الفصل الثاني

سيرة ذاتية

[إنَّ ما كتبه أبي من ذكريات تتعلق بسيرته الذاتية، التي تظهر في الفصل الحالي، كان قد كتبه لأبنائه، ولم يكن يخطر بباله قط حينها أنها سوف تُنشر. وقد يبدو ذلك للعديد من الأشخاص على أنه أمرٌ محال، أمَّا مَن يعرفون والدي، فسوف يتفهمون أنه أمرٌ ممكن جدًّا، بل طبيعي أيضًا. وقد جاءت هذه السيرة الذاتية تحت عنوان «ذكريات عن تطوري الذهني والشخصي»، وهي تنتهي بالملاحظة التالية: «٣ أغسطس ١٨٧٦. لقد بدأتُ في كتابة هذه السيرة التي تسرد أحداث حياتي في الثامن والعشرين من مايو في هوبدين، وداومتُ، منذ ذلك الوقت، على الكتابة على مدى ساعة تقريبًا في معظم العصاري.» وفي سردٍ شخصي وحميمي كهذا، قد كُتب إلى الزوجة والأبناء، من الطبيعي جدًّا أن تُوجد بعض الفقرات التي يجب عليَّ حذفها، ولا أرى ضرورة لبيان مواضع الحذف هذه. ولقد وَجدتُ أنه من الضروري أن أُصحِّح بعض الهفوات الواضحة في الكتابة، غير أنَّني لم أُجرِ هذه التغييرات إلا في أضيق الحدود. إف دي.]

لقد بعث إليَّ مُحررٌ ألماني يطلب مني أن أكتب عن تطوُّري الذهني وتطور شخصيتي مع سردِ جانبٍ من سيرتي الذاتية. وقد رأيتُ أنني سأستمتع بهذه المحاولة، وأنها قد تثير اهتمام أبنائي أو أبنائهم؛ فأنا عن نفسي، أعرف أنني كنت سأهتم اهتمامًا كبيرًا بقراءة عرضٍ موجز للتطوُّر الذهني لجدي، الذي قد كتبه هو بنفسه، حتى إن كان هذا العرض مملًّا ومختصرًا للغاية؛ إذ كان سيُثير اهتمامي أن أتعرف على أفكاره وأعماله وطريقته في أداء عمله. وقد حاولتُ أن أكتب سيرتي الذاتية هذه، كما لو أنني كنت ميِّتًا أُعيدُ النظر إلى حياتي من العالم الآخر. والواقع أنني لم أجد صعوبةً في ذلك؛ إذ إنَّ حياتي قد شارفَت على الانتهاء، ولم أبذُل الكثير من الجهد للاهتمام بأسلوبي في الكتابة.

لقد وُلدتُ في شروزبيري في الثاني عشر من فبراير عام ١٨٠٩، وتعود أُولى ذكرياتي إلى حين كنتُ قد تخطيتُ الرابعة من العمر بعدة شهور، وذهبنا إلى منطقة بالقرب من أبيرجالي للاستحمام في البحر، وأنا أتذكر بعض الأحداث والأماكن هناك بالقليل من الوضوح.

تُوفيت والدتي في يوليو عام ١٨١٧، وكنت حينها أكبر من الثامنة بقليل، ومن الغريب أني لا أستطيع أن أتذكر أيَّ شيءٍ عنها سوى الفراش الذي ماتت عليه، وردائها الأسود المخملي، ومنضدة عملها ذات التصميم الغريب. وفي ربيع هذا العام نفسه، بُعثتُ إلى مدرسةٍ نهارية في شروزبيري وقضيتُ فيها عامًا. وقد عرفتُ منهم أنَّ وتيرتي في التعلم كانت أبطأ كثيرًا من شقيقتي الصغرى كاثرين، وأعتقد أنني كنت ولدًا شقيًّا، من نواحٍ عديدة.

وفي ذلك الوقت الذي ذهبتُ فيه إلى هذه المدرسة النهارية، كان اهتمامي بالتاريخ الطبيعي، وبالجمع على وجه الخصوص، قد تشكَّل وتطوَّر؛ فكنت أحاول معرفة أسماء النباتات والتمييز بينها، وكنت أجمع مختلف الأشياء من الصدف والأختام وطوابع البريد والعملات المعدنية والمعادن. وقد كان ذلك الشغف بجمع الأشياء، الذي يدفع بالمرء إلى أن يُصبِح مختصًّا في التاريخ الطبيعي، أو هاويًا للفنون وجامعًا للتحف القديمة، أو بخيلًا؛ حاضرًا فيَّ بدرجةٍ كبيرة، ومن الواضح أنه كان فطريًّا؛ إذ إنَّ أحدًا من إخوتي لم يُظهر قط أيَّ اهتمامٍ بمثل هذا الأمر.

حدثٌ واحد صغير في هذا العام ظل حاضرًا في ذهني لا يبرحه، وأتمنى أن يكون ذلك لما كان يشعر به ضميري من ذنبٍ شديد، وإنه لأمرٌ غريب إذ يُوضِّح أنني كنت مهتمًّا بتنوُّع النباتات واختلافها وأنا في مثل هذه السن الصغيرة! كنتُ قد أخبرت فتًى آخر (وأظن أنه لايتون، وهو الذي أصبح فيما بعدُ عالمًا مشهورًا في علم الأشنات والنبات) أنني أستطيع إنتاج نرجسيات وزهور الربيع المختلفة الألوان، وذلك من خلال سقيها بسوائل مُلوَّنة مُعيَّنة، وما كان ذلك بالطبع إلا خرافةً شنيعة قد اختلقتُها ولم أُجرِّبها قط. ويمكنني أن أعترف هنا أيضًا بأنني كنتُ أميل في صغري إلى اختلاقِ مزاعمَ كاذبةٍ عن عمد، وقد كان ذلك دومًا لخلق بعض الإثارة؛ فعلى سبيل المثال، كنتُ قد جمعتُ في أحد الأيام بعض الفواكه الثمينة من أشجار أبي وخبَّأتها في الشجيرات، ثم انطلقتُ أجري لاهث الأنفاس لكي أُعلن أنني قد عثرت على كَنزٍ من الفاكهة المسروقة.

لا بد أنني كنت فتًى ساذجًا للغاية في بداية عهدي بالمدرسة وذهابي إليها؛ ففي أحد الأيام، اصطحَبني ولدٌ يُدعى جارنيت إلى مَتجرِ كعك، واشترى بعضًا منه لكنه لم يدفع ثمنه؛ إذ كان البائع يثق به. وحين خرجنا سألته عن السبب في عدم دفعه الثمن، فأجابني على الفور: «ألا تعرف أنَّ عمي قد منح البلدة مبلغًا هائلًا من المال شريطة أن يعطي كل تاجر أي شخص يرتدي قُبَّعته القديمة ويُحرِّك [إياها] بطريقةٍ معينة ما يرغب فيه دون مقابل؟» وبعد ذلك، أراني كيفية تحريكها، ثم دخل متجرًا آخر يتمتع فيه بالثقة كذلك، وطلب غرضًا صغيرًا محرِّكًا قبعته بالطريقة المناسبة، ثم حصل عليه بالطبع دون أن يدفع ثمنه. وعندما خرجنا تحدث إليَّ قائلًا: «والآن، إن كنت ترغب في العودة إلى متجر الكعك (الذي ما زلت أتذكر موقعه بدقةٍ شديدة)، فسوف أُعيرك قُبَّعتي، ويمكنك أن تحصل على أيِّ شيءٍ تريده إن حرَّكت القبعة على رأسك بالطريقة الصحيحة.» قبلتُ هذا العرض السخي بكل سرور، ودخلت إلى محل الكعك وطلبتُ بعضًا منه ثم حرَّكت القبعة القديمة بالطريقة السليمة. وبينما كنت أسير خارجًا من المتجر، اندفع البائع نحوي، فسقط مني الكعك ورحتُ أجري كي أنجو بحياتي، وكم كنتُ مندهشًا من صيحات الضحك التي استقبلني بها صديقي المخادع جارنيت.

يمكنني أن أشهد لنفسي بأنني كنت صبيًّا محبًّا للخير، غير أنني أدين بذلك بالكامل إلى إرشاد أَخواتي ومثالهنَّ. إنني لا أعرف على وجه التحديد ما إذا كان حب الخير صفةً فطرية أم مكتسبة. لقد كنت مُولعًا جدًّا بجمع البيض، لكنني لم آخذ قط أكثر من بيضةٍ واحدة من عُشِّ كلِّ طائر، فيما عدا مرةً واحدة أخذتُ فيها البيض كله، وما كان ذلك لقيمته، وإنما على سبيل استعراض قدراتي.

كنتُ أُحب بشدة الصيد بالصنارة، وكنت أجلس على مدى ساعاتٍ طويلة على ضفة نهر أو بحيرة أراقب فلينة الصنارة؛ وحين كنتُ في مير، سمعتُ بأنني أستطيع قتل الدود بالملح والماء، ومنذ ذلك اليوم، لم أدخل دودة حيةً واحدة في خطاف الصنارة، متخلِّيًا بذلك ربما عن جزء من النجاح في الصيد.

وذات مرة حين كنتُ ما أزال ولدًا صغيرًا في المدرسة النهارية أو حتى قبل ذلك الوقت، تصرفتُ بقسوة، وضربتُ جروًا صغيرًا، وأظن أنَّ ذلك كان بدافع الاستمتاع بالشعور بالقوة فحسب، لكنَّ هذا الضرب لم يكن قويًّا بأي حال؛ إذ لم يَعوِ الجرو، وأنا مُتيقنٌ من ذلك لأنَّه كان في بقعةٍ قريبة من المنزل. وما تزال تلك الواقعة تثقل بشدةٍ ضميري، وهو ما يتضح من تذكُّري للمكان الدقيق الذي وَقعَت فيه تلك الجريمة. وأعتقد أنَّ وطأتها راحت تزداد عليَّ بسبب ما كنت أُكنُّه من حب للكلاب في ذلك الوقت وهو الذي امتد على مدى فترةٍ طويلة بعد ذلك، حتى أصبح شغفًا لديَّ. ويبدو أنَّ الكلاب كانت تدرك ذلك؛ فقد كنت بارعًا في جعلها تحبني أكثر من أصحابها.

لم تَتبقَّ سوى حادثةٍ أخرى هي التي أتذكَّرها بوضوح من أحداث هذا العام، الذي قضيته في مدرسة السيد كيس النهارية، وهي حادثةُ دفنِ جندي من سلاح الفرسان. من المدهش أنني ما زلتُ أستطيع أن أتذكر بوضوح حذاء الجندي العالي الرقبة وبندقيته القصيرة وهما مُعلَّقان بسرج حصانه، بينما تُطلق الطلقات من حول المقبرة. لقد أهاج هذا المشهد فيَّ جميع الخيالات الشاعرية التي كانت بداخلي.

في صيف العام ١٨١٨، ذهبتُ إلى مدرسة الدكتور باتلر في شروزبيري، وقضيتُ فيها سبع سنوات حتى منتصف الصيف في عام ١٨٢٥، حين بلغتُ السادسة عشرة. لقد أقمتُ في تلك المدرسة؛ فتمتعت بتلك الميزة العظيمة بأن أختبر حياة الدراسة الحقيقة؛ غير أنَّها لم تكن تبعُد عن منزلي بأكثر من ميلٍ واحد؛ لذا، فغالبًا ما كنتُ أعدو إلى المنزل في الفترات الفاصلة الطويلة بين انتهاء الدراسة وإغلاق أبواب المدرسة في الليل. وأعتقد أنَّ ذلك مثَّل ميزةً كبيرة بالنسبة لي؛ إذ تمكنت من الحفاظ على ارتباطي بالمنزل وأُسرتي. وفي بداية حياتي المدرسية، أتذكر أنني غالبًا كنتُ أُضطَر إلى الجري بسرعة كي أصل في الموعد، وعادةً ما كنتُ أنجح في ذلك؛ إذ كنت عدَّاءً سريعًا، وحين كنت أشُك في النجاح، كنت أتضرع إلى الله بدعائي سائلًا العون منه، وأتذكر جيِّدًا أنني كنت أعزو نجاحي إلى استجابة الله لدعائي، لا إلى سرعتي في الجري، وكم كنتُ أتعجب من عونه الدائم لي.

لقد سمعتُ أبي وأختي الكبرى يقولان إنني كنت أميل في طفولتي إلى التجول منفردًا لمسافاتٍ طويلة، غير أنني لا أدري ما الذي كنتُ أفكر فيه في تلك الجولات. كثيرًا ما كنتُ أَشرُد بذهني، وذاتَ مرة بينما كنت عائدًا إلى المدرسة من فوق المتاريس المحيطة بشروزبيري، والتي كانت قد تحوَّلَت إلى ممشًى عام بدون حاجزٍ على أحد الجانبَين، تعثَّرتُ وسقطتُ على الأرض، غير أنَّ الارتفاع لم يكن يزيد عن سبعة أو ثمانية أقدام. ومع ذلك، فإنَّ عدد الأفكار الذي دار بذهني في أثناء تلك السقطة الصغيرة جدًّا والمفاجئة وغير المتوقَّعة تمامًا، كان مذهلًا، ولا يبدو لي أنه يتفق مع ما أثبته المختصون في علم وظائف الأعضاء، على ما أعتقد، وهو أنَّ الفكرة الواحدة تستغرق فترةً ملحوظة من الوقت حتى تتكون.

كانت مدرسة السيد باتلر هي الأسوأ لتطوُّري الذهني على الإطلاق؛ إذ كانت تقليدية تمامًا، ولم يكن يُدرَّس بها سوى بعضٍ من الجغرافيا والتاريخ القديمَين. لم أستفد من تلك المدرسة بأيِّ قدْر من التعليم؛ فعلى مدى حياتي كلها، لم أتمكن من إتقانِ أي لغة. وقد كانت هذه المدرسة تُولي اهتمامًا عظيمًا بنظم الشعر، ولم أكن أجيد ذلك على الإطلاق. غير أنه كان لي العديد من الأصدقاء وكنا نحفظ معًا مجموعةً جيدة من أبيات الشعر القديم، فكنتُ آخذ أجزاءً من هذه الأبيات وأدمجها معًا، بمساعدة بعض الصبية الآخرين في بعض الأحيان، وهذا ما جعلني أتمكن من تناوُلِ أيِّ موضوع شعرًا. وقد كان الاهتمام كبيرًا بحفظ الدروس التي تعلَّمناها في اليوم السابق، وهذا ما كنت أتقنه بسهولةٍ كبيرة؛ فقد كنت أحفظ ما يقرب من الأربعين أو الخمسين سطرًا لفيرجيل أو هوميروس، وأنا لا أزال في المصلى الصباحي، غير أنَّ هذا الأمر لم يكن مفيدًا على الإطلاق؛ فقد كانت جميع هذه الأبيات تتلاشى من ذاكرتي في غضونِ ثمانٍ وأربعين ساعة. لم أكن بليدًا، وباستثناء نظم الشعر، فقد كنت بوجهٍ عام أجتهد في دراسة الأعمال الكلاسيكية وأداء واجباتي المتعلقة بها، دونما أيِّ محاولةٍ للغش. وأمَّا الشيء الوحيد الذي كنت أستمتع بدراسته من تلك الدراسات، فقد كان بعض القصائد الغنائية لهوراس، التي أعجبتني بشدة.

عندما غادرتُ المدرسة، لم أكن بالنابغة ولا بالبليد بالنسبة لسني، وأعتقد أنَّني كنتُ في رأي أبي وجميع المُدرسين، ولدًا عاديًّا للغاية، أو إلى حدٍّ ما أقل من المستوى المعتاد في الذكاء. وقد قال لي والدي ذات يوم: «إنك لا تهتم بأيِّ شيءٍ سوى الصيد والكلاب ومطاردة الفئران، ولسوف تكون عارًا على نفسك وكل عائلتك.» وهو ما أَشعَرني بالخجل والخزي الشديدَين، لكنَّ أبي، الذي كان أطيب من عرفت من الرجال والذي أحب ذكراه بكل قلبي، لا بد أنه كان غاضبًا ومتحاملًا بعض الشيء حين استخدم هذه الكلمات.

وحين أُعيد النظر بقدْر استطاعتي في شخصيتي خلال فترة الدراسة، أجد أنَّ الصفات الوحيدة التي كنتُ أتمتع بها في تلك الفترة والتي تُبشِّر بمستقبلٍ جيد، كانت تعدُّد اهتماماتي وشغفي بها؛ وامتلاكي لحماسٍ كبير لما يثير اهتمامي؛ وإيجادي لسرورٍ كبير في فهم أيِّ أمر أو موضوع معقد. لقد تعلمتُ حساب إقليدس على يدِ مُعلمٍ خاص، وأنا أتذكر جيِّدًا ذلك الشعور الغامر بالرضا الذي منحَتني إياه البراهين الهندسية الواضحة. وأتذكر بالوضوح نفسه، مدى السرور الذي شعرتُ به حين شرح لي عمي (والد فرانسيس جالتون) الفكرة الأساسية لورنية مقياس الضغط الجوي. وأمَّا عن اهتماماتي الأخرى بعيدًا عن العلوم، فقد كنت مُولعًا بقراءة مختلف الكتب، وقد اعتدتُ على الجلوس لساعاتٍ طويلة أقرأ فيها المسرحيات التاريخية لشكسبير، وقد كان ذلك عادة في نافذةٍ قديمة بالجدران السميكة للمدرسة. وقد قرأتُ أيضًا غير ذلك من الشعر مثل «الفصول» لتومسون وكذلك قصائد بايرون وسكوت، التي كانت قد نُشرت حديثًا. وأنا أذكُر ذلك لأنني مع الأسف الشديد، وفي مرحلةٍ لاحقة من حياتي، لم أعُد أجد أي متعة في قراءة الشعر من أيِّ نوع، بما في ذلك شعر شكسبير. وبخصوص الاستمتاع بالشعر، فيمكنني أن أضيف أيضًا أنه في عام ١٨٢٢، شعَرتُ ولأول مرة بالاستمتاع الشديد بمشاهدة الطبيعة؛ إذ كنتُ في جولة بالخيول على حدود ويلز، وقد استمر هذا الشعور لفترةٍ أطول من أيِّ شعورٍ مماثل متعلق بمتعةٍ جمالية أخرى.

في بداية أيامي بالمدرسة، كان أحد الفتيان يقتني نسخة من كتاب «عجائب العالم»، وكثيرًا ما كنت أقرأ فيه وأختلف مع الصبيان الآخرين بشأن صحة بعض المزاعم الواردة فيه، وأعتقد أنَّ هذا الكتاب هو أول ما أثار فيَّ الرغبة في السفر إلى بلادٍ بعيدة، وهو ما تَحقَّق بعد ذلك من خلالِ رحلة «البيجل». وفي الفترة الأخيرة من حياتي المدرسية، أصبحتُ مُولعًا للغاية بالصيد؛ فأنا لا أعتقد أنَّ أحدًا قد أبدى حماسًا لأهمِّ القضايا وأَقدسِها، أكثر مما أبديتُ من حماسٍ نحو صيد الطيور. ولكم أتذكَّر بدقة تلك المرة الأُولى التي اقتنصتُ فيها أول طائر شنقب، ولقد كان تأثُّري وحماسي عظيمَين حتى إنني وجدت صعوبةً كبيرة في تعبئة البندقية مجدَّدًا، من أثرِ ارتعاش يديَّ. ولقد استمر معي هذا الاهتمام بالصيد على مدى فترةٍ طويلة، وأصبحتُ بارعًا فيه. وحين كنت في كامبريدج، اعتدت أن أتمرن على رفع بندقيتي على كتفي أمام المرآة كي أتأكد من أنني أرفعها باستقامة، وأمَّا الخطة الأخرى وهي الأفضل، فقد كانت أن أطلب من صديق لي أن يلوِّح بشمعة مضاءة، ثمَّ أصوب نحوها مع تغطيةِ فونيةِ البندقية بكبسولةِ تفجير، وإذا كانت الإصابة دقيقة، فإنَّ نفحة الهواء الخفيفة ستُطفئ الشمعة. كان انفجار الكبسولة يُصدر صوتَ طقطقةٍ حادة، وقد سمعتُ بأنَّ المشرف المدرسي قد علَّق على ذلك ذات يوم قائلًا: «يا له من أمرٍ غريب! إذ يبدو أنَّ السيد داروين يقضي ساعاتٍ طويلة في قرقعة سوط في غرفته، إذ غالبًا ما أسمع صوت هذه القرقعة حين أَمُر من تحت نوافذ غرفته.»

كان لديَّ العديد من الأصدقاء من صبيان المدرسة، وقد كنتُ أُحبهم حبًّا جمًّا، وأعتقد أنَّ الود كان يغلب على طباعي في ذلك الوقت.

وأمَّا بالنسبة إلى العلوم، فقد واصلتُ جمع المعادن بحماسٍ كبير، غير أنني لم أتبع في ذلك أيَّ طريقةٍ علمية؛ كلُّ ما كنتُ أهتم به هو العثور على معدنٍ حديث «التسمية»، ونادرًا ما كنتُ أحاول تصنيف ما أجمع. ولا بد أنني كنتُ أُراقب الحشرات ببعض الاهتمام؛ فعندما كنتُ في العاشرة (١٨١٩)، قضيتُ ثلاثةَ أسابيع في بلاس إدواردز على ساحل البحر في ويلز، وقد كنتُ مهتمًّا للغاية ومندهشًا كذلك عندما رأيتُ حشرةً كبيرة من نِصفيَّات الجناح تجمع بين اللونَين الأسود والقرمزي، وكذلك الكثير من حشرات العث (البزيات)، وخنفسة نمرية، وهي حشرات لا تُوجد في شروبشاير. وكنتُ قد نويتُ أن أبدأ في تجميع كلِّ ما أجده من الحشرات الميتة؛ إذ إنني قد استشرتُ أختي وتوصلتُ إلى أنه ليس من الصواب أن يقتل المرء حشرة من أجل امتلاك تشكيلة من الحشرات. وعندما قرأت كتاب «سيلبورن» لوايت، استمتعتُ كثيرًا بمراقبة عادات الطيور، وكتبتُ حتى بعض الملاحظات عن الموضوع. ومن سذاجتي، كنت أتعجب من أن كل الرجال الأفاضل لم يصيروا من المُختصِّين في علم الطيور.

وقرب نهاية فترة المدرسة، بدأ أخي يعمل بجد في مجال الكيمياء، وأسس مختبرًا جيِّدًا في مستودع الأدوات بالحديقة وجهزَّه بالأجهزة المناسبة، وكان يسمح لي بمساعدته في معظم التجارب. لقد حضَّر الغازات جميعها والعديد من المركبات، أمَّا أنا، فقد قرأت بعنايةٍ شديدة عدة كتبٍ عن الكيمياء مثل «مختصر مبادئ الكيمياء» لهنري وباركس. وقد أثار الموضوع اهتمامي بدرجةٍ كبيرة، وكثيرًا ما كنا نستمر في العمل حتى وقتٍ متأخر من الليل. كان ذلك هو الجزء الأفضل مما حظيتُ به من تعليم في فترة المدرسة؛ إذ تعرَّفت منه عمليًّا على معنى العلوم التجريبية. وبطريقةٍ ما، ذاع عنا في المدرسة أننا نعمل في الكيمياء؛ ولأنها كانت واقعةً غير مسبوقة، فقد لقَّبوني باللقب «غاز». وكذلك قد عنفَّني المدير الدكتور باتلر على الملأ ذات يوم؛ إذ كان يرى بأني أُهدر وقتي في مثل هذه الموضوعات العديمة الجدوى، كما أنه قد نعتني ظلمًا ﺑ «المستهتر»؛ ولمَّا لم أفهم ما كان يعنيه، فقد بدا لي أنه زجرٌ مرعب.

ولأنني لم أكن أبلي بلاءً حسنًا في المدرسة، فقد تَصرَّف أبي بحكمة وأخرجني منها في سنٍّ أصغر من المعتادة، وبعثَني (في أكتوبر ١٨٢٥) إلى جامعة إدنبرة مع أخي، وقضيتُ فيها عامَين أو سنتَين دراسيتَين. كان أخي يكمل دراسته في الطب، بالرغم من أنني أعتقد أنه لم ينتوِ ممارسته أبدًا، وقد بعثني والدي إلى هناك كي أستهل أنا دراستي الطبية. لكنني سرعان ما توصلت إلى اقتناع بعد ذلك بفترة قصيرة، كنت قد استنتجته من بعض الأمور البسيطة، بأنَّ والدي سيترك لي قدْرًا جيِّدًا من الأملاك، مما يكفيني لأحيا في بعضٍ من الدعة والراحة، غير أنني لم أتخيل قط أن أُصبح على هذه الدرجة التي أنا عليها من الثراء. وبالرغم من ذلك، فقد كان اعتقادي هذا كافيًا بأن يُحجِّم لديَّ أيَّ مجهودٍ شاقٍّ أبذله لدراسة الطب.

كان التدريس في إدنبرة يعتمد كليًّا على المحاضرات، وقد كان ذلك مملًّا بدرجة لا تُحتمل، وذلك باستثناء محاضرات الكيمياء التي كان يلقيها هوب، غير أنني كنت أرى أنه لا تُوجد أيُّ مَيزةٍ للمحاضرات، وإنما لها الكثير من العيوب، وذلك على عكس القراءة. محاضرات الدكتور دانكان عن المواد الدوائية في الثامنة من صباحِ يومٍ شتوي، كانت من الذكريات التي أخشى تذكُّرها. أمَّا الدكتور … فقد كان يجعل محاضراته عن تشريح الجسم البشري مملةً بقدْرِ ما كان يتسم به هو شخصيًّا من شخصيةٍ مملة، وقد كان ذلك الموضوع يثير تقزُّزي. وقد اتضح لي بعد ذلك مدى الضرر الذي شهِدتُه في حياتي عندما لم يُشجِّعني أحد على ممارسة التشريح؛ فلَكنتُ إذن قد تغلبتُ على ما كنتُ أُعانيه من تقزُّز، ولَأفادني ذلك في عملي المستقبلي فائدةً عظيمة. لقد كان ذلك من الأضرار التي لا يمكن علاجها، إضافةً إلى عدم قدرتي على الرسم. لقد حَرصتُ أيضًا على زيارة الأجنحة السريرية في المستشفى بانتظام. وقد كانت بعض الحالات تُشعرني بالحزن الشديد، حتى إنَّ بعضها ما زال يتجسد في صورٍ حية وواضحة أمامي، لكنني لم أكن بتلك الحماقة التي تجعلني أدع مثل هذا الأمر يُقلِّل من ذهابي إلى هناك. إنني لا أستطيع أن أفهم السبب في أنَّ هذا الجانب من دراستي للطب لم يُثِر اهتمامي بدرجةٍ أكبر؛ إذ في خلال فصل الصيف الذي سبق حضوري إلى إدنبرة، كنتُ قد بدأت في رعاية بعض الفقراء في شروزبيري، الذين كان أغلبهم من النساء والأطفال. كنتُ أكتب وصفًا كاملًا للحالة بقَدْر ما أستطيع، وأُدوِّن فيه كل الأعراض، ثم أقرؤه على والدي بصوتٍ عالٍ، فيقترح هو المزيد من الفحوصات وينصحني بالأدوية التي يجب أن أُقدِّمها لهم، والتي كنتُ أعِدُّها بنفسي. في إحدى الفترات، كنتُ أُعالج ما يزيد على اثنَي عشر مريضًا وشعرت بحماسٍ شديد لهذا العمل. إنَّ أبي، الذي كان أكثر العارفين بالطباع والشخصيات، قد قال إنني سأصير طبيبًا ناجحًا؛ أي سيكون لي من المرضى الكثيرون. لقد كان يرى أنَّ العنصر الأساسي في النجاح هو اكتساب ثقة الناس؛ أمَّا ما قد رآه فيَّ وأقنعه بأنه ستكون لديَّ تلك الملكة على اكتساب الثقة، فهذا ما لا أعرفه. كنتُ قد حَضرتُ أيضًا عمليتَين جراحيتَين في قاعة العمليات في المستشفى بإدنبرة، غير أنهما كانتا فظيعتَين جدًّا، وإحداهما كانت تُجرى لطفل، وقد اندفعتُ خارجًا قبل أن ينتهوا منهما. ولم يحدث قط أن حضرتُ أيَّ عمليةٍ جراحية بعد ذلك، وما كان لأيِّ دافع أن يُقنعني بالقيام بذلك؛ فقد كان ذلك قبل اختراع مخدر الكلوروفورم الرائع بالعديد من السنوات. ولم تبرح هاتان الحالتان خيالي لسنواتٍ طِوال.

مكث أخي عامًا واحدًا فقط في الجامعة؛ لذا ففي العام الثاني، كنت أتمتع بالحرية في التصرُّف كما يحلو لي، وقد كان ذلك لصالحي إذ أتاح لي الفرصة في التعرُّف على العديد من الشباب المُولَعين بالعلوم الطبيعية. وقد كان من بين هؤلاء، إينزوورث، الذي نشر بعد ذلك سردًا لرحلاته إلى آشور؛ لقد كان عالم جيولوجيا من أعضاء جمعية فيرنر للتاريخ الطبيعي، وكان لديه بعض المعرفة بالعديد من الموضوعات. وكان منهم أيضًا الدكتور كولدستريم، الذي كان يُمثِّل نوعًا مختلفًا للغاية من الشباب؛ فقد كان أنيقًا وتقليديًّا ومتديِّنًا للغاية وعطوفًا جدًّا، وقد نشر بعد ذلك بعض المقالات الجيدة عن علم الحيوان. وأمَّا ثالث هؤلاء الشباب فهو هاردي، الذي أعتقد أنه كان سيُصبح عالِمَ نباتاتٍ رائعًا، لكنه مات مُبكِّرًا في الهند. وآخرهم هو الدكتور جرانت، الذي كان يكبرني بعدة أعوام، لكنني لا أتذكَّر كيف تعرفتُ عليه. لقد نشر بعض المقالات الممتازة عن علم الحيوان، لكنه بعد أن عاد إلى لندن وأصبح أستاذًا في كلية لندن الجامعية، لم يقُم بأيِّ إسهامات علمية، وهو الأمر الذي لم أتمكن من فهمه قَط. لقد كنتُ أعرفه جيِّدًا؛ فقد كان جادًّا وتقليديًّا، غير أنه كان يفيض بالحماس من تحت هذا القناع الخارجي؛ ففي إحدى المرات بينما كنا نسير معًا، انفعل من فرط إعجابه بلامارك وآرائه عن التطور. أمَّا أنا، فقد كنتُ أستمع إليه في اندهاش وصمت، محاولًا قَدْر الإمكان أن أُكوِّن رأيي بحيادية ودون أيِّ تأثيرٍ منه على عقلي. كنت قد قرأت فيما سبق كتاب «زونوميا أو قوانين الحياة العضوية» الذي كتبه جدي، والذي يحتوي على آراءٍ مشابهة، غير أنها لم تترك أيَّ تأثيرٍ على عقلي. ومع ذلك، فمن المحتمل أن تكون معرفتي بمثل هذه الآراء التي كانت تحظى بالقبول والثناء، في سنٍّ مبكرة نسبيًّا، قد مهد الأمر لقولي بها بعد ذلك في صورةٍ مختلفة، في كتابي «أصل الأنواع». في ذلك الوقت، كنت أُكنُّ إعجابًا كبيرًا لكتاب «زونوميا»، لكنني بعد أن قرأتُه مرةً ثانية بعد ذلك بفترةٍ زمنية تتراوح بين عشرة أعوام وخمسة عشر عامًا، وجدتُ أنه قد خذلني للغاية؛ إذ كان يحتوي على الكثير من الافتراضات مقابل نسبةٍ صغيرة للغاية من الحقائق.

كان الدكتور جرانت والدكتور كولدستريم يهتمان اهتمامًا كبيرًا بعلم الحيوانات البحرية، وكثيرًا ما كنتُ أُرافِق الأول لجمع الحيوانات من برَك المَد والجَزر، والتي كنتُ أقوم بتشريحها قَدْر ما أستطيع. كما أنني قد صادقتُ بعض الصيادين في نيوهافين، وكنتُ أُرافق بعضهم أحيانًا في صيدهم للمحار؛ ومِن ثَمَّ أحصل على الكثير من العينات. لكن نظرًا لأنني لم أمارس التشريح بصورةٍ منتظمة، ولضعف المِجهر الذي كنتُ أمتلكه، فلم تكن تلك المحاولات بالمثمرة في أغلب الأحوال. ومع ذلك، توصلتُ إلى اكتشافٍ مثير صغير، وقرأت ورقةً بحثية قصيرة عن الموضوع أمام جمعية بليني للتاريخ الطبيعي، وذلك في بداية عام ١٨٢٦. وقد كان هذا الاكتشاف يتمثل في أنَّ ما يُسمَّى ببيوض الطحلبيات من نوع فلاسترا Flustra تمتلك القدرة على التحرُّك على نحوٍ مستقل باستخدام أهداب، وهي في واقع الأمر يرقات. وفي ورقةٍ بحثية أخرى قصيرة، أثبتت أنَّ الأجسام الكروية الصغيرة التي كان يُعتقد أنها من نوع فيوكاس لورياس Fucus Loreus وهي ما تزال في مرحلةٍ صغيرة، هي في الواقع أكياس البيض للنوع الشبيه بالدود بونتوبديلا موريكاتا Pontobdella muricata.

كانت جمعية بليني للتاريخ الطبيعي تحظى بتشجيع البروفيسور جيمسون، وأعتقد أنه هو مؤسسها أيضًا، وكانت تتألف من بعض الطلاب، وقد كانوا يلتقون في إحدى غرف الجامعة الموجودة تحت الأرض ليقرءوا أوراقهم البحثية عن العلوم الطبيعية ويتناقشون فيها. ولقد اعتدتُ على حضور هذه الاجتماعات بانتظام، وقد كانت تترك لديَّ تأثيرًا جيِّدًا؛ إذ كانت تزيد من حماسي، كما أنني كوَّنتُ من خلالها علاقاتٍ جديدة ممن تتوافق اهتماماتي مع اهتماماتهم. وفي إحدى الأمسيات، نهض شابٌّ مسكين وبعد أن ظل يتلعثم ويُتأتئ لفترةٍ طويلة من الوقت وقد احمرَّت وجنتاه من الخجل، تمكَّن أخيرًا من أن يتفوَّه ببطء بالكلمات التالية: «سيدي الرئيس، لقد نسيتُ ما كنت سأقوله.» بدا الشاب المسكين مضطربًا للغاية، وقد تملَّكت الدهشة من جميع الأعضاء، فلم يستطع أحدٌ منهم أن يُفكِّر في كلمة يقولها ليُوارِي ما كان به من اضطراب. لم تكن تلك الأوراق التي كنا نقرؤها في تلك الجمعية الصغيرة مطبوعة؛ لذا فإنني لم أحظَ برؤية ورقتي مطبوعة، لكنني أعتقد أنَّ الدكتور جرانت قد لاحظ اكتشافي الصغير وكتب عنه في مقاله الممتاز عن الفلاسترا.

لقد كنتُ عضوًا كذلك في الجمعية الطبية الملكية وكنت أحضُر اجتماعاتها بانتظام، غير أنه لمَّا كانت الموضوعات التي تُعنى بها طبية فحسب، فلم أمنحها الكثير من الاهتمام. وكثيرًا ما كانت الموضوعات التي يتحدثون عنها على درجة كبيرة من السوء، غير أنه كان بها أيضًا بعض المتحدثين الجيدين، وكان من أفضلهم من أصبح حاليًّا السير جيه كاي-شاتلوورث. كان الدكتور جرانت يصحبني بين الحين والآخر إلى اجتماعاتِ جمعية فيرنر للتاريخ الطبيعي؛ حيث تُقرأ أوراقٌ بحثية عديدة عن التاريخ الطبيعي وتَجري مناقشتها، ثم تُنشر بعد ذلك في المجلة التي تنشر محاضر هذه الاجتماعات. وقد سمعتُ فيها أودوبون وهو يلقي بعض الأحاديث الشائقة عن عاداتِ طيور أمريكا الشمالية، وهو يهزأ بعض الشيء بووترتون دون وجه حق. وأذكر أيضًا بهذه المناسبة أنَّ أحد الزنوج كان يعيش في إدنبرة وقد سافر مع ووترتون وكان يكسب عيشه بتحنيط الطيور، وقد كان بارعًا في ذلك، وكان يعطيني دروسًا مقابل أجر أدفعه له، وقد اعتدت على الجلوس معه؛ إذ كان رجلًا لطيفًا وذكيًّا للغاية.

وقد اصطَحَبني السيد ليونارد هورنر أيضًا ذات مرة إلى أحد اجتماعات الجمعية الملكية بإدنبرة، وهناك رأيت السير والتر سكوت في كرسي الرئيس، وقد اعتذر للحضور في الاجتماع إذ إنه لم يكن يشعر بأنَّ المنصب مناسبٌ له. كنت أنظر إليه وإلى المشهد كله بإعجاب وتبجيل، وأعتقد أنَّه بسبب هذه الزيارة في غضون شبابي، وكذلك بسبب حضوري اجتماعات الجمعية الطبية الملكية، شعرت بالتكريم حين انتُخبت قبل بضع سنوات عضوًا شرفيًّا في كلتا الجمعيتَين، أكثر مما شعَرتُ بالتكريم في أي موقفٍ مشابه. ولئن كان أحدهم قد أخبرني في ذلك الوقت بأنني سوف أحظى بمثل هذا الشرف، لقلتُ بأنَّ ذلك مما يثير السخرية وهو أمرٌ غيرُ محتمل على الإطلاق، كما لو أنَّ أحدهم قد أخبرني بأنني سأُنتخب ملكًا لإنجلترا.

وفي عامي الثاني في إدنبرة، حضرتُ محاضرات الدكتور … في الجيولوجيا وعلم الحيوان، غير أنها كانت مملةً للغاية، وقد كان أثَرُها الوحيد عليَّ هو أنني قد عزمتُ على ألا أقرأ ما حييتُ كتابًا واحدًا عن الجيولوجيا وكذلك ألا أدرس بأيِّ نحوٍ هذا العلم. وبالرغم من ذلك، فأنا متيقن من أنني كنتُ مستعدًّا لدراسة الموضوع من ناحيةٍ فلسفية؛ إذ كان السيد العجوز كوتون من شروبشاير، الذي كانت لديه معرفة كبيرة بالصخور، قد أراني قبل ذلك بسنتَين أو ثلاثٍ في مدينة شروزبيري أحد الجلاميد الصخرية الكبيرة المنجرفة بفعل الأنهار الجليدية، الذي كان يُدعى باسم «حَجر الجَرس»، وقد أخبرني بأنه لا تُوجد صخرةٌ أخرى من هذا النوع في مكانٍ أقرب من كمبرلاند أو اسكتلندا، وقد راح يؤكد لي مليًّا أنَّ العالم سينتهي قبل أن يتمكن أيُّ إنسانٍ من أن يفسِّر السبب في وجود هذا الجلمود في المكان الذي يقبع فيه الآن. وقد ترك ذلك انطباعًا عميقًا لديَّ، ورحتُ أتأمل وأتفكر في هذه الصخرة الرائعة؛ لذا فقد شعرتُ بسرورٍ بالغ حين قرأت لأولِ مرةٍ عن دور الكتل الجليدية في نقل الجلاميد الصخرية؛ إذ كنت فخورًا بالتقدُّم الحادث في علم الجيولوجيا. ومن الأمور العجيبة كذلك أنني، رغم كوني ما زلتُ في السادسة والسبعين، فقد سمعتُ البروفيسور وهو يلقي محاضرةً ميدانية عند جروف سولزبيري كريجز، وكان يتحدث عن جيبٍ نافذ به حواف لوزانية، وقد تصلَّبتِ الطبقات على جانبَيه، وانتشَرت الصخور البركانية في كلِّ مكانٍ من حوله، وقال إنه صدع قد امتلأ بالرواسب من الأعلى، وقد أضاف مُتهكِّمًا أنَّ هناك بعض الرجال يرون أنه قد حُقن من الأسفل بموادَّ منصهرة. وحين أتذكر هذه المحاضرة، فإنني لا أتعجب من قراري بعدم دراسة الجيولوجيا.

ومن حضوري لمحاضرات … تعرَّفتُ إلى المسئول عن المتحف، السيد ماكجليفراي، والذي قد نشَر فيما بعدُ كتابًا كبيرًا وممتازًا عن طيور اسكتلندا. وكنت أتحدث معه أحاديثَ شائقة للغاية عن التاريخ الطبيعي، وقد كان لطيفًا معي للغاية، وأعطاني بعض الأصداف النادرة؛ إذ إنني كنتُ في ذلك الوقت أجمع الرخويات البحرية، لكنني لم أُكنَّ لذلك حماسًا كبيرًا.

أمَّا عن عطلاتي الصيفية في هاتَين السنتَين، فقد كانت مخصصةً بأكملها للاستمتاع والترفيه، لكنني دائمًا ما كنتُ أقرأ فيها بعض الكتب باهتمامٍ كبير. وفي صيف عام ١٨٢٦، ذهبتُ في جولة سير طويلة مع اثنَين من الأصدقاء، وقد حملنا حقائبنا على ظهورنا عبر أرجاء شمال ويلز. كنا نسير ثلاثين ميلًا في معظم الأيام، بما في ذلك يوم صعودنا جبل سنودن. وذهبتُ أيضًا مع أختي في جولة بالخيول في شمال ويلز، ومعنا خادمٌ يحمل ثيابنا في حقائب على سرج حصانه. أمَّا عطلات الخريف، فقد كانت مُخصصةً للصيد، لاسيما في ضيعة السيد أوين في وودهاوس وضيعة عمي جوز [جوزيا ويدجوود، ابن مؤسس مصنع إتروريا ووركس] في مير. وقد كان حماسي للصيد عظيمًا، حتى إنني كنت أضع حذائي المخصص للصيد مفتوحًا بجوار سريري حين كنتُ أذهب للنوم كي لا أُضيع نصفَ دقيقةٍ في ارتدائه صباحًا. وفي إحدى المرات، وصلتُ إلى بقعةٍ بعيدة من ضيعة مير، وكان ذلك في العشرين من أغسطس لصيد الطيهوج الأسود، وقبل أن أُدرك أنني قد ابتعدت، ظللتُ أتحرك ببطء وصعوبة في النباتات الخضراء الكثيفة والصنوبر الاسكتلندي مع القائم على منطقة الصيد على مدى اليوم.

لقد كنتُ أحتفظ بسجلٍّ دقيق أدون فيه جميع الطيور التي صدتها على مدى الموسم. وفي أحد الأيام، بينما كنت أصطاد في وودهاوس مع الابن الأكبر العقيد أوين، وابن عمه الرائد هيل، الذي أصبح فيما بعد لورد بيريك، واللذَين كنتُ أكنُّ لهما حبًّا جمًّا، اعتقدتُ أنهما يستغلانني مع الأسف؛ فكلما أطلقتُ النار وظننت بأنني قتلتُ طائرًا، تظاهر أحدهما بأنه يُعيد حشو بندقيته، وصاح: «يجب عليك ألا تعُد هذا الطائر؛ إذ إنني أطلقتُ النار عليه في الوقت نفسه.» وإذ أدرك القائم على منطقة الصيد المزحة، فإنه كان يجاريهما. وبعد بضع ساعات، أخبراني بالمزحة، لكنها لم تكن مزحة بالنسبة لي على الإطلاق؛ إذ إنني كنتُ قد أصبتُ عددًا كبيرًا من الطيور، لكنني لم أعرف عددها على وجه التحديد، ولم أستطع إضافتها إلى قائمتي، وهو ما اعتدتُ فعله من خلال عمل عقدة في قطعة من الخيط أربطها بعُروة أحد أزرار ملابسي. وهذا ما اكتشفه صديقاي الخبيثان.

كم كنت أستمتع بالصيد، لكنني أعتقد أنني كنت أخجل من هذا الحماس، ولم أكن واعيًا بذلك تمامًا؛ لأنني طالما حاولتُ أن أُقنع نفسي بأنَّ الصيد تمرينٌ فكري؛ إذ يتطلب الكثير من المهارة لتحديد المكان الذي تجد فيه الكثير من الحيوانات والطيور التي يمكن اصطيادها، وكذلك للاستخدام الجيد للكلاب في الصيد.

ومن الزيارات الخريفية التي لا يمكنني نسيانها، زيارتي إلى مير عام ١٨٢٧؛ إذ التقيتُ فيها السير جيه ماكينتوش، وهو أفضل مُتحدِّثٍ قد استمعتُ إليه على الإطلاق. وقد سمعتُ بعد ذلك أنه قال: «إنَّني أجد في هذا الشاب شيئًا مثيرًا للاهتمام.» مما جعلني أشعر بالفخر. ولا بُد أن قد قال ذلك بصفةٍ أساسية، لما قد لمسه مني من اهتمامٍ بجميع ما يقوله؛ إذ إنني لم أكن أفقه شيئًا على الإطلاق فيما كان يتحدث فيه من موضوعات عن التاريخ والسياسة وفلسفة الأخلاق. وأعتقد أنَّه لأمرٌ جيد أن يسمع شابٌّ مثل هذا الثناء من رجلٍ عظيم مثله؛ إذ إنه سيُساعده على أن يظل على المسار الصحيح، بالرغم من أنه من الممكن أو حتى من المؤكد أن يُثير فيه الغرور.

كانت زياراتي إلى مير على مدى هاتَين السنتَين أو الثلاث التالية، ممتعةً للغاية، بغض النظر عن رحلات الصيد الخريفية. لقد كنا نتمتع في الحياة هناك بكامل الحرية؛ فقد كان الريف هناك جميلًا للسير أو الركوب، وفي المساء، كانت تدور بيننا محادثاتٌ ممتعة للغاية، ولم تكن محادثاتٍ شخصية بدرجةٍ كبيرة، وذلك كما هي العادة في تجمُّعات الأُسر الكبيرة، وكذلك كنا نستمتع ببعض الموسيقى. وفي الصيف، اعتادت الأُسرة بكاملها على الجلوس على درجات الرواق المعمد القديم؛ حيث تقع حديقة الزهور من أمامه، ويظهر انعكاس الضفة الخشبية المنحدرة والموجودة في الجهة المقابلة من المنزل، على البُحيرة والتي نجد فيها بين الحين والآخر، سمكةً تطل من الماء أو طائرًا مائيًّا يُجدِّف في مائها. كانت هذه الأُمسيات التي قضيتُها في مير، هي أكثر ما قد ترك في ذهني صورة بهذه الحيوية. كما أنني كنت شديد التعلق بعمي جوز وكنت أُبجِّله للغاية؛ فقد كان قليل الكلام ومتحفِّظًا، وهو ما قد يجعل منه رجلًا مُريعًا إلى حدٍّ ما، غير أنه كان يتحدث معي في بعض الأحيان. لقد كان مثالًا للرجل المستقيم، الذي يمتاز بحسن التقدير. ولا أعتقد أنَّ قوةً على الأرض كانت تجعله يحيد ولو بوصةً واحدة عما كان يعتقد أنه المسار الصحيح. وقد اعتَدتُ على أن أربطه في ذهني بتلك القصيدة الغنائية الشهيرة لهوراس، التي نسيتُها الآن، لكنني أتذكَّر منها بعض الكلمات، مثل: «التهديد الناتج عن غضب طاغية.»

(١) كامبريدج في الفترة من ١٨٢٨ إلى ١٨٣١

بعد أن قضيتُ سنتَين دراسيتَين في إدنبرة، أدرك والدي، أو لعلَّه قد سمع من أختيَّ، أنني لا أرغب في أن أكون طبيبًا؛ لذا فقد اقترح عليَّ أن أُصبح من رجال الدين. لقد كان معارضًا تمامًا لفكرة أن أُصبح رجلًا لاهيًا عاطلًا، وهو ما بدا آنذاك على أنه وجهتي المرجَّحة. طلبتُ منه بعض الوقت لأفكر في الأمر؛ إذ من القدر القليل الذي سمعتُه أو فكرتُ فيه بشأن الموضوع، كنت متردِّدًا بشأن تصريحي بالإيمان بجميع العقائد الثابتة التي تتبناها كنيسة إنجلترا، رغم أنني قد أعجبتني فكرة أن أكون قسًّا بالريف. وبناءً على ذلك، فقد قرأت كتابَ بيرسون عن العقيدة بعناية وحرص، وكذلك بضعة كتبٍ عن الألوهية؛ وإذ لم تُساورني أيُّ شكوكٍ على الإطلاق حينها في الحقيقة المؤكدة والحرفية لكل كلمةٍ من الإنجيل، فسرعان ما أقنعتُ نفسي بأنَّه لا بد أنَّ عقيدتنا مقبولةٌ تمامًا.

وبالنظر إلى شدة ما تعرضتُ له من هجومٍ من جانب المتدينين المتشددين؛ فإنه ليبدو أمرًا مثيرًا للسخرية أنني كنتُ أنتوي ذاتَ يومٍ أن أُصبح من رجال الدين. أنا لم أتخلَّ قط عن نيتي تلك وكذلك لم يتخلَّ أبي عن أمنيته هذه، غير أنهما قد ماتتا على نحوٍ طبيعي حين غادرتُ كامبريدج وانضممتُ إلى رحلة «البيجل» بصفتي مختصًّا في التاريخ الطبيعي. ولئن كان من الممكن أن نثق بعلماء الفراسة، فإنني كنت سأصلُح من أحد الجوانب لأن أكون رجلَ دين؛ فقبل بضع سنوات، أرسل إليَّ أمناء أحد الجمعيات الألمانية المعنية بعلم النفس، خطابًا يحثُّونني فيه على أن أرسل إليهم صورةً فوتوغرافية لي، وبعد ذلك بفترةٍ قصيرة، تلقيتُ منهم خطابًا بمجريات أحد الاجتماعات، وقد بدا منه أن شكل رأسي كان محل نقاشٍ عام، وقد أعلن أحد المُتحدثين أنَّ رأسي به ذلك الانتفاخ الذي يدل على التبجيل، وهو كبير بما يكفي لعشرة من القساوسة.

ونظرًا لاتخاذ القرار بأن أكون من رجال الدين، فقد كان لزامًا عليَّ أن ألتحق بإحدى الجامعات الإنجليزية وأن أنال شهادةً منها، لكن نظرًا لأنني لم أفتح كتابًا كلاسيكيًّا واحدًا منذ أن غادرتُ المدرسة، فقد هالني أنني اكتشفتُ نسياني لكل ما تعلمته، بالرغم من أنَّ ذلك قد يبدو غير معقول، وذلك في السنتَين الفاصلتَين فحسب، حتى إنني لم أعُد أتذكر سوى القليل من الحروف اليونانية؛ ولهذا، فإنني لم أتابع إجراءات الالتحاق بكامبريدج في الوقت المعتاد في أكتوبر، بل درستُ مع مُعلمٍ خاص في شروزبيري وذهبتُ إلى كامبريدج بعد عطلة أعياد الميلاد، في بداية عام ١٨٢٨. وسرعان ما استعدتُ معرفتي الملائمة لمستوى المدرسة وكنتُ أستطيع ترجمة السهل من الكتب اليونانية، مثل ملحمتَي هوميروس والإنجيل باليونانية، بمهارةٍ متوسطة.

وبالنسبة إلى السنوات الثلاث التي قضيتُها في كامبريدج، فقد كان ذلك وقتًا مهدرًا، ولم تكن الدراسة الأكاديمية فيها تختلف شيئًا عن الدراسة في إدنبرة أو المدرسة. اخترتُ دراسة الرياضيات، وذهبتُ حتى في صيف عام ١٨٢٨ مع مُعلمٍ خاص (وهو رجلٌ ممل للغاية) إلى بارماوث، لكنني كنتُ أَتقدَّم فيها ببطءٍ شديد؛ فقد كانت دراستها مُنفرةً بالنسبة لي، وقد كان السبب الأساسي في ذلك هو أنني لم أستطع أن أجد أيَّ معنًى في المراحل الأُولى لدراسة علم الجبر. ولم يكن هذا التعجُّل سوى حماقةٍ مني، وقد أَسِفتُ بعد ذلك أسفًا شديدًا على أنني لم أُواصل الدراسة حتى أتمكن على الأقل من فهم المبادئ الأساسية في الرياضيات بدرجةٍ كافية؛ إذ يبدو أنَّ الرجال الذين تمكنوا من ذلك يتمتعون بحاسةٍ إضافية، غير أنني أعتقد أنني لم أكن لأحرز سوى درجةٍ ضعيفة للغاية فيها. وأمَّا بالنسبة إلى الكلاسيكيات، فلم أفعل شيئًا سوى أنني قد حضرتُ عددًا قليلًا من المحاضرات الإجبارية، وقد كان حضورًا شكليًّا فحسب. وفي عامي الثاني، كان عليَّ أن أُذاكر على مدى شهرٍ أو شهرَين لكي أنجح في الاختبار التمهيدي لنيل درجة الليسانس، وهو ما تمكَّنتُ من فعله بسهولة. ومرةً أخرى في عامي الأخير، رحتُ أدرس ببعض الحماس كي أنال شهادتي النهائية، فراجعتُ الأعمال الكلاسيكية مع القليل من الجبر وحساب إقليدس، وهذا الأخير كنت أستمتع به بدرجةٍ كبيرة، كما كانت هي الحال في المدرسة. ولكي أجتاز اختبار الليسانس، كان عليَّ أيضًا أن أدرس كتابَي «براهين المسيحية» و«الفلسفة الأخلاقية» لبيلي. وقد درستُهما بتدقيق، وأنا مقتنع بأنني كنت سأتمكن من أن أُعيد كتابة الكتاب الأول بأكمله دون خطأٍ واحد، لكنني لم أكن لأتمكن بالطبع من كتابته بتلك اللغة الواضحة التي كتبه بها بيلي. وقد استمتعت بمنطق هذا الكتاب وكذلك بمنطق كتابه «اللاهوت الطبيعي»، قدر ما كنت أستمتع بحساب إقليدس. وقد كانت دراسة هذه الأعمال دراسة متأنية دون محاولة حفظها عن ظهر قلب، هي الجزء الوحيد من الدراسة الأكاديمية الذي كنت أرى آنذاك وما زلت أرى كذلك، أنه الجزء الأقل فائدة في تثقيف عقلي. لم أكن أفكر آنذاك في فرضيات بيلي، وإذ كنتُ أُصدِّقها دون شك، فقد كنتُ مفتونًا بالمسار الجدلي الطويل الذي اتخذه، وكنت مقتنعًا به. ولمَّا أن أجبتُ جيِّدًا عن الأسئلة المتعلقة بكتب بيلي في الاختبار، وكذلك فيما يتعلق بإقليدس، ولم أفشل فشلًا ذريعًا فيما يتعلق بالأعمال الكلاسيكية؛ فقد حَصلتُ على مرتبةٍ جيدة بين الطلاب الذين لم يحصلوا على أعلى الدرجات. ومن الغريب أنني لا أستطيع أن أتذكر ترتيبي بالتحديد، وتتأرجح ذاكرتي بين المرتبة الخامسة والعاشرة والثانية عشرة في القائمة. [لقد ورد اسمه في المرتبة العاشرة بقائمة يناير ١٨٣١.]

كانت المحاضرات العامة عن فروع متعددة من المعارف والعلوم تُلقى في الجامعة، وكان حضورها طوعيًّا إلى حدٍّ ما، لكنني كنتُ قد ضِقتُ ذرعًا بالمحاضرات في إدنبرة حتى إنني لم أحضُر محاضرات سيجويك التي كانت تتميز بالبلاغة والإمتاع، ولربما لو فعلتُ ذلك، لأصبحتُ عالم جيولوجيا في وقتٍ سابق على ما فعلت. وبالرغم من ذلك، فقد كنتُ أحضُر محاضرات هنزلو عن علم النبات، وأحببتها للغاية لوضوحها الشديد وما كان يُحضره هنزلو من رسوماتٍ توضيحية رائعة، لكنني لم أدرس علم النبات. وقد اعتاد هنزلو أن يأخذ طلابه، ومنهم عدد من الأعضاء الأقدم في الجامعة، في رحلاتٍ ميدانية، سيرًا على الأقدام أو في العربات أو في قارب عَبْر النهر، لأماكن بعيدة، ويُلقي محاضراته عن النباتات والحيوانات النادرة التي يُشاهدونها هناك. وقد كانت هذه الرحلات ممتعة.

بالرغم من أن هناك بعض الجوانب الأخرى المضيئة فيما قضيته من وقت في كامبريدج، وذلك كما سنرى الآن، فقد كان وقتًا مهدرًا للأسف، بل أسوأ من ذلك. فنظرًا لحبي الشديد للقنص والصيد، ولركوب الخيل في الريف حين لم يكن ذلك متوفِّرًا، انضممتُ إلى مجموعةٍ رياضية والتي كان من أعضائها بعض الفتيان المتهتكين محدودي التفكير. وقد اعتدنا على أن نلتقي مساءً للعَشاء معًا في معظم الأحيان، وكثيرًا ما كان يحضر هذه الأمسيات بعض من الرجال الأعلى منزلة، وأحيانًا كنا نُفرِط في الشراب وننطلق في غناءٍ مرح ثم نلعب بعض ألعاب الورق بعد ذلك. إنني أُدرك أنه يجدر بي أن أخجل من الأيام والأمسيات التي قضيتُها على هذه الحال، لكني لمَّا كنت أستمتع بصحبة بعض أصدقائي، وقد كنا نقضي وقتًا مبهجًا للغاية، فلا يسعني إلا أن أشعر بالسرور الشديد حين أستعيد ذكرياتي في هذه الأوقات.

ويُسعدني بالرغم من ذلك أن أقول إنني قد حظيتُ بالعديد من الأصدقاء الآخرين الذين اختلفت طباعهم بدرجةٍ كبيرة. فلقد جمعَتني صداقةٌ حميمة بويتلي، [وهو المبجل سي ويتلي، كاهن دُرم الفخري، وأستاذ الفلسفة الطبيعية المساعد السابق في جامعة دُرم] والذي حصَل فيما بعدُ على أعلى الدرجات في الرياضيات في كامبريدج، وقد اعتدنا أن نذهب معًا باستمرار للسير في جولاتٍ طويلة. وقد نقل إليَّ الاهتمام بالصور والصور المنقوشة الجيدة، التي ابتعت بعضًا منها. ولقد كنتُ أزور مُتحف فيتسويليام باستمرار، وأعتقد أنَّ حسي الفني كان جيِّدًا إلى حدٍّ ما؛ فلطالما أعجبتني أفضل الصور، وكنت أناقشها مع المسئول عن المتحف. كما أنني قد قرأتُ كتاب السير جوشوا رينولد باهتمامٍ كبير. وبالرغم من أنَّ هذا الاهتمام لم يكن مغروسًا لديَّ بالفطرة، فإنه قد استمر معي لسنواتٍ عدة، وقد استمتعتُ كثيرًا بالعديد من الصور المعروضة في المتحف الوطني بلندن، حتى إنَّ صورة سباستيان ديل بيمبو كانت تثير فيَّ شعورًا بالجلال والسمو.

وقد انضممتُ أيضًا إلى مجموعةٍ موسيقية، وأعتقد أنَّ ذلك كان من خلال صديقي الودود هربرت، [وهو الراحل جون موريس هربرت، قاضي كارديف ودائرة مونماوث] الذي حصل على درجةٍ عالية في الرياضيات. ومن خلال معرفتي بهؤلاء الرجال واستماعي إليهم وهم يعزفون الموسيقى، نما اهتمامي الكبير بالموسيقى، وغالبًا ما كنت أختار موعد ذهابي للتجوُّل بما يسمح لي بسماع الترانيم في كنيسة كلية كينجز كوليدج. وقد كان ذلك يمنحني سرورًا عظيمًا، حتى إنَّ القشعريرة كانت تنتابني أحيانًا في جسمي. وأنا أثق أنَّ اهتمامي هذا بالموسيقى وحسي الفني الذي تشكَّل فيها، لهو أمرٌ بعيد كل البعد عن التصنُّع أو حتى التقليد؛ فقد اعتدتُ بوجهٍ عام أن أذهب وحدي إلى كينجز كوليدج، وأحيانًا كنت أستعين بالصبيان من جوقة المُنشدِين لكي يُغنُّوا في حجرتي. وبالرغم من ذلك، فأنا لا أمتلك أذنًا موسيقية تستطيع تمييز النشاز في اللحن ولا أن أحافظ على الإيقاع وأشدو بلحن على النحو الصحيح، وإنه لأمرٌ مُلغِز حقًّا أنني كنت أتمكن من الاستمتاع بالموسيقى.

وسرعان ما أدرك أصدقائي الموسيقيون ذلك الأمر، وأخذوا أحيانًا يتندَّرون عليَّ بأن يعقدوا لي اختبارًا يتمثل في حسابِ عدد الأنغام التي يمكنني تمييزها عند عزفها بوتيرةٍ أسرع أو أبطأ. وقد كان لحن «ليحفظ الله الملك» عسيرًا ومحيِّرًا في تمييز أنغامه حين كان يُعزف بمثل هذه الطريقة. وقد كان هناك رجلٌ آخر أيضًا، أذنه ليست موسيقية كأذني، ومن الغريب أنه كان يعزف قليلًا على الناي، غير أنني قد تغلبتُ عليه ذات مرة في واحدٍ من هذه الاختبارات الموسيقية.

غير أنني لم أُمارس في كامبريدج أيًّا من الأنشطة بمثل هذا الحماس وذلك الشعور بالمتعة الذي كنت أُمارس به نشاطَ جمْع الخنافس. وقد كان كل هذا الشغف والحماس، لجمعها فحسب؛ إذ إنني لم أكن أُشرِّحها، ونادرًا ما كنتُ أقارن سماتها الخارجية بأوصافها المنشورة، لكنني كنتُ أُحدِّد أسماءها على أيِّ حال. وسوف أوضح دليلًا على حماسي هذا؛ بينما كنت أنزع لحاء شجرة قديم في أحد الأيام، رأيت خنفستَين نادرتَين، وأمسكتُ كل واحدةٍ منهما في يدٍ، ثم رأيت ثالثةً من نوع مختلف ولم أتحمل أن أُضيِّعها؛ لذا فقد وضعتُ الخنفساء التي كنتُ أحملها في يدي اليمنى بفمي. يا إلهي! لقد أَفرزَت في فمي سائلًا لاذعًا جدًّا، وقد ألهب لساني، فاضطُررت إلى أن أبصق الخنفساء من فمي، فضاعت مني، هي والخنفساء الثالثة.

لقد كنتُ بارعًا للغاية في الجمع وابتكرتُ له طريقتَين؛ فقد كنتُ أستعين بعامل لكي يكشط الطحالب عن الأشجار القديمة في فصل الشتاء، ويضعها في كيس كبير، وكذلك كان يجمع القمامة من قاع القوارب التي كانت تنقل البوص من المستنقعات؛ ومِن ثَمَّ، فقد كنت أحصل على أنواع نادرة للغاية. إنَّ مقدار سروري حين رأيتُ في كتاب «صور للحشرات البريطانية» لستيفنز تلك الكلمات السحرية «التقطها المحترم تشارلز داروين» كان يفوق سرور أيِّ شاعرٍ برؤية أَوَّل قصيدة تُنشر له. لقد تعرفتُ على علم الحشرات من خلال ابن ابن عمة أبي ويليام داروين فوكس، وقد كان رجلًا ماهرًا ولطيفًا، وكان لا يزال آنذاك في كلية كرايست، وقد تَوطَّدت أواصر الصداقة فيما بيننا. وبعد ذلك، أصبَحتُ على قدْرٍ جيد من المعرفة بالأمر، وكنت أذهب لجمع الحشرات مع ألبرت واي من كلية ترينيتي، وهو الذي أصبح فيما بعدُ عالم آثار مشهورًا، وكذلك مع إتش تومسون من الكلية نفسها، والذي أصبح فيما بعدُ رائدًا في مجال الزراعة، ورئيس شركة سكةٍ حديدية كبيرة وكذلك أحد أعضاء البرلمان. وهكذا، يبدو أنَّ الاهتمام بجمع الخنافس يعطي دلالة على النجاح في الحياة مستقبلًا!

إنني أتعجب من ذلك الانطباع الذي لا يُمحى، والذي خلَّفَته في عقلي العديد من الخنافس التي أمسكتُ بها في كامبريدج. يمكنني أن أتذكر بكلِّ دقة، شكل بعض الأعمدة بعينها، وكذلك بعض الأشجار القديمة والضفاف التي وجدتُ عليها بعض الخنافس الجيدة. كانت خنفساء الصليب الأرضية الجميلة كنزًا في تلك الأيام، وقد رأيتُ هنا في داون خُنفساءَ تجري عبر أحد الممرات، لكنني حين التقطتها لاحظتُ على الفور أنها تختلف اختلافًا طفيفًا عن خنفساء الصليب الأرضية، واتضح بعد ذلك أنها الخنفساء الأرضية بي كوادريبيمكتاتوس P. quadripunctatus، وهي صنفٌ مختلف عنها أو نوعٌ شديد الصلة بها، لا يختلف عنها إلا قليلًا في الشكل. لم أَرَ في هذه الأيام الخوالي أيًّا من الخنافس الأرضية ليسينياس Licinus وهي حية، وهي التي لا تُميِّزها العين غير المدربة عن العديد من الخنافس الأرضية السوداء، لكنَّ أبنائي قد وجدوا هنا واحدةً منها، وقد أدركت على الفور أنها جديدة عليَّ، لكنني لم أبصر أي خنفساء بريطانية على مدى العشرين عامًا الماضية.

إنني لم أذكر حتى الآن الحادثة التي أثَّرت في حياتي العملية كلها أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، ألا وهي: صداقتي مع البروفيسور هنزلو؛ فقبل أن ألتحق بكامبريدج، سمعت عنه من أخي باعتباره رجلًا يُلم بجميع فروع العلوم، وبناءً على هذا، فقد كنت مُستعدًّا لتبجيله. لقد كان يستضيف في منزله لقاءً مفتوحًا كل أسبوع في المساء، يحضره جميع الطلبة وبعض أعضاء الجامعة الأكبر سنًّا من المُهتمِّين بالعلوم. وسرعان ما تلقَّيتُ دعوةً للحضور، عبر فوكس، وانتظمتُ في الذهاب إلى هناك. وفي وقتٍ قصير، توطَّدَت علاقتي بهنزلو، وعلى مدى النصف الثاني من وجودي في كامبريدج، كنت أذهب معه في جولاتِ سيرٍ طويلة في معظم الأيام؛ ولهذا، فقد أطلق عليَّ بعض الأساتذة لقب «الرجل الذي يسير مع هنزلو»، وكثيرًا ما كان يدعوني في المساء لتناوُل العَشاء مع أسرته. كان يتمتع بقدْرٍ كبير من المعرفة في علم النبات والحشرات والكيمياء وعلم المعادن والجيولوجيا. وكان يجد متعته الكبرى في استخلاص النتائج من الملاحظات المتواصلة الدقيقة، وكان يتمتع بسَداد الرأي، وكذلك كان تفكيره سليمًا ومتوازنًا بوجهٍ عام، غير أنني لا أعتقد أنَّ أحدًا سيقول إنه كان يمتلك الكثير من النبوغ الأصيل. كان متديِّنًا للغاية وشديد التمسُّك بعقيدته حتى إنه قد أخبرني ذات يوم أنه كان سيشعر بشديد الأسى إن تغيرت كلمةٌ واحدة في القواعد التسع والثلاثين للإيمان وَفقًا لكنيسة إنجلترا. أمَّا صفاته الأخلاقية، فقد كانت جديرةً بالإعجاب من جميع النواحي؛ لم يكن في تكوينه مثقالُ ذرة من كِبر، أو غير ذلك من المشاعر الحقيرة؛ فلم أَرَ أحدًا بهذا القدْر من التواضُع وهو الذي كان لا يفكر في نفسه أو مصلحته إلا قليلًا. كما كان هادئ المزاج والطباع، ويتمتع بكياسة وذوقٍ لا حدود لهما. بالرغم من ذلك، فقد رأيتُ أنه يمكن أن يثور غضبًا من أي تصرُّفٍ سيئ، إلى أقصى درجات السخط والتصرُّف الحازم.

لقد رأيتُ ذات يوم بينما كنتُ أسير معه في شوارع كامبريدج منظرًا مريعًا وكأننا نشاهد حدثًا من الثورة الفرنسية؛ فقد شهدنا اعتقال اثنَين من نبَّاشي القبور، وبينما هما يُؤخذان إلى السجن، حرَّرهما من رجل الشرطة حشدٌ من بعض الرجال الأشداء الذين راحوا يسحبونهما من سيقانهما عبر الطريق المُوحِل والحجري. كان الوحل يُغطِّيهما تمامًا، وقد نزفا من وجهَيْهما، سواء من تلقي الركلات أو من الحجارة. كانا يبدوان كالجثث، لكن الحشد كان كثيفًا للغاية؛ فلم أُبصر هذَين الكائنَين البائسَين سوى للحظاتٍ خاطفة. ولم أَرَ في حياتي غضبًا أشد من ذلك الذي رأيتُه مرتسمًا على وجه هنزلو حين رأينا ذلك المشهد البشِع. لقد حاول أن يخترق الحشد مِرارًا، لكن ذلك كان مُحالًا؛ فاندفع مسرعًا إلى العمدة، وأخبرني بألا أتبعه، وطلب مني أن أذهب لإحضار المزيد من رجال الشرطة. وقد نسيتُ القضية فيما عدا أنَّ الرجلَين قد دخلا السجن دون أن يُقتلا.

لقد كان إحسانُ هنزلو واسعًا ولا حدود له، كما قد أَثبتَت ذلك خطَطه الممتازة لمساعدة الفقراء من سكان أبرشيته، وذلك حين أصبح كاهنًا لأبرشية هيتشام بعد ذلك بسنوات. لا بُد أنَّ لصداقتي مع رجلٍ مثله فائدةً كبيرة للغاية. ولا أستطيع هنا أن أقاوم ذكر هذه الحادثة البسيطة، التي تُبرز تفهُّمه وعطفه؛ فبينما كنتُ أفحص بعض حبوب اللقاح على سطح رطب، لاحظتُ أنَّ الأنابيب بارزة؛ فاندفعتُ ذاهبًا إليه أخبره باكتشافي المدهش. والآن لا يسعني إلا أن أتخيل أنَّ أي عالمِ نباتٍ آخر لم يكن ليفعل أي شيءٍ آخر سوى السخرية مني ومن مجيئي في مثل هذه العجلة لأخبره بذلك، غير أنه اتفق معي في أنها ظاهرةٌ غريبة، وشرح لي معناها، ثم أوضح لي أيضًا أنها ظاهرةٌ معروفة للغاية؛ ومِن ثَمَّ، فلم أكن خجلًا من نفسي على الإطلاق، وإنما كنت مسرورًا لأنني اكتشفتُ هذه الحقيقة بنفسي، غير أنني قد عزمتُ على ألا أُسرع في التصريح باكتشافاتي بعد ذلك.

كان الدكتور هيوويل أحد الرجال الكبار السن المميزين الذين كانوا يأتون لزيارة هنزلو، وفي كثير من الأحيان، كنت أصحبه سيرًا على الأقدام إلى منزله ليلًا. وقد كان يلي السير جيه ماكينتوش في كونه أفضل مَن استمعتُ إليهم يتحدثون في الموضوعات المعقَّدة. وأمَّا ليونارد جينينز [الذي كان سوم جينينز الشهير أحد أبناء عمومة والده] الذي نشر فيما بعدُ بعض المقالات الجيدة في التاريخ الطبيعي؛1 فقد كان أخا زوجة هنزلو وكثيرًا ما كان يمكث معه. لقد زرتُه في بيته الكنسي، الذي يقع على حدود منطقة فينز [سوافهام بولبيك]، وصحبته في العديد من الجولات التي استمتعتُ فيها بالحديث معه عن التاريخ الطبيعي. وتعرفتُ أيضًا على العديد من الرجال الآخرين الذين كانوا أكبر مني سنًّا، ولم يكونوا من المهتمِّين بالعلوم، لكنهم كانوا أصدقاءً لهنزلو. كان أحدهم اسكتلنديًّا، وهو أخو السير ألكسندر رامزي، وكان معلِّمًا في كلية يسوع: لقد كان رجلًا لطيفًا، لكنه لم يعش طويلًا. ومن هؤلاء الرجال أيضًا السيد دوز، الذي أصبح فيما بعدُ رئيس كاتدرائية هيرفيرد، واشتُهر بنجاحه في تعليم الفقراء. وقد اعتاد هذان الرجلان وغيرهما ممن هم في المكانة نفسها أن يذهبوا مع هنزلو في رحلاتٍ بعيدة إلى الريف كان يُسمح لي بالذهاب فيها معهم، وقد كانوا يعاملونني بغاية اللطف.

حين أُعيدُ النظر في الماضي، أستدل منه على أنني كنت أتفوَّق على بقية الشباب في شيءٍ ما، وإلا لما سمح لي أولئك الرجال بالاختلاط بهم، وهم أكبر مني في السن والمكانة الأكاديمية. ولم أكن مدركًا لمثل هذا التفوُّق بالطبع، وأذكر أنَّ صديقي تيرنر، وهو أحد الأصدقاء الذين كنت أُمارس معهم الرياضة، قد رآني منشغلًا بالعمل مع خنافسي؛ فقال بأنني سأصبح عضوًا في الجمعية الملكية ذات يوم، وقد بدت لي تلك الفكرة حينها مستحيلة.

خلال عامي الأخير في كامبريدج، قرأتُ كتاب «سرد شخصي» لصاحبه هومبولت، بعنايةٍ واهتمامٍ شديدَين، وقد أثار فيَّ هذا العمل، وكذلك كتاب السير جيه هيرشيل «مقدمة إلى دراسة الفلسفة الطبيعية»، حماسًا متوقِّدًا لأن أضيف إلى ذلك الصرح العظيم للعلوم الطبيعية، حتى إن كان ما سأُضيفه جزءًا يسيرًا للغاية. لم يؤثِّر فيَّ كتابٌ آخر، ولا حتى عشراتٌ من الكتب، مثلما أثَّر فيَّ هذان الكتابان. لقد نسختُ من كتاب هومبولت فقراتٍ طويلةً عن تينيريف، وقرأتها بصوتٍ عالٍ في إحدى تلك الرحلات السابق ذكرها، على (حسب اعتقادي) هنزلو ورامزي ودوز؛ ذلك أنني كنتُ قد تحدثتُ في مرةٍ سابقة عن عظمةِ جزيرة تينيريف، وقد أعلن بعضهم عن رغبتهم في الذهاب إليها، لكنني أعتقد أنها لم تكن رغبةً صادقة تمامًا. أمَّا أنا، فقد كانت رغبتي صادقة تمامًا، وتحدثتُ مع تاجر في لندن كي أسأله عن السفن، لكنَّ تلك الخطة قد أُلغيت بالطبع، بسبب رحلة «البيجل».

كنتُ أقضي عطلة الصيف في جمع الخنافس وقراءة بعض الكتب والذهاب في جولاتٍ قصيرة. أمَّا في الخريف، فقد كان وقتي كله مخصَّصًا للصيد، لا سيما في وودهاوس ومير، وأحيانًا مع إيتون الصغير في إيتون. وبصفةٍ عامة، فإنَّ السنوات الثلاث التي قضيتُها في كامبريدج، كانت هي الأكثر مرحًا في حياتي السعيدة؛ إذ كنتُ آنذاك بصحةٍ ممتازة ومنشرح الصدر في معظم الأوقات.

حيث إنني قد قدمتُ إلى كامبريدج في البداية في أعياد الميلاد؛ فقد كان عليَّ أن أدرس لِفصلَين دراسيَّين بعد النجاح في الاختبار النهائي، في بداية عام ١٨٣١، وقد أقنعني هنزلو آنذاك بأن أبدأ في دراسة الجيولوجيا؛ ولذا حين عُدتُ إلى شروبشاير، رحتُ أفحص القطاعات، وقمتُ بتلوين خريطةٍ خاصة بالأجزاء المحيطة بشروزبيري. وكان البروفيسور سيجويك ينوي زيارة شمال ويلز في بدايةِ أغسطس ليستكمل أبحاثه الجيولوجية الشهيرة على الصخور القديمة، وقد طلب منه هنزلو أن يصحبني معه؛ وبناءً على ذلك، فقد أتى وبات الليلة في منزل أبي.

دخلتُ معه في محادثةٍ قصيرة في ذلك المساء، والتي قد تركت انطباعًا قويًّا في ذهني. كان أحد العمال قد أخبرني أنه بينما كان يفحص حفرةً قديمة من الحصى بالقرب من شروزبيري، قد وجد صَدفةً حلزونية استوائية كبيرة وبالية، كالتي نراها في القِطع التي تُزيِّن مدافئ البيوت الريفية، ولأنه رفض بيع الصدَفة، فقد كنتُ مقتنعًا بأنه وجدها في الحفرة بالفعل. أخبرتُ سيجويك بالواقعة، وفورًا قال (وكان محقًّا بلا شك) إنَّه لا بُد أنَّ أحدًا قد ألقاها في الحفرة، لكنه أضاف بعد ذلك أنها إن كانت جزءًا من الحفرة بالفعل، فسوف تكون كارثةً عظيمة للجيولوجيا؛ إذ إنَّ ذلك سيُطيح بكل ما نعرفه عن الرواسب السطحية في مقاطعاتِ منطقة ميدلاند. والواقع أنَّ هذه الطبقات الأرضية من الحصى تعود إلى العصر الجليدي، وقد وجدتُ فيها بعد ذلك بسنواتٍ بعض الأصداف القطبية المكسورة. لكنني كنتُ في غاية الدهشة حينذاك من أنَّ سيجويك لم يكن مسرورًا بهذا الاكتشاف الرائع لوجودِ صدفةٍ استوائية بالقرب من السطح في وسط إنجلترا. وبالرغم من قراءتي للكثير من الكتب العلمية المتنوعة، فإنَّ تلك الحادثة هي أول ما جعلني أدرك تمامًا أنَّ العلم يقوم على تجميع الحقائق؛ بحيث يمكن استخلاص النتائج والقوانين العامة منها.

وفي الصباح التالي، ذهبنا إلى لانجولين وكوني وبانجور وكابل كيريج. وقد كان لتلك الجولة فائدةٌ كبيرة لي؛ إذ جعلتني أتعرف قليلًا على كيفية فهم الطبيعة الجيولوجية لبلدٍ ما. فكثيرًا ما كان سيجويك يرسلني في اتجاه موازٍ للاتجاه الذي يسلكه، ويطلب مني أن أُحضر معي عيناتٍ من الصخور وأن أُحدِّد ترسُّب الطبقات على الخريطة. وأنا أشك بأنه قد فعل ذلك لأيِّ شيءٍ سوى مصلحتي؛ فما كان لعلمي القليل أن يساعده بأيِّ شيء. وفي هذه الجولة، شهدتُ مثالًا صارخًا على مدى سهولة أن يُغفل المرء ظواهرَ معينة رغم وضوحها الشديد، حتى يلاحظها أحدهم. فقد مكثنا ساعاتٍ عدة في كوم إدوال، نفحص الصخور بعنايةٍ شديدة؛ إذ كان سيجويك مترقبًا لأن يجد بعض الحفريات بها، لكنَّ أحدًا منا لم يلاحظ قط أي أثَرٍ لتلك الظواهر الجليدية الرائعة التي تُحيط بنا؛ فلم نلاحظ الصخور المحزَّزة ولا الجلاميد الجاثمة ولا الركام الجليدي الجانبي والطرفي. لكن كانت تلك الظواهر بارزةً للغاية، لدرجة أنني ذكرتُ في ورقةٍ بحثية قد نُشرت بعد ذلك بسنواتٍ في مجلة «فيلوسوفيكال ماجازين»2 أنَّ منزلًا قد أكلَته النيران لم يكن ليبوح بقصته بوضوحٍ أكبر من هذا الوادي. ولو ظل هذا الوادي ممتلئًا بكتلةٍ جليدية، لكانت هذه الظواهر أقلَّ وضوحًا مما هي عليه الآن.

وفي كابل كيريج، تركتُ سيجويك بمفرده وسِرتُ في اتجاهٍ مستقيم مستعينًا بالبوصلة والخريطة عبر الجبال وصولًا إلى بارماوث، ولم أسلك أيَّ طريقٍ ما لم يكن متوافقًا مع مساري؛ فأتيتُ على بعض الأماكن البرية الغريبة، وقد استمتعتُ كثيرًا بهذه الطريقة في السفر. زرت بارماوث لأرى بعض الأصدقاء من كامبريدج كانوا يقومون بالدراسة هناك، ثم عُدتُ إلى شروزبيري ومير من أجل الصيد؛ ففي هذا الوقت، كنت أحسبني قد جُننت إن تخليتُ عن صيد الحجل في سبيل الجيولوجيا أو غيرها من العلوم.

(٢) رحلة «البيجل» من ٢٧ ديسمبر ١٨٣١ إلى ٢ أكتوبر ١٨٣٦

حين عُدتُ إلى المنزل بعد جولتي الجيولوجية القصيرة في شمال ويلز، وجدتُ خطابًا من هنزلو يخبرني فيه بأنَّ القبطان فيتزروي مستعد لأن يُخصِّص جزءًا من مقصورته لأيِّ شابٍّ يتطوع بالذهاب معه دون أجرٍ باعتباره اختصاصيًّا في التاريخ الطبيعي في رحلة «البيجل». وأعتقد أنني قد أوردتُ في دفتر يومياتي شرحًا لجميع الظروف التي حَدثَت حينذاك؛ لذا لن أذكر هنا سوى أنني تحمَّستُ على الفور لقَبول العرض، غير أنَّ أبي عارض بشدة، لكنه لحسن الحظ قد قال لي: «إذا وجدتَ رجلًا واحدًا حكيمًا ينصحك بالذهاب، فسوف أُعطيك موافقتي.» لذا، فقد كتبتُ خطابًا في ذلك المساء ورفضتُ العرض. وفي الصباح التالي، ذهبتُ إلى مير لكي أستعد لليوم الأول من سبتمبر، وبينما كنتُ أصيد في الخارج، بعث عمي [جوزايا ويدجوود] في طلبي، وعرض عليَّ أن يُقلِّني بالعربة إلى شروزبيري ويتحدَّث مع والدي؛ إذ كان يرى أنه من الحكمة أن أقبل العرض. ولطالما كان أبي يرى أنه من أرجح الرجال عقلًا، ووافق على الفور بمنتهى اللطف. لقد كنتُ مسرفًا بعض الشيء في كامبريدج؛ لذا، فقد قلتُ لوالدي كي أُواسيه: «يجب أن أكون بارعًا جدًّا لأُنفق أكثر من مُخصَّصاتي المالية وأنا على متن «البيجل».» فأجابني بابتسامة: «لكنهم أخبروني بأنك بارع للغاية.»

في اليوم التالي، ذهبتُ إلى كامبريدج لكي أرى هنزلو، ومن هناك، ذهبتُ إلى لندن لكي أرى فيتزروي، وسرعان ما رتبنا الأمر. وحين توطَّدَت علاقتي بفيتزروي فيما بعدُ، سمعتُ أنه كاد يرفضني بسببِ شكلِ أنفي! لقد كان من أشد المُعجَبِين بلافاتار والمُؤيِّدِين له، وكان مقتنعًا بأنه يستطيع أن يحكم على شخصية المرء من خلالِ شكلِ ملامحه، وقد كان يشُك في أنَّ شخصًا بمثل أنفي يمكن أن يكون لدَيه القَدْر الكافي من الطاقة والعزم للقيام بالرحلة، لكنني أعتقد أنه اقتنع بعد ذلك بأن أنفي لم تُعبِّر جيِّدًا عني.

كان فيتزروي يتمتع بشخصيةٍ فريدة تمتاز بالعديد من الصفات النبيلة؛ فقد كان مخلصًا لواجبه، وكريمًا إلى أقصى درجة، وجريئًا، وحاسمًا، وكذلك كان يتمتع بنشاطٍ لا حدود له. وكان صديقًا مخلصًا لجميع مَن هم تحت قيادته؛ فقد كان يخوض كل عسيرٍ لمساعدةِ مَن يستحقون المساعدة. وكان رجلًا وسيمًا شديد الشبه بالنبلاء، ولطيفًا دمث الخلق، وقد كان يشبه في ذلك خاله الشهير اللورد كاسلراي، وذلك كما أخبرني الكاهن في ريو. وعلى أي حال، لا بد أنه قد ورث الكثير من ملامحه من الملك تشارلز الثاني؛ فقد أعطاني الدكتور ووليك مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي كان قد جمعها، وقد أدهشني ما رأيتُه من شَبهٍ شديد بين فيتزروي وبين إحدى الشخصيات فيها، وحين نظرتُ إلى اسمه، وجدت أنه إتش إي سوبيسكي ستيوارت، وهو كونت ألباني وسليل الملك نفسه.

كان فيتزروي يتمتع بمزاجٍ سيئ للغاية. وكانت أسوأ حالاته عادةً في الصباح الباكر، وبعينَيه الحادَّتَين كعينَي العُقاب، كان يمكنه أن يكتشف أي خطأٍ في السفينة؛ فيلوم مَن فعله لومًا قاسيًا. لقد كان لطيفًا للغاية معي، لكنه كان رجلًا يصعُب العيش معه على مستوًى شخصي، وقد كان ذلك حتميًّا إذ كنا نقضي الوقت معًا في مقصورته التي كنا نتشاركها. دبَّت بيننا خلافاتٌ عدة؛ ففي بداية الرحلة في باهيا في البرازيل على سبيل المثال، أيَّد العبودية واستحسنها، بينما كنتُ أبغضها، وأخبرني أنه زار للتوِّ أحد مُلاك العبيد الكبار، وقد نادى هذا الرجل على عددٍ من عبيده وسألهم عما إذا كانوا سعداء أم لا، وما إذا كانوا يريدون الحرية، فأجابوا بأنهم لا يريدونها. وقد سألتُه بعد ذلك، ببعض السخرية ربما، عما إذا كان يعتقد أنَّ إجابة العبيد في حضورِ سيدهم تعني أيَّ شيءٍ على الإطلاق، فاستشاط غضبًا وقال إنني أُشكِّك في كلامه وإننا لا يمكننا العيش معًا بعد الآن. وقد ظننتُ أنني سأُرغَم على مغادرة السفينة، لكن بمجرد أن انتشر الخبر، وهو ما حدث بسرعة؛ إذ طلب القبطان من الملازم الأول أن يذهب لتهدئة غضبه، وذلك من خلال الإساءة إليَّ، شَعرتُ براحةٍ كبيرة؛ إذ تلقَّيتُ دعوة من جميع صغار الضباط بمشاركة غرفتهم. غير أنه بعد ساعاتٍ قليلة، قد أبدى فيتزروي مروءته المعتادة وأرسل إليَّ أحد الضباط باعتذارٍ منه وطَلبِه بأن أستمر في العيش معه.

لقد كان شخصًا من أنبلِ مَن عرفتُهم على الإطلاق، وذلك في العديد من الجوانب.

لقد كانت رحلة «البيجل» هي أهمَّ حدثٍ في حياتي على الإطلاق، وقد حدَّدَت شكلَ مساري المهني بأكمله، لكنها توقَّفَت على أمرٍ صغير للغاية، وهو أنَّ عمي قد عَرض عليَّ أن يقلِّني في عربته لمسافة ثلاثين ميلًا حتى شروزبيري، وهو أمرٌ ما كان ليفعله الكثيرون من الأعمام، وكذلك على أمرٍ تافه للغاية مثل شكل أنفي. لقد كنتُ أشعر دومًا بأنني أَدين لهذه الرحلة أنها وفَّرَت لي الفرصة في أن أحظى بأول تدريبٍ وتثقيفٍ حقيقي لذهني؛ فدفعتني إلى الاهتمام الشديد بالعديد من فروع التاريخ الطبيعي؛ ومِن ثَمَّ، فقد تحسنَت مهاراتي في الملاحظة، بالرغم من أنها كانت جيدةً على الدوام.

لقد كانت دراسة الطبيعة الجيولوجية لجميع الأماكن التي نزورها من أهم الأمور؛ إذ كان الاستدلال المنطقي يؤدِّي في ذلك دورًا كبيرًا؛ فعند فحص منطقةٍ جديدة للمرة الأُولى، فإننا لا نجد شيئًا أدعى للقنوط من فوضى الصخور، غير أنَّ تسجيل ترتيب الطبقات، وطبيعة الصخور، والحفريات في أماكنَ متعددة، مع عملِ بعض الاستنتاجات والتنبُّؤ بما سنجده في أماكنَ أخرى، سرعان ما يجعل معالم المنطقة وخصائصها تتضح شيئًا فشيئًا، ويصبح تركيب المنطقة بأكملها مفهومًا إلى حدٍّ ما. كنتُ قد أحضرتُ معي الجزء الأول من كتاب لايل «مبادئ الجيولوجيا»، وهو الذي درسته بعنايةٍ كبيرة، وقد أفادني فائدةً عظيمة في العديد من النواحي. وكان أَوَّل مكانٍ أفحصه على الإطلاق، وهو سانت جاجو في جزر الرأس الأخضر (كيب دي فيردي)، قد كشف لي بوضوح عن التميُّز الرائع لأسلوبِ لايل في تناوُل علم الجيولوجيا، وذلك مقارنةً بأسلوبِ أيِّ مؤلفٍ آخر كنتُ أصطحب أعماله في ذلك الوقت أو قرأتُ له بعد ذلك.

ومن المهامِّ الأخرى التي كنتُ أقوم بها جمعُ الحيوانات من الفئات جميعها، مع وصفها باختصارٍ وتشريح العديد من البحري منها. غير أنني لم أكن أستطيع الرسم، ولم أمتلك قدْرًا كافيًا من المعرفة بعلم التشريح؛ ومِن ثَمَّ فقد اتضح أنَّ الكثير من الملاحظات التي دوَّنتُها في أثناء الرحلة عديم الفائدة بدرجةٍ كبيرة. وبهذا، فقد أضعتُ الكثير من الوقت، فيما عدا الوقت الذي قضيتُه في اكتساب بعض المعرفة عن القشريات؛ إذ أفادني ذلك في سنواتٍ لاحقة حين أجريتُ أُفرودةً عن هدابيات الأرجل.

كنت أقتطع جزءًا من فترة النهار أكتب فيه يومياتي، وقد كنت أبذل قصارى جهدي كي أصف كل ما رأيته بدقة ووضوح شديد، وقد كان ذلك تدريبًا جيِّدًا. وكذلك كانت مفكرتي في جزء منها بمنزلة خطابات إلى عائلتي، وقد كان بعضها يُرسل إلى إنجلترا متى سنحت الفرصة بذلك.

بالرغم من ذلك، فكل ما ذكرته سابقًا من هذه الدراسات المتنوعة المتخصصة لا يعدل في أهميته عادة المثابرة والانتباه الشديد لأي شيء أكون منخرطًا فيه، والتي اكتسبتها حينذاك. وقد كان لكلِّ ما أفكر فيه أو أقرؤه صلة مباشرة بما أراه أو ما هو متوقع أن أراه، وقد استمرت معي هذه العادة الذهنية على مدى السنوات الخمس التي قضيتها في الرحلة. وأنا متيقن من أنَّ هذا التدريب هو ما مكنني من القيام بأي شيء قد أنجزته في مجال العلوم.

وإذ أعيد النظر في الماضي، أدرك الآن أنَّ حبي للعلوم قد طغى بالتدريج على جميع اهتماماتي الأخرى. فعلى مدى العامَين الأوَّلَين، استمَر معي شغفي القديم بالصيد بالدرجة نفسها تقريبًا، وقد اصطدتُ بنفسي جميع الطيور والحيوانات التي اقتنيتُها في مجموعتي، لكنني قد بدأتُ أتخلى عن بندقيتي شيئًا فشيئًا، ثم أعطيتها لخادمي؛ إذ كان الصيد يتداخل مع عملي، لا سيما مع فهم التركيب الجيولوجي لبلد ما. وقد اكتشفت، وإن كان ذلك بنحو غير واعٍ وغير محسوس، أنَّ المتعة التي أجنيها من الملاحظة والاستدلال هي أكبر كثيرًا من المتعة التي كنت أجنيها من المهارة والرياضة. وأمَّا ما إذا كان ذهني قد أصبح أكثر تطوُّرًا من خلال ما قمت به في الرحلة من أبحاث ومجهودات، فهو أمر مرجح، ويدل على ذلك تعليق أبي، والذي كان أكثر مَن عرفتُهم دقةً في الملاحظة، وكان أيضًا ذا نزعةٍ شكوكية وغير مؤمن على الإطلاق بعلم فراسة الدماغ: إذ فور أن رآني بعد عودتي من الرحلة، استدار إلى أخواتي وقال لهن باندهاش: «عجبًا! لقد تغير شكل رأسه بعض الشيء.»

لنعُد الآن ثانية إلى الرحلة. في الحادي عشر من سبتمبر (عام ١٨٣١)، ذهبت مع فيتزروي في زيارةٍ سريعة إلى سفينة «البيجل» في بليموث، ومن هناك ذهبتُ إلى شروزبيري لكي أُودِّع أبي وأخواتي لأني توقعتُ أني لن أراهم لفترةٍ طويلة. وفي الرابع والعشرين من أكتوبر، أقمتُ في بليموث وظللتُ هناك حتى السابع والعشرين من ديسمبر، وذلك حين غادرت «البيجل» أخيرًا شواطئ إنجلترا لكي تذهب في رحلتها للإبحار حول العالم. كنا قد حاولنا الإبحار مرتَين قبل ذلك، غير أنَّ العواصف العاتية كانت تعيدنا مرةً أخرى. وقد كان هذان الشهران اللذان قضيتهما في بليموث هما الأكثر تعاسة على الإطلاق، بالرغم من أنني كنت أشغل نفسي فيها بشتى الطرق؛ فقد كنتُ مغمومًا لابتعادي عن عائلتي وأصدقائي لفترةٍ طويلة، وقد بدا لي الطقس كئيبًا بدرجةٍ لا يمكن وصفها. وكذلك كنتُ أُعاني من ألمٍ في القلب وعدم انتظام نبضاته، ومثل غيري العديد من الشباب معدومي الخبرة، ولا سيما مع معرفتي السطحية بالطب، فقد كنتُ مقتنعًا بأنني أعاني من مرضٍ في القلب. لم أستشِر أيَّ طبيب؛ إذ إنني كنتُ أتوقع أن أسمع حكمه بأنني غيرُ صالح للذهاب في الرحلة، وكنتُ قد عزمتُ على الذهاب بالرغم من جميع المخاطر.

لا أحتاج هنا إلى سرد أحداث الرحلة — الأماكن التي زرناها وما فعلناه فيها — إذ إنني قد قدَّمتُ وصفًا كافيًا لذلك في يومياتي التي نُشرت. إنَّ عظمة نباتات المناطق الاستوائية ما تزال تتجلى الآن أمام ذهني بحيويةٍ أكثر من أيِّ شيءٍ آخر؛ رغم أنَّ ما أثارته فيَّ الصحاري العظيمة في باتاجونيا والجبال المكسوة بالغابات في أرخبيل تييرا ديل فويجو من إحساس بالجلال قد ترك في ذهني انطباعًا لا يُمحى. وكذلك فإنَّ رؤية همجيٍّ عارٍ في موطنه الأصلي لهو مشهدٌ لا يُنسى. كما كانت العديد من جولاتي في المناطق البرية، التي كنت أقومُ بها على ظهر جوادي أو على متن القواربِ والتي كان بعضها يستمر لأسابيع، مثيرة للغاية، ولم يكن ما كنتُ أجده فيها من المشقَّة وبعض المخاطر سوى عقبةٍ يسيرة في ذلك الوقت، لكنها حتى لم تعُد كذلك فيما بعدُ. وإنني لأنظر إلى بعض إنجازاتي العلمية فيها برضا كبير؛ مثل حل مشكلة الجزر المرجانية، والتوصُّل إلى التركيب الجيولوجي لجزرٍ معينة؛ مثل جزيرة سانت هيلينا. وكذلك لا يمكنني إغفالُ اكتشاف العلاقات المميزة التي تربط بين الحيوانات والنباتات التي تستوطن العديد من الجُزر في أرخبيل جالاباجوس، وعلاقتها جميعًا بسكان أمريكا الجنوبية.

أستطيع القول إنني قد بذلتُ قصارى جهدي في الرحلة وكان ذلك نابعًا من استمتاعي الخالص بالبحث، وكذلك من رغبتي القوية في إضافة القليل من الحقائق إلى هذا القَدْر الضخم من الحقائق المعروفة في مجال العلوم الطبيعية. غير أنني كنتُ أطمح أيضًا إلى أن أحظى بمكانةٍ جيدة بين رجال العلم؛ أمَّا ما إذا كنتُ أكثر طموحًا من معظم زملائي في العمل في الرحلة أم لا، فذلك ما لا أستطيع تكوين رأيٍ بشأنه.

لقد كانت الطبيعة الجيولوجية لسانت جاجو، لافتةً للنظر بنحوٍ كبير بالرغم من بساطتها؛ فقد تدفَّق فيها فيما مضى تيارٌ من الحُمم البركانية على قاع البحر المكوَّن من الأصداف والمرجانيات المسحوقة الحديثة، وهو الذي حوَّلته إلى صخرٍ صُلب أبيض. لقد ارتفعتِ الجزيرة بأكملها إلى الأعلى منذ ذلك الحين، لكنَّ خطَّ الصخر الأبيض قد كشف لي حقيقةً جديدة ومهمة، وهي أنَّه قد حدث بعد ذلك هبوطٌ حول فوهات البراكين، التي كانت نشِطةً منذ ذلك الحين وصبَّت المزيد من الحُمم البركانية. لقد خَطرَ لي في بداية الأمر حينذاك أنني قد أكتُب كتابًا عن الطبيعة الجيولوجية للبلاد المختلفة التي زُرتُها، وقد ملأني ذلك بالحماسة والسرور. لقد كانت تلك ساعةً لا تُنسى، وإنني ما زلت أتذكَّر بوضوح ذلك المنحدر المُنخفِض الذي يتكون من الحُمم البركانية، والذي جلستُ أستريح تحته، بينما تتوهج الشمس بالحرارة، وتنمو بالقرب مني بعض النباتات الصحراوية الغريبة، ومن تحت أقدامي تُوجد المرجانيات الحية في البِرَك التي يصنعها المد والجزر. وفي وقتٍ لاحق في الرحلة، طلب مني فيتزروي أن أقرأ عليه بعضًا من مُذكِّراتي، وقد قال بأنها تستحق النشر؛ وهكذا فقد أصبح لديَّ مشروع كتابٍ آخر!

وقُبيل نهاية الرحلة، تلقيتُ خطابًا من أخواتي، عندما كنت في أسينشان، جاء فيه أنَّ سيجويك قد زار والدي وأخبره بأنني سأَتبوَّأ مكانةً كبيرة بين رجال العلم البارزين. لم أفهم في ذلك الوقت كيف تسنَّى له أن يعرف أي شيءٍ عما كنت أقوم به، لكنني سمعت (بعد ذلك على ما أعتقد) أنَّ هنزلو قد قرأ بعضًا من الخطابات التي أرسلتُها له على الجمعية الفلسفية في كامبريدج،3 وطبعها لتوزيعها على أعضائها. وكذلك فقد لاقت مجموعة الحفريات العظمية التي أَرسلتُها لهنزلو اهتمامًا كبيرًا من علماء الحفريات. وبعد قراءة هذا الخطاب، تسلَّقتُ جبال أسينشان ورحتُ أخطو بخطواتٍ واثقة عليها حتى دوَّت الصخور البركانية تحت مطرقتي الجيولوجية. إنَّ كل ذلك يدُل على مدى طموحي، لكنني أعتقد أنه يمكنني أن أقول بصدق إنه في السنوات اللاحقة، وبالرغم من حرصي الشديد على نَيلِ استحسان رجال مثل لايل وهوكر، وهم الذين كانوا أصدقائي، فإنني لم أَحرص كثيرًا على نيلِ استحسانِ الجمهور. وأنا لا أعني بذلك أنَّ الاستقبال الإيجابي لكتبي، أو تحقيقها لمبيعاتٍ كبيرة، لم يكن يسعدني بدرجةٍ كبيرة، غير أنَّ هذا الشعور بالسعادة، سرعان ما كان يتلاشى، وأنا متأكد أنني لم أَحِد عن مساري مقدار بوصةٍ واحدة لأحظى بالشهرة.

(٣) من عودتي إلى إنجلترا (٢ أكتوبر ١٨٣٦) حتى زواجي (٢٩ يناير ١٨٣٩)

كانت هذه الفترة والتي تمثَّلَت في سنتَين وثلاثة أشهر، هي الفترة الأكثر نشاطًا في حياتي، بالرغم من أنني لم أكن على ما يُرام في بعض الأحيان، وكنتُ شاردًا في أحيانٍ أخرى. وبعد التردُّد لمراتٍ عديدة على شروزبيري ومير وكامبريدج ولندن ذهابًا وإيابًا، استقرَّت إقامتي في كامبريدج [بشارع فيتسويليام] في الثالث عشر من ديسمبر؛ حيث كانت مجموعاتي كلُّها تحت رعاية هنزلو. وقد أقمتُ هناك لمدة ثلاثة شهور، وفحصتُ معادني وصخوري بمساعدة البروفيسور ميلر.

بدأتُ في الإعداد ﻟ «يوميات الرحلات» ولم يكن ذلك عملًا شاقًّا؛ إذ كنتُ قد دونت يومياتي بعناية، وكان جهدي الأساسي منصبًّا على كتابة ملخص بنتائجي العلمية الأكثر أهمية. وبناءً على طلب لايل، أرسلت إلى الجمعية الجيولوجية، تقريرًا قصيرًا بملاحظاتي عن ارتفاع ساحل تشيلي.4

في السابع من مارس عام ١٨٣٧، أقمت في شارع جريت مالبرا في لندن، وظللت هناك قرابة العامَين إلى أن تزوجت. وخلال هذَين العامَين، أنهيتُ يومياتي وقرأتُ العديد من الأوراق البحثية على الجمعية الجيولوجية، وبدأتُ في إعداد مخطوطة كتابي «ملاحظات جيولوجية» ورتبتُ لنشرِ عملي «دراسة حيوانات رحلة «البيجل»». وفي يوليو، فتحت أول دفتر لي للكتابة عن بعض الحقائق المرتبطة بموضوع أصل الأنواع، والذي ما برحتُ أُفكِّر فيه وأعمل عليه دون توقُّف على مدى العشرين عامًا التالية.

وخلال هذين العامَين، اندَمجتُ أيضًا قليلًا في المجتمع، وعمِلتُ كأحد الأمناء الشرفيِّين للجمعية الجيولوجية. كما أنني قد التقيتُ كثيرًا بلايل واقتربتُ منه. وكانت إحدى سماته البارزة هي تشجيعه لأعمال الآخرين، وقد كنتُ مندهشًا وسعيدًا في الوقت نفسه حين أظهر اهتمامه بآرائي عن الشعاب المرجانية، وهي التي شرحتُها له عند عودتي إلى إنجلترا. لقد شجَّعني ذلك كثيرًا، وقد كان لنصائحه ومثاله تأثيرٌ عظيم على شخصي. وفي هذه الأثناء أيضًا، كنتُ ألتقي كثيرًا بروبرت براون؛ فكثيرًا ما كنتُ أزوره وأجلس معه على الإفطار في صباح أيام الأحد، وقد كان حديثه يفيض بكنز من الملاحظات الشائقة والتعليقات الثاقبة، لكنها دائمًا ما كانت ترتبطُ بنقاطٍ محددة، ولم يناقش معي مطلقًا الأسئلة العامة أو الكبيرة فيما يتعلق بالعلوم.

وخلال هذين العامَين، قمتُ بالعديد من الجولات القصيرة للاسترخاء، وقمتُ بجولةٍ أطول إلى الطرق المتوازية في منطقة جلين روي، وهي التي قد نشرتُ سردًا لها في مجلة «فيلوسوفيكال ترانزاكشنز».5 لقد كانت هذه الورقة البحثية فاشلةً للغاية، وإنني لأشعر بالخزي منها؛ فحيث إنني كنتُ منبهرًا بما رأيتُه من ارتفاعِ أرض أمريكا الجنوبية، فقد عزوتُ السبب في هذه الخطوط الساحلية المتوازية إلى فعل البحر، لكنني اضطُرِرتُ إلى التخلي عن هذا الرأي حين طرح أجاسي نظريته عن البحيرة الجليدية. ولأنَّ ذلك كان هو التفسير الوحيد في ظل الحالة المعرفية آنذاك، فقد أيدتُ نظرية فعل البحر، وكان خطئي هذا درسًا جيِّدًا لي بألا أثق في العلم بمبدأ الاستبعاد.

ولأنني لم أستطع العمل بمجال العلم طيلةَ اليوم، فقد قرأتُ خلال هذَين العامَين قدْرًا كبيرًا في مختلف الموضوعات، ومنها بعض الكتب المتعلقة بموضوعاتِ ما بعد الطبيعة، غير أنَّ مثل هذه الدراسات لم تكن تُناسبني. وفي هذه الفترة، كنتُ أستمتع كثيرًا بشعر ووردزوورث وكولريدج، ويمكنني الفخر بأنني قد قرأتُ قصيدة «النزهة» بأكملها مرتَين. وقبل ذلك، كانت قصيدة «الفردوس المفقود» لميلتون هي المفضَّلة عندي، وحتى في جولاتي في أثناء رحلة «البيجل»، حين كان يتوجب عليَّ اختيارُ كتابٍ واحد، فدائمًا ما كنتُ أختار كتابًا لميلتون.

(٤) من زواجي ٢٩ يناير ١٨٣٩ والإقامة في شارع أبر جاور، إلى مغادرة لندن والاستقرار في داون في ١٤ سبتمبر ١٨٤٢

[بعد أن يتحدث عن حياته الزوجية السعيدة وأطفاله، يواصل قائلًا]:

في أثناء فترة إقامتنا في لندن، وهي التي استمرت لثلاثِ سنواتٍ وثمانيةِ أشهر، لم أُنجزِ الكثير في مجال العلوم، بالرغم من أنني كنتُ أعمل فيها جاهدًا قَدْر استطاعتي، وقد عمِلتُ فيها أكثر مما عملتُ في أي فترةٍ مقابلة على مدى حياتي بأَسْرها. وقد كان ذلك بسبب ما يعتريني من توعُّكٍ متكرر، وبسبب مَرَضي الشديد الذي امتد لفترةٍ طويلة. وحين كنتُ أتمكن من القيام بأيِّ شيء، كنتُ أُخصِّص الجزء الأكبر من وقتي لعملي عن «الشعاب المرجانية»، والذي كنتُ قد بدأتُه قبل زواجي، والذي جرى تصحيح بروفة الطباعة الأخيرة منه في السادس من مايو عام ١٨٤٢. لقد استغرق مني هذا الكتاب عشرين شهرًا من العمل الشاق، بالرغم من صِغَر حجمه؛ إذ كان عليَّ قراءة كل ما كُتب عن جزر المحيط الهادئ، وكذلك الرجوع إلى العديد من الخرائط. لقد حظي الكتاب بتقديرٍ كبير من جانب رجال العلم، وأعتقد أنَّ النظرية التي يتضمنها قد أصبحت الآن راسخة.

لم أبدأ أيًّا من أعمالي بمثل هذه الروح الاستدلالية التي بدأتُ بها هذا الكتاب؛ فقد تشكَّلت النظرية بأكملها على الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية، وذلك قبل أن أرى أيَّ شعابٍ مرجانية في الواقع؛ لذا، لم يكن عليَّ سوى أن أَتثبَّت من صحة آرائي وأُعزِّزها من خلال الفحص الدقيق للشعاب المرجانية الحية. بالرغم من ذلك، فيجب أن أُشير إلى أنني قضيتُ هذَين العامَين في دراسةِ تأثيرِ زيادة الارتفاع في الأرض على نحوٍ متقطع، مع عوامل التعرية وترسُّب الرواسب، على سواحل أمريكا الجنوبية. ولا شك في أنَّ هذا قد دفعني إلى التفكير مليًّا في آثار الهبوط، وقد كان من السهل جدًّا أن أستبدل في خيالي بالترسُّب المستمر للرواسب ازدياد نمو المرجانيات. ولكي أتمكَّن من القيام بذلك، كان عليَّ أن أُشكِّل نظريتي عن تكوُّن الحيود المرجانية والجزر المرجانية الحلقية.

وإضافةً إلى عملي على الشعاب المرجانية في أثناء إقامتي في لندن، قرأتُ على الجمعية الجيولوجية بعض الأوراق البحثية عن الجلاميد الصخرية المنجرفة بفعل الأنهار الجليدية في أمريكا الجنوبية،6 والزلازل،7 وكذلك عن دور دود الأرض في تكوين العفن.8 كما أنني قد واصلتُ الإشراف على نشر كتابي «دراسة حيوانات رحلة «البيجل»». ولم أتوقف قط عن جمع الحقائق المتعلقة بأصل الأنواع، وكنت أفعل ذلك أحيانًا حين يُقعِدني المرض عن القيام بأي شيءٍ آخر.
في صيف عام ١٨٤٢، تحسَّنَت صحتي وأصبحتُ أقوى مما كنتُ عليه لبعض الوقت، وذهبتُ إلى شمال ويلز في رحلةٍ قصيرة بمفردي، لملاحظة تأثير الأنهار الجليدية القديمة التي كانت تملأ جميع الوديان الأكبر سابقًا. وقد نشرتُ تقريرًا قصيرًا عما رأيتُه في مجلة «فلوسوفيكال ماجازين».9 وقد أثارت هذه الرحلة اهتمامي بدرجةٍ كبيرة، وقد كانت تلك هي آخر مرة تمكنتُ فيها من تسلُّق الجبال أو السير لمسافاتٍ طويلة، وهما أمران ضروريان للعمل الجيولوجي.

في الجزء الأول من فترة إقامتنا في لندن، كنتُ أمتلك من القوة ما يكفي للاندماج في المجتمع، ورأيتُ عددًا كبيرًا من رجال العلم، وغيرهم من الرجال البارزين بنحوٍ أو بآخر. وسوف أُوضِّح هنا انطباعاتي عن بعضهم، بالرغم من أنني ليس لديَّ الكثير مما يستحق أن يُقال.

التقيتُ بلايل أكثر مما التقيتُ بأيِّ شخصٍ على الإطلاق، قبل زواجي وبعده. وفي رأيي، كان ذهنه يتميز بالوضوح والحيطة وسداد الرأي، مع قدْرٍ كبير من التميز والأصالة. وحين كنتُ أُخبِره بأيٍّ من ملاحظاتي عن الجيولوجيا، لم يكن ليهدأ بالًا حتى يرى المسألة بأكملها، وغالبًا ما كان يُساعدني على رؤيتها بوضوح أكثر من ذي قبل. وكان يُقدِّم جميع اعتراضاته الممكنة على اقتراحي، وحتى بعد أن تنفد كلها، فإنه يظل متشكِّكًا لفترةٍ طويلة. وقد كان من صفاته أيضًا تشجيعه الصادق لأعمال غيره من رجال العلم.

بعد عودتي من رحلة «البيجل»، شرحتُ له آرائي عن الشعاب المرجانية، وهي التي كانت تختلف عن آرائه، وقد أَدهشَني للغاية وشجَّعَني كذلك ما أبداه من اهتمامٍ شديد. لقد كان يجد في العلم متعةً كبيرة، وكان يُكِن اهتمامًا شديدًا تجاه مستقبل البشرية. كان عطوفًا للغاية ومتحرِّرًا تمامًا في معتقداته الدينية، لكنه كان يؤمن بشدة بالله. وكان إنصافه بارزًا للغاية، وقد اتضح ذلك إذ تحوَّل إلى مناصرةِ نظرية الارتقاء، بالرغم من أنه اشتُهر بمعارضة آراء لامارك، لكنَّ ذلك كان بعد تقدُّمه في السن. لقد ذكَّرني بأنَّني قلتُ له قبل سنواتٍ عديدة عندما كنا نُناقش معارضة المدرسة القديمة من علماء الجيولوجيا لآرائه الجديدة: «لكَمْ سيكون جيِّدًا لو أنَّ العلماء يموتون عندما يبلغون الستين؛ إذ إنهم لو عاشوا أكثر من ذلك، لعارضوا بالتأكيد جميع الأفكار الجديدة.» بالرغم من ذلك، فقد تمنى لو أنه يعيش.

إنَّ علم الجيولوجيا يدين إلى لايل بالكثير، أكثر من أيِّ شخصٍ آخر على الإطلاق، في رأيي. وحين كنتُ على وشك البدء في رحلة «البيجل»، نصحني هنزلو الحصيف، الذي كان كغيره من علماء الجيولوجيا في ذلك الوقت يؤمن بتتابُع الكوارث الجيولوجية، بأن أُحضر الجزء الأول من كتاب «مبادئ الجيولوجيا» الذي كان قد نُشر للتو، وأدرُسه، على ألا أقبل بالآراء التي يقول بها على أيِّ حال. لكم اختَلفَ الآن رأي الناس في هذا الكتاب! وإنني أفتخر إذ أتذكر أنَّ أول مكانٍ مارستُ فيه عملي بالجيولوجيا، وهو سانت جاجو الموجود في أرخبيل الرأس الأخضر، قد أقنعني بالتميز الشديد لآراء لايل عما سواها مما قرأتُ أو عرفتُ من غيرِ كُتب لايل.

ويمكننا رؤية ذلك الأثَر القوي الذي خلَّفَته أعمال لايل يتضح جليًّا في تقدُّم العلوم في فرنسا وإنجلترا؛ فمن الممكن أن نعزي السبب في التجاهُل التام الحالي لفرضيات إيلي دو بومون الجامحة، مثل فرضيته عن «فُوَّهات الارتفاع» وكذلك «خطوط الارتفاع» (وقد سمعتُ عن الفرضية الأخيرة من سيجويك وهو يمتدحها للغاية في الجمعية الجيولوجية.) إلى لايل.

كنتُ ألتقي كثيرًا بروبرت براون أو «رائد علم النبات» كما كان يدعوه هومبولت. وقد كنتُ أرى أنَّ أهم ما يُميِّزه في رأيي هو براعة ملاحظاته ودقتها البالغة. لقد كان غزير المعرفة بدرجةٍ استثنائية، لكنَّ أغلب هذه المعرفة قد مات معه بسبب خوفه الشديد من ارتكاب أيِّ خطأٍ على الإطلاق. وقد أَغدَق عليَّ من معرفته دون حساب، غير أنه كان كتومًا أحيانًا بنحوٍ غريب فيما يتعلق ببعض النقاط. كنت قد زرته مرتَين أو ثلاثًا قبل رحلة «البيجل»، وفي إحدى هذه المرات، طلب مني أن أنظُر في مجهرٍ وأصف ما أراه. وقد فعلتُ ذلك، وأعتقد الآن أنَّ ما رأيته كان تيارات البروتوبلازم الرائعة في خليةٍ نباتيةٍ ما. وقد سألتُه بعد ذلك أن يخبرني بماهية ما رأيتُه، لكنه أجابني: «ذلك هو سِرِّي الصغير.»

لقد كان قادرًا على البذل والعطاء إلى أبعدِ حد؛ فحتى حين كان كبيرًا ومعتل الصحة وغيرَ قادرٍ على بذل أيِّ مجهودٍ شاق، كان يوميًّا يزور (كما أخبرني هوكر) خادمًا كبير السن كان يعيش على مسافةٍ منه، (وهو الذي كان يعوله) ويقرأ له بصوتٍ عالٍ. وإنَّ ذلك لكافٍ لأن يغفر له أيَّ كتمٍ للعلم أو غَيرةٍ فيه.

وسوف أذكُر هنا بعض الرجال البارزين الآخرين، الذين كنتُ أراهم في بعض الأحيان، رغم أنني لا أملك الكثير مما يستحق الذكر في هذا الشأن. لقد كنتُ أُبجِّل السير جيه هيرشيل أشد التبجيل، وقد سُررتُ بتناوُل العَشاء معه في منزله الجميل الموجود في رأس الرجاء الصالح، ثم في منزله بلندن بعد ذلك. وقد التقيتُ به أيضًا في بعض المناسبات الأخرى. لم يكن هيرشيل كثير الكلام، لكنَّ كلَّ كلمةٍ كان يقولها تستحق الاستمتاع إليها.

وذات مرة على الإفطار في منزل السير آر موركيسون، التقيتُ بالعالم المرموق هومبولت، الذي شرَّفني بأن عبَّر عن رغبته في لقائي. لقد خاب أملي قليلًا في هذا الرجل العظيم، لكنَّني قد أفرطتُ في توقُّعاتي بشأنه على الأرجح. وأنا لا أتذكَّر شيئًا مُحدَّدًا من لقائنا سوى أنَّه كان مرحًا جدًّا وقد تحدث كثيرًا.

ويُذكِّرني … بِباكِل الذي التقيتُه ذاتَ مرةٍ في منزل هينزلي ويدجوود. لقد سُررتُ كثيرًا لِتعلُّمي منه نظامَه في جمع الحقائق. وقد أخبرني بأنه اشترى جميع الكتب التي قَرأَها وأعدَّ فهرسًا كاملًا بجميع الحقائق الواردة في كلٍّ منها، وهي التي كان يعتقد أنها قد تخدم أغراضه، وأنه يستطيع دائمًا أن يتذكر في أيِّ كتابٍ قد قرأ معلومة بعينها؛ إذ كان يتمتع بذاكرةٍ رائعة. وقد سألتُه كيف كان يستطيع منذ البداية أن يُحدِّد الحقائق التي ستخدم أغراضه، وقد أجابني بأنه لا يعرف، لكنَّ حدْسه كان يقوده؛ ونظرًا لعادته في إعداد الفهارس، فقد كان بإمكانه أن يذكُر عددًا هائلًا من الإحالات في جميع المواضيع، وهو ما يتضح في كتابه «تاريخ الحضارة». وقد وَجدتُ هذا الكتاب شائقًا للغاية وقرأتُه مرتَين، لكنني أشُك أنَّ ما ذكره فيه من تعميماتٍ قد يكون لها أيُّ قيمةٍ على الإطلاق. لقد كان باكل متحدِّثًا رائعًا، وقد كنتُ أستمع إليه دون أن أَتفوَّه بكلمةٍ واحدة، وما كنتُ لأتمكن من ذلك؛ إذ إنه لم يكن يترك ثغرةً واحدة. وحين بَدأَت السيدة فارار بالغناء، اندفعتُ وثبًا وقلتُ له إنَّ عليَّ أن أستمع إليها، وبعد أن ابتعدتُ عنه، التفتَ إلى صديق وقال له (وفقًا لما سمعه أخي): «حسنًا، إنَّ كُتب السيد داروين أفضل كثيرًا من حديثه.»

ومن رجال الأدب العظماء، التقيتُ ذات مرة بسيدني سميث في منزل دين ميلمن. وقد كنتُ أجد في كل كلمة يتحدث بها شيئًا ممتعًا بنحوٍ لا يمكن تفسيره، وربما كان ذلك يعود جزئيًّا لما توقَّعتُه من شعوري بالاستمتاع في الحديث معه. كان يتحدث عن الليدي كورك، وهي التي كانت في هذا الوقت طاعنة في السن. تلك هي السيدة التي قال عنها إنها قد تأثَّرَت للغاية بموعظةٍ كان قد ألقاها عن حب الخير، حتى إنها «اقتَرضَت» جنيهًا من أحد الأصدقاء ووضعتُه في الطبق المُخصَّص للصدقة. وقد قال بعد ذلك: «إنه لأمرٌ شائع الاعتقاد بأنَّ صديقته الغالية العجوز، قد جرى إغفالها.» وقد قال ذلك بما لا يدع مجالًا للشك في أنَّه كان يعني أنَّ الشيطان هو مَن أغفلها. أمَّا الكيفية التي تمكن بها أن يُعبِّر عن ذلك، فهذا ما لا أعرفه.

كنت قد التقيتُ أيضًا بماكولي في منزل اللورد ستانهوب المؤرخ؛ ونظرًا لأنه لم يكن على العَشاء سوى شخصٍ آخر فقط، فقد حظيتُ بفرصةٍ كبيرة في الاستماع إليه وهو يتحدث، وقد كان لطيفًا للغاية. لم يتحدث كثيرًا، وما كان لرجلٍ مثله أن يفعل ذلك بالطبع؛ إذ إنه كان يسمح للآخرين بأن يُديروا دفة الحديث، وهو ما قام به.

لقد قدَّم لي اللورد ستانهوب ذات يوم برهانًا صغيرًا وغريبًا على دقة ذاكرة ماكولي وسَعَتها. لقد اعتاد الكثير من المُؤرخِين أن يلتقوا في منزل اللورد ستانهوب، وبينما كانوا يناقشون الموضوعات المختلفة، كانوا يختلفون أحيانًا مع رأي ماكولي، وغالبًا ما كانوا يعودون إلى كتابٍ ما ليُحددوا أيُّ الطرفينِ كان على صواب. أمَّا مؤخَّرًا، فقد لاحظ ستانهوب أنَّ أحدًا من المؤرخِين لم يكن ليُكلِّف نفسه عناء ذلك الأمر، وأنهم كانوا يوافقون على ما يقول به ماكولي دون أيِّ مراجعة.

وفي مناسبةٍ أخرى في منزل اللورد ستانهوب، التقيتُ بمجموعةٍ أخرى من أصدقائه من المؤرخِين ورجال الأدب، وكان من بينهم موتلي وجروت. وبعد الغداء، سِرتُ مع جروت على مدى ساعةٍ تقريبًا في أرجاءِ حديقة تشيفنينج، وقد وَجدتُ حديثه شائقًا للغاية وسرَّني منه بساطتُه وغيابُ مظاهر الادِّعاء من تصرُّفاته.

وقد كنتُ فيما مضى أتناول العَشاء أحيانًا مع الإيرل الكبير، والد ستانهوب. لقد كان رجلًا غريبًا، لكنَّني قد أحببتُ ذلك القَدْر القليل الذي عرفتُه عنه. لقد كان صريحًا وودودًا ولطيفًا. وكان يتسم بملامحه المميزة البارزة، وبشرته بنية اللون، وحين رأيته، كانت جميع ملابسه بنية اللون. بدا أنه يؤمن بكلِّ ما لا يُصدِّقه الآخرون، وقد قال لي ذات مرة: «لمَ لا تتخلى عن تُرَّهاتِك في الجيولوجيا وعلم الحيوان وتلتفت إلى العلوم الخفية؟» لقد ذُهل ستانهوب، الذي كان يحمل لقب اللورد ماهون في ذلك الوقت، من هذا الكلام الموجَّه إليَّ، أمَّا زوجته الفاتنة، فقد بدا عليها الاستمتاع.

إنَّ آخر مَن سأتحدث عنه هنا هو كارلايل، الذي قد التقيتُ به مراتٍ عديدة في منزل أخي، ومرتَين أو ثلاثًا في منزلي. لقد كان حديثه حيويًّا وشائقًا، تمامًا ككتاباته، لكنه كان يُطيل الحديث أحيانًا في الموضوع نفسه. أَتذكَّر عَشاءً مضحكًا في منزل أخي، وكان من بين القليلين الذين حضروه، بابيدج ولايل، وقد كانا يُحبان الحديث. لكنَّ كارلايل قد أَسكتَ الجميع؛ إذ ظل يُحاضر طَوال فترة العَشاء عن مزايا الصمت. وبعد العَشاء، قدَّم بابيدج بطريقته المتجهِّمة، شُكره إلى كارلايل لمحاضرته الشائقة عن الصمت.

كان كارلايل يسخر من الجميع تقريبًا؛ ففي أحد الأيام في منزلي، قال عن كتاب جروت «تاريخ» إنه «مُستنقَع نتِن الرائحة، ليس به شيءٌ روحاني.» لقد كنتُ أعتقد دومًا، حتى نشر عمله «ذكريات»، أنه يسخر جزئيًّا بدافع الفكاهة، أمَّا الآن، فأنا أشُك في ذلك. لقد كانت هيئتُه تدُل على أنه رجلٌ مكتئب ويكاد يكون قانطًا، لكنه خَيِّر في الوقت نفسه، وقد اشتُهر بضحكته الصافية الصادقة. أعتقد أنَّ إحسانه كان حقيقيًّا، غير أنه كان مشوبًا بقدْر ليس بالقليل من الغَيرة. ولا يمكن لأحدٍ أن ينكر قدرته الاستثنائية في رسمِ صُور للأشياء والناس، وفي رأيي أنَّ ما يرسمه من صورٍ أكثر حيوية ووضوحًا من جميع الصور التي يرسمها ماكولي. أمَّا ما إذا كانت الصور التي يرسمها للرجال حقيقيةً أم لا، فذلك أمرٌ آخر.

لقد كان بارعًا للغاية في إقناع الأشخاص ببعض الحقائق الأخلاقية الجليلة. غير أنَّ آراءه عن العبودية كانت مُنفرة؛ فقد كان يرى الجبروت شيئًا صحيحًا. وأرى أنَّ عقله كان محدودًا للغاية، حتى مع استبعادِ جميعِ فروع العلوم، التي كان يُبغِضها. وإنه لَيُدهشني أنَّ كينجسلي قد قال عنه إنه رجلٌ قادر على المساهمة في تقدُّم العلم. لقد كان يهزأ من القول بأنَّ عالمَ رياضيات؛ مثل هيوويل، يستطيع الحكم على آراء جوته عن الضوء، بينما أُصرُّ أنا على أنه يستطيع. وكان يرى أنه من العبث أن يهتمَّ أحدٌ بما إذا كانت كتلةٌ جليدية قد تحرَّكَت على نحوٍ أسرع أو أبطأ قليلًا من المعتاد، أو ما إذا كانت قد تحرَّكَت على الإطلاق. وأعتقد أنني لم أَرَ شخصًا لا يتناسب عقله مع البحث العلمي بقدْر كارلايل.

في أثناء إقامتي في لندن، كنتُ أُواظب قدْرَ استطاعتي على حضور اجتماعات العديد من الجمعيات العلمية، وعمِلتُ أمينًا للجمعية الجيولوجية. لكنَّ حضور هذه الاجتماعات، إضافةً إلى العيش في مجتمع المدينة، لم يكن مناسبًا لصحتي؛ لذا فقد قرَّرتُ أنا وزوجتي أن ننتقل إلى الإقامة بالريف، وقد فضَّل كلانا الإقامة هناك، ولم نندم قط على هذا القرار.

(٥) الإقامة في داون من ١٤ سبتمبر ١٨٤٢ حتى الوقت الحالي، عام ١٨٧٦

بعد العديد من المحاولات التي ذهبت هباءً للبحث عن منزل في سُري وأماكنَ أخرى، وجدنا هذا المنزل وابتعناه. سرَّني التنوع في أشكال النباتات وهو ما تتميز به المناطق الجيرية، وقد كان ذلك مختلفًا تمامًا عما اعتدتُ عليه في مقاطعات منطقة ميدلاند، كما أنني كنتُ أكثر سرورًا بهدوء المكان وطابعه الريفي. وبالرغم من ذلك، فلم يكن المكان معزولًا، كما وصفه كاتب بإحدى الدوريات الألمانية، وهو الذي قال إنه لا يمكن الوصول إلى بيتي إلا بعد مسافة من ركوب البغال! وقد عاد علينا استقرارانا في هذا المكان بميزةٍ عظيمة لم نكن نتوقعها، وهي أنَّه كان ملائمًا للغاية لكي يتردَّد علينا أطفالنا باستمرار.

قلةٌ هم مَن يمكنهم أن يعيشوا حياةً أكثر انعزالًا من تلك التي عشناها؛ فبخلاف الزيارات القصيرة إلى منازل الأقارب، وزيارة شاطئ البحر أو أيِّ مكانٍ آخر في بعض الأحيان، لم نكن نغادر المنزل. وفي أثناء الجزء الأول من إقامتنا، اندمجنا قليلًا في المجتمع، واستقبلنا في المنزل بعض الأصدقاء، لكنَّ صحتي دائمًا ما كانت تتأثر سلبًا بالإثارة، وهو ما كان يجلب عليَّ نوباتٍ شديدةً من القيء والارتجاف. ولهذا؛ فقد اضطُررت إلى التخلي عن حفلات العَشاء لسنواتٍ عديدة، وقد كان ذلك يمثل حرمانًا لي بعض الشيء؛ إذ كانت هذه الحفلات تُحسِّن دومًا من مزاجي؛ ولهذا السبب نفسه، لم أستطع أن أدعو إلى منزلي سوى عددٍ قليل من معارفي من رجال العلم.

لقد كانت متعتي الأساسية وشاغلي الوحيد على مدى حياتي كلها هو العمل في مجال العلوم، وقد كانت الإثارة التي أشعُر بها من هذا العمل تجعلُني أنسى ما أعانيه من ألمٍ يومي لبعض الوقت، أو تُنسيني إياه تمامًا. وبهذا، لا يتبقى لديَّ ما أُدوِّنه عن الجزء الباقي من حياتي سِوى نشري لأعمالي المتعددة؛ إذ ربما تكون بعض التفاصيل عن كتابتها وخروجها للنور جديرةً بالذكر.

(٥-١) أعمالي العديدة المنشورة

في الجزء الأول من عام ١٨٤٤، نُشرت ملاحظاتي عن الجزر البركانية التي زرتها في رحلة «البيجل». وفي عام ١٨٤٥، بذلتُ قصارى جهدي في تصويب طبعةٍ جديدة من عملي «يوميات الأبحاث»، والذي كان قد نُشر في الأصل عام ١٨٣٩، كجزءٍ من عمل فيتزروي. إنَّ نجاح هذا العمل، وهو كتابي البِكر، دائمًا ما يداعب خُيلائي أكثر من أي كتابٍ آخر لي. وحتى يومنا هذا، فإنه لا يزال يُحقِّق مبيعاتٍ كبيرة في إنجلترا والولايات المتحدة، وقد تُرجم للمرة الثانية إلى الألمانية والفرنسية ولغاتٍ أخرى. وإنَّه لأَمرٌ مدهش أن يستمر كتابٌ للرحلات، لا سيما أنه عن رحلةٍ علمية، في تحقيق هذا النجاح بعد سنواتٍ عديدة من نشره لأول مرة؛ فقد بيعت في إنجلترا عشرة آلاف نسخة من الطبعة الثانية. وفي عام ١٨٤٦، نُشر كتابي «ملاحظات جيولوجية عن أمريكا الجنوبية». وقد دوَّنتُ في مفكرةٍ يومية صغيرة ظللتُ محتفظًا بها أنَّ كتبي الثلاثة عن الجيولوجيا (وفيها «الشعاب المرجانية») قد استغرقَت أربعَ سنواتٍ ونصف السنة من العمل المتواصل؛ «والآن قد مرت عَشرُ سنوات منذ عودتي إلى إنجلترا، فكم عامًا قد أضاعها المرض عليَّ؟» وليس لديَّ ما أقوله عن هذه الكتب الثلاثة سوى أنه قد أدهشني طلبُ طبعاتٍ جديدة منها مؤخَّرًا.10
في أكتوبر من عام ١٨٤٦، بدأتُ عملي عن «هدابيات الأرجل.» وحين زرتُ ساحل تشيلي، وجدتُ نوعًا غريبًا للغاية يحفِر في أصداف حلزونيات أذن البحر التشيلي Concholepas، وقد كان يختلف اختلافًا كبيرًا عن جميعِ ما رأيته من هدابيات الأرجل؛ فاضطُرِرتُ إلى أن أضعه في رتبةٍ فرعية جديدة له وحده. ومؤخَّرًا قد اكتُشف على شواطئ البرتغال جنس حفَّار مشابه. ولكي أتمكن من فهمِ تركيبِ ذلك النوع الجديد الذي اكتشفتُه من هدابيات الأرجل، كان عليَّ أن أفحص العديد من الأنواع المعروفة وأُشرِّحها، حتى انتهى بي الحال تدريجيًّا إلى تناوُل المجموعة كلها. وقد عمِلتُ على هذا الموضوع بنحوٍ منتظم على مدى السنوات الثماني التالية، وفي نهاية المطاف، نَشرتُ مجلدَين سميكَين [نَشرَتهما جمعية راي] يضمان وصفًا لجميع الأنواع الحية المعروفة في هذه الرتبة، وكُتيبَين صغيرَين من قطع الربع عن الأنواع المنقرضة منها. وليس لديَّ شك بأنَّ السير إي بولور ليتن كان يقصدني حين كتب في إحدى رواياته عن بروفيسور يُدعى لونج، كان قد كتب مجلدَين ضخمَين عن أنواع البطلنيوس.

وبالرغم من أنني اشتغلتُ بهذا العمل لمدة ثمانية أعوام، فقد دوَّنتُ في مُفكِّرتي أنَّ المرض قد أضاع عليَّ عامَين منها؛ وبناءً على ذلك، فقد ذهبتُ عام ١٨٤٨ إلى مولفرن لعدة أشهر طلبًا للعلاج المائي، الذي قد نفعني كثيرًا؛ ولهذا فقد كنت قادرًا على استئناف العمل حين عدتُ إلى المنزل. لقد كنت مريضًا للغاية، حتى إنني لم أتمكن من حضور جنازة والدي حين تُوفي في الثالث عشر من نوفمبر عام ١٨٤٨، أو أن أقوم بواجبي كأحد المُنفذِّين لوصيته.

أعتقد أنَّ لعملي على هدابيات الأرجل قيمةً كبيرة؛ فإلى جانب وصف العديد من الأشكال الجديدة والمميزة، أوضحتُ أوجُه التشابه فيما يتعلق بأجزائها المختلفة — وقد اكتشفتُ الجهاز اللاصق بالرغم من أنني ارتكبتُ خطأً كبيرًا بشأن الغُدد اللاصقة — وأخيرًا فقد أثبت أنه يُوجد في أجناسٍ معينة ذكورٌ دقيقةٌ مكملة للخناثى ومتطفلة عليها. وقد ثبتت صحة هذا الاكتشاف الأخير تمامًا في النهاية، بالرغم من أنَّ أحد الكُتاب الألمان قد عزا الأمر بالكامل إلى خيالي الخصب. إنَّ هدابيات الأرجل من المجموعات الشديدة التنوُّع والتي يصعُب تصنيفها، وقد أفادني عملي عليها فائدةً عظيمة حين كان عليَّ أن أناقش في كتابي «أصل الأنواع» مبادئ التصنيف الطبيعي. وبالرغم من ذلك، فأنا لستُ متأكِّدًا مما إذا كان هذا العمل يستحق كل هذا الوقت الكبير الذي استهلكه.

بداية من سبتمبر ١٨٥٤، كرَّست وقتي بأكمله لترتيب تلك الكَومة الهائلة من الملاحظات التي كتبتُها، والملاحظة وإجراء التجارب فيما يتعلق بتحوُّل الأنواع. فلشدَّ ما أذهلَني ما اكتشفتُه في سهول البامبا خلال رحلات «البيجل» من حفريات لحيواناتٍ كبيرة مُغطَّاة بدروع كالتي نراها على حيوانات الأرماديلو المُدرَّعة التي تعيش الآن، وقد أَذهلَتني أيضًا الطريقة التي تتبعها الحيوانات القريبة الصلة من بعضها في الحلول مَحلَّ بعضها بعضًا في التقدُّم نحو جنوب القارة، هذا بالإضافة إلى الطابع الأمريكي الجنوبي الذي تتميز به معظم الكائنات الموجودة في أرخبيل جالاباجوس، ولا سيما ما يُوجد بينها من اختلافٍ طفيف في كل جزيرة من جزر المجموعة، بالرغم من أنه لا يبدو على أيٍّ من هذه الجُزر أنها قديمة للغاية من الناحية الجيولوجية.

لقد كان جليًّا أنَّه لا يمكن تفسيرُ حقائقَ مثل هذه وغيرها الكثير إلا بافتراض أنَّ هذه الأنواع قد عُدِّلت بالتدريج، وقد لازم هذا الموضوع ذهني طوال الوقت. وبالقَدْر نفسه، فقد كان من الجلي أيضًا أنه لا يمكن لنا أن نَعزي تلك الحالات التي لا تُحصى من التكيُّف الرائع للكائنات الحية مع ظروفها الحياتية؛ مثل قدرة نقار الخشب أو ضفدع الشجر على تسلُّق الأشجار أو انتشار البذور من خلال الخطاطيف أو الريش، إلى فعل الظروف المحيطة ولا إلى إرادة هذه الكائنات (لا سيما في حالة النباتات). ولطالما انشغلتُ بالتفكير بشأن أساليبِ تكيُّف الكائنات، ولمَّا لم يكن لهذه الأساليب تفسير بعدُ، فقد بدا لي استخدام الأدلة غير المباشرة في محاولةِ إثبات أنَّ الأنواع قد عُدِّلت تدريجيًّا أمرًا لا طائل منه.

بعد عودتي إلى إنجلترا، بدا لي أنه من خلال اتباعِ مثال لايل في الجيولوجيا، وجمعِ كل الحقائق المتعلقة بأيِّ شكلٍ من الأشكال بتباين النباتات والحيوانات، في ظروف التدجين أو في ظروف البيئة الطبيعية، يمكنني إلقاء بعض الضوء على الموضوع بأكمله. فتحتُ أول دفترٍ لكتابة ملاحظاتي في يوليو من عام ١٨٣٧، وكنت أتبع بدقةٍ مبادئ المنهج العلمي التي وضعها بيكون، وبدون تشكيلِ أيِّ نظرية، رحتُ أجمع الحقائق على نطاقٍ شامل، ولا سيما الحقائق المتعلقة بالتكاثُر في ظروف التدجين، وقد قمتُ بذلك من خلال الاستفسارات المطبوعة وتبادُل الحديث مع البارعين من مُربِّي الحيوانات والطيور والقائمِين على زراعة النباتات، وكذلك من خلال القراءة المُوسَّعة؛ فحين أرى قائمة الكُتب التي قرأتها ولخَّصتُها في جميع المجالات، بما في ذلك سلاسل كاملة من الدوريات والمجلات العلمية، أَندهِش من اجتهادي ومُثابرتي. وسرعان ما أدركتُ أنَّ الانتقاء كان هو العامل الأساسي في نجاح الإنسان في تكوينِ أعراقٍ ناجحة من الحيوانات والنباتات. وبالرغم من ذلك، فقد ظل مدى انطباقِ فكرة الانتقاء على الكائنات الحية التي تعيش في البيئة الطبيعية لغزًا بالنسبة لي لبعض الوقت.

في أكتوبر من عام ١٨٣٨؛ أي بعد خمسة عشر شهرًا من البدء في استقصائي المنهجي، تصادَف أنني كنتُ أقرأ على سبيل الاستمتاع عمل مالثس الشهير عن النمو السكاني، ولأنني كنتُ على استعدادٍ تام لإدراك قيمة الصراع من أجل البقاء على قيد الحياة، وهو الذي شهِدتُه في جميع ملاحظاتي الطويلة والمستمرة لعادات الحيوانات والنباتات، فقد خطر لي على الفور أنه في مثل هذه الظروف، ستبقى التباينات المواتية على الأرجح، وأمَّا التباينات غير المواتية، فسوف تندثر، وسينتج عن ذلك تشكيلُ أنواع جديدة. وبناءً على ذلك، توصَّلتُ أخيرًا إلى نظريةٍ أستخدمها في العمل، لكنني كنتُ حريصًا للغاية على تجنُّب الحكم المسبق، حتى إنني قررت أن أنتظر لبعض الوقت، وألا أبدأ حتى في كتابةِ أيِّ شيء ولو حتى مُسوَّدَة قصيرة عنها. وفي يونيو عام ١٨٤٢، سمحتُ لنفسي لأول مرة بأن أُشبع رغبتي في كتابةِ مُلخصٍ قصيرٍ للغاية لنظريتي؛ فكتبتُ مُلخَّصًا بالقلم الرصاص في خمس وثلاثين صفحة، وقد توسَّع هذا الملخص في صيفِ عام ١٨٤٤، فبلغ ٢٣٠ صفحة، وهي التي نسختها مرةً أخرى بخطٍّ جيد وما زلت أحتفظ بها.

بالرغم من ذلك، فقد أغفلتُ في ذلك الوقت، مشكلةً مهمة للغاية، وإنه ليدهشني كيف أنني قد أغفلتُها وأغفلتُ حلها، إلا أن يكون ذلك من قبيلِ ما يُسمى ببيضة كولومبوس الذي يشير إلى فكرةٍ رائعة أو اكتشاف يبدو بسيطًا أو سهلًا بعد حدوثه. وتتمثل هذه المشكلة في أنَّ الكائنات العضوية المنحدرة من الأصل نفسه غالبًا ما تتشعب صفاتها حين تصبح معدَّلة. ويصبح تشعُّبها الشديد واضحًا من طريقة ترتيب الأنواع جميعها في أجناس ثم الأجناس في فصائل ثم الفصائل في رتب ثم الرتب في رتب فرعية، إلى آخر ذلك، وأن بإمكاني أن أتذكَّر البقعة المحددة التي كنت أَمرُّ بها وأنا في عربتي حين خطر لي الحل فامتلأتُ به سرورًا، وقد كان ذلك بعد أن انتقلتُ إلى داون بفترةٍ طويلة. والحل كما أعتقد، هو أنَّ الذرية المُعدَّلة لجميع الأشكال السائدة والمتزايدة غالبًا ما تتكيف مع أماكنَ عديدة وشديدة التنوُّع في منظومة الطبيعة.

في بداية عام ١٨٥٦، نصحني لايل بأن أكتب آرائي بتفصيلٍ كامل، وقد بدأتُ تنفيذ نصيحته على الفور بنطاقٍ يزيد ثلاثةَ أضعافٍ أو أربعة عن النطاق الذي كنت أتَّبِعه بعد ذلك في كتابةِ عملي «أصل الأنواع»؛ غير أنه لم يكن سوى مُلخَّص للمواد التي جمعتُها، وقد أنجزتُ نصف العمل بهذا المعدَّل. بالرغم من ذلك، فقد أُطيح بخططي؛ ففي صيف عام ١٨٥٨، كان السيد والاس، وهو الذي كان في أرخبيل الملايو حينئذٍ، قد أرسل لي مقالةً بعنوان «عن ميل الضروب إلى الاختلاف كليًّا عن نمطها الأصلي»، وقد كانت هذه المقالة تتضمن نظريتي نفسها. وقد عبَّر لي السيد والاس عن رغبته في أنْ أُرسل المقالة إلى لايل للفحص والتمعُّن، إن استحسنتها.

وَردَت الظروف التي دفعَتني إلى الموافقة على طلب لايل وهوكر بالسماح بنشر مُقتطَفٍ من مخطوطتي، مع خطاب إلى آسا جراي بتاريخ ٥ سبتمبر ١٨٥٧، في الوقت نفسه مع مقال والاس في دورية «جورنال أوف ذا بروسيدينجز أوف ذا لينيان سوسايتي» ١٨٥٨، ص٤٥. في البداية، كنتُ مُعرضًا عن الموافقة؛ إذ إنني حسبت أنَّ السيد والاس سوف يرى قيامي بذلك أمرًا غيرَ مُبرَّر على الإطلاق؛ فلم أكن حينئذ أعرف مدى كرمه ونبل أخلاقه. لم يكن ذلك المقتطف من مخطوطتي ولا خطاب آسا جراي مجهزَين للنشر، وقد كُتبا بطريقة رديئة، أمَّا مقال السيد والاس، فقد كان مكتوبًا بأسلوبٍ فصيح وواضح. وبالرغم من ذلك، فلم يحظَ إنتاجنا المشترك إلا بقدْرٍ قليل من الاهتمام، والإشارة الوحيدة التي أذكر أنها قد نُشرت عن هذا العمل، هي إشارة البروفيسور هوتون من دبلين، وقد كان رأيه فيه أنَّ كل ما هو جديدٌ فيه خاطئ، وكل ما هو صوابٌ فيه قديم. ويُوضِّح ذلك مدى ضرورةِ شرحِ أيِّ آراءٍ جديدة بإسهاب كافٍ كي تُثير انتباه الجمهور.

في سبتمبر من عام ١٨٥٨، تفرَّغتُ بناءً على النصيحة التي شدَّد عليها كلُّ من لايل وهوكر لإعدادِ كتابٍ عن تحوُّل الأنواع، لكنني كثيرًا ما كنتُ أُضطر إلى التوقُّف عن العمل فيه نظرًا لاعتلال صحتي، والزيارات القصيرة التي كنت أقوم بها إلى مصحةِ الدكتور لين الرائعة للعلاج المائي في مور بارك. لقد لخَّصتُ المخطوطة التي كنتُ قد بدأتُ في العمل فيها على نطاقٍ أكبر كثيرًا في عام ١٨٥٦، وأكملتُ الكتاب على هذا النطاق الضيق نفسه. وقد استغرق مني إنجازه ثلاثة عشر شهرًا وعشرة أيام من العمل الشاق، ونُشر بعنوان «أصل الأنواع» في نوفمبر ١٨٥٩. وبالرغم من أنني صحَّحتُ فيه وأضفتُ إليه قدْرًا غير هيِّنٍ في الطبعات التالية، فقد ظل هو الكتاب نفسه بصفةٍ أساسية.

لا شك في أنه العمل الأهمَّ في حياتي، وقد كان ناجحًا للغاية من البداية. لقد بِيعت الطبعة الأُولى الصغيرة منه، التي كانت تتكون من ١٢٥٠ نسخة، في يوم النشر، ونفدَت الطبعة الثانية التي تكونت من ٣٠٠٠ نسخة بعدها بفترةٍ قصيرة. وقد بِيعت في إنجلترا ستة عشر ألف نسخة حتى الآن (١٨٧٦)، وهو عددٌ كبير بالنظر لطبيعة الكتاب الجافَّة. وقد تُرجم إلى جميع اللغات الأوروبية تقريبًا، بما فيها الإسبانية والبوهيمية والبولندية والروسية. ووفقًا للآنسة بيرد، فقد تُرجم أيضًا إلى اليابانية، وهو يُدرس كثيرًا هناك. وقد ظهر عنه مقالٌ بالعبرية أيضًا يقول بأنَّ النظرية قد وَردَت في العهد القديم! ظهر عنه عددٌ كبير من المراجعات، وقد ظلَلتُ لبعض الوقت أجمع كل ما كُتب عنه وعن كتبي المرتبطة به، وقد بلغ عدده ٢٦٥ (مع استثناء المراجعات التي نُشرت في الصحف)، غير أنني توقَّفتُ عن ذلك يئِسًا بعد فترة. وقد ظهر عن الموضوع العديدُ من الكتب والمقالات المنفصلة، وكان يصدُر في ألمانيا فهرسٌ أو قائمة بالكتب التي صَدرَت عن «الداروينية» كلَّ عامٍ أو عامَين.

أعتقد أنَّ جزءًا كبيرًا من نجاحِ كتاب «أصل الأنواع» يرجع إلى أنني قد كتبتُ قبل نشره بفترةٍ طويلة، مُسوَّدتَين مُكثَّفتَين له، وكذلك إلى قيامي في النهاية بتلخيصِ مخطوطةٍ أكبر بكثير، وهي نفسها التي كانت مُلخَّصًا. وبهذه الطريقة، تمكَّنتُ من اختيار الحقائق والاستنتاجات الأكثر وضوحًا. كما أنني ظللتُ أتبع قاعدةً ذهبية على مدى سنواتٍ عديدة؛ فكنتُ كلما مرَّت عليَّ حقيقة أو ملاحظة أو فكرةٌ جديدة تُعارِض نتائجي العامة، أُسجِّلها على الفور دون توانٍ؛ إذ إنني اكتشفتُ بالخبرة أنَّ مثل هذه الحقائق والأفكار تضيع من الذاكرة على الأرجح أكثر من الأفكار والحقائق المتوافقة مع نتائجي. وبفضل هذه العادة، لم يكن هناك سوى عددٍ قليل جدًّا من الاعتراضات على آرائي الذي لم أكن على الأقل على علمٍ به وحاولتُ الإجابة عنه.

ولقد قِيل في بعض الأوقات إن نجاح «أصل الأنواع» يثبت «أنَّ الموضوع كان مطروحًا» أو «أنَّ العقول كانت مُهيَّأةً له»، غير أنني لا أعتقد أنَّ ذلك كان صحيحًا تمامًا؛ إذ إنني كنتُ أستطلع أحيانًا آراء عددٍ ليس بالقليل من علماء التاريخ الطبيعي، ولم يبدُ أنَّ أيًّا منهم كانت لديه أيُّ شكوكٍ بشأن ديمومة الأنواع. وينطبق ذلك أيضًا على لايل وهوكر؛ إذ بالرغم من أنهما كانا يستمعان إليَّ باهتمام، فلم يبدُ أنهما كانا يوافقان على ما أقول. وقد حاولتُ مرةً أو مرتَين أن أشرح لبعض العلماء ما أعنيه بالانتقاء الطبيعي، لكنني فشِلتُ بصورةٍ ملحوظة. أمَّا ما أعتقد أنه صحيح تمامًا، فهو أنَّ عقول علماء التاريخ الطبيعي قد خَزَّنَت عددًا لا حصر له من الحقائق التي خَضعَت للملاحظة المتقنة، وأَصبحَت على استعدادٍ بأن تأخذ أماكنها المناسبة حالما تظهر أيُّ نظريةٍ تستوعب هذه الحقائق وتطرح لها تفسيرًا كافيًا. ومن العناصر الأخرى التي ساهمَت في نجاح الكتاب هو حجمه المتوسط، وأنا أَدينُ بذلك لظهور مقال السيد والاس؛ فلو كنتُ قد نشرتُ الكتاب بالنطاق الذي كنتُ أكتب به في عام ١٨٥٦، لزاد حجم الكتاب أربعة أضعاف أو خمسة، ولمَا صَبَر على قراءته إلا عددٌ قليل.

لقد ربِحتُ الكثير من تأجيلي للنشر، منذ عام ١٨٣٩ تقريبًا حين توصلتُ إلى تصوُّرٍ واضح للنظرية، وحتى عام ١٨٥٩، ولم أخسر شيئًا على الإطلاق؛ إذ إنني لم أهتمَّ كثيرًا بقَدْر ما ينسبه إليَّ الناس من أصالة، سواء أينسبون معظمها إليَّ أم إلى والاس، ولا شك في أنَّ مقاله قد ساعد كثيرًا في التمهيد لاستقبال النظرية. ولقد غفَلتُ عن نقطةٍ واحدة فحسب طالما ندِمتُ عليها، وهي أن أستخدم الفترة الجليدية في تفسيرِ سببِ وجود الأنواع نفسها من النباتات والقليل من الحيوانات على قمم الجبال البعيدة والمناطق القطبية. لقد أعجبني هذا الرأي كثيرًا حتى إنني قد كتبتُ عنه بإسهاب، وأعتقد أنَّ هوكر قد قرأَه قبل أن ينشُر إي فوربس تقريره الشهير11 عن الموضوع بسنوات. وما زلتُ أعتقد أنني كنتُ على صوابٍ في النقاط القليلة التي اختلفنا فيها. وبالطبع فإنني لم أُشِر في أيِّ كتاباتٍ مطبوعة إلى أنني قد توصَّلتُ إلى هذا الرأي منفردًا.

لم أشعر بالرضا والسعادة في أثناء عملي على النقاط المختلفة في كتاب «أصل الأنواع» قدْر ما كنتُ أَشعُر به في أثناء العمل على تفسير السبب في الاختلاف الكبير في العديد من الطوائف بين الجنين والحيوان البالغ، والتشابُه الوثيق بين أَجنَّة الحيوانات التي تنتمي إلى الطائفة نفسها. لا أَتذكَّر أنَّ المراجعات المبكرة لكتابِ «أصل الأنواع» قد تناولَت تلك النقطة، وأتذكَّر أنني قد عبَّرتُ عن دهشتي من هذا الأمر في خطابٍ إلى آسا جراي. وفي السنوات الأخيرة، نسب العديد من النقاد الفضلَ في ذلك إلى فريتز مولَر وهاكِل، اللذَين بلا شكٍّ قد شرحا هذه النقطة على نحوٍ أكثر تفصيلًا، وأكثر صحةً مني في بعض الجوانب. لقد كان لديَّ من المادة العلمية ما يكفي فصلًا بأكمله عن هذا الموضوع، وقد كان عليَّ أن أطيل في المناقشة؛ إذ يبدو أنني قد فشِلتُ في إقناع قُرائي، وأنا أرى أنَّ مَن ينجح في ذلك هو مَن يستحق أن يُنسب إليه كل الفضل.

ويقودني ذلك إلى الإشارة إلى أنَّ النقاد طالما عاملوني بصدق في معظم الأوقات، هذا إن أغفلنا من لا يمتلكون القَدْر الكافي من المعرفة العلمية؛ فهم لا يستحقون الانتباه إليهم على أيِّ حال. وكثيرًا ما تعرَّضَت آرائي للتحريف الشديد والمعارضة المريرة والاستهزاء بها، لكنني أعتقد أنَّ كل ذلك قد حدث بنيةٍ حسنة بصفةٍ عامة. وفي مجمل الأمر، أنا لا أشك في أنَّ أعمالي قد تلقَّت أكثر مما تستحق من الثناء مِرارًا وتَكرارًا. وأنا سعيد لأنني قد تجنَّبتُ الخلافات، وأنا أَدين بالفضل في ذلك إلى لايل الذي نَصحَني بشدة منذ سنواتٍ عديدة، بخصوص أعمالي الجيولوجية، بألا أنخرط في الخلافات؛ إذ إنَّ ذلك نادرًا ما يعود بأي نفع، وهو مضيعةٌ عظيمة للوقت والجهد.

كلما اكتشفتُ أنني قد أخطأتُ أو أنَّ عملي تشوبه بعض العيوب، وكذلك حين كنت أتعرض للنقد الشديد والازدراء، وحتى حين كنتُ أتلقى أكثر مما أستحق من الثناء، حتى إنني كنتُ أرتعب من ذلك، وجدتُ راحةً كبيرة في أن أُردِّد على نفسي مئات المرات أنني «قد بذلت قصارى جهدي وقدمت أفضل ما عندي، وأنه ليس بوسع أيِّ أحدٍ أن يفعل أكثر من ذلك.» وأتذكر أنني رحتُ أفكر بينما كنت في خليج جود ساكسيس في تييرا ديل فويجو (وأعتقد أنني كتبتُ خطابًا إلى أُسرتي يتضمن هذا المعنى.) بأنني لا يمكن أن أُوظِّف حياتي أيَّ توظيفٍ أفضل من المساهمة بالنزر اليسير في الإضافة إلى مجال العلوم الطبيعية. وقد فعلتُ ذلك بأفضل قدراتي، ويمكن للنقاد أن يقولوا ما يشاءون، لكنهم لن يستطيعوا أن يُحطِّموا هذا الاقتناع.

في الشهرَين الأخيرَين من عام ١٨٥٩، انهمكتُ تمامًا في إعداد طبعةٍ ثانية من كتاب «أصل الأنواع»، إضافةً إلى عددٍ هائل من المراسلات. وفي الأول من يناير عام ١٨٦٠، بدأتُ في ترتيب ملاحظاتي للعمل على كتاب «تباين الحيوانات والنباتات تحت تأثير التدجين»، لكنه لم يُنشر حتى بداية عام ١٨٦٨؛ ويعود السبب في التأخير بصورةٍ جزئية إلى ما كان ينتابني من نوباتِ مرضٍ متكررة، تلك التي استمرَّت إحداها سبعة أشهر، وأمَّا السبب الآخر في تأخر النشر، فهو أنَّني كنت أشعر أحيانًا بالرغبة في النشر عن مواضيع أخرى كانت تثير اهتمامي بصورةٍ أكبر في ذلك الوقت.

في الخامس عشر من مايو ١٨٦٢، نُشر كتابي الصغير عن «تلقيح السحلبيات» والذي استغرق مني عشرةَ أشهر؛ كانت معظم الحقائق الخاصة به قد تراكمت ببطءٍ على مدى العديد من السنوات السابقة. وفي صيف عام ١٨٣٩، إضافةً إلى الصيف السابق عليه، على ما أعتقد، دَفعَتني الرغبة إلى دراسة التلقيح المتبادل أو الخلطي للزهور عن طريق الحشرات؛ إذ إنني كنتُ قد توصلتُ إلى نتيجة من تأملاتي في موضوع أصل الأنواع مفادها أنَّ التبادل قد أدَّى دورًا مهمًّا في الإبقاء على أشكالٍ معينة ثابتة كما هي. وقد ظللتُ أبحث في هذا الموضوع على مدى فصول الصيف التالية تقريبًا، وزاد اهتمامي به بدرجةٍ كبيرة منذ أن حصَلتُ في نوفمبر ١٨٤١، عبر نصيحة روبرت براون، على نسخةٍ من الكتاب الرائع «الكشف عن أسرار الطبيعة» لصاحبه سي كيه سبرينجل وقرأته، وقد كان ذلك بناءً على نصيحة روبرت براون. وعلى مدى عدد من السنوات قبل ١٨٦٢، كنت مهتمًّا بالبحث في موضوع تلقيح السحلبيات البريطانية على وجه التحديد، وقد بدا لي أنَّ الخطة الأنسب هي أن أقوم بإعداد بحثٍ مكتمل قدْرَ الإمكان عن هذه المجموعة من النباتات، وذلك بدلًا من استخدام ذلك القَدْر الهائل من المواد عن النباتات الأخرى، والذي كنتُ قد جمعته ببطء قبل ذلك.

وقد ثبت أنَّ قراري هذا كان حكيمًا؛ فمنذ ظهور كتابي، ظهر عددٌ هائل من الأوراق البحثية والأعمال المنفصلة عن تلقيح جميع أنواع الزهور، وقد كانت هذه الأعمال أفضل كثيرًا مما كان من الممكن أن أُقدِّمه في عملي. وها قد عُرفت الآن جدارة سبرينجل المسكين العجوز بعد موته بسنواتٍ عديدة، وذلك بعد فترةٍ طويلة من التجاهُل.

خلال السنة نفسها، نشرتُ في دورية «جورنال أوف ذا لينيان سوسايتي» ورقةٌ بحثية بعنوان «عن شكلي زهرة الربيع، أو الحالة ثنائية الشكل لها»، وكذلك نشرتُ على مدى السنوات الخمس التي تليها، خمس ورقاتٍ بحثية أخرى عن النباتات الثنائية الشكل والنباتات الثلاثية الشكل. وأنا لا أعتقد أنَّ أيَّ شيءٍ قمتُ به على مدى حياتي العلمية بأكملها قد مَنحَني هذا القَدْر الكبير من الرضا الذي منحني إياه التوصُّل إلى تركيب هذه النباتات. كنت قد لاحظتُ في عام ١٨٣٨ أو ١٨٣٩، ثنائيةَ شكلِ زهرة الكتان الأصفر، وقد حسِبتُ في البداية أنها مجرد حالةٍ مختلفة لا معنى لها. لكن عند دراسة الأنواع الشائعة من زهرة الربيع، وجدتُ أنَّ الشكلَين كانا على درجةٍ كبيرة من الشيوع والثبات، بما لا يسمح بالنظر إليهما بهذه الطريقة؛ ولهذا، فقد أصبحتُ مقتنعًا بدرجةٍ كبيرة بأنَّ زهرة الربيع العطري وزهرة الربيع الشائعة في طريقهما إلى أن تصبحا مُنفصلتَي الجنس؛ فقد كانت المِدقَّة القصيرة في الشكل الأول والسَّداة القصيرة في الشكل الآخر، تتجهان إلى الإجهاض، ووَفقًا لهذه الرؤية، تكون النباتات معرَّضةً لمحنة. بالرغم من ذلك، فحالما لُقِّحت الزهور ذات المدقَّات القصيرة بحبوب اللقاح من الزهور ذات الأَسْدية القصيرة، اتضح أنَّ ذلك ينتج عددًا من البذور أكبر مما ينتجه غيرها من الاتحادات المحتملة الأربعة؛ ومِن ثَمَّ، فقد تحطَّمَت نظرية الإجهاض تمامًا. وبعد المزيد من التجارب، اتضَح أنَّ درجة القرابة التي تربط بين الشكلَين، بالرغم من أنهما كانا خُنثويَّين تمامًا، هي درجة القرابة نفسها التي تربط بين أيِّ زوجٍ مُتغايرِ الجنس من الحيوانات المعتادة. ولنا في جنس الخثري Lythrum مثالٌ أكثرُ روعةً لحالة نجد فيها ثلاثةَ أشكالٍ يحمل كلٌّ منها للآخر درجة القرابة نفسها. وقد اكتشفتُ بعد ذلك أنَّ الذرية التي تنتج عن اتحاد اثنَين من النباتات التابعة للأشكال نفسها، تُمثِّل تشابهًا غريبًا وقريبًا مع الهجائن الناتجة عن اتحاد نوعَين متباينَين.

في خريف عام ١٨٦٤، انتهيتُ من ورقةٍ بحثية طويلة عن «النباتات المتسلقة»، وأرسلتُها إلى الجمعية اللينية. وقد استغرقَت مني كتابةُ هذه الورقة أربعة شهور، لكنني كنتُ مريضًا للغاية حين تلقيتُ بروفات الطباعة، فاضُطرِرتُ إلى أن أتركها على حالٍ سيئة، وبما يشوبها من غموض في معظم الأجزاء. لم تَحظَ الورقة بقَدْرٍ كبير من الانتباه، لكنها قد حقَّقَت مبيعاتٍ جيدة بعد تحريرها جيِّدًا ونشرها ككتاب منفصل في عام ١٨٧٥. وقد دفعني إلى الاهتمام بهذا الموضوع ورقةٌ بحثية قصيرة لآسا جراي نُشرت في عام ١٨٥٨ كنت قد قرأتُها. وقد أرسل إليَّ جراي بعض البذور، ومع زراعة النباتات، أصبحتُ منبهرًا وحائرًا للغاية إزاء تلك الحركات الالتفافية للمحالق والسيقان؛ وقد كانت هذه الحركات بسيطة جدًّا في واقع الأمر، رغم أنها تبدو للوهلة الأولى معقدةً للغاية، حتى إنني قد حصلتُ على المزيد من النباتات المُتسلِّقة لكي أدرُس الموضوع بأكمله. وقد ازداد اهتمامي بالموضوع بدرجةٍ كبيرة؛ إذ إنني لم أكتفِ على الإطلاق بالتفسير الذي قدَّمه هنزلو في محاضراته عن النباتات الملتفَّة، والذي يرى أنَّ هذه النباتات تميل تلقائيًّا إلى أن تنمو على نحو لولبي. وقد ثبت أنَّ هذا التفسير خاطئٌ تمامًا؛ إذ إنَّ بعض أساليب التكيف التي نشهدها في النباتات المتسلقة لا تقل جمالًا عن تلك التي تتبناها السحلبيات لضمان حدوث التلقيح المتبادل.

كما ذكرتُ سابقًا، فإنني كنتُ قد بدأت في كتابي «تباين الحيوانات والنباتات تحت تأثير التدجين» في بداية عام ١٨٦٠، لكنه لم يُنشر حتى بداية عام ١٨٦٨. لقد كان كتابًا ضخمًا وقد استغرق مني أربعَ سنوات وشهرَين من العمل الشاق. وقد طرحتُ فيه جميع ملاحظاتي وعددًا كبيرًا من الحقائق التي جمعتها من مصادرَ متعددةٍ عن إنتاجنا عن طريق التدجين. وقد تناولتُ في الجزء الثاني الأسباب والقوانين الخاصة بالتباين والوراثة وغير ذلك، بالقَدْر الذي تسمح به معرفتنا الحالية. وقُربَ نهاية العمل، قدمتُ فرضيتي عن شمولية التكوين، وهي التي أُسيء التعامل معها. إنَّ الفرضية التي لا تَثبُت صحتُها ليست لها قيمةٌ كبيرة، وقد تكون عديمة القيمة تمامًا، لكن إذ جمع شخصٌ بعد ذلك ملاحظاتٍ تؤكد صحة هذه الفرضية، فإنني سأكون بذلك قد قدمتُ خدمةً كبيرة؛ فحينها سنتمكن من الربط بين عددٍ مذهل من الحقائق المنفصلة لِتُصبحَ واضحةً ومفهومة. وفي عام ١٨٧٥، ظهر من هذا الكتاب طبعةٌ ثانية ومُنقَّحة على نحوٍ كبير، وهو ما كلَّفني قدْرًا كبيرًا من العمل الشاق.

في فبراير من عام ١٨٧١، نُشر كتابي «نشأة الإنسان»؛ ففور أن أصبحتُ مقتنعًا في عام ١٨٣٧ أو ١٨٣٨ أنَّ الأنواع الحية يمكن أن تتغير، لم أستطع أن أتجنب الاعتقاد بأنَّ الإنسان كذلك لا بد أنه يخضع إلى هذا القانون. وبناءً على ذلك، بدأتُ في جمع ملاحظات عن الموضوع لإشباع رغبتي في المعرفة فحسب دون أيِّ نيةٍ للنشر، غير أنَّ ذلك لم يستمرَّ لوقتٍ طويل. وبالرغم من أنَّ كتاب «أصل الأنواع» لا يُناقش نشوء أيِّ نوع مُحدَّد من الأنواع الحية، فقد رأيتُ أنه من الأفضل أن أُضيف فيه أنَّه من خلال هذا العمل «سيُلقى الضوء على نشأة الإنسان وتاريخه»، وذلك لئلا يتهمني أيُّ رجلٍ فاضل بإخفاء آرائي. وعلاوةً على ذلك، فإنَّ تناوُل الموضوع دون الإشارة إلى اعتقادي بخصوص نشأة الإنسان، كان سيُصبح أمرًا عقيمًا يضُر بنجاح الكتاب.

لكن حين وجدتُ أنَّ العديد من علماء التاريخ الطبيعي قد تقبَّلوا نظرية تطوُّر الأنواع الحية بنحوٍ كامل، رأيتُ أنه من الأفضل أن أُواصل العمل على الملاحظات التي أمتلكها، وأن أنشر بحثًا خاصًّا عن أصل الإنسان ونشأته. وقد كنتُ سعيدًا للغاية بالقيام بذلك؛ إذ أُتيحت لي الفرصة في مناقشة الانتقاء الجنسي بنحو كامل، وهو موضوعٌ لَطالما كان يثير اهتمامي بدرجةٍ كبيرة. إنَّ هذا الموضوع، وكذلك الخاص بتباين إنتاجنا الداجن، مع الأسباب والقوانين التي تحكُم تباين الأنواع الحية الناتجة في ظروف التدجين، وكذلك الوراثة، والتلقيح المُتبادَل في النباتات، هي الموضوعات الوحيدة التي تمكَّنتُ من الكتابة فيها بنحوٍ كامل لكي أستخدم جميع المواد العلمية التي جمعتُها. لقد استغرق مني كتابُ «نشأة الإنسان» ثلاثة أعوام في كتابته، لكنَّ جزءًا من هذا الوقت قد ضُيِّع عليَّ كالعادة نظرًا لاعتلال صحتي، وكذلك قد أنفقتُ بعضه في الإعداد لطبعاتٍ جديدة من كتبي وبعض الأعمال الصغيرة الأخرى. وقد ظَهرَت طبعةٌ ثانية ومُنقَّحة على نحوٍ كبير من كتاب «نشأة الإنسان» عام ١٨٧٤.

نُشر كتابي عن «التعبير عن الانفعالات في الإنسان والحيوان» في خريفِ عام ١٨٧٢، وقد كانت نيتي أن أُخصِّص للموضوع فصلًا في كتاب «نشأة الإنسان»، لكن حالما بدأتُ في تجميع ملاحظاتي معًا، رأيتُ أنها ستستلزم كتابًا مستقلًّا.

وُلِد طفلي الأول في السابع والعشرين من ديسمبر عام ١٨٣٩، وقد بدأتُ على الفور منذ أول فجرٍ له في هذه الحياة، في تدوينِ ملاحظاتٍ عن جميعِ ما يُبديه من انفعالات؛ فحتى في هذه الفترة المُبكِّرة كنتُ مقتنعًا بأنَّ جميع الانفعالات بكل أشكالها الأعقد والأدق، لا بد أنَّ لها أصلًا طبيعيًّا قد نَشأَت منه بالتدريج. وفي صيف العام التالي، ١٨٤٠، قرأتُ العمل الرائع الذي أنجزه السير سي بيل عن التعبير عن الانفعالات، وقد زاد ذلك من اهتمامي بالموضوع بدرجةٍ كبيرة، غير أنني لم أُوافقه الرأي على الإطلاق في اعتقاده بأنَّ العديد من العضلات قد صُمِّمت خصيصًا للتعبير عن الانفعالات. وابتداءً من هذا الوقت، ظلَلتُ مهتمًّا بالموضوع، أبحث فيه بين الحين والآخر، فيما يتعلق بالإنسان والحيوانات المدجنة كذلك. وقد حقق الكتاب مبيعاتٍ جيدة؛ فقد بيعت منه ٥٢٦٧ نسخة في يوم النشر.

في صيف عام ١٨٦٠، كنت أستجم وأستريح بالقرب من هارتفيلد، والتي ينتشر فيها نوعان من النباتات المندرجة تحت جنس الندية، وقد لاحظت أنَّ العديد من الحشرات قد وَقعَت في شِراك أوراقهما. أخذتُ معي إلى المنزل بعضًا من هذه النباتات، وحين قدَّمتُ لها الحشرات، شاهدتُ حركة مجسَّاتها، وقد دفعني ذلك إلى التفكير بأنه من المحتمل أن تكون الحشراتُ قد وقعت في الشرك لسببٍ معين. ولحسن الحظ، خطر بذهني أن أقوم باختبارٍ حاسم، وهو أن أضع عددًا كبيرًا من أوراقها في سوائلَ نيتروجينية وغيرِ نيتروجينية لها الكثافة نفسها، وفور أن رأيتُ أنَّ النوع الأول فقط هو الذي استثار الحركة في الأوراق، أدركتُ أنَّ ذلك حقلٌ جديد وجيد للأبحاث.

على مدى السنوات التالية، كنتُ كلما حظيتُ بفسحة من الوقت، واصلتُ العمل على تجاربي. وقد نُشر كتابي عن «النباتات الآكلة الحشرات» في يوليو عام ١٨٧٥؛ أي بعد ملاحظاتي الأُولى بستة عشر عامًا. وقد كان في تأخُّر نشر هذا الكتاب فائدةٌ عظيمة لي، كما هي الحال مع بقية كتبي؛ إذ يصبح المرء بعد مرور فترةٍ طويلة قادرًا على أن ينقُد عمله بنفسه، وبجودة تقترب للغاية من تلك التي يُقدِّمها في نقد عملِ شخصٍ آخر. لقد كان اكتشاف حقيقةِ أنَّ نباتًا معيَّنًا، حين يتعرض للإثارة المناسبة، يُفرز سائلًا يحتوي على حمض ومادةٍ مخمرة، تُشبه السوائل الهاضمة لدى الحيوانات، بالتأكيد اكتشافًا هامًّا.

في خريف هذا العام ١٨٧٦، سوف أنشر كتابًا عن «تأثيرات التلقيح المتبادل والتلقيح الذاتي في المملكة النباتية» وسوف يُشكِّل هذا الكتاب تكملةً لكتاب «تلقيح السحلبيات»، وهو الذي وضَّحتُ فيه مدى المثالية التي كانت عليها وسائل التلقيح المُتبادَل، وسوف أقوم في هذا الكتاب الجديد بتوضيح أهمية النتائج. على مدى أحد عشر عامًا، كنتُ أقوم بالتجارب التي أوردتُها في هذا الكتاب، وما دفعني إلى القيام بها سوى ملاحظةٍ عارضة. وقد كان لا بد لهذه الملاحظة العارضة أن تتكرر بالطبع قبل أن تسترعي كامل انتباهي إلى تلك الحقيقة الهامة التي تقول بأنَّ الشتلات الناتجة عن التلقيح الذاتي للأصل الأبوي، تكون أقصر من الشتلات الناتجة عن التلقيح المتبادل للأصل الأبوي وأضعف منها، حتى في الجيل الأول. وإنني آمُل أيضًا في إعادة نشرِ نسخةٍ منقحة من كتابي عن السحلبيات، وكذلك الأوراق البحثية التي نشرتها عن النباتات الثنائية الشكل والنباتات الثلاثية الشكل، مع بعض الملاحظات الإضافية عن بعض النقاط المتصلة بها، والتي لم يَتسنَّ لي الوقت قط في ترتيبها. وسوف أكون قد استنفدتُ جميع قواي حينئذٍ، وسأكون مستعدًّا لأن أدعو الرب قائلًا: «والآن فلتطلقني بسلام.»

(٥-٢) كُتب في الأول من مايو ١٨٨١

نُشر كتاب «تأثيرات التلقيح المتبادل والتلقيح الذاتي» في خريف عام ١٨٧٦، وأنا أعتقد أنَّ النتائج الواردة فيه تساهم في تفسير وجود ذلك العدد اللانهائي من الوسائل المبتكرة الرائعة لانتقال حبوب اللقاح من نباتٍ إلى آخر من النوع نفسه. بالرغم من ذلك، وبناءً على ملاحظات هيرمان مولر، فإنني أرى الآن أنه كان عليَّ التركيز بصورةٍ أكبر على وسائل التكيُّف العديدة للتلقيح الذاتي، وهي التي كنتُ على درايةٍ جيدة بالكثير منها. وقد نُشر من كتابي «تلقيح السحلبيات» طبعةٌ أكثر تفصيلًا في عام ١٨٧٧.

في هذا العام نفسه، ظهر كتاب «الأشكال المختلفة للزهور، إلى آخره» وفي عام ١٨٨٠، ظهر منه طبعةٌ ثانية. ويتكون هذا الكتاب بصفةٍ أساسية من عدة أوراقٍ علمية عن الزهور ذات الأعضاء الجنسية متفاوتة الأطوال، التي كانت قد نُشرت في الأصل عن طريق الجمعية اللينية، والتي خَضعَت للتحرير وإضافة الكثير من الموادِّ الجديدة إليها، مع تقديم ملاحظاتٍ على بعض الحالات الأخرى التي يحمل فيها النبات نفسه نوعَين من الزهور. وكما ذكرت سابقًا، فإنَّ أيًّا من اكتشافاتي الصغيرة لم يمنحني من السرور ما شَعرتُ به حين تمكنتُ من تفسير ظاهرةِ تفاوُتِ أطوال الأعضاء الجنسية في الزهور. وأعتقد أنَّ النتائج المترتبة على تلقيح هذه الزهور بإحدى الطرق التهجينية، لها أهميةٌ كبيرة؛ إذ إنها ترتبط بموضوع عقم الهجائن، غير أنَّ هذه النتائج لم يلاحظها سوى عددٍ قليل من الأشخاص.

في عام ١٨٧٩، نشرتُ ترجمة لعمل «حياة إيرازموس داروين» لصاحبه الدكتور إرنست كراوس، وقد أضفت وصفًا لشخصيته وعاداته، من موادَّ كنت أمتلكها. لقد كانت الحياة القصيرة التي عاشها هذا الرجل تُثير اهتمام العديد من الأشخاص، وقد فوجئتُ أنَّ عدد النسخ المبيعة لم يزد على ٨٠٠ أو ٩٠٠ نسخة.

في عام ١٨٨٠، نشرتُ بمساعدة [ابني] فرانك، كتابنا عن «قوة الحركة في النباتات»، وقد كان ذلك عملًا شاقًّا. ويرتبط الكتاب بعض الشيء بكتابي الصغير عن «النباتات المتسلقة»، مثلما يرتبط كتاب «التلقيح المتبادل» بكتاب «تلقيح السحلبيات»؛ فَوفقًا لمبدأ التطوُّر، لم يكن من الممكن تفسير السبب في أنَّ النباتات المتسلقة قد تطوَّرَت إلى العديد من المجموعات التي تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا، ما لم تكن النباتات جميعها تمتلك قدْرًا بسيطًا من القدرة على القيام بالحركة بنحوٍ مماثل. وقد أثبتُّ صحة هذا التفسير، وقادني ذلك إلى تعميمٍ أكثر شمولًا، وهو أنَّ أعظم أنواع هذه الحركات وأهمها، وهي التي يُحفِّزها الضوء وقوة الجاذبية وغير ذلك، هي أشكالٌ مُعدَّلة من الحركة الأساسية المتمثلة في الالتفاف الدائري. ولطالما كنتُ أشعر بالسعادة لرفع النباتات لمستوى الكائنات المُتعضِّية؛ لذا فقد سُررت بنحوٍ خاص لتوضيح ما يقوم به طَرفُ جَذرِ النبات من حركاتٍ كثيرة، وما تظهره من حسن تكيُّفٍ مثير للإعجاب.

لقد أرسلتُ الآن (١ مايو ١٨٨١) إلى المطابع مخطوطةَ كتابٍ صغير عن «تكوُّن العفَن النباتي بفعل الديدان»، وهو موضوعٌ لا يُشكِّل أهميةً كبيرة، ولا أعلم إن كان سيثير اهتمام القُراء أم لا، لكنه يثير اهتمامي. [جدير بالذكر أنه في الفترة بين نوفمبر ١٨٨١ وفبراير ١٨٨٤، بِيعت من هذا الكتاب ٨٥٠٠ نسخة.] وهو تكملة لورقةٍ بحثية قصيرة كنتُ قد قرأتُها على الجمعية الجيولوجية منذُ ما يزيد على أربعين عامًا، وقد قمتُ فيها بإحياء أفكارٍ جيولوجية قديمة.

الآن وقد ذكرتُ جميع الكتب التي نشرتُها، وهي التي تُمثِّل معالمَ بارزة في حياتي، فلا يتبقى لي بعدها إلا القليل مما يمكنني قوله. إنني لا أُلاحظ أيَّ تغييرٍ في طريقة تفكيري على مدى آخر ثلاثين عامًا فيما عدا نقطةً واحدة سأذكُرها بعد قليل، والواقع أنه ليس ثَمَّةَ تغييرٌ متوقع سوى التدهوُر العام. غير أنَّ أبي قد عاش حتى بلغ الثالثة والثمانين، وظل ذهنه حادًّا كما كان دائمًا، وظلَّت جميع قدراته كما هي دون أن يخفت توهُّجها، وأنا أرجو أن أموت قبل أن يتأثر أدائي الذهني بدرجةٍ كبيرة. أعتقد أنَّني قد أصبحتُ أكثر براعةً قليلًا في تخمين التفسيرات الصحيحة، وفي تصميم الاختبارات التجريبية، لكنَّ ذلك على الأرجح نتيجة الممارسة فقط وتراكُم مخزون أكبر من المعرفة. ولا زلتُ أُواجه القدْر نفسه من الصعوبة التي كنت أُواجهها دائمًا في التعبير عن نفسي بإيجاز ووضوح، وقد كلَّفَتني هذه الصعوبة ضياع الكثير من الوقت، لكنها قد أفادَتني كذلك إذ دَفعَتني إلى التمهُّل والتفكير مليًّا في كلِّ جملةٍ تخرج مني؛ ومِن ثَمَّ فقد تسنَّى لي أن أكتشف ما ارتكبتُ من أخطاء فيما أعرضه من تسويغ منطقي أو في ملاحظاتي أو ملاحظات الآخرين.

يبدو أنَّ ثَمَّةَ شيئًا كارثيًّا في ذهني يدفعني دائمًا إلى كتابة رؤيتي أو فرضيتي في البداية بطريقةٍ خاطئة أو غريبة. لقد اعتدتُ في السابق على أن أُفكِّر في الجمل قبل تدوينها، لكنني اكتشفتُ منذ عدةِ سنواتٍ طريقةً أخرى وجدتُ أنها توفر الوقت، وهي أن أكتب ما يدور في عقلي بخطٍّ رديء وبأسرع ما أستطيع، مع اختزال نصف الكلمات، ثم أُدقِّق بعد ذلك في تصويبها؛ فغالبًا ما تكون الجمل التي تُكتب بسرعةٍ وعفوية أفضل كثيرًا من تلك التي أتحرَّى كتابتها.

والآن، وبعد أن ذكرتُ كل هذا القدر عن أسلوبي في الكتابة، سوف أُضيف أنني في الكتب الكبيرة، أقضي وقتًا طويلًا في إعداد الترتيب العام للمحتوى؛ فأبدأ بإعداد تخطيطٍ عام ومبدئي للمحتوى في صفحتَين أو ثلاث، ثم أُتبعه بآخرَ أطولَ منه يتكون من عدةِ صفحات، مستخدمًا كلمةً واحدة أو بضع كلماتٍ للإشارة إلى موضوع بأكمله أو مجموعة من الحقائق. ثم أستطرد بعض الشيء في الكتابة عن كلٍّ من هذه العناوين، التي غالبًا ما يتغير موقعها قبل أن أبدأ بالكتابة بتفصيلٍ وإسهاب. وكما هي الحال في العديد من كتبي، فإنني أستخدم الحقائق التي تَوصَّل إليها الآخرون عن طريق الملاحظة استخدامًا مكثَّفًا؛ ونظرًا لأنني أعمل دائمًا على عددٍ من الموضوعات المختلفة في الوقت نفسه، فإنني أحتفظ بعددٍ كبير من حافظات الأوراق يتراوح عددها بين الثلاثين والأربعين، وأضعها في خزائن ذات رفوف، وعلى كلٍّ منها عنوانُ موضوع محدد، وبهذا، أتمكن من أن أضع فيها مذكرة أو مرجعًا منفصلًا. إنني أبتاع الكثير من الكتب، وفي نهاية كلٍّ منها، أصنع فهرسًا بالحقائق التي ترتبط بعملي، أو، إذا لم يكن الكتاب أحد كتبي، أكتب ملخَّصًا مستقلًّا له، وأضع هذه الملخصات في درج كبير. وقبل البدء في أي موضوع، أُلقي نظرة على جميع الفهارس القصيرة وأصنع منها فهرسًا عامًّا ومرتَّبًا، وحين أختار ما أُريده من حافظات الأوراق، سواءٌ أكانت واحدةً أم اثنتَين، تُصبح لديَّ جميع المعلومات التي جمعتُها في حياتي جاهزةً للاستخدام.

لقد ذَكرتُ أنَّ عقليتي قد تغيَّرَت على مدى العشرين أو الثلاثين عامًا الأخيرة في جانبٍ واحد؛ فحتى سن الثلاثين أو بعدها، كنت أستمتع بشدةٍ بالعديد من أنواع الشِّعر؛ مثل أعمال ميلتون وجراي وبايرون ووردزوورث وكولريدج وشيلي، وحتى حين كنتُ صبيًّا في المدرسة، كنتُ أستمتع بشدةٍ بأعمال شكسبير، لا سيما مسرحياته التاريخية. وقد ذكرتُ أيضًا أنَّ اللوحات كانت تُبهِجني بعض الشيء فيما سبق، وكانت الموسيقى تمنحني متعةً عظيمة. أمَّا الآن، وعلى مدى سنواتٍ عديدة فأنا لا أتحمَّل أن أقرأ بيتًا واحدًا من الشعر؛ فقد حاولتُ مؤخَّرًا أن أقرأ لشكسبير، لكنني وجدتُه مملًّا بنحوٍ لا يُحتمل حتى إنني قد شعرت بالغثيان. وقد فقدتُ اهتمامي باللوحات والموسيقى تقريبًا. وقد أصبحت الموسيقى تُنشِّط ذهني وتُحفِّزني على التفكير في الموضوع الذي أعمل عليه، ولم تعد تبهجني كما في السابق. ما زلت أجد بعض الاستمتاع في مشاهدة المناظر الجميلة، لكنها لم تعد تمنحني ذلك السرور البديع التي كانت تمنحني إياه من قبل. وعلى العكس من ذلك، فإنَّ الروايات، والتي هي أعمال من نسج الخيال، رغم أنها ليست على قدر عالٍ من الأهمية، ظلت لسنوات تمنحني سرورًا وراحةً رائعة، وأنا غالبًا ما أُكنُّ التقدير لجميع الروائيِّين. وقد قُرئ على مسامعي عددٌ هائل من الروايات، وأنا أُحب جميع الروايات، ما دامت على قدْرٍ معقول من الجودة، ولا تنتهي بنهايةٍ تعيسة — وهو أمرٌ يجب أن يمنعه القانون. وبالنسبة لي، فإنَّ الرواية لا ترقى إلى المرتبة الأُولى إلا أن تكون بها شخصيةٌ يمكن أن نُكنَّ لها حبًّا عميقًا، وحبَّذا لو كانت امرأةً جميلة.

إنَّ هذه الحالة العجيبة والمؤسفة من فقدان القدرة على تذوق الفنون الراقية لهي أمرٌ غريب للغاية؛ إذ إنَّ كتب التاريخ والسير الذاتية وكتب الرحلات (بغض النظر عن أيِّ حقائقَ علميةٍ قد تحتوي عليها)، وكذلك المقالات في جميع الموضوعات، ما تزال تثير اهتمامي بالقدر نفسه كما كانت دائمًا. ويبدو أنَّ عقلي قد أصبح ضربًا من الآلات المُعدَّة لاستخلاص القوانين العامة من بين مجموعاتٍ ضخمة من الحقائق، غير أنني لا أستطيع أن أفهم السبب في أنَّ ذلك قد تسبب في ضمور ذلك الجزء وحده من العقل، الذي يتوقف عليه تذوُّق هذه الفنون الراقية. وأعتقد أنَّ أيَّ شخصٍ يتمتع بعقل أعلى تنظيمًا من عقلي، أو أفضل تكوينًا، لن يعاني مما أعانيه، وإن كان لي أن أعيش حياتي مرةً أخرى، لوضعتُ قاعدة في حياتي تتضمن قراءة بعض الشعر والاستماع إلى بعض الموسيقى مرةً في الأسبوع على الأقل؛ فلربما كان ذلك الجزء الذي ضمر من عقلي الآن، سيظل نشطًا إن تعرض للاستخدام المستمر. إنَّ فقدان القدرة على تذوُّق هذه الفنون، لهو فقدان للسعادة، وربما يضُر بالقدرات الذهنية، والأرجح أنه مُضر للجانب الأخلاقي؛ إذ يُضعف الجانب العاطفي من طبيعتنا.

لقد حقَّقَت كتبي مبيعاتٍ كبيرة في إنجلترا، وتُرجمت إلى العديد من اللغات، وكذلك صَدرَت منها عدة طبعات في الدول الأجنبية. وقد سمعتُ أنَّ نجاح أيِّ عملٍ في بلدٍ أجنبي هو الاختبار الأفضل لقيمته الدائمة، وأنا لا أثق فيما إن كان هذا القول جديرًا بالثقة تمامًا، لكن بالقياس على هذا المعيار، فإنَّ اسمي سيبقى متردِّدًا لِبضعِ سنين؛ لذا، ربما يكون من المفيد هنا محاولةُ تحليل القدرات الذهنية والظروف التي تَوقَّف عليها نجاحي، بالرغم من أنني أُدرِك أنَّ أحدًا لا يستطيع أن يقوم بهذه المهمة بنحوٍ صحيح.

إنني لا أتمتع بسرعة الفهم أو البديهة التي يتميز بها غيري من الرجال البارعين، ومنهم هكسلي على سبيل المثال؛ ولهذا فأنا ناقدٌ سيئ؛ فحين أقرأ كتابًا أو ورقةً بحثية للمرة الأُولى، فإنها تُثير إعجابي بوجهٍ عام، ولا أدرك مواطن ضعفها إلا بعد فترةٍ ليست بالهينة من التأمُّل والتفكر. وأمَّا قدرتي على متابعةِ سلسلةٍ طويلة وخالصة التجريد من الأفكار، فهي محدودة للغاية؛ ولهذا السبب، لم أكن لأُحقِّق أي نجاح في مجال الميتافيزيقيا أو الرياضيات. إنني أتمتع بذاكرةٍ هائلة، لكنها مُشوَّشة؛ فهي تكفي لأن تجعلني حريصًا؛ إذ تشير إليَّ على نحوٍ غامض بأنني قد لاحظتُ أو قرأتُ شيئًا يتعارض مع النتيجة التي يقودني تفكيري إليها، أو يؤيِّدها، وبعد فترة من الوقت، أستطيع أن أتذكر بوجهٍ عامٍّ المصدر الذي يجب أن أبحث فيه عما أرجع إليه. والحق أنَّ ذاكرتي ضعيفة جدًّا في أحد الجوانب، وهو أنني لم أستطع قط أن أَتذكَّر تاريخًا واحدًا أو بيتًا من الشعر لما يزيد على بضعة أيام.

لقد قال عني بعض النقاد: «حسنًا، إنه يتمتع بقدرةٍ جيدة على الملاحظة، لكنه يفتقر إلى القدرة على التسويغ المنطقي!» وأنا لا أعتقد أنَّ ذلك يمكن أن يكون صحيحًا؛ إذ إنَّ كتاب «أصل الأنواع» هو نقاشٌ جدلي طويل من أوله إلى آخره، وقد أقنع عددًا ليس بالقليل من الرجال البارعين، ولم يكن لأحدٍ أن يكتبه دون أن يمتلك القدرة على التسويغ المنطقي. وأنا أتمتع بحظٍّ جيد من الابتكار، وكذلك من حُسن الإدراك والتقدير، بالدرجة التي يتمتع بها أيُّ محامٍ أو طبيبٍ بارع بعض الشيء، لا أكثر، في رأيي.

وأمَّا عن الجانب المميز فيَّ، فأنا أعتقد أنني أتفوَّق على الغالبية العظمى من الناس في الالتفات إلى الأمور التي يسهُل أن تَفلِت من الانتباه، وملاحظتها بعناية. ولقد ثابرتُ بأقصى ما أستطيع على الملاحظة وجمع الحقائق. والأهم من ذلك، أنَّ حبي للعلوم الطبيعية ظل متقدًا وثابتًا.

بالرغم من ذلك، فإنَّ ما ساعد كثيرًا هذا الحب الخالص هو طموحي إلى أن أحظى بتقدير زملائي من علماء التاريخ الطبيعي. ومنذ بداية شبابي، تملكتني رغبةٌ شديدة في فهم أيِّ شيءٍ ألاحظه أو تفسيره؛ أي تجميع الحقائق كلها تحت قوانينَ عامة. وهذه الأسباب مجتمعة قد أَمدَّتني بالقدرة على الصبر للتأمُّل والتفكُّر في أيِّ مسألةٍ غير مفهومة، مهما طالت المدة لأيِّ عددٍ من السنوات. وأعتقد أنني لستُ قادرًا على الاتباع الأعمى لآراء غيري من الأشخاص. وكنتُ أسعى دومًا إلى الحفاظ على عقلي حرًّا لكي أكون قادرًا على التخلي عن أيِّ فرضية مهما بلغ حبي لها (وأنا لا أستطيع أن أقاوم تكوينَ فرضيةٍ جديدة عن كلِّ موضوع)، فور أن تتضح أيُّ حقائقَ تعارضها. والواقع أنه لم يكن لديَّ خيار للتصرُّف بما هو دون ذلك، وباستثناء موضوع الشعاب المرجانية، فأنا لا أتذكر فرضيةً واحدة لم تتغير بعد ذلك أو تُعدَّل بدرجةٍ كبيرة. وقد دَفعَني ذلك تلقائيًّا إلى عدم الثقة على نحوٍ كبير في التفكير الاستنباطي في العلوم المختلطة. وعلى الجانب الآخر، فإنني لست متشكِّكًا بشدة، وأنا أعتقد أنَّ هذا الإطار الذهني يضُر بتقدُّم العلوم. فمن المُحبَّذ لرجل العلم أن يتحلَّى بقَدرٍ معقول من التشكُّك وذلك لِتجنُّب إهدار الكثير من الوقت، غير أنني قابلتُ عددًا ليس بالقليل من الرجال أعرف يقينًا أنهم كثيرًا ما أحجموا عن الملاحظة أو إجراء التجارب، التي كانت ستثبت فائدتها، سواء بنحوٍ مباشر أو غير مباشر.

وللتوضيح، سوف أعرض أغرب حالة عرفتها. كان أحد الرجال الأفاضل (وهو الذي قد سمِعتُ بعد ذلك أنه عالمُ نباتٍ محلي جيد) قد كتب إليَّ من المقاطعات الشرقية يخبرني أنَّ بذور أو حبوب الفاصوليا الخضراء قد نَبتَت هذا العام في كل مكانٍ على الجانب المخالف للمألوف من القرن. وقد كتبتُ له ردًّا على خطابه أطلب منه المزيد من المعلومات؛ إذ لم أكن أفهم ما يعنيه، غير أنني لم أَتلقَّ منه ردًّا إلا بعد فترةٍ طويلة للغاية. ثم قرأتُ بعد ذلك في جريدتَين، كانت تُنشَر إحداهما في كِنت والأخرى في يوركشاير، بعض الأخبار التي تذكر أنها لحقيقةٌ جديرة بالملاحظة أنَّ «حبوب الفاصوليا في هذا العام قد نمت على الجانب المخالف للمألوف.» لذا، فقد ظننتُ أنه لا بد أنَّ هناك أساسًا لمثل هذا الادعاء العام؛ وبناءً على هذا، فقد ذهبتُ إلى البستانيِّ الذي يعمل لديَّ، وهو رجلٌ عجوز من كِنت، وسألتُه عما إذا قد سمع بأيِّ شيءٍ عن ذلك؛ فأجابني: «أوه، كلا يا سيدي، لا بد أنَّ هناك خطأً ما؛ فالفاصوليا لا تنمو على الجانب المخالف للمألوف إلا في السنة الكبيسة، ولسنا في سنةٍ كبيسة.» وقد سألتُه بعد ذلك عن الشكل الذي تنمو عليه في السنوات الكبيسة، لكنني اكتشفتُ أنه لا يعرف شيئًا عن كيفية نموها في أيِّ وقت، وإنما كان متمسِّكًا باعتقاده فحسب.

وبعد فترة من الوقت، أرسل إليَّ الشخص الذي كان قد أخبرني بالأمر في البداية الكثير من الاعتذارات قائلًا إنه لم يكن ليرسل إليَّ، لو أنه لم يسمع ذلك من العديد من المزارعين البارعين، لكنه قد تحدَّث إليهم بعد ذلك، ولم يفهم أيٌّ منهم على الإطلاق ما كان يعنيه بكلامه. وهكذا، فقد أصبح لدينا اعتقاد — هذا إذا كان من الممكن أن نطلق على أيِّ ادعاء لا يتضمن أي فكرةٍ محدَّدة اسم اعتقاد — قد انتشر في معظم أنحاء إنجلترا دون أيِّ دليل على الإطلاق.

لم أعرف على مدى حياتي سوى ثلاثة ادعاءاتٍ خاطئة عن عمد، وربما كانت إحداها أكذوبة (وقد كان هناك العديد من الأكاذيب العلمية)، غير أنها قد وَردَت في إحدى الدوريات الزراعية الأمريكية. وقد كانت تتعلق باستيلادِ سُلالةٍ جديدة من الثيران في هولندا، وذلك من خلال التهجين المتبادل لأنواع معينة من البقر (التي قد تصادَف أني أعرف أنَّ بعضها يصبح عقيمًا معًا) وقد كان الكاتب يتمتع بالصفاقة إذ أعلن أنه قد تَواصَل معي وأنني كنتُ شديد الانبهار بأهمية هذه النتائج. وقد عرفتُ بهذا المقال؛ إذ أرسله إليَّ محرِّر في إحدى الدوريات الزراعية الإنجليزية، طالبًا لرأيي في إعادة نشره.

وأمَّا الحالة الثانية، فقد كانت تقريرًا عن ضروبٍ عديدة قد أُنتجت من أنواع متعددة من زهرة الربيع، التي أثمرت تلقائيًّا عن مجموعةٍ كاملة من البذور، بالرغم من أنَّ النباتات الأصلية كانت محميةً بعناية بحيث لا يمكن للحشرات الاقتراب منها. وقد نُشر هذا التقرير قبل أن أكتشف معنى تفاوُتِ أطوال الأعضاء الجنسية في الزهور، ولا شك في أنَّ الادعاء بأكمله كان كاذبًا، أو كان هناك إهمالٌ شديد في إبعاد الحشرات، بدرجةٍ يصعُب تصديقها.

وأمَّا الحالة الثالثة، فقد كانت أكثر غرابة؛ فقد نشر السيد هوث في كتابه عن «اقتران الأقارب» مقتطفات طويلة من باحثٍ بلجيكي ذكر أنه قد استولد أرانب من أزواج وثيقي القرابة على مدى أجيالٍ عديدة دون أيِّ تأثيراتٍ ضارة. وقد نُشر التقرير بإحدى أكثر الدوريات العلمية احترامًا، وهي الدورية الخاصة بالجمعية الملكية البلجيكية. وبالرغم من ذلك، فلم أستطع تجنُّب ما انتابني من شكوك، ولم أكن أعرف سببًا لذلك، سوى أنه لم يكن ثَمَّةَ سابقةٌ من هذا القبيل، كما أنَّ خبرتي في استيلاد الحيوانات قد دَفعَتني إلى التفكير بأنَّ حدوث مثل هذا الاحتمال ضعيف للغاية.

ولهذا، وبعد تردُّدٍ كبير، كتبت إلى البروفيسور فان بيندين أسأله عما إذا كان الكاتب جديرًا بالثقة أم لا. وسرعان ما جاءني الرد بأنَّ الجمعية قد صُدمت صدمةً عظيمة؛ إذ اكتشفت أنَّ التقرير بأكمله كان مزيَّفًا. [جدير بالذكر أن السيد هوث قد أوضح بنفسه عدم صحة الادعاءات التي استند إليها، وذلك في قصاصةٍ ألحقها بجميع نُسَخ كتابه التي لم تكن قد بِيعت بعد.] وقد جرت مواجهة الكاتب علنيًّا في الدورية وطُلب منه تحديد المكان الذي احتفظ فيه بهذا العدد الكبير من الأرانب في أثناء قيامه بتجاربه، والتي لا بُد أنها قد استغرقت عدة سنوات، غير أنه لم يرُد.

لقد كانت عاداتي منهجية، وكان لذلك أهميةٌ كبيرة في مجال عملي. وأخيرًا، قد أصبحتُ أتمتع بفسحة من الوقت؛ إذ لم يعد عليَّ أن أكسب قوت يومي. وحتى اعتلال صحتي، فبالرغم من أنه قد أهدر عدة سنوات من حياتي، فقد كفاني إلهاءات المجتمع ولهوه.

ولهذا، فإنَّني أرى أنَّ نجاحي كأحد رجال العلم، بغض النظر عن المدى الذي بلغه، كان نتاجًا للعديد من الظروف والقدرات العقلية المتنوعة والمعقدة. والأهم من بينها، كان هو حبي للعلوم، والصبر اللامتناهي على طول التفكُّر في أي موضوع، والمثابرة على ملاحظة الحقائق وجمعها، وقدرًا لا بأس به من الابتكار وكذلك من حُسن التمييز. وبهذه القدرات المتوسطة التي أمتلكها، فإنه لمن المدهش حقًّا أن أكون قد أثَّرتُ بقدْرٍ غيرِ هيِّن في رأي العلماء بشأن بعض النقاط المهمة.

figure
شكل منزل داون من الحديقة. بإذن من مجلة «سينتشري ماجازين».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢