المجتمع يَدِينون بالقدْر الأكبر لدعمه. لم يتضمن التعديل كلمة «تصاعدية»؛ حيث إن ذلك كان سيؤدي إلى عدم تمريره على الأرجح. لم يتضمن التعديل السادس عشر (كما تم إقراره) تلك الكلمة، بيدَ أن عدة أعضاء بمجلس الشيوخ افترضوا جدلًا أن التدرج التصاعدي سيكون سِمَة أي قانون ضرائب يرتكز إلى ذلك التعديل. وكما ذكر الجمهوري نوريس براون النائب عن ولاية نبراسكا: «إن صلاحية فرض الضرائب تنطوي على صلاحية تدريجها تصاعديًّا.» وفي الخامس من يوليو عام ١٩٠٩، صدَّق مجلس الشيوخ على التعديل بالإجماع، وفي الثاني عشر من يوليو من العام نفسه، أقرَّ مجلس النواب التعديل بأغلبية ساحقة. وشيئًا فشيئًا اكتسب التعديل التصديقات اللازمة من الهيئات التشريعية للولايات. صوَّتتِ الهيئات التشريعية بالغرب — وهي المنطقة التي يُوزَّع بها الدخل على نحوٍ متساوٍ أكثر — بالإجماع في بعض الحالات، وبشِبْه إجماع في حالات أخرى؛ وكانت يوتا الاستثناء الوحيد، وفي الجنوب، قدَّمتِ المناطق التي هيمن عليها الشعبويون في السابق أشد الدعم لضريبة الدخل. وما أثار دهشة الخبراء هو موافقة منطقة الشمال الشرقي على ضريبة الدخل، فيما عدا بنسلفانيا ورود آيلاند وكونيتيكت؛ حيث ظلَّت منظمات الحرس القديم للحزب الجمهوري باقية على الرغم من الموجة المتمردة. كررت صحيفة «هارتفورد كورانت» الحجة التي صارت قاعدة قياسية آنذاك التي تقول: «كلما زاد دخل المرء، زاد مقدار الحماية التي يتلقَّاها مِن الحكومة وزاد الْتِزامه نحوَ دعم الحكومة.»

أُقرت ضريبة الدخل في أنحاء البلاد؛ وذلك لأن المزارعين والعمال والمنتمين إلى الطبقة الوسطى أضحَوْا مقتَنِعِين بأنها مُنصِفة، وبأن الضرائب الأخرى مثل التعريفة الجمركية ليست كذلك، وبأن توزيع الثروة والدخل أصبح غير متوازن على نحو صارخ. أُجِيز التعديل الدستوري لضريبة الدخل في الوقت المناسب؛ بحيث تضمن قانون الإيرادات لعام ١٩١٣ مجموعة من المعدلات التصاعدية. وبحلول ذلك الوقت، كانت الرئاسة ومجلسا الكونجرس في أيدي الديمقراطيين.

هل أصلح التعديل الدستوري السادس عشر بالفعل عدم المساواة في الدخول؟ الإجابة هي أنه أصلحها بنحو جزئي؛ فقد انخفضت حصة الخمسة في المائة الأعلى دخلًا مما يقرب من ثلث جميع الدخول فيما بين عامَيْ ١٩١٣ و١٩١٦ إلى الربع بحلول عام ١٩١٩، لكن ليس أكثر من ذلك؛ فقد كان من الصعب أن تُحقِّق الضريبة أكثر من ذلك؛ نظرًا لأنها أثَّرتْ على عدد محدود للغاية من الناس، وبمعدلات ضريبية تبدو لنا اليوم منخفضة على نحو يبعث على السخرية. في قانون عام ١٩١٣، بدأتِ الضريبة بواحد في المائة من الدخول التي تَزِيد على ٢٠ ألف دولار وتدرَّجتْ إلى حدٍّ أقصَى يبلغ ٧ في المائة على الدخول التي تزيد على ٥٠٠ ألف دولار. وحينذاك، كان يحصل الواحد في المائة الأعلى دخلًا على ما يقرب من ١٥ في المائة من جميع الدخول، ويحصل الأربعة في المائة الأعلى دخلًا على ٣٣ في المائة من جميع الدخول. وفي عام ١٩١٨، وفقًا لإحدى الجهات، «ما يقرب من ٨٦ في المائة من الموظفين كانوا يحصلون على دخولٍ تقِلُّ عن ألفَيْ دولار سنويًّا»، مع حصول الأربعة عشر في المائة الأعلى مستوًى على ما يزيد على ذلك، بإجمالي ٤٠ في المائة من جميع الدخول الشخصية. وفي عام ١٩١٨، امتلك إمبراطور النفط جون دي روكفلر ١٫٦ في المائة من الثروة الوطنية بأكملها؛ أي ما يعادل ١٩٢ مليار دولار بحسابات عام ٢٠١٠، وهو ما يزيد على ضِعْف ما يملكه بيل جيتس ووارن بافيت معًا. انخفض الدخل الفيدرالي من التعريفات الجمركية بمقدار الثلث بين عامَيْ ١٩٠٩ و١٩١٦، في حين أن الإيرادات الخاصة بضرائب الدخل تضاعَفَت تقريبًا. بالطبع خضع نظام الضرائب الفيدرالي إلى مراجعة جدية على نحو ديمقراطي وأكثر إنصافًا. ومن اللافت للنظر في النقاشات التي دارت آنذاك، كثرة حديث مؤيدي ضريبة الدخل، بلا استثناء تقريبًا، عن العدالة والمجتمع وما يَدِين به أفراد المجتمع كلٌّ منهم للآخر؛ تلك الكلمات التي غابت على نحو يُثِير الدهشة في نقاشات تسعينيات القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين حول «الضريبة الثابتة».

وبالرغم من إقرار التعديل الدستوري الخاص بضريبة الدخل، ثمة أمر أثار سخط المتمردين بالحزب الجمهوري في الكونجرس مع انقضاء عام ١٩٠٩، فقد نادى البرنامج الانتخابي الخاص بالحزب الجمهوري عام ١٩٠٨ بخفض الرسوم الجمركية، ودعا الرئيس تافت الكونجرس لعقد جلسة خاصة لذلك السبب. وقدم عضو الكونجرس عن نيويورك، سيرينو إي باين، مشروع قانون بذلك في مجلس النواب، إلا أن السيناتور ألدريتش أعدَّ بديلًا آخَر أدَّى إلى رفع التعريفات الجمركية، في المتوسط، في واقع الأمر، وساند تافت ذلك، بعد ذلك ثار «جدال بالينجر-بينشو». أيَّد المتمردون، الذين يسيرون على خُطا روزفلت، الحفاظ على الموارد الطبيعية بشدة. أتاح وزير الداخلية الجديد بإدارة الرئيس تافت، ريتشارد بالينجر، بعض الأراضي الحكومية أمام أعمال التطوير الخاصة، على العكس من سالفه المحافظ على البيئة. انتقد جيفورد بينشو — الصديق الأرستقراطي لروزفلت الذي عيَّنه رئيسًا لإدارة الغابات الأمريكية، ولكنه أصبح الآن مرءوسًا لِبالينجر — بالينجر على الملأ حول مشكلة خاصة بإدارة الموظفين. ساند تافت بالينجر وحاول تهدئة بينشو، لكن في يناير عام ١٩١٠ انتقد بينشو الرئيس تافت في خطاب مفتوح إلى سيناتور متمرد ودعا الكونجرس إلى استجواب بالينجر، وهو ما حدث بالفعل في ربيع ذلك العام. فصل تافت بينشو عن العمل بتهمة التمرد على السلطة، فاستشاط متمردو الحزب غضبًا، واتَّسعت الهوة بينهم وبين تافت، الذي بدا أنه يزداد انحيازًا إلى ألدريتش وكانون والحرس القديم.

في الوقت نفسه استطاع متمردو مجلس النواب تقليص السلطات الاستبدادية لرئيس المجلس جوزيف جي كانون. لم تتضمن سلطات رئيس المجلس السيطرة على جميع مناقشات المجلس فحسب، بل ترأَّس أيضًا لجنة القواعد — فما من شيء كان يُعرَض أمام المجلس بالكامل دون «قاعدة» — وتحكَّم في التعيينات الأخرى لِلَّجنة. مرَّر المتمردون، تحت قيادة عضو المجلس من نبراسكا جورج نوريس، وبدعمٍ من الديمقراطيين، قرارًا ينزع سلطة كانون على لجنة القواعد، وبهذا تبددت القبضة الحديدية لرئيس المجلس. وبعد شهرين، أجاز المتمردون قانون مان-إلكنز، الذي يعزز قانون التجارة بين الولايات بدرجة كبيرة للغاية ويُلزِم شركات السكك الحديدية بتبرير أي زيادة في الرسوم. لم يختلف تافت والمتمردون حول قانون مان-إلكنز كثيرًا، الذي تبيَّن أنه القانون الجديد الوحيد والمؤثر في عام ١٩١٠. لكن فيما يتعلق بأي قضية أخرى، ساد الحزبَ الجمهوريَّ الانقسامُ على نحو خطير.

بحلول صيف عام ١٩١٠، عاد روزفلت من رحلة سفاري طويلة بأفريقيا شرع فيها بعد تركه للرئاسة بوقت وجيز. كان في انتظار عودته مجموعة من المتمردين الساخطين، وكذلك كتاب جديد لهربرت كرولي بعنوان «وعد الحياة الأمريكية». قرأ روزفلت الكتاب وتحدث مع كرولي ومع الأصدقاء والمؤيدين التقدميين. وندم بشدة لعدم خوضه الانتخابات مرة أخرى عام ١٩٠٨ وغضب من ميل تافت نحو اليمين، كما يرى المتمردون. وفي ٣١ أغسطس، ألقى روزفلت خطابًا بمدينة أوسواتومي بولاية كانساس بعنوان «القومية الجديدة». قطع الخطاب — الذي تبنَّى فيه بعضًا من أفكار كرولي وفصَّلَ فيه ما جاء في رسالته الأخيرة إلى الكونجرس في ديسمبر عام ١٩٠٨ — شوطًا نحو التقدمية مكتملة الجوانب. امتزج نقد كرولي لكلٍّ من «فساد الحياة العامة الأمريكية» و«حالات عدم المساواة السافرة في الأوضاع والنفوذ» و«وحوش الاقتصاد»، والشركات التي «استطاعت إحكام نفوذها الفاسد والفادح على التشريعات وممارسته»؛ على نحو رائع مع آراء روزفلت، مثلما امتزج مدح كرولي الصريح لروزفلت مع انتقاده لبرايان. كانت هناك أخطاء كثيرة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية بأمريكا من منظور كرولي وروزفلت. والسبيل إلى تصحيح تلك الأخطاء يتمثل في إعادة توزيع الثروة من خلال ضريبة تركات تصاعدية، وإنشاء نقابات عمالية أقوى، وبصفة عامة تعزيز حس «الغاية الجماعية» بدلًا من الفردية غير المُلجَّمة.

صرَّح روزفلت في خطاب «القومية الجديدة» بأوسواتومي بأنه «يجب على كل إنسان أن يُخضِع ممتلكاته للحق العام للمجتمع في تنظيم استخدامها بأي درجة قد يستلزمها الرخاء العام.» وبهذا التصريح اقترب روزفلت من الاشتراكية الحقيقية أكثر من أي وقت مضى، بقدر يفوق كثيرًا رسالته الأخيرة إلى الكونجرس. وقد نشأت الاختلافات «بين الأشخاص الذين يمتلكون أكثر مما استحقوا والأشخاص الذين استحقوا أكثر مما يمتلكون.» ولتدارك هذا الاختلال، يرى روزفلت أن «الشرط الجوهري للتقدم» هو تحقيق «المساواة في الفُرَص لجميع المواطنين.» وبناءً عليه، قال: «أؤيد الصفقة العادلة … ليس فحسب … من أجل تحقيق العدالة وفق القواعد الحالية للعبة، بل … لتغيير تلك القواعد بحيث تعمل من أجل تحقيق مساواة حقيقية أكثر في الفرص والمكافاة مقابل الحصول على خدمة جيدة على حد سواء.» وأضاف قائلًا: «لا بد لنا من إقصاء المجموعات ذات المصالح الخاصة من السياسة … وجميع تلك المجموعات يحق لها التمتع بالعدالة، لكن لا يحق لأيٍّ منها التصويت في الكونجرس، أو اعتلاء منصة القضاء، أو التمثيل النيابي في أي منصب عام.» ودعا روزفلت على وجه الخصوص إلى تنظيم شامل لعمل شركات السكك الحديدية وجميع الشركات الأخرى التي تمتدُّ بين الولايات، وإلى ضرائب تصاعدية على الدخل والتركات، وإلى إصلاح المصارف للحيلولة دون حدوث أي اضطرابات مصرفية مستقبلية، وأيضًا إلى إنشاء «جيش قوي وأسطول كبير بما يكفي ليكفل لنا بالخارج ذلك الاحترام الذي هو الضمان الأوثق للسلام»، وإلى الحفاظ على الموارد الوطنية، وسَنِّ قوانين للأجور وساعات العمل، وقوانين لتعويض العمال على مستوى الولايات والمستوى الوطني، وإلى تنظيم عمالة الأطفال والنساء، وإلى «قومية جديدة» من شأنها «تقديم الحاجة الوطنية على المصلحة الطائفية أو الشخصية.»

كانت انتخابات الكونجرس ستُجرى بعد شهرين فحسب. عزَّز خطاب روزفلت «القومية الجديدة» من موقف التقدميين أكثر داخل الحزب الجمهوري. وكان لبرايان ونزعته الشعبوية المتجددة تأثير مماثل بين الديمقراطيين. طالب الديمقراطيون من أنصار برايان والجمهوريون المتمردون على حدٍّ سواء بزيادة القوانين التنظيمية للسكك الحديدية، وإجراءات أكثر للحفاظ على البيئة، ومعدلات ضريبية تصاعدية، وإنشاء صناديق ادِّخار بريدي؛ بحيث يتسنَّى لصغار المُودِعين امتلاك حسابات (وهو الأمر الذي كانت ترفض المصارف فعلَه)، وديمقراطية مباشرة أكثر على غرار نموذج أوريجون، بما في ذلك الانتخابات الأولية. وفي كلا الحزبين، برز دَوْر المُصلِحين الزراعيين؛ من الجنوب في الحزب الديمقراطي، ومن الغرب الأوسط في الحزب الجمهوري. وفي انتخابات نوفمبر عام ١٩١٠، سيطر الديمقراطيون على نحو كبير على مجلس النواب للمرة الأولى منذ انتخابات عام ١٨٩٢. وانخفض عدد المقاعد الجمهورية من ٢١٩ إلى ١٨٢، في حين أن عدد مقاعد الديمقراطيين قفز من ١٧٢ إلى ٢٣٠، وحقق الحزب انتصارات في الغرب والشمال الشرقي، والأهم من هذا وذاك في الغرب الأوسط؛ ٢٣ مقعدًا في إلينوي وإنديانا وأوهايو. ظل مجلس الشيوخ في قبضة الجمهوريين الصورية، ٥١ إلى ٤١، لكن الديمقراطيين فازوا ﺑ ١٢ مقعدًا معظمها في الغرب والغرب الأوسط، وبعض الجمهوريين كانوا من المتمردين الذين سرعان ما ضموا أصواتهم إلى أصوات الديمقراطيين؛ ومن ثَم كان الكونجرس الثاني والستون الجديد ذا أغلبية تقدمية في واقع الأمر.

لم يكن تافت رجعيًّا متشددًا مثل السيناتور ألدريتش، لكن المتمردين بالحزب الجمهوري وصفوه بأنه خائن لإرث روزفلت. وبوصفهم هذا دفعوا تافت نحو اليمين في عام ١٩١١. وقد حدث ذلك بغضِّ النظر عن حقيقة أن وزارة العدل بإدارته أقامت دعاوى قضائية لمكافحة الاحتكار بلغت — حتى منتصف فترته الرئاسية — ضِعْف ما أقامتْه وزارة العدل بإدارة الرئيس روزفلت. صدَّق تافت أيضًا على سلسلة من الإجراءات الإصلاحية مرَّرها كلٌّ من الكونجرس ذي الأغلبية الجمهورية (١٩٠٩–١٩١١) والكونجرس ذي الأغلبية الديمقراطية (١٩١١–١٩١٣). وكان من بينها قانون مان-إلكنز الخاص بتنظيم السكك الحديدية الذي صدر في عام ١٩١٠، والتوزيع المجاني للبريد لسكان الريف، وصناديق الادِّخار البريدي، وأيضًا إنشاء مكتب الطفولة عام ١٩١٢ لتتبع «جميع الأمور المتعلقة برفاهية الأطفال وحياتهم»؛ وذلك بفضل الضغط المتواصل من مصلحات مراكز التكافل الاجتماعي والعدالة الاجتماعية فلورنس كيلي، وليليان فالد، وجوليا ليثروب.

وإبَّان شهرَيْ مايو ويونيو من عام ١٩١٢، أجاز الكونجرس التعديل السابع عشر للدستور، الذي يُتِيح الانتخاب الشعبي لأعضاء مجلس الشيوخ، ويُنهِي بذلك الانتخاب بواسطة الهيئات التشريعية بالولايات. كان ذلك إصلاحًا شعبيًّا، وجزءًا من الحافز القوي للحركة التقدمية نحو تعميم النظام الديمقراطي، وانتصارًا (كما في مصطلحات التقدميين) ﻟ «الشعب» على «أصحاب المصالح الخاصة» المتهمين، كما أوضح الصحفيون الإصلاحيون الكاشفون للفساد، بإفساد المجالس التشريعية. وكما قال أحد الساخرين: «لقد فعلت شركة ستاندرد أويل كل شيء للهيئة التشريعية ببنسلفانيا باستثناء تطهيرها.» أما عن إجراء انتخابات أولية للرئاسة، فقد طبَّقت ثلاث عشرة ولايةً صورًا منها بحلول عام ١٩١٢. عززت الانتخابات الأولية في بعض الولايات حركة التمرد. أما في الجنوب، فقد عززت الفصل العنصري من خلال إقصاء السود من التصويت في الانتخابات الأولية للحزب الديمقراطي، التي كانت أكثر حسمًا للأمور عن الانتخابات العامة.

من ثَم، لا يمكن النظر إلى السنوات الأربع لإدارة تافت على أنها ارتداد للخلف أو غير تقدمية كلية؛ إذ إنه على مستوى العلاقات الخارجية، واصلت إدارته تحركات روزفلت في منطقة الكاريبي وشرق آسيا. وأنجزت أكثر من المتوسط بدرجة هائلة، بيدَ أن إدارته تركت ذكرى لشيء لم يرغبه الرئيس: انقسام عميق بين التقدميين والمحافِظِين في الحزب الجمهوري، وهو الذي سيؤدي إلى خسارته الفترة الرئاسية الثانية عام ١٩١٢.

بعد خسارة الجمهوريين لمجلس النواب في انتخابات عام ١٩١٠، شرع التقدميون المتمردون داخل الحزب في الالتفاف حول سيناتور ويسكونسن روبرت إم لافوليت ليكون مرشحهم الرئاسي عام ١٩١٢. كان لافوليت الشخصية الأبرز بينهم؛ فقد أسَّس صحيفة أسبوعية خاصة، وأيضًا الاتحاد الوطني للجمهوريين التقدميين للترويج لترشحه وبرنامجه الذي تضمن إقرار الانتخابات الأولية والمبادرة والاستفتاء، والانتخاب الشعبي لأعضاء مجلس الشيوخ. كان هدفه كسب دعم التقدميين لهزيمة تافت والفوز بترشيح الحزب الجمهوري عام ١٩١٢. لكن سرعان ما اتضح لِلافوليت في أواخر عام ١٩١١ أن تافت ليس مشكلته الرئيسية، بل ثيودور روزفلت.

في عام ١٩١٢، أعلن روزفلت — بعد كثير من التأمل الذاتي — «خوض السباق الرئاسي»، انزعج لافوليت بشدة، وفي خطاب ألْقاه في شهر فبراير في حفل عشاء جمعية الناشرين الدوريين، صبَّ لافوليت جام سخطه على الصحافة بدرجة عنيفة للغاية في خطاب مشتَّت حتى إن تلك الواقعة فُسِّرتْ على نحو قاسٍ على أنها انهيار عصبي، وتقوَّض ترشحه للرئاسة. فاز روزفلت بمعظم الانتخابات الأولية القليلة، وفي غضون ذلك، فاقَه تافت براعةً في المناورات وجمع في هدوء تأييد أغلبية الموفدين إلى مؤتمر الحزب الجمهوري وقيادة اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، التي من المقرر أن تعيِّن أكثر من ٢٥٠ موفدًا، وضعتْهم جميعًا تقريبًا في صفِّ تافت. لم يُدرِك روزفلت، الذي أضاع الوقت سُدًى، سيطرة تافت على آليات عمل الحزب الجمهوري قط. وفي مؤتمر الحزب في شيكاجو في يونيو عام ١٩١٢، فازت قوى تافت بالأصوات الإجرائية الأولى، والتي تضمنت نزاعات الاعتماد. وقفت القِلَّة المُتبَقِّية من مؤيدي لافوليت خلف تافت، وتمت إعادة ترشيحه. وكما جاء على لسان المؤرخ لويس إل جولد، كان المؤتمر «أشبه بمباراة ملاكمة حرة» تفوَّق فيها تافت المعروف عنه اللطف والدماثة على سالفه المشاكس.

وفي أواخر الشهر نفسه، اجتمع الديمقراطيون في بالتيمور لتحديد مرشحهم الرئاسي. تفوَّق تشامب كلارك من ميزوري ورئيس مجلس النواب على الديمقراطيين الطامحين في الترشح في الاقتراعات المبكِّرة، لكنه لم يحقق قط أغلبية الثلثَيْن اللازمة لاختيار مرشح الحزب الديمقراطي في الرئاسة آنذاك. وفي هدوءٍ جمع وودرو ويلسون، حاكم نيوجيرسي، تأييد الموفدين إلى مؤتمر الحزب، وعندما أعلن برايان — الذي كان لا يزال يمثل قوة كبيرة داخل الحزب وقد كان هو مَن وضع برنامج الحزب — دعمه لويلسون، احتلَّ ويلسون المرتبة الأولى في الاقتراع السادس والأربعين. كان ويلسون قد انتُخب حاكمًا لنيوجيرسي قبل عامين فقط، وكان ذلك المنصبَ الانتخابيَّ الوحيدَ الذي احتلَّه. وقبلَ ذلك، عمل أستاذ علوم سياسية، ثم رئيسًا لجامعة برنستون لثماني سنوات. وُلد وودرو ويلسون في مدينة ستانتن بولاية فيرجينيا لقس بالكنيسة المشيخية موالٍ للجيش الكونفدرالي، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة جونز هوبكنز ثم انضم إلى هيئة التدريس بجامعة برنستون عام ١٨٩٠. كان ويلسون باحثًا لامعًا، وخطيبًا جذابًا، لكنه ذو شخصية جافة. أشار أحدهم ذات مرة إلى أن الجميع كان ينادي روزفلت ﺑ «تيدي»، لكنْ لم يُنادِ أحد قط ويلسون ﺑ «وودي».

وفي أوائل أغسطس عام ١٩١٢، الْتَقَى ثيودور روزفلت ومؤيدوه في شيكاجو وانشقوا عن الحزب الجمهوري، وهتفوا: «نحن أمام معركة فاصِلة، ومعركتنا في سبيل الرب.» وأصبح روزفلت مرشح الحزب التقدمي الوطني، الذي يُطلَق عليه أحيانًا «حزب ثور الموظ»؛ وذلك لأنه عندما سُئل روزفلت في يونيو عما يشعر به، صرح: «أشعر أنني في قوة ثور الموظ.» اختير هيرام جونسون حاكم كاليفورنيا، وهو أبرز التقدميين في الغرب، مرشحًا لمنصب نائب الرئيس. وعلى مدار شهور الصيف، ازداد روزفلت انزعاجًا؛ لأنه ببساطة لم يكن قادرًا على تقبُّل حقيقة أن تافت فاقَه براعةً في المناورة. عكسَ برنامج حزب ثور الموظ الكثير من أفكار الرفاهية الاجتماعية التي ردَّدها روزفلت في خطاب أوسواتومي قبل عامَيْن، بيدَ أنه نادَى بمنْح المرأة الحق في الانتخاب على المستوى الوطني وأيَّد قوانين الحدِّ الأدنى للأجور، التي كانت فكرة متطرِّفة آنذاك. وقد أيَّد أيضًا سحب الثقة بالتصويت الشعبي من القُضاة والأحكام القضائية، وهو ما أفقَدَه دعْمَ الجمهوريين المعتدلين. رفض روزفلت «وروحه المنقسمة حول مسألة العِرْق» بندًا ببرنامجه ينادي بالمساواة العرقية تقدَّمت به الجمعية الوطنية للنهوض بالملوَّنين. وعليه دعم الكثير من الناخبين السود ويلسون، وهو الأمر الذي نَدِموا عليه فيما بعدُ. فبعدَ تولِّي وودرو ويلسون المنصب، فرضت فيرجينيا فصلًا عنصريًّا على إدارة مكاتب البريد ورفضت نقض قانون يحظر الزواج بين الأعراق المختلفة في منطقة كولومبيا.

كان برنامجا الإصلاح التقدميان مختلفَيْن تمامًا. واصَل روزفلت تسمية برنامجه «القومية الجديدة»، وقابَلَه ويلسون بتسمية برنامجه «الحرية الجديدة». اتفق الاثنان على أن التغيير أصبح ضرورة مُلِحَّة، وأن «الشعب» مَن يجب أن يحكم وليس «أصحاب المصالح الخاصة»، وأن الحكومة — الفيدرالية — منوط بها دور هام، وأن ارتقاء المجتمع يعني ارتقاء معيشة أفراده، لكنهما لم يتفقا على كيفية بلوغ تلك الأهداف.

من وجهة نظر روزفلت وبرنامج «القومية الجديدة»، الشركات الكبرى — المؤسسات التجارية الضخمة — لن تزول رغم أنها كانت تتصرف دائمًا بأنانية وعلى نحو غير ديمقراطي. يكمن الحل في وضع قواعد تنظيمية فيدرالية أقوى، خاصة من خلال هيئات منفصلة عن الكونجرس والسلطة التنفيذية، على غرار لجنة التجارة بين الولايات التي أُنشئت عام ١٨٨٧ وتعززت صلاحياتها عدة مرات منذ ذلك الحين، غير أن اللجنة احتاجت إلى سلطات أكثر بكثير. بالإضافة إلى ذلك، أكَّد برنامج حزب ثور الموظ على أهمية العدالة الاجتماعية وإدخال النظام الديمقراطي على الحكومة عبر القوانين التي تحدُّ من ساعات العمل للنساء والأطفال، وتقرُّ حدًّا أدنى للأجور، ورواتب التقاعد لكبار السِّنِّ، وتقدم تعويضات للعمال. قدم هذا البرنامج قائمة منشودة لكثير من الإصلاحات التي دار حولها الكثير من النقاش، مع وجود لجان تنظيمية فيدرالية قوية في قلب تلك الإصلاحات، لضمان تنفيذها.

بدا برنامج ويلسون «الحرية الجديدة» أقل تطرفًا (أو أقل تقدمية، وفقًا لمنظور كل فرد) إلا أنه كان يمثل فحسب شكلًا آخر من الحركة التقدمية. كان روزفلت يقود حركة انفصالية عن الحزب الجمهوري، وكان من المفترض أن يكفل له الجمهوريون التقدميون الدعم إذا كان سيحظى بأي منه؛ من ثَم عكست الإجراءات والمناهج التي أعدَّها الرغباتِ الإصلاحيةَ لمنطقتي الشمال الشرقي والجزء العلوي من الغرب الأوسط الحضريتين الصناعيتين، وهما من مناطق النفوذ الجمهوري الإصلاحي، وبدتِ الإصلاحات مألوفة إلى حدٍّ بعيد، في حالات كثيرة؛ إذ تم تجريبها بصور مختلفة على مستوى الولايات. على الجانب الآخر، تمثلت مهمة ويلسون في تنشيط ما نطلق عليه اليوم «القاعدة الديمقراطية» التي تألفت من الزراعيين بالجنوب والغرب الأوسط بصورة رئيسية. وبناء عليه تحتم على برنامج «الحرية الجديدة» أن يعكس التقاليد والقناعات الطويلة الأمد الخاصة بسلطات الولايات في الجنوب، جنبًا إلى جنب مع مصالح الزراعيين من جميع الطوائف.

مما لا شك فيه أن الحزب الديمقراطي شهد إصلاحاتٍ كثيرةً تحت زعامة برايان، وسيستمر الحزب في دعم تلك الإصلاحات تحت قيادة ويلسون. أكدت الحركة التقدمية، على نمط ويلسون، على تفكيك الاتحادات الاقتصادية (أي الاتحادات الاحتكارية وغيرها من المؤسسات التجارية الضخمة) من خلال ملاحقاتٍ قضائيةٍ قويةٍ لمناهضة الاحتكار، وخفضِ التعريفة الجمركية بشدة، والتي لم تحمِ المنتجات الزراعية، بلِ استنزفتِ المزارعين باعتبارهم مستهلِكين، ونقلِ السيطرة على المصارف والعملة بعيدًا عن آل مورجان وغيرهم من كبار المصرفيين إلى الشعب. عبَّر برنامج «الحرية الجديدة» عن الدوائر الانتخابية الديمقراطية ذات الغلبة الزراعية، والأقل مدنية وصناعية، مؤكدًا على العودة إلى المنافسة على نطاق أصغر وتكافؤ الفرص، بنحو أقل اعتمادًا على الحكومة منه في برنامج «القومية الجديدة»؛ ليس عبر اللجان التنظيمية بالطبع. صرح ويلسون في خطاباته أنه لا يرغب في أن تتحكم الحكومة الفيدرالية في الاقتصاد، كما بدا أنه ما ينشده روزفلت، بل يرغب في الاستعانة بالحكومة لإزالة الحواجز التي تُعِيق المنافسة مثل التعريفة الجمركية والاتحادات الاحتكارية، وبذلك، كما يمكن لنا أن نقول، «تمهيد ساحة التنافس الاقتصادي»، وحينئذٍ يمكن للحكومة الخروج من اللعبة. زعم ويلسون أن برنامج الحزب «ينادي بالحرية في حين أن الآخر [برنامج حزب ثور الموظ] ينادي بقواعد تنظيمية.» فعلى النقيض من برنامج «القومية الجديدة»، لم يطالب ويلسون والديمقراطيون بمنح المرأة الحق في الانتخاب، وهو الأمر الذي رآه الجنوب شديد التطرف. بعد بضع سنوات، صدَّقتْ هيئة تشريعية واحدة فقط بإحدى ولايات الجنوب (الهيئة التشريعية لتينيسي) على التعديل الدستوري الخاص بحق المرأة في الانتخاب.

تعكس البرامج الحزبية ما يود أن يَرَاه نُشَطَاء الحزب يتحقق. بدأ برنامج الحزب الديمقراطي لعام ١٩١٢ بدعوةٍ لإصلاح التعريفة الجمركية؛ حيث إن «التعريفة الجمركية المرتفعة هي السبب الرئيسي وراء التوزيع غير العادل للثروة، الذي يجعل الأغنياء أكثر ثراءً، والفقراء أشد فقرًا … فالمُزارِع والعامل الأمريكيان مَن يتكبَّد المُعاناة الكبرى بسبب هذا.» ثم طالب بعد ذلك بتطبيق صارم وتعزيز «القانون الجنائي والمدني على حدٍّ سواء في مواجهة الاتحادات الاحتكارية والمسئولين عنها.» ثم أكَّد مجدَّدًا على سلطات الولايات (في إشارة إلى ولايات الجنوب)، ودعا إلى قوانين من شأنها تفعيل التعديلات الدستورية الجديدة الخاصة بضريبة الدخل والانتخاب المباشر لأعضاء مجلس الشيوخ، وأيضًا دعم الانتخابات الأولية لاختيار المرشح الرئاسي في كل ولاية، وأيَّد حظر تقديم المؤسسات التجارية تبرعات للحملات السياسية. أراد البرنامج تنظيم عمل «شركات السكك الحديدية، وشركات الشحن السريع، ونظام التلغراف، وخطوط الهاتف المرتبطة بالتجارة بين الولايات» بغية حماية شاحني البضائع والمستهلكين (الزراعيين). كذلك عارض البرنامج إنشاء مصرف مركزي (خشية سيطرة مؤسسات وول ستريت عليه)، ودعا إلى الائتمان الزراعي لحماية ملكية المزارع، والتعليم المهني (لا سيما الزراعي)، وإنشاء وزارة عمل فيدرالية، والحفاظ على الموارد الطبيعية، واتخاذ الإجراءات ذات الصلة. وعلى مستوى السياسة الخارجية، طالَب برنامج الحزب باستقلال الفلبين، مرددًا مذهب برايان المناهض للإمبريالية عام ١٨٩٨. وبهذا أنهى الديمقراطيون صلتهم بالجمهوريين الاستعماريين.

وإلى جانب روزفلت وويلسون، اللذين مثَّلا الوسط التقدمي عام ١٩١٢ بطرقهما الخاصة، ضمت المنافسة الانتخابية مرشحَيْن آخرَيْن بارزَيْن: تافت ممثِّلًا لليمين، ويوجين في ديبس، مرشح الحزب الاشتراكي، ممثلًا لليسار. يستحق ديبس والاشتراكية الأمريكية (وسبب ضآلة انتشارها) أن نقف عندهما قليلًا. استُخدمت كلمتا «اشتراكي» و«اشتراكية» كثيرًا للغاية في الماضي من قِبَل الساسة الأمريكيين اليمينيين للدلالة على أي شيء يؤيد الصالح العام أو العدالة الاجتماعية بدرجة حطَّتْ من قدرهما. كان الحزب الاشتراكي الأمريكي الفعلي في أوائل القرن العشرين يُعَدُّ «اتحادًا واحدًا ضخمًا» لجميع العمال، مردِّدًا شعار فرسان العمل والشعبويين: «وحدة الطبقات المنتِجة»، كما دعا الحزب إلى الملكية المشتركة لوسائل الإنتاج؛ ومن ثَم محو المؤسسات التجارية. انقسم الاشتراكيون في البداية حول ما إذا كان ينبغي استخدام العنف في مواجهة إدارات المؤسسات الرأسمالية، لكن الحزب التزم السلمية، وانفصل عن الجناح المتطرِّف (الفوضوي بعض الشيء) منه الذي يُدعَى «اتحاد العمال الصناعيين الدولي».

كان يوجين في ديبس الزعيم الأبرز للاشتراكية في الحقبة التقدمية. أصبح ديبس، المنحدر من تير هوت بولاية إنديانا، الذي كان ديمقراطيًّا في الأساس، ناشطًا في مجال الحركة العمالية. أسَّس اتحاد عمال السكك الحديدية الأمريكيين، الذي قاد إضراب بولمان عام ١٨٩٤. أُلقي القبض على ديبس، وأمضى ستة أشهر في السجن، وخرج منه أكثر قناعة من أي وقت مضى بأنه لا بد من القضاء على رأسمالية الشركات من أجل صالح العمال. أصبح ديبس، الخطيب المُلهَم، مرشَّح الحزب الاشتراكي للرئاسة عام ١٩٠٠، ورُشح مرة أخرى في انتخابات أعوام ١٩٠٤ و١٩٠٨ و١٩١٢ و١٩٢٠. أطلق ديبس تلك الحملة الرئاسية الأخيرة من داخل السجن؛ حيث أوْدَعه منفِّذو قوانين جرائم التحريض على الفتنة إبان إدارة ويلسون وقت الحرب في السجن لقضاء عقوبة تبلغ عشرين عامًا. (أطلق الرئيس وارن هاردينج سراحه يوم عيد الكريسماس عام ١٩٢١، بعد حبسه لمدة عامَيْن ونصف.) علَّق أحد المعلِّقين على ديبس قائلًا إنه: «دعا العاملين من جميع الطبقات لتشكيل مجتمع يتميز بالسخاء الشخصي في الحياة الخاصة، والمسئولية المشتركة في الاقتصاد السياسي، والتضامن الحقيقي عبر كل تلك الحدود التي تفصل الناس وتحطم أرواحهم.» كما آمَن بشدة بالديمقراطية الاقتصادية والصالح العام.

حصل ديبس، في انتخابات عام ١٩١٢ ذات المرشحين الأربعة، على ٩٠٠ ألف صوت؛ أي ما يقرب من ٦ في المائة من جميع الأصوات المُدلَى بها. تبيَّن أن ذلك، بحسابات النِّسَب المئوية، أفضل أداء حقَّقه الحزب الاشتراكي في الانتخابات الرئاسية على الإطلاق. لطالما تساءل المؤرخون عن السبب وراء إخفاق ديبس والاشتراكية في تحقيق أداء أفضل؛ وهذا نظرًا لأن كثيرًا ممن استمعوا إلى خُطَبه تجاوَبوا رغمًا عنهم مع تأييده لروح الأخوة بين البشر، ومطالب العدالة الاجتماعية، وأخطاء المؤسسات والحكومة التي تدعمها. شهد أوائل القرن العشرين تشكُّل الأحزاب الاشتراكية وتفوقها في بلدان صناعية أخرى. حَظِيَ حزب العمل البريطاني، وحزب الديمقراطيين الاجتماعيين في ألمانيا، والاشتراكيون في فرنسا بدعمٍ شعبيٍّ واستمراريةٍ أكبر من الحزب الاشتراكي الأمريكي، بالرغم من قدرات ديبس الخطابية الاستثنائية.

fig9
شكل ٤-٢: أسَّس يوجين في ديبس اتحاد عمال السكك الحديدية الأمريكيين عام ١٨٩٤ ليخوض إضراب بولمان، هذا الخطيب المُلهَم كان المرشَّح الرئاسي للحزب الاشتراكي خمس مرات من عام ١٩٠٠ إلى عام ١٩٢٠. التُقِطتْ هذه الصورة له خلال الحملة الرئاسية لعام ١٩١٢.

نشر عالِمُ اقتصادٍ ألماني، يُدعَى فرنر سومبارت، في عام ١٩٠٦ كتابًا صغيرًا تساءل في عنوانه: «لماذا لا توجد اشتراكية في الولايات المتحدة؟» وكان جوابه المبدئي أن المستوى المعيشي للطبقات العاملة وعائلاتها كان أعلى كثيرًا في الولايات المتحدة منه في أوروبا. كتب يقول: «تذهب أي يوتوبيا اشتراكية في بلد يأكل فيه العامل اللحم البقري المشوي وفطيرة التفاح أدراج الرياح.» يستطيع العامل في أمريكا بالفعل إحراز النجاح والتخلص من الحواجز الطبقية الصارمة والاستمتاع ببعضٍ من الأمور الطيبة في الحياة. طرح كثير غيره التساؤل نفسَه وتوصَّلوا إلى إجابات أخرى؛ مثل أن الاشتراكيين الأمريكيين كانوا ماركسيين بنحوٍ علني أكثر من اللازم (لكن أنصار حزب العمل البريطاني كانوا كذلك قبلهم بوقت طويل)، أو أن الحكومات الفيدرالية وحكومات الولايات قمعتْهم (لكن هذا ما حدث أيضًا في أماكن أخرى وازداد فيها الاشتراكيون قوة)، أو أن هيكل النظام السياسي الأمريكي يُمانِع وجود حزب ثالث. (ثمة دلالة حقيقية في ذلك القول، إلا أن فشل وجود تلك الأحزاب انطوى في أغلب الأحوال على الأخذ بأفكارها من قِبَل أحد الحزبين الكبيرين، على غرار الديمقراطيين بل والجمهوريين أيضًا في استيعابهم لمقترحات كثيرة خاصة بالشعبويين. وعلى النقيض، لم تُستوعب المقترحات الاشتراكية الجوهرية على غرار الملكية المشتركة لوسائل الإنتاج.) ينطوي رأي سومبارت الخاص ﺑ «اللحم البقري المشوي وفطيرة التفاح» على جانب كبير من الحقيقة؛ كانت أجور العمال وأوضاعهم المعيشية أفضل للغاية بلا شك في الولايات المتحدة منها في أوروبا، وهذا ما يفسِّر جدًّا معدلات الهجرة المرتفعة في ذلك الوقت. انقسم عمال الولايات المتحدة، الذين كان أغلبهم من المهاجرين، بفعل اللغة والعرق، وهو الأمر الذي أفسد تضامنهم. يشدد بعض المراقبين أيضًا على أن الاشتراكية نجحت بالفعل في الولايات المتحدة بصرف النظر عن إحرازها ٦ في المائة فقط في أفضل أداء انتخابي لها، زاعمين أن أفكارًا عديدة من تلك التي صاغها الاشتراكيون من أنصار ديبس سُنَّتْ كقوانين في نهاية المطاف، على الرغم من أن ذلك لم يحدث حتى ثلاثينيات أو ستينيات القرن العشرين أو حتى أوائل القرن الحادي والعشرين.

لم تكن نتائج الانتخابات في خريف عام ١٩١٢ مفاجِئة للكثير، حتى أولئك الذين خسروا؛ فبعد أن رحل روزفلت وأتباع حزب ثور الموظ عن الحزب الجمهوري، كان من المتوقَّع أنَّ ويلسون والديمقراطيين سيسلكون طريقهم نحو الانتصار. يرى بعض المحلِّلين أن الديمقراطيين كانوا سيحققون النصر حتى وإنْ ظلَّ الحزب الجمهوري متماسكًا؛ أي إن روزفلت، وتافت بالطبع، كانا سيخسران المعركة أمام ويلسون إذا كان واحد منهما هو المرشح الجمهوري. في واقع الأمر، فاز ويلسون بأربعين ولاية و٤٣٣ من أصوات المجمع الانتخابي، أما روزفلت ففاز بست ولايات و٨٨ من أصوات المجمع الانتخابي، وفاز تافت بولايتين و٨ من أصوات المجمع الانتخابي، وهي أقل نسبة يحصل عليها رئيس في منصبه ويخوض الانتخابات لولاية ثانية. وجاءت نتائج انتخابات مجلس الشيوخ بفوز الديمقراطيين ﺑ ٥١ مقعدًا، و٤٤ مقعدًا للجمهوريين، ومقعد واحد للتقدميين. وفي مجلس النواب، فاز الديمقراطيون ﺑ ٦٣ مقعدًا إضافيًّا بينما خسر الجمهوريون ٤٦ مقعدًا. كما فاز التقدميون ﺑ ١٧ مقعدًا، وبعد ضم المقاعد الجديدة استحوذ الديمقراطيون على ٢٩١ مقعدًا، بينما حصل الجمهوريون على ١٢٧ مقعدًا. وهكذا أحكم الديمقراطيون سيطرتهم على البيت الأبيض والكونجرس.

على المدى البعيد، رسَّخت انتخابات عام ١٩١٢ توجُّهًا جديدًا، لكن على نحو معاكس. لم يسمح محافظو الحزب الجمهوري بانتساب أتباع حزب ثور الموظ إلى حزبهم مرة أخرى، وعلى مدى فترة طويلة من القرن العشرين، التزم الحزب الجمهوري السياسة اليمينية، ولم يقترب مجددًا من السياسة التقدمية المعتدلة التي سادت الفترة الرئاسية الثانية لروزفلت، كما لم يُرشِّح للرئاسة شخصًا قط يَمِيل إلى اليسار — التقدمي — كروزفلت. زعمت قِلَّة قليلة، مثل رونالد ريجان وجون ماكين، بأن ثيودور روزفلت مَثَلُهم الأعلى، إلا أن الحقائق لا تؤيِّد مزاعمَهم؛ فقد مقتوا بشدة الحكومة التنظيمية القوية التي أيَّدها روزفلت. على الجانب الآخر، لم يمثِّل الديمقراطيون جزءًا كبيرًا من الأغلبية الزراعية بالبلاد عام ١٩١٢ فحسب، بل مهدوا الطريق — عبر برنامج تشريعي قوي — أمام برنامجَيِ «الصفقة الجديدة» و«المجتمع العظيم» اللذين أطلقهما فرانكلين روزفلت وليندون جونسون في وقت لاحق من القرن العشرين.

دعا ويلسون، عندما تولَّى السلطة في مارس عام ١٩١٣، الكونجرس لعقد جلسة خاصة. اعتاد الرؤساء منذ جيفرسون بعث رسائلهم فحسب إلى الكونجرس لقراءتها، بيدَ أن ويلسون كسر العرف التقليدي وحضَرَ بنفسه إلى الكونجرس حاملًا خطاب «الحرية الجديدة» في ١٣ أبريل عام ١٩١٣. وكما وعد في برنامجه، تمثَّلت أولوياته في خفض التعريفة الجمركية، وإخضاع النظام المصرفي والعملة للسلطة الشعبية، وتشديد قوانين مكافحة الاحتكار. وفي غضون العامين التاليين، نجح ويلسون والكونجرس في إجازة تلك الإصلاحات الثلاثة، جنبًا إلى جنب مع عدد من التدابير الخاصة التي عادت بالنفع على المزارعين والعمال.

أُطلق على إنجازات ويلسون والكونجرس فيما بين عامَيْ ١٩١٣ و١٩١٥ «الحرية الجديدة الأولى»، وستكون هناك «الحرية الجديدة الثانية» فيما بين عامَيْ ١٩١٥ و١٩١٧، التي حفلت على نحو أكثر صراحة بإجراءات خاصة بالعدالة الاجتماعية وبمزايا للمزارعين والعمال. ستنتهي السنوات الأكثر إثمارًا للحركة التقدمية، والتي بدأت عام ١٩١١، مع دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى في أبريل عام ١٩١٧.

تناول ويلسون والكونجرس قضية التعريفات الجمركية أولًا، التي مثَّلتِ البند الأول في برنامج الحزب الديمقراطي لعام ١٩١٢. ارتكزت الحجة على أن التعريفات الجمركية المرتفعة — التي حددتها تعريفة باين-ألدريتش الجمهورية بمعدلات تزيد عن ٤٠ في المائة في المتوسط — تسلب المستهلكين أموالهم؛ لأنها رفعت أسعار الأشياء التي يحتاجون إلى شرائها على نحو غير مبرر. وبحلول شهر مايو، تزعَّم عضو الكونجرس عن ألاباما، أوسكار أندروود، تمرير مشروع قانون عبر مجلس النواب يقضي بخفض المتوسط إلى ٢٥ في المائة تقريبًا. دخلت ضريبة الدخل ضمن مشروع القانون، وتيسر ذلك بفضل التعديل السادس عشر الذي صُدِّق عليه مؤخرًا. واجه مشروع القانون صعوبات أكثر في تمريره عبر مجلس الشيوخ، لكنه أجازه في سبتمبر، وصدَّق عليه ويلسون كقانون في أكتوبر تحت اسم «تعريفة أندروود-سيمونز».

أصبحت البنود المتعلِّقة بضريبة الدخل قانونًا تحت اسم «قانون الإيرادات لعام ١٩١٣». ومثلما حدث في الجدال الذي أُثِير حول التعديل الدستوري في عام ١٩٠٩، كانت أكثر الحجج المؤثرة في صالح التعديل الدستوري هي أن أولئك الذين لديهم أكبر قدرة على الدفع، أولئك الذين كافأهم المجتمع على أفضل نحو، ينبغي لهم سداد أعلى معدل ضريبي. في عام ١٩١٣، كان مستوى التردد حول المعدلات الضريبية التصاعدية أقل مما كان عليه في عام ١٩٠٩، مع ذلك كانت المعدلات التي صُدِّق عليها بعيدة كل البُعْد عن كونها ضرائب مصادرة للأموال. فأولئك الذين يجنون أقل من ٣ آلاف دولار كأفراد أو ٤ آلاف كأزواج تم إعفاؤهم تمامًا. وأولئك الذين يجنون ٢٠ ألف دولار (أي عشرة أضعاف المتوسط على الأقل) سيدفعون ١ في المائة؛ وأولئك الذين يجنون ٥٠ ألف دولار فما فوق (بحسابات اليوم، ١٠ ملايين دولار تقريبًا)، وهم قلة ضئيلة، سيدفعون الحد الأقصى للضريبة وهو ٧ في المائة. وما لا يمكن التنبؤ به هو ما إذا كان مشروع القانون هذا سيتم تمريره، أو حتى التعديل السادس عشر نفسه في المقام الأول، إذا ارتاب المشرِّعون في أن المعدلات سترتفع بدرجة كبيرة خلال وقت قصير.

التفت ويلسون بعد ذلك إلى إصلاح المصارف. أراد الكثير من الناس — المصرفيون والمزارعون وأصحاب المشروعات الصغيرة، وتقريبًا جميع مَن كان يملك المال أو يكتسبه — إصلاح النظام المصرفي الفوضوي الذي نَمَا منذ الحرب الأهلية. تذكَّر هؤلاء أزمات الكساد في سبعينيات القرن التاسع عشر وتسعينياته، والذعر المصرفي لعام ١٩٠٧، وأدركوا أن الإخفاقات المصرفية وندرة العملة لَعِبَتا أدوارًا هامة في جميع تلك الأزمات. لكن ما نوع ذلك الإصلاح؟ طالَبَ الزراعيون منذ عهد الشعبويين إبان تسعينيات القرن التاسع عشر بزيادة عدد تداول العملة، على ألَّا تَكون في قبضة المصرفيين، لا سيما مَنْ في مصارف وول ستريت الضخمة. على الجانب الآخر، أدرك المصرفيون جيدًا ضرورة وجود آليات لتجنُّب حدوث أزمات الذعر المصرفي والتهافت على سحب الودائع، بيدَ أنهم رأَوْا أنهم أفضل مَن يضطلع بالإشراف على النظام المصرفي مع ضمان حكومي فيدرالي بالقدرة التامة على الوفاء بالديون. انبثقت وجهة نظر المصرفيين هذه من اللجنة النقدية الوطنية، التي تُعرَف على نطاق واسع بلجنة ألدريتش، التي أُنشئت بعد الذعر المصرفي عام ١٩٠٧.

بعد استحواذ الديمقراطيين على الكونجرس في أعقاب انتخابات عام ١٩١٠، قاموا بمباشرة تحقيقٍ حول ما أطلقوا عليه «المؤسسة النقدية الاحتكارية»، التي كانت أساس جميع الاتحادات الاحتكارية، كما زعموا؛ وذلك لأنها تحكَّمت في النقود نفسِها؛ ومن ثَم الائتمان؛ وبناءً عليه تحكمت في الاقتصاد بأسره. وعلى مدى عامين، استجوب هذا التحقيق، الذي ترأَّسه عضو الكونجرس عن لويزيانا، أرسين بوجو، المصرفيين وغيرَهم وصولًا إلى جيه بيربونت مورجان نفسه. وفي نوفمبر عام ١٩١٢، أقر مورجان بأن مصرفه يملك ودائع مقدارها ١٠٠ مليون دولار تعود إلى ثلاثٍ وسبعين مؤسسة تجارية تعمل بين الولايات، وأنه بنفسه يتولَّى إدارة بعض من تلك المؤسسات التجارية، وأن الأهلية الائتمانية لطالب الاعتماد تخضع لقراره الفردي. وصرَّح قائلًا: «إن المعيار الأساسي هو الشخص»، وليس ضمان السداد. واعترف بأن مصرفه ملكية خاصة تمامًا وليس خاضعًا لقوانين فيدرالية أو خاصة بأي ولاية أو أي رقابة عامة، ولا ينبغي له ذلك. من وجهة نظر مورجان، هذا هو الوضع الطبيعي والأفضل للأمور. أما بوجو وقطاع كبير من الشعب، فقد رأَوْا في ذلك اعترافًا سافِرًا بانعدام المسئولية في القطاع المصرفي.

يجب بطريقةٍ أو بأخرى المواءمة بين وجهة النظر الخاصة بالمصرفيين وبين تلك الخاصة بالزراعيين. حاولت مشروعات قوانين عديدة فعل ذلك، وفي النهاية، ومع تدخل ويلسون الشخصي، ظهر مزيج من المقترحات المختلفة أسفر عن تأسيس ما يقرب من اثني عشر مصرفًا إقليميًّا، تمتلكها المصارف الخاصة التابعة لها، لكن يُشرِف عليها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الذي يُعيِّنه الرئيس ويصدِّق عليه مجلس الشيوخ. ستُصدر مصارف الاحتياطي الإقليمية عملات («أوراق نقد الاحتياطي الفيدرالي»، كما أُطلق عليها منذ ذلك الحين وحتى الآن) تدعمها الحكومة الفيدرالية. تتمتع مصارف الاحتياطي الإقليمية بسلطة تزويد المصارف الأعضاء التابعة لها بالأموال في حالة حدوث ذعر مصرفي أو تهافُت على سحب الودائع؛ باختصار، يمكن أن تؤدي دور «المُقرِض الأخير»، وهو إحدى الوظائف التقليدية لأي مصرف مركزي. وخلال الذعر المصرفي عام ١٩٠٧، اضطلع مورجان وبضع مصرفيين آخرين بتلك الوظيفة.

أسفرت جلسات الاستماع التي عقدها بوجو عن مطالبة الشعب بدرجة أكبر من المحاسبة العامة. لم تُستغلَّ سلطات «المقرض الأخير» الخاصة بالاحتياطي الفيدرالي بفاعلية في مستهل أزمة الكساد الكبير، عندما انهارت آلاف المصارف أثناء تولِّي هوفر الرئاسة (١٩٢٩–١٩٣٣). مع ذلك، أسَّس قانون الاحتياطي الفيدرالي لعام ١٩١٣ أول نظام وطني حقيقي منذ رفض أندرو جاكسون تجديد ميثاق المصرف الثاني للولايات المتحدة عام ١٨٣٣. أصبح «الاحتياطي الفيدرالي» النظير الأمريكي لمصرف إنجلترا والمصارف المركزية بالبلدان الكبرى الأخرى. مُرِّر مشروع القانون في مجلس النواب في سبتمبر وفي مجلس الشيوخ في ديسمبر، بشبه إجماع بين الديمقراطيين وانقسام بين الجمهوريين، وصدَّق عليه ويلسون في ٢٣ ديسمبر عام ١٩١٣. ومن بين المشروعات الثلاثة الكبرى ﻟ «الحرية الجديدة الأولى»، لم يتبقَّ سوى وضع قانون جديد لمكافحة الاحتكار.

ظل الكونجرس الثالث والستون في حالة انعقاد دائم، حتى انتخابات عام ١٩١٤ تقريبًا، باستثناء بعض فترات الراحة القصيرة. وفي ربيع عام ١٩١٤، أجاز قانون سميث-ليفر، الذي سُمِّي تيمُّنًا بالسيناتور هوك سميث من جورجيا وعضو الكونجرس إيه إف ليفر من ساوث كارولينا، رَبْط ذلك القانون التعليم المهني في مجال الزراعة والاقتصاد المنزلي بنظام منْح الأراضي للكليات الموجود منذ عام ١٨٦٢. كما وفَّر دعم الحكومة الفيدرالية للجمعيات التعاونية الزراعية؛ مما أفضى إلى نظام وكلاء المقاطعات الذين ساعدوا المزارعين في زراعة المحاصيل وتربية المواشي بطريقة علمية وفعَّالة أكثر. تولَّتِ الحكومة الفيدرالية بالاشتراك مع حكومات الولايات تمويل هذه الجهود، واستُخدم أول اتفاق تمويل مشترك على هذا النحو في غضون بضع سنوات لإنشاء أول شبكة طرق سريعة فيدرالية. ومن باب المفارقة، أصبح نظام وكلاء المقاطعات في حينه مصدر دعم لكبار المزارعين الأكثر ثراءً وميلًا للتوجه المحافظ، على الرغم من أن قانون سميث-ليفر كان في جميع جوانبه إجراءً مناصرًا للزراعيين، وحَظِيَ بدعم المزارعين الديمقراطيين الأقل ثراءً، مع ذلك كان جزءًا هامًّا ونموذجيًّا من برنامج «الحرية الجديدة»، وصدَّق عليه ويلسون في ٨ مايو ١٩١٤.

تمثَّل الإجراء الرئيسي الأخير في «الحرية الجديدة الأولى» في تشريعٍ لمكافحة الاحتكار، وهنا سلك ويلسون منعطفًا يمينيًّا بعض الشيء، مع انزلاق الاقتصاد نحو الكساد؛ فبعد أن أنجز أول بندين من أولوياته (خفض التعريفة الجمركية وإصلاح النظام المصرفي)، مضى قدمًا في وضع تشريع لمكافحة الاحتكار في ربيع وصيف عام ١٩١٤. حمل هذا الإجراء الذي من شأنه تعزيز قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار لعام ١٨٩٠ — الذي جرَّدتْه المحاكم من جوهره إلى حدٍّ بعيد — اسم عضو الكونجرس عن ألاباما هنري كلايتون. حدد مشروع القانون العديد من وسائل وممارسات الاتحادات الاحتكارية التي تعتبر مستهجنة ومتعارضة مع الصالح العام، ومُرر القانون في مجلس النواب في مايو، ولكنه توقف في مجلس الشيوخ.

في ذلك الوقت، هَبَّ مستشار ويلسون، المحامي لويس دي برانديز، لمساعدة ويلسون. اقترح برانديز أن يدعم الرئيس مشروع قانون آخر يشق طريقه عبر الكونجرس، وينص على إنشاء لجنة تنظيمية قوية من صلاحياتها تحديد الممارسات التجارية غير العادلة حال ظهورها وملاحقتها. كما أنه كان سيكفل مرونة أكثر من مشروع قانون كلايتون. آثر التقدميون الجمهوريون، أتباع حزب ثور الموظ في السابق، هذا النوع من القوانين المنظمة المكافحة للاحتكار على مشروع كلايتون الأكثر صرامة وتصدِّيًا (من وجهة نظرهم). كان إنشاء لجنة تنظيمية قوية ما أيَّده روزفلت تحديدًا عام ١٩١٢، بينما كان سن تشريع على غرار مشروع كلايتون ما كان يخطط له ويلسون، ومع ذلك وقف ويلسون خلف فكرة إنشاء اللجنة. أقر مجلس الشيوخ قانون لجنة التجارة الفيدرالية في أوائل سبتمبر، وصدَّق عليه ويلسون في ٢٦ سبتمبر. وبعد أسبوعين تقريبًا، أُقرت نسخة أقل صرامة من مشروع كلايتون كقانون أيضًا، ما أدَّى إلى الدمج بين نهجَيْ برنامجَيِ «الحرية الجديدة» و«القومية الجديدة».

نجح القانونان معًا في مكافحة الاحتكار. استثنى القانونان الاتحادات العمالية والجمعيات التعاونية الزراعية، وبهذا قَضَيَا على الأحكام القضائية المعتادة بأن الإضرابات والمقاطعات كانتا «تعرقلان التجارة»، علاوة على ذلك، أكد قانون كلايتون على أن عمل المرء ليس سلعة تجارية. كان الديمقراطيون الزراعيون بالجنوب والغرب الأشد تأييدًا للبنود المؤيدة للاتحادات العمالية. وكانت قرارات اللجنة خاضعة للمراجعة القضائية، ولم تتفق المحاكم مع تلك القرارات على الدوام، إلا أن ويلسون أوفَى بوعده بتحسين قوانين مكافحة الاحتكار بجدية.

وسرعان ما حلَّ موعد انتخابات الكونجرس لعام ١٩١٤، وتحوَّل ما يقرب من ستين مقعدًا بمجلس النواب من سيطرة الديمقراطيين إلى الجمهوريين، إلا أن الديمقراطيين احتفظوا بأغلبية آمِنة بأربعة وثلاثين مقعدًا. وفي واقع الأمر استحوذ الديمقراطيون على العديد من المقاعد الإضافية بمجلس الشيوخ. وفي كلا المجلسين، كان باستطاعة رجال ويلسون من الديمقراطيين (جنبًا إلى جنب مع أعضاء الكونجرس المنتمين إلى الحزب التقدمي، الذين كانوا يصوتون معهم بوجه عام) الاستمرار في تمرير إجراءات برنامج «الحرية الجديدة». لم تصدر قوانين جديرة بالأهمية في عام ١٩١٥، باستثناء قانونٍ متعلقٍ بحماية بحارة السفن التجارية في ٤ مارس، وقد تبنَّاه لافوليت. حظر ذلك القانون استغلال البحارة من قِبَل مسئولِي السفن وأصحابها بممارساتٍ بعينها مثل: الأجور المنخفضة، والطعام الرديء، وساعات العمل غير المحددة، وتركهم في موانئ أجنبية وهم مدينون لهم بأجور مستحقة. وفي نهاية المطاف، شكل هذا أهم قانون أسهم به لافوليت على المستوى الفيدرالي.

استغرق ويلسون، من جانبه، في أمور شخصية: وفاة زوجته الأولى في أغسطس عام ١٩١٤، وعلاقته العاطفية السريعة جدًّا، وزواجه الثاني في أواخر عام ١٩١٥. كما ازداد انشغاله بالقضايا الخارجية؛ فقد أرسل قوات من البحرية الأمريكية إلى هايتي (مثلما فعل في نيكاراجوا عام ١٩١٤ ومثلما سيفعل في جمهورية الدومينيكان عام ١٩١٦)، وانحاز إلى المتمردين في الثورة المكسيكية، وفوق هذا وذاك حاول تجنب التورط في الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في أوروبا في أغسطس عام ١٩١٤. وعندما نسفت غواصة ألمانية السفينة البريطانية لوسيتينيا في مايو عام ١٩١٥، وقتلت ١٢٨ أمريكيًّا كانوا على متْنها، احتج ويلسون بشدة، على نحو مبالَغ فيه من منظور برايان الداعي إلى السلام، الذي استقال من منصبه كوزير للخارجية.

fig10
شكل ٤-٣: الرئيس وودرو ويلسون وزوجته الثانية، إديث بولينج جالت ويلسون، في صورة التُقطت بعدَ زواجهما عام ١٩١٥ وقبل إصابته بالسكتة الدماغية التي أقعدتْه عام ١٩٢٠.

في عام ١٩١٦ وأوائل عام ١٩١٧، أُقرت مجموعة كبيرة من الإجراءات الهامة من قِبَل الكونجرس الرابع والستين، وصدَّق عليها ويلسون كقوانين على الفور. فقد صدر في يوليو قانون القروض الزراعية الفيدرالية، الذي نص على تقديم الائتمان لصغار المزارعين من خلال الجمعيات التعاونية. وفي أغسطس، صدر قانونٌ آخر بتأسيس إدارة المتنزهات الوطنية، التي جمعت المتنزهات الوطنية والمعالِم الأثرية والمواقع التاريخية العديدة تحت مظلة هيئة واحدة، الأمر الذي راق للتقدميين المهتمِّين بقضايا الحفاظ على البيئة. وصدَّق الرئيس في الأسبوع الأول من سبتمبر فقط على أربعة قوانين هامة أخرى: الأول هو قانون كيتنج-أوين لعمالة الأطفال، الذي يحظر التجارة بين الولايات في أي سلعة صنعها أطفال دون عمر الرابعة عشرة. (أبطلت المحكمة العليا هذا القانون عام ١٩١٨ في قضية «هامر ضد داجينهارت».) وبعد يومين، صدَّق ويلسون على قانون آدمسون، الذي أعطى لعمال السكك الحديدية بالخطوط الممتدة بين الولايات ثماني ساعات عمل يوميًّا. كان مثل هذا الإجراء الوقائي ملحًّا للغاية، مع إظهار الإحصاءات أن ساعات العمل الأطول من ذلك ترفع من معدلات الحوادث على نحو كبير. صدر بعد ذلك أول قانون فيدرالي للتعويضات العمالية في ٧ سبتمبر، الذي يوفر التأمين الطبي للعمال الفيدراليين الذين يُعانون من إصابات عمل. وأخيرًا، صدر قانون الإيرادات لعام ١٩١٦ في ٨ سبتمبر، الذي رفع معدلات ضريبة الدخل ليَصِل أعلى معدل إلى ١٥ في المائة، ويسري على الدخول المقدَّرة ﺑ ٢ مليون دولار أمريكي فأعلى. ومع ازدياد الاحتمال غير المرغوب والواضح مع ذلك بدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، احتاجت الحكومة الفيدرالية إلى المزيد من الأموال، وساعد ذلك القانون في ذلك؛ حيث إنه تضمن أيضًا ضرائب فيدرالية على التركات وضرائب على «الأرباح الاستثنائية» للشركات. وفي عام ١٩١٧، بعد أن خاضت البلاد بالفعل حربًا مع ألمانيا، اضطر الكونجرس إلى رفع الضرائب بشدة. وبفرض عدم وجود ضرائب على الدخل من الأساس، فعلى الأرجح ما كانت الولايات المتحدة لتخوض الحرب العالمية الأولى لعدم امتلاكها المال الكافي لذلك.

ومن ثَم، أَنشأ الكونجرس والرئيس ويلسون سِجِلًّا تقدميًّا حافِلًا سيخوضان على أساسه الانتخابات الوشيكة لعام ١٩١٦. أنجز ويلسون أمورًا كثيرة مما وعد بها في برنامج «الحرية الجديدة» قبل أربعة أعوام. وعندما أُعيد ترشيحه، لم يواجه سوى منافس واحد مهمٍّ، وهو مرشح الحزب الجمهوري تشارلز إيفانز هيوز من نيويورك. فاز ويلسون في الانتخابات، لكن كانت الخسارة وشيكة. رشح الحزب التقدمي ثيودور روزفلت مجددًا، إلا أنه رفض خوض الانتخابات، ولم يترشح أحد بدلًا منه. فاز ويلسون ﺑ ٤٩٫٤ في المائة من التصويت الشعبي، وهي نتيجة أفضل كثيرًا من انتخابات عام ١٩١٢، التي حصل فيها على ٤١٫٩ في المائة. إلا أن هيوز حقق نسبة أعلى من مجموع الأصوات التي حصل عليها روزفلت وتافت معًا في عام ١٩١٢. فاز ويلسون بأصوات المجمع الانتخابي بفارق ضئيل للغاية؛ ٢٧٧ إلى ٢٥٤، وجاءت نتيجة كاليفورنيا المتأخِّرة لتدفَعَه قليلًا نحو الصدارة. ولو أن أصوات الناخبين المؤيدين لروزفلت في عام ١٩١٢ الذين لا يزالون يشعرون بالاستياء ذهبت إلى هيوز، لخسر ويلسون. كان مستقبل الديمقراطيين مبهمًا؛ فقد اعتمد فوز ويلسون عام ١٩١٢ على انشقاق روزفلت عن حزبه، ويعود الفضل في فوزه في الانتخابات الثانية بقدْر كبير إلى شعار الحملة: «لقد جنبنا الحرب»، وهو الشعار الذي ستدحضه الأحداث بعد ذلك بفترة وجيزة جدًّا. تراجعت الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب إلى ستة مقاعد فقط، وخسروا ثلاثة مقاعد في مجلس الشيوخ. أخفق الحزب الجمهوري مع ذلك في استرجاع الأغلبية التي حَظِيَ بها قبل عام ١٩١١، لكنه سيحققها في عام ١٩١٨. وهكذا ولَّت أيام أوج الحركة التقدمية الزراعية.

أسفرت الجلسة الأخيرة للكونجرس الرابع والستين عن التشريع الأخير من برنامج «الحرية الجديدة». كان يجب إدراج الإجراء الأول، قانون الهجرة لعام ١٩١٧، ضمن قائمة الإصلاحات التقدمية، لكن من الصعب أن نعتبره جزءًا من برنامج «الحرية الجديدة»؛ نظرًا لأن الكونجرس أجازه في فبراير عام ١٩١٧ رغم استخدام ويلسون لحق النقض. اشترط القانون قدرة المهاجرين على القراءة بالإنجليزية أو بلغة أخرى. طُرحت مقترحات مثل هذه بوضع اختبارات الإلمام بالقراءة والكتابة أمام الكونجرس قبل هذا منذ عام ١٨٩٦. وعلى مدار السنوات الأولى من القرن العشرين، كان هذا الاختبار هو الوسيلة المحبَّذة للمطالِبين بتقييد الهجرة، بما في ذلك لجنة ديلنجهام، التي افترضت أن ذلك سيخفض أعداد الوافدين من جنوب وشرق أوروبا، بما سيسمح بقدوم الوافدين «المرغوبين أكثر» من شمال وغرب أوروبا. لم يحقق هذا الاختبار ذلك الهدف مطلقًا؛ ومن ثَم شُرع قانون عنصري صريح أكثر في عام ١٩٢١، ينص على تحديد نِسَب معينة للهجرة حسب الجنسيات، مع تخفيض الأعداد الوافدة من الشعوب «المرغوبة بدرجة أقل» بصورة كبيرة أو منعها تمامًا. كما حظر قانون عام ١٩١٧ جميع المهاجرين تقريبًا من أي دولة آسيوية. كان تقييد الهجرة جزءًا من الحركة التقدمية، أو على الأقل جزءًا من أجندة الكثير من التقدميين اليمينيين.

خرجت بضعة قوانين أخرى تابعة لبرنامج «الحرية الجديدة» من الكونجرس بدعم من الزراعيين. صدر في مارس عام ١٩١٧ قانون جونز-شافروث الذي منح الجنسية لمواطني بورتوريكو، وقانون سميث-هيوز للتعليم المهني، الذي زاد بنود قانون سميث-ليفر لعام ١٩١٤ ودعم تدريب المعلِّمين والتدريب في مجالات الزراعة والاقتصاد المنزلي والمهن الصناعية. وكان هذا آخر تشريع يستهدف العمال أو التعليم في الحقبة التقدمية. وفي غضون شهر، دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى. لم تنتهِ الحركة التقدمية تمامًا؛ فسوف تصدر التعديلات الدستورية الخاصة بحظر المشروبات الكحولية وحق المرأة في الانتخاب لاحقًا، غير أن أجندة الأعوام من ١٩١٠ إلى ١٩١٧، الخاصة بالقوانين المؤيدة للرفاهية الاجتماعية، والبِنَى الحكومية الأكثر ديمقراطية، وضرائب الدخل والرسوم الجمركية المخفضة، والمصرف المركزي، قد استنفدت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١