فاجعة غرناطة

لم يَبْقَ في أيدي المسلمين من الأندلس العربية — بعد انهيار دولة الموحدين، ومقتل محمد بن هود، وسقوط قرطبة وبلنسية وإشبيلية وسواها من المدن والقلاع — إلا مملكة غرناطة، ويشمل حكمها كورة إلبيرة (Elvira) ومنها قطر لوشة (Loja) على نهر غرناطة المعروف بنهر شنيل (Xenil).
ومن أعمالها وادي آش (Guadix) والمُنكَّب (Almunécar) وجبال البشرات (Alpujarras) وبسطة (Baza)، وأشهر مدنها التجارية على ساحل البحر مالقة (Malaga) وألمرية (Alméria).

ومع أن هذه الإمارة صغيرة بمساحتها، فقد تسنَّى لها أن تُرزق الحياة مدة مائتين وخمسين سنة، على ما كان يحدق بها من خطر الدول المسيحية.

ذلك بأن الملوك الإسبانيين كانوا يُشغلون عنها بمحاربة بعضهم لبعض؛ حروب كادت تستغرق النصف الثاني والنصف الأول من القرنين الرابع عشر والخامس عشر، لا سيما نضال قشتالة وأرغون.

ثم إنهم تعودوا أن ينتفعوا من أموال المسلمين، فكانوا يجدون لذة في ضرب الجزية عليهم واعتبارهم من أتباعهم، كما كان الأمراء المسلمون يجدون هذه اللذة من قبل، فقيضوا لغرناطة عمرًا مديدًا؛ ليمتعوا النفس باستصفائها والإشراف عليها.

أضف إلى ذلك أن موقعها الطبيعي وما فيها من الحصون والقلاع والأبراج، يضمن لها إرهاق غزاتها، وهي على ضيق أرضها مكتظة بالسكان؛ لأن معظم المسلمين الذين هاجروا من الولايات الأندلسية التي استردها المسيحيون لجَئُوا إليها واتخذوها مقرًّا، فلقيت فيهم عددًا عظيمًا من المحاربين الأشداء يدافعون عنها الإسبانيين بحمية واستبسال.

فإذا تكالب العدو عليها وأحسَّت الضنك استصرخت سلاطين المغرب، وفي مقدمتهم بنو مرين، فيجيزون إليها جيوشهم لرد العاديات عن أرباضها.

فظلت هذه المملكة الصغيرة بمأمن من الكارثة العظمى لا تخشى شرها، حتى تم الاتحاد بين قشتالة وأرغون سنة ١٤٦٩، فتزوج فردينان الخامس إيزابلا الكاثوليكية، واجتمعت دولتان قويتان على إمارة بني الاحمر تصليانها الحرب العوان طوال عشر سنين.

ورافق ذللك تضعضع في أحوال غرناطة من خلافها الداخلي، وانقسامها أحزابًا تحترب وتتصارع، ويفزع بعضها إلى الملوك المسيحيين لمقاومة بعض، فمهَّدوا السبيل للنيل منهم، وتغلب العدو على مدنهم وقلاعهم؛ فقد بات قصر الحمراء ملعبًا لدسائس النساء ومكايدهن، فأشعل الثورات الأهلية ليستفيد منها الإسبان.

وكان من سوء الطالع أن يتولى أمر غرناطة السلطان أبو الحسن عليُّ بن الأحمر، رجل لَذَّات وشهوات، فأهمل رعاية الجيش، وأقدم على قتل كبار القُوَّاد ليأمن انتقاضهم، فتراخت القوى العسكرية في الدولة، وقل خطر حاميات الثغور.

ولم يقتصر على هذا، بل سلَّم زمام الأحكام إلى وزيره، وقعد عن الجهاد، حاسبًا أن النصارى لا يغزونه، ولا تنقضي بينهم الفتنة، واحتجب في قصره عن الناس ليتفرغ لنسائه وملاهيه.

فأنكر الخاصة والعامة ذلك منه، وكثرت المظالم والمغارِم على حد تعبير المقري؛ فإذا الثورة تتمخض في شعبه، فتنتقض مالقة على حكمه، وتبايع أخاه أبا عبد الله محمدًا الملقَّب بالزغل؛ فتنشب الفتنة بين الأخوين مدة، ثم يخضع الزغل لأخيه، وينقضي الخلاف، ليقع بعده خلاف جديد أشد منه وأنكر، بين الابن وأبيه.

وذلك أن أبا الحسن في تهافته على اللذة كان يُكْثِرُ من التَّسَرِّي بالجواري ليطيب له الاستمتاع؛ فوقع على جارية إسبانية اسمها إيزابلا، فشغف بها شغفًا عظيمًا، واستولت على إرادته، فحملته على أن يتزوجها، وأسلمت فسمِّيت الثريا، فأحلَّها المنزلة الأولى بين نسائه، حتى إنه قدَّمها على زوجه عائشة، وهي بنت عمه السلطان أبي عبد الله الأيسر.

وشاء أن يجعل ولاية العهد لبعض أولادها، فاشتعلت الغيرة في صدر عائشة، وراحت تدس للثريا، وتنصب لها أشراك مكايدها، فانقسم خدام القصر على فئتين متنافرتين، تميل الواحدة إلى أولاد الحرة، والأخرى إلى أولاد الجارية، والشعب خارج القصر يتذمر على الوزير لجوره واستبداده، يطلب إقصاءه عن الحكم، والسلطان لا يلبي له طلبًا.

ولم تكن هذه الأحداث لتخفى على ملكَي قشتالة وأرغون، أو يفوتهما استغلالها، وهما في زواجهما واتحادهما، قررا أن يزيلا باقي كلمة الإسلام عن إسبانية.

وكان السلطان أبو الحسن قد استفزهما للجهاد في اعتدائه على الزهراء سنة ١٤٧٨، وهي تابعة لملكة قشتالة، فحرضت بعلها على تجريد حملة صليبية، لا تنثني إلا بإخراج المسلمين من الأندلس، فتم تجهيزها سنة ١٤٨٢م/٨٨٧ﻫ فراحت تُوالي الغارات على مملكة غرناطة، تفتتحها بلدًا إثر بلد، وتستنزل الحصون أو تقذفها بالمدافع.

وفي هذه السنة فرت عائشة من الحمراء، ومعها ولداها أبو عبد الله محمد وأبو الحجاج يوسف، خوفًا من زوجها أن يفتك بهم نزولًا على رغبة حظيته الإسبانية، فقصدوا إلى وادي آش يستثيرون الشعب، وهو في حملته ناقم على أبي الحسن يمقت استهتاره وقعوده، فمد إليهم يده وبايع أبا عبد الله خالعًا أباه، ثم قامت ألمرية وبسطة وغرناطة بدعوة السلطان الجديد؛ فهرب أبو الحسن إلى مالقة ملتجئًا إلى أخيه الزغل، فاعصوصب الشر بين حزب أبي عبد الله وحزب أبي الحسن، وفيهم الثغريون (سكان الثغر) وبنو سراج.

فقد انتصر الأولون لأبي الحسن، والآخرون لأبي عبد الله؛ فكانوا يقتتلون في الشوارع والطرق حتى تركوا الفوضى منتشرة في البلاد، وتزعُم الرواية العربية أن أبا عبد الله نكب بني سراج وأفناهم، على أن المستشرقَين أوغست مولر وكليمان هيوار يضيفان هذه النكبة — إن صحت أخبارها — إلى أبي الحسن؛ لأن بني سراج كانوا خصومه وأنصار ولده، فلا يُعقل أن ينكبهم أبو عبد الله، ولعل الرواية العربية تخلط بينه وبين عمه أبي عبد الله الزغل، وعلى حوادث هذه النكبة بنى شاتوبريان قصته: آخر بني سراج.

وما زالت الحرب دائرة بين الابن وأبيه حتى رجحت كفة الولد، فأقام سريره في غرناطة، وأطاعته البلاد إلا مالقة والناحية الغربية.

وفي سنة ١٤٨٣م/٨٨٨ﻫ قصد المسيحيون مالقة وبلِّش (Velez) في نحو ثمانية آلاف، وكان السلطان أبو الحسن قد أناخ على نواحي المُنكَّب لمقاتلة ولده، فالتقاه أبو عبد الله في جند غرناطة والجهة الشرقية فهزمه، في حين كان الزغل يقاوم الجيوش الإسبانية في مالقة، ويردها خاسرة.

فلما بلغ أبا عبد الله أن عمه الزغل انتصر على الإسبانيين في مالقة، أحب أن يكون له قسط من الجهاد الوطني والديني؛ فحشد عساكره وخرج غازيًا، فتجمع عليه الإسبان في الجبال والأوعار، فكسروه وأخذوه أسيرًا بعد أن قتلوا من الجيش خلقًا عظيمًا، فأجمع أمراء غرناطة وأعيان الأندلس على إرجاع والده أبي الحسن، فذهبوا إلى مالقة وبايعوه.

وكان قد ذهب بصره على أثر مرض يشبه الصرع أصابه، فرفض أن يقوم بأعباء الملك وهو على هذه الحال، وأشار عليهم بأن يبايعوا أخاه أبا عبد الله الزغل؛ فبايعه الأندلسيون وقدموا له الطاعة، وانتقل أبو الحسن إلى المُنكَّب فأقام بها إلى أن مات.

وأغار المسيحيون سنة ١٤٨٥م/٨٩٠ﻫ على غربي مالقة فدخل أهلها في طاعتهم، وحاصروا بعدها رُندة (Ronda) فهدموا أسوارها بمدافعهم، وما انفكوا يضيِّقون عليها حتى طلب أهلها الأمان مستسلمين.

ثم إن فردينان رأى أن يضرب المسلمين بعضهم ببعض؛ فيستفيد من شقاقهم وتحاربهم، فبعث إلى السلطان أبي عبد الله — وهو أسير عنده — فاستقدمه وخلع عليه، ووعده بأن يساعده على خلع عمه، ويعيده إلى عرشه، ثم أطلق سراحه وأمده بالعساكر والمال؛ فثار يطلب الملك.

وجاء بلِّش فأطاعه أهلها، ونادى الخبر إلى غرناطة فمال إلى مبايعته أهل البيَّازين (ALbaycin) وهو حي من أقدم أحياء غرناطة، قائم في أعاليها على تل منحدر يشرف على المدينة، بينه وبين التل الذي عليه قصر الحمراء فرجة صخرية.

وفي البيازين قلعة حصينة تُعرف بالقصبة القديمة، وكان أهل هذا الحي على جانب من الجهل — كما يصفهم صاحب نفح الطيب — فقاموا بدعوة أبي عبد الله، وتبعهم بعض أهل غرناطة، وهم يرجون الصلح مع المسيحيين على يد السلطان الأسير لما رأوا من عطف القشتاليين عليه؛ فوقعت الفتنة بين المسلمين ورُجمت البيازين بالحجارة من القلعة.

ثم جاء السلطان أبو عبد الله إلى لوشة، فظنوا أنه أتى لمصالحة عمه الزغل، وإذا صاحب قشتالة وأرغون يدهم لوشة بجيش عظيم فيحاصرها، فخف أهل البيازين إلى نصرة السلطان أبي عبد الله، ولكنهم ما لبثوا أن تبيَّن لهم أن السلطان كان على اتفاق مع الملك الإسباني، ففتحت لوشة أبوابها لفردينان ٨٩١ﻫ وهاجر أكثر أهلها إلى غرناطة.

أما أبو عبد الله فبقي مع الإسبانيين، فأثبت بذلك شائعة مواطأته لهم، وحقيقة الأمر أنه ما حالفهم إلا لاعتقاده أنهم سيكونون أنصاره على عمه فيستعيد منه العرش، وأن المسلمين يأمنون اعتداءهم في ظل ملكه لارتباطه بالصداقة معهم، خصوصًا بعدما وعده فردينان بأن من يدخل في حكمه فهو في أمان تام.

وعلى ذلك نشط إلى بلش يدعو الناس لموالاته ويُمنِّيهم بصلح صحيح، فأقبل عليه جمع غفير ممن رغبوا في السلامة وكره القتال، وجاءه في الجملة أهل البيازين يدعونه إلى حيهم، متجندين لنصرته والدفاع عنه، فانتقل إليهم على حين غفلة، ونزل في القلعة فانقسمت غرناطة قسمين: حزبًا معه وحزبًا، مع عمه نزيل الحمراء.

ولم يغفل ملكا قشتالة وأرغون عن إمداده بالجند والمال والقمح والبارود، فشبت في غرناطة ثورة أهلية كثر فيها النهب والتقتيل.

وفيما كان السلطان الزغل يدعو الأجناد والقُوَّاد من أهل بسطة ووادي آش وألمريَّة والمُنكَّب لمساعدته وطرْد أبي عبد الله من البيازين، بلغه أن الإسبانيين زحفوا إلى مالقة بجيش عظيم، ونزلوا على بلش يحاصرونها في آذار ١٤٥٧م/ربيع الآخر ٨٩٢ﻫ؛ فخف إلى نجدتها بما اجتمع لديه من وفود وادي آش وجبال البشرات، فرأى العدو يواثبها برًّا وبحرًا، وقد أخذ بخناقها من جميع الجهات.

فوطَّن النية على منازلته مهما كلف الأمر، وإذا نبأٌ يأتيه من غرناطة بأن العاصمة بايعت ابن أخيه أبا عبد الله، وأن هذا الأمير استولى على قصر الحمراء؛ فانكسرت عزيمته، وانهزم بجيشه قبل أن يلتحم مع الإسبانيين، وسار إلى وادي آش فنزلها وتحصن بها.

وما زال الإسبانيون يشددون الحصار على بلش حتى طلب أهلها الأمان، ودانت لهم جميع البلاد بشرقي مالقة إلا جبل فارة (Gibralfars) حصن مالقة المنيع، فإنه لبث يدعو للزغل ويدافع الأعداء متمردًا، ومالقة أعظم فرضة تجارية حربية على باب المضيق، تأتيها الإمدادات من المغرب، تنزل بها ثم تنتقل إلى غرناطة.

فكان من المعقول أن يوجِّه إليها فردينان حملته ويفرغ منها قبل مهاجمة العاصمة ليقطع الصلة بينها وبين العدوة المغربية، فسيَّر إليها جيشًا بريًّا وأسطولًا بحريًّا يضربان عليها نطاقًا عسيرًا، فقاتل أهلها قتالًا مجيدًا، وسلط الحصن مدافعه على البر والبحر، فمُنِيَ الإسبانيون بخسائرَ جسيمةٍ.

غير أنهم لم يحجموا عنها، ولا فتر لهم نشاط، بل لبثوا يقتحمون إليها المخاطر حتى دخلوا أرباضها وضيقوا دائرة الحصار وصاروا يقذفون عليها قنابلهم من مسافات قريبة، فيدمرون الحصون والمنازل.

فصبرت مالقة صبرَ الكرامِ على التقتيل والتخريب، وانقطاع الأمل من مساعدة سلاطين المغرب إلى أن فني ما عندها من الطعام وأكلت الخيل والحمير؛ فعضها الجوع المرير، وغلب عليها اليأس القاتل، فاضطُرت مكرَهة إلى الاستخذاء بعد منعتها، فدخلها المسيحيون في آب ١٤٨٧م/شعبان ٨٩٢ﻫ وسقط في أيديهم حصنها المريد.

وتابع فردينان غاراته كل سنة، فكان يفتتح المدن والقلاع وهو يظهر الصداقة لأبي عبد الله صاحب الحمراء، ويدَّعي مناصرته على عمه ومنافسه في الملك، وإنما وكده أن يعزل غرناطة عن جميع المدن والولايات الإسلامية؛ فيسهل عليه امتلاكها إذا حاصرها، ويحُول دون وصول النجدات إليها.

ولا يخفى ما في هذه الخطة من دهاء وحسن تدبير، فلما كانت سنة ١٤٨٩م/٨٩٤ﻫ، نهض بجيشه إلى بسطة يريد انتزاعها من الزغل، فحشد السلطان الجيوش من وادي آش وألمرية والمنكب والبشرات، فوقعت بينهم معارك كثيرة كان النصر فيها للإسبانيين، وتضايق أهل بسطة من الحصار والجوع، فطلبوا الأمان، وخضع الزغل لفردينان وبايع له على أن يبقى تحت طاعته.

فدخل الإسبان بسطة في كانون الأول ١٤٨٩م/محرم ٨٩٥ﻫ وأقاموا في كل قلعة قائدًا مسيحيًّا، ودانت لهم وادي آش والمنكب وألمرية، وتم لفردينان ما أراده، ولم يبقَ خارجًا عن حكمه سوى غرناطة وقراها وجبال البشرات، فعندئذٍ تبدلت سياسته نحو صاحب الحمراء؛ فأظهر الميل لأبي عبد الله الزغل، ودعا الناس إلى الالتفاف حوله، وبذل المال لبعض القُوَّاد المسلمين فباعوه ضمائرهم، وجعلوا رجالهم في خدمته توفيرًا لرجاله.

فسقطت أمام وجهه جميع الحواجز التي كانت تعوق زحفه إلى غرناطة، فكتب إلى صاحبها يستنزله عنها، واعدًا إياه بأن يضعه تحت حمايته، ويعطيه مالًا جزيلًا، ولكنه لم ينتظر الجواب، بل دلف إليه بعساكره لينجز الأمر سريعًا.

فجمع أبو عبد الله أعيان المدينة وقُوَّادها، ومندوبين من عامة الشعب، وأطلعهم على كتاب فردينان، طالبًا منهم أن يُبدوا آراءهم في الجواب عليه، فإما أن يرغبوا في الجهاد والدفاع عن دينهم واستقلالهم، وإما أن ينزلوا على حكم المسيحيين.

فاتفقوا بأجمعهم على الجهاد المستميت، فأرسل إلى فردينان يبلغه رفض طلبه والاستعداد لقتاله.

فمشى الملك الإسباني إلى مرج غرناطة فاحتله بجيشه، وبعث إلى سكان العاصمة يهددهم بإفساد زروعهم إذا أصروا على مخالفته، فلم يجد عندهم غير الصلابة والإباء؛ فانتسف الزرع كله، وهدم بعض الحصون، إلا أنه أحجم عن ضرب الحصار لقلةٍ في الذخيرة والجند، وآثر أن يرتحل إلى بلاده، مرجئًا أمر غرناطة ليوم آخر.

وما كاد يبتعد حتى عادت بعض الجهات إلى طاعة صاحب الحمراء ومنها جبال البشرات، وكان الزغل قد استقر بألمرية، فدلف إليه ابن أخيه بحملة من غرناطة ليسترد الأماكن التي سلمها للعدو، فتلقاه عمه بجيش فيه قوات من النصارى الإسبانيين، فنشبت بينهما معارك دامية لم يترجح النصر فيها لأحدٍ منهما.

وفي أثنائها خرج فردينان بجيش انضم إليه المدجنون١ والخانة والمرتدون،٢ فقصد إلى وادي آش وأجلى عنها المسلمين، فلما بلغ خبره السلطان الزغل، خاف على نفسه لمصادقته الإسبانيين، وهم اليوم ينفون أبناء ملته عن ديارهم، فَكَرِهَ البقاء في الأندلس، فعبر البحر إلى وهران، ثم إلى تلمسان، واستقر بها بعيدًا عن عرشه وسلطانه.

وعاد أبو عبد الله إلى غرناطة يتأهب للقاء العدو بعد أن أصبحت العاصمة الهدف الوحيد لأنظار إيزابلا وفردينان، وهيهات، لا يطمئن لها فتح ما دام المسلمون معتصمين بالحمراء، فيكفي أن يقع من الحوادث الداخلية ما يشغلهما حينًا عن الولايات المفتتحة حتى تنتقض عليهما، وتعود منضمة إلى غرناطة، ناشدة حريتها واستقلالها، فلا الفتح مكفولًا ولا النصر سالمًا، أو يندك المعقل الأخير لدولة الإسلام في الأندلس.

وعلى هذا، صمم العاهلان أن يضربا الضربة الحاسمة ما دام الزمان مؤاتيًا، فيأمنا من مفاجآت الغد، فنهضا إلى حشد العساكر من قشتالة وأرغون ولاون وجليقية وأشتوريش وسواها، فتم لهما جيش لهام، فيه زهرة الفروسية الإسبانية، يترأس أقسامه الأحبار والقوامس، وتنتشر فوقه رايات الصليب والصور المقدسة، ومعه من المؤن والمدافع والسلاح مقادير عظيمة تنذر بحرب ضروس لا هوادةَ فيها.

وكان فردينان وإيزابلا يقودان هذه الجيوش بنفسيهما، ويتعهدان سيرها ونزولها، فزحفا بها في آذار ١٤٩١م/جمادى الآخرة ٨٩٦ﻫ إلى مرج غرناطة الجنوبي (La Véga) ونصبا آلات الحصار على العاصمة، وقذفا حصونها بالمدافع، ولكنها كانت منيعة، فلم يهن جانبها ولا تثلمت أبراجها.
فعلم الإسبانيون أن الحصار طويل لا ينقضي أمده إلا بعناء شهور، فأمرت إيزابلا ببناء مدينة مقابل غرناطة تناوئها مدة الحرب إلى أن تظفر الواحدة بالأخرى، وهذه الخطة أخذها الإسبانيون عن العرب عندما يطول الحصار، فبُنيت المدينة وسميت شنتفي (Santa-Fé) أي الإيمان المقدس، فنزلتها العساكر الإسبانية مستظلة بحصونها، فكان في ذلك بلاغ للغرناطيين بأن هذه الحملة تختلف عن الغارات السابقة، فما تنتهي بإتلاف الزرع وامتلاك بعض الحصون.

فوطَّنوا النفس على الصبر والجلاد، ووقف القُوَّاد والأشراف بجانب السلطان أبي عبد الله يشددون عزيمته، ويدعونه إلى الثبات؛ فصبرت غرناطة على الحصار وقصف المدافع، رابطة الجأش، عنيدة المراس.

غير أن الميرة عندها لم تكن تكفيها سوى مدة قصيرة، والحصار الخانق يمنع الوارد إليها من الخارج، وليس لها باب مفتوح إلا من ناحية جبل شُلِّير (Séerra Nivada) إلى البشرات تأتيها منه المَئُونة رشحًا لوعورة المسالك، فكان الضيق يدفع أهلها حينًا بعد آخر إلى ترك الأسوار والحصون لمنازلة العدو؛ فتقع معارك دامية يستبسلون فيها مقاتلين قتال الضواري، فيسيل مرج غرناطة دماءً، ويكتسي بالجثث والهام.

وكانت إيزابلا تتعهد الجرحى الإسبانيين بنفسها، تؤاسيهم وتضمد كلومهم، وتحث الأجناد على الصبر وحسن البلاء، فتوالت المعارك بين الفريقين رابية الخسائر، والزاد والرجال في غرناطة قليل، والعدو وافر العدد والذخائر، فلا بد أن يُفضي الأمر إلى معركة فاصلة تنكسر فيها شوكة الغرناطيين، ويستطيل عليهم الإسبان بقواتهم الجرارة، فيضطرونهم إلى الانقباض وراء الأسوار لا يجرءون بعدها على طلب القتال؛ فيعود الحصار بأثقاله ويشتد الجوع على المسلمين، فيزداد العدو طمعًا فيهم، ويفر من المدينة خلق إلى جبال البشرات.

فدعا السلطان أبو عبد الله رجال الدولة وأهل المشورة، يستطلع آراءهم فيما ينبغي عمله، فاتفقوا على إسلام البلد حفاظًا على النفوس أن تهلك حيث لا يُجدي الهلاك، فاختاروا وفدًا من رؤساء الجند للمفاوضة، فخرجوا إلى معسكر الإسبانيين، فاستقبلهم فردينان وإيزابلا بحفاوة، فعرضوا عليهما إسلام العاصمة على شروط فيها الأمان للمسلمين؛ فقبل العاهلان دون تردد أن تفتح المدينة أبوابها صلحًا، ووُضعت معاهدة الاستسلام وهي تتضمن سبعة وستين شرطًا على قول المقري.

ومن النظر إلى هذه الشروط يتبين أن المسلمين فاوضوا أعداءهم مفاوضة النِّدِّ للنِّدِّ لا مفاوضة المغلوب للغالب، وأن العاهلين الإسبانيين كانا متساهلين إلى حدٍّ بعيد، تخلُّصًا من هذه الحرب الطويلة، ووصولًا إلى الغاية التي يتوخيانها.

ولعل فردينان كان يُضمر وراء هذا السخاء خطة معينة ينوي تنفيذها عندما يصبح أمر غرناطة في يده، وتُسرَّح جنود المسلمين، وتؤخَذ منها قلاعها؛ فقد جاءت شروط المعاهدة في مصلحة المنكسرين أكثر منها في مصلحه الظافرين.

ولا يرجو مقهور أن ينال من قاهره شروطًا شريفة أفضل منها تصون حرية الدين وحرية النفوس معًا! فهي تنص من الناحية الدينية على أنه: لا يجوز للجنود المسيحيين أن يدخلوا المساجد إلا بإذن من الفقهاء، وتبقى المساجد والأوقاف كما كانت، ولا يُمنَع مؤذنٌ ولا مصلٍّ ولا صائمٌ عن أموره الدينية، وكل مسيحي يضحك منهم في أثناء إقامة شعائرهم يُعاقَب!

لا يُقسَر من أسلم من النصارى على الرجوع إلى دينه، وأما من تنصَّر من المسلمين فإنه يُوقَف أيامًا حتى يظهر حاله، ويُحضر له حاكم من المسلمين وآخر من النصارى، فإن أبى الرجوع إلى الإسلام يُترَك على ما أراد.

وتنص من ناحية أخرى على حماية النفوس والعادات والمنازل والأموال، فلا يجوز للعساكر المسيحية أن تدخل بيوت المسلمين ولا تأخذ منها طيورها ومواشيها، أو تقيم فيها الولائم والمراقص على كُره من سكانها.

ولا يُسمح للجنود الإسبانيين بأن يصعدوا إلى السور الذي يفصل القلعة عن البيازين، لئلا يستطلعوا على دور المسلمين، ولا تخترق القوات المسيحية مدينة غرناطة يوم دخول العاهلين إلى الحمراء، وإنما تسير في طريق منحرف خارج الأسوار، مراعاةً لشعور الغرناطيين.

ومن هرب من أسارى المسلمين ودخل غرناطة فلا سبيل عليه لمالكه ولا لسواه، ولا يُعاقَب من قتل نصرانيًّا أيام الحرب، ولا تُردُّ منه الأسلاب التي غنمها، ولا يُؤخَذ أحد بذنب غيره، ويُخيَّر المسلم في البقاء أو في السفر إلى المغرب وإفريقية، فمن آثر البقاء ورضي أن يكون من رعايا صاحبَي السمو الملكي، يبقى له سكنه وماله وعقاره، ولا يؤدي من المغارم زيادة على ما كان يؤديه للأمراء المسلمين، وتُرفَع عنه جميع المغارم والمظالم المحدثة، ويسير في بلاد النصارى آمنًا في نفسه وماله، ولا يجعل علامة يعرف بها كما يجعل اليهود والمدجنون.

ولا يُحكم على أحد منهم إلا بشريعتهم لدى قضاتهم، ولا يولَّى عليهم نصراني أو يهودي، ويحق للتجار المسلمين أن يسافروا ويعودوا متمتعين بالحرية والطمأنينة، فيمكنهم أن يعبروا بتجاراتهم إلى إفريقية كلها، وأن يتنقلوا في جميع الولايات الخاضعة لصاحبَي السمو، ولا يؤدُّون من المكوس زيادة على ما يؤديه التجار المسيحيون.

ويجب أن تكون أسواق المسيحيين ومجازرهم منفصلة عن أسواق المسلمين ومجازرهم، لكي لا يحصل اختلاط في البضائع واللحوم.

ويستقل المسلمون بمياههم وأنابيبهم، فلا يحق للمسيحيين أن يشربوا منها أو يغسلوا بها ثيابهم، وإن صاحبَي السمو وقُوَّادهما الأكارم يراعون المسلمين، ويعاملونهم معاملة الأتباع الأوفياء.

أما من آثر الهجرة على البقاء فلا يُمنَع، وتنقله إلى العدوة الإفريقية — في مدة معينة — مراكب صاحبَي السمو، ولا يلزمه إلا الكراء، ويحق له أن يأخذ معه جميع أمواله: ذهبه وفضته وحلاه، وبضاعته وسلاحه، ما عدا الأسلحة النارية.

ومن يتأخر عن السفر في المدة المعينة، يُعطَى عندما يسافر عُشر ماله والكراء، وإذا لم يطب المقام للمسلم الأندلسي في المغرب وإفريقية، وأَحبَّ العودة إلى غرناطة، يُسمح له بذلك في مدة ثلاث سنوات من سفره، ويحق له أن يتمتع بجميع الذمم التي تنص عليها المعاهدة.

ويشترط العاهلان الإسبانيان مقابل ذلك أن ينتقل أبو عبد الله سلطان المسلمين بأهله وحرسه من الحمراء إلى البشرات، وتكون سكناه بأندرش (Andaraxe)، وأن يُستوثق خمسمائة من أعيان غرناطة رهنًا حذار الغدر والعصيان!
وخطَّ فردينان وإيزابلا اسميهما تحت هذا القَسَم:

نؤكد ونُقسِم بأيماننا وكلامنا الملوكي أننا نحافظ ونأمر بالمحافظة على مضمون جميع ما هنا من كل شيء وكل جزء، الآن وفيما بعد، الآن وفي كل آن.

وأبرم الشروط بعدهما أبو عبد الله وزعماء المسلمين، فتوقفت الأعمال الحربية في كانون الأول سنة ١٤٩١م/صفر ٨٩٧ﻫ، وفي اليوم الثاني من كانون الثاني ١٤٩٢م/٢ ربيع الأول ٨٩٧ﻫ فَتحت غرناطة أبوابها فدخلها صباحًا فردينان الخامس وإيزابلا الكاثوليكية بموكب حافل، فسارا توًّا إلى الحمراء.

وكان قائد القلعة ينتظرهما على عتبة الباب فقدم لهما المفاتيح، فسلماها للكونت تنديلا (Tendilla) وجعلاه قائدًا عامًّا لمملكة غرناطة، ثم رفع الصليب الفضي وعلم قشتالة على برج فيلة (La vela) أعظم أبراج الحمراء، واحتلت رجالة الجنود الإسبانية جميع الأسوار والبروج.

وكان السلطان أبو عبد الله قد غادر القلعة قبل دخولهما العاصمة، فاجتاز ساحة الأسود كسيرًا منخلع الفؤاد، يسير مطرقًا إلى منفاه وبجانبه أمه عائشة صامتة، قاطبة، والناس وقوف في الشوارع والشرف يشيعونه بأنظارهم منقبضين، من بين راحم وناقم، حتى إذا انعطفت به الطريق، وكادت الحمراء تتوارى عنه، أرسل إليها النظرة الأخيرة، وهطلت عيناه بالدموع، فالْتَفتت إليه أمه، وقالت له بمرارة الشامت المتألم:

ابكِ مثل النساء مُلكًا مضاعًا
لم تحافظ عليه مثل الرجال

ولا يزال هذا الموضع يسمى إلى اليوم «زفرة المغربي».

وأقام أبو عبد الله بأندرش إلى سنة ١٤٩٢م/٨٩٨ﻫ، ثم عبر البحر إلى المغرب، ونزل بفاس فاتخذها مقرًّا حتى مات.

خلت غرناطة من ملوكها بني الأحمر، ولكنها بقيت آهلة بالمسلمين، يزاولون فيها أعمالهم مطمئنين إلى عهد فردينان، حاسبين أن الإسبان مقيمون عليه طويلًا لا ينقضون شروطه، فيتسنَّى لهم مع الزمن أن يجددوا قواهم، ويستأنفوا جهادهم لاسترداد سابق عزهم وسلطانهم، فإذا كان ما نالهم من ذل وانكسار عقابًا سماويًّا على آثام اقترفوها، أو اقترفها حكامهم وزعماؤهم، فلن يتخلى الله عنهم، فيأذن ببقائهم خاضعين لحكم النصارى، والنبوات التي يسمعونها من أفواه الذين يقال إن لهم زلفى عند الله؛ تبعث في نفوسهم أملًا حيًّا، وتبشر بقرب الخلاص، وانتهاء العقاب.

ومهما تكن شروط العهد سخية شريفة، فهي لا تعدو أن تكون شروط الغالب على المغلوب، تطالعه أبدًا بزوال دولته، ووجوب خضوعه للمسيطر الغريب، وما تعودوا من قبلُ أن يخضعوا إلا لأبناء ملتهم، بل كانوا يتبرمون بحكم سلاطين المغرب، ويعتبرونهم دخلاء عليهم، مع أنهم مسلمون ويتكلمون العربية، فكيف يرضون حكم الإسبانيين وهم غرباء عنهم في الدين والجنس واللسان؟! فلماذا لا يسعون بكل ما لديهم من الوسائل لتحطيم هذا النير الثقيل؟! فعهد فردينان قد ترك لهم الحرية في السفر إلى الأمصار الإفريقية لتعاطي التجارة؛ فبوسعهم أن يتصلوا بسلاطينها، ويحرضوهم على تجريد حملة قوية تنقذ الأندلس المسلمة.

وما يمنعهم أن يستنجدوا المماليك في مصر، أو يفزعوا إلى الدولة العثمانية وهي في فتوتها ونشاطها، وإبان مطامعها، ممالك أوروبة تداريها وتخشاها بعد أن واتاها الحظ، فافتتحت القسطنطينية سنة ١٤٥٣، وجعلتها قاعدة لها؛ فجثمت على الشاطئين، بيدها مفاتيح الشرق والغرب.

دولة مسلمة مكينة العقيدة، تطمح إلى الخلافة لتصبح باسم الشرع حامية الإسلام، فلا بدع أن يجد الأندلسيون عندها عطفًا وتشجيعًا كما وجدوا عند سلاطين المغرب وإفريقية ومصر، فتصبح بعد ذلك شواطئ الأندلس غرضًا لغارات القرصان المسلمين يعيثون فيها وينشرون الذعر والاضطراب، فكانت هذه الغارات كافية لتحريك الأندلسيين مع انتظارهم القوة التي وعدت إفريقية بإرسالها، وهم لا تنقصهم الشجاعة، ولا العصبية الدينية، ولا كره الغريب البغيض، ومن جملة تساهل العهد معهم أن ترك لهم أسلحتهم فكأنه أعدهم للقيام بالثورة، ولا سيما سكان الجبال الوعرة كالبشرات.

ولم يكن المسلمون منحصرين في غرناطة وحدها، بل ظلت سائر الولايات الإسبانية حافلة بهم بعدما استردها المسيحيون، فإن فردينان رأى من الخير أن يستبقيهم ويعطيهم ذمة المدجنين؛ لئلا ينقص عدد السكان فتتأثر التجارة والزراعة، فوجود هؤلاء في قلب إسبانية أشبه شيء بقوة خفية مبثوثة تعتمد عليها غرناطة إذا هبَّت ثائرة، وغير مستصعب عليهم أن يتفاوضوا ويتفاهموا ليجمعوا أمرهم على خطة يضعونها ما دام التاجر الغرناطي يحق له — كالتاجر الإسباني — أن يتردد في مملكتَي قشتالة وأرغون، فلم يمضِ على العهد بضع سنوات حتى أخذ الجبليون ينتقضون ويثورون، وبدأت قشتالة تفكر بإلغاء العهد أو تعديل شروطه.

والظاهر أن أول فكرة خطرت لها حفاظًا على الأمن وتحقيقًا للوحدة القومية —هي تنصير المسلمين وتعليمهم لغة البلاد وعاداتها؛ لأن الإسبانيين اعتقدوا أن هذا الشعب الغريب لن يندمج فيهم ما دام متمسكًا بدينه وعاداته ولغته، ولعل تساهلهم في شروط العهد كان ترغيبًا له في الحكم الإسباني إلى أن يتمكنوا من تنصيره أو تنصير أولاده على تمادي الزمن.

وقد عبَّر عن هذه الفكرة رئيس أساقفة غرناطة الدون فرناندو دو تالافيرا (Fernando de Talavera) فطلب عند وضع المعاهدة أن تُحسَّن معاملة الغرناطيين، وأن يُجعَل التساهل أساسًا لشروطها على أمل أن يقبلوا الديانة المسيحية في المستقبل، وقال في ذلك كلمته المأثورة: «هؤلاء أولاد ينبغي أن نغذيهم باللبن.»

وقد كان من الطبيعي أن يُترك أمر تنصيرهم على عهدة الأيام والليالي، إلا أن الخوف من الثورات التي طفقت تهدد إسبانية، والحملات التي يُنتَظر أن تأتيها من إفريقية —حمل فردينان على اتخاذ تدابير قاسية في حد ذاتها، فأصدر أمره سنة ١٤٩٩م/٩٠٤ﻫ، بتنصير المسلمين جميعًا، وإرجاع من أسلم من النصارى إلى دينه القديم، وكل من رفض التنصير يجبر على مهاجرة البلاد.

فأحدث هذا القرار اضطرابًا عظيمًا في غرناطة والبشرات، وهبَّ أهل البيازين في وجه الحكام فقتلوهم، وكتبوا إلى الملك الظاهر قنسو الثاني سلطان مصر مستغيثين، فبعث هذا إلى الملكَين الإسبانيَّين يهددهما بالانتقام من المسيحيين الذين في أرضه، فاضطُرا إلى أن يوفدا مرشد كاتدرائية غرناطة بطرس مارتير، ليوضح له حقيقة الأمر ويطلعه على الرسائل التي تلقتها حكومة قشتالة من سلطات المدن البحرية في إفريقية، تؤكد فيها أن المبعدين لاقوا من الإسبانيين أحسن معاملة.

واستطاع العاهلان في الوقت نفسه أن يخمدا ثورة الجبليين، ويُكرِها المسلمين على التنصر، ولا سيما الفتيان والفتيات؛ فإن التنصُّر كان شاملًا فيهم، وآثر جماعة أن لا ينزلوا عن دينهم، فرحلوا إلى المغرب في مدة ثلاثة أشهر تاركين أملاكهم للدولة.

قال صاحب نفح الطيب: «وبالجملة فإنهم تنصروا عن آخرهم، بادية وحاضرة، وامتنع قوم من التنصر ورغبوا في الثورة؛ فاستأصلهم الإسبان سبيًا وقتلًا، ومنهم من خرجوا على الأمان إلى العدوة المغربية.»

ولكن فاجعة المسلمين المتنصرين (Morisques) لم تقف عند هذا الحد؛ ذلك بأن العدد الأكبر منهم ظل يبطن الإسلام ويحافظ سرًّا على شعائره وتقاليده، قال المقري: «كان من أظهر التنصر من المسلمين، وبقي على دينه خفية، فشدد عليهم النصارى في البحث حتى أنهم أحرقوا كثيرًا بسبب ذلك، ومنعوهم من حمل السكين الصغير فضلًا عن غيرها من الحديد، وقامت لهم ثورات في بعض الجبال على غير طائل.»
فقد فهم الإسبانيون أخيرًا أن تحويل شعب عن دينه جملة — بطريق الإكراه — عمل عقيم لا يؤدي إلى النتيجة المنشودة، ولم يجد نفعًا ديوان التنقيب (Inquisition) ما قام به من الفحص البليغ عن هؤلاء المتنصرين في الظاهر، ومن ضروب العقوبات البربرية كالتعذيب والتحريق، حتى كان عهد فيليب الثاني فأصدر قرارًا ١٥٦٥م بإخراج العرب المتنصرة من إسبانية كلها إلا من حسُن إيمانه ولم يلحقه شك في نصرانيته، وفصل الأولاد الصغار عن آبائهم وأمهاتهم؛ فوُضعوا في المدارس تحت رقابة الحكومة، ليتربوا تربية مسيحية خالصة.

غير أنه لم يتم الجلاء إلا في زمن فيليب الثالث، فأُخرجوا إخراجًا عامًّا سنة ١٦٠٩م/١٠١٧ﻫ، فخلت منهم ربوع الأندلس بعدما عمروها بحضارتهم زهاء ثمانية قرون، وآضت إسبانية للإسبانيين.

١  هم المسلمون الذين يعيشون في بلاد النصارى ولهم عليهم حق الحماية والذمة.
٢  المرتدون: النصارى الذين أسلموا، ثم ارتدوا إلى النصرانية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠