الفصل الحادي عشر

تطور كتاب «أصل الأنواع»: الخطابات، ١٨٤٣–١٨٥٦

[يُحكى تاريخ حياة أبي في مراسلاته مع السير جي دي هوكر على نحوٍ أكثر اكتمالًا من أيِّ سلسلةٍ أخرى من الخطابات، وينطبق هذا بوجهٍ خاص على تاريخِ تطوُّر كتابِ «أصل الأنواع»؛ ومِن ثَمَّ، يبدو هذا موضعًا ملائمًا للملحوظات التالية، التي تَفضَّل السير جوزيف هوكر بإعطائي إياها؛ فهي، علاوة على ذلك، تُعطي صورةً مثيرة للاهتمام لبدايةِ صداقته مع أبي:

«كان أول لقاء لي مع السيد داروين في ١٨٣٩، في ميدان ترفالجر. كنتُ أسير مع ضابطٍ كان رفيقه لفترةٍ قصيرة على متن «البيجل» قبل ذلك بسبع سنوات، لكنه لم يكن قد التقى به من وقتها، على ما أعتقد، فعرفه بي؛ كان اللقاء موجزًا بالطبع، لكن الصورة التي رسمتُها له في ذهني وما زلتُ محتفظًا بها كانت لرجلٍ طويل بعض الشيء وعريض المِنكَبين قليلًا، لديه انحناءٌ بسيط في ظهره، وسمتٌ محبَّب ومُفعم بالحياة حين يتحدث، وحاجبان كثيفان، وصوتٌ عميق لكن عذب، وإن ترحيبه بزميله القديم كان خليقًا ببحَّار؛ أي ينم عن الصدق والمودة على نحوٍ مبهج. لقد راقبتُ شكله وانفعالاته جيدًا؛ فقد كنت على علم بإنجازاته وجهوده، من قراءتي عدةَ بروفاتٍ لكتابه «يوميات الأبحاث» الذي لم يكن قد نُشر بعدُ حينذاك؛ حيث كان السيد داروين قد أرسلها إلى السيد (الذي صار بعد ذلك السير تشارلز) لايل، الذي أرسلها بدوره إلى أبيه، حضرة السيد تشارلز لايل، مالك إقطاعية كينوردي، الذي (لكونه صديقًا قديمًا جدًّا لأبي، ولاهتمامه الكريم بمهنتي المنتظرة كعالمِ تاريخٍ طبيعي) سمح لي بقراءتها بإمعان. في ذلك الوقت كنتُ أُسرع لإكمال دراستي، حتى أحصُل على درجتي العلمية قبل التطوُّع لمصاحبة السير جيمس روس في رحلة القطب الجنوبي الاستكشافية، التي كان ديوان البحرية قد قررها للتو؛ وقد كان وقتي ضيِّقًا للغاية، حتى إنني اعتدتُ النوم وأوراق هذا الكتاب أسفل وسادتي، حتى أقرأها بين الاستيقاظ والنهوض. وقد تأثرتُ بها تأثرًا عميقًا، ربما لحد اليأس، نظرًا لتنوع المهارات، الذهني منها والجسماني، المطلوبة في عالم التاريخ الطبيعي، الذي يجب أن يُكمِل ما بدأه داروين، وفي الوقت نفسه أَشعلَت فيَّ حماس الرغبة في السفر والملاحظة.

كان من المصادر الدائمة للسعادة بالنسبة لي أنني عرفتُ الكثير عن عمل السيد داروين العلمي عدةَ سنواتٍ قبل أن تبدأ تلك الأُلفة التي تطوَّرت إلى مشاعرَ قريبةٍ جدًّا من مشاعر التبجيل لحياته وأعماله وشخصيته، بالقَدْر المنطقي والملائم. لا يبقى سوى أن أُضيف لهذه الواقعة الصغيرة أنني تلقيتُ نسخةً كاملة من كتاب «يوميات الأبحاث»، كهدية من السيد لايل، قبل مغادرة إنجلترا بأيام قليلة.

بدأَت مراسلتي للسيد داروين (ديسمبر، ١٨٤٣) سريعًا جدًّا بعد الرجوع الرحلة الاستكشافية بأن أرسل لي خطابًا طويلًا، ليُهنئني بحرارة على رجوعي لأُسرتي وأصدقائي، معبرًا عن أمنيته سماعَ المزيد عن نتائج الرحلة، التي استقى بعض المعلومات عنها من خطاباتٍ خاصة بي (مكتوبة إلى السيد لايل أو نُقلت عن طريقه). بعد ذلك، تَحوَّل مباشرةً للنقاش في مسائلَ علمية، ولفَت انتباهي إلى أهمية الربط بين الحياة النباتية في تييرا ديل فويجو وتلك التي في سلاسلِ جبالِ أمريكا الجنوبية والتي في أوروبا، ودعاني لدراسةِ المجموعات النباتية التي جمعها من جزر جالاباجوس، وكذلك نباتاته التي أحضرها من باتاجونيا وتييرا ديل فويجو.

هذا جعلَني أُرسل له مُلخَّصًا للاستنتاجاتِ التي استخلصتُها فيما يخُصُّ توزيع النباتات في المناطق الجنوبية، وضرورة افتراضِ دمارِ مساحاتٍ كبيرة من اليابسة لتعليل علاقات الحياة النباتية لما يُسمى الجزر القطبية الجنوبية. أنا لا أفترض أن أيًّا من هذه الأفكار كانت جديدةً عليه، لكنها أدت إلى مراسلاتٍ مفعمة بالحيوية وطويلةٍ زاخرة بالمعرفة.»

فيما يلي الخطاب (١٨٤٣) المرسل إلى جيه دي هوكر المشار إليه أعلاه.]

سيدي العزيز

كنت أتمنى قبل هذا أن أسعد برؤيتك وتهنئتك على سلامةِ رجوعك من رحلتك الطويلة والمجيدة. لكن نظرًا لأنني قلَّما أذهب إلى لندن، فقد لا نلتقي لبعض الوقت، إلا إن حُملتَ على حضورِ اجتماعات الجمعية الجيولوجية.

إنني متلهفٌ لمعرفة ما تنوي فعله بكلِّ ما لديك من مواد — لقد سررتُ كثيرًا بقراءةِ أجزاءٍ من بعض خطاباتك، حتى إنني سأشعر بأسفٍ شديد، إذا لم تسنح لي، باعتباري واحدًا من العامة، فرصة قراءة المزيد. أفترض أنك الآن مشغول بشدة ومفعم بالبهجة: كم أتذكر جيدًا سعادتي في الشهور القليلة الأولى لي في إنجلترا — فقد كانت تستحق كلَّ المتاعب التي يُصادِفها المرء في مواجهة العديد من العواصف! لكنني ابتعدتُ عن الموضوع الذي جعلني أكتب إليك، وهو إبداء سعادتي بأن هنزلو (كما أخبرني منذ عدةِ أيام في خطاب) قد أرسل لك مجموعتي الصغيرة من النباتات. لا يمكن أن يخطُر لك حجم سعادتي لذلك؛ حيث إنني كنتُ أخشى أنها قد تضيع كلها، وهي التي، على قلتها، صادفتُ متاعبَ جمة في جمعها. ثَمَّةَ ملحوظاتٌ قليلة جدًّا، التي أعتقد أن هنزلو قد تلقاها، والتي تصف المواطن، إلخ، الخاصة بقليلٍ من النباتات شديدة التميز. وقد أوليتُ الزهور الجبلية لتييرا ديل فويجو اهتمامًا خاصًّا، وأُوقن أنني حصلتُ على كلِّ النباتات التي كانت مزهرة في باتاجونيا في المواسم التي مرَّت حين كنا هناك. طالما اعتقدتُ أن أيَّ موجزٍ عام للحياة النباتية على اليابسة الممتدة بعيدًا حتى البحار الجنوبية، سيكون مثيرًا للفضول للغاية. فلتُدلِ بملحوظاتٍ مقارنة حول الأنواع القريبة من الأنواع الأوروبية، لصالح الجهلاء في علم النباتات من أمثالي. طالما رأيتُ أن من النقاط المثيرة للفضول اكتشاف ما إن كان هناك العديد من الأجناس الأوروبية في تييرا ديل فويجو التي ليست موجودة على امتدادِ سلاسلِ جبال أمريكا الجنوبية؛ إن المقارنة في هذه الحالة ستكون هائلة، فلتذكُر في أيِّ موجزٍ تضعه، أيُّ الأجناس أمريكية وأيُّها أوروبية، وكم هي كبيرةٌ الاختلافات بين الأنواع، حين تكون الأجناس أوروبية، من أجل الجهلاء من أمثالي.

أرجو أن يرسل لك هنزلو نباتاتي التي أحضرتُها من جزر جالاباجوس (وهي التي أبدى هومبولت نفسه اهتمامًا كبيرًا بشأنها) — لقد تكبدتُ كثيرًا من العَناء في جمعِ كلِّ ما استطعتُ جمعه. أعتقد أن نباتات هذا الأرخبيل تمثل حالةً تكاد تكون موازيةً لتلك الخاصة بنباتات سانت هيلينا، التي طالما أثارت الاهتمام. أرجو المعذرة على هذا الخطاب الطويل غير المترابط، ولك مني كلُّ الصدق يا سيدي العزيز.

مع إخلاصي الشديد
سي داروين

هلا تفضلت بإبلاغ السير دبليو هوكر احترامي وتحياتي؟

[كتب أبي عام ١٨٤٦ مشيرًا إلى عمل السير جيه دي هوكر عن الحياة النباتية في جالاباجوس قائلًا:

لا أستطيع أن أخبرك بحجم سعادتي بنتائج دراستك واندهاشي منها؛ فكم تؤيد لدرجةٍ غريبة فرضيتي حول الاختلافات في حيوانات الجزر المختلفة، التي طالما كانت مصدرَ قلقٍ لي.

ثم كتب مرةً أخرى (١٨٤٩):

تلقيتُ أبحاثكَ حول جالاباجوس [التي نشرتها الجمعية اللينية وتضمنت نتائج دراسة هوكر لنباتات جالاباجوس الخاصة بأبي] منذ عدة أسابيع، وقد بدأت قراءتها بمجرد وصولها. حقًّا مهما قلتُ فلن أستطيع أن أعبر عن إعجابي الشديد بالنقاش الجغرافي الذي جاء بها: إنه في رأيي نموذجٌ مثالي لما يجب أن يكون عليه نقاشٌ كهذا؛ لقد استغرقَني قراءته والتمعُّن فيه أربعة أيام. كم تبدو الحياة النباتية لجرز ساندويتش مثيرة للاهتمام! وكم أتمنى لو كانت لديك موادُّ حتى تتناول حياتها النباتية كما فعلتَ فيما يتعلق بجالاباجوس. في البحث التصنيفي، انتابني شيء من خيبة الأمل لعدم العثور على ملحوظاتٍ عامة عن علاقات القرابة والبنيات، إلخ، مثل التي غالبًا ما تذكرها في الحوارات، ومثل التي قدَّمها دي كوندول وسانت إيلير في كلِّ أبحاثهما تقريبًا، وهو ما يجعلها مثيرة للاهتمام حتى لمن هو ليس بعالمِ نبات.

«بعد ذلك بفترةٍ وجيزة [يستأنف السير جيه دي هوكر الحديث] في خطاب بتاريخ يناير ١٨٤٤، ذكر موضوع «أصل الأنواع»، وأعتقد أنني كنتُ أول من يخبره بأفكاره التي كانت جديدةً حينذاك حول الموضوع، والتي أنقلها من خطابه هنا؛ لأهميتها باعتبارها مساهمة في تاريخِ نظرية التطوُّر»]:

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
[١١ يناير، ١٨٤٤]

بجانب اهتمامي العام بالأراضي الجنوبية، ما زلتُ منذ رجوعي مستغرقًا في عملٍ به كثير من الافتراض، ولا أعرف شخصًا لن يقول إنه سخيفٌ للغاية. لقد اندهشتُ للغاية من توزيع الكائنات، إلخ، إلخ، في جزر جالاباجوس، ومن طبيعة الثدييات الأمريكية المتحفرة، إلخ، إلخ، حتى إنني عزمتُ أن أجمع عشوائيًّا الحقائق من كلِّ نوع، التي قد تكون ذات علاقةٍ بأيِّ طريقةٍ بماهية الأنواع. لقد قرأتُ أعدادًا كبيرة من كتب الزراعة والبستنة، ولم أتوقف قَط عن جمعِ الحقائق. وأخيرًا بزغَ بصيصٌ من الضوء، وأكاد أكون مقتنعًا (على عكس الرأي الذي بدأتُ به تمامًا) أن الأنواع (هذا يشبه الاعتراف بجريمة قتل) قابلة للتغيُّر، فلتُعِذني السماء من هُراء لامارك عن «النزعة للتطور» و«حالات التكيف الناتجة عن الإرادة البطيئة للحيوانات»، إلخ! لكن الاستنتاجات التي توصلتُ إليها ليست مختلفة اختلافًا كبيرًا عن استنتاجاته؛ رغم أن وسائل التغيُّر مختلفة كليةً. أعتقد أنني اكتشفتُ (ها هو افتراض!) الطريقة البسيطة التي تصير بها الأنواع متكيفةً تكيفًا بديعًا لغاياتٍ متنوعة. إنك الآن ستتبرَّم، وتقول في نفسك: «ما هذا الرجل الذي أُهدر وقتي في الكتابة إليه؟!» كنت أعتقد هذا منذ خمسة أعوام.

[الخطاب التالي المكتوب في الثالث والعشرين من فبراير، ١٨٤٤، يُوضِّح أن معرفته بالسير جيه دي هوكر كانت تتطور سريعًا إلى صداقةٍ آنذاك. ترجع أهمية الخطاب في المقام الأول إلى أنه يُبيِّن نوع المشكلات التي كانت تشغل ذهن أبي في ذلك الوقت]:

عزيزي هوكر

أرجو أن تعذرني على تحرُّري في أسلوب مخاطبتك، لكنني أشعر أننا باعتبارنا شُركاءَ في حب الترحال حول العالم وزملاء عمل (وإن كنت ضعيفًا جدًّا في هذا الشأن) يجوز لنا أن نُنحِّي جانبًا بعضًا من الرسميات التقليدية. انتهيتُ للتو من كتابٍ صغير حول الجزر البركانية التي زرناها. لا أعلم درجة اهتمامك بالموضوعات الجيولوجية المتخصصة، لكن أرجو أن تسمح لي بإرسالِ نسخةٍ منه لك. أظن أنني أستطيع إرساله من لندن بالشحن عن طريق عربات البريد العادية.

… سوف أطرحُ عليك «المزيد» من الأسئلة، رغم أنني أعتقد، دون طرحها عليك، أنني سأرى إجاباتٍ عليها في عملك، حين يُنشر، وهو ما سيأتي في وقتٍ مناسب تمامًا لغاياتي. أولًا بالنسبة لجالاباجوس، سترى في كتابي «يوميات الأبحاث»، أن الطيور، رغم أنها أنواعٌ خاصة بهذا المكان، لديها طابعٌ أمريكي جنوبي واضح؛ لقد تأكدتُ للتوِّ أن الشيء نفسه ينطبق على أصداف البحر. الأمر كذلك مع تلك النباتات المميزة لهذا الأرخبيل؛ وأنت تذكر أن نِسَبها الرقمية قارية (أليست هذه حقيقةً غريبة جدًّا؟) لكن هل هي قريبة في الأشكال لأمريكا الجنوبية؟ هل تعلم بحالةِ أيِّ أرخبيلٍ آخر، حيث تملك الجزر المنفصلة أنواعًا نموذجية محددة؟ طالما عزمتُ (لكنني لم أفعل ذلك بعدُ) على أن أُطالع عمل ويب وبيرتيلو حول جزر الكناري من أجل هذا الهدف. حين حادثتُ السيد بينثام أخبرني أن جزر أرخبيل ساندويتش المنفصلة احتوت على أنواعٍ نموذجية محددة من أجناس الشفويات نفسها. ألن يستحق هذا بحثك؟ وكيف الحال بالنسبة لجزر الأزور؟ بالطبع قد تميل العواصف الغربية العاتية لنشر الأنواع نفسها على تلك المجموعة.

أرجو (وأعتقد أن رجائي غيرُ ضروري على الإطلاق) أن تنتبه لهذا النوع العام من القرابة في الجزر المنفصلة، رغم أنني أفترض أن إدراك هذا النوع من العلاقات أصعب في النباتات منه في الطيور أو ذوات الأربع؛ لأن مجموعاتها، كما يُخيَّل لي، أقل عددًا بعض الشيء. هل يمكن تصنيف سانت هيلينا، وإن كان ذلك مستبعدًا، سواء مع أفريقيا أو أمريكا الجنوبية؟ لقد حُملت، من بعض الحقائق التي كنتُ قد جمعتُها، على استنتاج أن حيوانات الجبال «إمَّا» متشابهة لدرجةٍ ملحوظة (أحيانًا في وجود الأنواع نفسها وفي أحيانٍ أخرى الأجناس نفسها)، «أو» مختلفة لدرجةٍ ملحوظة. وقد خطر لي أنه ربما يمكن أن يُعزى جزء من خصوصية الحياة النباتية في سانت هيلينا وجالاباجوس إلى أن جزءًا كبيرًا من هاتَين الحياتَين جبليتان. أخشى أن ملاحظاتي بالكاد تكفي لتمييز الكثير من مواطن نباتات جالاباجوس، لكنها قد تكفي في بعض الحالات. يأتي أغلب، إن لم يكن كل، النباتات الخضراء المُورِقة من قمم الجزر، وتأتي النباتات الرفيعة البنية العديمة الأوراق من الأجزاء القاحلة المنخفضة؛ هلا تفضَّلتَ بوضع هذه الملحوظة في الاعتبار، حين تفحص مجموعتي؟

سأُزعجك بسؤالٍ واحد آخر فقط. في مناقشة مع السيد جولد اكتشفتُ أن في أغلب أجناس الطيور الشائعة حول العالم أو في جزءٍ كبير منه، تنتشر الأنواع الفردية على نطاقٍ أوسع؛ ومِن ثَمَّ فالبومة شائعة، والعديد من أنواعها منتشرة انتشارًا كبيرًا جدًّا. كذلك الأمر كما أعتقد مع أصداف البر والمياه العذبة — وأستطيع أن أُورد حالاتٍ أخرى. لكن أليس الأمر كذلك مع النباتات اللازهرية؛ ألا تنتشر أغلب الأنواع انتشارًا واسعًا، في تلك الأجناس الشائعة؟ أنا لا أفترض أن العكس صحيح؛ أي إنه حين يكون النوع منتشرًا انتشارًا واسعًا، فجنسه أيضًا ينتشر انتشارًا واسعًا. هلا أسديتَني معروفًا بالتفكير في هذا الأمر من حينٍ لآخر؟ فسوف أتكبد متاعبَ جَمَّة لأحصل على قائمةٍ بالأجناس الزهرية الشائعة ثم أبحث عن درجةِ قابليةِ أنواع هذه الأجناس للانتشار في بلادها المتعددة؛ لكن فلتضع هذا الأمر في اعتبارك فحسبُ من وقتٍ لآخر، خلال مساعيك، رغم أنه من المحتمل أن تكون هذه المسألة قد خَطرَت لك أو لأحدٍ من علماء النباتات منذ وقتٍ طويل. تُسلِّط الجيولوجيا الضوء على حقائقَ مثيرة، تخص توزُّع الأصداف؛ أعتقد أنه من المثبت لحدٍّ كبير أنه ما دام التوزيع الجغرافي لأحد الأنواع ممتدًّا، كذلك كان بقاؤه واستمراره. أرجو ألا تشعر بالكثير من الامتعاض تجاه خطاباتي، ولك مني أصدق تحياتي.

صديقك المخلص
سي داروين
ملحوظة: إنني في غاية الامتنان على تكرُّمك بإهدائي صورةً لهومبولت؛ إنني أُجلُّه، وبعد أن حظيتُ بمحادثته في لندن، تملَّكَتني الرغبة في اقتناءِ صورة له.

[الاقتباس التالي مأخوذ من ملحوظات السير جيه هوكر.

يبدأ الفصل التالي من مسرحية علاقتنا بتواصُلٍ شخصي. بدأ هذا بدعوة إلى الإفطار معه في منزل شقيقه (إيرازموس داروين) في شارع بارك؛ تلاها بعد فترةٍ قصيرة دعوةٌ إلى داون للقاء بعض الرفاق من علماء التاريخ الطبيعي. وفي الفترات القصيرة التي كانت تتحسَّن فيها صحته بعد فتراتٍ طويلة من المرض الذي كان كثيرًا ما يجعل الحياة عبئًا عليه، بين عامَي ١٨٤٤ و١٨٤٧، تلقيتُ العديد من تلك الدعوات، التي كانت مبهجةً بالنسبة لي. ولا يمكن تخيُّل منزلٍ أكثرَ كرمًا ولا أكثرَ جاذبيةً من كلِّ الاعتبارات من داون — كان هناك من رفاقِ العمل في أغلب الأحيان الدكتور فالكونر وإدوارد فوربس والبروفيسور بيل والسيد ووترهاوس — وكانت هناك جولاتُ سيرٍ طويلة وأوقاتٌ من اللهو الصاخب مع الأطفال زحفًا على اليدَين والركبتَين، وسماعًا للموسيقى التي ما زالت تُراوِدني حتى الآن. أتذكر أيضًا أسلوب داروين الحميم، وضحكته العميقة، واستمتاعه التام بالحياة الأسرية مع الأصدقاء؛ وتنزُّهه معنا جميعًا، وحواراته معنا الواحد تلو الآخر في غرفةِ مكتبه، لمناقشة بعض المسائل في فرع المعرفة البيولوجية أو الطبيعية الذي كنا ندرسه؛ وهي التي كنتُ على أيِّ حالٍ دائمًا ما أُغادرها شاعرًا أنني لم أمنح شيئًا ولكن حَملتُ أكثر مما كان يسعني حمله. لاحقًا، حين زاد تدهوُر صحته، كنتُ لأيام وأسابيعَ عديدة زائره الوحيد؛ فكنتُ أُحضِر عملي معي وأستمتع بصحبته كيفما سَنحَت الفرصة. وكان من الأمور الثابتة أن يستجوبني كلَّ يوم، على حدِّ تعبيره، لنصفِ ساعةٍ أو نحو ذلك بعد تناوُل الإفطار في مكتبه؛ حيث كان يأتي بكومةٍ من الوريقات التي تحمل أسئلةً في علم النبات والجغرافيا، إلخ، حتى أُجيب عليها، ثم يختتم النقاش بأن يخبرني بالتطوُّر الذي أنجزه في عمله، ويطلب رأيي في نقاطٍ متنوعة. ثُم ما كنتُ أراه حتى وقت الظهيرة تقريبًا، حين كنت أسمع صوته العذب الرنان ينادي اسمي أسفل نافذتي — كان ذلك حتى أنضم إليه في جولةِ سيره اليومية ساعة الضحى حول الممشى الرملي. وحين كنتُ أنضم إليه، كنت أجده مرتديًا معطف صيدٍ رماديًّا خشنًا في الصيف، وعباءة ثقيلة على منكبيه في الشتاء، ويحمل عصًا غليظة في يده؛ وكنا نمشي متثاقلَين في أنحاء الحديقة؛ حيث كانت هناك دائمًا تجربة لنتوقف عندها، ثم نتجه نحو الممشى الرملي، الذي كنا ندور حوله دوراتٍ ثابتة العدد، كان يجري خلالها حديثنا غالبًا حول الأراضي والبحار الأجنبية، والأصدقاء القدامى، والكتب القديمة، وأشياءَ بعيدةٍ عن العقل والعين.

بعد الظهر كان ثَمَّةَ جولةُ سيرٍ أخرى مشابهة، التي كان ينسحب مرةً أخرى بعدها حتى العشاء إذا كان على ما يُرام بما يكفي للانضمام إلى الأُسرة؛ وإذا لم يكن كذلك، كان يذهب بصعوبةٍ إلى غرفة الجلوس؛ حيث كان يستمتع بالموسيقى أو حديث أُسرته، جالسًا على كرسيه العالي وواضعًا قدمَيه المنتعلتَين خفَّين كبيرَين على كرسيٍّ عالٍ.

فيما يلي سلسلة من الخطابات تُوضِّح تطوُّر آراء أبي، وطبيعة عمله أثناء هذه الفترة.]

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
داون [١٨٤٤]

… الاستنتاج الذي توصلتُ إليه هو أن أكثرَ المناطق التي تنتشر فيها الأنواع هي التي قد تَكرَّر انفصالها وانعزالها عن المناطق الأخرى، ثم تجمَّعَت معها وانفَصلَت عنها ثانيةً؛ وهي العملية التي تدُل على قِدم العهد وبعض التغيُّرات في الظروف الخارجية. سيبدو هذا الأمر افتراضيًّا جدًّا على نحوٍ مبرر. لا أستطيع أن أعطي أسبابي بالتفصيل؛ لكن الاستنتاج الأعم، الذي يُشير إليه التوزيع الجغرافي لكل الكائنات الحية كما يبدو لي، هو أن الانعزال هو الظرف الملازم أو المسبب الرئيسي لظهور أشكالٍ «جديدة» (أعلم جيدًا أن ثَمَّةَ بعض الاستثناءات الجلية). ثانيًا، من رؤيتي درجةَ انتشار النباتات والحيوانات في بلدٍ ما، حين تُدخل إليه، ومن رؤية العدد الضخم للنباتات التي ستعيش، في إنجلترا على سبيل المثال، إذا «حُوفظ عليها من الحشائش والنباتات المحلية»، حُملتُ على الاعتقاد أن انتشار الكائنات الحية في أيِّ بلد وعددها يتوقفان على سماتها الخارجية بدرجةٍ أقل، من اعتمادهما على عدد الأشكال، التي كانت هناك في الأصل، سواءٌ خُلقت أو أُنتجت. أشك كثيرًا فيما إن كنتَ ستجد أنه من الممكن تفسيرُ عدد الأشكال بالاختلافات التناسُبية للتعرُّض؛ ولا يمكنني الشك فيما إن كان نصف الأنواع في أيِّ بلدٍ قد دُمرت أم لم تُخلق، مع أن ذلك البلد يبدو لنا مأهولًا بالكامل. فيما يخُص الخلق الأصلي أو إنتاج أشكالٍ جديدة، لقد قلتُ إن الانعزال يبدو هو العنصر الرئيسي؛ هكذا، فيما يتعلق بالكائنات الأرضية، أتوقع أن تحتوي قطعة الأرض، التي تكَرَّر خلال الفترات الجيولوجية المتأخرة انفصالُها وتحوُّلها إلى جزر، وعادت إلى التجمُّع، على أغلب الأشكال.

لكن مثل هذه التخمينات إنما هي لتسلية صاحبها، وهي عديمة الفائدة في هذه الحالة؛ إذ لا تدل على أيِّ خطِّ ملاحظةٍ مباشر؛ لو كنتَ رأيتَ كم هو افتراضي القليل الذي كتبتُه على نحوٍ مبهم، لما كنتُ أزعجتُك بقراءته. لك تحياتي، غير الافتراضية أخيرًا.

مع إخلاصي الشديد
سي داروين

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
داون، ١٨٤٤

… لقد نسيتُ ما كان في خطابي السابق، لكن لا بد أنه كان سخيفًا جدًّا؛ حيث يبدو أنني أفصحتُ عن اعتقادي بتأثُّر عدد الأنواع إلى حدٍّ كبير بدرجة انعزال وانفصال المنطقة الموجودة بها؛ لا بد أنني كنتُ مخبولًا حتى أكتب ذلك؛ فليس لديَّ دليل، ولا شخص مستعد لقبول كلِّ آرائي؛ لكن في أكثر لحظاتي تفاؤلًا، كلُّ ما أتوقَّع هو أن أصير قادرًا على أن أُبيِّن حتى لعلماء التاريخ الطبيعي الحُصفاء، أن ثَمَّةَ وجهَين لمسألةِ عدمِ قابلية الأنواع للتغيُّر؛ أن من الممكن رؤية الحقائق وتجميعها في ظل الاعتقاد بأن الأنواع القريبة من بعضها انحدرت من سُلالاتٍ مشتركة. وفيما يتعلق بالكتب التي تتحدث عن هذا الموضوع، فليس لديَّ علم بأيِّ كتبٍ منهجية، سوى كتاب لامارك، والذي هو بحقٍّ حُثالة؛ لكن ثَمَّةَ كتبٌ كثيرة، مثل كتب لايل وبريتشارد، إلخ، حول نظرية عدم قابلية الأنواع للتغيُّر. وقد دفع أجاسي مؤخرًا بأقوى حُجةٍ في صالحِ عدمِ قابلية الأنواع للتغيُّر. وكتب إيزيدور جي سانت إيلير بعض المقالات الجيدة، التي تميل لتأييد فكرة القابلية للتغيُّر، في سلسلةِ «سوت آبوفون»، تحت عنوان «علم الحيوان العام». أليس من الغريب أن يكتب مؤلِّفُ كتابِ «الحيوانات اللافقارية» قائلًا إن الحشرات، التي لا ترى بيضَها قط، (وبالنسبة للنباتات، بذورها) لا بد أنها «ترغب» في أن تكون بأشكالٍ معينة حتى تلتصق بأشياءَ معينة؟ الاعتقاد الشائع الآخر (الألماني بصفة خاصة) بالكاد يقلُّ عن السابق عبثية؛ فهو يرى أن الطقس والغذاء، إلخ، قد يجعل القمل مهيأً لتسلُّق الشعر، أو نقار الخشب لتسلُّق الأشجار. أعتقد أن كلَّ هذه الآراء العبثية تنبع، على حدِّ علمي، من عدمِ تناوُل أيِّ أحدٍ للموضوع من زاوية التباين تحت تأثير التدجين، أو دراسةِ كلِّ ما هو معروف حول التدجين. سُرِرتُ للغاية بسماعِ نقدكَ بشأن الحياة النباتية على الجزر وعدمِ انتشار النباتات؛ الموضوع طويلٌ جدًّا بحيث لا يمكن مناقشته في خطاب؛ يمكنني الدفاع عن نفسي إلى حدٍّ كبير، لكنني أشكُّ ما إن كان سيكون دفاعًا موفقًا في عينَيك، أم في عينيَّ بالطبع.

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
داون [يوليو، ١٨٤٤]

… أقرأ الآن كتابًا رائعًا يضم حقائقَ عن التباين — كتاب برون، «تاريخ الطبيعة». إنه مكتوب بلغةٍ ألمانية صعبة، وإنه يستبقني، بإمتاعٍ أحيانًا، وبقسوةٍ أحيانًا أخرى. من الآن فصاعدًا سيزداد فزعك مني عشرةَ أضعافِ فزعِكَ من إتش واطسون. أكره الحُجج المستمدة من نتائج، لكن فيما يتعلق بآراءٍ حول الانحدار، فالتاريخ الطبيعي في واقع الأمر يصبح موضوعًا عظيمًا يُولِّد النتائج على نحوٍ رفيع (ربما تسخر مني الآن على زلة اللسان الغبية جدًّا هذه) … لا بد أن أترك هذا الخطاب حتى الغد؛ لأنني متعب، لكنني أستمتع بشدة بالكتابة إليك، حتى إنني يجب أن أُزعجك أكثر قليلًا.

هل لديك أيُّ دليلٍ قوي على غياب الحشرات في الجزر الصغيرة؟ لقد وجدتُ ثلاثة عشر نوعًا في جزر كيلينج المرجانية. إن الذباب ملقحاتٌ جيدة، وقد رأيتُ حشرةَ تربس مجهرية وذبابة من جنس السيسيدومايا Cecidomyia تطيران من زهرة في اتجاهِ أخرى وملتصقًا بهما حبوب لقاح. في بلاد القطب الشمالي يبدو أن النحل يبتعد شمالًا ليصل للزهور هناك.

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
شروزبيري [سبتمبر، ١٨٤٥]
عزيزي هوكر

أكتب إليك خطابًا قصيرًا لأقول لك إن كتاب «الكون» وصل سليمًا تمامًا، وحتى أشكرك على خطابك اللطيف. لقد بدأتُ للتو في المقدمة، وإنني أُعاني بسبب الأسلوب، الذي يُعد نصف المعركة في تلك الأجزاء. كم هي صحيحةٌ كثير من الملحوظات (أقصد بقدْرِ ما أستطيع أن أفهم من اللغة الإنجليزية الرديئة هذه) التي حول مشهد الطبيعة؛ إنها تعبيرٌ دقيق عن أفكار المرء.

ليتني كان لديَّ أيُّ كتبٍ لأُعيرها لك مقابلَ الكتبِ الكثيرة التي أعرتَني إياها!

كلُّ ما تقوله لطفًا عن عملي حول الأنواع لا يُغيِّر بمقدارِ ذرةٍ وقاحتي التي طالما اعترفتُ بها في تجميع الحقائق والتكهُّن بشأنِ موضوع التباين، دون أن أكون قد أوليتُ مسألة الأنواع الجهد اللازم. لكن الآن بعد تسعةِ أعوامٍ أجد أنها كانت أكبر مصادر المتعة بالنسبة لي على أيِّ حال.

الوداع يا عزيزي هوكر، إنني لآسَى أكثر مما قد تتخيل، على احتمالِ أن تكون لقاءاتنا نادرة.

إنني لم ألحظ قط فيك سوى عيبٍ واحد، وهو أنك متواضع لدرجةٍ خطيرة؛ فأنت استثناءٌ من حكمة سيدني سميث، القائلة بأن التميُّز والتواضُع ليس بينهما صلة، سوى ابتدائهما بالحرف نفسه.

الوداع
سي داروين

من تشارلز داروين إلى إل جينينز (بلومفيلد)
داون، ١٢ أكتوبر [١٨٤٥]
عزيزي جينينز

شكرًا على خطابك. يؤسفني أن أقول إنني لم أتوصل حتى ولو إلى حقيقة بسيطة في علم الحيوان الإنجليزي حتى أوافيك بها. لقد اكتشفتُ أنه حتى الملاحظات البسيطة تحتاج، في حالتي، بعض الفراغ والطاقة، وهما العنصران اللذان لا أستطيع التفريط فيهما؛ حيث إن كتابة عملي الجيولوجي تستنفدهما تمامًا. طالما ظننتُ أنني سأحتفظُ بدفترِ يومياتٍ وأُدوِّن فيه كلَّ شيء، لكنني بالطريقة التي أعيش بها الآن اكتشفتُ أنني لا أُلاحظ شيئًا لأُدوِّنه؛ فالعناية بحديقتي وأشجاري، والذهاب في جولةِ مشيٍ صغيرة للغاية أحيانًا بذهن خالٍ، تشغل فترةَ ما بعد الظهيرة كلَّ يومٍ بالطريقة نفسها. إنني مندهش أنكَ مع كلِّ ما لديكَ من أعمالِ أبرشيتك، كان لديكَ الوقت لتفعل كلَّ ما قد فعلتَه. سيسُرني كثيرًا أن أرى عملكَ الصغير [«ملاحظات حول التاريخ الطبيعي»] (وكنت سأصبح فخورًا لو كنتُ استطعت إضافة حقيقةٍ واحدة إليه). إن عملي حول مسألة الأنواع ترك لديَّ انطباعًا قويًّا جدًّا بأهميةِ كلِّ الأعمال التي على غرارِ عملِك المنتظر، التي تحتوي على ما يحلو للناس عامةً أن يُسمُّوه حقائقَ تافهة؛ هذه هي الحقائق التي تجعل المرء يفهم آلية عمل الطبيعة أو تنظيمها. ثَمَّةَ موضوع، يثير فضولي بشدة، وربما يمكنك أن تُسلِّط عليه بعض الضوء، إذا كنتَ قد أوليتَه بعض التفكير من قبلُ؛ وهو: ما هي الضوابط وما هي فترات الحياة المتعلقة بتوقُّفِ زيادة أي نوعٍ معين؟ فلتحسبِ الزيادة في عددِ أي طائر، إذا افترضتَ أن نصف الصغار فقط هي التي تُربَّى وهي التي تتوالد: في ظل حياة الآباء «الطبيعية» (أي الخالية من العوارض) سيكون عدد الأفراد هائلًا، وقد اندهشتُ أيما اندهاشٍ حين خطر لي مدى ضخامة الدمار الذي «لا بد» أنه يلحق سنويًّا أو عرضًا بكلِّ نوع، إلا أننا بالكاد ندرك وسائل هذا الدمار وفتراته.

إنني أُواظب على القراءة عن تباين الحيوانات والنباتات الداجنة وماهية الأنواع وجمعِ الحقائق المتعلقة بهما. ولديَّ كمٌّ هائل من الحقائق، وأعتقد أن بإمكاني التوصُّل لبعض الاستنتاجات المنطقية. الاستنتاج العام الذي انسقتُ إليه ببطء من قناعةٍ معاكسة تمامًا هو أن الأنواع قابلة للتغيُّر، وأن الأنواع القريبة من بعضها شركاء في الانحدار من سُلالاتٍ مشتركة. أَعلمُ كمَّ ما أُعرِّض نفسي له من توبيخٍ على هذا الاستنتاج، لكنني على الأقل توصلتُ إليه بأمانة وتروٍّ. لكنني لن أنشر شيئًا عن هذا الموضوع قبل عدةِ سنوات. في الوقت الحالي أعمل على كتاب «ملاحظات جيولوجية عن أمريكا الجنوبية». أرجو أن أجد في كتابك بعض الحقائق حول التباينات الطفيفة في بِنية الحيوانات التي درستَها أو غرائزها.

المخلص لك دائمًا
سي داروين

من تشارلز داروين إلى إل جينينز
داون [١٨٤٥؟]
عزيزي جينينز

إنني ممتنٌّ لك للغاية على ما تجشَّمتَه من عناءٍ حتى تكتب لي هذا الخطاب الطويل. إن السؤال حول مكانِ توقُّف الزيادة في عددِ نوعٍ ما ووقته وكيفيته يبدو لي مثيرًا للاهتمام بنحوٍ خاص، وإن استعصاءَ حلِّه علينا يُوضِّح كم نحن جهلاء بحيواتِ أكثرِ ما نألفه من أنواعنا وعاداتها. كنت مدركًا للحقيقة المجردة التي مفادها أن الطيور العجوزة تُبعد صغارها، لكنني لم أُفكر قَط في التأثير الذي أشرتُ إليه بوضوحٍ شديد، والمتعلق بسد الفجوات المحلية في العدد في الحال. لكن تبقى الصعوبة الأصلية: لو لم يقتل مزارعوك عصافيرك وغربانك، كيف كان سيصير حال تلك التي تُهاجر الآن إلى أبرشيتك؟ في وسط إنجلترا يكون المرء بعيدًا للغاية عن الحدود الطبيعية للغربان والعصافير ليفترض أن الصغار يُطردون بعيدًا هكذا من كامبريدجشير. لا بد أن توقُّف الزيادة يحدث بقوةٍ في وقتٍ ما في حياةِ كلِّ نوع؛ إذ لو قدَّرنا أن نصف النسل فقط هو الذي يُرعى ويتوالد، فكم ستكون الزيادة مهولة! إلا أنه لا يحق لأحدٍ الشعور بالدهشة الشديدة من جهله، حين يعلم أنه من المستحيل أن يُخمِّن مدة الحياة ونسبةَ حالاتِ الوفاة لحالات الميلاد في البشر من دونِ إحصائيات. إذا كان من الممكن توضيحُ أن الطيور المهاجرة، فيما يبدو، «التي تتوالد هنا» وتتزايد ترجع في السنوات اللاحقة بالعدد نفسه تقريبًا، في حين أن تلك التي تأتي هنا لقضاء الشتاء وموسم عدم التناسُل سنويًّا، تأتي هنا بالعدد نفسه، لكن ترجع بأعدادٍ منخفضة للغاية، فسنعرف (كما يبدو مرجحًا بالتأكيد) أن توقُّف الزيادة يحدُث في الأساس في الطيور المكتملة النمو في فصل الشتاء، وليس في البيض والطيور الصغيرة جدًّا، وهي الفترة التي كثيرًا ما بدَت لي الأرجح. إذا خطر على بالك أيُّ ملحوظات حول هذا الموضوع في أيِّ وقت، فسأكون في غاية الامتنان لإفادتي بها.

فيما يتعلق بعملي البعيد جدًّا حول الأنواع، فلا بد أنني عبَّرتُ عن نفسي مفتقرًا الدقة على نحوٍ استثنائي إذا كنتُ قد جعلتُك تفترض أنني قصدتُ أن استنتاجاتي حتمية. لقد صارت كذلك، بعد سنواتٍ من التمعُّن في الألغاز، لي «وحدي»؛ لكنني حتى في أكثرِ أحلام يقظتي جموحًا لا أتوقع البتة أكثر من أن أكون قادرًا على أن أُوضِّح أن ثَمَّةَ جانبَين لمسألةِ عدمِ قابلية الأنواع للتغيُّر؛ بعبارةٍ أخرى، ما إذا كانت الأنواع تُخلق «مباشرةً» أم بقوانينَ وسيطة (مثل حياة الأفراد وموتهم). أنا لم أتناول الموضوع من ناحيةِ صعوبةِ تحديدِ ماهية الأنواع وماهية الضروب، وإنما (رغم أنني لا أعرف لماذا أُعرِّفك بتطوُّر أعمالي) من ناحيةِ تلك الحقائق مثل العلاقة بين الثدييات الحية والمنقرضة في أمريكا الجنوبية، وبين تلك التي تعيش في القارات والجزر المجاورة، مثل جالاباجوس. وقد خطَر لي أن مجموعةً من كلِّ تلك الحقائق المتشابهة قد تُنير الطريق إمَّا لصالح أو ضد وجهة النظر القائلة بأن الأنواع المتقاربة تتشارك في الانحدار من أصلٍ مشترك. ويحملني بحثٌ طويل في كتب الزراعة والبستنة والناس على الاعتقاد (أعلم جيدًا كم لا بد أن يبدو هذا من الوقاحة العبثية) بأنني أرى الطريقة التي تصير بها الضروب الجديدة متكيفةً على نحوٍ رائع مع ظروف الحياة الخارجية ومع الكائنات الأخرى المحيطة. إنني رجلٌ جريء بحيث قد أجعل نفسي عُرضةً لاعتقادِ الآخرِين بأنني أحمقُ تمامًا، بل أحمقُ عن عمد. بناءً على طبيعة الأُسس التي تجعلني أعتقد أن الأنواع قابلة للتغيُّر في الشكل، أرى أن هذه الأُسس لا يمكن أن تقتصر على الأنواع الأكثر قربًا من بعضها؛ لكن لا أعرف لأيِّ مدًى قد تمتد؛ حيث إن أسبابي تضعف بشدة، عند تطبيقها على الأنواع الأبعد والأبعد عن بعضها. أرجو ألا تعتقد أنني لا أستطيع أن أرى أن بأفكاري صعوباتٍ كبيرةً عديدة، لكنها تبدو لي أقل مما تبدو للآخرِين. لقد كتبتُ ملخصًا باستنتاجاتي (من ٢٠٠ صفحة) وجعلتُه يُنسخ؛ إذا تراءى لي ذات يوم في المستقبل أنك قد تراه جديرًا بالقراءة، فسأكون بالطبع في غاية الامتنان لتلقِّي نقد من ناقدٍ شديد التمكُّن مثلك. اعذرني على هذا الخطاب الأناني، مُفرِط الطول، رديء الأسلوب، الذي حَملتَني عليه بملحوظاتك.

مع صدقي وإخلاصي الشديد
سي داروين

من تشارلز داروين إلى إل جينينز
داون، ١٧ أكتوبر، ١٨٤٦
عزيزي جينينز

أعتذر أنني لم أُعرب قبل ذلك بوقتٍ طويل عن امتناني لك على هديتك شديدة الكرم، وهو كتاب «ملاحظات حول التاريخ الطبيعي». لكن تصادف أنني كان لديَّ عدة كتبٍ أخرى أقرؤها، ولم أنتهِ من كتابك إلا منذ بضعةِ أيام. ولقد وجدتُ متعةً شديدة في قراءته، وأثار كثيرٌ من الحقائق التي أوردتها فيه اهتمامي الشديد. وأعتقد أن ملحوظاتك حول بعض الحيوانات الدنيا أثارت اهتمامي أكثرَ من تلك التي عن الحيوانات العليا، وهو الشيء الغريب. بدت لي المقدمة جيدةً جدًّا؛ لكن هذا ما توقعتُه؛ إذ أتذكر جيدًا استمتاعي الشديد بالمقال التمهيدي المنشور في العدد الأول من مجلة «أنالز أوف ناتشورال هيستوري». لكنني افتقدت مناقشةً واحدة، وأعتقد أنني خُدعت؛ حيث أتذكر قولك إنك ستكتب بعض الملحوظات حول الطقس والبارومتر لإرشاد الجهلاء بمسألة التوقُّعات. كنت أرجو كذلك لو كنتُ قد وجدتُ بعض الملحوظات حول كمِّ التباين في أنواعنا الشائعة. أعلن أندرو سميث ذاتَ مرة أنه سوف يُحضر مئات العينات من القنبرات والعصافير من جميع أنحاء بريطانيا العظمى، ويرى ما إن كان يستطيع أن يُحدِّد، بأدق المقاييس، أيَّ تبايناتٍ نسبية في المناقير أو الأطراف، وغيرها. وما يجعل هذه النقطة تثير اهتمامي أنني مؤخرًا كنت أتصفح استنتاجَي جلوجير وبريم المتناقضَين لحدٍّ غيرِ معقول؛ ذلك الذي يرى أن هناك ستة أنواع من كلِّ طائرٍ شائع، وذلك الذي يُحوِّل أنواعًا عديدة معروفة إلى نوعٍ واحد. هل سبَق لك أن فعلتَ شيئًا من هذا القبيل، أو هل درستَ من قبلُ أعمال جلوجير أو بريم؟ وقد أثار اهتمامي وصفك لطيور الخطاف؛ حيث كنتُ قد أصابتني حَيرةٌ تامة عند ملاحظةِ حدثٍ كالذي تصفه تمامًا؛ فقد أحصيتُ ذات يوم مؤخرًا، سبعة طيور يزورون العش نفسه ويُدبِّقون الوحل على الجدار الملاصق. كذلك يحضرني أنني ذات مرة رأيتُ بعض السناجب وهي منكبة على تمزيق تلك العفصات الصغيرة الدائرية شبه الشفافة على ظهرِ أوراقِ شجرةِ بلوط من أجل اليرقات التي بداخلها؛ مِن ثَمَّ، فهي آكلةٌ للحشرات. ذات مرة نفثَت خنفساءُ من نوع سيكروس روستراتوس Cychrus rostratus في عينيَّ وسبَّبَت لي ألمًا بالغًا؛ ويجب أن أخبرك بما جرى لي على ضفافِ نهر كام، في أيامي الأولى في دراسة الحشرات؛ حيث وجدتُ خنفستَين أرضيتَين (نسِيتُ ماذا كانتا) أسفلَ قطعةٍ من اللحاء، فأمسكَت كلُّ واحدةٍ منهما بيد، وإذ فجأةً رأيتُ خنفساء الصليب الأرضية الثمينة! لم أكن أستطيع أن أترُك أيًّا من الخنفستَين الأرضيتَين، ولم يكن من المقبول أن أَفقِد خنفساء الصليب؛ هكذا أمسكتُ يائسًا إحدى الخنفستَين الأرضيتَين بين أسناني برفق، وإذ بالوحش الطائش الصغير يرش حمضه في حلقي مُسببًا لي ألمًا وازدراءً لا يُوصفان، وفقدتُ كلتا الخنفستَين الأرضيتَين وخنفساء الصليب! اندهشتُ تمامًا لمعرفة أن هناك ديدان بلاناريا أرضية؛ فمنذ عامٍ أو اثنَين وصفتُ عدة أنواعٍ أرضية ذات ألوانٍ جميلة من نصف الكرة الجنوبي في مجلة «أنالز آند ماجازين أوف ناتشورال هيستوري»، وكنت أعتقد أنها حقيقةٌ جديدة تمامًا. بالمناسبة، إنك تتحدث عن حالةِ أحد الخراف المكسور الساق غير المصاب بالديدان الطفيلية المثقبة. لقد سمعتُ أبي يؤكد أن الحمى أو أي «حادثٍ خطير»، مثل الطرف المكسور، يُخرج كلَّ الديدان المعوية من جسد الإنسان. أليس محتملًا أن هذا كان هو وضع الديدان المثقبة في حالتها الأولى؟

أرجو أن تكون أفضل حالًا بعد رحلتك إلى ساوثامبتون [حيث كان اجتماع الجمعية البريطانية]؛ إذ أتمنى لو كنتَ تبدو أكثر امتلاءً بعض الشيء. لقد استمتعتُ بهذا الأسبوع للغاية، وجعلني في حالة طيبة. افتقدتُك في الأيام القليلة الأخيرة، ولم يتمكن قَط كلٌّ منا من رؤية الآخر كثيرًا؛ لكن كان هناك أناسٌ كثيرون جدًّا، حتى إنني من ناحيتي لم أكد أرى أحدًا. مرةً أخرى أشكرك شكرًا خالصًا على هديتك الكريمة، والسعادة التي أدخلتها عليَّ، ولك خالص تحياتي.

صديقك المخلص للأبد
سي داروين
ملحوظة: لقد نسيتُ تمامًا أن أذكُر كمْ أثارت مناقشتُك حول إحصائيات الحيوانات اهتمامي لدرجةٍ كبيرة! متى سيبلغ التاريخ الطبيعي درجة الكمال التي تصير معها تلك النقاطُ كالتي ناقشتها معروفة تمامًا عن أي حيوان؟

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
مولفرن، ١٣ يونيو [١٨٤٩]

… أخيرًا سوف أذهب إلى المطبعة بدراستي الصغيرة المُحيِّرة عن هدابيات الأرجل؛ بعبارةٍ أخرى، هدابيات الأرجل ذوات السويقات المُتحفِّرة. لقد سألتَني عن تأثيرِ دراستي للأنواع على نظرياتي حول التباين؛ لا أعتقد أنها أثَّرت كثيرًا — لقد شعرتُ بوجودِ صعوباتٍ أكثر. من ناحيةٍ أخرى، لقد لفَت انتباهي (ربما لدرجة الانصراف دون وجهِ حقٍّ عن الطائفة بالكامل) اختلافُ كلِّ جزء بدرجاتٍ طفيفة لحدٍّ ما في كلِّ نوع؛ فعند مقارنةِ العضو نفسِه مقارنةً «دقيقة» في عدة أفراد، دائمًا ما أجد بعض الاختلاف الطفيف؛ ومِن ثَمَّ فإن توصيف الأنواع من خلال بعض الاختلافات الدقيقة دائمًا خطير. كنت أعتقد أن الأجزاء نفسها في النوع نفسه أشبه (أكثر من هدابيات الأرجل على أيِّ حال) بأشياء شُكلت في القالب نفسه. كان العمل التصنيفي سيصير سهلًا لولا هذا التباين المُحيِّر، الذي أجده رغم ذلك ممتعًا بصفتي مُخمنًا، ولكن كريهًا بصفتي خبيرَ تصنيف. تثير اهتمامي الشديد ملحوظاتك (المزعجة جدًّا بالنسبة لي) حول تميُّز توت الهيمالايا الشوكي وصفصافها، إلخ، مقارنةً بتلك الموجودة في أمريكا الشمالية، إلخ؛ وإن كان لملخَّصي البسيط حول الأنواع أيُّ نصيبٍ «صغير» في توجيهك لهذه الملاحظات، فسيكون قد أفاد وقدَّم خدمةً كبيرة بالفعل، ويمكنه هكذا أن يرقد في الأرض بسلام. لم أسمع قَط شيئًا في غرابةِ تجاهُل فالكونر لخطاباتك؛ إنني في غاية السعادة لعودة الود بينكما، رغم أنه لا بد أنك بذلتَ جهدًا كبيرًا في سبيلِ ذلك. إن فالكونر رجلٌ جدير بأن يُحب. أرجو لك الرخاء في كلِّ شيء يا عزيزي هوكر.

صديقك المحب
سي داروين

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
داون، الأربعاء [سبتمبر، من دون تاريخ]

… شكرًا جزيلًا على خطابك الذي تلقيتُه أمس، والذي جعلني، كالعادة، أُعمل الفكر. أضحكني هجومك على تضييقي على فوربس في نظريته حول تغيُّرات المستوى، في حين كنتُ متساهلًا جدًّا مع نفسي في هذا الشأن؛ لكن لا بد أن أؤكد أنني لم أَرَ بارتفاع أو انخفاض سطح الأرض في أيِّ مكان من أجل تبرير أي ظاهرة، وأثق أنني نادرًا جدًّا ما فعلتُ ذلك دون دليلٍ محدد؛ لذا ما زلتُ أعتقد أنها فكرةٌ جريئة (وربما تكون صحيحة تمامًا) أن تهبط إلى أعماق المحيط قطعةٌ كبيرة للغاية من السطح، خلال حياة الأنواع الموجودة. لكن لا يُوجد قدْر أو حدٌّ من التغيُّر في المستوى، لستُ على أتمِّ الاستعداد لأن أُقرَّ به، لكنني مضطر أن أقول إنني أريد دليلًا أفضل من وجودِ بضعةِ نباتات، وهي التي «ربما» (ولا أقول غالبًا) قد تكون نُقلت إلى هناك بطريقةٍ أخرى. أشكرك شكرًا خاصًّا على محاولتك أن تُحضر لي نسخة من عمل «النوع» [الذي ربما يكون مقال جوردون الذي نُشر من قِبل أكاديمية نانسي في عام ١٨٤٨-١٨٤٩ والذي ظهر فيما بعدُ ككتابٍ مستقل في عام ١٨٥٩]، وأشكرك بالقَدْر نفسه تقريبًا على انتقاداتك لكاتبه؛ لقد ارتبتُ فيه بعض الشيء، ولم تواتِني رغبة عارمة في اعتبارِ ما ذكره من حقائقَ على أنها مُسلَّم بها. وأجد أن هذه من أكبرِ الصعوبات التي تُلاقيني مع المؤلفِين الأجانب، ألا وهي الحكم على مصداقيتهم. كم كانت ملحوظتك صحيحةً على نحوٍ مؤلم (بالنسبة لي)، التي مفادها أنه ما من أحدٍ لديه حقُّ دراسةِ مسألةِ الأنواع ما لم يصفِ العديد منها وصفًا دقيقًا. إلا أنني سُررت حين عرفتُ من أوين (المعارض بشدة لأيِّ قولٍ يرى بقابلية الأنواع للتغيُّر) أنه اعتقد أنه موضوعٌ مقبول للغاية، وأن الحقائق التي يجب طرحها فيما يخص المسألة كثيرة، لكنها لم تُجمع حتى الآن. عزائي الوحيد (بينما أنوي محاولة دراسة هذا الموضوع)، أنني انخرطتُ في عدة فروع من التاريخ الطبيعي، ورأيت متخصصين أكفاء يستكشفون أنواعي، وأن لديَّ بعض المعرفة بالجيولوجيا (فهذا التزاوج المعرفي ضروري)، ورغم أن ما سألقاه من التقريع سيفوق ما سأتلقاه من المديح، فسوف أُقدِم على عملي، ما سَمحَت لي الحياة بذلك. أعتقد أن لامارك هو الاستثناء الوحيد الذي أستطيع أن أُفكِّر به؛ حيث إنه واصفٌ دقيق للأنواع على الأقل في مملكة اللافقاريات، وساوره الشك في مسألة الأنواع الثابتة، لكنه أضر بالموضوع في عمله المنافي للعقل رغم براعته، كما فعل مؤلف كتاب «بقايا»، ومثلما فعل السيد داروين (وذلك كما قد يقول بعض علماء التاريخ الطبيعي المُتحرِّرِين في المستقبل الذين سيدرسون التخمينات نفسها).

سي داروين

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
داون، ٢٥ سبتمبر [١٨٥٣]
عزيزي هوكر

لقد قرأتُ بحثكَ بكثير من الاهتمام؛ إنه يبدو لي واضحًا غاية الوضوح، وسوف يكون مقدمةً جديرة بالتقدير لكتابِ «نباتات نيوزيلاندا»، أو أيِّ حياةٍ نباتية في العالم. كم قلةٌ هم المُعمِّمون بين المُصنِّفِين! أشك حقًّا أن ثَمَّةَ أشياء متضاربة مع بعضها ومتعارضة تمامًا في الإطارَين الذهنيَّين اللازمَين للتصنيف والاستدلال استنادًا إلى مجموعة كبيرة من الحقائق. تبدو لي كثيرٌ من حُججك محكمة الصياغة للغاية، وحسب خبرتي، تبدو الطريقة المباشرة التي ناقشتَ بها الموضوع فريدة. سيكون العمل بأكمله مفيدًا جدًّا لي متى بدأتُ في مجلدي، رغم أن بعض أجزائه تتعارض تمامًا مع آرائي؛ سيكون الأمر ممتعًا تمامًا لي … حيث كنتُ قد عقدتُ العزم لبعض الوقت على أن أعرض حُجج «كلا» الطرفَين (بقَدْرِ ما أستطيع)، بدلًا من عرضِ حُجج الطرف المؤيد للقابلية للتغيُّر فقط.

في عملي عن هدابيات الأرجل (بالمناسبة، شكرًا على إطرائك اللطيف لي؛ فهو يفيد الناس — أو يفيدني أنا على الأقل — بقدْرٍ كبير جدًّا)، لم أُدرِك أن إنكار «ثبات» الأنواع قد شكَّل اختلافًا كبيرًا بطريقةٍ أو بأخرى؛ في بعض الحالات القليلة (لو كنتُ أكتب صراحةً عن فكرة عدم الثبات) «ما» كان يجب أن أُعطي أسماءً، وفي بعض الحالات القليلة الأخرى كان يجب أن أُعطي أسماءً لضروبٍ مميزة. بالتأكيد شعرتُ بالإهانة، عند المناقشة والشك، والفحص مِرارًا وتَكرارًا، في حين أن الشك الوحيد الذي خطر لي هو ما إن كان الشكل اختلف «اليوم» أم «في الماضي» (هذا على سبيل الصراحة، كما تقول شخصية سناجزبي [في رواية «المنزل الكئيب» لديكنز]). بعد وصفِ مجموعةٍ من الأشكال على أنها أنواعٌ محددة، وتمزيقِ مخطوطتي وجعلِها نوعًا واحدًا، ثم تمزيقها ثانية وجعلِها منفصلة، ثم جعلِها نوعًا واحدًا مرةً أخرى (هذا ما حدث لي حقًّا)، صَررتُ على أسناني، ولعنتُ الأنواع، وتساءلتُ: ما الخطيئة التي ارتكبتُها لأُعاقب على هذا النحو؟ لكن يجب أن أُقرَّ أنه ربما الشيء نفسه تقريبًا كان سيحدث لي في أيِّ مجالِ عمل.

يسرني أيما سرور أن أسمع أن كتابك «مذكرات الهيمالايا» تحسن كثيرًا؛ فكم من الرائع أن تُرفق به صور! إن «عالِم التاريخ الطبيعي الشرقي»، ذا الخيال الواسع والذي ليس له اهتمامٌ كبير بالحقائق، هو الرجل المناسب حقًّا لمناقشة الأنواع! أعتقد أن عنوان «مذكرات عالم تاريخ طبيعي في الشرق» الذي اخترته جيدٌ جدًّا، لكنني لا أعرف ما إن كان «في الهيمالايا» سيكون أفضل، حيث إن كلمة الشرق تبدو مبهمةً بعض الشيء.

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
[١٨٥٣]
عزيزي هوكر

ليس لديَّ أيُّ ملحوظات تستحق أن أُرسلها لك على الإطلاق، ولم يكن من الوارد بالتأكيد أن أفعل؛ نظرًا لمدى روعةِ المقال [المقال التمهيدي لكتاب جيه دي هوكر «نباتات نيوزيلاندا»] واستفاضته. أما فيما يتعلق برأيي، فهذا أهم نقاش نُشر على الإطلاق حول الموضوع ذي الصلة. ولا يسعني أن أقول أكثر من ذلك. إنني متفق معك في كلِّ ما تقوله تقريبًا؛ لكنني أُطالب بمزيد من الوقت لأستوعب مقالًا بهذه الجودة. لقد أوشك أن يُوقع بي الحزن، من ناحيةٍ بسبب الشعور بأنني لم أستطع الإجابة على بعض النقاط التي وددتُ لو كانت مختلفة من الناحية النظرية، ومن ناحيةٍ أخرى لأن ما رأيته مما فعلته «حتى الآن أفضل كثيرًا» مما كان «بإمكاني» فعله، فيما يتعلق بنقاشات حول بعض النقاط التي كنتُ أنوي البدء في تناولها.

استمتعتُ كثيرًا بالصفعات التي ناولتَها لتجار الأنواع المحدودي الرؤية. أتمنى لو كان باستطاعتي تقديمُ ولو أقل قدْر من العون. لقد أثار المقال برمته اهتمامي العميق؛ لذا أُهنئك على كتابةِ مقالٍ أعتقد أنه سيصير جديرًا بالتذكُّر. لقد كنتُ مستغرقًا فيه حين وصلني خطابك الشديد اللطف، الذي ترجوني فيه ألا أتعجل. أشكر السيدة هوكر وأشكرك بإخلاصٍ شديد على رغبتكما في رؤيتي؛ فأنا لن أدع صيفًا آخر يمر دون أن أراك في كيو؛ فأنا بالتأكيد سأستمتع بذلك للغاية.

إنك تفيض عليَّ شرفًا أكثر مما أستحق حقًّا، بوضعي بعد لايل عند ذكرِ مسألةِ ارتفاع الأرض وهبوطها. وخلال عام أو اثنَين، حين أعمل في كتابي عن الأنواع (إذا سَمحَت صحتي بذلك)، سوف أثور وأُهاجمك لطرح الكثير من الحقائق المتعارضة بأسلوبٍ جيد لدرجةٍ محيرة.

صديقك المحب للأبد
سي داروين

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
داون، ٢٦ مارس [١٨٥٤]
عزيزي هوكر

كنت أتمنى لو حظيتَ بفترةِ راحةٍ قصيرة بعد العمل في كتابك عن الهيمالايا، لكن يبدو أن هذا بعيد جدًّا عما حدث. وإنني في غاية الامتنان (والندم بعض الشيء) على الخطاب الطويل الذي تلقيته هذا الصباح، الدسم جدًّا بالأخبار والمثير جدًّا بالنسبة لي من نواحٍ عدة. إنني سعيد جدًّا بالطبع لسماع أخبارٍ عن التعديلات، وما إلى ذلك، في الجمعية الملكية. أمَّا فيما يخص النادي [النادي الفلسفي للجمعية الملكية]، فيحدوني اهتمامٌ بالغ بشأنه؛ فمنذ يومَين أو ثلاثة فقط، كنتُ أُعبِّر لزوجتي عن ندمي على ما سَمحتُ به من هجري لجميع معارفي تقريبًا وهجرهم لي، وأنني سوف أُحاول أن أُكثر من الذهاب إلى لندن؛ لم أكن ساعتها أُفكِّر في النادي، الذي يُعد أكثر الأمور التي ستُلبي غرضي في الحفاظ على المعارف القديمة واكتساب بعض المعارف الجديدة؛ لذلك سوف آتي إلى لندن من أجلِ كلِّ اجتماعات النادي (إلا في حالاتٍ استثنائية نادرة)، وأعتقد أن حالتي العقلية فيما بعد ستسمح لي بالذهاب في الغالب لأيِّ اجتماعٍ آخر. لكن من المُحزِن أن أيَّ تغييرٍ صار كثيرًا ما يُرهِقني. علاوةً على ذلك، سأتعهد، كما أخبرتُ لايل، بأن أستقيل بعد عام، إن لم أداوم على الحضور، وذلك حتى لا أُعيق «في أسوأ الأحوال» مسيرة النادي إلا بنحوٍ مؤقت. وإذا استطعتَ أن تجعلني أُنتخب، فسأكون في غاية السعادة بلا شك. أشكرك شكرًا وافرًا وجزيلًا على ردودك بشأن الأنهار الجليدية. ويسُرني كثيرًا ما سمعتُه بشأن إصدار الطبعة الثانية [من كتاب «مذكرات الهيمالايا»] بهذه السرعة الشديدة؛ لكنني لستُ مندهشًا؛ حيث سمعتُ أن أناسًا عديدة، في دائرتنا الصغيرة، قرءوه باستمتاعٍ شديد جدًّا. وينتابني الفضول لسماعِ ما سيقوله هومبولت بشأنه؛ أعتقد أنه سيُسرُّ به، ويلقاه بمديحٍ أكثر من أيِّ كتابِ أسفارٍ آخر؛ فأنا لا أستطيع أن أتذكَّر كتابًا به العديد من المواضيع المشتركة مع موضوعات أعماله. يا له من رفيقٍ عجوز رائع! … بالمناسبة، أرجو، أن تُرغم حين تذهب إلى هيتشام، قرب نهاية مايو، على أن تنال قسطًا من الراحة. يؤسفني أن أسمع أن كلَّ الأعراض السيئة لم تغادر هنزلو؛ إنه لأمرٌ غريبٌ وجديد أن يراودنا قلقٌ على صحته. إنني ممتنٌّ لك بوجهٍ خاص على إرسالِ خطابِ آسا جراي؛ يا له من أسلوبٍ ممتع للغاية ذلك الذي يكتب به! إن رؤية تحفُّظك وتحفُّظه تجاه مسألة الأنواع تجعل الارتباك والخزي يجتاحانني؛ فهذا يجعلني حقًّا أشعر بانزعاجٍ شديد … سرَّني سماعُ كلِّ ما يقوله عن أجاسي: كم هو نادرٌ أن يكتب رجل، بهذه «الدرجة الرفيعة» من البراعة، وبهذه المعرفة «الواسعة» بالعديد من فروع التاريخ الطبيعي، بالأسلوب الذي يكتب به! أخبرني لايل أنه كان سعيدًا للغاية بإحدى محاضراته (محاضرات أجاسي) حول التطوُّر التدريجي، إلخ، إلخ، حتى إنه ذهب إليه فيما بعدُ وأخبره «أنها كانت ممتعة للغاية، حتى إنه ظل يتمنى طوال الوقت أن تكون حقيقة.» نادرًا ما أرى بحثًا في علم الحيوان من أمريكا الشمالية، دون ملاحظةِ بصمةِ أفكارِ أجاسي عليه — وهو دليلٌ آخر، بالمناسبة، على مدى عظمة هذا الرجل. أسعدَتني وأدهشَتني رؤيةُ ملحوظاتِ إيه جراي حول تهجين الضروب والقضاء عليها، وهو الشيء الذي ما أَبرح أجمع عنه الحقائق منذ اثنَي عشر عامًا، كما تعلَم. كم سأشعر بيأسٍ فظيع، إذا جمعتُ معًا ملحوظاتي حول الأنواع، إلخ، إلخ، ثُم لم يسفر الموضوع عن شيء! لا تشُقَّ على نفسك كثيرًا في العمل.

صديقك الأوفى إلى الأبد
سي داروين

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
داون، ٥ نوفمبر [١٨٥٤]
عزيزي هوكر

سرَّني تلقِّي خطابك أمس. أُهنِّئكَ من كلِّ قلبي [من أجل حصوله على ميدالية الجمعية الملكية]، وسواءٌ كان اكتراثك بالأمر كبيرًا أو قليلًا، يسعدني أن أرى اعتراف أعلى مجلسٍ علمي في بريطانيا العظمى بمكانتك. أرجو بحق أن تكون السيدة هوكر مسرورة بالأمر، وترغب إيما أن أبلغكما خصيصًا خالص تهانيها … من أعماقِ قلبي آسف على الخطبة التي ستُلقيها بعد العشاء، التي أخشى أنني لن أسمعها. لو لم تكن تتمتع بطويةٍ أعظم كثيرًا من طويتي (وإنني أعتقد هذا حقًّا)، فستجد في الميدالية حافزًا صغيرًا مبهجًا؛ فحين يتعسر الحال بالعمل، وتتأمل عبثيةَ كلِّ شيء، من السارِّ أن تجد دليلًا ملموسًا على أن الآخرين يرون شيئًا بارزًا في مجهوداتك.

إلى اللقاء يا عزيزي هوكر، وأستطيع أن أؤكد [لك] أن كلَينا استمتع كثيرًا حقًّا بزيارتك أنت والسيدة هوكر لنا هنا. الوداع يا عزيزي هوكر.

صديقك المخلص
سي داروين

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
٧ مارس، [١٨٥٥]

… انتهيت للتو من دراسةِ كتابِ وولستن [توماس فيرنون وولستن]، «حشرات ماديرا»؛ إنه عملٌ «جدير بالتقدير». ثَمَّةَ نقطةٌ غريبة جدًّا متعلقة بالنسبة المدهشة لِغمديات الأجنحة العديمة الأجنحة؛ وأعتقد أنني خمَّنتُ السبب، وهو أن القدرة على الطيران ستكون مضرةً للحشرات التي تعيش في موقعٍ محدود، وتُعرِّضها لأن يُعصف بها في البحر؛ لاختبار هذا الأمر، أجد أن الحشرات التي تعيش في جزيرة ديزيرت جراند، وهي جزيرةٌ صغيرة للغاية، ستكون أكثر تعرضًا لهذا الخطر، وهنا نسبة الحشرات عديمة الأجنحة أعلى كثيرًا حتى من التي على أرخبيل جزر ماديرا. ويتحدث وولستن عن ماديرا والأرخبيلات الأخرى على أنها «شهودٌ ثابتة ومؤكدة على قارَّة فوربس القديمة»، وبالطبع عالمُ دراسةِ الحشرات ينتصر لهذا الرأي بصورةٍ ضمنية. لكنني أرى من وجهة نظري أن الحقائق المخالفة لهذا الرأي كثيرة جدًّا. إنه من المُقزِّز والمهين بحقٍّ أن ترى استنتاجاتٍ متناقضة تمامًا مستمدة من الحقائق نفسها.

تبادلتُ بعض الخطابات مع وولستن حول هذا الموضوع وموضوعاتٍ أخرى، واكتشفتُ أنه يفترض بثقة، (١) أن الحشرات في الماضي كانت تتمتع بقدراتٍ أكبر على الارتحال من الآن، (٢) وأن اليابسة القديمة كانت ثرية «بنحو خاص» في مراكز الخلق، (٣) وأن اليابسة المتصلة دُمرت قبل أن يُتاح الوقت للكائنات الخاصة للانتشار، (٤) وأن اليابسة قد تفكَّكَت قبل أن يُتاح الوقت لفصائلَ وأجناسٍ معينة للوصول من أوروبا أو أفريقيا إلى بقاع اليابسة محل النقاش. أليست هذه الافتراضات كثيرةً للغاية؟ ورغم ذلك سأظل أرى خلال الاثنَي عشر أو العشرين عامًا القادمة الاقتباس من كلام وولستن كبرهان على ادعاء فوربس المسكين بالوجود السابق لقارة أتلانتس.

أرجو ألا أكون قد أثقلتُ عليك، لكنني اعتقدتُ أنك سترغب في أن تسمع أخبارًا عن هذا الكتاب، الذي أراه «ممتازًا» فيما يضمه من حقائق، وأرى مؤلفه رجلًا في غاية اللطف والتواضُع.

المخلص لك بشدة
سي داروين

من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس
داون، ١٩ مارس، [١٨٥٥]
عزيزي فوكس

لقد مضى وقتٌ طويل منذ آخرِ تواصُل بيننا، وإنني أريد حقًّا معرفة كيف حالك؛ لكن هدفي الحالي هو أن أطلب منك رصدَ أمرٍ ما من أجلي، ولأنني أعلم أنك الآن رجل مشغول للغاية ولديك الكثير جدًّا لتفعله، فإن احتمال أن تفعلَ ما أريد كبير؛ فلا جدوى أن تطلب شيئًا من رجلٍ متعطل تمامًا. حيث إن لديك مجموعةً متنوعة من الحيوانات، فلا بد أن لديك حمامًا. (كم أتمنى أن يكون حمامًا هزازًا إن أمكن!) ما أُريد معرفته الآن هو العمر الذي ينمو فيه ريشُ ذيل أفراخ الحمام بالقدْر الكافي بحيث يمكن عده. لا أعتقد أنني رأيت حمامةً صغيرة من قبل. إنني أعمل باجتهاد على ملحوظاتي، أجمعها وأقارن بينها، حتى أكتب خلال عامَين أو ثلاثة كتابًا يحتوي على كلِّ الحقائق والحُجج، التي يمكنني جمعها، عن وجهي مسألة عدمِ قابليةِ الأنواع للتغيُّر. أريد الحصول على صغار سلالاتنا الداجنة، لأرى في أيِّ سنٍّ صغيرة تَظهَر التغييرات ولأيِّ درجة. لا بد أن أُربِّي بنفسي الحمام (وهو ليس أمرًا مُسليًا لي وإنما مُضجر وبغيض) أو أشتري صغاره؛ لكن قبل الذهاب إلى البائع، الذي سمعتُ عنه من ياريل، أرغب حقًّا في معرفة شيء عن نموها، حتى لا أكشف عن جهلي الشديد؛ ومِن ثَمَّ، أصير مُعرَّضًا بشدة للغش والخداع. أمَّا فيما يتعلق بنقطة ريش الذيل، فهي بالطبع مرتبطة بالنمو الغريب لريش الذيل في الكبار من الحمام الهزاز. إذا كانت لديك أي سلالةٍ نقية من الدواجن، سأرجو منك دجاجةً بالسن التالية تحديدًا؛ أسبوعٍ أو أسبوعَين تقريبًا. ولترسلها في صندوق بالبريد، إذا كنت لا تأبه لقتل واحدةٍ منها؛ ولتسمح لي بسدادِ رسوم البريد. لا شك أنه سيسُرني كثيرًا أن يصلني فرخ حمامٍ جبلي؛ فأنا أنوي استخلاص الهياكل العظمية، وبدأتُ للتو بالفعل المقارنة بين البط البري والداجن. وأعتقد أن النتائج غريبة بعض الشيء؛ إذ عند وزن العظام المتعددة بعنايةٍ شديدة، بينما اختَلفَت الأوزان التناسُبية للاثنَين كثيرًا بعد تنظيفهما تمامًا، كان وزن قدم البطة الداجنة أكبر كثيرًا. كم أتمنى لو أستطيع الحصول على بطةٍ برية صغيرة في عمر أسبوع، لكن أعلم أن هذا شبهُ مستحيل.

أمَّا أخبارنا، فليس لديَّ الكثير لأقوله؛ منزلنا الآن صاخب بالسعال الديكي لحدٍّ فظيع، لكن فيما عدا ذلك كلُّ شيءٍ على ما يُرام. أمَّا أفضلُ خبرٍ عني على الإطلاق، فهو أنني انتهيتُ إلى حدٍّ كبير أخيرًا من دراسة البرنقيلات الأزلية. وفي نهاية العام مرِض اثنان من فتياننا الصغار مرضًا شديدًا بالحمى والتهاب الشعب الهوائية، وشتى أنواع الأمراض؛ لذلك بدافع الترفيه من ناحية، وبدافعِ تغيير المكان من ناحيةٍ أخرى، ذهبنا إلى لندن واستأجرنا منزلًا لمدة شهر، لكن حاق الفشل الذريع بالأمر؛ حيث حل ذلك الصقيع المريع بمجرد أن ذهبنا، وساء الحال بجميع أطفالنا، وأُصبت أنا وإيما بالسعال والبرد والروماتيزم طَوالَ الوقت تقريبًا. كان في مقدمة قائمة الأشياء التي نوينا أن نفعلها الذهاب لرؤية السيدة فوكس، لكن بعد الانتظار لبعض الوقت لنرى ما إذا كان الطقس سيتحسن، لم نحظَ بيومٍ يستطيع كلانا الخروج فيه.

أرجو بحقٍّ ألا يمضي وقتٌ طويل جدًّا قبل أن تستطيع زيارتنا. إن الزمن يُداهمنا، والكهولة تُلاحقنا. أرجو أن تُطمئنا على نفسك وأسرتك الكبيرة كلها.

أعلم أنك ستساعدني «إذا استطعت» بمعلوماتٍ عن صغار الحمام؛ وفي كلِّ الأحوال، فلتكتب لي في أقربِ فرصة.

تحياتي لك عزيزي فوكس، صديقك الغالي المخلص
سي داروين
ملحوظة: من بين جميع أنواع الأشياء المتفرقة التي أتسلى بها، أقارن بين بذور ضروب النباتات. كان لديَّ من قبلُ بعض بذور الكرنب البري التي أعطيتها شخصًا ما، هل كان هذا أنت؟ ثَمَّةَ احتمالٌ كبير للغاية أنها قد جرى التخلُّص منها، فإذا لم يكن الأمر كذلك، فسيسُرني كثيرًا أن أحصل على القليل منها.

[يشير الاقتباس التالي من خطاب إلى السيد فوكس (٢٧ مارس، ١٨٥٥) إلى موضوع الخطاب السابق نفسه، ويُعطي لمحة عن «عمله عن الأنواع»: «الطريقة التي سأقتل بها الصغار ستكون بوضعها أسفل كوبٍ زجاجي مع ملعقةٍ صغيرة من الإيثر أو الكلوروفورم، على أن يكون الكوب ضاغطًا على سطحٍ مرن، وتركها لمدة ساعةٍ أو اثنتَين؛ فالصغار لديها قدرةٌ كبيرة على التمسُّك بالحياة. (لقد قتلتُ من قبل عثًّا وفراشات بهذه الطريقة.) ستكون الطريقة المثلى أن ترسلها بمجرد أن تشتريها، في صندوقٍ من الورق المُقوَّى بالبريد؛ حيث يمكنك الكتابة عليه وربطه جيدًا بحبل؛ وسوف تزيد من أسباب سعادتي حقًّا بأن تسمح لي بمعرفةِ رسوم البريد، إلخ. أُقسم إنني لا أكاد أُصدِّق أنه قد يكون ثَمَّةَ «أحد» بهذا القدْر من نقاء السريرة بحيث يتحمل هذه المشقة ويفعل شيئًا بغيضًا للغاية مثل قتل صغار الطيور؛ وإنني على يقينٍ شديد أنني لا أعرف نفسًا واحدة قد تفعل هذا، باستثنائك أنت. سوف أطلب منك شيئًا آخر؛ إذا ماتت لديك طيورٌ إناث عجوزة من أيٍّ من الدواجن المذكورة آنفًا (عدا البط) أو كانت عجوزةً لدرجة أَصبحَت معها «عديمة الجدوى»، فأرجو أن تُرسلها لي عن طريق السكك الحديدية، موجهةً إلى «سي داروين، عناية السيد أكتون، مكتب البريد، بروملي، كِنت». هلا احتفظتَ بهذا العنوان باعتباره أقصر طريقة لإرسال الطرود؟ لكنني لا آبه كثيرًا لهذا الأمر؛ حيث بإمكاني شراء الطيور العجوزة نافقةً من بايلي لاستخلاص هياكلها العظمية. كان لا بد أن أكتب لك في الحالِ حتى لو لم يكن قد جاءني منك رد، حتى أرجوك ألا تُكلِّف نفسك مشقةً كبيرة بشأن الحمام؛ حيث إن ياريل قد أقنعني بأن أشرع في التربية، والآن أُجهِّز مكانًا، وقد كتبتُ إلى بايلي بشأن الأسعار، إلخ، إلخ. أَودُّ كثيرًا (حين يتحسن بك الحال) أن أسمع «يومًا ما» القليل عن «بطتك الصيَّاحة الصغيرة»؛ لماذا سُميت بهذا الاسم؟ ومن أين حصلت عليها؟ وكيف تبدو؟ كنتُ في غاية الجهل؛ فلم أعلم أن ثَمَّةَ ثلاثةَ ضروب من دواجن دوركينج؛ ما أوجه اختلافها؟

نسيتُ ما إن كنتُ قد أخبرتك من قبلُ بهدف عملي الحالي؛ إنه النظر في كلِّ الحقائق التي يمكنني أن أجمعها (وا أسفاه؛ وا أسفاه، كم أجد نفسي جاهلًا!) في التاريخ الطبيعي (فيما يتعلق بالتوزيع الجغرافي والحفريات والتصنيف والتهجين والحيوانات والنباتات الداجنة، إلخ، إلخ، إلخ) لأرى لأيِّ حدِّ تؤيد أو تعارض فكرة أن الأنواع البرية قابلة أو غير قابلة للتغيُّر: أعتزم بأقصى ما أُوتِيتُ من قوة أن أُعطي كلَّ الحُجج والحقائق الخاصة بالطرفَين. ولديَّ «عدد» من الناس الذين يُساعِدونني بكل السبل، ويُسْدون لي أفضل العون؛ لكن كثيرًا ما يُساوِرني الشك ما إن كان الموضوع سيفوق قدراتي تمامًا أم لا.

يكفي هذا بالنسبة للجزء الخاص بالعمل من خطابي. يؤسفني جدًّا سماع أخبار غير جيدة بالمرة عن صحتك: إن حياتك ثمينة جدًّا مع وجود أسرتك الكبيرة، وإنني متأكد أنها لا بد أن تكون سعيدةً مع كلِّ نشاطك وصلاحك، أو سعيدة بالقدْر المعقول الذي يمكن توقعه في ظلِّ كلِّ هموم المستقبل التي لدينا.

لا يمكن توقُّع أن يكون الحاضر مثل الأيام التي وجدنا فيها خنفساء الصليب الأرضية أسفلَ جذوع الصفصاف الخلابة تلك، التي أعشق ذكراها. والآن أجد فائدةً كبيرة في القليل الذي أعرفه عن علم الحشرات الذي أدين به لك كاملًا. يسُرني كثيرًا أنك قد منحتَ نفسك راحةً من واجبات أيام الآحاد؛ فكم من الأسقام قد عانيت منها في حياتك! الوداع يا عزيزي فوكس. أُشدِّد على شكري لك بإخلاصٍ على مد يدك بالعون».]

من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس
داون، ٧ مايو [١٨٥٥]
عزيزي فوكس

لقد كلَّفَتك مراسلتي قدْرًا كبيرًا من المتاعب، إلا أن هذا الخطاب لن يفعل ذلك. وجدتُ خطابك عند عودتي للمنزل يوم السبت بعد أسبوع من العمل في لندن. حين كنتُ هناك، رأيت ياريل، الذي أخبرني أنه تفحص بعنايةٍ كلَّ النقاط المتعلقة بالبطَّة الصيَّاحة، ولم يساوره أيُّ شكٍّ أنها متطابقةٌ تمامًا مع ضروبٍ شائعة في حديقة سان جيمس بارك، وأنها هُجنت بكثرة معها؛ لذا سيسُرني كثيرًا الحصول على فرخِ بطٍّ في سن سبعة أيام وأحد الطيور العجوزة، في حالِ ماتت إحداها ميتةً طبيعية. أخبرني ياريل أن سابين قد جمع أربعين ضربًا من البط الشائع! حسنًا، لنرجع للعمل؛ إنني متأكد أنْ لا أحد يستطيع أن يُحدِّد لي أفضل منك العمر المميز للدجاج الصغير. فيما يتعلق بالهياكل العظمية، كنتُ أخشى أنه سيكون من المستحيل أن أستخلصها، لكن أعتقد أنني سأتمكن من قياس الأطراف، إلخ بتحسُّس المفاصل. ما تقوله عن الديوك العجوزة يؤكد بالضبط ما خطر لي، وسوف أستخلص هياكل الديوك العجوزة. إذا ما نفَق ديكٌ رومي بري عجوز لديك، فلتتذكَّرني رجاءً؛ فإنني لا أُريد فرخَ ديكٍ رومي، ولا كلب درواس. أشكرك شكرًا جزيلًا على العرض. لديَّ جِراء كلاب بولدوج وكلاب سلوقية محفوظة في الملح، وكان لديَّ أمهارٌ صغار لخيلِ جرِّ عربات وسباق أُخذت قياسات أجزائها بعناية. يساورني الشك فلا أعلم ما إن كنتُ سأقدم شيئًا مفيدًا بالمرة أم لا؛ فالأمور تخرج عن حدود قدراتي.

مع إخلاصي الشديد
سي داروين
[قد يكون هنا المكان المناسب لهذا الاقتباس من خطاب إلى السيد فوكس، رغم أنه بتاريخٍ لاحق، يوليو، ١٨٥٥:

شكرًا جزيلًا على دجاجة دوركينج البيضاء ذات السبعة الأيام، وعلى غيرها مما وعدتَ به. هكذا يصير لديَّ «حجرة رعب» بحق، وقد زاد تقديري لكرمك أكثر حتى من ذي قبل؛ فقد ارتكبت الفعلة الآثمة وقتلت حمامة هزازة ملائكية صغيرة وواحدة من الحمام النفاخ في عمر العشرة الأيام. جرَّبت مع الأولى الكلوروفورم والإيثر، ورغم أنها تبدو ميتَةً سهلة تمامًا، فقد طال الأمر؛ ومع الثانية جرَّبت وضع كتل سيانيد البوتاسيوم في زجاجةٍ رطبة كبيرة جدًّا، قبل وضع الحمامة فيها بنصف ساعة، وهكذا كان غاز حمض البروسيك المنبعث سريع الفتك للغاية.

في خطاب إلى السيد فوكس (٢٣ مايو، ١٨٥٥) يأتي أول ذكر لعمل أبي الشاق فيما يتعلق بتربية الحمام:

أكتب الآن لأخبرك أنني كنت أتفحص بعضًا من دجاجنا المهجن، ولا بد أن أذكر أن تلك «البالغة من العمر أسبوعًا» ستفي جدًّا بالغرض. النقطة الرئيسية التي ظلت لسنوات، ولا تزال، تثير فضولي بشدة، هي التأكد إن كان «صغار» سُلالاتنا الداجنة يختلف بعضها عن بعض كما يختلف آباؤها، وأنا لا أثق في أيِّ شيء لا يثبته القياس الدقيق والقواعد الرياضية. أتمنى ألا أكون قد كلَّفتُ نفسي عناءً كبيرًا دون وجودِ دافعٍ جدير بالتقدير، وأعتقد أن الأمر كذلك بالفعل. لديَّ طيورٌ هزازة ونفاخة (طيور فاخرة، حسبما أرجو؛ فقد دفعت عشرين شلنًا مقابل كلِّ زوجٍ من بايلي) في قفصٍ كبير وبرجِ حمام، وإنها لمصدرُ تسليةٍ مطلقة لي، وبهجةٍ لهنرييتا.

أثناء خوضِ أبي مغامرةَ تربية الحمام، تعرَّف بطبيعة الحال على الكثير من المُربِّين، وكان شغوفًا بأن يحكي عن تجاربه بصفته عضوًا في نادي كولومبيريان ونادي فيلوبيريستيرا؛ حيث كان يلتقي بأشد المُتحمسِين لتلك «الهواية»، ويتعلم كثيرًا من أسرارِ عالمهم. وحين كتب إلى السيد هكسلي بعد ذلك بعدة سنوات، اقتبس من كتابٍ حول «الحمام» للسيد جيه إيتون، ما يُوضِّح ما يجب أن يتميز به المربي الجيد من «حرصٍ شديد وقدرة على الملاحظة الحثيثة».

«في دراسته [دراسة السيد إيتون]، التي تتناول «فقط» الحمام البهلواني اللوزي، وهو ضُريب من الضرب القصير الوجه، الذي يُشكِّل ضربًا من الحمام البهلواني، مثلما هو ضرب من الحمام الجبلي، يقول: «ثَمَّةَ بعض المُربِّين الصغار البالغي الجشع، الذين يريدون الخمس الخواص جميعًا مرةً واحدة [أي النقاط الخمس المميزة التي يكون الاهتمام بها أساسًا. تشارلز داروين]، وإنهم ينالون جزاءهم بعدم الحصول على شيءٍ منها.» باختصار، إن الانتباه إلى «كل» مزايا الحمام البهلواني اللوزي يكاد يفوق العقل البشري!

حتى تكون مربيًا جيدًا، ولكي تنجح في تحسينِ أيِّ سلالة، الحماس ضروري أكثر من أي شيء. لقد ربح السيد إيتون الكثير من الجوائز، فلتُصغِ لما يقول.

إذا أمكن للسادة النبلاء والأفاضل معرفةُ الكمِّ الهائل من السلوى والمتعة الذي يأتي من الحمام البهلواني اللوزي، حين يبدءون في فهمِ خواصِّه، فأعتقد أنه سيكون من النادر أن تجد أحدهم دون أماكنَ لتربيته.»

كان أبي يهوى اقتباسَ هذه الفقرة، ودائمًا ما كان ذلك بنبرةِ تعاطُف مع المؤلف، إلا أنه كان، بلا شك، قد نسي تعجُّبه حين كان طفلًا من أن «كل الرجال الأفاضل لم يصيروا من المُختصِّين في علم الطيور.» (ارجع للفصل الثاني).

كان أبي مدينًا إلى السيد دبليو بي تيجيتماير، الكاتب المعروف في مجال الدواجن، إلخ، بالنصح والتعاون الدائمَين؛ إذ بدأ التراسُل بينهما في عام ١٨٥٥، واستمر حتى ١٨٨١، حين كتب أبي إليه قائلًا: «أؤكد لك أنني كثيرًا ما أتذكر في سعادةٍ الأيام الخوالي حين كنتُ أهتم بالحمام والطيور الداجنة، إلخ، وكنتَ تُمِدُّني بأفضلِ سبل العون. وإنني كثيرًا ما أشعر بالأسف لضعف صحتي التي جعلَتني لم أعُد قادرًا على الحفاظ على معارفي وأصدقائي القُدامى.» تكاد تتكون كلُّ خطابات أبي إلى السيد تيجيتماير من سلاسلَ من الأسئلة المتعلقة بالسلالات المختلفة من الطيور الداجنة والحمام، إلخ؛ ومن ثَمَّ، فهي ليست شائقة. وعند التمعُّن في قراءةِ مجموعة الخطابات هذه، تنتابك دهشةٌ شديدة من اجتهاد الكاتب في بحثه عن الحقائق، ويتضح أنه كان يثق تمامًا في معلومات السيد تيجيتماير وحكمه ويُقدِّرهما بشدة. وتَرِد جملٌ متعددة، على غرار «ملحوظتك بمنزلة منجمِ ذهبٍ بالنسبة لي» لتُعبِّر عن تقديره لمساعدة السيد تيجيتماير، وهناك أيضًا كلماتٌ تُعبِّر عن تقديره الصادق لحماسه السخي وفضله، أو «حبه الخالص والمُنزَّه عن الأغراض للعلم». كذلك لاقت مساعدة السيد تيجيتماير في موضوع النحل وأقراص العسل تقديرَ أبي، حيث كتب مفصحًا: «كان بحثك حول «خلايا النحل»، الذي قُرئ أمام الجمعية البريطانية، مفيدًا وملهمًا بشدة بالنسبة لي.»

من أجل حل مشكلات التوزيع الجغرافي للحيوانات والنباتات على أُسسٍ تطورية، كان على أبي أن يدرُس الوسائل التي يمكن من خلالها نقل البذور والبيض، إلخ، عبر مسافاتٍ شاسعة من المحيط. كانت هذه الحاجة هي التي جعلَته يهتم بنوعِ التجارِب التي تُشير إليها الخطابات التالية.]

من تشارلز داروين إلى دبليو دي فوكس
داون، ١٧ مايو [١٨٥٥]
عزيزي فوكس

ستكره مجرد رؤيةِ خط يدي؛ لكن أعدك ألا أطلب منك المزيد من الأشياء بعد هذه المرة، على الأقل لوقتٍ طويل؛ حيث إنك تعيش في مكانٍ تربته رملية؛ فهل السحالي كثيرة لديك؟ إن كان الأمر كذلك، فهل سترى أنه من السخيف أن تعرض بالنيابة عني على الصبية في مدرستك جائزةً في مقابلِ تجميعِ بيض السحالي؛ شلن مقابلَ كلِّ نصف دزينة، أو أكثر إذا كانت نادرة، حتى تحصل على دزينتَين أو ثلاث وترسلها لي؟ إذا جاء بَيض ثعابين بالخطأ، فسيكون مناسبًا جدًّا، حيث أُريده كذلك؛ وليس لدينا سحالي أو ثعابين هنا. هدفي هو أن أرى ما إن كان ذلك البيضُ سيطفو على ماء البحر، وما إن كان سيظل حيًّا حين يطفو لمدة شهرٍ أو اثنَين على الماء في قبوي. إنني أُجري تجاربَ على نقلِ كلِّ الكائنات الحية بقدْرِ ما أستطيع؛ ولمَّا كانت السحالي موجودة في كل الجزر، فإنني مُتلهِّف للغاية لأرى ما إن كان بيضها يصمُد في ماء البحر. بالطبع هذا الخطاب ليس بحاجةٍ لرد، إلا إن استطعت، عن طريقِ صدفةٍ غريبة ومواتية، أن تَردَّ عليه يومًا ما بإرسالِ البيض.

صديقك الأكثر إزعاجًا
سي داروين

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
١٣ أبريل [١٨٥٥]

… لقد بدأتُ تجربةً منذ فترةٍ قصيرة وما زالت مستمرة، وأعتقد أنها ستكون مثيرة للاهتمام، وهي أنني أخذتُ بذورًا كنتُ قد وضعتُها في الماء المالح وغمرتها لفترةٍ طويلة في وعاءٍ كبير يحتوي على ماءٍ تتراوح درجةُ حرارته بين ٣٢ و٣٣ درجةً مئوية مختلطٍ بثلج. حين كتبتُ إليك آخر مرة، كنتُ على وشك إعلان انتصاري عليك؛ ذلك أن تجربتي كانت قد نَجحَت بقدْرٍ ضئيل؛ لكنني، بدناءةٍ مطلقة، لم أُخبرك بهذا، على أمل أنكَ قد تقول إنك سوف تأكل كلَّ النباتات التي استطعتُ إنباتها بعد الغمر. من المُزعِج للغاية أنني لا أستطيع بأيِّ حالٍ تذكُّر ما قلتَه سابقًا والذي جعلني أعتقد أنك استهزأتَ بشدةٍ من التجارب؛ فالآن يبدو أنك ترى التجربة كرجلٍ صالح. لديَّ بذور رشاد وفجل وكرنب وخس وجزر وكرفس وبصل — أربع فصائلَ كبيرة — في زجاجاتٍ صغيرة بالخارج، مُعرَّضة لتغيُّر درجات الحرارة. وقد نبتت كلها بعد غمرها لأسبوع بالضبط، وهو ما لم أتوقَّعه مطلقًا (وتخيلت كيف ستسخر مني)؛ فماؤها كلها تقريبًا، وذلك الذي كان فيه بذور الرشاد خصوصًا، كان كريه الرائحة للغاية، وأَفرزَت بذور الرشاد كميةً كبيرة من المخاط (كان كتاب «بقايا» سيتوقع أن تتحول إلى أفراخ ضفادع)، حتى إنها تلاصقَت في كتلة، لكن هذه البذور نبتَت ونمت على نحوٍ رائع. وقد تسارع إنباتها كلها (خاصةً الرشاد والخس)، ما عدا الكرنب الذي كان نموه مضطربًا جدًّا، وماتت كميةٌ كبيرة منه، على ما أعتقد. خُيل لي أن الكرنب، بسبب بيئته الأصلية، كان سيصمُد جيدًا. ويبدو أن الفصيلة الخيمية والبصل يتحملان الملح جيدًا. إنني أغسل البذور قبل زراعتها. لقد كتبتُ إلى دورية «ذا جاردينرز كرونيكل» [طالبًا بعض المعلومات]، رغم أنني ساورني الشك حول جدوى ذلك. إن كان نجاحي يجعل الأمر يبدو ذا أهمية، فسأُرسل قائمة بالبذور، لأجعلك تُميِّز بعض الطوائف المختلفة من البذور. اليوم سأُعيد زراعة البذور نفسها التي ذكرتُها أعلاه بعد أربعة عشر يومًا من الغمر. وحيث إن كثيرًا من التيارات البحرية تسير بسرعة ميل في الساعة، فمن الممكن أن تُنقل لمسافة ١٦٨ ميلًا خلال أسبوع؛ يُقال إن تيار الخليج يسير بسرعة تتراوح بين خمسين وستين ميلًا يوميًّا. ثَمَّةَ الكثير والكثير في هذا الموضوع؛ لكنني دائمًا ما أبالغ.

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
[١٤ أبريل، ١٨٥٥]

… إنك لرجل نبيل لاعترافك بأنك توقعت أن الرشاد سيموت خلال أسبوع؛ فهذا يعطيني انتصارًا صغيرًا مُرضيًا. كان الأبناء في البداية يحدوهم حماس عارم، وظلوا يسألونني «ما إن كنت سأهزم الدكتور هوكر!» لقد نما الرشاد والخس جيدًا بعد غمرهما لمدةِ واحدٍ وعشرين يومًا. لكنني لن أستمر في الكتابة، وهذه فضيلةٌ كبرى لديَّ؛ فإنني أجد متعة كبيرة جدًّا في إخبارك بكل ما أفعله.

… إذا علمتَ ببعض التجارب (إذا جاز تسميتها بذلك) التي أُجريها، فسيكون لديك مطلق الحق للسخرية؛ فهي «غريبة جدًّا» حتى في «رأيي» لدرجةِ أنني لا أجرؤ على إخبارك بها.

أليس لدى بعض الرجال فكرةٌ مضحكة عن إجراء التجارب؟ لقد تلقَّيتُ خطابًا يُخبرني أنه «لا بد» أن البذور تتحلَّى بقدرةٍ «هائلة» على تحمُّل الماء المالح، وإلا فكيف استطاعت أن تصل إلى الجزر؟ هذه هي الطريقة الصحيحة لحل المشكلة!

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
داون [١٨٥٥]
عزيزي هوكر

أعتقد أنك رجلٌ رائع للغاية لتعبيرك عن بعض سعادتك لكتابة خطابَين لي؛ أرى أن هذا أفضل ما كان يمكنك أن تأتي به؛ لكن فيما يتعلق بالإعراب عن سعادتك بدحض تجاربي، فإني أؤكد لك أنني محتار تمامًا بما يكفي؛ فتلك البذور البغيضة، كما تلاحظ بالضبط، إذا غاصت لا تطفو.

لقد كتبت إلى سكورسبي وتلقيت ردًّا جافًّا بعض الشيء، لكنه مفيد للغاية، حيث لم يترك لي أملًا في وجود أي قانون أجهله قد يمنع هبوطها الدائم إلى أعماق المحيط السحيقة. بالمناسبة، كان أمرًا عجيبًا جدًّا لكنني تحدثت إلى الكولونيل سابين لمدة نصف ساعة حول الموضوع، ولم أستطع أن أجعله يرى صعوبة مسألة الغوص فيما يتعلق بموضوع النقل! ما يثير الضجر هو أنه إن كانت البذور اللعينة تغوص، فسأكون قد تجشَّمتُ كلَّ هذا العناء في تمليح هؤلاء الأوغاد الجاحدين هباءً.

كان التوفيق يجانبني في كلِّ شيء مؤخرًا؛ فقد التهم السمك في جمعية علم الحيوان الكثير من البذور المنقوعة، ويتراءى في مُخيِّلتي أن طائر بلشون قد التقَمَها، هي والسمك والأشياء كلها، وحملها لمسافة مائة ميل، وأفرغها على ضفاف بحيرة أخرى ونبتت على نحو مبهر، وفجأةً، لفظت الأسماك «كل» البذور من أفواهها بشدة، وباشمئزاز يعادل اشمئزازي.

لكنني لن أتخلى سريعًا عن فكرة الطفو؛ في المقام الأول لا بد أن أجرب بذورًا حديثة، رغم أنه يبدو أكثر ترجيحًا بكثير أنها سوف تغرق؛ ثانيًا، على سبيل المحاولة الأخيرة، لا بد أن أعتقد أن القرن أو حتى النبتة أو الغصن بأكمله قد ينجرف مع البحر؛ بسبب الفيضانات والانزلاقات والزلازل؛ لا بد أن هذا يحدث باستمرار، وأعتقد أن القرون، إلخ، إلخ إذا ظلت مبتلة، فلن تُفتح وتطرح بذورها. فلتجرب الأمر مع بذور الميموزا في كيو.

كنت أنوي أن أسألك عما إذا كانت الميموزا المتسلقة والبندق القارح Guilandina bonduc ينموان في كيو، حتى أجري التجربة على بذور حديثة. أخبرني آر براون أنه يعتقد أن ثَمَّةَ أربع بذور من غرب الهند قد انجرفت إلى شواطئ أوروبا. وتأكد لي في جزيرة كيلينج أن انجراف البذور إلى الشاطئ ليس من الأمور النادرة؛ إذن فلا بد أنها تطفو وسوف تطفو! يا له من حديث طويل استغرقت فيه!

إذا كان لديك العديد من بذور جزر لوفودين، فلتنقع بعضًا منها في بعض الماء الفاتر، ولتزرعها بأقصى درجات العناية؛ إنها من التجارب المهمة بالنسبة لي، والتي فرص عدم نجاحها كبيرة للغاية.

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
داون، ١١ مايو [١٨٥٥]
عزيزي هوكر

تلقيت خطابك للتو. إنني في غاية السرور بصدق ومن صميم قلبي بالخبر الذي احتوته [تعيين السيد هوكر مساعد مدير الحدائق الملكية في كيو]، وكذلك زوجتي. ورغم أن الراتب هزيل، فمن المؤكد أنك والسيدة هوكر راضيان عنه، على ما أرجو. وحيث إن المنصب لا بد أن يؤدي في السنوات القادمة إلى منصب الرئاسة، فإنني أرجو أن تنظر إليه باعتباره فرصة رائعة. أما من وجهة نظري أنا، فلا أستطيع تخيل منصب أفضل من مدير هذا المكان النبيل الرائع؛ بل إنه أفضل، على ما أعتقد، من شغل منصب أستاذ في بلدة كبيرة. وإنني كلما فكرت في الأمر، زاد سروري. لكنني لن أزيد في الكلام في هذا الشأن؛ غير أنني أرجو أن تكون السيدة هوكر سعيدة تمامًا بهذا المنصب …

بما أن دورية «ذا جاردينرز كرونيكل» نشرت سؤالي، وأولته الاهتمام، أعتقد أنه يجب عليَّ أن أُرسل، وهو ما خَطَر لي أن أفعله الأسبوع القادم، تقريري الأول إلى ليندلي لأعطيه خيار نشره؛ لكنني أعتقد أنه من المحتمل أنه قد لا يراه مناسبًا لدوريةٍ متخصصة في مجال البستنة. حين تنتهي تجاربي (إن بدت النتائج ذات شأن) وإن لم تعترض دورية «جورنال أوف ذا بروسيدينجز أوف ذا لينيان سوسايتي» على النشر المبكر لتقاريرَ غيرِ كاملة ومؤقتة، فسوف «يسرني» أن أنشر التقرير النهائي هناك؛ فقد عانيت فيه أشد المعاناة، حتى إنني أعتقد أن النتائج ربما كانت تستحق توثيقًا أكثر دوامًا من مجردِ صحيفة، لكن أعتقد أن عليَّ إرسالها إلى ليندلي أولًا.

بدأت أعتقد أن مسألة الطفو أهم من مسألة الإنبات؛ لذا أبحث بكل ما بوسعي في الموضوع، وأرجو أن ألقي قليلًا من الضوء عليه.

أرجو أن تكون أدرتَ اجتماعًا جيدًا في النادي. لا بد أن منصب أمين الخزانة مزعجٌ بالنسبة لك، وأرجو ألا يدوم بك الحال في هذا المنصب طويلًا؛ أعلم أنني قد أتخلى سريعًا عن عضوية النادي على أن أكون أمين خزانته.

الوداع يا سيدي، مساعد المدير وصديقي العزيز
سي داروين

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
٥ يونيو، ١٨٥٥

… أُجري أنا والآنسة ثورلي [وهي سيدة ظلَّت تعمل كمربيةٍ في العائلة لسنواتٍ عديدة] «القليل من الأعمال النباتية» على سبيل التسلية، وإنني لأجدُ أنه من المسلِّي جدًّا أن نزرع تشكيلةً من النباتات، في حقلٍ تُرك حتى صار مجدبًا لمدة خمسة عشر عامًا، لكنه كان يُزرع منذ وقتٍ طويل؛ وأن نزرع التشكيلة نفسها في حقلٍ مجاور و«مشابه» لكن مزروع؛ فقط لمتعةِ رؤيةِ أيُّ النباتات ستعيش وأيها ستَذوي. من الآن فصاعدًا سوف نحتاج لقليلٍ من العون في أحاجي التسمية. كم هي صعبةٌ لحدٍّ مخيف تسمية النباتات!

يا له من خطابٍ لطيف وكريم «للغاية» الذي أرسله لي الدكتور إيه جراي ردًّا على أسئلتي المزعجة! لقد احتفظتُ بنسختك من كتابه «دليل» حتى أتلقَّى منه ردًّا، وسوف أعيدها إليك بعد الرد على خطابه.

أشكرك شكرًا جزيلًا على نبات السلَّة؛ أرجو حقًّا ألَّا يكون غاليًا جدًّا؛ حيث أحتاجه في غرضٍ أحمق «للغاية» كما أخبرتك. لقد قرأتُ في مكانٍ ما أنه لا يُوجد نباتٌ يغلق أوراقه بهذه السرعة في الظلام، وأنا أريد تغطيته يوميًّا، لمدة نصفِ ساعة، وأرى إن كنت أستطيع تعليمه أن يغلق أوراقه من تلقاء نفسه، أو على نحو أسهل مما يفعل في الظلام. لا يمكنني أن أفهم السبب الذي يجعلك تُفضِّل النقل القارِّي، كما أعتقد، على النقل بالبحر. كنت أظن أنك مقتنعٌ بأكبر عددٍ ممكن من وسائل النقل. أمَّا فيما يتعلق بأفكاري النظرية المُفضَّلة، فلا يهم البتة سواء كانت تنتقل بحرًا أم برًّا، ما دامت تُوجد طريقةٌ محتملة لدرجةٍ مقبولة. لكنه مما يصدمني من الناحية الفكرية أن تُخلق أرض، بدون أدلةٍ أخرى ومستقلة. سوف أفهم، حسبما أرى، بكلماتٍ قليلة جدًّا، آراءك بوضوح أكثر متى التقينا.

لقد تعرفتُ للتوِّ على أولِ نوعٍ من العشب، مرحى! مرحى! لا بُد أن أُقرَّ أن الحظَّ يقف إلى جانب الجسورِين؛ فقد كان، لحسن الحظ، عشب الربيع العطري البسيط؛ إلا أنه مع ذلك اكتشافٌ رائع؛ لم أتوقَّع قَط أن أتعرَّف على نوعٍ من العشب طَوالَ حياتي؛ لذا مرحى! وقد كان للأمر أَثرٌ حميد لدرجةٍ مدهشة على معدتي.

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
داون، ١٥ [يونيو؟]، [١٨٥٥]
عزيزي هوكر

أكتب إليك هذا الخطاب القصير فقط لأُخبرك أن نبات السلَّة وصل «سليمًا تمامًا»، وأشكرك على ذلك.

لا يمكنك تخيُّل السعادة التي منحَتني إياها بذكرِ أسماءِ تلك الأعشاب الثلاث؛ فقط سأنتظر الورق حتى يجف وأجمع كلَّ الأعشاب. إن صادفتَ شخصًا مبتدئًا تمامًا وأردتَ أن تعطيه نبذةً عن علم النبات، فاطلب منه أن يُعد قائمةً كاملة بمحتوياتِ أحدِ الحقول أو الغابات الصغيرة؛ إذ أتفق أنا والآنسة ثورلي على أنه مما يعطي إثارةً غير عادية للعمل، أن يكون لديك عالمٌ صغير محدد لتدرُسه، بدلًا من عالم النباتات البريطانية الهائل بأنواعه المتنوعة.

الوداع. كنتُ صفيقًا تمامًا حين أعربتُ عن رأيي بقولي «خطوة للوراء». [يشير هذا إلى الاقتباس التالي من بحث أبي حول «الماء المالح والبذور» المنشور في دورية «ذا جاردينرز كرونيكل»، ٢٦ مايو، ١٨٥٥: «إن تخيُّل وقوعِ تلك التغيُّرات الجيولوجية الهائلة خلال فترةِ حياةِ كائناتٍ حية موجودة الآن، دون الاستناد لشيءٍ سوى محاولةِ تفسير توزيعها، يبدو لي، في ظل حالتنا الراهنة من الجهل بوسائل النقل، أشبه بخطوةٍ للوراء في مجال العلم».] واستحققت على ذلك توبيخًا كبيرًا، وبعد التفكير أجدني سعيدًا جدًّا أنكَ لم ترُدَّ عليَّ في دورية «ذا جاردينرز كرونيكل».

أثار كتاب «نباتات» [كتاب جوردون «نباتات ميناء جوفينال»] اهتمامي «بشدة».

[يذكر أبي في خطابه إلى السير جيه دي هوكر بتاريخ الخامس من يونيو خطابًا من الدكتور آسا جراي، عالم النبات الأمريكي المعروف. وكان الخطاب المشار إليه ردًّا على الخطاب التالي]:

من تشارلز داروين إلى آسا جراي
داون، ٢٥ أبريل [١٨٥٥]
سيدي العزيز

أرجو أن تتذكر أنني حظيتُ بشرف التعرُّف إليك في كيو. وأَودُّ أن ألتمس منك خدمةً كبيرة، أعلم جيدًا أنني لا أستطيع الاعتذار عنها. لكن الخدمة، حسبما أعتقد، لن تُسبِّب لك مشقةً كبيرة، وستجعلني في غاية الامتنان. حيث إنني لستُ عالم نبات، فسيبدو لك من العبثي للغاية أن أطرح عليك أسئلةً تتعلق بعلم النبات، لكن يمكنني تبرير هذا بأنني ظللتُ لعدة سنوات أجمع حقائق حول «التباين»، وحين أجد أن أيًّا من الملحوظات العامة تبدو صحيحةً فيما يتعلق بالحيوانات، أُحاوِل أن أختبرها على النباتات. [يلي هذا التماسُ معلوماتٍ حول النباتات الجبلية الأمريكية، واقتراحٌ بالنشر حول الموضوع.] أؤكد لك أنني أُدرِك مدى وقاحتي؛ لكوني لستُ بعالمِ نبات، للإقدام على تقديمِ حتى ولو اقتراحٍ في غاية التفاهة لعالم نباتٍ مثلك، لكن مما رأيتُه وسمعتُه عنك من صديقنا العزيز الطيب هوكر، أرجو أن تُسامحني وأعتقد أنك ستفعل ذلك، ولك مني صادق احترامي يا سيدي العزيز.

المخلص لك
تشارلز داروين

من تشارلز داروين إلى آسا جراي
داون، ٨ يونيو [١٨٥٥]
سيدي العزيز

أشكرك من كلِّ قلبي على خطابك الكريم جدًّا بتاريخ الثاني والعشرين من الشهر الماضي، وعلى الطريقة اللطيفة والكريمة للغاية التي تناولتَ بها أسئلتي المزعجة بعض الشيء. لا يسعني أن أُخبرك لأي حدٍّ أثارت قائمتك الخاصة بالنباتات الجبلية اهتمامي، ويمكنني الآن إلى حدٍّ ما أن أتصور نباتاتك الموجودة في قمم جبال الألب. أمَّا صدور الطبعة الجديدة من كتابك «دليل»، فهو خبرٌ «رائع» بالنسبة لي. علِمتُ من مقدمتك كم كنتَ في حاجة ملحة للمساحة، لكن إضافة (أور) إلى أي نباتٍ أوروبي لن يأخذ حيزًا، وكان هذا سيفي بكل الأغراض، من وجهة نظري؛ فمن واقع خبرتي، حين كنتُ أنظر إلى النباتات الإنجليزية في مراجعنا، كثيرًا ما كان يتراءى لي كم كان سيُثير الاهتمام لو أُعطيت فكرةٌ ما عن نطاق انتشارها؛ ومِن ثَمَّ، لا يمكن أن يُساورني شك أن الباحثِين والمبتدئِين الأمريكيِّين سيوَدُّون كثيرًا أن يعرفوا أي نباتاتهم أمريكي وأيها أوروبي. ألن يكون من المستحسن فيما يتعلق بالنباتات الجبلية أن تُلحِق بها الإضافة نفسها التي أرسلتَها لي الآن في المخطوطة؟ إلا أنني هنا لا أتحدث بدافع الأنانية الناتجة عن كرمك، وإنما فقط من أجل صالح الأمريكيِّين. أعتقد أنه سيكون من المرهق للغاية أن تذكُر في دليلك مواطنَ تلك النباتات الموجودة غرب جبال روكي، وكذلك مواطنَ تلك الموجودة في شرق آسيا؛ نظرًا لوجود نهر ينيسي، الذي — إذا صح ما أتذكره، حسبما قال جميلين — يُشكِّل خط الفصل الرئيسي لسيبيريا. ربما ثَمَّةَ علاقةٌ أكبر بين نباتات سيبيريا ونباتات الجزء الشمالي من أمريكا الشمالية. يبدو لي نِطاقا النباتات في الشرق والغرب؛ أي ما إذا كانت تُوجد أغلبها في جرينلاند وغرب أوروبا، أم في شرق آسيا، نقطةً هامة جدًّا حيث تنزع لتوضيحِ ما إن كانت الهجرة ناحية الشرق أم الغرب. أرجو أن تُصدِّق أنني مدرك تمامًا أن «الفائدة الوحيدة» من هذه الملحوظات ليست سوى أن تُوضِّح لعالم نباتٍ النقاطَ التي تُثير فضول من ليس بعالمِ نباتٍ ليتعلمها؛ فإنني أعتقد أن كلَّ مَن يدرس أحد الموضوعات دراسةً عميقة يصير غير واعٍ بالنقاط التي يحتاج الجاهل لمعلوماتٍ عنها. أشعر بسعادةٍ شديدة أنك تفكر في تحضيرِ بعض الملحوظات حول توزيعك الجغرافي؛ حيث تبدو لي المنطقة التي يتناولها كتاب «دليل» في بعض النقاط أكثر ملاءمة للمقارنة مع أوروبا من أمريكا الشمالية بأَسْرها. طلبتَ مني أن أذكر بالتحديد بعض النقاط التي أرغب بشدة في الحصول على معلومات بشأنها، لكنني بالكاد أستطيع فعل ذلك؛ فهي مبهمة للغاية؛ وأُفضِّل أن أنتظر النتائج التي ستأتي من المقارنات، على أن أحصل على معلومات عن أمورٍ محددة. أفترض أنك ستذكُر، مثل علماء النبات الآخرين، نِسب الفصائل الرئيسية الكبرى كلها (مع استبعاد النباتات الدخيلة) في منطقتك؛ هذه إحدى النقاط التي كنت أنوي جدولتَها من كتابك (وهو ما فعلتُه بصورةٍ تقريبية بالطبع)، لكنني لم أستطع فعل ذلك إلا على نحوٍ «منقوص تمامًا». كذلك كان لا بد، بالطبع، أن أتأكد من نسبة النباتات الأوروبية، و«الفصائل الكبرى»، من النباتات كلها (مع استبعاد الدخيلة منها)، حتى أتكهن بوسائل النقل. بالمناسبة، اجترأتُ منذ عدة أيام على إرسالِ نسخةٍ من دورية «ذا جاردينرز كرونيكل» التي تتضمن تقريرًا قصيرًا لي عن بعض التجارب البسيطة التي كنتُ أُحاول إجراءها عن قدرة البذور على تحمُّل ماء البحر. لا أعلم ما إذا كان الأمر قد خطَر لك، لكن خطر لي أنه سيكون من المستحسن أن يعطي علماء النبات الأعداد النسبية للفصائل، باستخدام «أعدادٍ صحيحة» وكذلك كسورٍ غير قابلة للاختزال؛ هكذا توصلتُ من دليلك إلى أن نسبة الفصيلة الخيمية من النباتات «الأصلية» تساوي ٣٦ / ١٧٩٨ = ١ / ٤٩؛ فدون العلم بالأعداد «الصحيحة»، لا يمكن تحديد مدى قرب أعدادِ نباتاتِ الفصيلة نفسها من بعضها في بلدَين بعيدَين؛ لكن من المُرجَّح جدًّا أنك قد ترى هذا الأمر غيرَ ضروري؛ وحيث إنني ذكرتُ هذه الأعداد النسبية، فيمكنني أن أُعطيك مثالًا على نوعية النقاط، التي «أُحاول» استنباطها، وكم هي غامضةٌ وعقيمة في كثيرٍ من الأحيان! إن تأمُّل ملحوظة آر براون وهوكر، التي تفيد بأن القرب الشديد في الأعداد النسبية للفصائل الكبرى في بلدَين، قد يُوضِّح أنهما كانا متصلَين تمامًا في وقتٍ سابق جعلني أُفكِّر في حساب، مثلًا، نسبة الفصيلة المُركَّبة «الدخيلة» في بريطانيا العظمى بالنسبة لكل النباتات الدخيلة، وكانت النتيجة ١٠ / ٩٢ = ١ / ٩٫٢. تساوي النسبة في نباتاتنا الأصلية أو المحلية ١ / ١٠؛ ووجدت في حالات كثيرة أخرى تشابهًا بارزًا بالمقدار نفسها. بعد ذلك أخذتُ دليلك وتقصيتُ المسألة نفسها؛ وعندئذٍ وجدتُ في الفصيلة المركبة تشابهًا بارزًا بالمقدار نفسه تقريبًا؛ أي ٢٤ / ٢٠٦ = ١ / ٨ في النباتات الدخيلة، و٢٢٣ / ١٧٩٨ = ١ / ٨ في النباتات الأصلية؛ لكن حين انتقلتُ للفصائل الأخرى، وجدتُ النسبة مختلفة تمامًا، مما يدل على أن التشابهات في النباتات البريطانية ربما كانت عرضية!

أعتقد أنك سوف تذكر نسبة الأنواع للأجناس؛ بعبارةٍ أخرى، تعطي متوسط عددِ الأنواع الموجود في كل جنس؛ رغم أنني فعلتُ هذا لنفسي.

إن لم يكن في الأمر كثير من المشقة، ألا تعتقد أنه سيكون مثيرًا جدًّا، وكذلك سيعطي فكرةً جيدة للغاية عن نباتاتك، أن تَقسِم الأنواع إلى ثلاثِ مجموعات، وهي (أ) أنواع شائعة في العالم القديم، محددًا أعداد الأنواع الشائعة في أوروبا وآسيا؛ و(ب) أنواع أصلية، لكن تنتمي لأجناسٍ موجودة في العالم القديم؛ و(ج) أنواع تنتمي لأجناس مقصورة على أمريكا أو العالم الجديد؟ لبلوغِ أقصى درجةٍ من الكمال، أرى أنه تجب الإشارة إلى ما إن كان ثَمَّةَ حالاتٌ أخرى، مثل الخلنج، لأجناسٍ شائعة في أوروبا أو العالم القديم وغير موجودة في منطقتك. لكنني صراحةً أَشعُر أنه من السخيف للغاية أن أُطيل الكتابة لك هكذا حول الموضوع؛ لكن حيث إنكَ طلبتَ مني هذا، فإنني أفعله ممتنًا، وأُكاتبك كما أُكاتب هوكر، الذي كثيرًا ما يسخر مني دون شفقة، وأنني متأكد أنك لديكَ سببٌ أقوى لتفعل هذا.

ثَمَّةَ نقطةٌ واحدة هي أكثر ما أتلهَّف للحصول على معلوماتٍ عنها، وسأذكرها وأنا في غاية التردُّد، فقط «لثقتي التامة» أنك ستُصدق أن ليس لديَّ من الحماقة والوقاحة ما يجعلني أرجو لثانيةٍ واحدة أن تُمدَّني بها، دون أن تكون قادرًا على ذلك بأقلِّ قدْرٍ من المشقة. في الوقت الحالي قد لا تثير هذه النقطة اهتمام أحدٍ سواي، وهو ما يجعل الحالة مختلفةً كليةً عن التوزيع الجغرافي. الطريقة الوحيدة، على ما أعتقد، التي يمكن أن تفعلها بها بقليلٍ من المشقة هو أن تضع طلبي في اعتبارك، أثناء تصويبِ بروفات الطباعة الخاصة بكتابك، وأن تضع إشارةً أو علامة على الأنواع، وأن تسمح لي بالحصول على تلك البروفات القديمة متى أرسلتَ طردًا إلى هوكر. لكن هذا سيُكلِّفك مشقةَ أن تتذكر طلبي، وهو ما بالكاد أرجو أن تفعله أو أتوقَّعه. لكنني سأذكر ما أريد فحسب؛ وهو أن تُميِّز «الأنواع القريبة من بعضها» في نباتاتِ إحدى المناطق، لتُحددَ ما إن كانت الأجناس نفسها لديها «أنواعٌ قريبة من بعضها» في نباتات المناطق «المختلفة» عند المقارنة بينها، وهي مبهمةٌ لدرجة استعصاء إحصائها لأغراضٍ أخرى. حاولت، بمساعدة هوكر، التأكُّد بطريقةٍ مماثلة مما إن كانت الأنواع المختلفة من الأجناس نفسها في أنحاءٍ بعيدة من المعمورة ضروبًا موجودة أم مختلفة. التعريف الذي لا بد أن أُعطيه ﻟ «النوع القريب» هو ما تعتقد أنه مميز بوجهٍ خاص، لكنه ما قد يعتقد عالمُ نباتٍ آخر «جيد» أنه مجرد سُلالة أو ضرب كما قد تتصور؛ أو، مجددًا، نوع صادفت مشقة في تفرقته عن بعض الأنواع الأخرى، رغم توفُّر الفرص لك لمعرفته جيدًا. إن كان لديك رغبةٌ لتُجزِل في الكرم وتفعل هذا، واستطعتَ (وهو ما لا أتوقعه) أن تدخر وقتًا، فكما قلت، من شأن علامةٍ فحسب على كلٍّ من هذه الأنواع في أيٍّ من بروفات الطباعة العديمة الجدوى أن تُعطيني المعلومات المنشودة، وهي التي أعلم، إذا جاز لي الإضافة، أنها مبهمةٌ حتمًا.

كيف يسعني الاعتذار بما يكفي على كلٍّ من تجرُّئي وما بلغه هذا الخطاب من طولٍ بالغ؟ لكن ما أفصح عنه خطابُك لي من طبيعة طيبة وعظيمة كان السبب إلى حدٍّ ما في ذلك، وهكذا، كما هو الحال كثيرًا في هذا العالم، يلقى المرء عقابًا على أفعاله الطيبة. لك مني خالص الشكر والصدق.

صديقك المخلص والممتن دائمًا
تشارلز داروين

من تشارلز داروين إلى جيه دي هوكر
داون، ١٨ [يوليو، ١٨٥٥]

… أعتقد أن لديَّ حالةً بسيطة متعلقة ببذور الخردل البري، لكن كما في مسألة التمليح، عليها اللعنة، لا أستطيع أن أتذكر عدد السنوات التي ترى أن تلك البذور قد تعيشها في الأرض. حين تكتب لي المرة القادمة، فلتتحلَّ بالجسارة وتذكرْ عدد السنوات التي ترى أن كلَّ تلك البذور قد تموت بعدها. منذ بضعةِ أيامٍ أخبرني رجلٌ بحالةٍ أرى أنها مذهلة، وقد كانت «مذهلة» حقًّا؛ حيث إنه وَفقًا للدليل الذي لديه نبتت البذور حية من «قاعِ طمي لندن»! وقد أثرتُ اشمئزازه بإخباره أن أشجار النخيل هي ما كان يجب أن تنبت.

لقد سألتَني لأيِّ مدًى وصلتُ في موضوع نسب الكائنات إلى أصلٍ مشترك، وسأجيبك بأنني لا أعلم؛ الطريقة التي أعتزم معالجة الموضوع بها هي أن أعرض (بقدْرِ ما أستطيع) الحقائق والحُجج المؤيدة والمعارضة لاشتراك أنواع الجنس نفسه في الأصل نفسه، ثم أن أُوضِّح لأي درجةٍ تؤيد أو تدحض الحُجج نفسها انحدار الأشكال المختلفة على نحوٍ أكبر فأكبر من الأصل نفسه. وحين نصل إلى أشكال الرتب والطوائف المختلفة، لا يبقى لدينا سوى بعض الحُجج التي يمكن استنباطها من التراكيب الأثرية المتشابهة، وبعد ذلك سرعان ما تختفي الحُجج.

[يتحدث الاقتباس التالي من خطاب إلى السيد فوكس، أكتوبر ١٨٥٥، بإيجاز عن آخرِ اجتماعٍ للجمعية البريطانية حضره أبي: «ليس لديَّ أخبار حقًّا؛ الشيء الوحيد الذي فعلناه منذ وقتٍ طويل هو الذهاب إلى جلاسجو، لكن الإرهاق كان أكثر مما يستحق الأمر، وأُصيبت إيما بدَورِ بردٍ قاسٍ. وعند عودتنا بقينا يومًا واحدًا في شروزبيري، واستمتعنا برؤية المكان القديم. التقيتُ لمامًا بالسير فيليب [جار السيد هوكر] (الذي راقني كثيرًا)، وقد سألني: «لماذا بحقٍّ حرضتُكَ لسرقة حظيرة دواجنه؟» كان الاجتماع جيدًا، وتحدث دوق آرجايل حديثًا ممتازًا».]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢