آباء وأبناء

أعرفها من ثلاثين سنة أو تزيد، وقد تَخطَّتِ الآن الخمسين، ولم أكن أعرف أن لها قصة، ولم تُفكر هي يومًا في أن تروي لي قصتها. فلما قرأت قصة «هكذا خُلقت»، أقبلتْ عليَّ يومًا تقول: إذا كان مثل هذا القصص يعنيك، فما لك لا تسمع قصتي، فإن راقَتْكَ، فدونها. إنني لا أستطيع أن أكتب بنفسي كما كتبت بطلة قصتك الأخيرة، وأتمنى أن ترى ما أذكره لك جديرًا بالتدوين!

قلت لها: «هاتي ما عندك، وأنا أعدك بتدوينه على لسانك.»

قالت: كانت لي أخت من أبي تكبرني بضعة أشهر، وكان خالها شابًّا رقيقًا جميل الطلعة، يصغر أمها خمسة عشر عامًا أو نحوها، وكان له وقف تشركه فيه أخته ما دام حيًّا، فإذا توفي عن ورثة ذكور انتقل الوقف إلى هؤلاء الورثة وحرمت أخته من ريعه.

وأحبتْ أختي قريبًا لأبينا، وطمعت في أن تتزوجه. وكان قريبنا هذا يحبها، ويتمنى أن يتزوجها، لكنه كان شابًّا رقيق الحال، قليل الموارد، فلما خطبها إلى أبيها، استمهله محتجًّا بأن البنت لا تزال صغيرة السن، ولكنه ذكر لأمها أن رقة حال قريبه هي التي تجعله يطمع في يدها طمعًا في مالها!

ليس بين البنت وأمها سر كما يقولون، فلما عرفت أختي سبب رفض أبيها خِطْبَتها، أحزنها ذلك حزنًا بدَا أثره في صحتها؛ لأنها كانت معتزة بما تناله أمها من ريع الوقف، مقتنعة بأنها تستطيع أن تعيش منه مع قريبها عيش سعة، جاهلة أن هذا الوقف مآله إلى غير أمها وغيرها، وأنها ستكون عبئًا على أبيها إذا أصبح لخالها وارث يحرم أمها من الاستحقاق. فإن لم يُعِنْها أبوها يومئذ اضطرت لعيش ضنك مع قريبنا. وهذا ما لم يرضه أبوها فلم يقبل الخطبة!

وأدى تردد خال أختي علينا منذ طفولتي إلى انفصال المودة بيني وبينه، فلما انتقلت من الصبا إلى الشباب، بدأت أشعر نحوه بعاطفة جديدة وبدأتُ أرى في عينيه وهجًا دلني على أنه يحبني كما أحبه!

وأخذتْ هذه العاطفة تقوى في نفسينا حتى صارت غرامًا عارمًا، وحتى كنت أود، حين أرى الشاب مقبلًا علينا، لو أطير إليه وأتعلق بعنقه وأُوسعه تقبيلًا، لولا الحياء الذي كان يمسكني مكاني، ويدفع حمرة الخجل إلى وجناتي!

وتسامع من في البيت جميعًا، بأن هذا الشاب الغني الرقيق الجميل، يريد أن يخطبني إلى أبي، فكانوا يهنئونني سلفًا، ويرجون لي في هذا الزواج سعادة وارفة الظل، وبنين يضاعفون هذه السعادة!

وكانت أختي لأبي كثيرة التوعك في هذه الفترة، وكثيرًا ما كانت تلزم سريرها، فكان والدي يكثر التردد عليها، والتودد إليها، ومعاملتها أرق المعاملة. أليسوا يقولون: «أحب ولدك إليك الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يحضر، والمريض حتى يشفى»؟!

وكانت لي غرفة تجاور غرفة أختى، وإني لجالسة في غرفتي هذه يومًا، وأختي معتكفة في سريرها، إذ سمعتها تقول لأبينا: أصحيح أن خالي سيتزوج أختي، فإذا أنجبت منه غلامًا انتقل الوقف له، فأصبحنا نحن فقراء، وأصبحوا هم الأغنياء؟

وسكتت برهة ثم قالت: «أوَتَرضى أنت عن هذا يا أبي؟» وأجابها أبوها: «اطمئني يا عزيزتي، لم يحصل شيء من هذا، ولن يحصل!»

لم أكن إلى تلك اللحظة، أفهم شيئًا عن موضوع هذا الوقف، وشروطه، وكل الذي كنت أفهمه أن أبي يريد أملاكًا واسعة، وأن امرأة أبي تنفق عن سعة، لا تعرف أمي، ولا نعرف نحن أبناءها، شيئًا من مثلها. وأن هذا الخال الذي يحبني من كل قلبه، كما أحبه من كل قلبي، كان يستمتع من إيراد هذه الأملاك بالنصيب الأوفى!

فلما سمعت ما قالته أختي، وما أجابها به أبي، أسرعت إلى والدتي، فقصصت عليها ما سمعت. فلما فرغت من حديثي رأيتها اضطربت، وتولاها الانزعاج، وقالت: تعسًا لامرأة أبيك! فما كانت أختك تعرف شيئًا مما قالته لأبيها، وما كانت لتجرؤ على ذِكره له لولا أن أمها دفعتها إلى ذلك وحَرَّضَتْها عليه. وهذه هي الطيبة التي تتظاهر بها، والسذاجة التي تريد أن يفهمها الناس عنها. أوَلَو تزوج أخوها غيركِ، ولم يتزوجك، أَيَسُرُّها ويَسَرُّ أباكِ أن نتساوى نحن وإياهم في الفقر؟ ومع ذلك فإن هذا الخال يحبك فلا تخشي شيئًا!

وأُقسم صادقةً، إنني لم أكن أفكر في هذا المال الذي يتحدثون عنه، ولم أفكر فيه بعد الكلام الذي سمعته من أمي، بل كان كل تفكيري في هذا الشاب الوسيم الحبيب، الذي ملك كل عواطفي، وكل حياتي، فكنت إذا رأيته، تحركتْ بعنف في فؤادي كلُّ الإحساسات الرقيقة القاسية التي تعبر عنها كلمة الحب. ثم تزداد هذه الإحساسات عنفًا حين أرى في عينيه وهج الغرام، وفي كلماته العذبة التي يبادلني إياها، ما يملأ نفسه من هيام بي، يسمو بنا كلينا إلى أرق أجواء الهوى والنعيم!

ولست أدري ما الذي دار بين أبويَّ من حديث، بعد الذي أفضيت به إلى أمي. ولست أدري كذلك ما الذي فعله خال أختي من تلقاء نفسه، أو بمشورةٍ من أمي. ولكن الذي أدريه أني دعيت بعد أيام من ذلك للذهاب إلى بيت خالي أنا، وأني كُلِّفت حين أُسأل عمن أُوَكِّل في عقد قراني أن أقول إني وَكَّلْتُ أبي. وكذلك فعلت، وقَبَّلتني أمي بعد سويعة من هذا التوكيل، وأخبرتني أن ما حدث سرٌّ لا يجوز لي أن أبوح به لأحد؛ لأن أبي وعد أختي ألا يعقد قراني على خالها!

•••

وكانت أختي إذ ذاك طريحة الفراش، اشتدت بها العلة، ولم يكن الأطباء الذين يعودونها يُبدون الكثير من التفاؤل بشفائها.

كيف عقد أبي قراني على خال أختي وقد وعدها ألا يفعل؟

أخبرتني أمي من بعدُ أن هذا الخال العزيز ذهب إلى أبي، وأقسم له أغلظ الأيمان إنه إن لم يتزوجني تَزَوَّج امرأة من طبقات الشعب الدنيا، فورث أبناؤها الوقف، وحرمتْ أسرتنا كلها منه. أو انتظر حتى أَبْلُغ رشدي، وعقد قراني به على كره من أبي!

وخشي أبي أن يُنفِّذ الشاب تهديده الأول، فيخرج الوقف من يده بأن يعزله خال أختي من إدارته، وأن تُحرم زوج أبي، ويُحرم أبي، مما ينالانِه من هذا الإيراد الوفير. ونزل أبي على إرادة الخال العزيز، على شريطة ألا تعلم امرأةُ أبي، أو تعلم ابنتها، بما يتم من ذلك، خوفًا على حياة هذه الابنة العزيزة المريضة!

وتوالت الأيام، وازدادت علة أختي تبريحًا بها. وإنها لفي الأيام الأخيرة من علتها، إذ سمعتُها تقول لأبيها: لقد وعدتني ألا يتزوج خالي أختي.

وأجابها: «نعم يا حبيبتي، ولن يكون ذلك!»

ولم أحفل بما سمعتُ وقد عقد قراني … وبعد أسبوع تُوفيت أختي، فحزنا كلنا، لجمالها وشبابها ورقتها وظرفها، وقد وورِي ذلك كله التراب!

وبعد أربعين يومًا من وفاتها، لاحظتُ أن أبي كان كلما رآني تبدو عليه سيما التفكير العميق، وأنه كلما خلا إلى أمي، دار بينهما حديث لا يخلو من حدة … وسبب ذلك فيما أخبرتني به أمي، أنه كان يعتبر الكلمات الأخيرة التي قالتها أختي عن زواجي من خالها، والوعد الذي قطعه لها بأن ذلك لن يكون، وصيةً مقدسةً لا بد من نفاذها. وأنه كان يفكر في عقد قراني، وفي ضرورة التخلص منه بتطليقي من حبيبي.

وعبثًا حاولتْ أمي أن تقنعه بأن ما يريد من ذلك لا يمليه عقل ولا منطق، فالحي أولى من الميت، وليست له ولا لأحد فائدة من تنفيذ ما يسميه وصية المتوفاة، على كرهٍ مني، وممن عقد عليه زواجي. فقد أصرَّ على أنه وعد ابنته ساعة انتقالها إلى العالم الآخر، وعدًا لن يستريح ضميره إلا إذا نفذه!

وقد ملك هذا الخاطر على أبي نفسه ووجدانه، بصورة لم يكن لخيالي الشاب إذ ذاك أن يتصورها. كنت أستيقظ جوف الليل أحيانًا لبعض شأني، فأراه في البهو الذي تفتح عليه غرف نومنا، يسير ذهابًا وجِيئةً، ويكلم نفسه أحيانًا، بعبارات لا أتبينها، وأسمعه يذكر اسمي واسم أختي المتوفاة. وكنت إذ ذاك أتسلل من غرفتي على أطراف أصابعي لقضاء ما أيقظني، ثم أعود متسللة كذلك حتى لا يشعر بي.

وكنت أذكر ما أرى من ذلك لأمي، فأشعر بأنها ترتاع له، وتُشفق منه. وأفضتْ إليَّ في هذه الآونة بأن أبي يريد تطليقي، وأوصتني بأن أبذل كل جهد للاحتفاظ بزوجي العزيز. ولم أكن بحاجة إلى أي جهد أبذله، وقد ربط الحب بين قلبي وقلب زوجي بأوثق رباط وأمتنه.

وقد تكرر أمامي منظر أبي، وهو يذرع البهو ذهابًا وجيئة، ويكلم نفسه في جوف الليل، حتى كدت أشفق عليه. وبلغ مني الإشفاق غايته، حين رأيتُه ذات ليلة، وقد اعترته هزة عصبية، فبكى وبللت الدموع وجهه. عند ذلك لم أستطع أن أتسلل لأختفي منه، بل ذهبت إليه أسأله ما به؟

وأجابني: «لا شيء! إنني أشعر بمغص خفيف أقلقني، فعودي أنت إلى سريرك ونامي هادئة مطمئنة.»

وفي الصباح من ذلك اليوم دعاني أبي وقال لي: أنت تعلمين يا ابنتي كم أحبك وقد ازددت حبًّا لك منذ وفاة المرحومة أختك، ولست أبتغي لك في الحياة إلا السعادة. وخال أختك الذي عقدت قرانك عليه سِكير مدمن، وإنما رضيت عقد القران نزولًا على إلحاح أمك الطامعة في ماله، والتي تحسب أن السعادة كل السعادة في المال. أنا أعلم يا ابنتي أنك تحبينه، وأنه يحبك، لكن الحب عاطفة شباب، إن لم يعصمها خُلق متين تعرضتْ للزوال، بل تعرضت للانقلاب إلى نقيضها. والأمر كذلك مع السِّكِّيرين المُدمنين، أكثر منه مع غيرهم. لهذا فكرتُ في أن أحمل خال أختك على تطليقك قبل أن يطلب أن تُزفي إليه. فأعينيني على ذلك بأن تُظهري له النفور منه، وعدم الاطمئنان إلى الحياة الزوجية معه. فلو أنك فعلتِ لَيَسَّر ذلك ما أريد، وفَتَحَ أمامك باب السعادة. وأَعِدُكِ بأن أزوجك من رجل أَقْوَم منه خُلقًا ولا يقل عنه ثروة!

استمعتُ إلى هذا الكلام، فأيقنت أن تفكيره الطويل فيه هو الذي أرَّقَه وأبكاه جوف الليل، وذكرتُ وأنا أسمعه ما كانت أختي تقول له عن زواج خالها مني، ووَعْدَهُ بأن ذلك لن يكون.

وقد كنت أرى أبي يتناول في بعض الأحيان شيئًا من الشراب مع خال أختي، فخُيل إليَّ أنه يبالغ فيما يَذكره من إدمان هذا الشاب للشراب وتَوَفُّره عليه. وتواردتْ هذه الخواطر على نفسي في مثل لمح البصر. فلما أتم أبي كلامه، أطرقتُ وقد احْمَرَّ وجهي خجلًا أو غيظًا. وبعد فترة قلت: ليس لي من هذا الأمر شيء يا أبي، فالطلاق بيد زوجي لا بيدي. وقد عودتني منذ طفولتي أن أكون معه اللطف والأدب، فلا أستطيع الخروج على ما أدبتني به. والأمر لك على كل حال!

وقمت من مجلس أبي مُوقنة أن ما وعد به أختي قبيل وفاتها من أن زواجي بخالها لن يتم هو الذي دفعه إلى حديثه معي.

وقصصت ما حدث على أمي، فقالت: إياك أن تغيري مسلكك مع خال أختك، فهو اليوم زوجك، أنت حِلٌّ له، وهو حل لك، ولا يجوز لك بأي اعتبار أن تخرجي عن طاعته!

•••

أصبحت بين أبي وأمي وقلبي، في موقف لا أُحسَد عليه، موقف تتجاذبني فيه العواطف المتضاربة أشد التجاذب. فأنا أحب أبي وأحترمه، وأحب أمي وأقدسها، وأحب زوجي الذي عقد أبي قراني عليه حب العبادة! وكان هذا الزوج كلما رآني أَظْهَر من غرامه بي ما يزيدني حبًّا له، وما يجعل الاستجابة إلى ما طلبه أبي أمرًا مستحيلًا!

وكانت أمي تؤكد لي أن ما ذكره أبي عن إدمان زوجي الشراب غير صحيح، فهو يشرب كما أن الشبان جميعًا يشربون، وأبي نفسه كان في شبابه يشرب كما يشرب زوجي اليوم، ثم قلل من الشراب لأن صحته قضت عليه بالإقلال منه!

وكانت عبارات أبي وحرصه على سعادتي، تتردد في نفسي فلا أستطيع تكذيبها، وإن لم يسهل على نفسي تصديقه!

كانت هذه العوامل كلها تتنازعني، فأصبح بينها كالريشة في مهب الريح، لكني كنت أنتهي بالإذعان لعامل أقوى منها جميعًا، ذلك حبي المشبوب الذي ملأ كل قلبي وكل جوانحي، والذي كان يهزني هزًّا عنيفًا كلما رأيت زوجي وكلما ذكرته وهو غائب!

لم يكن حرص أبي على فصم عقدة الزواج، بأشد من حرص أمي على أن تتم الخطوة الأخيرة في هذا الزواج، فيصبح أمرًا مقضيًّا واقعًا.

وقد علمت من بعد أن أبي كان يتهم أمي بأنها تريد أن يتم الزواج ليصبح الوقف لأولاد بنتها. وكانت أمي تجيبه بأن ذلك خير من أن ينتقل الوقف إلى أجانب، لا تربطهم بأسرتنا كلها أي صلة. ثم تضيف: هذا إلى أن ابنتي وزوجها يحب كلاهما الآخر، فحرامٌ أن تفصل بينهما لأوهام تدور برأسك ولا يُقرك عليها أحد!

وأدى هذا الخلاف العنيف بين أبي وأمي، إلى ما يشبه الانفصال.

فنقلت أمي سريري إلى غرفتها، وكأنما خشيت إن أنا بقيت وحدي في غرفتي الصغيرة، أن يحملني أبي على ما يريده من تيسير أمر طلاقي.

وبعد ذلك بأسابيع، حدث ما لا أدري كيف أصوره!

•••

أمسكت محدثتي عن الكلام برهة غير قصيرة، وكانت تبحث عن الألفاظ التي تصور بها حادثًا تضطرب له. بل لقد بدا عليها ما يشبه الاضطراب بالفعل وهي تتأهب لاستئناف قصتها، برغم انقضاء عشرات السنين على هذا الحادث!

فلما ملكت نفسها، استطردتْ تقول: كان أبي غائبًا ذلك اليوم عن المدينة، وكان زوج أمي في طابق غير الذي كنت مع أمي فيه، وكنت وأمي قد ارتدينا كلتانا ثياب النوم ودخلت كلٌّ منا سريرها. وإننا لكذلك إذ فتح باب الغرفة، ودخل منه خال أختي وعليه ثياب النوم، وأوصد الباب بالمفتاح وراءه، ثم اتجه قاصدًا سريري.

فلما رأيت ذلك منه، جلست أنتظر ما عساه يريد أن يقول.

لكنه لم يقل شيئًا، بل أزاح الغطاء إلى جانبي! عند ذلك قفزت من السرير، وقلت في صيحة مكظومة: ما هذا؟!

ونظرت إليَّ أمي وقد وضعت إصبعها على فمها، وقالت: هس!

ثم قالت بصوت خافت: ارجعي إلى مكانك من سريرك، إنه زوجك وأنت حل له وواجب عليك طاعته فيما يريد!

وقام زوجي فربت على كتفي بلطف وقال: ما يفزعك؟ أليس ذلك مآلنا؟ أم تعنيك زفة العروس كل هذه العناية؟ أنت تعلمين أن ذلك غير ممكن بسبب الحزن على أختك، وأنك يوم تنتقلين إلى بيتي فسيكون ذلك في صمت كصمت هذه الليلة. فما الفارق بين اليوم وغد، أو بين اليوم وبعد أسبوع أو شهر؟ إن حولنا يا حبيبتي مؤامرات يجب أن نفسدها، بأن نضع المتآمرين أمام الأمر الواقع. ولا أظنك تعتقدين أن أمك أقل حرصًا على كرامتك وعلى مستقبلك منك أنت: لقد انعقد زواجنا على شرع الله وسنة رسوله، فلا تَدَعِي هذه الفرصة تَمُرُّ، دون أن نفسد كيد الكائدين وتآمر المتآمرين!

وانضمت إليه أمي، وجعلت تُذَكِّرني بأنني زوجة تحب زوجها، وتجب عليها طاعته. وأنها اتفقت مع زوجي على ما حدث، فلا لوم عليه فيه. وأنني يجب أن أكون عونًا على نجاح خطة يريدان بها خيري وسعادتي!

وتظاهرت بالاقتناع بحججهما، واستأذنت زوجي في أن أذهب لبعض شأني ثم أعود فأكون على ما يريد.

وفتح زوجي الباب الذي كان قد أَوْصَده، فذهبت إلى الحمام. ولم أكد أدخله وأُوصد رتاجه، حتى شعرت بالقشعريرة تهز جسمي كله، وانهملت الدموع من عيني. وعجبت كيف تدفعني أمي إلى أمر أخجل منه أمام أبي، مهما يكن حلالًا، ومهما يُجِزْهُ الشرع!

وفي لحظة، ثبت عزمي على أن أقضي ليلي في الحمام لا أبرحه حتى الصباح. فلما طال بزوجي انتظاري، جاء زوجي فدق الباب في رفق، فقلت له: ناشدتك الله أن تدعني، ولن أخرج من هنا إلا في الصباح!

قال: «أنت إذن لا تحبينني؟»

قلت: «بل أعبدك. وأنا في طاعتك ما أمسكتني. لكني لن تأتي معي أمرًا أخجل منه أمام أبي، وإن كان حلالًا لي!»

وعبثًا حاول أن يصرفني عن عزمي، فلما بدا له اليأس مني، تركني وانصرف، ولم أره إلا الغداة!

•••

لم أدر ماذا حدث بعد ذلك بين أبي وأمي، ويبدو أنها بالغت في الإلحاح عليه بضرورة انتقالي إلى بيت زوجي وأنه كان أشد منها إلحاحًا في ضرورة تطليقي. وبلغ الجدال بينهما في هذا الأمر أشده، حتى لقد اتهمته أمي بأنه يكرهني ويكره إخوتي منها، وأنها لم يبق لها طاقة بالمقام في بيتها لهذا السبب!

وأقسمتْ إنها ستغادر هذا البيت إلى بيت أخيها بعد ظهر اليوم نفسه، وأقسم أبي يمينًا إن هي فعلت كانت طالقًا ثلاثًا.

ومست هذه اليمين صميم الكرامة من نفس أمي، فجمعت متاعها، وغادرت البيت، وأوقعت بذلك يمين الطلاق الثلاث!

لست أدري كيف غامرت أمي بإيقاع هذه اليمين، وهي تعلم أنها لا إيراد لها، وأن أخاها كثير العيال فلا يستطيع النفقة عليها؟

وانقضت أسابيع بعد ذلك، وأبي في حيرة من أمره. يريد أن يطلقني ولا يهتدي إلى الوسيلة التي يقنع بها زوجي ليطلقني!

وأخيرًا، صارح أبي هذا الخال العزيز بأن ابنة أخته المتوفاة هي التي كانت تعارض في زواجي من خالها، وأنه وعدها — وهي على سرير موتها — بأن هذا الزواج لن يتم، وأنه يرغب إليه، بل يرجوه بل يتوسل إليه، أن يطلقني احترامًا لوصية ابنة أخته!

ومس هذا الكلام قلب زوجي، لكنه لم ير أن يفصم عروة الزواج من تلقاء نفسه، بل قال: أنا لا أطلقها إلا إذا قالت إنها لا تريد البقاء على ذمتي!

ولم يرد والدي أن يخاطبني في هذا الأمر، بل رغب إلى خالي في أن يخاطبني فيه. وقلت لخالي إنه يطلب إلي المستحيل، فأنا لا أستطيع أن أكذب على الله فأزعم أنني لا أريد البقاء على ذمة زوجي. فلما ألح خالي، قلت في غضب وعصبية: إنني أوثر أن أنتحر على أن أجيبك إلى ما يريده والدي.

عند ذلك تركني وانصرف!

وأقسم والدي جَهد أيمانه إن لم أنزل على إرادته لَيحرمنَّ إخوتي من ميراثه، وليحرمن أمي من كل نفقة. وأبلغ خالي ذلك إلى أمي فاضطربت له أشد الاضطراب، وطلبت إلى أخيها أن يُسكن روع أبي حتى ترى رأيها في الأمر.

وبعد أيام، أقبلت أمي، وخلت إليَّ، وأخذت تعظني أن أنزل على رأي أبي، شفقة عليها وعلى إخوتي!

ولأول مرة في حياتي، ثُرت بها، واتهمتها والدموع تنهل من عيني، بأنها تريد أن تحطم سعادة حياتي حرصًا على ميراث أبي!

وأقبل المساء وقد يئست أمي، كما يئس أخوها من قبل. وإنا لننظر من النافذة، إذ رأيت خالي يقبل مُتأبِّطًا ذراع زوجي، وهو يتمايل وقد بدا عليه أثر الشراب. ورأيت من ورائهما أبي والمأذون يسير إلى جانبه!

وأسرعت أمي حين رأتهم مقبلين، فهبطت الدرج إلى الطابق الأول، وأيقنت أنا أن في الأمر تدبيرًا، وأنهم أبلغوا زوجي أنني لم أعد أريد البقاء على ذمته. فصعد الدم إلى رأسي، وقلت في نفسي: «لأفسدن تدبيرهم!»

وانْسَبْتُ إلى غرفتي، وأوثقتُ رتاجها، ووضعت وراء الباب كل أثاثها، واستنفد ذلك مني جهدًا شاقًّا. فلما أتممته، ارتميت في سريري منهكة القوى محطمة الأعصاب، أبكي بكاء الطفل، وأسأل نفسي: كيف يتآمر أبواي عليَّ … أبي تنفيذًا لما يسميه وصية ابنته المتوفاة، وأمي إشفاقًا على عيشها أو على ميراث أبنائها؟!

ثم إني رحت في غيبوبة لا أعي شيئًا مما حولي!

وعلمت من بعد، أنه لما اكتمل جمع القوم الذين حضروا للقضاء على حياتي وحبي، كرر زوجي أنه يريد أن يسمع مني أنني لا أريد البقاء على ذمته، فوقفتْ أمي على باب الغرفة التي اجتمعوا فيها ملثمة الوجه، وقالت في صوت متهدج، وكأنني أنا التي أتكلم: «أنا لا أريد البقاء على ذمة زوجي.»

وقال الشاب وهو في نشوة شرابه: «ليس هذا صوتها فإن كانت هي التي قالت فهي طالق!»

وحرر المأذون وثيقة الطلاق، وانتهت المؤامرة، إلى النتيجة التي أرادها أبي!

ذلك ما أخبرتني به أمي من بعد، فلما انصرف الجمع صعد أخي إلى غرفتي ورآها موصدة، فتسلق نافذتها وانحدر من شراعتها، وفتح بابها.

وخيل إلى أمي حين رأتني في غيبوبتي أنني فارقت الحياة، فأرادت أن تصيح فأسكتَها أبي، ودعا الطبيب لساعته، وقرر الطبيب أن ما بي انهيار عصبي امتد أثره إلى القلب، وأنه خطير على حياتي!

وأفقت في الصباح، ثم أقمت في سرير مرضي أسابيع عدة، عوفيت بعدها وعادت إليَّ الحياة!

ولا حظت من يومئذ أن أبي ازداد عطفًا عليَّ ولطفًا بي، أكان ذلك لأنه ظفر بتطليقي تنفيذًا لوصية أختي! أم لأنه رآني أشرفت على الموت فخشي أن يفقدني كما فقد أختي؟!

الواقع أنه أغدق عليَّ بعد شفائي أضعاف ما كان يغدقه من قبلُ من رعاية وعطف، وأنه انتهى إلى تزويجي من شاب من الأعيان، له من الثراء ما حسب أبي أنه يغنيني عن التفكير في الوقف الذي كان مآله إلى أبنائي.

وأقمت مع زوجي بضع سنوات، وأنجبت في أثنائها بنين وبنات، ولما علم خال أختي أنني تزوجت، وأنه لم يبق له إلى الاتصال بي سبيل، تزوج من إحدى نساء الشعب، بعد أن أغرى زوجها بالمال فطلقها، ورُزقتْ هذه المرأة منه بنين أصبحوا هم المستحقين في الوقف دون إخوتي وأمهم.

بعد بضع سنين، ماتت زوجة حبيبي، الذي طلقني بخديعة أمي، وإصرار أبي، وساءت حال زوجي المالية لسوء إدارته ثروته، فركبه الدَّيْن، وأخذ يبيع أملاكه شيئًا فشيئًا، وجاءتني والدتي تذكر أن خال أختي مستعد لأن يدفع ديون زوجي، على أن يطلقني، فأعود زوجًا له كما كنت من قبل!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١