الفصل الثاني

المشهد الأول

(يدخل أنطونيو وسباستيان.)١
أنطونيو : ألَا تودُّ أن تمكث معي مدةً أطول؟ ألَا تريدُ أن أذهب معك؟
سباستيان :
لا لا أرجوك! فطوالعي عابسة٢ في وجهي، وقد يضر سوءُ طالعي
بطالعك؛ ولذلك أرجو أن تأذن لي أن أتحمَّل هذا النحس ٥
وحدي. فإن أصابك كنتُ أجازي حُبَّك لي شرَّ جزاء.
أنطونيو : اسمح لي على الأقل أن أعرف مقصدك.
سباستيان :
لا! حقًّا يا سيدي! إذ اعتزمتُ ألَّا يكون لي مقصدٌ محدَّد. لكنني ١٠
أرى أنك جمُّ الأدب، ولن تقبل أن تنتزع مني أسرارًا أريدُ أن
أحفظها. ولذلك فإن أدبي يُلزمُني بأن أُطلعك على بعض أُموري.
اعلم إذن يا أنطونيو أن اسمي سباستيان، وليس رودريجو٣ كما
زعمتُ من قبل. وكان والدي هو سباستيان الشهير، من مدينة ١٥
ميسالين،٤ وأنا واثقٌ أنك سمعت عنه. وقد تُوفي تاركًا إياي مع
أختٍ لي، وكلانا مولودٌ في ساعة واحدة. ولو رضيَ اللهُ عنا
لأماتنا كذلك في ساعةٍ واحدة! ولكنك تدخَّلت فأنقَذتَني من عُباب ٢٠
البحر قبل أن تغرق أُختي بنحو ساعة!
أنطونيو : يا لَليوم الأيوم!
سباستيان :
كانت فتاةً يعدُّها الكثيرون جميلةً يا سيدي، على الرغم من أنها
كانت تشبهني إلى حدٍّ بعيد، وإذا كنت لا أميلُ إلى تصديق ما
يقوله الناس وأقدِّره وأعجَبُ منه،٥ فلا بد لي أن أُقرَّ واثقًا بأنها ٢٥
كانت ذات نفسٍ يشهد لها حتى الحُسَّاد بالصفاء والنقاء! لقد
أغرقها ماءُ البحر المِلح، ويبدو أنني سأُغرقُ ذكراها بملح العبَرات.٦ ٣٠
أنطونيو : أرجو أن تغفر لي يا سيدي تواضع ضيافتي لك!
باستيان : بل أرجو أن تغفر لي يا أنطونيو الكريم ما كلَّفتُك من عناء!
أنطونيو : فلتقبل إذن أن أعمل خادمًا لديك، وإلا قتلتَني لقاء حُبي لك! ٣٥
سباستيان :
إذا لم تكن تريد أن تنقض ما فعلت؛ أي أن تقتل من أنقذتَه، فلا
تطلب ذلك مني. الوداع الآن،٧ وعلى الفور؛ إذ إن صدري مفعمٌ
بالمشاعر،٨ وتغمرني رقة الأم حتى لأكادُ أبكي فتفضحُ مشاعري
عيناي. لسوف أذهب الآن إلى بلاط الدوق أورسينو. وداعًا! ٤٠

(يخرج سباستيان.)

أنطونيو (وحده على المسرح) :
فلتشملك جميعُ الأرباب بعطفٍ ورعاية،
لكن بلاط الدوق .. يوجدُ فيه كثيرٌ من أعدائي!
لولا ذلك كنتُ لحقتُ قريبًا بك فيه! ٤٥
لكن فليحدث ما يحدث؛ إذ إن غرامي بكَ لا حدَّ له،
حتى إن الخطر ليبدو لهوًا لي .. وإذن أتَّجه إليه.

(يخرج أنطونيو.)

المشهد الثاني

(تدخل فيولا ومالفوليو من بابَين مختلفَين.)٩
مالفوليو : ألم تكن منذ قليلٍ عند الكونتيسة أوليفيا؟
فيولا :
بل منذ لحظةٍ يا سيدي، وقد سِرت بسرعةٍ معتدلة فوصلتُ لتوي
هنا.
مالفوليو :
إنها تعيد إليك هذا الخاتم يا سيدي. لو كنتَ أخذتَه بنفسك لوفَّرت
عليَّ هذه المشقة. وهي تضيف بأن عليك أن تؤكِّد تأكيدًا قاطعًا لسيدك ٥
أنها لن تقبلَه. وشيءٌ آخر! ألَّا تتجاسر بعد الآن فتأتي كي تسعى
للدوق في أمر خِطبته! اللهم إلا إذا أتيتَ لإبلاغها بردِّ فعل الدوق
إزاء رفضها. خُذ الخاتم إذن.
فيولا : لقد أخذَت الخاتم مني١٠ ولن أستعيده! ١٠
مالفوليو :
اسمع يا سيدي! لقد أصررتَ على أن تُلقيه لها، وهي الآن تريد أن
تعيده لك بنفس الأسلوب.١١ إن كان جديرًا بأن تنحني لالتقاطه فبها!
ها هو ذا على الأرض أمامَك! وإن لم تلتقطه، فليأخذه من يجده! ١٥

(يخرج مالفوليو.)

فيولا :
لم أترك أيَّ خواتمَ لليدي. ما مقصِدُها؟
لا قدَّر ربُّ الحظ بأن تعشق مظهري المتنكِّر!
فلقد جعلَت تتأمَّلُني وتُطيلُ النظر إلى وجهي
حتى خُيِّل لي أنَّ استغراق العينَين .. أخرسَ منطِقَها؛
إذ كانت لا تتكلَّم إلا في نوباتٍ مُتقطِّعةٍ مُفترقة! ٢٠
لا شك بأن المرأة تهواني! ومشاعرها ابتكرت هذي الحيلة
كي تدعُوَني لزيارتها مرسلةً ذاك المِرسال الفظ.
لن تقبل خاتمَ مولاي؟ عجبًا لم يُرسل مولاي خواتم!
بل إني المقصودةُ بالخاتم! إن كان الأمرُ كذلك، وهو كذلك،
فالمرأةُ مسكينة! والأفضلُ أن تعشق حُلمًا! ٢٥
من يتنكَّر يرتكب الآثام .. أُدرك ذاك الآن،
وبه ارتكب الشيطانُ المتنكِّر١٢ (في ثوب الأفعى) أكبر آثامه!
ما أيسرَ أن يطبَع خدَّاعٌ فتَّانُ الطَّلعةِ١٣ صورتَه
في قلب فتاةٍ ساذج! المؤسف أنا لم نُخطِئ؛
فالعلةُ ليست فينا، بل في ضعفٍ فطريٍّ في المرأة، ٣٠
والمرأةُ قد خُلقت في هذي الصورة وتظل عليها.
ما آخرُ هذي القصة؟ مولاي يحب المرأة حبًّا جمًّا،
وأنا المسخُ١٤ المسكينةُ أعشقُه كلَّ العشق
والليدي ضلَّلها التمثيلُ فهامت بي فيما يبدو! ٣٥
ما آخرُ هذا التعقيد؟ ما دُمتُ الرجلَ أمام الدوق
فلا أمَل لديَّ على الإطلاق بأن يهواني،
لكني امرأةٌ في الواقع (وهو المؤسف)؛
ولذلك تذهبُ عبثًا آهات أوليفيا المسكينة!
يا زمن، عليك بفك العُقدة فأنا عاجزةٌ فعلًا،
والعقدةُ أصعبُ من أن أجد بنفسي الآن لها حلًّا. ٤٠

(تخرج فيولا.)

المشهد الثالث

(يدخل السير توبي والسير أندرو.)

سير توبي :
تفضَّل يا سير أندرو تفضَّل! عدم الهجوع حتى ما بعد منتصف
الليل معناه الصحوُ المبكِّر، وفي الصحو المبكِّر صحة،١٥ كما تعرف.
سير أندرو :
كلا بالحق! لا أعرف! ما أعلمه هو أن السهر إلى وقت متأخِّر
سهر متأخِّر! ٥
سير توبي :
استنتاج فاسد! أكرهه كراهيتي للكأس الفارغة؛ فالسهر إلى ما بعد
منتصف الليل، ثم الرقاد عند ذلك، يعني الصحو في وقت
البكور، وهكذا فالذي يأوي إلى الفراش بعد منتصف الليل يأوي
إليه في وقت البكور. ألَا تتكوَّن حياتنا من العناصر الأربعة؟١٦ ١٠
سير أندرو : هذا حقًّا ما يقولون! لكنني أظن أنها تتكوَّن من الأكل والشرب.
سير توبي :
أنت علَّامة!١٧ دعنا إذن نأكل ونشرب! يا ماريان! أين أنت؟١٨ إلينا
بزِقٍّ من النبيذ!

(يدخل المهرج.)

سير أندرو : ها قد أتى المهرج .. فعلًا! ١٥
المهرج : كيف أنتما أيها العزيزان؟ هل رأيتما يومًا صورة المغفلين الثلاثة؟١٩
سير توبي : مرحبًا يا حمار! ابْدأ الآن أغنيةً يشترك ثلاثتنا فيها.
سير أندرو :
الحق أن المهرج يتمتَّع بصوت ممتاز! أعطني قدمه الماهرة في الرقص
وصوته العذب في الغناء ولا تعطني أربعين شلنًا.٢٠ الواقع أنك ٢٠
أجدت التهريج إجادةً عظمى ليلة أمس، عندما تحدَّثت عن
بيجروجروميتوس، وعن الفابيين الذين يعبرون خط الاستواء في
السماء عند كوكب كيوبوس!٢١ كان لفتةً بارعة حقًّا، وقد أرسلتُ
إليك ستة بنساتٍ لتنفقها على حبيبتك. هل وصلتك؟ ٢٥
المهرج (يتعمَّد الخلطَ في الألفاظ)٢٢ :
دسست في الجيب بقشيشك؛ إذ إن أنف
مالفوليو ليس مقبض السوط، ومولاتي يدُها بيضاء، والزبانية٢٣
ليسوا حانات شراب!
سير أندرو : ممتاز! هذا أفضل تهريج، في آخر المطاف. غنِّنا الآن أغنية! ٣٠
سير توبي : هيا! سأدفع لك ستة بنسات.٢٤ غنِّنا أغنية.
سير أندرو : وسأدفع لك مثلها أيضًا. فإذا دفع أحد الفرسان هذا المبلغ. ٣٥
المهرج : هل تريدان أغنية حب؟ أم أغنيةً عن لذائذ العيش؟٢٥
سير توبي : أغنية حب، أغنية حب!
سير أندرو : نعم نعم! أنا لا أكترث للذائذ العيش.

(المهرج يغنِّي.)

المهرج :
حبيبتي أين تهيمين على وجهك؟٢٦ ٤٠
فلتمكُثي وتسمعي! حبيبُك المخلصُ قادمٌ إليك،
من يستطيعُ أن يُغنِّي كل لحنٍ لك!
حبيبتي الجميلة! تكفي مشقةُ الترحال والعناء،
وكل رحلةٍ للعاشقين تنتهي عند اللقاء،
وذاك ما يعرفُه .. أبناءُ الحكماء!٢٧ ٤٥
سير أندرو : جميلٌ ممتاز، بالحق ..
سير توبي : جميل جميل.
المهرج (يغنِّي) :
ما الحب؟ ليس الحب وعدًا قد يؤجَّل،
بل حاضرُ السرور حاضرُ الجذل.
وكيف يطمئنُّ المرءُ للمستقبل؟ ٥٠
وليس في التأخير خيرٌ مُقبل!
هيا حبيبتي لقُبلةٍ جميلة ستُنهَل،٢٨
فإنما طبعُ الشباب أن يذوي ويرحل!
سير أندرو : أُقسم بفروسيتي إنه صوتٌ حلو!٢٩
سير توبي : بل صوتٌ ينشر عدواه!٣٠ ٥٥
سير أندرو : بالغ الحلاوة والعدوى .. بالحق!
سير توبي :
من يسمع بأنفه، يجد عدواه حلوة! هل نغنِّي حتى نجعل السماء
نفسها ترقص؟ هل نُطربُ بُومة الليل بأغنية يشترك في أدائها
ثلاثتنا،٣١ حتى كأننا ثلاثة أرواح في جسد نسَّاجٍ واحد؟ هل نغنِّي
إذن؟ ٦٠
سير أندرو :
إن كنت تحبني .. فهيا نغنِّي؛ فأنا بارع براعة الكلاب، كما يقال،
في الأغاني الثلاثية!
المهرج : قسمًا بالبتول سيدي .. بعض الكلاب تلتقط٣٢ ثلاثة أشياء معًا!
سير أندرو : مؤكَّد! فلتكن أغنيتنا «يا وغد!» ٦٥
المهرج :
تقصد أغنية «اخرس يا وغد» أيها الفارس؟ لسوف يؤذيني أن
أقول لك يا وغد، يا فارس!٣٣
سير أندرو :
ليست المرة الأولى التي أوذي فيها أحدًا يدعوني بالوغد!٣٤ ابدأ أيها
المهرج ابدأ! (يغنِّي) «اخرس اخرس …» ٧٠
المهرج : لن أبدأ أبدًا إذا أصابني الخرس.
سير أندرو : جميل بالحق. هيا ابدأ.

(يشترك الثلاثة في غناء الأغنية.)

(تدخل ماريا.)

ماريا :
ما هذا العواء الذي يشبه مواء القطط الشبقة؟ إن لم تكن مولاتي
قد دعت حاجبها مالفوليو وأمرته بطردكم من المنزل فلا تثقوا فيَّ
بعد الآن. ٧٥
السير توبي :
مولاتك لا تعني ما تقول … مثل الصينيين!٣٥ فإننا نحن وأنت
أهل سياسية ..٣٦ ولدينا ما دبَّرناه معًا .. وأمَّا مالفوليو فناطورٌ
لا يقبل مرحًا!٣٧ (يغنِّي) «إن ثلاثتنا مرحون»٣٨ ثم ألستُ قريبها؟٣٩
ألست من دمها؟ هراء هراء!٤٠ أتقولين «مولاتي»؟٤١ (يغنِّي) «في
بابل كان يقيم رجل .. مولاتي يا مولاتي!» ٨٠
المهرج : أقسم إن الفارس بارعٌ في التهريج!
سير أندرو :
نعم. يُجيد التهريج، إذا اعتدل مزاجُه، وكذلك حالي أيضًا!٤٢ لكنه
يفوقني في فن الصنعة وأفوقه في الأداء الطبيعي.
سير توبي (يغني) : «في اليوم الثاني عشر .. من ديسمبر …»٤٣ ٨٥
ماريا : حلَّفتُكما أن تسكتا!

(يدخل مالفوليو.)

مالفوليو :
سادتي! هل أنتم مجانين؟ أم ماذا أنتم؟ أليست لكم عقول،
ولا أخلاق، ولا أدب، إلا ما يجعلكم تُغمغِمون غمغمة السمكري
السكران، وفي هذا الوقت من الليل؟ هل أحلتُم منزل مولاتي إلى ٩٠
حانة، فجعلتُم تصدرون هذا الصرير القبيح بأغنيات الإسكاف٤٤ دون
أن تحاولوا خفض أصواتكم مراعاةً لشعور الآخرين؟ أفلَا تراعون
حرمة المكان والأشخاص وهذا الوقت؟
سير توبي :
تقصد الزمن يا سيدي؟ لقد راعينا الزمن في أداء أغنياتنا!
اخرس أنت!٤٥
مالفوليو :
اسمع يا سير توبي. لا بد أن أكون صريحًا معك. لقد طلبَت مني ٩٥
مولاتي أن أخبرك بأنها إذا كانت تستضيفك باعتبارك قريبها،
فإنها لا توافق البتة على الصخب والفوضى التي تحدثُها. فإن
كنت تستطيعُ الإقلاع عن هذا السلوك الشائن فمرحبًا بك في
المنزل، وإن لم تستطع، وإذا شئت استئذانها في الرحيل، فإنها
على أتم استعداد لوداعك! ١٠٠
سير توبي (يغنِّي) :
إلى الوداع يا فؤادي الحبيب؛٤٦
إذ إن موعد الرحيل حل!
ماريا : لا لا يا سير توبي الأكرم!٤٧
المهرج (يغنِّي) : عيناه تشهدان أنه حان الأجل!
مالفوليو : هل هذا هو الواقع؟ ١٠٥
سير توبي (يغنِّي) : لكني لن أهلك أبدًا!
المهرج (يغنِّي) : تكذبُ يا سير توبي عمدًا!٤٨
مالفوليو : وذاك يزيدك فضلًا كبيرًا!
سير توبي (يغنِّي) : هل أطلب منه أن يرحل؟
المهرج (يغنِّي) : ما شأني إن كنت ستفعل؟ ١١٠
سير توبي (يغنِّي) : هل أطلب منه أن يرحل وأطيلُ القولْ؟
المهرج (يغني) : لا لا لا لا لن تجرؤ أن تفعل!
سير توبي :
ألم أراعِ الزمن٤٩ في الغناء يا سيدي؟ أنت كاذب! وهل أنت سوى
حاجبٍ هنا؟ هل تظنُّ أن استمساكك بالفضيلة سيحرم الناس من
الفطائر والجِعة؟٥٠ ١١٥
المهرج : أقسم بالقديسة آن! سوف يكون مذاقُ الزنجبيل في الجِعة حِريفًا!
(يخرج المهرج.)٥١
سير توبي :
أنت محق! اذهب يا سيد فنظِّف سلسلتك (الذهبية)٥٢ بفتات الخبز!
يا ماريا! زق نبيذ!
مالفوليو :
يا ماري المحترمة! إن كنت تقدِّرين رضا مولاتك ولا تزدرينه، ١٢٠
فأرجوك ألَّا تساعدي هذَين على هذا الصخب البذيء، ولسوف
أخبرُها، قسمًا بهذه اليد!

(يخرج مالفوليو.)

ماريا : اذهب فهُزَّ آذانك الطويلة!٥٣
سير أندرو :
إن متعة الشراب للجائع لا توازي متعة تحدِّيه للنزال ثم إخلاف٥٤ ١٢٥
موعده حتى يصير هزأةً بين الناس!٥٥
سير توبي :
عليك بهذا أيها الفارس! سوف أكتب خطاب التحدي لك، أو
أُبلغ تحديك للرجل شفويًّا. ١٣٠
ماريا :
يا سير توبي الكريم! فلتصبر هذه الليلة فحسب! فمنذ أن اجتمع
المرسال الشاب من لدى الدوق بسيدتي اليوم، والقلق يعصرها.
أمَّا عن المسيو مالفوليو، فسوف أختلي به. فإذا لم أخدعه حتى
يصبح هُزأة، وإذا لم يتندَّر الناسُ به ويسخروا منه، لا تقولوا إن ١٣٥
عندي من الذكاء ما يكفي لأن أرقد مستقيمةً في فراشي؛٥٦ فأنا واثقة
من نجاحي.
سير توبي : أخبرينا أخبرينا! قولي لنا شيئًا عنه.
ماريا :
الحق يا سيدي أنه يبدو في بعض الأحيان بيوريتانيًّا .. أي ١٤٠
متزمِّتًا أخلاقيًّا!
سير أندرو : لو ظننتُ ذلك لضربتُه ضرب الكلاب!
سير توبي :
تضربُه لاستمساكه بالأخلاق؟ عجبًا! ماذا لديك من أسبابٍ جذابة
أيها الفارس العزيز؟ ١٤٥
سير أندرو : ليس لديَّ أسبابٌ جذابة، ولكن لديَّ أسباب مقنعة.
ماريا :
ما أبعده عن الاستمساك بالأخلاق أو البيوريتانية أو بأي شيءٍ
على الدوام، فليس سوى انتهازيٍّ مداهن، وحمارٍ يتصنَّعُ الحكمة،
ويردِّد ما يحفظه من كلام الكبراء، بل ويكرِّر مقتطفاتٍ طويلةً منه! ١٥٠
وهو مغرور يزهو بذاته زهوًا لا يدانى؛ إذ إنه (في ظنه) مفعمٌ
بالمناقب، إلى الحد الذي يؤمن معه أن كل من ينظر إليه لا بد أن
يحبه. وهذه النقيصةُ فيه هي التي تدفعني إلى الثأر منه، وخيرُ ما
يُعينني على الثأر! ١٥٥
سير توبي : ماذا ستفعلين؟
ماريا :
سوف أُلقي في طريقه برسالة غرامٍ غامضة الصياغة، لكنه سوف
يجد أنه موصوفٌ بدقةٍ فيها، من لون لحيته، إلى شكل رجله،
إلى أُسلوب مشيه، إلى التعبير في عينَيه وجبهته ووجهه.
وأستطيع الكتابة بخطٍّ يماثل تمامًا خط مولاتي ابنة أخيك. فإذا ١٦٠
طال الزمن على شيء كتبناه ونسيناه استحالت علينا معرفةُ كاتبته.
سير توبي : ممتاز! أشمُّ رائحة خدعة!
سير أندرو : أنفي يشمها أيضًا!
سير توبي :
ستجعله الرسالةُ الملقاةُ يظن أنها من بنت أخي، وأنها تهيمُ ١٦٥
به حبًّا.
ماريا : غرضي حصانٌ من هذا اللون.٥٧
سير أندرو : وحصانُك سوف يجعله حمارًا.
ماريا : حمارٌ لا شك عندي.
سير أندرو : سيكون ذلك رائعًا! ١٧٠
ماريا :
فكاهةٌ ملكية، أؤكِّد لكما. وأعرف أن دوائي سوف يعالجه.
وسوف أجعلكما تختبئان، وليكن المهرج ثالثكما،٥٨ في المكان الذي
يعثر فيه على الرسالة. وأريدكم أن تلاحظوا تفسيره لِمَا فيها. فلنأوِ
هذه الليلة للفراش، ولنحلم بنتيجة هذه الحيلة. إلى اللقاء. ١٧٥

(تخرج ماريا.)

سير توبي : طابت ليلتك يا بنتسيليا!٥٩ (يا ملكة المقاتلات!)
سير أندرو : قسمًا٦٠ إنها فتاة رائعة.
سير توبي :
مثل كلب الصيد الصغير الأصيل! وهي تحبني حُبًّا جمًّا! لكن
ما الفائدة؟ ١٨٠
سير أندرو : كان لديَّ من تحبني ذات يوم أيضًا.
سير توبي :
فلنأوِ الليلة للرقاد أيها الفارس. وعليك أن تُرسل في طلب المزيد
من النقود.٦١
سير أندرو : إن لم أفز ببنت أخيك ضاع وقتي ومالي! ١٨٥
سير توبي :
أرسل في طلب المال أيها الفارس، فإذا لم تظفر بها في النهاية،
فاحتقرني بعدها!
سير أندرو : إذا فشلتُ لا تثق فيَّ أبدًا. وافهم من ذلك ما تريد!
سير توبي :
هيا هيا! سأذهب لإعداد شراب دافئ؛ فقد جاوزنا الآن موعد ١٩٠
الذهاب للفراش.٦٢ هيا يا فارس! هيا يا فارس!

(يخرجان.)

المشهد الرابع

(يدخل الدوق، مع فيولا، وكيوريو، وآخرين.)

الدوق :
هيا اعزفوا بعض اللحون! عمتُم صباحًا أصدقائي!٦٣
والآن سيزاريو الكريم: تكفي هنا أغنيةٌ قديمة عجيبة
كنا سمعناها معًا ليلة أمس! أحسست أنها
أزالت الكثير من آلام لوعتي! بل إنها
تفوق كل لحنٍ طارف وكل ألفاظ منمَّقة ٥
في عصرنا الذي يجري بخفةٍ وإيقاع سريع
قد يصيب بالدوار! هيا! سأكتفي بفقرةٍ واحدة!
كيوريو : لكنه ليس هنا! أقصد يا مولاي الرجل الذي يستطيع غناءها!
الدوق : ومن هو؟ ١٠
كيوريو :
فيسته! المضحك يا مولاي! ذاك المهرِّج الذي كان والد الليدي أوليفيا
يستمتعُ كثيرًا بفنونه. إنه في مكان ما بالمنزل.
الدوق :
أحضره إذن .. وليُعزَف لحنُ المقطوعة حتى يأتي.
(يخرج كيوريو وتُعزفُ الموسيقى.)
تعالَ أيها الغلام! إن كُتِب الحب عليك بقابل أيامك ١٥
فاذكرني في آلام الحب العَذبَة.
فأنا — مثل جميع العُشاق الخلصاء —
أقلقُ بل أفزعُ من كل مشاعر إلا
الإحساس بطيف المحبوب الثابت أبدًا في عيني.
ما رأيك في هذا اللحن؟ ٢٠
فيولا : كأنه الصدى الصدوقُ للمشاعر التي تدف في عرش الهوى!
الدوق :
تعبيرك محكم! وأُراهن بحياتي أنك رغم يُفوعك
قد وقعت عيناك على شخصٍ هِمت به حبًّا!
هل ذاك صحيح؟
فيولا : بعض الصحة يا مولاي. ٢٥
الدوق : ما طبع تلك المرأة؟
فيولا : مِن طَبعك.
الدوق : ليست جديرةً إذن بحبك. ما سنها؟
فيولا : مولاي إنها في نحو سنك.
الدوق :
أكبر من أن تقترن بها قطعًا! فلتقترن المرأةُ في كل الأحوال
بحبيبٍ يكبرها سنًّا حتى تتكيَّف معه، ٣٠
وتظل مكافئةً لهواه المتأرجح في قلبه؛
فالواقع يا يافع أنَّا، مهما أطرينا أنفسنا،
لا نتمتَّع بثبات الأشواق وقوتها دومًا،
فلقد تزداد وتتذبذب ثم تضيعُ وتذوي ٣٥
قبل ذبول الحب لدى المرأة.
فيولا : قولٌ لا بأس به يا مولاي.
الدوق :
وإذن ليكن محبوبُك أصغر منك وإلا
لن يقدر حبُّك أن يصمد للزمن!
فالمرأةُ وردة .. ما إن تتفتَّح كي تُبدي السحر الفتَّان
حتى تسقط ذابلةً في نفس الساعة من فوق الأغصان.
فيولا :
ذلك حال المرأة. وا أسفا للحال المُضني ٤٠
أن تذوي فور بلوغ الذروة وكمال الحسن.

(يدخل كيوريو والمهرِّج.)

الدوق :
تعالَ يا فتى .. هيا فغَنِّنا إذن أغنية البارحة،
واسمع سيزاريو إنها٦٤ قديمةٌ وساذجة؛
فغازلات الصوف بل والناسجات الجالسات في شمس النهار،
والخالياتُ البال ساعة التفاف الخيط حول البكرة ٤٥
يُنشدنها جميعًا! وإنها تقدِّمُ الحقيقة المجرَّدة
مدارُها براءةُ الغرام في أيامنا الخوالي.٦٥
المهرج : هل أنت مستعدٌّ سيدي؟
الدوق : نعم. فغنِّنا أرجوك. ٥٠

(المهرِّج يغنِّي.)

المهرج :
أقبل يا موتُ٦٦ الآن وأدركني
في نعشٍ من خشب السَّرْو الكاسف ضعني،٦٧
وقفي يا أنفاس العمر ابتعدي؛
إذ قتلتني قسوةُ حسناءٍ نفرت للأبد
وأعِدُّوا أكفاني البيضاء أعِدُّوها، ٥٥
وضعوا أغصان الدوح عليها .. صُفوها.
ما من أحدٍ قبلي
أهلكه الإخلاصُ كما أهلكني!
لا تضعوا فوق النعش الأسود زهرة،
لا تضعوا أي زُهورٍ غُرٍّ نضرة، ٦٠
وعلى أصحابي ألَّا يأتوا لتحية خاتمتي
فيرَوا جسدي المسكين وبعضَ عظامي النخرة،
ولتُكتم آلافُ الآلاف من الآهات،
ولْأُدفن وحدي معزولًا في مقبرتي
كي لا يعرف أيُّ حبيبٍ أخلصَ أين رُفاتي؛ ٦٥
وبذلك لن يذرف قطعًا أي العبرات.
الدوق : هاك مقابل أتعابك.

(يعطيه نقودًا.)

المهرج : لم أتعب يا سيدي بل تلذَّذت بالغناء يا سيدي.
الدوق : هذا مقابل لذتك إذن.
المهرج : والحق يا سيدي أن اللذة لها ثمن، يُدفعُ عاجلًا أو آجلًا.٦٨ ٧٠
الدوق : اسمح لي الآن بأن نفترق!٦٩
المهرج :
فليحفظك إذن رب الكآبة، وليصنع لك الحائكُ صدارًا من القطيفة
المتقلِّبة الألوان،٧٠ ما دام مزاجك متقلِّب الألوان مثل بعض الأحجار٧١
الكريمة، وإذا كان الأمر بيدي لجعلتُ كلَّ ذي مزاجٍ متقلِّب يركب ٧٥
البحر، حتى تشغله تجارته عن كل شيء، وتذهب به إلى كل مكان،
فذلك هو الذي دائمًا ما يكفل الجودة للرحلة وإن ضاعت هباءً! إلى
اللقاء!

(يخرج المهرِّج.)

الدوق :
فليذهب الجميعُ الآن!
(يخرج كيوريو والآخرون.)٧٢
ومن جديدٍ سيزاريو عُد إلى مليكة القسوة ٨٠
وقل لها إن الغرام في صدري يزيدُ نُبلًا عن
جميع أهل الأرض!٧٣ وإنني بالحق لا أهتمُّ بالذي لديها
من عقارٍ أو أراضٍ لا تزيد على تُراب،
وإن كلَّ ما حبتها ربةُ الحظ به من الضياع
أراه غيرَ ذي قيمة .. كربة الحظ الحئُول ذاتها! ٨٥
لكنَّ ما ازدانت به من الطبيعة —
جمالها الذي أراهُ درةً على عرش الدرر —٧٤
هو الذي يشُدني إليها.
فيولا : فإن تكُن لا تستطيعُ يا مولاي حُبك؟
الدوق : إجابةُ لا تُقبل!
فيولا :
لكنه لا بد من قَبولها!
لنفترض بأن ها هُنا فتاة .. وربما تكون ها هُنا فعلًا .. ٩٠
تُكن في فُؤادها حُبًّا إليك لا تقل لوعتُه
عمَّا تُكنه لهذه التي هويتها!
ولنفترض بأنه من المحال أن تُحب هذه الفتاة
وهكذا أخبرت هذه الفتاة بالحقيقة .. أهذه إجابةٌ لا تُقبل؟
الدوق :
من المُحال أن تكون لامرأة
جوانح قادرةٌ على تحمُّل الذي يدف في قلبي ٩٥
من الخفق الشديد للمشاعر المشبوبة!
من المحال أن يكون لامرأة .. قلبٌ كبير قادر على احتواء كل هذا!
فقلبها لا يستطيعُ الاحتفاظ بالمشاعر!
وللأسف! فحبُّها قد لا يزيدُ على شهيةٍ
لا تنتمي للكبد .. بل تنتمي للفم!
وذاك قد يُصابُ بالبشَم .. فإن أتته التخَمَة ١٠٠
أتى السأم! أمَّا غرامي فهو جائعٌ كالبحر
ويستطيع هضم ما يهضمُهُ البحر.
أرجوك لا تُقارن حب أي امرأةٍ لي
بما أُكنه من الهوى لأُوليفيا!
فيولا : حقًّا لكني أعرف …٧٥
الدوق : ماذا تعرف؟ ١٠٥
فيولا :
أعرفُ كم يبلغُ عُمقُ الحُب بقلب المرأة للرجُل،
والواقعُ أن المرأة تُخلصُ في الحُب كمثلي أو مثلك؛
فأبي أنجب بنتًا عشقت رجلًا عشقًا لا حد له،
قُل مثل غرامي بكَ لو كنتُ أنا بنتًا مثلًا.
الدوق : ماذا حدث لها؟ ١١٠
فيولا :
لا يدري أحدٌ إذ أخفت عاطفة الحُب تمامًا
حتى أخذ الكتمانُ كمثل الدودة يلتهمُ الخد الوردي٧٦
وازداد الهم لديها فذوت! وعراها الحزنُ بلونٍ أخضر أو أصفر،
وغدت تجلسُ ذاهلة العين كتمثال الصبر المشهور٧٧ ١١٥
الباسم للأحزان. أفمَا كانت تلك العاطفةُ غرامًا حقًّا؟
نحن رجالٌ قد نُكثرُ ممَّا نحكي أو ما نحلفُه من أَيمان،
لكنا نُبدي أكثر ممَّا نشعرُ به؛
إذ تنبئُ أيمانُ الرجُل بحُبٍّ غامر،
لكن الواقع يُنبئُ عن إحساسٍ فاتر
الدوق : أتُرى ماتت أُختُك يا ولدي من آلام الحُب؟ ١٢٠
فيولا :
أنا كل بنات أبي ..٧٨ وكذلك كل الإخوة!
لكن مع ذلك لا أعرف. هل أمضي الآن لتلك المرأة؟
الدوق :
حقًّا ذلك ما أبغي!
أسرع لفتاتي من فورك. ضع هذا الجوهر في يدها.
أبلغها أن لن يتزحزح حبي أو أقبل إنكارًا منها. ١٢٥

(يخرجان.)

المشهد الخامس

(يدخل السير توبي، والسير أندرو، وفابيان.)٧٩
سير توبي : هيا يا سنيور فابيان.
فابيان :
قطعًا آتي. لو فاتتني ذرةٌ من هذه اللعبة، فسوف أستحق السلق٨٠
حتى الموت من شدة الحُزن!
سير توبي : أفلا يسعدك فضح وتجريس ذلك الكلب٨١ البخيل المنافق؟ ٥
فابيان :
بل يُبهجُني كل البهجة! تعرفُ أنه أغضب مولاتي عليَّ بسبب
لُعبة الرهان على الدببة٨٢ هنا.
سير توبي :
سوف نغيظُه بإحضار الدب مرةً ثانية، وسوف نسخرُ منه حتى
تظهر في جسده الكدماتُ الزرقاءُ والسوداء. هل نفعلُ ذلك يا سير
أندرو؟ ١٠
سير أندرو : لو لم نفعل ستكونُ حياتُنا عارًا علينا!

(تدخل ماريا.)

سير توبي : ها قد أتت الماكرةُ القصيرة! كيف حالك يا ذهب الهند الإبريز؟٨٣
ماريا :
اختبئُوا أنتم الثلاثة خلف هذه الشجيرات؛ إذ إن مالفوليو قادم من ١٥
هذا الممشى في الحديقة، بعد أن قضى نصف الساعة الماضية في
التدريب على أساليب السلوك مع ظله في الشمس. أرجوكم أن
تراقبوه إن كنتم تحبون السخرية؛ فأنا واثقةٌ أن هذا الخطاب سوف
يجعله يُخرجُ ما لديه من تأملات الحُمق والبله! التصقوا واختبئوا
حتى تنجح اللعبة! (أثناء اختباء الرجال تلقي ماريا بالخطاب) انتظروا في ٢٠
مكانكم؛ فها قد أتت السمكة التي لا بد من صيدها بدغدغتها!

(يخرج.)

(يدخل مالفوليو.)

مالفوليو :
إنه حُسنُ حظي وحسب، والحظ يتحكَّمُ في كل شيء. إذ قالت
لي ماريا ذات يومٍ إن أوليفيا معجبةٌ بي، وسمعتها بنفسي مرةً
تكاد تعترفُ بذلك؛ إذ قالت إنها لو أحبَّت أحدًا فسوف يكون
مثلي في الصورة والطبع.٨٤ كما إنها تعاملني باحترامٍ بالغ يزيد عمَّا ٢٥
تُبديه لأي فرد من العاملين لديها. ماذا عساي أن أرى في ذلك؟٨٥
سير توبي (جانبًا) : إنه لوغدٌ مزهوٌّ متكبِّر!
فابيان (جانبًا) :
اسكت! إن تأمُّلاته تجعله مُنتفش الريش مثل الديك
الرومي في أروع حالاته! وانظروا كيف يتبخترُ داخل الريش ٣٠
المُنتصب!
سير أندرو (جانبًا) : أقسم إني أريد أن أضرب هذا الوغد!
سير توبي (جانبًا) : اسكت أقول!
مالفوليو : وعنها أُصبحُ الكونت مالفوليو! ٣٥
سير توبي (جانبًا) : أيها الوغد!
سير أندرو (جانبًا) : أطلق الرصاص عليه!
سير توبي (جانبًا) : اسكت اسكت!
مالفوليو :
ولدينا سابقةٌ لهذا الزواج؛ إذ تزوَّجَت ليدي ستراتشي الخادم
المعني بملابسها!٨٦ ٤٠
سير أندرو (جانبًا) : تبًّا له من مختال مثل إيزابل!٨٧
فابيان (جانبًا) :
اسكت! الآن قد غاص في وهمه، وانظر كيف انتفش.
فانتفخ بفعل الوهم!
مالفوليو :
وبعد أن تمر ثلاثةُ أشهرٍ على زواجي منها، وأنا جالسٌ على
عرشي .. ٤٥
توبي (جانبًا) : أين لي الآن بنَبلٍ تقذفُه بحجر في عينه!
مالفوليو :
أستدعي أتباعي الذين يُحيطون بي، وأنا أرتدي الروب الأخضر
المُخملي الموشَّى برسوم الأغصان، بعد أن قُمتُ من أريكة
الصباح، وتركتُ أوليفيا نائمةً عليها …
سير توبي (جانبًا) : النار والأحجار له!٨٨ ٥٠
فابيان (جانبًا) : اسكت اسكت!
مالفوليو :
وعندها أفعلُ ما يُمليه عليَّ مزاجي في هذه المكانة! وبعد أن
أتفحَّص متعاليًا وُجوه من حولي قائلًا لهم إنني أعرفُ مكانتي،
وإنني أرجو أن يعرفوا مكانتهم. أطلبُ استدعاء قريبي توبي! ٥٥
سير توبي (جانبًا) : الأصفاد والأغلال له!
فابيان : (جانبًا) اسكت اسكت اسكت! أرجوك الآن!
مالفوليو :
وينطلقُ سبعةٌ من رجالي في طلبه طاعةً لأمري، وريثما يأتي أظل
عابسًا وربما ملأتُ ساعتي، أو لهوتُ (وهو يتحسَّس سلسلته الذهبية)٨٩ ٦٠
بجوهرة ثمينة هنا! ويدخلُ توبي عليَّ وينحني إجلالًا لي …
سير توبي (جانبًا) : هل نترك هذا الرجل يحيا؟
فابيان (جانبًا) : قد يكون الصمت عسيرًا٩٠ ولكني أرجو أن تسكت! ٦٥
مالفوليو :
أمد يدي إليه هكذا، وقد كتمتُ بسمتي المعتادة بنظرةٍ جادة تدل
على الأمر والنهي …
سير توبي (جانبًا) : أفلا يلكمك توبي عندها في شفتَيك؟
مالفوليو :
وأقول «يا ابن العم توبي، ما دامت الأقدارُ قد زوَّجتني من بنت
أخيك، فإنها تمنحني حق مصارحتك في الحديث» … ٧٠
سير توبي (جانبًا) : ماذا؟ ماذا؟
مالفوليو : «لا بد أن تكُف عن سُكرك!»
سير توبي (جانبًا) : اخرس يا حقير!
فابيان (جانبًا) : أرجوك اصبر حتى لا تُفسد خُطَّتنا.٩١ ٧٥
مالفوليو : «كما أنك تُهدرُ وقتك الثمين بمصاحبة فارسٍ أحمق» …
سير أندرو (جانبًا) : ذاك أنا، أُؤكِّد لكم!
مالفوليو : «رجل يُدعى سير أندرو.» ٨٠
سير أندرو (جانبًا) : كنت واثقًا أنه يقصدني؛ فكثيرون يتهمونني بالحمق.
مالفوليو (يرى الخطاب) : ماذا تفعل هذه الورقة هنا؟
فابيان (جانبًا) : اقترب ديكُ الغابة٩٢ الأبله من الفخ!
سير توبي (جانبًا) :
صمتًا! ليت عِفريت المزاج٩٣ يدعُوه إلى قراءته بصوتٍ
مرتفع! ٨٥
مالفوليو (وهو يلتقط الخطاب) :
قسمًا بحياتي هذا خط صاحبتي؛ فهذه
حروفها الكبيرة حرف «سي» و«يو» و«تي»،٩٤ وكذلك تكتب حرفي
«بي» الكبير. إنه خطها دون أدنى شك. ٩٠
سير أندرو (جانبًا) : حروفي «سي» و«يو» و«تي»؟ لماذا؟
مالفوليو (يقرأ) :
«إلى الحبيب المجهول، هذه الرسالة، وأطيب أمنياتي».
هذه عباراتُها نفسها. اسمح لي يا شمع الخاتم أن أفُض الخطاب.
مهلًا! هذه صورةُ لوكريس٩٥ المطبوعة في الشمع! إنه الخاتم الذي
تستخدمه في ختم كل شيء! إنها صاحبتي! من يا ترى المرسل ٩٥
إليه؟

(يفتح الخطاب.)

فابيان (جانبًا) : سوف يظفر هذا به تمامًا، كبدًا وعقلًا!
مالفوليو (يقرأ) :
«الرب جوف عالمٌ بحُبي،
لكن من الذي غدا في القلب؟
حذارِ يا شفتاي من أن تنطقا، ١٠٠
لن يعرف الخبيء شخصٌ مُطلقًا».
لن يعرف الخبيء شخصٌ مُطلقًا! ماذا يجيء بعد هذا؟ إن بحر
الشعر يتغيَّر! «لن يعرف الخبيء شخصٌ مُطلقًا!» … لو كان
ذلك أنت يا مالفوليو!
سير توبي (جانبًا) : قسمًا تستحق الشنق أيها الحيوان المنتن!٩٦ ١٠٥
مالفوليو (يقرأ) :
«لي أن آمُر من أهوى قسماته،
لكن الصمت هنا يُشبه خنجر لوكريس.
دون دماءٍ شقَّ القلب بطعناته.
إم. أو. آي. إيه. يتحكَّمُ في نفسي!»
فابيان (جانبًا) : لُغزٌ طنَّان!
سير توبي (جانبًا) : بل هي فتاةٌ رائعة في نظري.
مالفوليو :
«إم. أو. آي. إيه٩٧ يتحكَّم في نفسي» … لا بل أتأمَّل ذلك أولًا،
فلأنظر في ذلك، فلأنظر في ذلك.
فابيان (جانبًا) : ما أغرب الوجبة المسمومة التي أعدَّتْها له!
سير توبي (جانبًا) :
وأسرعَ انقضاض الصقر الحقير عليه!٩٨ ١١٥
مالفوليو :
لي أن آمر من أهوى قسماته.» عجبًا! إن لها أن تأمرني؛ فأنا
أخدمها، وهي مولاتي. ذلك واضح لكل صاحب استدلال
عادي. لا توجد في ذلك عقبة. والنهاية؟ ما المقصود بهذه
الأحرف المتفرِّقة؟ ليتني أستطيع أن أجعل ذلك ينطبق على بعض ١٢٠
ما عندي! مهلًا! «إم. أو إيه. آي.»٩٩
سير توبي (جانبًا) :
أو. آي. نعم! فسِّرها بخيالك! إنه كالكلب الذي فقد
رائحة الثعلب!
فابيان (جانبًا) :
الكلب «سوتر»١٠٠ سوف ينبحُ على أية حال، ولو كانت ١٢٥
الرائحةُ قويةً مثل رائحة الثعلب.
مالفوليو : «إم» .. «إم» .. مالفوليو! «إم»! هذا أول حرف في اسمي!
فابيان (جانبًا) :
ألم أقل إنه سوف يحل اللغز؟ الكلب ممتازٌ عند ضعف ١٣٠
الرائحة!١٠١
مالفوليو :
«إم» .. ولكن الحروف التالية لا اتساق فيها. هذا يقتضي بعض
الفحص. كان ينبغي أن تأتي إيه بعد «إم»، ولكن «إيه» لا تأتي
بل يأتي «أو»!
فابيان (جانبًا) : وآمل أن تكون النهاية على شكل O .. أي المشنقة!
سير توبي (جانبًا) : أو أقوم بضربه حتى يصيح «أوه»!١٠٢
مالفوليو : وبعد ذلك يأتي حرف «آي».١٠٣ ١٣٥
فابيان (جانبًا) :
نعم. ولو كانت لك عينٌ١٠٤ في قفاك، لشاهدت مصائب
تجري وراءك أكثر من الثروات التي تجري خلفها!
مالفوليو :
أم. أو. إيه. آي! هذا اللغز يختلف عن اللغز السابق، ومع
ذلك، فإذا اجتهدت قليلًا استطعت حلَّه؛ إذ إن كل حرفٍ من هذه ١٤٠
الحروف في اسمي. مهلًا! الآن يأتي النثر:
(يقرأ) «إذا وقع هذا في يدك فتفكَّر فيه. حكمَت طوالعي بأن أكون
أسمى منك منزلة، لكن لا تخفِ العَظمة؛ فالبعضُ يولدون
عظماء، والبعضُ يكتسبون العظمة، والبعض تُفرضُ العظمةُ ١٤٥
عليهم فرضًا! أقدارُك تبسُطُ يدَيها لك،١٠٥ فدع دمك وروحك١٠٦
يعانقانها، وحتى تعتاد ما سوف تكونُه على الأرجح، اخلع ثوب
تواضُعك واظهر بمظهرٍ قشيب. عارض أحد الأقرباء، وكُن سليط
اللسان مع الخدم، ولتُجرِ على لسانك١٠٧ عبارات رجال الدولة،
وتظاهر بأنك شاذ السلوك. هذا ما تنصحُك به من تتنهَّدُ غرامًا ١٥٠
بك. وتذكَّر من امتدحَت جوربك الأصفر وتمنَّت أن تراك وأنت
تلبَسُ رباط الساق الصليبي على الدوام. أقولُ لك: تذكَّر! دعني
أؤكِّدُ لك أنك بلغت العُلا إن كنت تُريدُ بلوغ العُلا! وإلا فلتظلَّ١٠٨
حاجبًا في عيني، ورفيقًا للخدم، وغير جديرٍ بأن تلمس أصابع ربة
الحظ. الوداع. من تلك التي تود أن تتبادل مكانتها معك.»
التعسة المحظوظة
لا يرى المرء في ضوء الشمس وفي الخلاء الفسيح بوضوح أكبر! هذا ١٦٠
كلام صريح!١٠٩ سوف أتكبَّر، وأقرأ كتابات أهل السياسة، وأُصعِّرُ
خدِّي للسير توبي، وأتخلَّصُ من معارفي البسطاء؛ حتى أُصبح تمامًا
الرجل الموصوف في الخطاب. لا أخادعُ الآن نفسي حتى يُلقيني ١٦٥
حصانُ الخَيَال عن ظهره! لا! فكل الدلائل تقطعُ بذلك؛ أي بأن
مولاتي تُحبني. لقد سبق أن امتدحت جوربي الأصفر منذُ عهدٍ
قريب، وامتدحت رباط الساق الصليبي، وبذلك كشفت عن حُبها
لي، وتكادُ تأمرني بأن أرتدي الملابس التي تُحبها. أشكُر حسن ١٧٠
طالعي على هذه السعادة. سأكونُ مُترفِّعًا عَزوفًا مزهوًّا، بجوربي
الأصفر، ورباط الساق الصليبي، والأفضلُ أن أُبادر بارتداء هذا
وذاك. أشكرُ الرب جوف وطوالعي! للخطاب تذييل. ماذا يقول؟
(يقرأ) «لا خيرة لك في أن تعرف من أنا. فإذا قبلتَ غرامي فعبِّر عن
ذلك بابتسامك؛ فالبسماتُ تُناسبُك تمامًا. وهكذا عليك أن تبتسم» ١٧٥
دائمًا في وجودي، يا حبيبي الغالي، أرجوك. شكرًا لك جوف.
سوف أبتسم. وسوف أفعل كل ما طلبَت مني أن أفعله.

(يخرج مالفوليو.)

فابيان :
لا أقبلُ التخلي عن مشاهدة أي جزء من هذه الملهاة مقابل معاشٍ ١٨٠
يبلغ الآلاف من أموال شاه الفُرس.١١٠
سير توبي : قد تدفعني هذه الحيلةُ إلى الزواج من الفتاة!
سير أندرو : وأنا كذلك.
سير توبي : دون أن أطلب مهرًا آخر غير ملهاةٍ جديدة! ١٨٥

(تدخل ماريا.)

سير أندرو : وأنا كذلك.
فابيان : ها قد أتت صائدةُ المُغفَّلين الرائعة!
سير توبي : هل تسمحين بوضع قدمك على رقبتي؟
سير أندرو : أو رقبتي أنا؟
سير توبي : هل أراهن بحريتي في شوط من لعب النرد لأخسر وأُصبح عبدك؟ ١٩٠
سير أندرو : وأنا أيضًا؟
سير توبي :
عجبًا! لقد أدخلتِه حُلمًا قاسيًا، حتى إذا أفاق من أوهامه جُنَّ
جُنونه.
ماريا : كلا، لكن اصدقني القول .. هل نجح تدبيري؟ ١٩٥
سير توبي : نجاح ماء الحياة١١١ مع الداية!
ماريا :
إن كنتم تريدون مشاهدة ثمار «المقلب» حقًّا، فعليكم أن ترقبوا
أول دخول له على مولاتي. سوف يكون مرتديًا جوربًا أصفر،
وهو لون تمقته، ورباط ساقٍ صليبي، وهو موضة تبغضها، وسوف
يبتسم لها، وهو ما لا يلائم مزاجها الآن على الإطلاق، ما دامت ٢٠٠
في فترة الحداد، إلى الحد الذي يدفعها إلى احتقاره احتقارًا شديدًا.
وإن أردتم مشاهدة ذلك فتعالَوا معي.
سير توبي : إلى باب الجحيم١١٢ يا أمهر شياطين المكر والدهاء! ٢٠٥
سير أندرو : وأنا أيضًا.

(يخرج الجميع.)

١  المكان: ساحل البحر (وفقًا لِمَا يقوله كابيل Capell).
٢  سوء طالعي: التعبير مستقًى من التنجيم ومرتبط بالإشارة إلى «الطوالع» (أي النجوم) الواردة في السطر نفسه، ويعني سباستيان بذلك تحطُّم السفينة وفقدانه أخته. ولكنه قد يعني أيضًا وجود «علة ما» لا يدركها، ويرد على ذلك أنطونيو (بعد رحيل سباستيان) باستلهام الأرباب والدعاء له بالخير (٤١). والواضح أن فكرة تقلُّب الزمن والقدر والحظ مرتبطة بتأثير الطوالع المذكور هنا، وتمثِّل خيطًا يمتد في طول المسرحية وعرضها.
٣  يريد شيكسبير إطلاع الجمهور على هُوية هذا الشخص الذي يطأ المسرح لأول مرة، ولا يوجد في النص ما يبرِّر إخفاءه حقيقة شخصيته عن أنطونيو طوال الرحلة؛ فالحيلة درامية بحتة يقصد المؤلف بها تعريف النظارة به وحسب.
٤  ميسالين (Messaline): لا يعرف أحد مكان تلك المدينة (أو المنطقة؟)، ويقول كريك إنها أساسًا من اختراع شيكسبير، ولكن ماهود تقول (في طبعة بنجوين للمسرحية ١٩٦٨م): «إن سكان مارسيليا وإلليريا يذكرون معًا (باسم الماسيلنيين والإليريين) (Hilurios, Massilienses) في حديث عن توأم يبحث عن أخيه التوأم في مسرحية بلاوتوس «الأخوان منايخموس» (Menaechmi)، في السطر ٢٣٠.» والاسم اللاتيني القديم لمدينة مارسيليا الفرنسية (Marseilles) هو ماسيلا (Massila)، وتشير ماهود، كما تشير دونو (٢٠٠٣م) إلى مقال نشره سالينجر (L. G. Salingar) في الملحق الأدبي لصحيفة التايمز الإنجليزية عام ١٩٥٥م (٣ يونيو) عن هذا الأمر.
٥  «وأقدِّره وأعجب منه»: في الأصل (with such estimable wonder)، والمقصود «أعجب منه وأقدِّره» حتى تتفق العبارة مع السياق، وما دام ينفي بتواضع وسامته التي يوحي بها امتداح جمال أخته التوأم، «وتقديم ما مرتبته التأخير» (مجدي وهبة) حيلة بلاغية كلاسيكية تسمَّى (hysteron proter-on)، وكان شيكسبير في بداياته مولعًا بهذه الحيل البلاغية الكلاسيكية.
٦  ارتباط الغرق بالدموع صورة يعود إليها شيكسبير في هاملت:

ما أكثر ما جاءك من ماء يا أوليفيا المسكينة!

وإذن لن أسمح لدموعي أن تهطل.

(٤ / ٧ / ١٨٤–١٨٥)
٧  إجابة سباستيان، مثل إجابته السابقة، تجاري حديث أنطونيو في التعبير عن المجاملة؛ فهو يعني أنه لن يطيق أن يتكبَّد أنطونيو المزيد من المتاعب في سبيل إسعاده. وهو يواصل الأسلوب البلاغي الذي يتوسَّل بالمبالغة.
٨  «مفعم بالمشاعر» (full of kindness): يقول كريك إن الكلمة تعني الرقة (tenderness)، وتقول دونو إنها تعني العاطفة (emotion)، وقد ترجمتها في «ماكبث» بالحنان لارتباطها بالأم، والإغراء قائم هنا بذلك، ولكن سباستيان يعني أن التأثر قد بلغ به مبلغه؛ ولذلك فضلت المشاعر.
٩  المكان: شارع (كابيل).
«الإرشادات المسرحية» على الرغم من الأمر الصادر إلى مالفوليو بأن «يجري خلف» المرسال، فالأشد تأثيرًا على المسرح أن يدخلا من بابَين متقابلَين. فإذا أصررنا على الواقعية قلنا إن مالفوليو اختصر الطريق؛ لأنه ملم بالمنطقة وجاء من درب آخر.
١٠  «لقد أخذت الخاتم مني» (she took the ring of me): هذا هو النص المطبوع عام ١٦٢٣م، ولكن الناقد ألكسندر دايس Dyce يطبعه عام ١٨٥٧م مُنقَّحًا بإضافة حرف النفي no بدلًا من أداة التعريف (the) حتى يصبح المعنى «منطقيًّا» في نظره ويتفق مع «الواقع» (أي لم تأخذ مني أي خواتم). وهو يصغي بذلك إلى اقتراح إدموند مالون Malone في طبعته عام ١٧٩٠م بأن يُجري هذا التعديل حتى «يستقيم المعنى». ولكن جميع الطبعات الحديثة تقبل النص الأصلي دون «تنقيح»؛ لأنه يدل على حضور ذهن فيولا ولماحيتها ورغبتها في عدم التسبُّب في أي حرج لفيولا؛ فهي توافق مالفوليو ظاهريًّا، قبل أن تُفضي للجمهور بمشاعرها وتُفصح عن حقيقة موقفها، في الحديث المنظوم التالي.
١١  «تعيده لك بنفس الأسلوب»: أي تلقيه لك. والمفترض أن يلقي مالفوليو الخاتم على الأرض، ما دام يتصوَّر أن فيولا قد «ألقت» الخاتم أو فرضته فرضًا على أوليفيا.
١٢  «الشيطان المتنكِّر»: في الأصل (the pregnant enemy)، وقد أخذت في التفسير برأي الدكتور جونسون الذي يقول إنه يعني «إبليس المكير المتنكِّر عدو البشر»، وأضفت من عندي بين قوسَين «في ثوب الأفعى» حتى تتضح الصورة تمامًا. وتذكَّرت هنا قول هاملت:

فالشيطان لديه القدرة حتى يتشكَّل في أشكال ترضى عنها العين!

(٢ / ٢ / ٥٩٥)
والمعروف أن معنى كلمة الشيطان اشتقاقًا هو «العدو» أو الخصيم (adversary) من الجذر «شط»؛ أي مقابل، المشتق في السامية من المصرية القديمة «ست» إله الشر، وفق ما يقول معجم اللغة القبطية لمؤلفه تشيرني (Cerney) (١٩٧٥م)، وكان الدكتور لويس عوض أول من نبَّهني إلى ذلك ودفعني إلى بحث الكلمة، ووجود اسم «العدو» إذن يحسم الأمر؛ ولذلك لم أقبل ما تقوله دونو من أنه قد يكون كيوبيد، رب الحب، وهي التي تضيف: «وربما لا يفرِّق شيكسبير بين الشيطان وبين كيوبيد في هذه النقطة.» وتفسيرها يقوم على اعتبار أن معنى (pregnant) يفيد أنه «جاهز ومستعد»، وهو ما ينطبق على هذا وذاك. ولكن أين ذهب عدو البشر؟
١٣  «خداع فتان الطلعة»: انظر قول أنطونيو فيما بعد: «لكنما قد نبصر الشر الجميل» (٣ / ٤ / ٣٧٨). و«يطبع» تعني طبع الصورة في الشمع، ولم أترجم صفة القلب الساذج (waxen) بالقلب الشمعي؛ لأن فعل «يطبع» يكفي لنقل المعنى، والشمع لين طيِّعٌ «ساذج».
١٤  «المسخ»: أي كونها رجلًا (٣٥) وامرأةً (٣٧) في الوقت نفسه.
١٥  «في الصحو المبكِّر صحة»: الأصل في النص باللاتينية وهو diluculo surgere، «إن الصحو المبكر …» وباقي العبارة هو saluberriumum est؛ أي يفيد الصحة جدًّا. وهي عبارة من كتاب تعليم النحو اللاتيني الذي وضعه وليام ليلي (Lilly) عام ١٥١٣م، واستمرَّ استعماله حتى القرن التاسع عشر، ولكن العبارة أصبحت شائعةً دون الإشارة إلى الكتاب.
١٦  العناصر الأربعة هي النار والهواء والماء والتراب، وهي التي كان القدماء يفترضون أن كل مادة تتشكَّل منها بمقادير ونسب متفاوتة، وكانت تمثِّلها أخلاط البدن الأربعة التي يذكرها ابن المُقفَّع في «كليلة ودمنة» (humours)؛ وهي الصفراء (choler) والدم، والبلغم (phlegm) والسوداء (melancholy)، وكل منها يتكوَّن من مركب من عنصرَين أو من صفات عنصرَين؛ فالصفراء حارة وجافة كالنار، والسوداء باردة وجافة كالتراب، وهكذا. ولم يجد النقاد علاقةً بين ما يقوله سير توبي هنا وما سبق من نقاش حول السهر والبكور، ويبدو أن الهدف من هذه الإشارة ينحصر في قول سير أندرو إن الحياة تتكوَّن من الأكل والشرب.
١٧  «أنت علامة»: أي لقد أصبت كبد الحقيقة، وهو ما يرى توبي وصاحبه أنه «العلم»!
١٨  لاحظ أن سير توبي ينادي على ماريا فيدخل المهرِّج من الباب المقابل، ما دام السير أندرو هو الذي يراه أول الأمر، وهو ما يُضفي لمسةً واقعية على الحركة المسرحية، ويجعلنا نتوقَّع وصول ماريا.
١٩  «صورة المغفَّلين الثلاثة»: كان الرسم يمثِّل اثنَين من المهرجين أو اثنَين من الحمير، وتحته كلام يفيد بأن من يراها هو ثالث المغفلين أو الحمير. وكانت تلك من اللافتات الشائعة فوق أبواب الحانات (ويلسون). وتقول ماهود إن الصورة كانت تتضمَّن حيلةً تجعل الرائي يشاهد اثنَين من المهرِّجين وحمارًا، حسب الزاوية التي ينظر إليها منها. والمهرِّج يحيِّي أندرو وتوبي ضاحكًا تحيةً مُهينة، ويرد عليه توبي ردًّا لا يقل سخريةً وإهانة، بروح الدعابة طبعًا!
٢٠  «أربعين شلنًا»: يلفت ويلسون النظر إلى ورود العبارة نفسها في حديث لشخص يُدعى سلندر (Slender) في مسرحية «زوجات مرحات» (١ / ١ / ١٧٩)، وسوف يعود أندرو إلى الفكرة نفسها بعد أن يحوِّل المبلغ إلى أربعين جنيهًا (!) في ٥ / ١ / ١٧٥.
٢١  «بيجروجروميتوس» (Pigrogromitus) و«الفابيون» (Vapians) وكوكب «كيوبوس» (Queubus): هذه الأسماء المخترَعة والمضحكة نماذج طريفة لِمَا يزعمه المهرِّج من علم أو «تعالم»، وقد سبق للمهرِّج أن ذكر اسمًا وهميًّا لعالِمٍ خرافي يُدعى كوينابالوس في ١ / ٥ / ٣٤ (انظر الحاشية على ذلك السطر عاليه).
٢٢  يتعمَّد المهرِّج خلط الألفاظ والمعاني من باب الهزل والتسرية، وهو يبدأ كأنما يُفيد معنًى ما؛ فالجيب هو impeticos (وهو جيب رداء المهرج الطويل)، وأمَّا البقشيش (gratuity) فيجعلها المهرِّج (gratillity) وبعدها يخلط خلطًا لا يصدر إلا عن مهرِّج.
٢٣  «الزبانية»: هي الكلمة المستخدَمة في اللغة المعاصرة ترجمة للإنجليزية (myrmidons)، وأصلها اسم لقبيلة الميرميدون من ثيساليا (Thessaly)، وكانوا مقاتلين أشداء يحاربون تحت قيادة أخيلاس (Achilles) ملكهم أثناء حرب طروادة، ثم أصبحت الكلمة تُطلق على كل تابعٍ وفيٍّ خصوصًا إذا كان ذا غِلظة وشدة. وقد استُعيرت الكلمة من القرآن الكريم بسبب ورودها في سورة العلق: سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (الآية: ١٨)، والمفسِّرون يوازون بين هذه الكلمة وبين وصف الملائكة القائمين على أبواب جهنم: عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (التحريم: ٦). وبرغم هذه الاستعارة فمترجمو معاني القرآن يستنكفون من استعارة اللفظية اليونانية لترجمة «الزبانية»، ويفضِّلون تسميتهم «ملائكة العقاب» (angels of punishments)، ومع ذلك فالكُتابُ العرب اليوم يُشيرون بها إلى كل من وُكِّل بالعقاب دون إيحاء بأنه من الملائكة! وأمَّا القول بأن في خلط المهرِّج دلالات معاصرة، فقد ثبت أن ذلك عبث رغم جهود المحقِّقين الذين شغلوا أنفسهم بلا طائل من البحث في هذه الإشارات، والتي لا أظن أن لها «فائدةً درامية»، ولن تزيد من فهمنا للنص، ولن تفيد القارئ العربي على أية حال. وربما يكون الأمر الوحيد الجدير بالتفسير قول المهرِّج إن أنف مالفوليو ليس مقبض السوط، بمعنى أن مالفوليو قد يحتقر المهرِّج (يأنف منه = ينظر إليه من طرف أنفه)، لكنه لن يستطيع ضربه بالسوط، (هارولد جنكنز) أو بمعنى أن حدة حاسة اشتمام الأخطاء في الآخرين لدى مالفوليو (أنفه) لا تعطيه الحق في معاقبة أحد؛ ولذلك فالمهرِّج لا يخشاه.
ويستعرض كريك في طبعة آردن أقوال الباحثين من قدماء ومحدثين ثم يقول: «من المفيد فقط أن نقول إن المهرِّج يستهزئ بمالفوليو، وإنه يمتدح أوليفيا، وإن الإشارة إلى الزبانية محض هراء» (ص٤٤). وأمَّا محرِّرو الطبعات الحديثة الأخرى فلا يتناولون تفاصيل هذه الإشارات على الإطلاق.
٢٤  «ستة بنسات»: في الأصل (testril) وهي تصغير tester أي ستة بنسات. ويقول ويلسون إن سير أندرو يحاكي «إفساد الألفاظ» الذي يمارسه المهرِّج، ولو غير واعٍ بذلك.
٢٥  «لذائذ العيش» هذه هي الترجمة التي يقتضيها السياق لتعبير the good life الذي نترجمه عادةً بعبارة «طيب العيش» أو «الحياة الكريمة». والسير أندرو يتصوَّر المعنى الأخير؛ أي الحياة الكريمة أو الفاضلة، فيُعلن رفضه لها، ومن المحال إخراج هذا الاختلاف في المعنى بالألفاظ نفسها، ومع ذلك فقد يكون المهرِّج قد قصد المعنى الذي تصوَّره أندرو، كما تقول دونو، وبذلك يعلن رفضه لحياة الفقراء والرعاة التي كان يُعلي من شأنها الشعراء، في مقابل حياة الملوك وأصحاب الجاه. وتستشهد دونو بكتاب كتبه هاليت سميث بعنوان الشعر الإليزابيثي عام ١٩٥٢م، وتقول إن به أكثر من خمسة وأربعين نموذجًا لقصائد قائمة على هذا «الموضوع». وأمَّا إذا كان أندرو قد فهم من التعبير أنه يفيد أغنية الندماء (يا ندامى الراح من كرم الهوى، بشارة الخوري)، فسوف تبرز المفارقة الصارخة في قوله إنه يرفضها.
٢٦  يتفق النقاد بلا استثناء على أن مؤلف كلمات الأغنية هو شيكسبير، ويختلفون حول الموسيقى من حيث مؤلِّفُها، وحول ما إذا كان شيكسبير قد أعد الأغنية خصوصًا لتتفق مع اللحن الذي وضعه مورلي (Morley). وأمَّا ما يُسمَّى «مضمون» الأغنية فيقول النقاد إنه يكسر حدة الهزل في مشاهد العربدة بمنزل أوليفيا ويقيم رابطةً «لحنية» بين هذه المشاهد وقصتَي الحب الرئيسيتَين فيها (أورسينو – فيولا / سيزاريو – أوليفيا – سباستيان)؛ فالأغنية تطلب من الأحبة ألَّا يُنكروا غرامهم أو يؤجِّلوه أو يتمنَّعوا بأية ذرائع مهما تكن، والنقاد يتوسَّعون في التحليل والتأويل دونما داع، فليست الأغنية سوى أغنية عمادها الموسيقى.
٢٧  «أبناء الحكماء»: تقول ماهود (Mahood): إن في هذا «إلماحًا إلى القول المأثور بأن الحكماء يُنجبون أبناءً من الحمقى.»
٢٨  «هيا يا حبيبتي لقبلة جميلة ستنهل»: في الأصل sweet and twenty التي تفسِّرها دونو بأنها وصف لجمال القبلة لا لعدد القبلات؛ أي «جميلة عشرين مرة»، مشيرة إلى مقال منشور في مجلة (Shakespeare’s Survey) (١٩٧٦م) بقلم ر. براودفوت (R. Proudfoot) الذي يشير إلى ورود التعبير في عمل كتب عام ١٦٠٤م لمؤلف مجهول، والسياق يسمح ولا شك بما ذهبت إليه دونو (أو ذهب إليه براودفوت) من دلالة. وأمَّا كريك فيقتبس قول فيرنس الذي يصف التعبير بأنه «نداء يدل على الإعزاز والحب فحسب»، ويقول إنه الصورة الصحيحة للتعبير الذي اقتبسه ستيفنز (أول من لفت الأنظار إليه) في مجموعة قصص نثرية بعنوان «شيطانة إدمونتون المرحة» (١٦٠٨م) ويقول في هذه القصة: «كانت تمثِّل له طائر الفتاح الصغير اللعوب … حبيبته الغالية (his sweet and twenty) .. على نحو ما كان يطلق بنفسه عليها.» وينتهي كريك من ذلك إلى أن يقول: «والتعبير إذن لا يتضمَّن إشارةً إلى عمر الفتاة ولا إلى عدد القُبلات، ولكنه يرادف حبيبتي الجميلة (pretty sweeting) في السطر «٤٣».» ولم أجد تضاربًا بين التأويلَين، فأخذت بهما جميعًا في الترجمة.
٢٩  «صوت حلو»: أي ذو حلاوة في المذاق (mellifluous).
٣٠  «ينشر عدواه» (contagious): والعدوى عادةً تقترن بالمرض، والواقع أن السير توبي لا يكرِّر كلمة صوت (voice) التي قالها سير أندرو، بل يستخدم الأنفاس (breath) كنايةً عن الصوت، وفي هذا ما فيه من قدرة الأنفاس على نقل عدوى المرض! ولكن اللغة العربية لا تقبل هذه الكناية الخاصة؛ ولذلك ترجمت المعنى دون الكناية.
٣١  «أغنية يشترك في أدائها ثلاثتنا»: هذا شرح لمعنى catch، وهي أغنية لثلاثة أصوات تتتابع في أداء كلماتها، وهو ما يحدث فعلًا في هذا المشهد في ١٠١–١١٢.
٣٢  يتلاعب المهرِّج بمعنى كلمة catch باعتبارها فعلًا (وهو المعنى القريب)، فيقول إن بعض الكلاب «تلتقط» (catch) خير التقاط، وأحببت أن أبيِّن التورية فأردفتُها بالشرح في «ثلاثة أشياء معًا».
٣٣  «يا وغد يا فارس»: يلعب المهرِّج على الطباق هنا.
٣٤  «ليست المرة الأولى التي أوذي فيها أحدًا يدعوني بالوغد!»: الأصل هو:
“This not the first time I have constrained one to call me knave”.
ولهذه الجملة ثلاثة أوجه في التفسير؛ الأول: أنه قد سبق له غناء هذه الأغنية مع اثنَين آخرَين. والثاني: هو أنه كثيرًا ما تشاجر مع غيره (انظر ما ذكرته ماريا في ١ / ٣ / ٣٠). والثالث: هو أنه وغد حقًّا وكثيرًا ما أقرَّ البعض له بذلك (وهو المعنى الفكاهي هنا)، وقد فضَّلت الجمع بين التفسيرَين الثاني والثالث (لاقترابهما من الأصل) في الترجمة، وأمَّا الأول فرأيت فيه تخريجًا وتجاوزًا.
٣٥  «مثل الصينين» (a Cataian): الكلمة في الأصل تعني من أهل الصين (Cathay هو الاسم القديم للصين) والمقصود، وفقًا لِمَا ورد في مصدر معاصر (١٥٥٥م) عن سمعة أهل الصين، أن ماريا تهدِّد وتتوعَّد فحسب. ولقد حاولت في الترجمة إخراج المعنى المقصود لا الاكتفاء بترجمة الحروف. ويتفق في هذا المعنى المقصود كلُّ الشراح.
٣٦  «أهل سياسة» (politicians): ويفِّسر ويلسون معنى الكلمة بأن السير توبي يشير إلى ما دبَّره مع غيره (خصوصًا مع ماريا) للسخرية من مالفوليو! ولذلك فهو يقول «نحن وأنتِ» (مخاطبًا ماريا)، وقد شرحت المقصود بعبارة «ولدينا ما دبرناه معًا.»
٣٧  «وأمَّا مالفوليو فناطور لا يقبل مرحًا»: في الأصل Peg-a-Ramsey، وهو اسم لرقصة ذاعت شهرتها آنذاك، ويورد المحلِّلون تفسيرًا لها، وأمَّا معناها فقد جمعت فيه بين ما قاله ويلسون (١٩٤٩م) وبين ما قاله ج. أ. وود (J. O. Wood) عام ١٩٧٦م؛ فالأول يؤكِّد أن المعنى هو أن مالفوليو ناطور، والثاني يقيم الحجة على أن المقصود هو أنه لا يقبل المرح، وهاتان من خصال مالفوليو كما تصوِّره المسرحية، وكما يتصوَّره هؤلاء؛ ولهذا أوردت المعنيَين.
٣٨  «إن ثلاثتنا مرحون!»: هذه هي العبارة الأخيرة من أغنية كانت شهيرةً آنذاك، أوردها بيل (Peele) في مسرحية «حكاية العجائز» (Old Wives Tale)؛ أي «الخرافة» عام ١٥٩٥م.
٣٩  «قريبها»: الأصل consanguineous؛ أي «من دمها»، وهو يشرحها مباشرةً في نفس السطر.
٤٠  «هراء هراء!»: الأصل Tilly-vally تعبير مهجور عن الهراء.
٤١  أتقولين «مولاتي»؟ يعترض سير توبي على إشارة ماريا إلى أوليفيا بذلك اللقب، بِناءً على صلة القرابة التي تربطه بها. ثم يغنِّي في سُكره أغنيةً شهيرة في ذلك العصر تتضمَّن كلمة «مولاتي» في القرار (المقطع الذي يتكرَّر).
٤٢  «كذلك حالي أيضًا»: يقابل في العامية «وأنا كمان!» وهو التعبير يكرِّره أندرو في مواضع كثيرة (١٦٣ من هذا المشهد) (٢ / ٥ / ١٨٤، ١٨٦، ١٨٩، ١٩١، ٢٠٦)، والتعبير العامي يصلح في جميع هذه المواقع، ولكن الفصحى اقتضت تعديله بعض الشيء في الصياغة فقط.
٤٣  «في اليوم الثاني عشر … من ديسمبر»: يقول كيتريدج إنه مطلع موال غربي (بالاد) عن موقعة ميدان ماسلبره (Musselburgh Field)، وهو الذي كان شائعًا في منتصف القرن السابع عشر بعد أن حلَّ «الثاني عشر» محل «العاشر» في الصورة القديمة للموَّال. ويقول أحد الباحثين (١٩٤٩م): إن سير توبي يُخطئ في محاولة غناء موال آخر يبدأ بالسطر «في اليوم الثاني عشر .. لعيد الميلاد»، فيقول ديسمبر بدلًا من «كريسماس» (أي عيد الميلاد)، وبذلك يخلط بين الموالَين، وهذا قول جدير بالتصديق؛ لأنه يتضمَّن إشارةً غير مباشرة إلى عنوان المسرحية، ويؤكِّد هذا أن لحن الموال الأخير معروف، ولحن الموال القديم مجهول.
٤٤  يلفت كريك النظر إلى إشارة شيكسبير إلى السمكري في ٨٩ والإسكاف هنا، والنساج في ٦٠، دون تعليق، ولكن بعض النقاد الذين تناولوا المسرحية من زاوية طبقية (انظر المقدمة) أشاروا إلى تعلُّق مالفوليو بوهم الرقي الطبقي وإبدائه الاحتقار لغيره من الصناع والعمال وهو في الحقيقة منهم!
٤٥  «اخرس أنت»: في الأصل Sneck up!، ويعني التعبير حرفيًّا «أغلق الباب» (أو الأبواب) في زمن شيكسبير، والمقصود طبعًا أن يغلق فمه، وإن كانت دونو التي توافق على هذا المعنى، تقول إنه يشير من طرف خفي إلى مهنة مالفوليو التي تتضمَّن إحكام إغلاق أبواب القصر. ولكن كريك يقول إنه يعني «فلتشنق!» فاضطررت إلى الكشف عن معنى الكلمة في «معجم أوكسفورد الكبير» فوجدته يقول إن معناها تغير في القرن التاسع عشر (اعتبارًا من عام ١٨٢٢م)، فأصبح يعني في اسكتلندا وفي شمالي إنجلترا «فلتشنق» أو «المشنقة» نفسها. وهنا رجَّحت المعنى الشائع في القرن السابع عشر.
٤٦  «إلى الوداع يا فؤادي الحبيب»: هذه الأغنية مقتبسة مع التعديل في معانيها وألفاظها من أغنية مشهورة آنذاك يوردها روبرت جونز في كتاب عنوانه «الكتاب الأول للأغاني والألحان»، وهو الذي نُشر عام ١٦٠٠م، وعنوانها وداع كرويدون إلى فيليس:
‘Croydon’s Farewell to Phyllis’, in Robert Jones, The First Booke of Songes and Ayres, 1600.
والسير توبي والمهرِّج يختاران بعض مقاطعها فيغنِّيانها مع التعديل، وفيما يلي الترجمة الكاملة للفقرتَين الأوليَين:
(١)
إلى الوداع يا حبيبتي ما دام موعد الرحيل قد أزف.
عيناي تشهدان أن عمري كاد أن يضيع للأسف،
لكنني بالحق لن أموت في بكاها،
ما دمت أستطيع أن أرى سواها،
وهكذا فرغم أن موعد الرحيل حل،
وجود غيرها يزيل من قبلي الوجل،
إذن لترحل .. لن يُواتيني الأجل!
(٢)
إلى الوداع فالرحيل ماثلٌ أمامي،
ولن أضيع وقتي في التغني بغرامي،
لكنني سأطلب الحبيب في مكانٍ أفضل،
تُراي أرجو إن وجدتُه أن يرحل،
ماذا عساي عندها أن أفعل،
هل أطلب منه أن يرحل وأطيل القول،
لا لا لا لا لا أجرؤ أن أفعل.
(من طبعتَي آردن ونيوكيمبريدج)
وقد غيَّرت البحر الشعري في السطرَين الأخيرَين كما تفعل الأغنية القديمة وكما يفعل سير توبي والمهرِّج.
٤٧  «لا لا يا سير توبي الأكرم»: ماريا تعاتب السير توبي على التقاط كلمة «الوداع» من آخر ما يقوله مالفوليو وانخراطه في الغناء الذي يفضح إفراطه في شرب الخمر. ويقول فيرنس، ويؤيِّده ويلسون، إن السير توبي يغنِّي هذا البيت خصوصًا لماريا أي يوجِّه الكلام لها، و«يصاحب ذلك بعض الحركات التي يعبِّر بها المخمور عن حبه»، وتوافق دونو على هذا الرأي، ولكن كريك يراه «وهمًا محضًا».
٤٨  تقول دونو إن المهرِّج ربما كان يعلِّق على حركة مسرحية معيَّنة، مثل وقوع سير توبي على الأرض، الأمر الذي يُتيح التورية في lie بمعنى تكذب، وبمعنى ترقد!؛ ولكن كريك يقول إن ذلك يقطع تدفُّق التراشق المسرحي، ويؤكِّد أنه تعليق المهرِّج على الهراء الذي يغنِّيه سير توبي، بعد أن أخلَّ بالأغنية الأصلية!
٤٩  يقبل المحرِّرون المحدثون تصحيح تيبولد (Theobald) في طبعته عام ١٧٣٣م لكلمة (tune) الموجودة في النص الأصلي إلى (time)، ويُسهب كريك في تبيان أسباب قَبوله لهذا التصحيح.
٥٠  «الفطائر والجِعَة» (cakes and ale): أصبح الارتباط بينهما اصطلاحيًّا في اللغة الإنجليزية، وكان البيوريتانيون يكرهونهما لارتباطهما بالاحتفالات على مر الزمن، وخصوصًا لتقديمهما في حفلات الزفاف، وأعياد القديسين، وأيام العطلات.
٥١  «يخرج المهرج»: يقدِّم كريك حجةً مقنعة على اختياره إخراج المهرِّج في هذه اللحظة، وإن كانت الطبعات الأخرى جميعًا تجعله يظل على المسرح عاطلًا عن الكلام والحركة. وقد لجأ بعض المخرجين إلى جعله ينام، وهذا غير مقبول دراميًّا أثناء رواية ماريا للخطة التي وضعتها للسخرية من مالفوليو.
٥٢  «السلسلة الذهبية»: كانت الرمز الذي يحمله الحاجب أو القهرمان (مدير شئون المنزل)، وقد تكون سلسلة ساعة أو سلسلة مفاتيح، والنقاد يختلفون في ذلك ويتفقون في أنها كانت ذهبيةً فأضفت الصفة بين القوسَين.
٥٣  «هز آذانك الطويلة»: لا تعني بالضرورة أنه حمار، وإن كانت تعني ذلك هنا.
٥٤  يقول كريك إن عبقرية توبي في التدني الساخر (bathos) تتجلَّى هنا فيما يعتبره قمة «المقالب».
٥٥  «أخدعه حتى يصبح هزأة»: الأصل gull him into a nayword حرفيًّا «أخدعه حتى أجعله مضرب الأمثال»، وكلمة nayword أصلها كما يشرح فقهاء اللغة an aywod، ثم التصقت النون بالكلمة وانفصلت عن الأداة، مثلها في ذلك مثل انفصال النون عن nadder «الصِّل = الثعبان الضخم»، وهي الكلمة التي أصبحت اليوم an adder ومعنى ayword وهو كلمة السر، أو الشفرة الخاصة، والمعنى المقصود هو أن يصبح اسم مالفوليو مرادفًا لكلمة مغفَّل، ومن ثم يصير هزأة! وأمَّا استمساك كريك بكلمة nayword فمردُّه إلى ورود الكلمة في «زوجات مرحات» ٢ / ٢ / ١١٣، ٥ / ٢ / ٥، ولم ترد الكلمة في غير هذه المواضع في شيكسبير.
٥٦  «أرقد مستقيمةً في فراشي»: يبدو أن ذلك التعبير كان من الأمثال السائرة، وإن لم يرد في كتب الأمثال المعتمدة. وقد ترجمته حرفيًّا لطرافته.
٥٧  «غرضي حصان من هذا اللون»: من الأمثال السائرة.
٥٨  «وليكن المهرِّج ثالثكما»: هذه العبارة تؤكِّد أن المهرِّج ليس على المسرح الآن؛ ولهذا نص كريك على خروجه بعد آخر كلام يقوله. انظر الحاشية على السطر ١١٦ عاليه.
٥٩  بنتسيليا! (Penthesilea) (يا ملكة المقاتلات!): كان ذلك هو اسم ملكة الأمازونات؛ أي المحاربات الشديدات البأس في الأساطير الإغريقية، ويقول ويلسون إن سير توبي يعبِّر بذلك عن إعجابه بها وضاحكًا من ضآلة حجمها.
٦٠  «قسمًا»: الأصل Before me والأصل هو Before God وخُفِّف القسَم تجنُّبًا لذكر الله، وقد حاكيته في الترجمة فلم أذكر ما يُقسم به.
٦١  يريد سير توبي المزيد من نقود سير أندرو (انظر الإشارة في ٣ / ٢ / ٥٢–٥٣).
٦٢  «جاوزنا موعد الذهاب للفراش»: كأنما إذا فاتهما موعد الذهاب للفراش فعليهما أن يسهرا حتى الصباح! يقول النقاد إنه خير ختام لهذا المشهد.
٦٣  السطر الأول يمثِّل مشكلةً «إخراجية»؛ متى يدخل الموسيقيون؟ ومن الذي يخاطبه أورسينو؟ وقد أفاض المحرِّرون في الرد على هذا وذاك، والرأي الأعم يقول إن الموسيقيين يدخلون مع سيزاريو أو قبله بقليل وأنه يحييهم عند رؤيتهم، فاستعمال كلمة «أصدقائي» لا يقتصر على اللوردات، ويصلح لمن هم أدنى مرتبة صلاحيته لمن هم في المنزلة نفسها أو في منزلة أعلى. ويقول فيرنس إن «الأصدقاء» قد يضمون رجال البلاط أيضًا.
٦٤  اعترض بعض المحرِّرين على تعبير «اسمع سيزاريو إنها …» قائلين إنه إذا كانت فيولا قد سمعَت «أغنية البارحة» (وقد تكون قد غنتها للدوق؟) فلا ينبغي للدوق أن يصفها الآن. ولكن هذه خصيصة من خصائص الشخصية التي يرسمها شيكسبير؛ فالدوق يفصح عمَّا يشغله استمتاعًا به لا لإبلاغ الجديد للسامعين.
٦٥  «أيامنا الخوالي» (the old age): يفسِّرها الشراح بأنها تشير إلى «العصر الذهبي» الذي كان يتميَّز بالبساطة والإخلاص، ولكن هذا المعنى المضمر موحًى به وحسب ولا يظهر في الترجمة.
٦٦  «أقبل يا موت الآن وأدرِكني» (come away): يفسِّرها البعض بأنها «أقبل» وحسب، والبعض الآخر بأنها «أقدم وأسرع»، وإذن فمن الممكن استبدال «أسرع» بأقبل في مطلع الأغنية، ولكنني رجَّحت «أقبل»؛ ففي «أدركني» معنى السرعة، كما نقول بالعامية «الحقني».
٦٧  «في نعش من خشب السرو الكاسف ضعني»: الأصل هو And in sad cypress let me be laid، والترجمة تقدِّم المعنى الأرجح، وأمَّا من اقترح أن المعنى هو نعش صُفَّت فوقه أغصان السرو، فيُرد عليه بقول الأغنية إن النعش أسود (٥٩) وخشب السرو أسود، أمَّا من اقترح بأنه كفن من كلأ قبرص Cyprus (ولو كان هجاء الكلمة يشتبه مع اللفظة التي تعني السرور)، فيُرَد عليه بأن الأغنية تقول إن الأكفان بيضاء (٥٥).
٦٨  يتلاعب المهرِّج بالفكرة الشائعة التي ترد فيما لا يقل عن خمسة أمثال إنجليزية، وهي أن كل لذة لها ثمن من الألم.
٦٩  لا يسمح «مزاج» أورسينو الآن بالاستماع (ناهيك بالاستمتاع) بفكاهات المهرِّج، ومن ثم يطلب منه الرحيل بأسلوب مهذَّب؛ ولهذا يدعو المهرِّج «رب الكآبة» (ساتورنوس Saturn) بأن يحفظه!
٧٠  «القطيفة المتقلبة الألوان» (Changeable taffeta): كان ذلك النسيج من الحرير، وكانت ألوان السُّدى تختلف عن ألوان اللُّحمة (warp and woof) بحيث يختلف اللون حين تختلف زاوية النظر إليه.
٧١  «بعض الأحجار الكريمة»: فضَّلتُ هذا التعبير العام على «العقيق الأزرق» (Opal) أو حجر عين الشمس (مجدي وهبة) الذي نسمِّيه بالعامية «عين القطة»، وهو يتغيَّر لونًا في ضوء الشمس المنكسر عليه.
٧٢  اختلف النقاد في دلالة ركوب البحر وعلاقته بالتغيُّر، وهي واضحة، وإن كانت كلمات المهرِّج لا تضع النقط على الحروف كما يُقال؛ فعبارته الأخيرة قد تعني إمَّا أن جهود المتقلِّب تُحوِّل «العدم» إلى مكسب أو تُحوِّل كل مكسب إلى عدم! ويُثير كيتريدج في طبعته القديمة (١٩٤١م) إلى المثل السائر الذي يقول: «من يوجد في كل مكان، لا يوجد في أي مكان!» إيضاحًا لِمَا تعنيه عبارة المهرِّج الغامضة.
٧٣  «جميع أهل الأرض»: هذا هو المقصود بكلمة the world؛ فهم أهل الدنيا وقيمهم دنيوية، أو «أرضية»، كما يشرح أورسينو في السطور التالية.
٧٤  لاحظ إلحاح أورسينو على جمال أوليفيا «الظاهر» (انظر المقدمة).
٧٥  «من المحال … أوليفيا»: يقول كريك إن الناقد ﻫ. ف. بروكس نبَّهه إلى أن كاتبًا معاصرًا هو جون ليلي (John Lyly) (١٥٥٤؟–١٦٠٦م) كتب في إنديميون (Endimion)، وهي مسرحية منثورة نُشرت عام ١٥٩١م، على لسان يومينيدس ما يشبه هذا التأكيد على تفوُّق قدرة الرجل على الحب، وإن كانت العاطفة موجهةً في هذه الحالة إلى صديق من الذكور، كتب يقول: «لا تظلم الصداقة الثابتة عند الرجل، بأن تقارنها بالعاطفة القلقة عند المرأة» (٥ / ١ / ١٤٧).
٧٦  «الخد الوردي»: الأصل damask cheek «الدمقس» لا يُقصد به نعومة الملمس بل اللون، وهذا ما يتفق فيه جميع الشراح، وأذكر أنه ورد بهذا المعنى في المسرحية التي كتبها شيكسبير قُبيل هذه، وهي «كما تُحب»، عندما وصفت فيبي (Phebe) لون شفتَي روزاليند (Rosalind) فحدَّدته بأنه «كالفارق تمامًا بين الأحمر القاني واللون الوردي الممتزج (بالبياض)» (٣ / ١ / ١٢١–١٢٢) (mingled damask). ويؤكِّد هذا ذكر اللونَين الأخضر والأصفر في البيت التالي.
٧٧  «تمثال الصبر المشهور الباسم للأحزان»: تورد بعض الطبعات صورًا لتمثال الصبر الذي تعلو شفته بسمة خافتة مثل بسمة الموناليزا، وكانت تُقام تماثيل أخرى للجَلَد وغيره، مثل «الأمل» (ويتوسَّع في ذلك كتاب تذكره دونو عن تأثُّر شيكسبير بالفنون التشكيلية في عصر النهضة). وقد وردت صورة بسمة الصبر في مسرحية لاحقة لشيكسبير هي بيركليز Pericles (٥ / ١ / ١٣٧–١٣٩).
٧٨  «أنا كل بنات أبي .. وكذلك كل الإخوة» (انظر المقدمة حيث مناقشة الدلالة الدرامية): الواقع أن هذا اللغز في ظاهره كان من «الحيل الأسلوبية» التي أشاعها ليلي Lyly المشار إليه في الحاشية ٩٤–١٠٤، وارتبطت بأسلوبه المتكلَّف المصطنع في رومانستَيه المشهورتَين، وبطلهما يُدعى (Euphues) (ومنه نُحتت الصفة التي تُطلق على هذا الأسلوب (Euphuism) (الأسلوب اليوفوي / التأنق اللفظي (مجدي وهبة)، ولكن شتان بين ما يفعله شيكسبير هنا وبين هذا الأسلوب، حتى لو أتى الشراح بنماذج مشابهة له في ليلي، من مسرحية جالاثيا (Gallathea). وأعتقد أن ملاحظة ﻫ. ف. بروكس في هذا الصدد لا تثبت أدنى تأثُّر أو شَبَه).
٧٩  يقول بوب (Pope) إن المكان هو حديقة منزل أوليفيا.
ولنلاحظ أن فابيان يحل محل المهرِّج في جماعة المشاهدين للخدعة التي دبَّرتها ماريا لمالفوليو.
٨٠  «أستحق السلق»: يقول ويلسون إن فابيان يسخر؛ فالحزن أو الاكتئاب حرفيًّا (melancholy) عنصر بارد لا حار.
٨١  الكلب sheep-biter: حرفيًّا «عضاض الغنم»؛ أي كلب حراسة الأغنام. والمقصود الكلب وحسب.
٨٢  «الرهان على الدببة»: كان لعبةً شائعة في ذلك العصر؛ إذ يأتي الناس بدب فيربطونه في وتد، ويحيط به الكلاب التي تنبحه ويحاول كل منها أن يعضه، ويراهن المشاهدون على الكلب الذي يرونه البادئ بالعض، وكان البيوريتانيون يستنكفون من ذلك باعتباره من ألوان الميسر.
٨٣  «ذهب الهند الإبريز»: الأصل metal of India، والصورة شائعة في شيكسبير وشعراء القرن السابع عشر، والهند تشير إلى شبه الجزيرة الهندية في آسيا وجزر الهند الغربية في البحر الكاريبي جميعًا.
٨٤  «في الصورة والطبع» (complexion): هذا هو المعنى الذي تقول به أغلبية الشراح، وأمَّا قصره على «اللون»، على نحو ما يزعم كريك، فتبسيط مُخلٌّ للمعنى. والواقع أن أوليفيا تمتدح في المسرحية عقل مالفوليو ورزانته صراحة، وانظر «المقدمة» للمزيد من مناقشات النقاد.
٨٥  يرفض كريك أن يضيف النص على أن ما يقوله المشاهدون غير مسموع لمالفوليو، باعتباره أمرًا «مضلِّلًا» إلى حد ما؛ لأن أحاديثهم تمثِّل في رأيه «حوارًا متكاملًا»، ولكن جميع الطبعات تنص على ذلك؛ فهو ما يحدث على المسرح؛ ولذلك نصصت عليه.
٨٦  هذه السابقة التي يتحدَّث عنها مالفوليو تفتقر إلى أي سند تاريخي أو أدبي، على الرغم من افتراض بعض المحرِّرين أن «ستراتشي» اسم كُتب خطأً والمقصود به اسم آخر. ويقول الدكتور جونسون إن الإشارة هنا قد تكون إلى «قصة قديمة» منسية.
٨٧  «إيزابل»: زوجة الملك أهاب المتكبِّرة التي عوقبت بإلقائها للكلاب في الكتاب المقدس (سِفر الملوك ٩ / ٣٠–٣٧)، والواضح أن السير أندرو قد سمع التعبير فردَّده كالببغاء دون فهم.
٨٨  «النار والأحجار له!» (Fire and brimstone): المعنى الحرفي للكلمة الثانية هي «حجر كبريت العمود»؛ أي الكبريت (sulfur)، ومع ذلك فليس معدن الكبريت هو المقصود بل عذاب الجحيم، وتراثنا اللغوي يورد «الحجارة» وقودًا للنار: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ (البقرة: ٢٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ (التحريم: ٦) حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (هود: ٨٢) (الحجر: ٧٤) بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (الفيل: ٤)؛ ولذلك ترد العبارة الإنجليزية كاصطلاح لغوي أيضًا في صورة (Hellfire and brimstone)، وراعتني كثرة ارتباط الحجارة بالعذاب، ففضَّلت المعنى الدلالي على المعنى الحرفي.
٨٩  ينسى مالفوليو أنه عندما يصبح الكونت مالفوليو لن يضع في صِداره السلسلة الذهبية؛ ولذلك سرعان ما يقول «بدلًا من سلسلتي» «جوهرة ثمينة»!
٩٠  «قد يكون الصمت عسيرًا»: المعنى المقصود هو «قد يلزم تعذيبنا حتى تلتزم الصمت» كما توضِّحه الصورة في الأصل: Though our silence be drawn from us by cars …
والمعنى الحرفي قد «يلزم ربطنا بحبال وجرنا على الأرض بعربات لانتزاع الصمت منا». وهنا مكمن الفكاهة؛ فالتعذيب يُستخدم لإجبار المحبوس على النطق لا على الصمت! ولكنني راعيت إيقاع الحوار على المسرح في هذا الحدث المثير؛ إذ لا بد أن يكون سريعًا ومباشرًا ولو تطلَّب ذلك التضحية بالمعنى الحرفي.
٩١  «حتى لا تفسد خطتنا»: المعنى الحرفي: «تقطع أوتار عضلات خطتنا» (break the sinews)، وقد فضَّلت هنا الإيقاع السريع للحوار فجئت بالمقصود؛ لأن الصورة ليست ذات دلالة شعرية.
٩٢  ديك الغابة (woodcock): معروف عنه في الثقافة الغربية الغباء أو البله؛ ولذلك يسهل صيده، ولذلك أضفت الصفة في الترجمة العربية لاستكمال الدلالة الثقافية. ولو قلت الأبله وحسب لكفى، ولكن صورة الطائر وهو يقع في الفخ أساسية، وترتبط بالديك الرومي المنفوش!
٩٣  «عفريت المزاج»: أي العفريت الذي يُملي عليه السلوك الشاذ.
٩٤  تفسيرات النقاد لمعاني هذه الحروف لا تهمنا؛ أولًا لأن الجمهور لن يدركها في المسرح، وقد شغل المفسِّرون بها أنفسهم في الحياة الأكاديمية؛ لأن عملهم يقتضي ذلك، وحتى لو ترجمتها فلن تعني شيئا للقارئ العربي.
٩٥  «لوكريس» (Lucrece): المقصود الصورة المرسومة على الخاتم الرسمي الذي يسخنِّه الكاتب ثم يضغط به في شمع الخطاب فتنطبع فيه الصورة التي اختارها صاحب الخاتم. والواضح أن أوليفيا قد اختارت صورة لوكريشيا (Lucretia)، وربما تصوِّرها الصورة لحظة انتحارها بخنجرها بعد أن اغتصبها تاركوين (Tarquin) (انظر السطر ١٠٧ أدناه يرد ذكر «خنجر لوكريس»).
٩٦  «الحيوان المنتن»: في الأصل (brock) ومعناها الغُرَير؛ أي (badger) الذي يضرب به المثل في سوء الرائحة، فيقال «أنتن من غُرير»، ولكن هذا مقصور على الثقافة الغربية، ولن يستطيع اسم الحيوان وحده نقل الصورة، ناهيك بخوفي من إساءة قراءة الكلمة العربية التي لا تكون مألوفةً للقارئ العادي؛ إذ قد يوحي بناؤها الصرفي بتصغير وصف لا يفيد هذا المعنى على الإطلاق؛ ولذلك نقلت المعنى دون التزام بالحرفية العلمية؛ فهذا عمل أدبي مسرحي لا دراسة علمية.
٩٧  الهدف من هذه الحروف دفع مالفوليو إلى محاولة «فك الشفرة» وإطالة المشهد الفكاهي وحسب، وإذن فمن العبث أن نحاول نحن استخلاص معانٍ عميقة منها. وسأذكر بعض محاولات الباحثين التي أجدها «مسليةً» لا أكثر. حاول أحدهم عام ١٩٦٢م (واسمه كوكس Cox) في بحث نشره في (Shakespeare Quarterly) إثبات كون الحروف رموزًا لعبارة «إنني أوليفيا»، وذلك بذكر أوائل حروف الكلمات وإعادة ترتيبها! هكذا I. A. M. O.، وحاول آخر أن يقول إنها ترمز للعناصر الأربعة؛ فالميم أول حرف في Mare أي البحر (ولماذا لا تكون Aqua أي الماء؟)، واﻟ O أول حرف Orbis أي الأرض (ولماذا لا تكون Terra؟)، وA أول Aer أي الهواء، والآي أول حرف Ignis أي النار. هذا كله لا طائل من ورائه، وقد يضحكنا مثلما يضحك مالفوليو الجمهور.
٩٨  «وأسرع انقضاض الصقر الحقير عليه»: الأصل هو:
And with what wing the staniel checks at it!
أمَّا staniel فهو نوع حقير من الصقور (Kestrel)، وأمَّا الفعل check at فهو يصف دورة الصقر في الهواء للانقضاض على الفريسة، وقد يكون الانقضاض مفاجئًا، ولكنني اكتفيت بالسرعة المقصود إبرازها؛ فالصقر يطير وينقَض بسرعة، وهذا هو المعنى. ويعود شيكسبير إلى ذكر انقضاض الصقر في ٣ / ١ / ٦٥؛ ففي ذلك السطر لا يرد ذكر السرعة، بل الانقضاض فحسب في استعمال الفعل الإنجليزي نفسه.
٩٩  تكرار لذكر حرفَين من الحروف الملغزة.
١٠٠  سوتر (sowter): الاسم الذي يُطلقه على الكلب يعني في اللغة «الإسكافي» (cobbler)، وكثيرًا ما يُطلَق على الكلاب دون أن يكون في ذلك إيحاء بالاحتقار. ومعنى السطرَين هو أن مالفوليو سوف يصيح فرحًا بالعثور على حل اللغز كأنما اكتشف اكتشافًا خطيرًا، مع أن الحل واضح، فكأنه الكلب الذي ينبح فرحًا كأنما حقَّق انتصارًا خطيرًا مع أن رائحة الثعلب التي يتتبَّعها قوية ولا يمثِّل اكتشافها انتصارًا.
١٠١  فابيان يواصل صورة اقتفاء الكلب لرائحة الثعلب؛ إذ يُشير إلى مَثَل سائر يقول: «أضعف الكلاب في الصيد يُصيب في تتبُّع أضعف الروائح!» أي إن مالفوليو لا يستطيع الصيد، ولكنه سوف يتتبَّع الرائحة على ضعفها الشديد. والعبارة الإنجليزية المترجمة هنا هي The dog is excellent at faults، ومعنى fault هو الرائحة التي ضعفت (إلى حد الاختفاء)، وقد نقلتُ الصورة هنا كما هي لأنها تمثِّل استمرارًا للصورة التي رسمها فابيان من قبل.
١٠٢  أخذت في هذا بشرح الدكتور جونسون. انظر السطر ١٠٥.
١٠٣  حرف «آي» يوحي لفابيان بكلمة eye التي تعني العين، وتشترك في نطقها مع ذلك الحرف.
١٠٤  الفكاهة اللفظية لا تُنقل في الترجمة؛ ولذلك فقد المعنى التورية في كلمة eye.
١٠٥  «تبسط يدَيها لك»: بمعنى تُغدِق عليك خيراتٍ ونعمًا كثيرة، والأصل هو open their hands؛ أي تسخو عليك.
١٠٦  دمك وروحك: يقول كريك إنهما كلمتان مترادفتان، وتقول دونو إنهما يعنيان معًا «معدنك».
١٠٧  و«لتجر على لسانك»: الأصل let the tongue tang؛ أي «فلتردد رنات لسانك»، ولكن التوكيد لا ينصَب على الرنين بل على العبارات، ففضَّلت يُسر التعبير وسلاسته على الترجمة الحرفية.
١٠٨  الواضح أن هذه السطور تتناقض مع ما يجيئ في السطرَين ١٩٩–٢٠٠ أدناه، وتقول ماهود: «إن الجورب الأصفر ورباط الساق الصليبي لم يُمتدحا إلا في هذا الخطاب، ويبيِّن لنا شيكسبير كيف تتولَّى مُخيِّلة مالفوليو القيام بباقي «المهمة».» أمَّا رباط الساق الصليبي فكان جوربًا طويلًا إلى أعلى الفخذ تشده أربطة مُحكمَة من القماش لا من المطاط، والرباط يتكوَّن من فرعَين يتقاطعان تحت الركبة وفوقها، وأمَّا الجورب الأصفر فكان مخصَّصًا لزيارة البلاط. وقد اختارت ماريا هذا وذاك لا لأي دلالة على الشباب أو الحب؛ بل لأن أوليفيا تكرههما لِمَا فيهما من تصنُّع أو بُعد عن التواضع. ولا أرى ما يدعو لاستعراض آراء النقاد الكثيرة في هذا هنا.
١٠٩  المعنى في السياق؛ أي المعنى المقصود، هو أنه سوف يعامل سير توبي باحتقار، أمَّا المعنى الأصلي للفعل baffle في ذلك العصر فهو أنه سوف يخفض رتبته، وذلك حرفيًّا بالتجريد من لقب السير، الذي يعني الفارس، وليس هذا بطبيعة الحال هو المقصود.
١١٠  يقول بعض النقاد إنه يشير إلى المعاش الكبير من شاه الفرس بسبب ما شاع آنذاك من أن الشاه قد أنعم على السير أنتوني شيرلي (Anthony Sherley) وإخوته بمِنَح وهدايا طائلة. ويضيف النقاد إن الإشارة إلى الشاه تبدو مقحمةً على النص؛ إذ لا يوجد في الموقف ما يبرِّر تذكُّر فابيان أموال الشاه، وإن الإشارة لم تُدرَج إلا لمعرفة الجمهور بها وإحاطته بالروايات التي رواها شيرلي عن رحلاته إلى بلاد الفرس في كتابَين ذدرا في ذلك الوقت، وكانا يتمتَّعان بالذيوع. وأمَّا الإشارة الثانية إلى شاه الفرس (٣ / ٤ / ٢٨٤) فملائمة للسياق، وإن كانت تمثِّل المتابعة للفكرة نفسها.
١١١  «ماء الحياة» (aqua-vitae): كان شرابًا كحوليًّا معروفًا. ونذكر أن مربية جوليت في مسرحية «روميو وجوليت» كانت تُضطر إلى شرابه عند اشتداد توتُّرها (٣ / ٢ / ٨٨، و٤ / ٥ / ١٦).
١١٢  «باب الجحيم» (gate of Tartar): أي Tartarus بمعنى الجحيم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤